المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحوث متنوعة



الصفحات : 1 [2] 3 4 5 6 7 8 9 10

laura
04-04-2009, 22:13
مرحبا spisos إن أتممت العمل الذي شغلك الكثير جازاك الله خيرا على كل ما تبدله و وفق الجميع لا تنسى طلبي فقد أمهلت وقت إلى غاية الثلاثاء شكرا وعذرا على الإزعاج

spisos
04-04-2009, 22:19
الأخت laura
من فضلك ذكريني ببحثك
و آسف على التأخير

laura
04-04-2009, 22:33
مشكور على الإهتمام أتفهم الوضع بخصوص البحث هو بعنوان النباد أحتاج إلى مراجع وإقتراح في الخطة و كان الله في العون مع كل الطلبات و الطلبة

laura
04-04-2009, 22:36
مشكور على الإهتمام أتفهم الوضع بخصوص البحث هو بعنوان النباد أحتاج إلىالمعلومات و مراجع وإقتراح في الخطة و كان الله في العون مع كل الطلبات و الطلبة

karimilia
04-04-2009, 23:13
شكرا لك الاخ ..اتمنى لك دوام الصحة و العافية..و لكن ان استطعت ان تجد لي الخطة اللازمة للفكر السياسي المسيحي مع التركيز على اهم المفكرين..القديس اغسطين و توماس الاكويني...مشكور على الإهتمام ...كان الله في العون

spisos
05-04-2009, 15:36
رد إلى laura:


النيباد:


مقدمة

شهد إنشاء الاتحاد الإفريقي مبادرات متزامنة لتركيز الاهتمام على الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا التي اعتمدها مؤتمر قمة منظمة الوحدة الإفريقية في لوساكا بزامبيا في 11 يوليو 2001.
وتمثل هذه المبادرة الإفريقية الجديدة تعهداً من قبل الزعماء الإفريقيين، يستند إلى رؤيا جماعية واقتناع جازم ومشترك، بأن عليهم واجباً ملحاً باستئصال الفقر ووضع بلدانهم، فرادى ومجتمعة، على طريق النمو والتنمية المستدامين، والمشاركة بنشاط، في نفس الوقت، في الاقتصاد العالمي وفي مجتمع السياسة. ويرتكز البرنامج على تصميم الأفارقة على تخليص أنفسهم والقارة من آفة التخلف والاستبعاد في عالم آخذ في العولمة.
إن فقر إفريقيا وتخلفها يتناقض بشكل صارخ مع ازدهار العالم المتقدم. ويشكل التهميش المستمر لإفريقيا من عملية العولمة والاستبعاد الاجتماعي للغالبية العظمى من شعوبها تهديداً جسيماً للاستقرار العالمي.
ومنذ سبعينات القرن الماضي، وانضمام البلدان الإفريقية إلى مؤسسات المجتمع الدولي، قام منطق التنمية الإفريقية على ثنائي الائتمان والمعونة. وأفضى الائتمان إلى ورطة المديونية، التي لا تزال قائمة، وهي التي بدأت بالأقساط وانتهت بإعادة الجدولة، وتعوق نمو البلدان الإفريقية. وقد تم الوصول إلى آخر حدود هذا الخيار. وفيما يتعلق بالعنصر الآخر في الثنائي- أي المعونة- فإن بوسعنا أن نلحظ أيضاً انخفاض المعونة الخاصة والحد الأعلى للمعونة العامة، وهو ما يتناقض مع أهداف السبعينات.
2 الاستراتيجية
تنطوي الاستراتيجية التي تقوم عليها المبادرة على الهيكل التالي:
● الشروط الأساسية المسبقة للتنمية
- السلم، والأمن والديمقراطية والحكم السياسي السليم
- الإدارة السليمة للاقتصاد والشركات مع التركيز على إدارة المالية العامة
- التعاون والتكامل الإقليميان
● القطاعات ذات الأولوية
- البنية التحتية
- تكنولوجيا المعلومات والاتصالات
- التنمية البشرية، مع التركيز على الصحة والتعليم وتنمية المهارات
- الزراعة
- النهوض بتنويع الإنتاج والصادرات، مع التركيز على تيسير سبل وصول الصادرات الإفريقية إلى الأسواق في البلدان الصناعية.
● تعبئة الموارد
- زيادة المدخرات وتدفقات رؤوس الأموال من خلال المزيد من تخفيف عبء الدين، وزيادة تدفقات المعونة الإنمائية الرسمية ورؤوس الأموال الخاصة، علاوة على الإدارة الأفضل للإيرادات والمصروفات العامة.
3 المواضيع الرئيسية

يناقش النص التالي بشكل عمومي بعض العناصر الآنفة، التي تؤثر فيها رسالة الاتحاد الدولي للاتصالات، ورسالة مكتب تنمية الاتصالات على وجه الخصوص، بدرجة كبيرة.
1.3 التكامل الاقتصادي

معظم البلدان الإفريقية صغيرة، من حيث عدد السكان وحصة الفرد من الدخل على حد سواء. ونتيجة لكون أسواقها محدودة، فإنها لا تقدم عوائد جذابة للمستثمرين المحتملين، بينما يتأخر التقدم الممكن تحقيقه في تنويع الإنتاج والصادرات. ويعمل ذلك على الحد من الاستثمار في البنية التحتية الضرورية التي تعتمد في جدواها العملية على وفورات الحجم.
وتبين هذه الظروف الاقتصادية الحاجة إلى قيام البلدان الإفريقية بتجميع مواردها وزيادة التعاون الإقليمي والتكامل الاقتصادي في القارة بغية تحسين قدرتها التنافسية الدولية. ولا بد من تقوية التجمعات الاقتصادية الإقليمية الخمسة: غرب إفريقيا وشمال إفريقيا ووسط إفريقيا وشرق إفريقيا والجنوب الإفريقي.
وتركز المبادرة الإفريقية على توفير السلع العامة الإقليمية الأساسية ( مثل النقل، والطاقة، والمياه، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، واستئصال الأمراض، وصون البيئة، وتوفير قدرة البحث الإقليمية)، علاوة على النهوض بالتجارة والاستثمارات البينية الإفريقية. وسيتم التركيز على ترشيد الإطار المؤسسي للتكامل الاقتصادي بواسطة تحديد المشاريع المشتركة المتوافقة مع البرامج الإنمائية القطرية والإقليمية المتكاملة، وعلى تجانس السياسات والممارسات الاقتصادية والاستثمارية. وثمة حاجة إلى تنسيق السياسات القطاعية الوطنية والرصد الفعال للقرارات الإقليمية.
وستعطي المبادرة الإفريقية أولوية لبناء القدرة على تعزيز فعالية الهياكل الإقليمية القائمة وترشيد المنظمات الإقليمية القائمة. ولا بد من أن يقوم بنك التنمية الإفريقي بدور قيادي في تمويل الدراسات والبرامج والمشاريع الإقليمية.
وينبغي الاعتراف في جهود التكامل بالظروف الخاصة للبلدان الجزرية الصغيرة في إفريقيا.
2.3 الفجوات في البنية التحتية

تعتبر البنية التحتية أحد المؤشرات الرئيسية للنمو الاقتصادي، وينبغي البحث عن حلول تسمح لإفريقيا بأن ترتفع إلى مستوى البلدان المتقدمة من حيث تراكم رأس المال المادي ورأس المال البشري.
ولو كانت إفريقيا تملك نفس البنية التحتية الأساسية التي تملكها البلدان المتقدمة، لكانت في وضع مؤات جداً بحيث تركز على الإنتاج وتحسين الإنتاجية من أجل المنافسة الدولية. وتشكل الفجوة الهيكلية في البنية التحتية معوقاً جسيماً جداً للنمو الاقتصادي والحد من الفقر. فالبنية التحتية المحسنة، بما في ذلك تكلفة الخدمات وإمكانية التعويل عليها، تعود بالفائدة على إفريقيا وعلى المجتمع الدولي الذي سيستطيع أن يحصل على السلع والخدمات الإفريقية بشكل أرخص جداً.
لقد بنى المستعمرون في الكثير من البلدان الإفريقية البنية التحتية المطلوبة لتصدير المواد الخام الإفريقية واستيراد سلعهم الصناعية إلى إفريقيا.
وإذا ما كان للبنية التحتية أن تتحسن في إفريقيا، فإن التمويل الأجنبي الخاص يعتبر لازماً لاستكمال طريقتي التمويل التقليديتين، ألا وهما الائتمان والمعونة.
3.3 التنمية البشرية: الصحة والتعليم

تدور التنمية البشرية حول توسيع خيارات الناس وتمكينهم من التمتع بحياة صحية وخلاقة طويلة. ويتبنى البرنامج استراتيجيات استئصال الفقر المتعددة الاتجاهات المدعومة من قبل عدد من الوكالات الإنمائية والجهات المانحة المتعددة الأطراف. ويدعو البرنامج إلى قيام الحكومات الإفريقية ومجتمع المانحين بزيادة الاستثمار في الخدمات الصحية.
وتتمثل المشاكل الرئيسية في التعليم في إفريقيا في سوء المرافق وعدم ملاءمة الأنظمة التي تحصل الغالبية العظمى من الأفارقة على التدريب بواسطتها. وقد أظهر الأفارقة الذين أتيحت لهم الفرصة لتلقي التدريب في أماكن أخرى من العالم قدرتهم على المنافسة بنجاح.
وتؤيد الخطة القيام بتقوية النظام الجامعي في كافة أنحاء إفريقيا فوراً، بما في ذلك إنشاء جامعات متخصصة حيثما تطلبت الحاجة، والاستفادة من هيئات التدريس الإفريقية المتاحة. وتم التشديد بوجه خاص على الحاجة إلى تعزيز وجود معاهد التكنولوجيا.
والعنصر الهام الثاني في التعليم هو بناء المدارس الابتدائية في جميع القرى، والمدارس الثانوية في جميع الأقاليم.
4.3 الزراعة

تعيش غالبية الشعوب في إفريقيا في المناطق الريفية. بيد أن الأنظمة الزراعية ضعيفة بوجه عام وغير مثمرة. وحيث يقترن ذلك بالنكسات الخارجية، مثل عدم التيقن من المناخ، والتحيزات في السياسة الاقتصادية والتغيرات في الأسعار العالمية، فقد عملت هذه الأنظمة على تثبيط المعروض الزراعي والدخل في المناطق الريفية، مما أفضى إلى انتشار الفقر.
وتتطلب الحاجة الملحة لتحقيق الأمن الغذائي في البلدان الإفريقية أن تتم معالجة الأنظمة الزراعية غير الملائمة بحيث يمكن زيادة إنتاج الأغذية ورفع مستويات التغذية.
وإدخال تحسينات في الأداء الزراعي يعد شرطاً أساسياً مسبقاً للتنمية الاقتصادية في القارة. كما أن من شأن الزيادة الناجمة عن ذلك في القوة الشرائية لأهالي الريف أن تفضي إلى طلب فعلي أعلى على السلع الصناعية الإفريقية. وستشكل الديناميكيات المستحثة مصدراً هاماً للنمو الاقتصادي.
وتتوقف التحسينات الإنتاجية في الزراعة على إلغاء عدد من القيود الهيكلية التي تؤثر على القطاع. وأحد القيود الرئيسية عدم التيقن من المناخ، وهو ما يوجد عامل مخاطر في وجه الزراعة الكثيفة المستندة إلى تدفق الاستثمارات الخاصة بشكل بارز. وبالتالي، لا بد للحكومات من أن تدعم توفير الري وتعمير الأراضي القابلة للري عندما لا تبدي العناصر الخاصة استعداداً للقيام بذلك. كما أن تحسين البني التحتية الريفية الأخرى ( الطرق، وإدخال الكهرباء في الريف، إلى آخره) ضروري.
ولم تول الجهات المانحة الثنائية والمؤسسات المتعددة الأطراف سوى اهتمام قليل جداً في الآونة الأخيرة بقطاع الزراعة والمناطق الريفية التي تضم 70 في المائة من الفقراء في إفريقيا. فمثلاً، كان الائتمان المقدم للزراعة في حافظة مشاريع البنك الدولي يبلغ 39 في المائة في عام 1978، ولكنه انخفض إلى 12 في المائة في عام 1996، بل وانخفض بأكثر من ذلك ليصل إلى 7 في المائة في عام 2000. ولا بد لمجتمع المانحين بأكمله أن يعكس هذا الاتجاه السلبي.
4 تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

1.4 الوضع
أسفر سوء البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في إفريقيا، مجتمعاً مع ضعف السياسات والأطر التنظيمية ومع الموارد البشرية المحدودة، عن عدم كفاية سبل الحصول على ما هو ميسور من الهواتف والإذاعة والحواسيب والإنترنت. ولا تزال الكثافة الهاتفية الإفريقية دون خط واحد لكل 100 شخص. كما أن تكاليف الخدمة مرتفعة جدا: فيبلغ متوسط تكلفة التوصيل في إفريقيا 20 بالمائة من حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، بالمقارنة مع المتوسط العالمي الذي يبلغ 9 بالمائة، والذي يبلغ في بلدان الدخل المرتفع واحداً بالمائة. وقد عجزت إفريقيا عن اغتنام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كأداة لتعزيز سبل الرزق وخلق فرص جديدة لنشاط الأعمال، وتعرضت إقامة الصلات عابرة الحدود داخل القارة ومع الأسواق العالمية للتعويق. ورغم أن الكثير من البلدان في إفريقيا بدأت في إصلاح سياسات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فإن انتشار الخدمة أو نوعيتها أو تعريفتها لم تتحسن بعد.
وتتمثل الأولوية الاستراتيجية في تحسين النفاذ بالنسبة للأسر المعيشية والشركات، على أن يكون الهدف القصير الأجل مضاعفة الكثافة الهاتفية إلى خطين لكل 100 شخص بحلول عام 2005، مع إيجاد مستوى نفاذ ملائم. ولابد أيضاً من معالجة مسألة التيسر: فمن شأن توفير تكلفة أقل وتحسين إمكانية التعويل على الخدمة بالنسبة للشركات أن يخفض تكاليف الإنتاج والمعاملات في كافة أجزاء الاقتصاد وأن يعزز النمو. وتحتاج مضاعفة الكثافة الهاتفية بحلول عام 2005 إلى استثمار تقريبي يزيد على 8 مليارات من الدولارات في البنية التحتية الأساسية وحدها. ولا تملك جهات تشغيل الاتصالات في إفريقيا ( العامة والخاصة) موارد كافية.
ويتطلب اجتذاب مستثمري القطاع الخاص إلى استراتيجية شاملة ومتكاملة وحسنة التنسيق تنطوي على إصلاح للسياسات والقواعد التنظيمية، وخلق قاعدة موارد بشرية للقطاع، بما في ذلك المهارات الهندسية والبرمجية، والتركيز على التطبيقات والمحتويات التي تضيف قيمة إلى الشبكات، واستحداث آليات تمويل فعالة، بما في ذلك الشراكات ما بين القطاعين العام والخاص.
2.4 الأهداف

● مضاعفة الكثافة الهاتفية إلى خطين لكل 100 شخص بحلول عام 2005، مع إيجاد مستوى نفاذ ملائم للأسر المعيشية؛
● تخفيض تكلفة الخدمة وتحسين إمكانية التعويل عليها؛
● تحقيق الاستعداد الإلكتروني بالنسبة لجميع البلدان في إفريقيا؛
● استحداث وتحقيق مجمعة من الشباب والطلاب المتمرسين على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي يمكن لإفريقيا أن تستمد منها حاجتها من المهندسين والمبرمجين ومصممي البرمجيات المدربين على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛
● استحداث برمجيات ذات محتوى محلي تستند بوجه خاص إلى التراث الثقافي لإفريقيا.
3.4 الإجراءات

● التعاون مع الوكالات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي للاتصالات ومنظمة "توصيل إفريقيا" (Africa Connection) لوضع سياسات وتشريعات نموذجية لإصلاح الاتصالات، وبروتوكولات ومقاييس لتقدير الاستعداد الإلكتروني؛
● التعاون مع الوكالات الإقليمية لبناء القدرات التنظيمية؛
● إنشاء شبكة من المؤسسات التدريبية والبحثية لبناء قوة عاملة مرتفعة المستوى؛
● تشجيع وتسريع المشاريع القائمة لوصل المدارس ومراكز الشباب؛
● التعاون مع مؤسسات تمويل التنمية في إفريقيا والمبادرات المتعددة الأطراف (فريق المهام المعني بالفرص الرقمية لمجموعة البلدان الثمانية وفريق المهام التابع للأمم المتحدة) والجهات المانحة الثنائية، لإنشاء آليات تمويل لتخفيف حدة المخاطر التي يتعرض لها القطاع وتقليلها.
5 موجز

تدرك إفريقيا ما وقع من مظالم تاريخية طويلة الأمد والحاجة إلى تصحيحها. بيد أن الفرضية الرئيسية للشراكة الجديدة تتمثل في بذل جهود مشتركة لتحسين نوعية حياة شعوب إفريقيا بأسرع ما يمكن. وفي هذا الصدد، ثمة مسؤولية مشتركة ومنافع متبادلة فيما بين إفريقيا وشركائها.
وسيتم المحافظة على شتى الشراكات القائمة بين إفريقيا والبلدان الصناعية من ناحية، وبينها وبين المؤسسات المتعددة الأطراف من ناحية أخرى. وتشمل الشراكات المقصودة، من جملة أمور، برنامج الأمم المتحدة الجديد للتنمية في إفريقيا في التسعينات؛ وخطة عمل القاهرة الصادرة عن مؤتمر قمة إفريقيا-أوروبا؛ والشراكة الاستراتيجية مع إفريقيا التي يتصدرها البنك الدولي؛ وأوراق استراتيجية الحد من الفقر التي يتصدرها صندوق النقد الدولي؛ وبرنامج عمل طوكيو الذي تتصدره اليابان؛ وقانون نمو وفرصة إفريقيا الصادر في الولايات المتحدة الأمريكية؛ واللجنة الاقتصادية المعنية بالاتفاق العالمي مع إفريقيا. ويتمثل الهدف من ذلك في ترشيد هذه الشراكات وكفالة إدرارها لفوائد حقيقية لإفريقيا.
6 قـرار

تم إعداد مشروع قرار بشأن إشراك الاتحاد الدولي للاتصالات في مبادرة الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا، ومرفق مع هذه الورقة كملحق لتقديمه إلى المؤتمر.
ثانياً مشروع قرار بشأن إشراك الاتحاد الدولي للاتصالات في مبادرة الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا
إن المؤتمر العالمي لتنمية الاتصالات (إسطنبول، 2002)،
إذ يأخذ في اعتباره
أحكام دستور الاتحاد الدولي للاتصالات بشأن قطاع تنمية الاتصالات، على النحو الوارد في الفصل الرابع منه، ولاسيما، من جملة أمور، ما يتعلق بوظائف القطاع في بناء الوعي بتأثير الاتصالات على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودوره كعامل حافز في النهوض بتنمية خدمات وشبكات الاتصالات وتوسيعها وتشغيلها، وبخاصة في البلدان النامية، والحاجة إلى المحافظة على التعاون مع منظمات الاتصالات الإقليمية وغير الإقليمية، والارتقاء به،
وإذ يأخذ في اعتباره كذلك
أن القرار 31 لمؤتمر المندوبين المفوضين للاتحاد الدولي للاتصالات (كيوتو، 1994) بشأن البنية التحتية للاتصالات والتنمية الاجتماعية-الاقتصادية يبرز:
أ ) أن الاتصالات شرط مسبق للتنمية،
ب) تأثيرها على الزراعة، والصحة، والتعليم، والنقل، والمستوطنات البشرية إلى آخره؛
ج ) الانخفاض المستمر في الموارد الإنمائية المتاحة للبلدان النامية؛

وإذ يلاحظ،
أ ) أن المؤتمر العالمي لتنمية الاتصالات (فاليتا، 1998) أعاد التأكيد في إعلانه وقراراته على الالتزام بزيادة توسيع وتنمية خدمات الاتصالات في البلدان النامية وتسخير الطاقات لتطبيق الخدمات الجديدة والمبتكرة،
ب) اعتماد خطة عمل فاليتا التي تحتوي على فصول رئيسية عن تنمية البنية التحتية العالمية للمعلومات والبرنامج الخاص بأقل البلدان نمواً،
وإذ يعـي
أن مجلس الاتحاد الدولي للاتصالات قد حث المؤتمر في قراره 1184 بشأن المؤتمر العالمي لتنمية الاتصالات - 2002 على أن يركز تركيزاً خاصاً على "مشكلة سد الفجوة الرقمية"،
وإذ يحيط علماً
أ ) باعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها A/RES/56/37 باعتماد جمعية رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية في دورتها العادية السابعة والثلاثين المنعقدة في لوساكا في يوليو 2001 للشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا،
ب) والإعلان الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي، بشأن دور منظومة الأمم المتحدة في دعم جهود البلدان الإفريقية لإنجاز التنمية المستدامة؛
وإذ يدرك
الأحكام الواردة في منطوق قرار الأمم المتحدة A/RES/56/218 بشأن الاستعراض والتقييم النهائيين لبرنامج الأمم المتحدة الجديد للتنمية في إفريقيا، من أجل النظر خلال عام 2002 في الخطط والطرائق المتعلقة باشتراك الأمم المتحدة في المستقبل في الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا، والذي يدعو منظومة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى دعم المبادرة الإفريقية الجديدة وكفالة التمثيل الفعال،
وإذ يسلم
بأنه رغماً عما سجله الإقليم الإفريقي من نمو وتوسع مبهرين في خدمات اتصالات المعلومات منذ المؤتمر العالمي لتنمية الاتصالات-1998 الأخير، فلا تزال هناك مجالات انشغال رئيسي كثيرة وتفاوتات جمة في التوزيع متفشية في الإقليم؛ كما أن النمو المستمر في "الفجوة الرقمية" مسألة لها مغزاها الهام،
يطلب
من الأمين العام للاتحاد الدولي للاتصالات أن يشرع في القيام بشكل عاجل بتدابير وبرامج خاصة لدعم الشراكة الجديدة من أجل التنمية في إفريقيا والمشاركة فيها،
يكلف
مدير مكتب تنمية الاتصالات بإقامة تعاون وثيق وفعال مع الاتحاد الإفريقي للاتصالات المنخرط في شتى أوجه تنفيذ الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا، والمحافظة على هذا التعاون،
يقرر دعوة
مجلس الاتحاد الدولي للاتصالات ومؤتمر المندوبين المفوضين (مراكش، 2002) إلى كفالة إتاحة موارد ووسائل ملائمة لمكتب تنمية الاتصالات لكي يشارك بفعالية في مبادرة الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا.

راما
05-04-2009, 16:30
السلام عليكم مرة أخرى أريد معلومات عن أهم الأفكار السياسية التي جاء بها أبي حامد الغزالي

tareqraza
05-04-2009, 21:30
السلام عليكم انا ادرس الثالثة حقوق و أبحث عن بحث في المنازعات الادارية و ع\هو المسؤولية على أساس الخطأ الله يجازيك كل خير

barhoumti
05-04-2009, 21:42
من فضلك بحثي حول علاقة علم الاجتماع بعلم الاقتصاد

spisos
05-04-2009, 22:03
رد إلى راما:

ابو حامد الغزالي

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين




من هو الغزالي:

جمع الإمام الغزالي بين الريادة الفلسفية والموسوعية الفقهية والنزعة الصوفية الروحية، اتسم بالذكاء وسعة الأفق وقوة الحجة وإعمال العقل وشدة التبصر، مع شجاعة الرأي وحضور الذهن، كل ذلك أهّله ليكون رائدا في تلك العلوم المختلفة والفنون المتباينة؛ فكان الغزالي فيلسوفا وفقيها وصوفيا وأصوليا، يحكمه في كل تلك العلوم إطار محكم من العلم الوافر والعقل الناضج والبصيرة الواعية والفكر الراشد، فصارت له الريادة فيها جميعا، وأصبح واحدا من أعلام العرب الموسوعيين المعدودين.

الميلاد والنشأة:

ولد أبو حامد الغزالي بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي بقرية "غزالة" القريبة من طوس من إقليم خراسان عام (450هـ = 1058م)، وإليها نسب الغزالي. ونشأ الغزالي في بيت فقير لأب صوفي لا يملك غير حرفته، ولكن كانت لديه رغبة شديدة في تعليم ولديه محمد وأحمد، وحينما حضرته الوفاة عهد إلى صديق له متصوف برعاية ولديه، وأعطاه ما لديه من مال يسير، وأوصاه بتعليمهما وتأديبهما.
اجتهد الرجل في تنفيذ وصية الأب على خير وجه حتى نفد ما تركه لهما أبوهما من المال، وتعذر عليه القيام برعايتهما والإنفاق عليهما، فألحقهما بإحدى المدارس التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، والتي كانت تكفل طلاب العلم فيها.
ودرس الغزالي في صباه على عدد من العلماء والأعلام، أخذ الفقه على الإمام أحمد الرازكاني في طوس، ثم سافر إلى جرحان فأخذ عن الإمام أبي نصر الإسماعيلي، وعاد بعد ذلك إلى طوس حيث بقي بها ثلاث سنين، ثم انتقل إلى نيسابور والتحق بالمدرسة النظامية، حيث تلقى فيها علم أصول الفقه وعلم الكلام على أبي المعالي الجويني إمام الحرمين ولازمه فترة ينهل من علمه ويأخذ عنه حتى برع في الفقه وأصوله، وأصول الدين والمنطق والفلسفة وصار على علم واسع بالخلاف والجدل.
وكان الجويني لا يخفي إعجابه به، بل كان دائم الثناء عليه والمفاخرة به حتى إنه وصفه بأنه "بحر مغرق".


بزوغ شمس الغزالي :

استقر المقام بالغزالي في نيسابور فترة طويلة حيث تزوج وأنجب، وظل بها حتى توفي شيخه الإمام الجويني في عام (478هـ = 1085م) فغادرها وهو لم يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره.
خرج الغزالي إلى "المعسكر" فقصد الوزير السلجوقي "نظام الملك" الذي كان معروفا بتقديره العلم ورعايته العلماء.
واستطاع الغزالي أن يحقق شهرة واسعة بعد أن ناظر عددا من الأئمة والعلماء وأفحم الخصوم والمنافسين حتى اعترفوا له بالعلم والفضل، فارتفع بذلك ذكره وذاع صيته، وطار اسمه في الآفاق.
واختاره نظام الملك للتدريس بالمدرسة النظامية في بغداد فقصدها في سنة (484هـ = 1091م) وكان قد بلغ الرابعة والثلاثين من عمره، وقد استُقبل فيها استقبالا حافلا، وكانت له مهابة وجلال في نفوس العامة والخاصة، حتى غلبت حشمته الأمراء والملوك والوزراء.
وصرف الغزالي همته إلى عقد المناظرات، ووجّه جهده إلى محاولة التماس الحقيقة التي اختلفت حولها الفرق الأربعة التي سيطرت على الحياة الفكرية في عصره وهي: "الفلاسفة" الذين يدّعون أنهم أهل النظر والمنطق والبرهان، و"المتكلمون" الذين يرون أنهم أهل الرأي والنظر، و"الباطنية" الذين يزعمون أنهم أصحاب التعليم والمخصوصون بالأخذ عن الإمام المعصوم، و"الصوفية" الذين يقولون بأنهم خواص الحضرة الإلهية، وأهل المشاهدة والمكاشفة.

: رحلة البحث عن الحقيقة:

وسعى الغزالي جاهدا ليتقصى الحقيقة بين تلك الفرق الأربعة؛ فدرسها بعمق شديد حتى ألم بها وتعرف عليها عن قرب، واستطاع أن يستوعب كل آرائها، وراح يرد عليها الواحدة تلو الأخرى. وقد سجل ذلك بشكل مفصل في كتابه القيم "المنقذ من الضلال"، ولكنه خرج من تلك التجربة بجرعة كبيرة من الشك جعلته يشك في كل شيء حتى مهنة التدريس التي أعطاها حياته كلها، وحقق من خلالها ما بلغه من المجد والشهرة والجاه، فلم تعد لديه الرغبة في أي شيء من ذلك.
وظل الغزالي على تلك الحال من التردد نحو ستة أشهر حتى قرر مغادرة بغداد، وفرّق ما كان معه من مال ولم يدخر منه إلا قدر الكفاف وقوت الأبناء.
واتجه إلى الشام حيث أقام بها نحو عامين، فكان يقضي وقته معتكفا في مسجد دمشق، لا شغل له إلا العزلة والخلوة والرياضة الروحية ومجاهدة النفس والاشتغال بتزكيتها وتهذيب الأخلاق، وتصفية القلب لذكر الله تعالى.
ثم انتقل من دمشق إلى بيت المقدس فكان يدخل مسجد الصخرة كل يوم ويغلق الباب على نفسه وينصرف إلى عزلته وخلوته.
وهناك بدأ في تصنيف كتابه الشهير إحياء علوم الدين، ثم ما لبث أن عاد مرة أخرى إلى دمشق ليعتكف في المنارة الغربية من الجامع الأموي، حتى إذا ما دعاه داعي الحج اتجه إلى مكة ليؤدي فريضة الحج سنة (489هـ = 1096م) ثم زار المدينة المنورة.
وعاد الغزالي من الحج إلى دمشق مرة أخرى حيث عكف على إنجاز كتاب الإحياء، وفي العام التالي رحل إلى بغداد، لكنه لم يستأنف العمل بالتدريس بها، وما لبث أن ذهب إلى خراسان وظل حريصا على الخلوة، مواظبا على حياة الزهد والتأمل وتصفية القلب لذكر الله، واستمر على تلك الحال نحو عشر سنوات، يجمع بين التمتع بالخلوة والذكر والتأمل، والأخذ بأسباب الحياة والتغلب على عوائقها، واستطاع خلالها الوصول إلى تلك الحقيقة التي راح يبحث عنها، والاهتداء إلى ذلك اليقين الذي راح يبثه في تلاميذه ومريديه: يقين الصوفية الحقة الذي استمد دعائمه من مشكاة النبوة الصافية وجوهر الإسلام الخالص.
وعندما تولى "فخر الملك علي بن نظام الملك" الوزارة في نيسابور سنة (498هـ = 1104م) عقب اغتيال أبيه على يد بعض الباطنية، ألح على الغزالي في العودة إلى التدريس في نظامية نيسابور، واستجاب له الغزالي إلا أنه لم يستمر بها أكثر من عامين؛ إذ سرعان ما ترك التدريس ثانية بعد اغتيال فخر الملك على يد أحد الباطنية في المحرم (500هـ = 1106م).
وعاد الغزالي إلى مسقط رأسه في طوس فبنى بها مأوى للطلاب والصوفية ممن يقصدونه، وظل بها فلم يبرحها حتى توفي.

صاحب رسالة:

كان الغزالي منذ حداثة سنه يشعر أنه صاحب رسالة، وقد أدرك منذ صباه ذلك الصراع الدائر بين الفرق الدينية المختلفة والتيارات الفكرية المتناحرة، وهو ما حظي بقدر كبير من الاهتمام والجدل في عصره؛ ولعل ذلك ما أغراه بدراسة تلك الفرق والطوائف والتصدي لها في العديد من مؤلفاته ومناظراته.
وبالرغم من النزعة الصوفية التي سيطرت عليه طوال حياته، والتي كان لنشأته وبيئته الأولى أثر كبير في ترسيخها في عقله ووجدانه، فإنه لم ينعزل عن قضايا مجتمعه ومشكلات أمته، وإنما اهتم برصد ما يدور حوله من تيارات فكرية ومذاهب دينية واتجاهات فلسفية، وتصدى لها بالنقد والتحليل، فجمع بين روحانية الصوفية في صفاء العبادة وشفافية الوجدان وعمق الإيمان والزهد في الدنيا، وبين النزعة العقلية العلمية في النظر إلى الأمور الدنيا والدين على حد سواء، وحرية الفكر وشجاعة الرأي.
وكان الغزالي معنيًا بأمر الدين، مهتمًا بالذبّ عن العقيدة الخالصة والإسلام الصحيح، وقد تجلى ذلك في العديد من مؤلفاته مثل: المنقذ من الضلال، وفضائح الباطنية، وتهافت الفلاسفة، بل إنه في كتابه الضخم وموسوعته الكبرى "إحياء علوم الدين" يستشعر هدفا أسمى ودورا أعظم ويضع نصب عينيه غاية أبعد بأنه مجدد الدين في القرن الخامس الهجري، ويتجلى ذلك بوضوح في العنوان الذي اختاره لدرته الرائعة وكتابه الفريد "الإحياء".

من الشك إلى اليقين:

تميز الغزالي الفيلسوف بالجرأة والشجاعة والذكاء؛ فقد واجه الاتجاهات الفكرية المختلفة التي سادت في عصره بذكاء وشجاعة نادرين، وكان نقده مركزا على نقد الفرق المتطرفة من منطلق إخلاصه للإسلام، وكان في نقده لها يتسم بالنزاهة والموضوعية، وأثبت الغزالي في رده على الفلاسفة مخالفتهم للإسلام في بعض الجوانب، وحذر الناس من اتباع طريقتهم من غير مناقشة أو تمحيص، كما كشف عن أباطيل الباطنية، وفضح ضلالاتهم بعد أن درس أسرار مذهبهم وعرف حقيقة أفكارهم، وكان أمر تلك الفرقة قد استشرى واستفحل خطرهم سياسيا ودينيا، وقد أراد الغزالي من رده عليهم تحجيم خطرهم والتقليل من نفوذهم الديني والسياسي بعد تعريتهم والكشف عن زيفهم وضلالهم وتوضيح أهدافهم.
وكان الغزالي في فلسفته يعبر عن شغفه بالعلم والبحث عن الحقيقة، وقد اتبع منهجا عقليا يقوم على فكرتين أساسيتين هما: الشك، والحدس الذهني.
وقد عبر عن ذلك بوضوح في قوله: "إن العلم اليقيني هو الذي يُكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم".
ويعبر عن تجربة البحث عن الحقيقة التي تبدأ عنده بالشك فيقول: "فأقبلت بجدٍّ بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات وأنظر: هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا".
وهو يفسر ذلك بأنه "من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر يبقى في العمى والضلال".
وهذا المنهج الذي اتبعه الغزالي منذ أكثر من تسعة قرون شديد التشابه بما قدمه الفيلسوف الفرنسي ديكارت وهو ما يؤكد تأثره بالفيلسوف الإسلامي الكبير وأخذه عنه؛ فقد عاش الفيلسوفان التجربة المعرفية ذاتها، وإن كان فضل السبق والأصالة يظل الغزالي، فعبارة الغزالي الشهير "الشك أول مراتب اليقين" التي أوردها في كتابه "المنقذ من الضلال" هي التي بنى عليها ديكارت مذهبه، وقد أثبت ذلك الباحث التونسي "العكاك" حينما عثر بين محتويات مكتبة ديكارت الخاصة بباريس على ترجمة كتاب المنقذ من الضلال، ووجد أن ديكارت قد وضع خطًا أحمر تحت تلك العبارة، ثم كتب في الهامش: "يضاف ذلك إلى منهجنا".

موقفه من العقل:

تحول الغزالي من الفلسفة إلى التصوف بعد أن استقر في وعيه ووجدانه أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى، خاصة أن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.
ورأى أن التصوف هو المنهج الأفضل في تلقي المعرفة اليقينية الملائمة، وهو في تصوفه لا يهمّش العقل، ولا يقلل من دوره، بل على العكس من ذلك؛ فإن للعقل عنده دورا أساسيا في سلوك طريق التصوف؛ إذ إن العلم اللدني عنده لا يتأتى إلا بعد استيفاء تحصيل جميع العلوم، وأخذ الحظ الأوفر منها والرياضة الصادقة للنفس والمراقبة الصحيحة لله مثل التفكر الذي يفتح للمتفكر أبواب العلم ويصير به من ذوي الألباب.
والغزالي يحتج بالعقل على غلاة الصوفية القائلين بالفناء والاتحاد، ويرى أنه قد ينكشف للصوفي ما لا يمكن للعقل إدراكه، ولكن ليس من الممكن أن ينكشف له شيء يحكم العقل باستحالته، فالعقل عنده هو الميزان الذي قيضه الله للإنسان لقياس مدى صدق معارفه ووضع الحدود لها، ومن ثم فإنه ليس ثمة تعارض بين مقتضيات التعقل، وشئون الإيمان الديني. ويرى أن من لم تكن بصيرته الباطنية ثاقبة فلن يعلق به من الدين إلا قشوره. أما في مسائل الإلهيات والغيب فيقرر أنه ليس للعقل دور أكثر من تقبلها والتسليم بصدقها.
ومما لا شك فيه أن الغزالي قد ساهم بتلك العقلية الواعية في تنقية التصوف من كثير من البدع والانحرافات، وأعطى التصوف والحياة الروحية بعدا عقليا جديدا، وإذا كان الإمام الأشعري قد خلّص علم الكلام من السفسطة الساذجة للمتكلمين القدامى المقتدين بالجدل اليوناني، فإن الإمام الغزالي قد أكد للإسلام قوة الحياة الدينية بتقرير الاعتراف بما نبت فيها من تصوف، وأسسه تأسيسا فلسفيا.

الغزالي والتربية الخلقية:

تهدف التربية الخلقية عند الإمام الغزالي إلى تحقيق بعض الغايات والأهداف التي تؤدي إلى رفع المستوى الروحي والخلقي والفكري والاجتماعي والسياسي للفرد والمجتمع، ومن تلك الأهداف التي حرص الغزالي على تحقيقها.
1- الكمال الإنساني: وذلك بارتقاء النفس الإنسانية من مجال الحس إلى مجال التفكير، والارتقاء بالإنسان من مستوى الخضوع للأهواء والشهوات إلى مقام العبودية لله، حتى تصل إلى حالة تطل بها على عالم الغيب، فتطّلع على الحقيقة، وتصل إلى أقصى مراتب الكمال الإنساني باقترابها من الخالق سبحانه وتعالى.
2- تربية النفس على الفضيلة: فقد ركز الإمام الغزالي على أساسيات الفضائل، واعتبرها أربعة هي: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل.
ويرى أن تحقيق الفضيلة إنما يكون من خلال تصفية القلب لذكر الله تعالى، والعمل على تزكية النفس وتهذيب الأخلاق.
ويؤكد الغزالي على أهمية الفضائل ودورها في ضبط قوى النفس الإنسانية، وتنمية الاستعدادات الفطرية الخيرة فيها.
3- تهذيب قوى النفس الإنسانية: وهو يرى أن ذلك لا يعني قمع نزعاتها وغرائزها واستئصالها تماما، فإن ذلك مخالف لفطرة الإنسان وطبيعته؛ لأن الشهوة إنما خلقت لفائدة، ولها وظيفة لا غنى للإنسان عنها، ولا بقاء له من دونها، فشهوة الطعام ضرورية لحياته ونموه، وشهوة الجنس تحفظ النسل وتساهم في بقاء النوع الإنساني، ولكنه يربط هذه الشهوات بالاعتدال والعفة والعقل.
4- حسن توجيه طاقات الأمة: فالغزالي يؤكد على أهمية حفظ طاقات النفس وتوجيهها للإفادة منها على النحو الأمثل، كما دعا إلى ضرورة تخليص الأمة من الشهوات المفسدة للروح الإسلامية، وأكد على الأثر التهذيبي للشريعة الإسلامية في كل من الفرد والمجتمع.
5- تكوين الشخصية المتوازنة: ويركز الغزالي في التربية الخلقية على المكونات الرئيسية للنفس الإنسانية وهي: العقل والروح والجسم، وينظر إليها باعتبارها كيانا واحدا متكاملا، ومن ثم جاء تأكيد الغزالي على بعض الأساليب والطرائق التربوية التي تتناول تلك المكونات بشكل متكامل ومتوازن، كالمجاهدة والرياضة لتزكية القلب والروح، والتفكر لتربية العقل، وترقية النفس الإنسانية في مجالات الإدراك، واللعب لتربية الجسم وتنشيط العقل والحواس.
6- إرضاء الله سبحانه وتعالى: دعا الغزالي إلى توخي إرضاء الله تعالى، وحذر من مطامع الدنيا الفانية، وحث على إحياء الشريعة الإسلامية والتماس رضوان الله تعالى، ولذلك فهو يرى أن من أهداف التربية الخلقية إعداد الإنسان في هذه الحياة الفانية للدار الآخرة الباقية؛ لأن الغاية المثلى للإنسان في هذه الدنيا هي حسن العبودية لله وتمام الطاعة والخضوع له.

الغزالي فقيها أصوليا:

كان الغزالي فقيها أصوليا بارعا، وقد ترك تراثا فقهيا كبيرا يدل على مدى تمكنه من هذا العلم وعلو منزلته فيه، ومن أهم مؤلفاته في أصول الفقه:
-"المنحول في علم الأصول"، وكان قد صنفه في مطلع شبابه وكان شافعيا متحمسا، وتناول فيه الأحكام الشرعية والأحكام التكليفية، وبيّن الواجب والمندوب والمحظور والمكروه، كما تحدث عن الإجماع والقياس والترجيح، وتناول الفتوى والاجتهاد وأحكامه، والتقليد وأحكامه، ثم ذكر سبب تقديمه مذهب الشافعي على بقية المذاهب.
-"البسيط في الفروع": وهو كتاب في الفقه الشافعي، وصفه ابن خلكان بقوله: "ما صُنّف في الإسلام مثله"، وقد تحدث فيه عن القصاص والجنايات التي تستوجب الحد، كما تناول السبق والرمي، والنذور والشهادات والدعاوى والعتق، واختصره الغزالي مرتين بعنوان: الوسيط والوجيز.
-"شفاء العليل في القياس والتعليل": وتناول فيه مسائل القياس والعلة والدلالة، كما ذكر شروط القياس وكيفيته، وذكر بعض المسائل التي توضح ذلك.
-"إحياء علوم الدين": وقد اشتمل على أبواب من العقائد والعبادات والمعاملات، وجمع فيه بين العقل والنقل، وبين الفقه والتصوف، وبين النص والاستدلال.
-"تهذيب الأصول": وهو كتاب ضخم في علم الأصول، يميل إلى الاستقصاء، والاستكثار يفوق كتابيه: المستصفى والمنخول.
-"المستصفى من علم الأصول": وهو اختصار لكتابه تهذيب الأصول الذي يميل إلى الاستقصاء، ويفوق كتاب المنخول الذي يميل إلى الاختصار.
وقد أفاد الغزالي كثيرا من دراسته للفقه وتمكنه منه في مناقشته أفكار ودعاوى الفرق المنحرفة وغلاة الصوفية، وإبطال عقائد الباطنية وغيرهم والرد على مزاعمهم وافتراءاتهم، وكان له أكبر الأثر في تشكيل عقله ووعيه، وتوجيه تصوفه ليقترب كثيرا من المنهج السلفي، ويبتعد عن الوقوع في دائرة الغلو والشطط والإغراق في المبالغة التي وقع فيها كثير من الصوفية.

الوفاة:

وتوفي الإمام الغزالي في (14 من جمادى الآخرة 505هـ = 19 من ديسمبر 1111م) عن عمر بلغ خمسا وخمسين عاما، وترك تراثا صوفيا وفقهيا وفلسفيا كبيرا، بلغ 457 مصنفا ما بين كتاب ورسالة، كثير منها لا يزال مخطوطا، ومعظمها مفقود.


المراجع:

أهم مصادر الدراسة:• الإمام الغزالي وعلاقة اليقين بالعقل: د.محمد إبراهيم الفيومي-دار الفكر العربي-القاهرة 1406هـ = 1986م.• البداية والنهاية: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي تحقيق: د.عبد الله بن عبد المحسن التركي-الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 1417هـ = 1997م.• تاريخ الأدب العربي: كارل بروكلمان القسم الرابع 7-8، أشرف على الترجمة أ.د محمود فهمي حجازي- الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 1413هـ = 1993م.• سير أعلام النبلاء شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي-أشرف على تحقيقه: شعيب الأرنؤوط- مؤسسة الرسالة- بيروت 1410هـ = 1990م.• الغزالي ولمحات عن الحياة الفكرية الإسلامية: د.بهي الدين زيان- مكتبة نهضة مصر- القاهرة 1378هـ = 1958م.• مؤلفات الغزالي: عبد الرحمن بدوي- المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب- القاهرة 1380هـ = 1961م.• نظرية التربية الخلقية عند الإمام الغزالي- عبد الحفيظ أحمد علاوي البريزات- منشورات دار الفرقان- عمان 1404هـ = 1984م.• الوافي بالوفيات: صلاح الدين جليل بن أيبك الصفدي- تحقيق: هلموت ديتر- دار النشر فرانز شتايز فيسبادن 1381هـ = 1962م.• وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو عباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان- تحقيق: د.إحسان عباس- دار الثقافة- بيروت د.ت

spisos
05-04-2009, 23:04
رد إلى karimilia:


هذه محاضرة في تاريخ الفكر السياسي قدمت سنة 2004:

هذا الجزء الأول منها...سأكتب لك الجزء الثاني لاحقا:

القديس أوغستين:

موقف القديس أوغستين من الفلسفة و الدين:

القديس أوغستين طور أفكار القديس (بول) و أسس فكرة الخطيئة الكبرى التي شعارها :"أنا اخطئ إذن انا موجود" و التي يقول بشأنها أوغستين "إن الخطيئة هي التي تجعل المرء عبدا و البراءة منها هي التي تجعله حرا( الخطيئة )" ، و يضيف في هذا المجال : "يمكن ان يكون المرء عبدا و يمكنه أن يكون في ذات الوقت أسمى من السيد في الطبع و الفضيلة "، أما الإيمان فهو عند (أوغستين) مرتبط بالتفكير ، حيث يقول "لا يوجد من يؤمن بشيء من غير أن يكون قد فكر قبل ذلك أنه ينبغي الإيمان به ، إن فعل الإيمان ليس سوى تفكير .

*مفهوم القديس (بول ) لتجزئة الولاء ، وهل هذا المصطلح يساوي في الشريعة الإسلامية : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
*يقول أوغستين يمكن للجندي أن يقوم بافعال منافية لمعتقداته و فكره ، لكن لما يامر بها ، لابد أن يقوم بها .

-لماذا يرفض الإمبراطور دعوة تدعو الناس إلى طاعته في كل شيء ؟ فيقول ينبغي أن تطيعونني لأنني إمبراطور ، كقول فرعون :"أنا ربكم الاعلى" ، اي الولاء التام أصبح مجزء ، ولو قلبي او روحي هو لله.

*محاولة الإطاحة بان الإمبراطور هو الحاكم الاعلى ، فقد تفطن هذا الحاكم أن المسيحية هي خطوة أولى ضد الإمبراطورية و إسقاطها فهو عمل سياسي ، و أصبح الإمبراطور ألعوبة في يد رجال الدين (الكنيسة) .

*نستنتج أن مواجهة السلطة لا تتم فقط في مواجهة صدامية ، بل يمكن أن تكون مواجهة روحية ، تؤثر في السلطة و تصدها ، ثم تاتي مرحلة تحقيق الإنقلاب ، و هي تدخل في إطار الحرب النفسية ، و تاتي بثمارها مثل العمل الإدعائي و الإعلامي ، الذي أدى إلى تحقيق نتائج سلبية .

*لماذا بدأت المسيحية بتجزيء الولاء لتصل في الأخير إلى الحكم ؟

*تجزئة الولاء هي : لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق.
*قام أوغستين بتأسيس نظرية لمسالة الخطيئة الكبرى (الأولى: أنا أخطئ إذن أنا موجود)(الثانية: هي مسألة إعطاء مفهوم جديد للزمن : عند الإنسان المسيحي يقول في هذا المجال :" لا يوجد حاضر و ماضي و مستقبل كل منفصل عن الآخر ، إنما هناك حاضر الماضي، و حاضر الحاضر ، و حاضر المستقبل،أما حاضر الماضي فهو الذاكرة، اما حاضر الحاضر فهو الحدس، أما حاضر المستقبل فهو الإنتظار و بهذا أعلن نشأة مفهوم الزمن عند الغربيين ، و أعاد الإعتبار لهذا المفهوم كما أعاد الإعتبار لمفهوم الجسد و العالم منتقدا الدورات اللامتناهية ، و العودة الأبدية لنفس الدورة ، و في هذا المجال يقول:" حتى نكون بداية خلق الإنسان و الجنس البشري كان بداية حقا".

ماذا نقصد بما سبق؟( مفهوم الزمن):

اليونان كانو يفكرون بطريقة الدورات الزمنية التي تبدأ و تنتهي ، فالقديس أوغستين فكرته تناقض اليونانيين ، المعتقدات الدينية عند المسلمين تقول أن هناك بدايو و نهاية ، ، اليونانيين لا يتحدثون عن البداية و النهاية نهائيا ، فالفكر اليوناني الروماني قبل المسيحية لم يكن قائما على مفهوم الزمن و الدورات .

*جاء أوغستين و قال ان هناك بداية و نهاية ن و حتى تكون هناك بداية خلق الإنسان، فـ(أوغستين ) من خلال المسيحية أسس البداية و النهاية.

*المسالة الأخرى :

مفهومه لمحطات الزمن ، يقول كل شيء في الحاضر ، أي لا يوجد ماضي مستقل عن الحاضر

يتبع...

spisos
05-04-2009, 23:16
رد إلى barhomti:

علاقة علم الإجتماع بعلم الإقتصاد:

علاقتهما هي علاقة تبادلية ، بحيث أن علم الإجتماع يستفيد من نتائج البحث الإقتصادي للظواهر الإقتصادية ذات الأبعاد الإجتماعية و علم الإقتصاد يستفيد من البحث الإجتماعي حول الظواهر الإجتماعية ذات العلاقة بالإقتصاد ، كالبطالة و تقسيم العمل، و نمط الإنتاج ، وعلاقات العمل، و الجماعات المهنية.(1)

--------------------------
1.عامر مصباح، علم الإجتماع(الرواد و النظريات) ،(الجزائر: شركة دار الأمة للطباعة و النشر، ط.1، 2005)، ص 24.

omarnesta
05-04-2009, 23:31
مشروع قانون الإعلام 2001 . 2002 .1998 شكرا جزيلا

farwla
06-04-2009, 18:03
أريد بحث في مقياس منهجية العلوم الاجتماعية حول الاقتراب النسقي.

laura
06-04-2009, 20:31
أهلا spisos شكرا على المعلومات إن توفر المزيد وافني إياه أممكن المراجع و الخطة مشكوووووووووور

spisos
06-04-2009, 22:16
رد إلى farwla:


الإقتراب النسقي:

إنتقل مفهوم النسق من حقول الدراسات الفيزيائية و الطبيعية إلى حقل الدراسات السياسية ، و صاحب فكرة النسق :"burtallanfy" الذي نظر إلى هيئات الكائنات على أنها نسق مفتوح يحيا في بيئة يتفاعل معها تأثيرا و تأثرا فهو نسق مفتوح له فتحتان ، فتحة مدخلات و فتحة مخرجات . ثم نقل هذه الفكرة "ديفيد إستن" إلى حقل الدراسات السياسية ليدرس التفاعلات السياسية في المجتمع على انها نسق "system" من التفاعلات و كان ذلك عام 1953 في كتابه الشهير :" political system" "النسق السياسي".

النسق السياسي عند (ديفيد إستن) هو التوزيع التحكمي للقيم .
عند (تالكوت بارسنز) :"النسق هو السعي نحو تحقيق الاهداف "، يقول بارسنز أن هناك نسق كلي "global system" و نسق جزئي"sub system".

تعريف النسق:

هو مجموعة من العناصر المتفاعلة فيما بينها تفاعلا وظيفيا و تشكل كلا متميزا يؤدي وظيفة أو مجموعة من الوظائف و أي تغير في أحد العناصر أو الأجزاء يؤدي إلى تغير في النسق.


و هكذا النسق قد يكون كليا أو جزئيا (فرعيا) ، فالنسق السياسي يعد كليا بالنسبة إلى الأنساق الفرعية الأخرى ، النسق الحزبي مثلا ، فهو نسق فرعي من النسق السياسي (نسق كلي).
و يمكن أن يتحول النسق السياسي إلى نسق فرعي بالنسبة إلى النسق الدولي الكلي.
فالجزائر هي نسق فرعي من النسق الدولي الكلي .

البيــــــــئة: enveronment

هي الوسط الذي يحيا فيه النسق و يتبادل معه التأثير عبر فتحتي المدخلات و المخرجات ، و تمثل هذه البيئة مجموعة الشروط التي خلالها يتحرك النسق ، و تنقسم البيئة إلى :

أ) بيئة داخلية: تتمثل في مجموعة الممارسات و الأفكار و الأوضاع التي تنتجها الانساق الفرعية الأخرى التي تنتمي إلى النسق الإجتماعي الكلي الذي ينتمي إليه النسق السياسي.

ب) بيئة خارجية: المقصود بها هي مجموعة التفاعلات التي تحدث خارج البيئة الإجتماعية للنسق أي مجموعة التفاعلات الدولية .

*) و هاتان البيئتان تسميان "البيـــــــــــــــــئة الكلية" للنسق.


الحـــــــــــــدود:

لكل نسق حدود تفصله عن غيره من الأنساق الأخرى و تبدأ حدود النسق السياسي عند مدخلاته ، و تنتهي عند مخرجات الأنساق الأخرى ، و هي حدود تصورية .

المدخـــــــــلات:

مدخلات النسق السياسي هي مخرجات البيئة ، أي مخرجات الأنساق الاخرى و تمثل مجموعة التأثيرات و الضغوط و الطلبات و المساندة التي تبعث بها البيئة نحو النسق السياسي للإجابة عنها.
و تعمل هذه المدخلات على تحويل النسق و تغيير ، و تنقسم هذه المدخلات على تحويل النسق و تغييره و تنقسم المدخلات إلى : المطالب و الضغوط و المساندة و قد أضاف العالم الإيطالي (وليام ميشلز) عنصرا آخر سماه الموارد .

المطالب:

هي ما تطلبه البيئة من النسق السياسي من إحتياجات مختلفة ، و هذه المطالب قد تأتي من البيئة الداخلية أو من البيئة الخارجية أو من البيئة الذاتية و تصاغ في شكل طلبات متعددة و متنوعة و عبر بعض الأبنية كالأحزاب و الجماعات الضاغطة و الأجهزة البيروقراطية و الرأي العام (محلي او دولي)، و هذه المطالب تقولب (توظف) الظروف التي خلالها ينشط النسق السياسي و يتحرك.
و تتوقف عملية صناعة القاررات على الطلبات ولا يمكن أن يتحرك النسق السياسي إلا بناءا على هذه الطلبات التي توجه إليه.
و الطلبات إذا زادت كثافتها و حجمها تتحول إلى ضغوط (إذا زادت الكثافة و الحجم و قلت إمكانيات النسق و ضعفت أدوات معالجة هذه الطلبات من القنوات المختلفة فإن هذه الطلبات تتحول إلى ضغوط ، و إذا تضخمت هذه الطلبات أكثر كان النسق السياسي معرضا للإنهيار) .
و تختلف إستجابة النسق السياسي للطلبات و ذلك حسب مصدرها و حساسيتها و أولويتها و إمكانات النسق و طبيعة تشكله (هناك جدل بين المرغوب و الممكن).
-------------------------------------
جزء من محاضرة النسق السياسي في كلية العلوم السياسية و الإعلام بجامعة الجزائر، للأستاذ محمد شلبي ، يومك 16/04/2005

spisos
06-04-2009, 22:53
رد إلى laura:

أختي الكريمة سأحاول إفادتك بالخطة التالية:

الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا(نيباد):


مقدمـــــــة
الفصل الأول: ماهية النيباد
المبحث الأول: مفهومها
المبحث الثاني: هياكلها
المبحث الثالث: أهدافها
الفصل الثاني: برنامج الشراكة لتنمية إفريقيا
المبحث الاول: سياستها في تحقيق التنمية المستدامة
المبحث الثاني: إصلاح السياسات و الإستثمار في مختلف القطاعات
المبحث الثالث : تنمية الموارد البشرية
الفصل الثالث: أهم الإنجازات و التحديات
المبحث الأول: الإنجازات
المبحث الثاني: التحديات
المبحث الثالث : الآفاق المستقبلية
خاتمة

علي طالب علي
06-04-2009, 23:02
اريد مساعدة في ما يخص مدكرة تخرج تحت عنوان الرقابة الادارية علئ المجلس الشعبي الولائي في الجزائر .
كون انني اجد صعوبة في وضع خطة عمل
انتضر ردكم بسرعة ارجوكم اريد ملفات او خطة نمودجية

spisos
06-04-2009, 23:06
تابع إلى laura:

من خلال الخطة السابقة حاولي الأخت ن التطرق إلى الهياكل: -منظمة الوحدة الغفريقية سابقا
-لجنة التسيير : اللجنة الفرعية من أجل السلم و الأمن
لجنة المبادرة
-سكريتارية المبادرة
-إجتماع اللجنة الرئاسية

أما بالنسبة للنشأة ليكن في علمك اختاه أنها في البداية كانت مبادرة فقط ، ثم أصبحت شراكة و الآن هو برنامج إقتصادي إفريقي يرتكز على الشراكة الإقتصادية
-الآن الشراكة ليست بين دولة و دولة ، بل بين مؤسسة إقتصادية وطنية و أخرى أجنبية.
-Map: هو برنامج جاءت به جنوب إفريقيا و تبنته الأمم المتحدة.
-omega: بقي على مستوى غرب إفريقيا .
جاء (تامو مبيلي) و إستدعى (أوباسونجو) و (عبد العزيز بوتفليقة) و جاءت مبادرة جديدة لإفريقيا nepad.

الهدف الأساسي للنيباد:

هو جلب الإستثمارات للقارة الإفريقية ، و لجلب هذه الإستثمارات هناك شروط: سياسية ، أمنية ، إقتصادية.
-كذلك جعل إفريقيا خالية من النزاعات و فيها إستقرار سياسي و فيها إحترام لمبادئ القانون الدولي العام.
-الأمن لا يكفي بل يجب توفر هياكل قاعدية (الطرق، الميناء، وسائل النقل، الكهرباء، الغاز، وسائل إتصال، أنترنت، يد عاملة مؤهلة و متخصصة)
-كل هذه النقاط موجودة في وثيقة النيباد.

بالتوفيق أختي ..و أتمنى لك التوفيق

spisos
06-04-2009, 23:17
رد إلى علي طالب علي:

أخي الكريم أنظر في هذا البحث لعله ملائم:

المقدمة :

تعتبر الجماعات المحلية جزءا لا يتجزأ من الدولة ، أي أنها تابعة لها بالرغم من وجود اللامركزية ، التي تعتبر أسلوبا من أساليب التنظيم الإداري، و التي تعني توزيع الوظيفة الإدارية بين السلطات المركزية في الدولة و الهيئات الإدارية المنتخبة ، تباشر مهامها تحت رقابة هذه السلطة .
فتنظيم الدولة يستوجب تقسيمها إلى أقاليم ، ولاية و بلدية و بالرجوع إلى البلدية التي تعد الخلية الأساسية للامركزية الإقليمية فهي تلعب دورا هاما في التكفل بحاجيات المواطنين .
أما بالنسبة للولاية التي تعد وحدة إدارية من وحدات الدولة و في نفس الوقت شخصا من أشخاص القانون تتمتع بالشخصية المعنوية و الذمة المالية المستقلة، وبالتالي كلاهما يلعبان دورا رئيسيا في مختلف الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية .
ولتحقيق الأهداف وعدم التلاعب بنفقات و الارادات للجماعات المحلية ضرورة وجود رقابة تواكب جميع مراحل الميزانية
من إعداد ، و الاعتماد و التنفيذ و الرقابة على سلامة تنفيذ الخطة المالية للجماعات المحلية إنفاقا و إيرادا وفقا لما قررته ميزانيتها .
هذه الرقابة التي تعمل على التحقق من استخدام الاعتمادات المقررة في الأغراض التي تخصص من أجلها مع كشف سوء التسيير و الاستغلال ، بالإضافة إلى الزيادة في الإنفاق .هكذا نجد أن هناك بلديات تعاني من عجز في ميزانيتها ، وتبقى عاجزة على إحداث التنمية المحلية بالرغم من التوزيع العادل للثروة الجزائرية .
كما أن مدى تطبيق الأهداف المسطرة من خلال تغطية الميزانية تتعلق بصفة مباشرة بمدى سلامة القواعد المحاسبية و القوانين المنظمة لها . فالرقابة تهدف إلى ترسيخ روح الصرامة لتحقيق العدالة بردع كل من قامة بالتلاعب بمداخيل و نفقات الجماعات المحلية .
ومن هنا يمكن إثبات أن نجاعة وصرامة الرقابة راجع أساسا إلى مدى إلمامها بكل جوانب و مراحل تكوين الميزانية مع إقرار الأخطاء إضافة إلى ردع مرتكبيها قانونيا ، مما يستوجب تجنبها مستقبلا . لكن الإلمام بهذه الجوانب لا يتمكن من تحديد فعاليته إذ أن تحديد ما يتعلق بصورة مباشرة بمدى تحقيق الأهداف المسطرة أو مقدرة الرقابة على تأطير وتثبيت النزاهة و بالتالي إمكانية أن تلعب دورا هاما و أساسيا للسيرورة الايجابية و المتجانسة بين النفقات و المداخيل المقابلة لها .
إن هذه الدراسة تعتبر كرسالة للإطارات الجماعات المحلية سواء كانوا محاسبين عموميين أو إطارات المجالس الشعبية و السلطات الوصية و غيرهم ...بمراقبة ميزانية الجماعات المحلية دون الوقوع في أخطاء جسيمة تؤدي إلى تعريض ميزانية الجماعات المحلية إلى متاهات وعواقب جد وخيمة .و من أجل ذلك قمنا بتحديد الإشكال التالي :

- كيف يمكن تحديد الرقابة على مستوى تطورات الميزانية لإقرار نزاهتها ؟
- هل يمكن اقتراح الرقابة على ميزانية الجماعات المحلية باعتبارها الوسيلة الديناميكية لتفعيل دور هذه الأخيرة في التنمية المحلية ؟
و من أجل الإجابة على هذا الإشكال قمنا بتطرق إلى النقاط التالية :


الخطة :

- المقدمة .
- الجماعات المحلية و الاستقلال المالي .
. تعريف الجماعات المحلية .
. الوسائل القانونية للمالية المحلية (ميزانية الجماعات المحلية ) .
. مفهوم الاستقلال المالي و اللامركزية المحلية .
- مفهوم و أنواع الرقابة المالية .
. مفهوم الرقابة المالية .
. أنواعها :
- الرقابة الداخلية الممارسة على ميزانية الجماعات المحلية .
- من طرف المراقب المالي و المحاسب العمومي .
- رقابة المجالس الشعبية المحلية و السلطات الوصية .
- الرقابة الخارجية الممارسة على ميزانية الجماعات المحلية .
- الرقابة القضائية ألاحقة الممارسة على ميزانية الجماعات المحلية .
- الرقابة الإدارية ألاحقة الممارسة على ميزانية الجماعات المحلية .
- الخاتمة و التوصيات .
- المراجع .



الجماعات المحلية و الاستقلال المالي :

إن اتساع حجم المجتمعات و زيادة الطلب على الخدمات المختلفة بصورة تعكس استجابة سريعة وحقيقية لاحتياجات المواطنين و تمثيلهم و نقل وجهة نظرهم و مشاركتهم في رسم السياسات العامة التي تخدم المجتمع و المواطنين ، ساهمة في إنشاء و بروز مؤسسات الدولة كشريك أساسي للحكومة ، من منطلق أن الاهتمام و العناية بالأمور العامة issues publics ليست حكرا على الحكومة حيث أن هناك عناصر أخرى تشارك ليس فقط في الاهتمام بل و في أخذ الدور في طرح الأمور العامة و المساهمة في أدوار تنموية جادة .
إن الاتجاهات المعاصرة في إدارة التنمية الشاملة تتطلب مشاركة حقيقية من قبل الجماعات المحلية . إن هذا التعبير غير شائع الاستخدام في كثير من الدول النامية لأسباب مختلفة تتعلق إما بالدور الهامشي لهذه المؤسسات أو عدم رسوخ التجربة و ممارسة هذه الإدارات في النسيج التنظيمي لتلك الدول . و يمكن تحديد مفهوم وتنظيم المالي لهذه الجماعات في مايلي .
تعريف الولاية :

إذا رجعنا إلى قانون الولاية نجد أن هذه الأخيرة هي هيئة أو مجموعة محلية لامركزية إقليمية فهي جماعة ذات شخصية معنوية و استقلال مالي و لها اختصاصات، سياسية ، اقتصادية وثقافية و هي أيضا تنظيم إداري للدولة .
تعريف البلدية :

هي الجماعة القاعدية الإقليمية السياسية ، الإدارية ، الاقتصادية و الثقافية الأساسية . و هي تتمتع بالشخصية المعنوية العمومية التي ينتج عنها الاستقلال المالي ، وحرية التقاضي و لها نفس الإمتيازات و الحقوق والواجبات المقررة للأشخاص ماعدا المرتبطة منها بالشخصية الطبيعية و كذلك أن أموالها غير قابلة للتداول .
الوسائل القانونية للمالية المحلية ( ميزانية الجماعات المحلية ) :

جاء في المادة 149 من قانون البلدية رقم 08/90 المؤرخ في 07 أفريل 1990 و المادة رقم 135 من قانون الولاية رقم 09/90 فالمادة 149 من قانون البلدية تعرفها بأنها : جدول التقديرات الخاصة بإيراداتها و نفقاتها السنوية.وتشكل كذلك أمرا بالإذن و الإدارة يمكن من حسن سير المهام العمومية أما المادة 135 من قانون الولاية عرفتها على أنها : ميزانية الولاية هي عبارة عن جدول التقديرات الخاصة بنفقاتها إيراداتها السنوية تمكن من السير الحسن للمصالح العمومية


خصائص الميزانية :

تمتاز بجملة من الخصائص أهمها :

- الميزانية هي عمل علني : هذا يعني أن كل مساهم في دفع الضريبة له الحق في الإطلاع على مدى استعمال المداخيل الجبائية من قبل الجماعات المحلية قصد تحقيق المنفعة العامة هذا من جهة و من جهة أخرى لايمكن للمواطن المشاركة في النقاش عند التصويت على الميزانية .
- الميزانية هي عمل تقديري : تقوم الجماعات المحلية بتحديد المشاريع المراد تحقيقها ، هذا العمل التقديري يحدد النفقات المتوقعة بالتفصيل .
- الميزانية هي عمل مرخص : تسجل في الميزانية رخص الإيرادات و النفقات المقترحة . وهذه قاعدة إلزامية لكل الجماعات المحلية .
- الميزانية هي عمل دوري : هناك ميزانية واحدة لكل سنة مالية تعد بشكل دوري .
- الميزانية عمل ذو طابع إداري : يسمح بتسيير الحسن لمصالح البلدية .

المبادىء التي تقوم عليها ميزانية الجمعات المحلية :

- مبدأ السنوية : تبدأ من1 جانفي و تنتهي في31/12. تتخللها تعديلات بواسطة فتح رخيصات أو اعتمادات خاصة أو قرارات معدلة .
- مبدأ الشمولية : تحدد جميع الإيرادات و النفقات بمعنى أنها تشمل المبلغ الصافي بغرض تسهيل المراقبة .
-مبدأ تسلسل النفقات : لابدا على الجماعات المحلية أن تأخذ بعين الاعتبار مبدأ التسلسل في تسيير النفقات فتقوم بإنفاق الأموال اللازمة لذلك و المتمثلة في النفقات الإجبارية .
- مبدأ عدم تخصيص الإيرادات و عدم تصرف الجماعات المحلية في المداخيل التي لا يرخصها القانون : إن كل الإيرادات مخصصة للنفقات باستثناء الإيرادات المقيدة بتخصصات معينة ( مكفوفين ن عجزة ، بناء مدرسة ...)
- فلا يمكن لرئيس البلدية مثلا تخصيص هذه الإيرادات لنفقات أخرى .

وثائق ميزانية الجمعات المحلية وأقسامها :

تعتبر وثائق ميزانية الجماعات المحلية الوسيلة الوحيدة و الأساسية التي تبين كيفية توظيف الإيرادات و صرف النفقات ، و التي تتكون من الأبواب لها عنوان خاص بها ، تتعلق بكل قسم من أقسام الميزانية .وكل باب ينقسم إلى مواد تحمل رقما معينا . و تتكون ميزانية الجماعات المحلية من :
- الميزانية الأولية : تعتبر الوثيقة الأساسية لكل النفقات و الإيرادات السنوية المحققة .
- الميزانية الإضافية : عندما تمضي الأشهر الأولى من السنة ، فإن الاحتياجات سترد بوضوح الشيء الذي يؤدي بالجماعات المحلية إلى المصادقة على الميزانية الإضافية . و المقصود بها هو تصحيح الميزانية الأولية أو النقصان في كل من الإيرادات و النفقات .و تعد كآخر أجل في شهر جوان من السنة التي ستطبق فيها . و التصويت عليها يكون من قبل السلطة الوصية قبل 15 جوان .
و تعرف أيضا بأنها ميزانية تعديلية للميزانية الأولية . وتحتوي على أرصدة و بواقي الإنجاز ولها ثلاث مهام هي :
- الارتباط بالنسبة للسنة المالية السابقة التي تترك للسنة الجارية عمليات لم تتم بعد أو فائضا من الموارد أو عجز في المالية .
- ضبط الميزانية الأولية للسنة الجارية .
- برمجة العتاد.
الحساب الإداري :

بعد انتهاء السنة المالية يكون من الضروري إعداد حصيلة العمليات التي أنجزت بالفعل
ه السنة المالية في الحساب الإداري . وتقفل وثيقة المحاسبة في شهر أكتوبر من السنة التي تلي السنة التي هي بصدد عرض ما أنجز بها .فالحساب الإداري هو حوصلة مالية للسنة الماضية متأخرة بسنة .و يعد في 31 مارس من السنة المعنية بالنسبة للسنة الماضية .
أقسام ميزانية الجماعات المحلية :
ميزانية الجمعات المحلية تتكون من قسمين :
- قسم التسير العمومي .
- قسم التجهيز و الاستثمار .
ويتقسم كل من هذين القسمين إلى نفقات و إيرادات تتوازن وجوبا .
النفقات : تنطوي النفقات العامة على قيام الهيئات العامة و أشخاص القانون العام من مركزية و محلية باستخدام ( أو إنفاق مواردها النقدية بقصد إشباع الحاجات العامة .و لتسيير مصالحها و الخدمات الضرورية لمجموع الأفراد . تقوم الجمعات المحلية بإنفاق الأموال اللازمة و التي تقتطع من قسم التسيير العمومي و قسم التجهيز والاستثمار . وهي كالأتي :
- نفقات قسم التسيير العمومي :هي تلك النفقات التي تخصص لتسيير المصالح التابعة للجماعات المحلية و تنقسم إلى :
* نفقات إجبارية .
* نفقات ضرورية .
* نفقات اختيارية .
- نفقات قسم التجهيز والاستثمار : هناك نفقات حسب طبيعتها و نفقات حسب وظيفتها ، فالنفقات حسب طبيعتها هي تلك التي تؤدي إلى زيادة أملاك الجماعات المحلية مباشرة أو تلك المتعلقة بالإعانات الممنوحة إلى الجمعيات و الهيئات وكذا تسديد قروض الجماعات المحلية . أما بالنسبة للنفقات حسب وظيفتها فهي تلك الخاصة ببرامج التجهيز التي تصبح ملك للجماعات المحلية كالبرامج التي تنجزها لحساب الغير كالجمعيات و المؤسسات العمومية .
- تسديد رأسمال الدين .
- اقتناء العقارات و العتاد والمعدات .
- الأشغال الجديد و التصليحات الكبرى .
- إكساب القيم و السندات .
-المساعدات المالية للوحدات الصناعية والتجارية .

الإيرادات : تعددت مصادر الإيرادات في عصرنا الحديث و تنوعت أساليبها و اختلفت طبيعتها تبعا للنوع الخدمة التي تقوم بها الدولة و الهدف منها . و لمواجهة النفقات التي ذكرناها سابقا ، على الجمعات المحلية أن تتحصل على الإيرادات اللازمة و الكافية لذلك ، حيث أن القسم الأكبر من هذه الإيرادات يأتي من المداخيل الجبائية في المرتبة الأولى ، ثم تأتي مدا خيل الأملاك بالإضافة إلى إعانات الهيئات المختلفة .و تنقسم الإيرادات بدورها إلى قسمين هما : إيرادات جبائية وإيرادات غير جبائية .

مفهوم الاستقلال المالي و اللامركزية المحلية :

المقصود باستقلال الجمعات المحلية هو أن يكون لها حق إصدار قرارات إدارية نافذة في حدود معينة دون أن تخضع في ذلك إلى أوامر السلطة المركزية و توجيهاتها ، و عليه يترتب على استقلال الهيئة المحلية مايلي :
- حرية المبادرة ولا تتدخل السلطة المركزية إلافي الحالات المنية على القانون .
- أن لا يكون للسلطة المركزية حق تعديل قرارات الجمعات المحلية .
- أن لا تسأل عن أعمالها حتى وإن كانت خاضعة للسلطة الوصائية .
- حق مخاصمة الدولة ذاتها أمام القضاء و طلب إلغاء القرارات الصادرة من السلطة المركزية.






مفهوم و أنواع الرقابة المالية :

مفهوم الرقابة المالية :

إن الرقابة المالية لا تختلف عن غيرها من الصور الأخرى للرقابة على النشاط الإداري ، حيث تحتوي على عدة جوانب تتميز بها عن غيرها من الصور المتعددة للرقابة .فالإدارة العامة هي التي تهدف إلى الحماية المالية العامة إيرادا وإنفاقا . و الرقابة المالية العامة لها أهمية بالغة ، فأي إساءة للمال العام أو إهمال له يؤدي إلى نتائج سيئة .
فتطور الدولة أدى إلى زيادة نفقاتها ، ولما كانت ندرة الموارد المالية و الاقتصادية تعتبر من أهم المشاكل التي واجهت معظم البلدان خاصة الدول النامية ، فلا بدا من القيام بعملية المراقبة لاستخدام هذه الموارد و الإمكانيات حتى تتمكن من تخصيصها و توزيعها توزيعا عادلا من أجل تحقيق التوازن الاقتصادي و الاجتماعي .
الهدف من عملية الرقابة المالية :
تتمثل أهم المبادىء التي تقوم عليها الرقابة المالية في انتظام ذلك النشاط و أدائه طبقا للخطط الموضوعة و في إطار السياسة المقررة لتحقيق الأهداف المحددة دون المساس بالحقوق الفردية للأفراد و الاعتداء على الحريات العامة . كما أن أهداف الرقابة تطورت وفق تطور الدول ، حيث أن هناك أهداف تقليدية و أخرى حديثة ومتطورة ، نتعرض إليها في الفرعين التاليين :
- الأهداف التقليدية :
تدور هذه الأهداف حول الانتظام ، و هي من أقدم الهداف التي سطرت لها الرقابة و يمكن ذكر أهمها :
- التأكد من سلامة العمليات المحاسبية التي خصصت من أجلها الأموال العامة و التحقق من صحة الدفاتر و السجلات و المستندات .
- التأكد من عدم تجاوز الوحدات النقدية في الإنفاق و حدود الاعتمادات المقررة مع ما يستلزم من مراجعة المستندات المؤدية للصرف و التأكد من صحة توقيع الموكل لهم سلطة الاعتماد .
- عملية التفتيش المالي و التي يقوم بها جهاز إداري تابع لوزارة المالية .
-الأهداف الحديثة :
- التأكد من كفاية المعلومات و الأنظمة و الإجراءات المستخدمة .
-مدى التزام الإدارة في تنفيذها للميزانية وفقا للسياسة المعتمدة .
- بيان أثار التنفيذ على مستوى النشاط الاقتصادي و اتجاهاته .
- الربط بين التنفيذ و ما يتخلله من إنفاق و النتائج المترتبة عن هذا التنفيذ .


المبادئ التي تقوم عليها الرقابة المالية :

الرقابة على الميزانية أو الرقابة المالية تخضع لجملة من المبادىء و الأسس تميزها عن غيرها من أنواع الرقابة و تنفرد دون سواها ، ويمكن حصر هذه المبادىء فيما يلي :
- خضوع العمليات المالية لمجموعة من الإجراءات و التي تعرف بالدورة المستدينة ، و التي تسبق و تعاصر كل عملية مالية سواء كانت متصلة بالإيراد أو الإنفاق .
- حصر كل خطوة إلى المراجعة دون القيام بأي إجراء قبل التأكد من سلامة و صحة ما سبقها من إجراءات .
- عدم تدخل جهة منفردة في إتمام هذه الإجراءات .

أنواع الرقابة المالية :

إن الرقابة الداخلية هي المراقبة التي تمارس من داخل التنظيم نفسه . و حسب التقسيم التقليدي ، فقد قام بتقسيم الرقابة إلى رقابة إدارية تهدف إلى رقابة صرف الإيرادات و تنفيذ النفقات ، كما أنها تعتبر ممارسة الإدارة على نفسها مراقبة من الداخل فتحدث لهذا الغرض هيئات ودوائر خاصة .
و من هنا فإن هذا النوع من الرقابة هو أول خطوة تخضع لها ميزانية الجماعات المحلية ، وذلك عن طريق قيام الإدارة برقابة على أعمالها ، لكن هل صحيح الإدارة تقوم برقابة على نفسها ؟ و كيف تتجسد هذه الرقابة ؟ من هنا نستنتج أنه لايمكن أن تتحقق على الوجه الكامل دون أن يتوفر لها مقومات نجاحها ، أهمها كفاءة نظم الرقابة الداخلية التي تتمثل في سرعة الكشف عن المخالفات و تحفيز مسؤولية القائمين بها ، إضافة إلى توفير الخبرات الإدارية و المالية عن طريق التدريب المستمر .
و يمكن الشارة إلى الأجهزة المكلفة بالرقابة الداخلية و المتمثلة في رقابة المراقب المالي و رقابة المحاسب العمومي ، بالإضافة إلى الرقابة الشعبية الممارسة من طرف المجالس الشعبية المحلية و رقابة السلطة الوصية ،و بالتالي سوف نقسم هذا المحور إلى :
- الرقابة الممارسة على ميزانية الجماعات المحلية من طرف المراقب المالي و المحاسب العمومي .
- رقابة المجالس المحلية و رقابة السلطة الوصية على ميزانية الجماعات المحلية .


1 – الرقابة الممارسة على ميزانية الجماعات المحلية من طرف المراقب المالي و المحاسب العمومي :
إن ميزانية الجماعات المحلية قبل تنفيذها لابد أن تخضع إلى نوع خاص من الرقابة نطلق عليها تسمية الرقابة السابقة ، و التي تهدف إلى اكتشاف وتحليل المشاكل الممكن حدوثها و تفاديها و لمعالجتها فبل حدوثها ، و الموافقة السابقة لأجهزة الرقابة على القرارات المتعلقة بصرف الأموال ، و برغم من أنها تؤدي إلى كثرة الإجراءات اللازمة للقيام بعملية النفقات ن مما يترتب عليها بطء سير المرافق العامة إلا أنها تعتبر الحاسمة في تأدية الغرض التي تهدف إلى تحقيقه ، و المتمثل في تطبيق الميزانية تطبيقا سليما تراعي فيه كافة قواعد الإنفاق المقررة ، كما يكون هدفها ضمان تطبيق القوانين و القواعد التنظيمية و التحقق من الشرعية المالية للالتزامات للنفقات العمومية .
كما أن عمليات المراجعة و الرقابة تتم قبل الصرف و لا يجوز لأي وحدة تنفيذية الارتباط بالتزام أو دفع أي مبلغ قبل الحصول على موافقة الجهة المختصة بالرقابة قبل الصرف ، حيث أن عمليات المراجعة و الرقابة تتم على جانب النفقات فقط حيث ليتصور أن تتم رقابة سابقة على تحصيل إيرادات العام .
و بالتالي فهي تمارس قبل تنفيذ ميزانية الجماعات المحلية ، كما يمكن الإشارة إلى أن هذا النوع من الرقابة قائم على أساس التوقيت الزمني الذي تمارس فيه عملية الرقابة من قبل الأجهزة المختصة ، و التي بدورها تحول دون الوقوع في الخطأ أو باللأحرى التفادي من الوقوع فيه ، وقد أطلق عليها البعض اسم الرقابة الوقائية أو الرقابة المانعة .
a– ممارسة الرقابة من طرف المراقب المالي ( على ميزانية الولاية ) :
يقوم المراقب المالي بممارسة رقابته على ميزانية الولاية قبل دخولها مرحلة التنفيذ ، و بعد المصادقة عليها من طرف السلطات المختصة ، كما تطبق رقابة النفقات التي يلتزم بها على ميزانية المؤسسات و الإدارات التابعة للدولة و الميزانيات الملحقة ، وعلى الحسيات الخاصة للخزينة و ميزانيات الولاية و المؤسسات العمومية ذات طابع الإداري ، إلا أنه تبقى كل من ميزانيتي المجلس الشعبي ألولائي و المجلس الشعبي البلدي خاضعتين للإحكام التشريعية و التنظيمية المطبقة عليها ، كما يمكن أن يتم تحديد كيفية و ملاءمة الرقابة بالنسبة لبعض القطاعات و بعض أنواع النفقات حسب كل حالة بقرار من الوزير المكلف بالميزانية و بقرار وزاري مشترك بين الوزير المكلف بالميزانية و الوزير المعني تقنيا . ويدرج هذا النوع من الرقابة في إطار سياسة عدم التركيز الإداري التي تحتم على الدولة جعل الاعتمادات المالية اللازمة لتحقيق العمليات الاستثمارية على المستوى المحلي تحت تصرف الآمرين بالصرف القانونين .
و تمارس الرقابة السابقة للنفقات من طرف مراقبين ماليين بمساعدة مراقبين ماليين مساعدين ، حيث يقوم الوزير المكلف بالميزانية بتعيينهم .و من أهم الصلاحيات الموكلة للمراقب المالي إضافة إلى اختصاصات التي يسندها له القانون الأساسي مايلي :
- مسك تسجيلات تدوين التأشيرات و الرفض .
- مسك محاسبة الالتزامات حسب الشروط المحددة . كما يقوم المراقب المالي إسنادا إلى المهام التي يقوم بها ، بإرسال إلى الوزير المكلف بالميزانية حالات دورية معدة لإعلام المصالح المختصة بتطور الالتزام بالنفقات و تعداد المستخدمين .
و يقوم في نهاية كل سنة مالية بإرسال إلى الوزير المكلف على سبيل العرض و إلى الأمرين بالصرف على سبيل الإعلام تقريرا يستعرض فيه الشروط التي قام عليها التنفيذ ن إضافة إلى الصعوبات التي تلقاها أثناء أداء مهامه إن وجدت في مجال تطبيق التنظيم و المخالفات التي لاحظها في تسيير الأملاك العمومية و جميع الاقتراحات التي من شأنها تحسين شروط صرف الميزانية ، كما تعد المصالح المختصة التابعة للوزير المكلفة بالميزانية تقريرا ملخصا عاما يوزع على مجموع الإدارات المعنية و مؤسسات الرقابة .
وما يجدر ذكره لما كان مستحيل تعيين مراقب مالي على مستوى كل ولاية ، وحرصا من الدولة على مراقبة شرعية تنفيذ الميزانية ، صدر قرار من وزير المالية و التخطيط سنة 1970 و الذي يوكل هذه المهمة إلى أمين خزينة الولاية ن ووجود هذا الأخير على المستوى المحلي يؤدي إلى ارتكاب القليل من الأخطاء و التجاوزات .
ويعتبر المراقب المالي مسؤول عن سير مجموع المصالح الموضوعة تحت سلطته و عن التأشيرات التي يسلمها ، أما بالنسبة للمراقب المالي المساعد فهو مسؤول في حدود الاختصاصات المفوضة له من طرف المراقب المالي عن الأعمال التي يقوم بها و عن التأشيرات التي يسلمها بعنوان الرقابة السابقة .
و هكذا نستنتج أن المراقبة الممارسة من قبل المراقب المالي الذي يتم تعينه كما قلنا في السابق من طرف الوزير المكلف بالمالية ، بحيث أن هدفها هو منع ارتكاب المخالفات المالية التي يقع فيها معدو الميزانية ، حيث أن هذا النوع من الرقابة يدخل ضمن سياسة عدم التركيز ، كما يعتبر المراقب المالي المرشد و الحارس على تنفيذ الميزانية مع إعلام المصالح المالية بالأخطاء التي يرتكبها الأمر بالصرف مع تقرير العقوبات .
تخضع القرارات المتضمنة التزاما مسبقا بالنفقات قبل التوقيع عليها لتأشيرة المراقب المالي وقد حصرت المادة 5 من المرسوم التنفيذي رقم 414-92 المؤرخ في 14نوفمبر 1992 و المتعلق بالرقابة السابقة للنفقات التي تلتزم بها فيما يلي :
- قرارات التعيين و التثبيت و القرارات التي تخص الحياة المهنية للموظفين و دفع مرتباتهم باستثناء الترقية في الدرجة .
- الجداول الاسمية التي تعد عند قفل كل سنة مالية .
- الجداول الأصلية الأولية التي تعد في بداية السنة و الجداول الأصلية المعدلة التي تطرأ أثناء السنة المالية .

b-رقابة المحاسب العمومي على ميزانية البلديات :
إن المحاسب العمومي هو كل شخص يتم تعينه بموجب القانون للقيام بالعمليات التالية :
- تحصيل الإيرادات و دفع النفقات .
- ضمان حراسة الأموال أو السندات أو القيم أو الأشياء أو المواد المكلف بها و حفظها .
- تداول الأموال و السندات و القيم و الممتلكات و العائدات و الموارد .
- حركة حسابات الموجودات .
إضافة إلى هذه الوظائف أسندت إليه مهمة ثانية تتمثل في إعداد تحصيل الإجراء الذي يتم بموجبه إيراد الدين العمومي . ويتم تعينه من طرف الوزير المكلف بالمالية ، ويخضع أساسا لسلطته .
و تكمل صلاحيات المحاسب العمومي و مدى مسؤوليته فإنه يمسك في مجال عمليات الخزينة حسابات حركات الأموال نقدا كانت أم قيما في حسابات ودائع أو في حسابات جارية أو في حسابات دائنة أو مدينة ،كما تبين عمليات الخزينة الأموال المودعة لفائدة الخواص و الأموال الداخلة إلى الصندوق و الخارجة منه مؤقتا و عمليات التحويل .و تعرض الحسابات الخاصة الجرد العيني و المالي للمواد و القيم و السندات التي تطبق عليها .كما يتولى المحاسب العمومي المعين بأعمال المطالبة بباقي الحساب الذي يمكنه أن يقوم شخصيا بتحصيل أو يسند ذلك إلى قابض الضرائب المختلفة للقيام بالمتابعة المعتادة في مجال الضرائب المباشرة .
و المحاسب العمومي يتمتع بالمسؤولية الشخصية و المالية على العماليات الموكلة له ، كما يمكن له أن يتمتع بالمسؤولية التضامنية بينه وبين الأشخاص الموضوعين تحت أوامره . ونستنتج من هذا أن مسؤولية المحاسب العمومي تتقرر عندما يحدث عجز في الأموال العمومية سواء تعلق الأمر بتحصيل الإيرادات أو تسديد النفقات .
وتكمن المسؤولية الشخصية و المالية للمحاسب العمومي عن كل تصرفاته خاصة إذا تعلق الأمر ب:
- تسديده للنفقات العمومية في ظروف غير شرعية .
- حراسة وحفظه لأرصدة و قيم الهيئات العمومية .
- تحريكه للأرصدة و القيم و الحركات الحسابية .
- محافظته على الوثائق و المستندات المثبتة للعمليات المحاسبية .
- قيامه بمهمة المحاسب للمنصب الذي يشغله .
كما يعتبر المحاسب العمومي مسؤولا عن تصرفات غيره التي تصدر من مساعديه في تسيير مصلحة المحاسبة و الخاضعين لسلطته و مراقبته ، تكون هذه الأخيرة تبعا لصفة الموظفين الذين هم تحت إشرافه و المتمثلة في أعوان المصلحة ن المحاسبون السابقون ن المحاسب المفوض ، المحاسب الفعلي الملحقون الوكلاء المكلفون بإجراء عمليات قبض الأموال و دفعها للمحاسب العمومي المسؤول شخصيا و ماليا عن هذه العمليات .
و يمكن حصر الهدف من ممارسة وظيفة رقابة النفقات المستعملة يتمثل فيما يلي :
- السهر على صحة توظيف النفقات بالنظر إلى التشريع المعمول به .
- التحقق مسبقا من توفر الإعتمادات .
- إثبات صحة النفقات بوضع تأشيرة على الوثائق الخاصة بالنفقات أو تعليل رفض التأشيرة عند الاقتضاء و ضمن الآجال المحددة عن طريق التنظيم و التي تراعي فيها طبيعة الوثيقة .
- تقد يم نصائح للأمر بالصرف في المجال المالي .
- إعلام الوزير المكلف بالمالية شهريا بصحة توظيف النفقات و الوضعية العامة للاعتمادات المفتوحة و النفقات الموظفة .
المحاسبة الخاصة بالآمرين بالصرف :الآمر بالصرف الرئيسي بالنسبة لميزانية الولاية يتمثل في الوالي ، أما على مستوى البلدية فيتمثل في رئيس المجلس الشعبي البلدي . و يمسك الآمرون الرئيسيين في الولاية و البلدية محاسبة إدارية للإيرادات و النفقات العمومية في مجال الالتزام ، التصفية و الإذن بالدفع .

نتائج الرقابة الممارسة على ميزانية الجماعات المحلية من طرف المحاسب العمومي :

إن للمحاسب العمومي صلاحية الرقابة من الناحية الخارجية إذ يطلب ملف النفقة المقدمة غليه ن وليس له الحق في التحقق من مدى شرعيتها ، وبالتالي فإذا تأكد من شرعية النفقة العمومية بعد قيامه بالتحقيقات يقوم بوضع التأشيرة القابلة للدفع ، مما يسمح بتسليم مبلغ النفقة إلى الدائن المعني ، إضافة إلى إمكانية رفض القيام بالتسديد أو الدفع و يقوم بإعلام الآمر بالصرف عن طريق مذكرة خطية يحدد فيها أسباب الرفض لكي يجري عليها التسويات اللازمة . ففي حالة رفض الآمر بالصرف تسوية الملاحظات المشار إليها في المذكرة يرفض المحاسب العمومي بوضع التأشيرة بصفة نهائية إلا أن سلطة المحاسب العمومي ليست مطلقة .

2 - رقابة المجالس الشعبية و السلطات الوصية على ميزانية الجماعات المحلية :


a- رقابة المجالس الشعبية :

إن الإدارة المحلية تقوم على أساس الاعتراف بوجود مصالح إقليمية يترك الإشراف عليها من أشخاص يتم اختيارهم عن طريق الانتخاب من طرف إدارة المجتمع ، بحيث يقومون بحماية مصالح الجماعات الإقليمية نيابة عنهم ، أي تقوم بالتعبير عن إرادة الشعب الذي يقوم باختيار من يمثله ، وبالتالي فاللامركزية التي تتمثل في المجالس المحلية المنتخبة و المتمثلة في البلدية و الولاية ، والتي تعتبر تجسيدا للديمقراطية تسمح للمواطنين في تسيير شؤونهم العمومية بأنفسهم ، كما أنها تعتبر نمطا من أنماط الإدارة ، و بالتالي فالمجالس المحلية المنتخبة يعترف لها بالشخصية الاعتبارية من أجل إصدار و تنفيذ القرارات التي تتخذها في مختلف الجوانب من أجل تحقيق المصلحة العامة و بالتالي إشباع حاجات المواطنين و محاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي المحلي وتحقيق التنمية المحلية .
كما أن ممارسة الرقابة سواء من طرف المجالس الشعبية أو السلطة الوصية يكون في حدود القانون في كونها رقابة شرعية ، إذ تقوم بالإطلاع الدائم و المستمر على مختلف الأعمال و التصرفات المتخذة على المستويين أي المستوى البلدي وعلى المستوى الولائي .
و من المعلوم أن البلدية تدار من طرف مجلس منتخب بتمثل في المجلس الشعبي البلدي و الهيئة التنفيذية تتشكل هذه الأخيرة من رئيس المجلس الشعبي البلدي و يمكن أن يساعده في ذلك نائب أو أكثر ، ويعتبر هذا الأخير الجهاز الأساسي في البلدية ، إظافة إلى أنه يعتبر الآمر بصرف النفقات ، وموقع العقود ، يقوم بإعداد الميزانية بمساعدة أعضاء الجهاز التنفيذي .
و تصبح تصرفات و أعمال المجلس الشعبي البلدي سارية و نافذة منذ المصادقة و التصويت عليها من الأعضاء و الرئيس و بعد فوات 15 يوما من إيداعها لدى المصالح الولائية .و تعتبر البلدية الإطار للتعبير عن الديمقراطية فهي مسؤولة على تسيير المالية الخاصة و المتمثلة فيما يلي :
- حصيلة الموارد الجبائية و الرسوم .
- مدا خيل ممتلكاتها .
- الإعانات .
- الإقتراضات .
إضافة إلى ذلك فهي مسؤولة على تعبئة حصيلة هذه الإيرادات . كما أن العمليات المالية المترتبة حسب طبيعتها ( خدمات أو مشاريع ) تسمح في أي وقت للمجلس الشعبي البلدي و كذا المصالح البلدية من معرفة الوضعية المالية لكل مصلحة أو مشروع أو تجهيز .و قد أوكلت لرئيس المجلس الشعبي مهمة تمثيل البلدية و الولاية فبالنسبة لتمثيل البلدية يقوم باسمها و تحت مراقبة المجلس بجميع الأعمال الخاصة بالمحافظة على الأموال و الحقوق التي تتكون منها ثروة البلدية و إيراداتها الخاصة . إذ يقوم بما يلي :
- تسيير إيرادات البلدية و الإذن بالاتفاق و متابعة تطور مالية البلدية .
- إبرام عقود اقتناء الأملاك و بيعها و قبول الهبات و الوصايا و الصفقات أو الإيجارات .
- إبرام المناقصات أو المزايدات الخاصة بأشغال البلدية و مراقبة حسن تنفيذها .
- اتخاذ كل القرارات الموفقة للتقادم و الإسقاط .
- رفع الدعاوى أمام القضاء باسم البلدية و لفائدتها .
- المحافظة على الحقوق العقارية و المنقولة التي تمتلكها البلدية بما فيها حق الشفعة .
- توظيف عمال البلدية و تعيينهم و تسييرهم وفقا للشروط المنصوص عليها في القوانين و التنظيمات المعمول بها .
- اتخاذ كل الإجراءات المتعلقة بالطرق البلدية
- السهر على صيانة المحفوظات .
و الحالات التي يتدخل فيها المجلس الشعبي المحلي في عملية الرقابة على ميزانية الجماعات المحلية هو أنا ميزانية البلدية يتم التصويت عليها من طرف المجلس الشعبي البلدي باقتراح من رئيسها و تضبط وفقا للشروط المنصوص عليها في القانون . إذ يتم التصويت على الإعتمادات بابا بابا و مادة مادة ، كما يجوز تحويل اعتمادات مقيدة بتخصيصات . و بالرجوع إلى دستور 23فيفري 1989 نجده قد نص على هذا النوع من الرقابة في المادة 149 قبل ذكر رقابة مجلس المحاسبة لما له من أهمية بالغة .و على الهيئة التنفيذية للجباية و الإنفاق التحقق من مطابقة النتائج المتحصل عليها مع التقديرات التي وضعت في و وثيقة الميزانية لتدارك الاختلاف في إعداد الميزانية الإضافية للسنة الجارية ، لأن الميزانية الابتدائية لا تعطي فرصة لمناقشتها بشكل واسعة و فعال و بناء ، على عكس الميزانية الإضافية أثناء تقديمها للمصادقة تفتح لأعضاء المجالس المحلية مجال واسع للمناقشة . و يعتبر الحساب الإداري وسيلة مراقبة يسمح للجماعات المحلية تقويم التسيير المالي قبل أي تعديل للتوقعات المدرجة في الميزانية الأولية عن طريق الميزانية الإضافية .
و هكذا نستنتج أن الرقابة على ميزانية البلدية تكون عن طريق المقارنة بين الإيرادات و النفقات و مقارنة المجموع المالي لقسم التسيير وقسم التجهيز و الاستثمار حسب النماذج المرفقة مع الميزانية ،و في حالة مطابقتها يتم المصادقة عليها أما في حالة و جود أخطاء فإن تصحيحها يكون على مستوى مصلحة القباضة البلدية .

b- رقابة السلطة الوصية على ميزانية الجماعات المحلية :

هذا النوع من الرقابة هو الذي يمارس من طرف موظفين مختصين نظرا للأهمية البالغة التي تلعبها الرقابة أثناء تنفيذ و تطبيق الميزانية . و باعتبار أن الوصاية الإدارية ، هي مجموع السلطات المحددة التي يقررها القانون لسلطة عليا على أشخاص أعضاء الهيئات اللامركزية و أعمالهم قصد حماية المصلحة العامة ، لا تمارس إلا في الحالات و الأوضاع المنصوص عليها في القانون ، وبالتالي مصداقية السلطة الوصية تجرى ضمن إدارة مركزية بين سلطات الوصاية و سلطة لامركزية . فبعض القرارات الأشخاص الإدارية لايمكن تطبيقها إلا بعد التصديق عليها من قبل السلطة الوصية ، إ\ أن الطابع التنفيذي متوقف على إذن موافقة الجهاز الأعلى المختص ، وتتدخل السلطة الوصية بإلغاء الأعمال إذا ماإتضح أنها غير شرعية . كما أن المراقبة هي صلاحية من صلاحيات الدولة . فهي من اختصاصات الحكومة المركزية تمارسها على الهيأة اللامركزية ، كما يجوز للهيأة اللامركزية ممارسة الرقابة على هيأة اللامركزية الأخرى كما هو الحال بالنسبة للبلديات و الولايات التي تمارس الرقابة على المرافق الإدارية العامة التابعة لها .

فالسلطات الإدارية الوصائية تستخدم امتيازات و سلطات الرقابة الوصائية من أجل الحفاظ على أهداف الرقابة الوصائية .
و هكذا تقدم السلطات الإدارية المركزية الوصية تقريرا مرفقا بالاعتمادات المالية للهيئات و الوحدات الإدارية اللامركزية إذا عجزت هذه الأخيرة عن تغطية نفقاتها الضرورية لإشباع الحاجات العامة المحلية ، إضافة إلى حق الإطلاع الدائم على الأعمال و التصرفات آلتي تقوم بها الهيئات الإدارية اللامركزية الخاضعة لها ، وبالتالي تكون ملزمة برفع محاضر الجلسات و المداولات إلى السلطات الإدارية المركزية الوصية من أجل الإطلاع عليها و بالتالي مراقبة مدى صحتها و عدم مخالفتها لمقتضيات القوانين و التنظيمات المعمول بها .
و تلعب السلطة الوصية دورا هاما في الرقابة على ميزانية الجماعات المحلية نظرا لأهمية التي تتميز بها هذه الأخيرة في المحافظة على ميزانية متوازنة من أجل تحقيق الأهداف الاقتصادية و الاجتماعية لكافة المواطنين عبر إقليم الجماعات المحلية . هذه الرقابة التي أسندت إلى موظفي الإدارة من أجل التأكد من تنفيذ البرامج المعتمدة و عدم خروج الهيئات التنفيذية عن أهداف الرقابة الوصائية .
و الأشخاص الموكلة لهم ممارسة هذه الرقابة على ميزانية الجماعات المحلية هم :
- الوالي.
- رئيس الدائرة .
- المجلس الشعبي الولائي .
أن هدف الوصاية الإدارية يكمن فيما يلي :
- أهداف إدارية تتمثل في ضمان حسن سير الإدارة و المرافق العامة التابعة للأشخاص اللامركزية و زيادة قدرتها الإنتاجية .
- أهداف سياسية تكمن في صيانة وحدة الدولة و ضمان وحدة الاتجاه الإداري العام في كافة أنحائها و حماية مصلحة الدولة .
كما أنها تعمل على جعل الأشخاص الخاضعين لها يحترمون الشرعية ، واحترام الشرعية و التزام به لابد أن تجري تصرفات هؤلاء الأشخاص في ظل القواعد القانونية و ضمن حدودها .


II – الرقابة الخارجية الممارسة على ميزانية الجماعات المحلية :

الرقابة الخارجية هي تلك الرقابة التي تمارس خارج التنظيم من قبل الأجهزة الرقابية المختصة ، وتهدف إلى ضمان مراقبة النفقات و مدى توفر الاعتمادات و مراقبة حولان الصرف بالإضافة إلى مراجعة العماليات المالية .
كما تعرف بأنها هي تلك التي يعهد بها إلى هيئات مستقلة وغير خاضعة للسلطة التنفيذية و لابد أن تمنح هذه الهيئة لموظفيها من السلطات و الضمانات ما يجعلها بمأمن عن أي إجراء تعسفي قد تحاول الحكومة اتخاذه . يستند هذا النوع من الرقابة إلى هيئتين هما مجلس المحاسبة و من جهة أخرى الرقابة الممارسة من طرف وزارة المالية بواسطة جهاز التفتيش المالي .
a – الرقابة القضائية اللاحقة الممارسة على ميزانية الجماعات المحلية :

يعتبر هذا النوع من الرقابة أسلوبا من أساليب الرقابة في مجال تنفيذ ميزانية الجماعات المحلية . فهو يعني الرقابة القائمة على أساس التوقيت الزمني ، أي يأخذ بعين الاعتبار المدة المقررة لتنفيذ الميزانية ، ويسمى بالرقابة البعدية ، هي تكون بعد تنفيذ الميزانية .
هدفه توقيع العقاب و الجزاء على مرتكبي المخالفات و الأخطاء التي وقعوا فيها عند إعداد الميزانية سواء عن قصد أو خطأ . إضافة إلى تقصيرهم في إعداد القواعد المحاسبية الخاصة بالميزانية ، وقد أوكلت هذه المهمة إلى هيئة مختصة تتمتع بالاستقلال في التسيير و المتمثلة في مجلس المحاسبة ، وبالتالي تتولى هيئة قضائية بفحص الحسابات و اكتشاف المخالفات المالية و حوادث الغش و السرقة و قد يعهد إليها بمحاكمة المسؤولين عن المخلفات المالية و إصدار العقوبات المنصوص عليها ، أو قد تحدد مهمتها في اكتشاف هذه المخالفات و تدارك الموقف من فبل المسؤولين أو إحالتهم للقضاء الجنائي إذا استدعى الأمر ن كما قد يطلب منها وضع تقرير سنوي لرئيس الجمهورية أو السلطة التشريعية أو الاثنين معا تعرض فيه ما اكتشافه من مخالفات مالية مع تقديم اقتراحات للقليل من هذه المخالفات أو منعها في المستقبل .
أما المقصود بالرقابة اللاحقة فهي الرقابة التي تبدأ بعد قفل السنة المالية و قفل الحسابات الختامية للدولة بحيث أنها لا تشمل جانب النفقات فقط كما هو الحال بالنسبة للرقابة السابقة و لكنها تمتد لتشمل جانب الإيرادات العامة للتأكد من تطبيق السلطة التنفيذية للقوانين حيث أن الرقابة اللاحقة تأخذ أشكال متعددة فقد تقتصر على المراجعة الحسابية و المستخدمة جميع العمليات المالية لكشف المخالفات المالية التي ارتكبت ، وقد تمتد لتشمل بحث مدى كفاءة الوحدة الإدارية في استخدام الأموال العامة .
b – الرقابة الإدارية اللاحقة الممارسة على ميزانية الجماعات المحلية :

يعهد هذا النوع من الرقابة إلى موظفين من الإدارة بعد تلقيهم تكوينا خاصا عن الرقابة التي يمارسونها إلى جانب الرقابة ووظائفهم الإدارية الأخرى و تكون هذه الرقابة موكلة إلى مفتشين عموميين تابعين لوزارة المالية ، إذ يمارسون رقابتهم على ميزانية الجماعات المحلية بعد عملية تنفيذها ، وذلك عن طريق الدفاتر المحاسبية و مستندات الصرف و التحصيل و مدى تطابق الصرف للاعتمادات مع كل بند من بنود الميزانية .
كما أن الإيرادات العامة قد تم تحصيلها بطريقة سليمة بالإضافة إلى أن جميع العمليات المالية قد تمت بمستندات صحيحة محترمة للقوانين و التنظيمات المعمول بها في مجال الميزانية ، وأنها مثبتة في الدفاتر إثباتا صحيحا وفقا لنظام المحاسبة بالإضافة إلى فحص النظم المالية المعمول بها مع إمكانية تقديم الاقتراحات التي تراها هيئة المراقبة . و التأكد من استخدام الموارد الاقتصادية و أن الضرائب بمختلف أنواعها قد استخدمت من فبل الجماعات المحلية استخداما حسنا .


الخاتمة و التوصيات :

لقد سمحت لنا هذه الدراسة من رؤية وتحليل مختلف أنواع الرقابة التي تخضع لها ميزانية الجماعات المحلية لكن السؤال المطروح هو هل أن هذه الرقابة قد جسدت فعلا على أرض الواقع و بالتالي حققت أهدافها المسطرة ، وما هو تفسير في وجود بلديات تعاني من عجز في ميزانيتها و أخرى استطاعت تحقيق التنمية الشاملة و إحداث فائض .
يعود تفسير هذا إلى ظاهرة النمو السريع لنفقات الجماعات المحلية و النمو البطيء لإيراداتها و التي كانت السبب الأساسي في إحداث ظاهرة خطيرة تتمثل في عدم التوازن بين الإيرادات و النفقات التي تنظمنها الميزانية ، الأمر الذي أدى بالجماعات المحلية أن تلجأ بصفة مستمرة إلى الدولة طالبة يد المساعدة .
و كل هذا راجع إلى عدم وجود الرقابة الصارمة سواء عند إعداد الميزانية أو أثناء تنفيذها ، وهذا ما يؤدى إلى التلاعب بأموال الجماعات المحلية من طرف المؤطرين و بالتالي أدى هذا إلى الزيادة السريعة للنفقات على حساب الإيرادات بصورة عشوائية و غير منتظمة ، برغم أننا نعلم أن معظم الجماعات المحلية تعاني من مشكلة الزيادة السريعة في النمو الديمغرافي و النزوح الريفي لانعدام بعض المرافق الضرورية و ظهور مشاكل اجتماعية تدفع البلديات إلى الزيادة في تقديم الخدمات إلى المواطنين الموجودين في حدود الإقليم مما يؤدي إلى الزيادة في الإنفاق ، إلا أ، هذه الأسباب يمكن تداركها و السيطرة عليها و ذلك عن طريق وضع خطط محكمة لتفادي الإنفاق المتزايد الذي يفوق عن الإيرادات و الذي يحدث إخلال في الميزانية .و على رؤساء المجالس المحلية الالتزام خلال تسير شؤونهم بالتعليمات التالية :
- محاربة التبذير بجميع أشكاله .
- البحث عن موارد جديدة لميزانياتهم .
- استحسان استغلال المصالح العمومية .
- السهر على أن تكون توقعات المداخيل و النفقات قريبة من الحقيقة من أجل تفادي المداخيل الوهمية .
- السهر على الاستعمال الأمثل و العقلاني للإمكانيات البشرية و المادية المتوفرة .
- احترام القواعد و القوانين الخاصة بالمحاسبة العمومية ...





المراجع :
- عبد الكريم صادق بركات : المالية العامة ، بيروت ، الدار الجامعية ، 1986.
- أحمد محيو : محضارات في المؤسسات الإدارية ، الجزائر ، ديوان المطبوعات الجامعية ، 1986.
- فيصل فخري مراد: الرقابة المالية نحو أسلوب متطور ، مجلة العلوم الإدارية ، العدد 1 ، جويلية 1978
الرسائل الجامعية :

- موالك فريد: ميزانية البلدية مذكرة لنيل شهادة الدراسات العليا في العلوم المالية ، القليعة ( معهد الضرائب ) 1990
- محمد بوكحيل : الضريبة مصدر من مصادر تمويل ميزانية الجماعات المحلية ، القليعة ، 1992.
- سعاد طيبي : الرقابة على ميزانية الجماعات المحلية، مذكرة لنيل شهادة الماجيستر في القانون، الجزائر ،2002
المراجع بالفرنسية :
. .

memoire d.E.S1990 bellavione georges : les ressources fiscales des collectivitè locales

النصوص التشريعية و التنظيمية :
- الأمانة العامة للحكومة : التشريعات الجديدة لتنظيم الإدارة المحلية : أبريل 1990 .
- الملتقى المنعقد بمقر الولاية : ولاية تبازة بتاريخ 23 ماي 2000 حول تنفيذ ميزانية الولاية .

chahi31
07-04-2009, 20:04
السلام عليكم كيف الحال أخ spisos
أرجوا منك المساعدة في هذا البحت *أنواع الوثائق العلمية* لم تتوفر لدي معلومات كافية ويلزمني يوم السبت
فأرجوا المساعدة مع فائق الشكر و التقدير وشكرا

البوطي
07-04-2009, 21:01
أريد بحث في التسويق البنكي و افاقه و شكرا

amina sa
07-04-2009, 21:21
السلام عليكم شكرا على هذه المبادرة وأرجوا أن ينال بحثي المتمحور حول (المرأة والعمل السياسي) الإهتمام ونكون لكم مشكورين

spisos
07-04-2009, 22:21
رد إلى amina:


أختي الكريمة قبل أن أفيدك بأية معلومات سياسية بالمنظور الموضوعي البحت لا بد أن اعرج على الموضوع من الناحية الدينية و هذا لحساسية الموضوع ، فكان لزاما علينا توضيح ماهية الموضوع ، و من ثمة إن شاء الله سأفيدك بمعلومات سياسية بحتة... أرجو أن تطلعي بتمعن على الموضوع الآتي:




المرأة والعمل العام والسياسى

إستكمالا لنشر رؤيتى لموقف الإسلام من القضايا المعاصره أردت أن أناقش حقوق المرأه فى العمل العام والعمل السياسى من نظر الإسلام وقبل هذا الموضوع كتبت عن الإسلام وحقوق المواطنه والإسلام والديمقراطيه. أما قضية مشاركة المرأه سواء فى العمل العام أو العمل السياسى أحببت أن ألخصها فى هذه النقاط.


جواز خروج النساء للعمل العام

اى شخص يرفض مشاركة النساء فى العمل عام ككل يستند إلى الآيه الكريمه : ( وقرن فى بيوتكن ) والحقيقه أن الآيه كانت تخاطب نساء النبى صلى الله عليه وسلم والمعروف أن الواجب على نساء النبى صلى الله عليه وسلم ليس بالضروره واجب على بقية نساء المسلمين ومثل ذلك أن الله ضاعف ثوابهم على الأعمال الصالحه وضاعف حزاءهم على الأعمال الغير صالحه ( يا نساء النبى لستن كأحد من النساء ) أو أنهم امهات للمؤمنين ولن يتزوجوا بعد النبى صلى الله عليه وسلم . أما آية : ( فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) فيرد عليهم دكتور يوسف القرضاوى فى كتابه فتاوى معاصره قائلا :( أن حبس المرأه لم يعرف إلا أنه كان فى فتره من الفترات -قبل إستقرار التشريع - وعقوبه لمن يرتكب الفاحشه .فكيف يظن أن يكون هذا هو من الأوصاف اللزمه للمرأه المسلمه فى الحاله الطبيعيه؟). وبعيدا عن رد الدكتور يوسف القرضاوى فهناك الكثير من الرويات التى تثبت جواز مشاركة المرأه فى العمل العام.

وأول هذه الأدله أن الكثير من نساء المسلمين إشتركوا فى الفتوحات والغزوات الإسلاميه مثلا أم عطيه غزت مع النبى صلى الله عليه وسلم سبع غزوات وكانت تداوى الجرحى وتصنع الطعام كما كان هناك ستة نساء فى غزوة خيبر يعطين السهام للمحربين ويصنعن الطعام والأكثر أن النبى صلى الله عليه وسلم أعطاهن من الغنيمه. والمقصود من ذكرى للحوادث السابقه إثبات أن النساء فى عهد النبى لم يمنعن من الخروج من البيت أنما كانت آية :( فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) فكانت تخص فتره معينه من الفترات.

قوامة الرجل

البعض يرفض العمل العام والعمل السياسى للمرأه المسلمه لان من الممكن ان تصبح رئيسه أو مسؤله عن مجموعه من الرجال وهذا مخالف للقرآن حيث قال الله فى كتابه الكريم : ( الرجال قوامون على النساء .... ) والحقيقه هنا أن الآيه تخص العلاقه الأسريه أما أن تكون المرأه رئيسه لرجل فى العمل فلم يرد فيها ما يحرمها.

العاطفه غالبه على المرأه

البعض يدعو إلى تحجيم دور المرأه حيث أن العاطفه هى الغالبه عليها والحقيقه أن النبى صلى الله عليه ووسلم سمع مشوره من أم سلمه فى يوم الحديبيه وإستفاد بها بعد ذلك . كما أن القرآن أثنى على بلقيس ملكة سبأ لانها حكمت فى قومها بالعقل والحكمه.

المرأه والعمل السياسى

يرفض البعض أن تدخل المرأه فى مجلسى الشعب والشورى و يتحججون بقول النبى صلى الله عليه وسلم :(لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأه)- هذا الحديث غير مجمع عليه - عندما وصله أن الفرس ملك أمرهم بنت ملكهم بعدما مات. وهناك رأيان فى هذا الحديث أن يؤخذ هذا الحديث كما خو بمعنى عموم اللفظ لا خصوص السبب ولو أخذناه بهذه الطريقه لعارض القرآن لان القرآن كما قلنا أثنى على حكم بلقيس لسبأ ومن هنا كان حق المرأه فى المشاركه فى العمليه السياسيه. وعموما علماء المسلمين أجمعوا على أن المرأه لا تتولى الولايه الكبرى (رئيسة الجمهويه) لكن من حقها أن تدخل المجالس النيابيه كمجلس الشعب والشورى فأنت كعضو بأحدهما تحاول أن تفرض على الحكومه ما تراه صالحا وهذا يدخل فى نطاق الأمر بالعروف والنهى عن المنكر والله قال فى كتابه الكريم : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ومعنى هذا الله لم يفرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على الرجال فقط بل الرجال والنساء.أيضا الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (الدين النصيحه لله ورسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ) لم يقصرها على الرجال فقط . وحادثة سيدنا عمر بن الخطاب الشهيره عندما قال( أصابت إمرأه وأخطأ عمر ) كما أن هناك قوانين تستلزم وجود المرأه رأبداء رأيها مثل الأمور التى تتعلق بالاسره فمثلا عندما سأل سيدنا عمر بن الخطاب مرأه عن سبب بكاء طفلها قالت : أمير المؤمنين لا يفرض العطاء الا للطفل المفطوم وأنا حاولت أن أفتمه قبل موعده ) فقال سيدنا عمر قولته الشهيره : ( ويح عمر كم قتل من أطفال المسلمين ) وبعدها فرض العطاء لكل مولود ومعنى هذا أنا رأيى المرأه بالفعل مطلوب.

والمقصود أن للمرأه الحق فى تولى جميع الوظائف إلا الولايه الكبرى (رئاسة الجمهوريه ) بمعنى أنه من الممكن أن تكون وزيره أو قاضيه

الند نملي
07-04-2009, 22:28
[أخي العزيز الکريم
من فضلك
أحتاج بحوثا عن تلك المواضيع واکون شاکرا وممتنا لك،لانه‌ یچب عليه‌ ان اکتب عن کل کتاب بحثا يتضمن (يتطرق)عن موضوع من مواضيع هذه‌ الکتب ساعدني ارجوك وجزاك کل خير
*التنظيم الدولی
*الدبلوماسية والقنصلية
*تطور السياسة الدولية في القرنيين الماضيين
*الفکر السياسي (افلاطون الى محمد عبده‌)
*النظم السياسية في العالم المعاصر
اسال الله ان ياجرك ويسكنك فسيح جناته

amina sa
07-04-2009, 22:29
شكرا جزيلا على هذه المبادرة وبارك الله فيك وموفق إنشاء الله..................

sarsoura9
07-04-2009, 22:57
بحت حول المعاجم اللغوية

amina sa
07-04-2009, 23:16
عفوا إن أكثرت عليكم فقط لقد رأيت في البحوث السابقة بحث حول الشراكة الإفريقية الجديدة النيباد أريد قائمة المراجع والمزيد من المعلومات إن أمكن طبعا.... شكرا مرة أخرى

spisos
07-04-2009, 23:37
تابع لـ amina :


مقدمة:

تعد المشاركة السياسية من الحريات الاساسية للفرد، والتي اكدت عليها المواثيق الدولية لحقوق الانسان ،
وهي واحدة من أهم مؤشرات ودلالات التنمية في أي مجتمع، إذ لا يمكن الحديث عن التنمية دون
التطرق لموضوعة المشاركة السياسية، ودون التعرض لدور المرأة في هذه التنمية؛ وعليه فإن درجة
مشاركة المرأة وفاعليتها تنعكس إيجاباً في السياسات التنموية.

لعل الأسئلة الأوسع والأكبر المطروحة علينا اليوم في هذا الموضوع، هي لماذا اصبح التوجه الآن إلى إعطاء المرأة دورا اكبر في الوظائف الدبلوماسية في الدول العربية، ومن بينها دول الخليج العربي؟ لماذا اكبر عدد من رئيسات البعثات والسفيرات العربيات يوجد اليوم في باريس، وليس في عاصمة أخرى من العالم؟ في باريس الآن ثمان سيدات، بين سفيرات ورئيسات بعثات، من دول عربية، كما توجد سفيرات أو رؤساء بعثات دبلوماسية أجنبية في بعض العواصم العربية، و لا يوجد نساء عاملات في السلك الدبلوماسي، من بعض البلدان الإسلامية الأكثر محافظة؟

مجمل الإجابة على تلك الأسئلة يتلخص في أمرين (الأول) هو الاتجاه الدولي الأخذ في التوسع و القبول و القائل أن وضع المرأة العملي و الحقوقي و الاجتماعي، في أي مجتمع يعد مؤشرا على احترام حقوق الإنسان والتسامح والانفتاح على العالم، والأمر ( الثاني) هو أن وضع المرأة في الدول المضيفة- وهي هنا فرنسا- يعطي للمرأة الحق في الحركة واتساع دائرتها الاجتماعية وسهولة الحركة، فهي تعامل (كانسان) قبل كونها امرأة، وكلما كانت حركة المرأة ميسرة في المجتمع الضيف، كلما كان بإمكانها أن تمثل بلدها خير تمثيل.
الفارق في قبول حرية حركة المرأة أو تقييدها هو ليس فارقا بين الشمال و الجنوب، ولا بين الشرق و الغرب، الفارق هو في(مستوى تطور) المجتمع. إن وضع المرأة القانوني والسياسي والاجتماعي في بعض بلداننا العربية و الإسلامية اليوم، يشابه إلى حد بعيد وضع للمرأة الغربية في تاريخ سابق من مرحلة التطور الاجتماعي الغربي. فالمرأة الفرنسية مثلا لم تحصل على حق الترشيح والانتخاب إلا عام 1946، أي بعد ما يزيد عن قرن ونصف من الثورة الفرنسية الكبرى، فالقضية برمتها هي مرحلة تطور اجتماعي وقانوني، وكلما قبلنا فكرة التطور، وهو المضاد للجمود استطاعت المرأة أن تأخذ دورها الطبيعي في المجتمع، وأصبحنا اقرب إلي التفاؤل منا إلي التشاؤم. ولكن التطور لا يأتي تلقائيا، بل يحتاج إلي نضال وإيمان وجهد، ونحن في مجتمعاتنا نسير بهذا الاتجاه.
اعتقد أن الإصرار على مدينة باريس لإرسال اكبر عدد من الدبلوماسيات العربيات/المسلمات، هو شكل من أشكال تأكيد العزم من الدول المرسلة على الانفتاح على العالم، ورسالة إلى الغرب بهذا التوجه واعتقد أن الرسالة قد أدت إلى رد فعل إيجابي في الدوائر الفرنسية و الغربية. كما وان إرسال السفيرات الغربيات إلى الدول العربية (على عكس المسألة بالنسبة لدينا) فهن ربما يرسلن إلى العواصم التي يراد جس نبضها و التأكد من حقيقة وضع المرأة والتعامل معها في عواصم مثل صنعاء وبغداد وهناك عواصم مغلقة بالنسبة لهذا التوجه بسبب الضروف الاجتماعية السائدة مثل الرياض وطهران.
باختصار إن وضع المرأة كسفيرة بالنسبة للدول العربية والإسلامية وبالمقابل الدول الغربية: هو رسالة عزم من جهة وجس نبض من جهة أخري.

هل تصلح المرأة للعمل الدبلوماسي ؟

حتى يمكننا الإجابة على هذا السؤال يجب طرح تساؤل اسبق منه وهو ما هي الدبلوماسية ؟
الدبلوماسية هي فن العلاقات الإنسانية، تستخدمها الدول من أجل تعزيز وجودها في المجتمع الدولي ولتقوية أواصر العلاقات مع الدول الأخرى. حق الدولة في السيادة وتقرير المصير يقف في القانون الدولي عند حدود احترام سيادة الدول الأخرى، واحترام التعهدات والالتزامات الدولية، علاوة على أن النظام العالمي يقوم على قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية، باختصار أن أهم الأسس التي تقوم عليها الدبلوماسية وهي تتطلع لخدمة مصالح دولها أن تضمن التوفيق بين مقتضيات المصالح الوطنية و متطلبات نظام دولي يهدف إلى الاستقرار، وتفادي الحروب والتسامح واحترام التعددية الفكرية، ويكون دور الدبلوماسي هو تنشيط التبادل التجاري و الثقافي و الإنساني، وتقريب وجهات النظر أو شرحها عند الاختلاف.
(1).
أن أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الدبلوماسي من بين صفات أخرى الاستقرار الداخلي والشعور بالأمان، التأني وعدم القفز إلى النتائج قبل التدقيق في الأمور. اقتناص الفرص والرد العقلاني الهادئ، الحزم عندما تحتاج الأمور إلي حزم وعدم تهاون، وبناء جسور متينة بين دولة المقر و الدولة القادم منها الدبلوماسي، وخلق شبكة من العلاقات الصحفية و الفكرية و الثقافية التي يستعين بها الدبلوماسي لتأدية عمله، وهذا يتطلب الإلمام التام بالثقافة المحلية و القدرة على العمل الجماعي.
تلك الصفات عندما تتوافر في امرأة أو رجل فانه يستطيع أن يؤدي مهمته بيسر اكثر..لا اعتقد أن كون السفير امرأة، أو رجل هو المعيار، وإنما معيار النجاح هنا هو من بين أمور أخرى، مستوى الذكاء والوعي والقدرة على العمل الجماعي، و الثقافة العامة و القدرة على التواصل الإنساني الناجح دون إفراط أو تفريط.
قبل أن أتولى مهامي كسفيرة، عملت في المحاماة في مكتب خاص وقد تعلمت إن النتائج الكبيرة الناجحة لا تكون إلا من خلال عمل دؤوب وقدرة على العمل الجماعي، كنت اختار الأشخاص الذين تتوفر فيهم إمكانية تأدية دورهم في العمل بإتقان وتعلمت كذلك إن النجاح في العمل 99% منه عمل، و فقط 1% حظ. عندما كنت انتقي من يعمل معي لم اكن أميز بين امرأة ورجل، بل بين عقل وآخر بين إمكانية و أخرى وفي القطاع الخاص العبرة بالإنتاج وبنوعيته وليست بالكلام أو المجاملات أو بكون من يعمل امرأة أم رجل، الكفاءة و التأهيل و القدرات الشخصية مقدمة هنا على الجنس أو القرابة أو الولاء الشخصي، وعلى هذا الأساس عملت في السفارة، وطوعت طريقة عملي وتعاملي مع الآخرين للعمل الدبلوماسي لدولة خليجية صغيرة في الخليج لدى دولة أوروبية من الدول الخمس الكبرى.
فكيف كانت التجربة ؟ وهل معيار التمييز في العمل الدبلوماسي بشكل خاص، والسياسي بشكل عام، هو لجنس السفير أم نوعية عمله وقدراته الذاتية وطريقة تأهيله و الإمكانيات المادية و البشرية المتاحة و الاستقلال الامثل لها ؟



هل هناك عقبات ؟:

حتى يمكن الرد على هذا التساؤل يجب أن نحدد نوع العقبات، وهل هي عقبات تواجه كل سفير، رجل كان أو امرأة، أم عقبات تواجه السفيرة المرأة؟
كما قلت في المقدمة أن فرنسا بلد تتمتع فيها المرأة باتساع مساحة الحركة فيها فليس هناك أماكن مقصورة على الرجال وأخرى على النساء، لذلك فان الصعوبات هنا أن وجدت، تتعلق بالوظيفة ذاتها، وبشخصية السفير وبطريقة الأداء، وليس بجنسه رجل أو امرأة، ربما عند بدء العمل هي نفس العقبات التي تواجه أي شخص، عندما ينتقل إلى وظيفة جديدة، التكيف في المكان والتعرف على قدرات الموظفين، ومصاعب السكن، والتعرف على طبيعة الحياة في البلد الذي تم الانتقال إليه، ولم أرى سفيرا جيدا إلا واشتكي من سكن سابقه، إلا أن ذلك متصل بطبيعة بشرية وليس بعمل محدد!


الفرق بين نظرة المجتمع الغربي و مجتمعنا الخليجي لعمل المرأة:

فكرة أن تتولى المرأة منصب قيادي لم تنضج بعد في مجتمعنا بدليل انه عندما رشحت عدد من النساء أنفسهن في الانتخابات التشريعية والبلدية في البحرين لم تنجح أي امرأة من اللاتي رشحن، وكذلك في انتخابات المجلس البلدي في قطر، أما في الكويت فلم يتم حصول المرأة حتى اليوم على حق الترشيح والانتخاب.
لقد حصلت بعض العناصر النسائية في الخليج على فرصة لتولى بعض مراكز صنع القرار بالتعيين، فنجد أن المرأة الخليجية قد حصلت على منصب وزيرة، سفيرة، رئيسة جامعة وعضو في المجالس التشريعية بالتعيين. معنى ذلك أن وصول المرأة ألي الوظائف العامة والى المراكز القيادية قد جاء بناء على قرارات قيادية عليا في الغالب، أما المجتمع وعن طريق الانتخاب فلا تزال قطاعات منه مترددة في تمكين المرأة للفرص المناسبة في تولي المناصب القيادية، من خلال رأي من هنا أو فتوى من هناك من أن (المرأة ناقصة عقل أو ناقصة دين أو كلاهما معا) وهذا أحد ألأسباب التي تقف بينها وبين الوصول إلي مراكز صنع القرار بشكل طبيعي في مجتمعها.رغم أن هذا النوع من المفاهيم قد فند شرعا وقال فيه علماء ثقاة، بأنه الحكم (خاص) و ليس ( عام)
ومن جهة أخرى لقد أثبتت المرأة جدارتها في العمل في القطاع الخاص حيث يكون التقييم للإنتاجية وجودة العمل دون غيره من المعايير، فنجد المحاميات، الطبيبات، المهندسات والمحاسبات وغير ذلك من مجالات التخصص الفني، واللاتي اكتسبن ثقة من يتعامل معهن.
هل الفرق إذن بين امرأة ورجل؟ أم أن الفرق في تجويد الإنتاج ؟ وفي الالتزام بالعمل، وتحقيق النتائج المرجوة ؟.

في المقابل في الغرب عندما قامت الثورة الفرنسية لم يأت إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 26 أغسطس 1789 بنص صريح يتناول وضع المرأة في المجتمع وقد جاءت بمبادئ عامة اختصرتها ما أوردته المادة الأولى منه التى أوردت ما يلى:
(يولد الناس أحرارا متساويين في الحقوق ويبقون كذلك والاختلافات الاجتماعية لا تقوم إلا على أساس المنفعة المشتركة).
وفي ظل هذا الإعلان ظلت المرأة الفرنسية تعاني من عدم المساواة في كافة المجالات و قد دفعت المرأة الفرنسية ثمنا غاليا في سبيل الحصول على حقها في التعبير عن رأيها وحقها في المساواة والكرامة الإنسانية فقد تم إعدام السيدة اوليمب دو جوج بالمقصلة في 3 نوفمبر 1793 عندما اتهمت بأنها تحمل أفكارا معادية للثورة الفرنسية بسبب مطالبتها بتعديل القانون المدني لتحقيق وضع افضل للمرأة لقد كانت تردد عبارتها المشهورة (أن المرأة التى يكون لها الحق في الإعدام بالمقصلة يجب أن يكون لها الحق أيضا في اعتلاء المنبر)...لقد مرت المرأة الفرنسية بأوضاع غير إنسانية واحتاج الأمر إلى تضحيات كبيرة لتصل إلى ما وصلت إلية الآن بعد ما يزيد على قرن ونصف بعد الثورة الفرنسية ولازالت تطالب بمساواتها في الحقوق والواجبات مع الرجل (2).
أن ما توصلت إليه المرأة في الغرب من مكانة وان كان اكثر تقدما إلا أنها لم تحصل بالضرورة على وضع إنساني مساوي للرجل.
إذن فان المجتمع الفرنسي احتاج لكل ذلك الوقت ليقتنع بدور المرأة ومساواتها ذلك لان طبيعة البشر تحتاج إلى وقت اكبر لتقبل بالتغييرات الاجتماعية في حين أن التغييرات المادية في طريقة العيش واستخدام وسائل التكنولجيا لا تحتاج إلى وقت كبير لقبولها واستهلاكها !
ومن جهة أخرى يلعب رأي المرأة نفسها في توليها للمناصب القيادية دور هام جدا وأيضا هناك شخصيات نسائية ترفض العمل في مواقع المسؤولية ولا ترى أن المرأة في قدرتها تحمل مسؤولية صنع القرار، فهذه الفئة ربما تخضع لاعتبارات الظروف الاجتماعية السائدة أو تقوم على آراء تراثية محافظة، وقد ظهر كثير من النساء اللاتي تحمل مثل هذه الآراء على شاشات التلفزة أثناء الانتخابات التشريعية في البحرين ليصرحوا بآرائهم عن عدم صلاحية المرأة لكي تكون نائب في المجلس التشريعي وفي الأغلب يستندن إلى فتاوى دينية غير دقيقة، ويرى احد الباحثين ا لخليجيين انه لابد لنا من تأكيد حقيقة أن الجيل المعاصر من نساء الخليج وبخلاف الجيل السابق لا يبدو متعجلا في المطالبة بحق المرأة السياسي وانه بالاحرى لا يراها الآن مؤهلة لخوض هذه التجربة السياسية وقد اجرى بحثا ميدانيا على طالبات في الجامعة، وبسؤالهن عن موقفهن من وصول المرأة لمراكز صنع القرار كوزيرة أو وكيلة وزارة أو سفيرة أجابت 28, 3% بتأييدهم لذلك مقابل 71, 7% لم يجدن فيه شأنا مهما وهو يقول أن الكثرة من الطالبات تستقى معلوماتها ومتابعتها للشأن العام من خلال خطب المساجد وجلسات الوعظ والبرامج الاجتماعية في الإذاعة والتلفزيون (3)(باقر النجار ). هكذا إذن فان رأي المرأة في نفسها ربما يشكل احد المعوقات التي تؤخر المرأة عن الوصول إلى مراكز صنع القرار باعتقادي أنا هذه الحالة هي نتيجة وضع اجتماعي وتعليمي معين ولاشك أنها مرحلة أو وضع ثقافي سوف يتم تجاوزه، لان مجتمعات أخرى مرت بنفس الظروف، فالمرأة الأمريكية كانت معارضة لتمكين المرأة من المساهمة السياسية في وقت ما بسبب نفش الذرائع التي يستخدمها البعض عندنا، أن طبيعة المرأة مختلفة، حتى جاءت ظروف الوضع الاقتصادي فأجبرت المرأة أن تغير رأيها. لقد عملت المرأة في الخليج في وقت سابق في أعمال الزراعة وتربية الماشية وحتى أن بعضهن دخل ( الغوص، وهو غوص البارد) القريب من الساحل.

سفيرة من الخليج في باريس ربما يكون الفرق في عقول الآخرين ولكن ليس في الواقع:

صدر مؤخرا في باريس كتاب باللغة الفرنسية مذكرات فرح بهلوي زوجة شاة إيران السابق محمد رضا بهلوي (4) وقد أمضت سنوات دراسية عديدة في باريس لدراسة الهندسة، قبل أن يتعرف عليها الشاه محمد رضا بهلوي في باريس أيضا ويتزوجها، وهي تقول في كتابها أنها عندما ذهبت إلى باريس كان ألطلبه الفرنسيون يعيرونها وقد جاءت من بلد شرقي متخلف يستخدم أهله الجمال ويسكنون الخيم، فهي متخلفة، وكان هؤلاء الطلبة يسخرون منها بسبب ذلك الافتراض، وكان الوقت في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، لقد تعرضت أنا وزميلاتي في عام 1976، أي بعد ذلك بعقدين تقريبا، عندما كنا نتعلم في فرنسا لذات الموقف و الأكثر غرابه انه جاء من بعض الزملاء العرب، الذين كانوا يعيروننا أمام المدرسة الفرنسية والطلبة الأجانب بأننا متخلفين ونسكن في الخيام، ونستخدم الجمل للتنقل، لذلك وكما قالوا للمدرسة نحن لا نمثل المرأة العربية !.يبدو أن الخيمة والجمل والبترول هو ما يطبع فكر الآخرين عنا.

لازال الطريق طويلا:

رصد تقرير الأهداف التنموية للعالم العربي الذي أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع جامعة الدول العربية بان نصف النساء في الدول العربية أميات وان المقاعد البرلمانية التي تشغلها النساء في المجالس التشريعية العربية لم تتجاوز 5% من مجموعها.(جريدة الشرق الأوسط 11 ديسمبر 2003 )من جهة أخرى فان تقرير التنمية العربية لعام 2002 يضع من تمكين المرأة ركن أساسي من مؤشرات التنمية الحقيقية إلى جانب الحريات والحصول على المعرفة الأمر كل الأمر يعود إذن إلى الثقافة السائدة، في تحليله للمعوقات الثقافية العربية يقول كاتب خليجي: لقد خلط العرب بين الغرب المستعمر وبين الثقافة الغربية الحديثة التي اعتمدت عليها النهضة الإنسانية خلطا كبيرا لا زالت تجلياته وتبعات هذا الخلط تعيش معنا إلى اليوم فقد مال العرب بشكل عام إلى قبول بعض المنتج الحضاري الغربي ورفضوا البعض الأخر. لقد استخدموا المنتج المادي في معظم أشكاله، ورفض بعضهم كل أو بعض المنتج المعنوي من تلك الحضارة خاصة في تجلياته العلمية المنظمة للمجتمع مثل سيادة القانون، المساواة بين الموظفين والتنظيم السياسي.(محمد الرميحي )
لا يمكن إذن النظر إلى وضع المرأة بشكل مستقل عن الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة كما أنها ليست معضلة المرأة في الخليج فقط ربما هي أزمة فكر العالم العربي والإسلامي المعاصر الذي يعيش مرحلة انتقالية صعبة بين موروث يعيش به أصبح مرتبكا في الإجابة على التساؤلات المطروحة عليه في العالم وبين تكنولوجيا تلغي كل الفواصل والحدود بينه وبين العالم ربما أصبح الإنسان العربي الذي يمتلك قدرا من الوعي كمن يفاجئ برؤية نفسه في مرآه لأول مرة ويجد أن هيئته ليست لها علاقة بالعالم الذي يراه من حوله، وقد عبر عن ذلك الفيلسوف الإيراني المعروف داريوش شايغن في مؤلفه النظرة المشطورة un regard mutuler الذي ترجم إلي العربية تحت عنوان (النفس المبتورة) بعبارة رائعة يقول فيها (أن المثقف الشرقي مثل إنسان ينظر إلى نفسه في مرآه مكسورة ).( داريوش شايجان ).
يثور الآن في فرنسا حوار صاخب حول الإسلام ووضع المرأة والحجاب وكما تعلمون فانه مؤخرا قررت لجنة ستازي وهي اللجنة التى أناط بها الرئيس شيراك وضع دراسة للمحافظة على مبادئ العلمانية التى تقوم عليها الجمهورية الفرنسية وقد انتهت هذه اللجنة إلى رأى بمنع أي مظاهر دينية تعطي مؤشرا إلى أي انتماء عرقي أو ديني في المدارس الحكومية إذ أن مبادئ الدولة تقوم على المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز بينهم في الجنس أو الدين أو اللون لذلك فقد منعت الطالبات المسلمات من لبس الحجاب ومنع اليهود من لبس الطاقية التقليدية، وكذلك المسيحيين من وضع إشارة الصليب بشكل ملفت.
لقد زار رئيس الوزراء الفرنسي السيد رافاران مسجد باريس مؤخرا والقي كلمة قال فيها (إننا نحترم الإسلام كدين ونحترم كل الديانات وان مبادئ الدولة تقوم على العلمانية وهي مثل القواعد للغة وبأمكان الجميع الاستعانة بها كمنهج علمي للتفكير ليس هناك عداء بين العلمانية وبين الدين بل بالعكس بأمكانكم الاستعانة بقواعد العلمانية في التفكير والتفسير والتحليل لجميع الأمور فهي قواعد للفكر وليست مدرسة رأى أو مذهب)..

أن التحدي الذي فرضته تكنولوجيا الاتصالات والعولمة على كل دول العالم ونحن بطبيعة الحال جزء لا يتجزأ منها تحدي ضخم. أن( الآخر) الذي كان بالأمس بعيدا مختلف هو اليوم وأن كان مختلفا فأنه( حاضر دائما معنا ) من خلال شاشات التلفزيون في الصالون في غرفة الأكل أو النوم وكذلك في الانترنت وفي الصحف ولم تعد هناك حدود إقليمية للمعلومات، وهذا يحتم على إنسان اليوم، بغض النظر عن أي بلد ينتمي أو أي ثقافة يعيش تحت ظلها، أن يفهم الأخر حتى يتمكن من أن يتعايش معه.
وكما يقول دومينيك والتون في مؤلفة (عولمة الآخر) بأنه يجب عند وضع الحسابات السياسية في عالم العولمة الأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين ثلاثة أمور (الهوية)، (الثقافة) و(الاتصالات).لقد أصبح التعايش الثقافي ضرورة لتحقيق السلام فعلى الرغم من أن الإنسان ومنذ الأزل يقاتل من اجل الحفاظ على هويته، ثقافته ونموذجه في العلاقات الاجتماعية، إلا أن التحدي الآن اصبح في تحقيق (التعايش الثقافي) وقد أصبح هذا التحدي هو تحديا سياسيا يقف مع الاقتصاد والتعليم والتنمية جنبا إلى جنب.
وضع المرأة لدينا و في أنحاء العالم ليس بمعزل عن كل ذلك وليس لدي ادني شك في أن الدور الذي تضطلع به المرأة في الخليج هو دورا رائد وبالأخص أن المجتمع الخليجي قد خضع لتغيرات مادية كبيرة في فترة زمنية وجيزة في عمر الزمن. فقد قامت المرأة الخليجية بالمساهمة الفعالة في التنمية وفي بناء مجتمعها من خلال حضورها على كافة ألأصعدة والمجالات وسيرها على أسس اجتماعية قوية وموائمتها بين مقتضيات اجتماعية متحفظة وأخرى تتطلب الانفتاح على العالم والتعايش مع الآخرين.
الخلاصة

أن منطقتنا تمر اليوم بمنعطف حضاري تثار فيه التساؤلات الكبيرة، منها أسئلة مثل، ما هو مفهوم دولة الرفاه، وما هي قيمة العمل، وما هي الديمقراطية و المشاركة؟ وما شكل علاقتنا بالدول الأخرى، أن العالم يمر بثورة فكرية وإدارية وسياسية كبيرى.
منطقتنا كانت حتى وقت قريب هي (خط الدفاع الأول) للغرب ضد الشمولية، وهي مستقر لثروة هائلة من الطاقة يحتاجها الغرب الصناعي بشرقه وغربه، و التحديات اليوم مختلفة عن الماضي، أما أن نستوعب التغيير أو يسحقنا، فالإصلاح السياسي و الاجتماعي و القانوني هو بيت القصيد، به نكون ويدونه لا نكون.
أما نجاح الدبلوماسي فقد يتركز في بضع كلمات، ثقافته الواسعة، بما فيها معرفته بلغة البلد الضيف، قدرته على الاتصال بالأخر، الإمكانيات التي توضع تحت تصرفه. انه ملخص مضغوط عوامل نجاح الدبلوماسي، إلا أن اختم بالقول أن الدبلوماسية عمل (فريق) وليس (عمل فرد) إذا افتقد عمل الفريق، ضاع عمل الفرد.
وأشكركم على إتاحة الفرصة.


-----------------------------------------
أختي الكريمة ..إخواني القراء...هذا المقال لا يعبر عن آرائي الشخصية ...و لست بالضرورة موافق عليها..فقد إعتمدت على الموضوعية بعيدا عن الذاتية ...فلم أذكر رأيي في هذا الموضوع لأنه شديد الحساسية...هدانا الله..شكرا

علي طالب علي
08-04-2009, 00:27
الرقابة الإدارية
المحامي رائد الجابري
ماهية الرقابة الإدارية
سواء أخذت الدولة بالنظام المركزي أم بالنظام اللا مركزي فلابد لها أن تباشر نوعاً من الرقابة على الهيئات الإدارية الأخرى، وهذا ما يسمونه بالرقابة الإدارية. ولقد جرى العرف في فرنسا مثلا على استعمال اصطلاح الوصاية الإدارية بدلاً من استعمال اصطلاح الرقابة الإدارية، والحقيقة أن هنالك فرقاً بين الرقابة والوصاية، لأن الوصاية تقع على القاصر الذي لا يملك إجراء التصرفات القانونية، بينما الرقابة التي تباشرها الدولة إنما تقع على هيئات إدارية تملك إجراء بعض التصرفات القانونية. والبعض الآخر يقتضي نفاده إجازة الرقيب أي الدولة ومن هنا يظهر أن الرقابة الإدارية لا تشبه الوصاية وإذا أردنا أن نجد لها شبيهاً في القانون الخاص فأنها تبدو وكأنها تشبه (القوامه) التي تكون (للقيم) على القاصر المأذون له بالتجارة.
وكذلك يختلف الغرض المقصود من الرقابة في القانون الإداري عن الغرض المقصود من الوصاية في القانون الخاص، ذلك أن الوصاية يقصد بها حماية القاصر نفسه بينما الرقابة الإدارية يقصد بها حماية الدولة ضد إساءة الهيئات المحلية لاستعمالها لاختصاصاتها كما يقصد بها حماية الأفراد ضد تعسف أو كل تعسف ترتكبه الهيئات المذكورة.
ثم أن هذه الرقابة ضرورة لأزمة لإرشاد الهيئات المستقلة إدارياً وبالأخص حين تبدأ خطواتها الأولى. وبعد فأن هذه الرقابة التي للدولة على الهيئات التي تتمتع بشبه استقلال يوجد الصلة بين السلطة المركزية وبينها.
تلك الصلة التي هي أمر لازم من أجل الإبقاء على وحدة الإدارة. والحقيقة أنه إذا انعدمت هذه الرقابة الإدارية للسلطة المركزية على الهيئات اللامركزية المنتشرة في الأقاليم فأنه يخشى أن تتحول الدولة إلى مجموعة إدارات متعددة. وقد تصبح متناثرة، الأمر الذي لا يتفق مع سلامة النظام الفيدرالي للدولة ووجوب العمل على إبقاء الروابط بين أجزائها.
وعلى ذلك فإن استعمال الفقه الفرنسي اصطلاح الوصاية الإدارية بدل الرقابة الإدارية لا يوجد من الناحية الفقهية ما يبرره.
وعلى كل حال فرقابة الدولة- على الأشخاص- الإدارية المستقلة استقلالاً ذاتياً أمر واقع في كل الدولة التي تأخذ بالنظام اللا مركزي، لأنه مهما طبق النظام اللا مركزي يغلو فلا يمكن أن يجول بخاطر أشد أنصاره (القضاء على المركزية الإدارية كلياً).
فحتى في الدول ذات النظام اللا مركزي القاعدة التي تحكم نظامها الإداري هي المركزية. أما اللامركزية فتكون مجرد استثناء.
هذا وتباشر هذه الرقابة من قبل أجهزة السلطة التنفيذية سواء أكانت رقابة رئاسية يباشرها الرؤساء على مرؤوسيهم كرقابة الوزير على أعمال وزارته من المصالح والهيئات التابعة لها بوصفه الرئيس الأعلى أم رقابة إدارية تباشرها الحكومة أو السلطة المركزية على الأشخاص الإدارية اللامركزية سواء أكانت هيئات محلية أو مصلحية.
ويظل الأمر خاضع في ما يتعلق (بالرقابة الإدارية) بحسب أسلوب التنظيم الإداري السائد في الدولة. وعليه أخيراً يمكننا القول أن الرقابة الإدارية هي الصلة الواصلة بين السلطة المركزية والهيئات اللامركزية أو المصلحية والتي تعد أمراً لازماً من أجل البقاء على وحدة الإدارة داخل الدولة.
ففي النظام اللا مركزي الإداري نستطيع أن نحدد الوسائل التي تمارسها السلطة المركزية على الهيئات اللامركزية المحلية أو المصلحية في الشكل التالي:
الإشراف التشريعي: فهي تبدأ بهذا الإشراف التشريعي الذي للدولة على إنشاء الأشخاص ذات الاستقلال المحلي أو المصلحي أي الأشخاص اللامركزية وكذلك في حق الدولة بالاعتراف لها بالشخصية المعنوية فهي لا تتمتع بهذه الشخصية إلا بأذن الدولة، وهذا الأذن يعتبر منشئ لا مقرراً لتلك الشخصية المعنوية. وهذا الأمر يعتبر قائماً سواء أخذنا بتلك النظرية التي تعتبر الشخصية المعنوية حقيقة أم بتلك التي تعتبرها مجرد مجازاً.
وبعد فرقابة الدولة على هذه الأشخاص تظهر أيضاً جلية وواضحة إذا لاحظنا أن الدولة هي التي تحدد اختصاصات هذه الأشخاص اللامركزية. وهي أيضاً التي تبين كيفية مباشرتها لهذه الاختصاصات وتبدو أيضاً هذه الرقابة بما تضعه الدولة من قواعد تبين كيفية تشكيل الأشخاص اللامركزية.
أما في النظام المركزي الإداري الذي من أهم سماته (التبعية والسلطة الرئاسية) نستطيع أن نقول إن وسائل الرقابة الرئاسية التي يباشرها الرؤساء على المرؤوسين كل بحسب منصبه وصولاً إلى قمة الهرم أو السلم الإداري الذي يأتي على قمته الوزير المختص في العاصمة هي كما يلي:
1- الإشراف.
2- التفتيش.
3- المتابعة.
4- فحص التقارير الإدارية.
5- الشكاوي.
6- إجراء التحريات الإدارية.
7- الإشراف في مجال العلوم الإدارية.
أما بالنسبة للإشراف فيمكن أن يقسم إلى ثلاثة مستويات متدرجة وهي المستويات العليا ثم الوسط ثم الدنيا.. والمستويات العليا تتحقق من خلال إشراف الجهات الإدارية العليا كإشراف الوزراء والهيئات العامة. بينما تتحقق رقابة المستويات الوسطى من خلال إشراف رؤساء المصالح والإدارات والأقسام المختلفة في حين تتحقق رقابة المستويات الدنيا من خلال إشراف الرؤساء المباشرين على مرؤوسيهم، وينصرف مفهوم التفتيش في مجال العلوم الإدارية إلى التفتيش الإداري دون غيره من أنواع التفتيش الأخرى ويقصد بهذه الوسيلة من الرقابة، فحص سلامة الأعمال المشمولة بالتفتيش من الناحية الشكلية والموضوعية وفقاً للبرامج المعدة. مع إفراغ نتائج التفتيش في تقارير خاصة. ترفع إلى الجهات المختصة، أما المتابعة. فيراد بها الإطلاع الدائم المستمر على كيفية سير العمل ومديات التقدم الحاصل وفق الأهداف المرسومة وهذا يتطلب من جهات المتابعة الحصول على البيانات والمعلومات لأداء مهمتها بصفة دورية منتظمة لتستطيع اكتشاف الأخطاء حال حصولها والعمل على عدم تكرارها.
أما بالنسبة لإجراء التحريات الإدارية والشكاوى، فأنها بحاجة إلى بحث مستقل وذلك لارتباطها القوي في معالجة قضايا الفساد الإداري.
وأخيراً الإشراف في مجال العلوم الإدارية فيقصد به ملاحقة جهود العاملين لتوجيهها الوجه السليمة عن طريق الأوامر والتعليمات.
هذا ويقرر بعض الفقهاء بأن الرقابة الإدارية ليست على درجة واحدة من القوة في جميع الحالات وإنما يختلف مداها بحسب أسلوب التنظيم الإداري السائد في الدولة، إذ تكون الرقابة الإدارية قوية وذات مدى واسع أو متسع في ظل النظام المركزي ولكنها تضعف ويضعف نطاقها بالنسبة للنظام اللا مركزي. وعلة ذلك ترجع إلى أن الهيئات وموظفي الجهاز الإداري في النظام المركزي يخضعون لقاعدة التبعية التدريجية (السلطة الرئاسية).
أما في الحالة الثانية فهيئات الإدارة اللامركزية تتمتع باستقلال في مباشرة اختصاصاتها المخولة لها قانوناً في مواجهة الإدارة المركزية بمعنى أن الهيئات اللامركزية لا ترتبط بالجهات المركزية بعلاقة التبعية الإدارية التدريجية ومن ثم فلا تخضع لها خضوعاً رأسياً على نحو ما معروف في المركزية الإدارية.

صور الرقابة الإدارية
نلاحظ في ما يتعلق بصور الرقابة الإدارية في (النظام المركزي) الذي من أهم سماته السلطة الرئاسية أنها على صورتين عند بعض الفقهاء وهي (الأولى تلقائية، والثانية بناء على تظلم).
والرقابة التلقائية تجريها الإدارة من تلقاء نفسها كما ذكرنا وهي بصدد بحث ومراجعة أعمالها فرجل الإدارة الذي يقوم بالتصرف قد يراجع نفسه وقد يكتشف خطأ في تصرفه فيقوم بنفسه على إلغائه أو تعديله أو استبداله بتصرف آخر يراه سليماً وقد يقوم بهذه المهمة الرئيس الإداري عندما يراقب أعمال مرؤوسيه ويتابعها بناءً على السلطة الرئاسية المقررة له في مواجهة الموظفين الذين يعملون في نطاق أدارته، فالرئيس الإداري من حقه أن يراجع أعمال المرؤوسين إذا ما أكتشف خطأ قانونياً أو قدر من التصرف الذي اتخذه المرؤوس غير ملائم بسبب الظروف والأوضاع المحيطة به كأن يصدر المحافظ مثلاً، قراراً يتعلق بمسألة من مسائل الضبط الإداري إلا أن الوزير وهو رئيسه الإداري لا يرى داع لإصدار مثل هذا القرار فيقوم بإلغاء ذلك القرار أو تعديله جزئياً، وقد يرى من المناسب اتخاذ قراراً من قبله مباشر ليحل محله، أي القرار المتخذ من قبل المحافظ، إذا ما تأكد له عدم ملاءمة ذلك القرار.
أما الرقابة بناء على تظلم. فيجب أن نبين قبل الولوج في هذه الرقابة من أن هذا التظلم يطلق عليه اصطلاح (التظلم القضائي) الذي يقدمه الأفراد إلى القضاء بشكل دعوى هذا وأن الرقابة بناءً على تظلم من ذي الشأن نستطيع أن نصفها إلى ثلاثة صور أيضاً وهي:

أولاً: الرقابة الولائية:
تنهض هذه الرقابة نتيجة طلب يتقدم به أحد الأفراد إلى السلطة أو الجهة الإدارية التي أصدرت القرار طالباً منها أعادة النظر فيه بسحبه أو إلغائه أو تعديله.

ثانياً: الرقابة الرئاسية:
في هذه الصورة من الرقابة يتقدم أحد الأفراد لا إلى الجهة التي أصدرت القرار وإنما إلى السلطة الرئاسية لها، أي إلى رئيس الموظف الذي أصدر القرار أو رئاسة الهيئة أو الجهة التي صدر عنها القرار، طالباً منها أن تستعمل سلطتها الرئاسية هذه بإلغاء القرار أو تعديله أو سحبه. والأساس الذي تقوم عليه هذه الرقابة هو أن السلطات الإدارية في كل دولة متدرجة والسلطات العليا هي التي ترسم الاتجاهات والقواعد التي يجب السير على هداها تاركة للموظفين التابعين تنفيذها، ويتولى الرئيس الإطلاع على ما يصدر عنها، وله صلاحية إلغاء أو تعديل ما يراه مخالف للقانون أو غير ملائم، وبناء على ما تقدم يستثنى من الرقابة الإدارية قرارات من كان في القمة من سلم التدرج الرئاسي، كالوزراء.

ثالثاً: الرقابة بواسطة لجنة إدارية:
بموجب هذه الرقابة يعهد إلى لجنة مشكلة خصيصاً لهذا الغرض برقابة أعمال الإدارة وتعديل أو إلغاء ما يكون منها مخالف للقانون أو غير ملائم، أما تأليف اللجنة فيكون من عدد معين من الموظفين يتصفون بقدر كافي من الدراية والخبرة التي بها يتمكنون من الفصل فيما يعرض من تظلمات وتحقق هذه الطريقة للأفراد بعض الضمانات التي لا تتوافر في الطريقتين السابقتين وربما في هذه الطريقة بعد إجراء بعض التعديل عليها أهمية في معالجة الفساد الإداري.
وتعد هذه الطريقة حلقة الاتصال بين نظام الإدارة القاضية ونظام المحاكم بمعناها الفني، وتقوم اللجنة الإدارية التي قدم لها التظلم بفحصه والتصرف على ضوء ما يكتشف عن ذلك الفحص وعلى أساس ما تقتنع به وفي سبيل قيام الإدارة بهذه المهمة قد تقوم على تعديل تصرفها حتى تتفادى ما به من خطأ وقد تجد الإدارة سبيل تصحيح تصرفها لا يكون إلا بإلغائه أو سعيه وقد تتخذ بعد ذلك تصرفاً جديداً يحل محل التصرف الملغي أو المسحوب.
وكما ذكرنا سابقاً أن مباشرة الإدارة لهذا النوع من الرقابة (سواء من تلقاء نفسها أو بناء على تظلم) إنما يهدف في الواقع إلى تحقيق مصلحة الإدارة نفسها، فأن من شأن حرص الإدارة على سلامة تصرفاتها انتظام سير المرافق العامة بصورة تؤدي على تمكنها من تحقيق النفع العام وهو الهدف الأساس للنشاط الإداري كما أن الرقابة الذاتية التي تزاولها الإدارة على نفسها تهدف أيضاً إلى احترام مبدأ (المشروعية) وهذا يؤدي بذاته إلى ضمان تنفيذ القوانين أو القرارات التنظيمية والتزام بدقة بالحدود المطلوبة لتنفيذها.
وأخيراً نقول، أما في ما يتعلق بالرقابة الإدارية في (النظام اللا مركزي الإداري أنها أيضاً تتخذ صورتين هما:
أ- الرقابة الإدارية على الهيئات اللامركزية الإدارية.
ب- الرقابة الإدارية على أعمال الهيئات اللامركزية الإدارية.

ouzzine
08-04-2009, 12:26
النخبة العسكرية بمصر:

شكل ضباط الجيش الجماعة الاستراتيجية الأولى فى مصر منذ بدأت حركة التحديث على يد محمد على. فقد بدأت هذه الحركة ببناء الجيش، ولقد درج محمد على على منح كبار الضباط إقطاعات من الأرض؛ ومن ثم فقد أصبح الجيش مكوناً فى بناء السلطة وفى بناء المجتمع فى آن واحد. ولقد ذهب إيفرز إلى أن السبق الزمنى للجماعة الاستراتيجية يؤدى إلى أن تحتل هذه الجماعة مكانة أكبر من الجماعة التى يتأخر ظهورها الزمنى(26). ومن هنا يمكن أن نفسر غلبة الجماعة العسكرية الاستراتيجية على جميع الجماعات الأخرى، لظهورها المبكر الذى أدى إلى أن تحصل على أعلى درجة من المكاسب عبر مسيرة المجتمع، وكان مكسبها الأكبر هو صعودها إلى سدة الحكم، واحتلالها مكانة مركزية فى عملية صناعة القرار.
احتلت هذه النخبة مكانة مركزية بعد عام 1952، وظلت هكذا حتى بداية التغيرات الاجتماعية والاقتصادية فى منتصف السبعينات. واستمر تأثيرها بعد ذلك فى أنها أصبحت مصدراً لتوافد أعضاء جدد إلى النخبة المركزية وإلى النخب الوسيطة. ولذلك فإن هذه النخبة تظل هى أكثر النخب تأثيراً برغم توافد نخب جديدة كنخبة رجال الأعمال إلى دائرة الممارسة السياسية. وبالرغم من أن نهاية حكم عبدالناصر قد شهدت تحولاً نحو المدنية، يشهد على ذلك الانتقال إلى الاعتماد على "أهل الخبرة" الأمر الذى سمح بدخول عناصر غير عسكرية إلى دائرة الضوء، نقول إنه بالرغم من ذلك إلا أن ضباط الجيش قد ظلوا قوة موازية لقوة عبدالناصر المدنية(27). فقد كان ضرورياً أن يحافظ النظام بشكل أو بآخر على توازن بين القوى يمثل فيه الضباط مكانة بارزة. ولقد ظهر ذلك جلياً فيما بعد وبعد أن حقق الجيش انتصاراً عسكرياً فى العام 1973. حقيقة أن هذه الحرب قد أكدت مهنية الجيش وحرفيته، ولكنها أكسبته مكانة جديدة، وأصبح أبطال أكتوبر من الضباط يحكمون هنا وهناك فى أماكن مدنية (فى الوزارة وفى مجلس المحافظين وأماكن أخرى). وقد رأينا من قبل كيف أن الوزارات المتعاقبة من عام 1981 حتى 1995 خدم بها 15 وزيراً من بين صفوف الجيش. حقيقة أن أعداد العسكريين تتناقص أمام أعداد التكنوقراط والبيروقراط ولكن تظل المؤسسات العسكرية محتفظة بقوتها التقليدية أمام المؤسسات الأخرى، ويظل الضباط أكثر قوة من أى جماعة أخرى، يتجلى ذلك فى أمور عديدة منها:
ب-1: أن هذه الجماعة هى التى يأتى منها الرئيس، ولذلك فإن مؤسسة الرئاسة تتأسس فى جانب منها على أسس عسكرية وتصبح القوات المسلحة أقرب المؤسسات إلى مؤسسة الرئاسة، حيث يمكن جمع رئيس الجمهورية بين منصب الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
ب-2: ولظروف الأمن القومى فإن القوات المسلحة هى أكثر المؤسسات استقلالاً حيث تتمتع بميزانية منفصلة، وتحاول تحقيق اكتفاء ذاتى فى البناء والمرافق وإنتاج الطعام ومحاولة تحقيق اكتفاء فى إنتاج السلاح؛ بل إنها أصبحت المؤسسة الأكثر كفاءة إلى درجة أنها أصبحت مالكة لزمام الحسم فى إدارة الأزمات خاصة الكوارث(28).
ب-3: وأخيراً فإن هذه المؤسسة بجانب مؤسسة الشرطة تدفع بالكثير من أفرادها إلى الحياة المدنية بعد التقاعد فنجدهم يديرون المؤسسات، ويحتلون مواقع حساسة فى أجهزة الدولة (وكلاء وزارات ورؤساء مجالس مدن وسكرتيرى محافظات) وفى القطاع الخاص (حيث يتحول بعضهم إلى رجال أعمال).


المراجع:

26- انظر عرضاً لنظرية الجماعات الاستراتيجية فى كتاب الدولة فى العالم الثالث السابق الإشارة إليه.
27- أحمد عبدالله، الجيش والديموقراطية فى مصر مقدمة المحرر، فى: أحمد عبدالله (محرر) الجيش والديموقراطية فى مصر، القاهرة: سينا للنشر، ط1، 1990، ص 5-6.
28- عبدالسلام نوير، النخبة السياسية فى مصر، فى: على الصاوى (محرر) النخبة السياسية فى العالم العربى، ص571.
aide moi svp je cherche un exposer de الاقتراب الوظيفي

spisos
08-04-2009, 12:52
رد إلى sarsoura9:

إليك هذا المعجم اللغوي ..في إنتظار البحث:


http://www.4shared.com/file/40198928/e574c48b/___online.html?s=1

spisos
08-04-2009, 13:05
رد إلى miryame:

الخطة:
I – الـنـظـام الـرأسـمـالـي.

II – الـنـظـام الإشـتـراكـي.

III – الـمـقـارنـة بـيـنـهـمـا.

IV - أسـئـلـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي.

V - أجـوبـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي.



I – الـنـظـام الـرأسـمـالـي :

- تـمـهـيـد :

يـعـاصـرنـا الـيـوم نـظـامـيـن إقـتـصـاديـيـن كـبـيـريـن هـمـا الـنـظـام الـرأسـمـالـي والـنـظـام الاشـتـراكـي وكـل مـنـهـمـا يـكـون إطـارًا تـأسـيـسـيًـا لـلـنـشـاط الاقـتـصـادي فـي الـدول الـمـتـقـدمـة أو فـي الـدول الـتـي تـتـقـدم إقـتـصـاديًـا.

1 - مـفـهـوم الـنـظـام الـرأسـمـالـي :

يـنـسـب هـذا الـنـظـام الـى رأس الـمـال الـذي يـلـعـب الـدور الأسـاسـي ويـقـوم عـلـى أسـاس الـحـريـة الـفـرديـة لإمـتـلاك وسـائـل الانـتـاج والـعـمـل والاسـتـهـلاك.
وقـد ظـهـر هـذا الـنـظـام كـمـرحـلـة مـن مـراحـل الـتـطـور الاقـتـصـادي وغـيّـر وجـه الـحـيـاة تـغـيـيـرًا جـذريًـا بـسـبــب الـثـورة الـصـنـاعـيـة وإنـتـشـار حـركـة الاسـتـعـمـار الأوربـي. ويـعـيـش الـيـوم مـا يـقـارب سـكـان الـعـالـم فـي ظـل هـذا الـنـظـام الـرأسـمـالـي ويـخـضـعـون لـه فـي حـيـاتـهـم الـسـيـاسـيـة، الاقـتـصـاديـة والاجـتـمـاعـيـة.

2 - أسـس الـرأسـمـالـيـة :

يـقـوم الـنـظـام الـرأسـمـالـي عـلـى مـجـمـوعـة مـن الأسـس هـي :
أ - الـحـريـة الإقـتـصـاديـة : أي أن الـفـرد حـرّ فـي الـمـلـكـيـة والـعـمـل والانـتـاج والاسـتـهـلاك. فـهـو حـرّ إمـتـلاك كـل شـيء مـادام تـحـصـل عـلـيـه بـالـطـرق الـقـانـونـيـة. ولـه حـريـة الاخـتـيـار فـي الـعـمـل الـذي يـنـاسـبـه والانـتـاج الـذي يـريـده. عـمـلاً بـمـبـدأ آدم سـمـيـث "دعـه يـعـمـل اتـركـه يـمـرّ ".
وتـرتـب مـن الـحـريـة الاقـتـصـاديـة مـسـاوئ عـديـدة نـذكـر مـنـهـا مـا يـلـي :
* حـريـة الامـتـلاك : تـرتــب عــنـهــا تـركـز عـوامـل الانـتـاج فـي أيـدي فـئـة قـلـيـلـة أي عـنـد أصـحـاب رؤوس الأمـوال الـضـخـمـة فـي حـيـن تـبـقـى الأغـلـبـيـة مـن الـمـجـتـمـع لا تـمـلـك هـذه الـوسـائـل ومـن ثـم تـبـقـي فـي خـدمـة الـمـجـمـوعـة الأولـى.
* حـريـة الـعـمـل : أصـحـاب الـمـعـامـل يـضـعـون شـروطًـا مـجـحـفـة وقـاسـيـة أثـنـاء الـتـشـغـيـل وتـصـبـح الـيـد الـعـامـلـة تـخـضـع لـمـبـدأ الـعـرض والـطـلـب خـاصـة فـي مـيـدان الأجـور.
* حـريـة الإنـتـاج : هـذه تـجـعـل الـمـنـتـج يـبـحـث عـن الـربـح الـسـريـع وبـالـتـالـي لا يـراعـي مـصـلـحـة الـشـعـب.
* حـريـة الاسـتـهـلاك : ونـجـم عـنـهـا أن فـئـة تـسـتـطـيـع أن تـسـتـهـلـك مـا تـريـد ( فـئـة مـحـدودة الـعـدد). وأخـرى غـيـر قـادرة عـلـى الاسـتـهـلاك ( طـبـقـة عـريـضـة مـن الـمـجـتـمـع ).
ب - قـانـون الـعـرض والـطـلـب : ( جـهـاز الـثـمـن ).
فـي هـذا الـنـظـام يـكـون الانـتـاج مـوجـه نـحـو الـسـوق، أي أن الانـتـاج مـرتـبـط بـقـانـون الـعـرض والـطـلـب والـدولـة لا تـتـدخـل فـي تـحـديـد الأسـعـار لأن إرتـفـاع الأربـاح فـي سلعة معـينة يـدفع بـمـنتجـين آخـريـن إلـى إنـتاج هـذه الـسـلـعـة.
مـمـا يـنـجـم عـنـه كـثـرة الـمـنـتـوج وحـيـنـهـا يـفـوق الـعـرض الـطـلـب فـتـنـخـفـض الأسـعـار فـيـتـوقـف بـعـض الـمـنـتـجـيـن عـن الانـتـاج ومن ثـم قـلّـة الـمـنـتـوج فـيـرتـفـع الـثـمـن مـن جـديـد ... ولـكـن ...
مـاهـي سـلـبـيـات هـذه الـعـمـلـيـة ؟
لـمّـا يـتـسـابـق أصـحـاب الـمـشـاريـع إلـى إنـتـاج الـسـلـعـة الـمـطـلـوبـة فـي الـسـوق يـتـرتـب عـنـهـا زيـادة الـعـرض عـن الـطـلـب تـنـخـفـض الأسـعـار ويـحـدث الـتـكـدّس ثـم يـؤدي ذلـك الـى إفـلاس الـمـؤســـســات الـصـغـيـرة، فـتـغـلـق أبـوابـهـا وتـطـرد عـمـالـهـا، فـتـحـدث الأزمـة الاقـتـصـاديـة والاجـتـمـاعـيـة مـعًـا، رغـم تـوفـر الانـتـاج.
جـ – الـمـنـافـسـة الـحـرّة : وهـي نـاتـجـة عـن الـحـريـة الـمـطـلـقـة لـذا فـهـي إحـدى خـصـائـص الـنـظـام الـرأسـمـالـي. والـهـدف مـنـهـا هـو الـسـيـطـرة عـلـى الأسـواق لـتـحـقـيـق أكـبـر ربـح. وهـذا الـتـنـافـس يـؤدي إلـى بـقـاء الأقـويـاء بـيـنـمـا الـمـؤسـسـات الـضـعـيـفـة تـنـهـار ولا تـسـتـطـيـع أن تـصـمـد أمـام الـمـؤســسـات الـقـويـة لـذا تـضـطـر إلـى الـذوبـان والانـدمـاج فـي مـؤسـسـات قـلـيـلـة الـعـدد وضـخـمـة الـحـجـم إحـتـكـرت الانـتـاج وفـرضت سـيـطـرتـهـا عـلـى الأسـواق الـدولـيـة مـثـل الـتـروسـت والـكـارتـل.
الـتـروسـت : هـي إنـدمـاج عـدة مـؤســســات وتـوحـيـدهـا تـحـت إدارة واحـدة قـصـد الـتـحـكـم فـي الـسـوق أي رفـع الأثـمـان أو تـخـفـيـضـهـا.
الـكـارتـل : هـو إتـفـاق يـجـمـع عـدّة مـؤســـسـات لـهـا نـفـس الـمـنـتـوج لـلـحـد من الـمـنـافـسـة فـيـمـا بـيـنـهـا مع إحـتـفـاظ كل مـؤسـسـة بـشـخـصـيـتـهـا وإسـتـقـلالـهـا الـمـالـي والاقـتـصـادي.

- الاسـتـنـتـاج :

إن الأسـس الـتـي يـقـوم عـلـيـهـا الـنـظـام الـرأسـمـالـي كـلّـهـا تـخـدم هـدف واحـد وهـو تـحـقـيـق الـربـح الـسـريـع. فـهـو الـدافـع الأقـوى لأي عـمـلـيـة اقـتـصـاديـة لـدى الـرأسـمـالـي والانـتـاج فـي هـذا الـنـظـام لـيـس مـن أجـل تـوفـيـر وإشـبـاع الـحـاجـيـات الأسـاسـيـة لـلـمـجـتـمـع وإنـمـا مـن أجـل تـحـقـيـق رغـبـات صـاحـب الـمـشـروع لأن الـمـنـفـعـة الـخـاصـة هـي مـحـور إهـتـمـام هـذا الـنـظـام "أي الـغـايـة تـبـرر الـوسـيـلـة ".





II – الـنـظـام الإشـتـراكـي :

- تـمـهـيـد :

كـنـتـيـجـة لـمـسـاوئ الـنـظـام الـرأسـمـالـي ومـا تـولـد عـنـه مـن مـآسـي إجـتـمـاعـيـة ومـا أنـجـر عـنـه مـن أزمـات إقـتـصـاديـة وكـبـديـل لـذلـك أخـذ الـمـفـكـرون والـعـلـمـاء. يـبـحـثـون عـن إيـجـاد مـخـرج لـذلـك. فـكـانـت الاشـتـراكـيـة بـديـلاً.

1 - مـفـهـوم الـنـظـام الاشـتـراكـي :

الاشـتـراكـيـة هـي مـجـمـوعـة مـن الـنـظـريـات الـسـيـاسـيـة والاقـتـصـاديـة والاجـتـمـاعـيـة الـتـي تـتـركـز عـلـى الـمـلـكـيـة الـجـمـاعـيـة لـمـصـادر الـثـروة ووسـائـل الانـتـاج وتـكـافـؤ الـفـرص لـدى الـجـمـيـع. وتـهـدف إلـى تـحـقـيـق الـعـدالـة الاجـتـمـاعـيـة بـيـن أفـراد الـمـجـتـمـع. ولـكـن مـاهـي الـظـروف الـتـي نـشـأ فـيـهـا هـذا الـنـظـام ؟
لـقـد ظـهـرت الاشـتـراكـيـة ونـمـت وتـطـورت كـرد فـعـل لـلـتـنـاقـضـات والـسـلـبـيـات الاقـتـصـاديـة والاجـتـمـاعـيـة والـسـيـاسـيـة الـتـي أفـرزهـا الـنـظـام الـرأسـمـالـي كـإنـعـدام الـمـسـاواة وبـروز فـئـتـيـن مـتـعـارضـتـيـن مـتـنـاقـضـتـين و هـيـمـنـة الـمـذهـب الاقـتـصـادي الـحـر وسـيـطـرتـه عـلـى مـفـاهـيـم الـسـيـاسـة والـحـكـومـات.

مـنـذ مـتـى طـبـقـت الاشـتـراكـيـة كـنـظـام ؟

طـبـق هـذا الـنـظـام مـنـذ نـجـاح الـثـورة الـبـلـشـفـيـة فـي 25 / 10 / 1917 فـي روسـيـا ومـنـذ ذلـك الـتـاريـخ أصـبـحـت الاشـتـراكـيـة نـظـام سـيـاسـي وإقـتـصـادي وإجـتـمـاعـي فـي الاتـحـاد الـسـوفـيـاتـي، ثـم إنـتـقـلـت إلـى أجـزاء أخـرى مـن الـعـالـم بـعـد ح عII .




2 - أسـس الـنـظـام الإشـتـراكـي :

يـرتـكـز الـنـظـام الاشـتـراكـي عـلـى مـجـمـوعـة مـن الأســـس نـذكـر مـنـهـا مـا يـلـي :

أ - الـمـلـكـيـة الـعـامـة لـوسـائـل الانـتـاج : تـعـد الاراضـي الـزراعـيـة والـمـنـاجـم والـمـصـانـع ووسـائـل الـنـقـل الـرئـيـسـيـة وغـيـرهـا مـن وسـائـل الانـتـاج، مـلـكًـا لـلـدول وعـلـى ضـوء هـذا تـكـون الـمـلـكـيـة فـي الـمـجـتـمـع الاشـتـراكـي تـخـدم الـمـجـتـمـع كـكـل مـع خـضـوعـهـا لإطـار قـانـونـي تـحـدد فـيـه الـمـلـكـيـات الـصـغـيـرة الـتـي تـحـتـرم كـذلـك.

ب - الـتـخـطـيـط الـمـركـزي لـلـنـشـاط الاقـتـصـادى : الــتـخـطـيـط هـو عـمـلـيـة حـصـر لـمـوارد الـبـلاد وتـنـظـيـم طـرق إسـتـغـلالـهـا بـكـيـفـيـة مـتـكـامـلـة مـنـسـجـمـة لـتـحـقـيـق حـاجـيـات الـمـجـتـمـع، كـمـا يـعـتـبـر دراسـة مـسـتـقـبـيــلـة لإمـكـانـيـات الـبـلاد حـيـث تـعـد خـطـة شـامـلـة لـمـدّة مـعـيـنـة يـتـم الـتـحـديـد فـيـهـا لـلامـكـانـيـات الـتـي يـجـب إسـتـغـلالـهـا لـتـلـبـيـة حـاجـات الـمـجـتـمـع وتـطـويـره، وبـهـذا يـمـكـن تـحـقـيـق تـنـمـيـة سـريـعـة شـامـلـة ومـتـوازنـة.

جـ - زوال الـمـنـافـسـة الـتـجـاريـة : أي الـقـضـاء عـلـى الـمـنـافـسـة الـفـرديـة وخـلـق مـنـافـسـة مـن نـوع آخـر وهـي الـمـنـافـسـة بـيـن الأفـراد والـمـؤسـسـات فـي زيـادة الانـتـاج وتـحـسـيـنـه كـمـا ونـوعًـا.

الإسـتـنـتـاج :


إن الأســس الـتـي بـنـيـت عـلـيـهـا الاشـتـراكـيـة تـخـدم الـمـصـلـحـة والـمـنـفـعـة الـعـامـة عـكـس مـاهـو مـطـبـق فـي الـنـظـام الـرأسـمـالـي - وأسـلـوب الـتـخـطـيـط هـو الـوسـيـلـة الأنـجـع حـيـث يـجـنـب الـدولـة الـوقـوع فـي الأزمـات الاقـتـصـاديـة.

3 - أهــداف الـنـظـام الاشـتـراكـي :

يـطـمـح الـنـظـام الاشـتـراكـي الـى تـحـقـيـق جـمـلـة مـن الأهـداف هـي :

أ - تـحـقـيـق الـعـدالـة الإجـتـمـاعـيـة : وذلـك بـتـوزيـع الـدخـل الـوطـنـى عـلـى الأفـراد بـطـريـقـة عـاديـة كـل حـســب طـاقـتـه ولـكـل حـسـب عـمـلـه.
ب - الـقـضـاء عـلـى اسـتـغـلال الانـسـان لـلانـسـان.
جـ - تـحـقـيـق مـبـدأ تـكـافــؤ الـفـرص، وتـطـبـيـق مـبـدأ الـرجـل الـمـنـاسـب فـي الـمـكـان الـمـنـاسـب.
د - تـوفـيـر الـخـدمـات الـمـجـانـيـة : تـعـلـيـم، صـحـة...إلـخ.
هـ - الـقـضـاء عـلـى الـبـطـالـة، وتـوفـيـر مـناصـب الـعـمـل عـن طـريـق إحـداث مـشـاريـع جـديـدة.


III – الـمـقـارنـة بـيـنـهـمـا :

1 – الـنـظـام الـرأسـمـالـي :

الـمـحـاسـن الـمـسـاوئ

1 – تـوفـيـر الـحـاجـيـات كـمـا مـع إحـتـرام جـودة الانـتـاج.
2 – اسـتـغـلال الـطـاقـات الـمـتـوفـرة إلـى أقـصـى حـد مـمـكـن.
3 – الـقـضـاء عـلـى الـتـبـذيـر فـي كـل الـمـيـاديـن الاقـتـصـاديـة.
4 – وضـع الـكـفـاءات فـي الـمـنـاصـب الـمـنـاسـبـة.
5 – الدقـة فـي الـمـحـاسـبـة والـتـقـديـر والـتـسـيـيـر.

1 – تـركـز الـثـروة فـي يـد جـمـاعـة قـلـيـلـة مـن الـمـجـتـمـع مـع بـقـاء الأغـلبـيـة الـعـظـمـى تـعـانـي الـفـقـر.
2 - تـدخـل رجـال الـمـال والأعـمـال فـي الـسـلـطـة.
3 – حدوث الأزمات الاقـتصـاديـة الـمـخـتـلـفـة 1929 – 1986.
4 – اسـتـغـلال الـطـبـقـة العـاملـة أقـصـى اسـتـغـلال.
5 – الـنـزعـة الـتـوسـعـيـة والـسيـطـرة الاقـتـصـاديـة.

1 – الـنـظـام الاشـتـراكـي :

الـمـحـاسـن الـمـسـاوئ

1 – تـحـقـيـق الـعـدالـة الاجـتـمـاعـيـة والـمـساواة بـيـن أفـراد الـمـجـتـمـع دون تـمـيـيـز.
2 – تـحـقـيـق مـبـدأ تـكـافـؤ الـفـرص.
3 – الـقـضـاء عـلـى الـبـطـالـة.
4 – الـقـضـاء عـلـى اسـتـغـلال الإنـسـان لـلإنـسـان.
5 – وضـع مـخـطـطـات مـن أجـل الـتـنـمـيـة.
1 – اخـتـلال الـتـوازن بـيـن الانـتـاج والاسـتـهـلاك.
2 – إنـتـشـار الـذهـنـيـة الـبـيـروقـراطـيـة.
3 – الـقـضـاء عـلـى روح الابـتـكـار والابـداع والـمـبـادرة.
4 – ظـهـور فـئـة انـتـهـازيـة حـقـقـت امـتـيـازات مـاديـة ومـعـنـويـة.
مـن خـلال إبـراز مـحـاسـن وعـيـوب الـنـظـامـيـن الـرأسـمـالـي والاشـتـراكـي يـمـكـن حـصـر أوجـه الـشـبـه والاخـتـلاف بـيـنـهـمـا.

أ – أوجـه الـشـبـه : يـمـثـل الـنـظـامـان شـكـلان اقـتـصـاديـان تـرعـرعـا فـي ظـل الـنـظـم الاقـطـاعـيـة كـمـا أنـهـمـا جـمـلـة مـن الـنـظـريـات، الـتـي هـي مـن وحـي الـعـقـل الـبـشـري. بـحـيـث يـهـدف كـل نـظـام إلـى تـحـقـيـق الـسـعـادة لـلأفـراد والـمـجـتـمـعـات.

ب – أوجـه الاخـتـلاف : يـتـمـثـل ذلـك فـي كـون الـرأسـمـالـيـة تـهـدف إلـى تـحـقـيـق مـصـالـح الأفـراد، بـيـنـمـا تـهـدف الاشـتـراكـيـة إلـى تـحـقـيـق مـصـالـح الـمـجـتـمـعـات، وفـي ظـل الـرأسـمـالـيـة فـإن وسـائـل الانـتـاج مـلـكـيـة خـاصـة، بـيـنـمـا تـقـابـلـهـا الـمـلـكـيـة الـعـامـة فـي الـنـظـام الاشـتـراكـي. ويـخـضـع الاقـتـصـاد الـرأسـمـالـي إلـى قـانـون الـعـرض والـطـلـب بـيـنـمـا يـخـضـع الـنـظـام الاشـتـراكـي إلـى الـتـخـطـيـط.

IV – أسـئـلـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :

س1 - كـيـف ظـهـرت الـرأسـمـالـيـة ومـاهـي مـراحـل تـطـورهـا ؟

س2 - وفـي اعـتـقـادك هـل الاشـتـراكـيـة ولـيـدة الـنـظـام الـرأسـمـالـي ؟

س3 - أخـي الـدارس حـسـب رأيـك الـخـاص. مـاهـي الـصـعـوبـات الـتـي تـواجـه تـطـبـيـق الـنـظـام الاشـتـراكـي ؟



V - أجـوبـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :

ج1 - بـظـهـور الـثـورة الـصـنـاعـيـة، ظـهـرت الـرأسـمـالـيـة كـمـرحـلـة مـن مـراحـل الـتـطـور الاقـتـصـادي فـأصـبـحـت لـدى الأفـراد رؤوس أمـوال ضـخـمـة تـم إسـتـثـمـارهـا فـي مـشـاريـع صـنـاعـيـة زادت ثـراءهـم فـأصـبـحـوا يـمـتـلـكـون كـل شـيء ولـقـد مـرّ الـنـظـام الـرأسـمـالـي بـمـراحـل نـلـخـصـهـا كـمـا يـلـي :
أ - مـرحـلـة الـرأسـمـالـيـة الـتـجـاريـة : وهـذه الـمـرحـلـة تـطـورت بـفـضـل الإكـتـشـافـات الـجـغـرافـيـة أيـن تـطـلـبـت الـضـرورة تـصـريـف الانـتـاج وتـوزيـعـه وهـنـا ظـهـر مـتـخـصـصـون فـي هـذا الـمـيـدان يـقـومـون بـمـهـمـة الـمـبـادلات الـتـجـاريـة أيـن تـراكـمـت عـلـيـهـم رؤوس أمـوال ضـخـمـة، إسـتـغـلـت فـي تـطـويـر الـصـنـاعـات وتـشـجـيـع الأبـحـاث والاخـتـراعـات وظـهـرت نـتـيـجـتـهـا فـي الـمـرحـلـة الـثـانـيـة.
ب - مـرحـلـة الـرأسـمـالـيـة الـصـنـاعـيـة : وكـانـت الـنـتـيـجـة لـلـبـاحـثـيـن والـمـخـتـرعـيـن هـي ظـهـور ثـورة صـنـاعـيـة إنـتـشـرت فـي أروبـا وأمـريـكـا الـشـمـالـيـة ثـم الـيـابـان، ورافـق ظـهـورهـا أفـكـار وآراء تـدعـو إلـى الـحـريـة الاقـتـصـاديـة والـسـيـاسـيـة ومـن ثـم ظـهـرت الـرأسـمـالـيـة الـصـنـاعـيـة وأصـبـحـت الـمـصـدر الأسـاسـي لـتـراكـم رؤوس الأمـوال.
جـ - الـرأسـمـالـيـة الـمـالـيـة ( الـمـصـرفـيـة ) : إن عـمـلـيـة إنـتـقـال رؤوس الأمـوال والـتـداول فـي الاسـتـثـمـارات الـضـخـمـة تـطـلـب إنـشـاء مـصـارف وبـنـوك تـقوم بـتـقديـم الـقـروض لأصـحـاب الـمـشـاريـع مـقـابـل فـوائـد سـنـويـة أيـن أصـبـح الـمـال يـسـتـثـمـر فـي تـنـمـيـة الـرسـامـيـل. وأصـبـح أصـحـاب الـمـصـارف والـمـمـولـون هـم الـمـوجـهـون لـلاقـتـصـاد الـرأسـمـالـي ولـم تـبـق عـنـد هـذا الـحـد بـل تـطـورت إلـى ظـهـور مـؤســســات مـالـيـة F.M.I ( صـنـدوق الـنـقـد الـدولـى ) وB.I.R.D (الـبـنـك الـعـالـمـي لـلانـشـاء والـتـعـمـيـر).
- إن الأســس الـتـي يـعـتـمـد عـلـيـهـا الـنـظـام الـرأسـمـالـي تـجـعـل مـنـه نـظـامًـا هـشًـا أمـام الأزمـات الـتـي تـعـصـف بـه مـن حـيـن الآخـر.
لـذا تـلـجـأ الـدول الـرأسـمـالـيـة فـي كـثـيـر مـن الأحـيـان إلـى الـتـدخـل وتـضـع لإقـتـصـادهـا تـخـطـيـطًـا يَـقـيــهـا مـن حـدّه هـذه الأزمـات، كـمـا تـلـجـأ أيـضًـا إلـى عـمـلـيـة تـأمـيـم أهـم الـصـنـاعـات الاسـتـراتـيـجـيـة إلـى جـانـب الـبـنـوك ومـؤســسـات الـتـأمـيـن والـنـقـل والـتـجـارة ... وهـذه الـعـمـلـيـات تـجـرى لـفـتـرة مـحـدودة أي أثـنـاء وقـوع الأزمـة وفـي دول أخـرى بـصـفـة دائـمـة.

ج2 - إن الأســـس الـتـي قـام عـلـيـهـا الـنـظـام الـرأسـمـالـي تـمـخـضـت عـنـه سـلـبـيـات ومـسـاوئ كـثـيـرة مـسـت أفـراد الـمـجـتـمـع وجـعـلـتـهـم يـفـكـرون ويـبـحـثـون عـن نـظـام بـديـل يـحـمـي الـمـصـلـحـة الـعـامّـة قـبـل الـمـصـلـحـة الـخـاصـة. ومـن ثـم ظـهـرت الاشـتـراكـيـة كـنـظـام يـحـقـق مـصـلـحـة أغـلـبـيـة أفـراد الـمـجـتـمـع لـهـذا نـقـول أن الاشـتـراكـيـة هـي ولـيـدة الـرأسـمـالـيـة.

ج3 - رغـم الـنـتـائـج الـبـاهـرة الـتـي حـقـقـهـا الـنـظـام الاشـتـراكـي إقـتـصـاديًـا وإجـتـمـاعـيًـا وثـقـافـيًـا فـي دول عـديـدة مـن الـعـالـم. وبـفـضـل هـذا الـنـظـام إسـتـطـاع الاتـحـاد الـسـوفـيـاتـي أن يـتـحـول إلـى قـوة عـظـمـى وإسـتـطـاعـت الـصـيـن الـشـعـبـيـة أن تـقـضـي عـلـى مـظـاهـر الـبـؤس والـتـخـلـف. إلاّ أن هـذا الـنـظـام لا يـخـلـو مـن الـمـشـاكـل والـصـعـوبـات عـرقـلـت الـسـيـر الـحـسـن لـهـذا الـنـظـام وتـطـبـيـقـه فـي كـثـيـر مـن الـمـنـاطـق كـمـا أثـبـتـت الـتـجـارب الـعـديـدة والـمـطـبـقـة مـيـدانـيًـا فـشـل الـنـظـام الاشـتـراكـي فـي تـحـقـيـق أهـدافـه الـمـسـطـرة بـسـبـب الانـحـراف فـي الـتـطـبـيـق الـسـلـيـم وظـهـور الـبـيـروقـراطـيـة، وظـاهـرة الإتــكـال والـتـبـذيـر والـتـهـاون والاسـتـخـفـاف بـالـثـروات الـوطـنـيـة.
والـتـجـارب أثـبـتـت أيـضـًا أن الـنـظـام الاشـتـراكـي يـمـكـن أن يـكـون نـظـامًـا نـظـريًـا أكـثـر مـنـه تـطـبـيـقـيـا. لـذا تـخـلـت عـنـه مـعـظـم الـدول الاشـتـراكـيـة.

spisos
08-04-2009, 13:14
تابع لـ miryame:

الأنظمة الاقتصادية

النظام الاقتصادي Economic System هو مجموعة العلاقات الاقتصادية والقانونية والاجتماعية التي تحكم سير الحياة الاقتصادية في مجتمع ما في زمان بعينِه. ويركز النظام الاقتصادي على مجموعة العلاقات والقواعد والأسس التي تحكم التفاعل والتأثير المتبادل بين الحاجات البشرية من جهة والموارد الطبيعية والبشرية والمعرفية والتقنية المتاحة من جهة أخرى.
ويعدّ النظام الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من النظام الاجتماعي العام يتأثّر به ويؤثِّر فيه. وعرّف أنتونيلي Antonelli النظام الاقتصادي بأنه مجموعة من العلاقات والمؤسسات التي تميز الحياة الاقتصادية لجماعة محددة في الزمان والمكان. وهو عند سومبارت Sompart المظهر الذي يجمع بين العناصر الثلاثة التالية:
ـ الجوهر: أي مجموعة الدوافع والبواعث التي تحرك الفعاليات الاقتصادية.
ـ الشكل: أي مجموعة العوامل الاجتماعية والحقوقية والتأسيسية التي تحدد إطار النشاط الاقتصادي والعلاقات بين جميع المسهمين في النشاط الاقتصادي كنوع الملكية ونظام العمل ودور الدولة في الحياة الاقتصادية للمجتمع.
ـ المحتوى المادي: أي المستوى التقني للإنتاج المتمثل بمستوى تطور وسائل الإنتاج التي يُحصل بوساطتها على السلع والخدمات.
وتتحدد طبيعة النظام الاقتصادي من التداخل المنطقي بين العناصر الثلاثة المذكورة. ويؤكد سومبارت أن عنصر الشكل هو المحدد الرئيسي لطبيعة النظام؛ لأنه تعبيرٌ عن الروحية التي تعكس في النهاية بالخلفية الفكرية (العقيدة) التي يقوم عليها النظام. وتتوافق الروحية أيضاً مع مستوى معين من تطور وسائل الإنتاج.
واعتمد التحليل الماركسي على المقاييس الاقتصادية أساساً للتفريق بين الأنظمة الاقتصادية، إذ يعدها، مع البنى الاجتماعية والقانونية المتوافقة معها، البنية الفوقية التي تتولد عن أسلوب الإنتاج السائد والمكون من قوى الإنتاج الاجتماعية وعلاقات الإنتاج، ويفرق بين الأنظمة الاقتصادية على أساس ملكية وسائل الإنتاج والطبقة التي تتحكم فيها.
تصنيف النظم الاقتصادية

تصنف النظم الاقتصادية استناداً إلى عدد من المؤشرات والمعايير، وأهم هذه التصنيفات:
ـ التصنيف الذي يعتمد نوع الملكية ونظام العمل وإسهام الدولة وغيرها عوامل للتفريق بين الأنظمة الاقتصادية.
ـ التصنيف الذي يعتمد نوع الملكية عاملاً وحيداً يُفرق به بين الأنظمة الاقتصادية.
ووفقاً للتصنيف الأول يلاحظ أن ثمة أنظمة اقتصادية أساسية وأخرى ثانوية (هامشية). ومن أهم الأنظمة الاقتصادية الأساسية: نظام الاقتصاد المغلق، ونظام الاقتصاد الحِرْفي، والنظام الاقتصادي الرأسمالي، والنظام الاقتصادي الاشتراكي. أما الأنظمة الاقتصادية الثانوية فمنها: نظام الطوائف، والنظام التعاوني.
نظام الاقتصاد المغلق: يقوم على مبدأ الاكتفاء الذاتي، ويتميز بتدني مستوى تطور وسائل الإنتاج والتقانة، مما يؤدي إلى قلة كميات الإنتاج.
النظام الاقتصادي الحرفي: الذي نشأ وتطور مع نشوء المدينة وتطورها، ويتميز بتزايد مهارة الحرفي الذي أجاد صناعة السلعة، ويقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وخضوع الحرفيين إلى قوانين غير مكتوبة بل نابعة من الأعراف والتقاليد.
ويعتمد الحرفي في عمله على استخدام المعدات اليدوية البسيطة وينتج كميات قليلة من السلع بحسب الطلب.
نظام الطوائف: يعتمد هذا النظام على تنظيمات مهنية تسمى بالطوائف، تضم كلَّ العاملين في مهنة واحدة. هدفه أن يوافق بين الطبقات التي تكوِّن المجتمع، وجمع العمل ورأس المال في بنية وظيفية واحدة. فهو يعتمد على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. ويلاحظ فيه تطور المستوى التقني لوسائل الإنتاج.
أمَّا التصنيف الثاني الذي أخذت به النظرية الماركسية والذي يعتمد على نوع أسلوب الإنتاج المرتبط بنوع ملكية وسائل الإنتاج، فهو يفرق بين أنظمة اقتصادية تقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وفيها استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ونظام اقتصادي آخر يقوم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج لا استغلال فيه. ويوحد هذا التصنيف بين مفهوم النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي ومفهوم التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية. وقد طورت النظرية الماركسية مفهوم النظام الاقتصادي حتى صار يعني تشكيلة اقتصادية اجتماعية يحددها أسلوب الإنتاج الذي يتحدد في نوع ملكية وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج. وبذلك يكون مفهوم النظام الاقتصادي قد تأثر مباشرة بمفهومات أسلوب الإنتاج والتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية. وقد فرَّقت النظرية الماركسية استناداً إلى هذا التصنيف بين خمسة أنظمة اقتصادية ـ اجتماعية تتوافق تقريبياً مع مراحل تطور تاريخ البشرية الاقتصادي. ولكن في مرحلة الانتقال من نظام اقتصادي إلى نظام آخر لابد من مرحلة انتقالية يتعايش فيها أكثر من نمط اقتصادي اجتماعي في وقت واحد. وهذه الأنظمة هي:
المشاعية البدائية: تعد المشاعية البدائية أول نظام اقتصادي اجتماعي في التاريخ، وكانت وسائل الإنتاج التي استخدمها الإنسان بسيطة وبدائية، كما كانت مهارات العمل وخبرة الأفراد ومعرفتهم قليلة جداً. لذلك لم يكن في مقدور الأفراد مواجهة الطبيعة إلا بتجميع جهودهم وتضافرها. وقد عاش الأفراد في مشاعات قبلية متوحدين على أساس قرابة الدم، تسيطر عليهم عادات وتقاليد بسيطة. وكانت المحاصيل القليلة التي لا تكاد تفي بحاجة الإنسان توزع بين أفراد المشاعة توزيعاً متساوياً، لذلك لم يكن هناك فائض من المحاصيل يمكن انتزاعه من الآخرين، ولا تفاوتٌ اقتصاديٌّ أو علاقات استغلال في المجتمع. فكانت وسيلة الإنتاج الرئيسة هي الأرض، وسيطر الاقتصاد الطبيعي(إنتاج ـ توزيع ـ استهلاك) في هذه التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية. وكان نمط الإنتاج تعاونياً وجماعياً. ومن أهم مراحل تطور النظام المشاعي البدائي:
ـ المجتمع ما قبل العشائري أو(القطيع البدائي).
ـ مرحلة المشاعية العشائرية وتنقسم إلى مرحلتين:
ـ المشاعية العشائرية الأمومية.
ـ المشاعية العشائرية الأبوية.
ـ المشاعية الزراعية، وفيها بدأ الإنسان مرحلة الاستقرار على ضفاف الأنهار وزراعة الأرض وتربية الماشية.
نظام الرق أو العبودية: يعد نظام الرق Slavery أو العبودية، الذي حلَّ محلَّ النظام المشاعي البدائي، أول نظام في التاريخ يقوم على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وعلى التناحر الطبقي. وكانت العبودية في أولى مراحلها تسمى «العبودية الأبوية» أو العبودية البيتية، وكان عدد الأرقاء قليلاً، وكان السيد مالك الرقيق يشتغل في الأرض مع أرقائه، ولم يقتصر العمل في هذه المرحلة على الرقيق وحدهم كما حدث في المرحلة اللاحقة.
استهل أسلوب الإنتاج في نظام الرق تاريخه حين صار استغلال الرقيق هو السائد في عملية الإنتاج، وحين انقسم المجتمع إلى طبقتين متناحرتين: المُسْتَغِلِّيْنَ «الأسياد» والمُسْتَغَلِّين «الرقيق». ويضمُّ مجتمع الرق إلى هاتين الطبقتين فئة الأحرار كالحِرفيين والفلاحين الصغار والتجار والمرابين. وتكَوَّن في ظل هذا النظام المجتمع الطبقي، وأضحت السيطرة السياسية مقصورة على طبقة الأسياد في المجتمع.
وظهر التناقض بين العمل الجسدي والعمل الذهني، فالعمل الجسدي، تخصص له الأرقاء للإنتاج المادي، في حين كان العمل الذهني من نصيب الأسياد الذين اختصوا بالإدارة الحكومية والسياسة والفلسفة والشعر والأدب والفن. إن التفرغ للقيام بهذه الأعمال كان له أثر إيجابي في تطور المعارف والعلوم الإنسانية وتقدم المجتمع البشري.
وظهر في ظل نظام الرق تبادل البضائع الذي تحوّل تحولاً متدرجاً إلى تجارة منظمة، ونشأت الأسواق التي تجاوزت حدود الدولة الواحدة، وظهر ما يسمى بالتجارة الخارجية. وقد أدى تزايد كميات الإنتاج من السلع المخصصة للسوق وتوسيع التبادل التجاري إلى تزايد التفاوت في الملكية والثروة على حساب عمل الرقيق، وظل الاقتصاد الطبيعي سائداً إلى حد ما، وظهر إلى جانبه الاقتصاد التبادلي (إنتاج ـ تبادل ـ توزيع ـ استهلاك). وظلت الأرض وسيلة الإنتاج الرئيسة. واعتمد النشاط الاقتصادي على الزراعة وتربية الماشية مع ظهور الإنتاج الحرفي. ومع تطور التجارة المنظمة ظهرت النقود التي بدأت تحتل مكانة مهمة في اقتصاديات مجتمع الرق.
النظام الإقطاعي: [ر. الإقطاعية] حلت الإقطاعية محل نظام الرق. ويقوم النظام الإقطاعي على ملكية طبقة الإقطاعيين لوسائل الإنتاج «الأرض» واستغلال الفلاحين. وظلت الأرض وسيلة الإنتاج الرئيسة. وكانت الملكية الإقطاعية على منطقة معينة، تشمل المدن والقرى وما فيها ومَنْ فيها من أقنان. ولم تكن هذه الملكية مجرد شكل حقوقي، وإنما كانت علاقة اقتصادية مضمونها استغلال الإقطاعيين للأرض والسكان المحرومين مما يضمن بقاءَهم. وقد كان هذا الشكل للملكية يحدد وضع الناس في عملية الإنتاج الاجتماعي ويحدد البنية الطبقية للمجتمع الإقطاعي كما يحدد طريقة توزيع المنتجات. إلى جانب ذلك وجدت في النظام الإقطاعي أنواع أخرى للملكية ولكنها محدودة جداً مثل ملكية الفلاحين الصغار والحرفيين لاستثماراتهم الخاصة.
وفي مرحلة تكوُّن النظام الإقطاعي بدأت تتحدد السمات الرئيسة لأسلوب الإنتاج الإقطاعي، وخاصة ظهور الملكية العقارية الإقطاعية، وظهور أنواع من الريع العقاري الإقطاعي بوصفه نوعاً اقتصادياً مميزاً لعلاقات الإنتاج في هذا النظام.
وكانت تبعية الفلاحين الأحرار للإقطاعيين تتم بأساليب مختلفة على اختلاف في درجتها. وبدأت التناقضات بين الإقطاعيين والفلاحين تتوضح أكثر فأكثر. وكان عمل الفلاحين الأساس في قيام المجتمع الإقطاعي واستمراره، كانوا ينتجون تلبية للحاجات الضرورية لأنفسهم، وللسيد الإقطاعي وحاشيته، ولجهاز الدولة.
ومع تطور أسلوب الإنتاج الإقطاعي تحوَّلَ، على نحو متدرج، من نظام الريع بالسخرة إلى نظام الريع العيني، ثم إلى الريع النقدي. وكان الإقطاعي وفقاً لنظام السخرة يستولي على العمل بشكله الطبيعي لذلك لم يُعْنَ الفلاح بالعمل أو بنتائجه. ومع ظهور الريع بنوعيه العيني والنقدي، صار الإقطاعي يحصل على نتيجة العمل ممثلاً بقسم من المُنْتَج وهو المُنْتَج الفائض. وصار الفلاح أكثر اهتماماً بنتائج العمل. وحققت القوى المنتجة في النظام الإقطاعي مستوى تطور عالياً مقارنة مع مستواها في نظام الرق.
ومن تزايد العلاقات البضاعية النقدية ونموها، أخذ النقد شيئاً فشيئاً يسهم إسهاماً فعالاً بوصفه مقياساً للقيمة، كما اتسعت علاقات التبادل والعلاقات السلعية ـ النقدية من التطور في أدوات العمل ووسائله وتقسيم العمل الاجتماعي.
النظام الرأسمالي: الإنتاج في هذا النظام من أجْلِ التبادل، وتحقيق الربح. وتعود ملكية وسائل الإنتاج فيه إلى فئة قليلة من المجتمع هم الرأسماليون، أما باقي أعضاء المجتمع وهم الأكثرية، فلا تملك سوى قوة عملها وأفرادها يشتغلون عمالاً أجراء يُشَغِّلون وسائل الإنتاج التي يملكها الرأسماليون. ويمتاز هذا النظام بحرية النشاط الاقتصادي.
تُخصص الموارد الاقتصادية في النظام الرأسمالي عن طريق آلية السوق، وتُتَخذُ القرارات الاقتصادية في إطار من اللامركزية. ولا تتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، الذي تقوم به المؤسسات والأفراد، تدخلاً مباشراً.
كما يفترض النظام الرأسمالي أن الوحدات الاقتصادية تسعى دائماً لزيادة كمية الربح للمنتج وزيادة المنفعة للمستهلك. فالفرد هنا يقوم بوظيفة مزدوجة في النظام الاقتصادي مرة بصفته منتجاً ومرة بصفته مستهلكاً، ولكنه دائماً مدفوع بالدافع الاقتصادي أي تحقيق مصلحته الشخصية. ويقوم النظام الاقتصادي الرأسمالي على آلية السوق التي لا يمكن أن تؤدي وظائفها بكفاية إلا إذا اتصفت بالحرية والمنافسة التامة وعدم تدخل الحكومة، عندئذ لا يكون في مقدور أي من المنتجين أو المستهلكين بصفته المنفردة التأثير في الأسعار السائدة في السوق. ومن أهم عيوب النظام الاقتصادي الرأسمالي أنه يسمح بتفاوت كبير في الدخل والثروة، بل تقود آلية السوق إلى مزيد من تركز الثروة. وتحت ضغط التطورات التقنية الحديثة وتركز الثروة تؤدي آلية السوق إلى انحسار المنافسة وانتشار الاحتكار. كذلك يتسم النظام الاقتصادي الرأسمالي بالتقلبات الدورية في النشاط الاقتصادي وحدوث الأزمات الاقتصادية[ر] المترافقة بظاهرتي التضخم[ر] والبطالة[ر]. ولا يحقق النظام الاقتصادي الرأسمالي عادة المستوى الأمثل للادخار كما أنه يعاني صعوبات كثيرة في توجيه الادخار نحو الاستثمار المنتج. وهو يركز على السلع والخدمات الخاصة من دون العامة لأنها أكثر ربحاً وأسرع من حيث المردود.
إن قيام التوازن العفوي في الحياة الاقتصادية في ظل النظام الرأسمالي يتطلب احترام مبدأ المنافسة الحرة؛ فآلية السوق قادرة على تحقيق هذا التوازن بتفاعل عوامل العرض والطلب في السوق. ويوضح آدم سميث آلية حدوث التوازن العفوي على أساس التفريق بين نوعين من الأسعار: السعر الطبيعي (وهو مساوٍ لكلفة إنتاج البضاعة أو مساوٍ لقيمة البضاعة)، والسعر الجاري(وهو السعر الذي يتكون بفعل العرض والطلب في السوق). ويظل السعر الجاري يحوم حول السعر الطبيعي ويقترب منه ليساويه في أغلب الأحيان عن طريق التوازن العفوي الذي يجري في السوق بين العرض والطلب، وإذا كان هناك أي اختلال فإنه زائل لا محالة لتعود حالة التوازن من دون شك في ذلك. إن هذا التوازن العفوي لا يخلخله إلا عدم تطبيق مبدأ المنافسة الحرة.
النظام الاقتصادي الاشتراكي: وفيه تعود ملكية وسائل الإنتاج للمجتمع بكامله (الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج)، والهدف الرئيسي من النشاط الاقتصادي هو السعي من أجل تلبية حاجات المواطنين المتنامية. ويترتب على ذلك انعدام التفاوت الكبير في الدخول والثروة بين الأفراد، إذ إن التفاوت الاقتصادي في النظام الاشتراكي يرتبط بتفاوت كمية العمل ونوعيته. وليس بنظام الملكية والإرث.
يعتمد النظام الاقتصادي الاشتراكي على أسلوب التخطيط المركزي والشامل في الإدارة الاقتصادية، تُرسَمُ أهداف طموحة ويُسعى لتحقيقها عن طريق حصر الموارد المتاحة وتوجيهها توجيهاً واعياً وكفياً. ويتصف التخطيط في الاشتراكية بالشمول والمركزية والإلزامية. ويتصف النظام الاقتصادي الاشتراكي بهيمنة الدولة على الاقتصاد ويكون لها الإسهام الرئيسي في عمليات الإنتاج والتوزيع بسيطرتها على وسائل الإنتاج (الملكية العامة). ويستهدف النشاط الاقتصادي عادة السعي إلى تحقيق الأهداف التي تتبناها الدولة.
إن السمة الجوهرية لتطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج في النظام الاشتراكي تكمن في التنظيم المنهجي المخطط للاقتصاد الاشتراكي. ويقوم الإنتاج الاشتراكي على أساس تقسيم اجتماعي متطور للعمل، ويؤدي ذلك إلى سيادة علاقات متينة بين مختلف فروع الاقتصاد الوطني، تفترض وجود تناسب كمي صحيح بين هذه الفروع. ولتحديد هذا التناسب يجب أن يحدد مسبقاً حجم الإنتاج الاجتماعي وحجم الإنتاج في مختلف الفروع ومن كل نوع من أنواع المنتجات وفقاً لحاجات الأفراد ومتطلبات المجتمع. وبذلك يستطيع المجتمع أن يخطط ويحدد، تبعاً للموارد المادية والبشرية التي يملكها، كميات الإنتاج من مختلف أنواع المنتجات (وسائل الإنتاج أو المواد الاستهلاكية) مع المحافظة على التناسب الضروري بين فروع الإنتاج. هذه النسب تسمح بالتطور المنهجي المخطط والمستمر والمتزايد لكل فرع من فروع الإنتاج، وللإنتاج الاجتماعي بمجمله. وبسبب توقف آلية السوق عن العمل في النظام الاشتراكي تغدو عملية تطور الإنتاج بأسلوب منهجي مخطط ضرورة موضوعية في أحوال الاشتراكية.
ومن أهم عيوب النظام الاقتصادي الاشتراكي:
ـ إهمال الحوافز المادية، إذ من غير المتوقع أن يبذل الفرد الأجير عند الدولة قصارى جهده من أجل زيادة الإنتاج وتخفيض التكاليف إذا لم يُفعَّل قانون التوزيع بحسب كمية العمل ونوعيته.
ـ إن مبدأ المركزية يضفي على العملية التخطيطية درجة عالية من عدم المرونة والبيروقراطية. وهذا يؤدي إلى تدني مستويات الإنتاجية.
ـ تؤدي مركزية التخطيط إلى عدم قدرة الاقتصاد على مواجهة التغيرات الطارئة في الحياة الاقتصادية ولاسيما تلك التي يصعب التنبؤ بها مواجهة سريعة وفاعلة.
وهذا يوضح أنَّ بنى النظام الاقتصادي الكلي ليست بنى متجاورة أو مضافاً بعضها إلى بعض إضافة عفوية وبسيطة، بل إنها تؤلف ترابطاً عضوياً وتجمعاً متوافقاً (يعبر عن علاقات مستقرة). وهذا يعني تطور مفهوم النظام الاقتصادي ليوضح العلاقات الداخلية في المجتمعات الإنسانية.
ويكون للبنى التي يتكون منها النظام الاقتصادي طابع عام وعلى عدة مستويات. لهذا فإن النظام يستلزم بنية قانونية وسياسية وبنية معنوية وهذه البنى تستلزمُ أيضاً ضرورة إظهار الجانب المسيطر في المستوى المطلوب معرفته. فإذا كانت التقنية هي المسيطرة تسيطر الآلة داخل النظام، أما إذا كانت البنية الفوقية هي المسيطرة فيظهر السعي لتحقيق الربح في النظام الرأسمالي قانوناً أساسياً، بينما يكون إشباع الحاجات القانون الأساسي في النظام الاشتراكي.
إن السمتين الرئيسيتين للنظام الاقتصادي هما ضرورة توافقه ودوامه النسبي، وتنتج هاتان السمتان من الميزتين الرئيسيتين لمكونات النظام، وهما مرونة البنى ومقدرتها على التوافق. ولأن البنى الفوقية والبنى التحتية مرنة ومتغيرة يمكن للنظام الاقتصادي أن يتطور فعلاً ويتحول. ولكن التحول يحدث على نحو لا تستطيع معه البنى التوافق فيما بينها، وهذا يؤدي إلى الانتقال من نظام اقتصادي إلى نظام اقتصادي آخر.
تظل الأنظمة الاقتصادية دائماً في حركة تطور، والعوامل المسؤولة عن هذا التطور تنقسم إلى عوامل ذاتية ترتبط ارتباطاً عضوياً بالمتغيرات الاقتصادية كازدياد الإنتاجية وتطور مستوى وسائل الإنتاج التقني، وعوامل خارجية لا تتصل اتصالاً مباشراً بالظواهر الاقتصادية كالاكتشافات الجغرافية والعلمية والحروب والنزاعات السياسية بين الأنظمة المعاصرة.
النظام الاقتصادي والتنظيم الاقتصادي

لابد من التفريق بين مفهوم النظام الاقتصادي ومفهوم التنظيم الاقتصادي بتعريف كل منهما: فالنظام الاقتصادي كما سلف القول هو مجموعة العلاقات والمؤسسات التي تميز الحياة الاقتصادية لمجتمع معين في الزمان والمكان، أما التنظيم الاقتصادي فهو وسيلة يستخدمها النظام الاقتصادي لتنظيم النشاط الاقتصادي والفعاليات الاقتصادية المختلفة. وتختلف طبيعة التنظيم الاقتصادي من نظام اقتصادي إلى آخر، ويمكن على سبيل المثال ذكر نوعين من التنظيمات الاقتصادية:

ـ التنظيم الاقتصادي الحر، وهو وسيلة النظام الاقتصادي الرأسمالي في تنظيم فعاليات النشاط الاقتصادي التي تقوم على حرية النشاط الاقتصادي. ويتصف هذا التنظيم باللامركزية والعفوية، ومن أهم خصائصه أنه اقتصاد يقوم التوازن فيه على آلية السوق، ويعتمد على المشروع الخاص، ولا تتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي إلا تدخلاً غير مباشر.
ـ التنظيم الاقتصادي الموجّه، الذي يعتمد عليه النظام الاقتصادي الاشتراكي لتحقيق أهدافه الاقتصادية، حيث يحقق التخطيط الإلزامي والمركزي الشامل التوازن في النظام الاقتصادي وفعالياته. ومن أهم خصائص هذا التنظيم: وجود خطة مركزية شاملة تتصف بالإلزامية تُوجه مجمل الأنشطة والفعاليات الاقتصادية لتحقيق أهداف النظام الاقتصادي الاشتراكي. وتفقد آلية السوق فاعليتها في هذا التنظيم الاقتصادي لتحل محلها الخطة، وتتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي عن طريق ملكيتها لوسائل الإنتاج (الملكية العامة). ويصبح المشروع هنا وحدة اقتصادية في جسم اقتصادي متناسق، فالمشروع وحدة اقتصادية منفصلة من الناحية القانونية فقط.
الأنظمة الاقتصادية المعاصرة

انقسم العالم في القرن العشرين إلى دول وشعوب حرة وشعوب مستعمرة. وتراجع النظام الاستعماري بسبب نمو حركات التحرر الوطني، وحصلت شعوب كثيرة على استقلالها في آسيا وأمريكة اللاتينية وإفريقية. ومع ذلك مازال عالمنا المعاصر يشهد انقساماً من نوع آخر بين دول العالم، فثمة دول غنية متقدمة صناعياً (دول الشمال) ودول متخلفة فقيرة هي شعوب العالم الثالث (دول الجنوب). وشهد العالم المعاصر عدداً من الأنظمة الاقتصادية أهمها:
ـ النظام الاقتصادي الرأسمالي.
ـ النظام الاقتصادي الاشتراكي.
ـ النظام الاقتصادي المختلط، الذي يحاول التوفيق بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي وتجنب عيوبهما البارزة والتركيز على جوانبهما الإيجابية.
لذلك عمد الكثير من الدول النامية إلى التدخل في قطاعات النشاط الاقتصادي ومصادر الطاقة عن طريق التخطيط الاقتصادي بهدف تحقيق التنمية والقضاء على التخلف. وتقوم الدولة بوظيفة مهمة في النظام الاقتصادي المختلط، فهي تؤثر في مختلف جوانب النشاط الاقتصادي بوساطة السياسات المالية والنقدية والتجارية والتنموية التي تمارسها. وقد تقوم الدولة ذاتها بالنشاط الاقتصادي في حدود معينة إذا ما استدعت المصلحة العامة ذلك. وترغب الدول النامية في استخدام السياسات الاقتصادية العامة في توجيه النشاط الاقتصادي وإدارته بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وتشجيع المبادرة الفردية واحترام حق الملكية وتعاون القطاعات المختلفة لتسهم جميعها في عملية التنمية الشاملة.
ومن الممكن القول: إن أغلب الأنظمة الاقتصادية المعاصرة هي نظم اقتصادية مختلطة. وظهرت الأنظمة الاقتصادية المتنافسة وأصبحت دراسة الأنظمة الاقتصادية المقارنة أسلوباً يستخدمه علم الاقتصاد أكثر من كونها جزءاً منفصلاً عنه، وهذا متفق مع ما كان سائداً من قبل.
إن دراسة الأنظمة الاقتصادية المقارنة هي استعمال أساليب التحليل المقارن، ومن الممكن تطبيق هذه الأساليب على دراسة موضوعات في أي حقل فرعي من حقول الاقتصاد (مثل أنظمة الضرائب واتحادات العمال في الدول المختلفة) ودراسة الاقتصاد في مجمله (مثل النظريات الاشتراكية، أو المنجزات الإجمالية لاقتصاديات قومية منتقاة).
النظام الاقتصادي العالمي

يتميز عالمنا المعاصر باتساع الطابع الدولي في الحياة الاقتصادية وهو ما يسمى «عولمة الاقتصاد»، وصار للمشكلات الاقتصادية الدولية أثر كبير في جوانب الحياة الاقتصادية ضمن الدولة الواحدة حتى في حياة الفرد الاقتصادية ونشاطه. وفي سياق هذا التطور العالمي ظهر مفهوم جديد يدعى النظام الاقتصادي العالمي. وهو يمثل العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الشعوب أو العلاقات الاقتصادية بين الدول بصفتها كيانات سياسية مستقلة والملاحظ أن العلاقات الاقتصادية العالمية قد تزايدت وتشابكت بقدر كبير في عالمنا المعاصر؛ ولاسيما بعد توقيع اتفاقيات الغات[ر] GATT، وظهور منظمة التجارة العالمية[ر]. ويتصف النظام الاقتصادي العالمي في مرحلته الراهنة بالاستغلال لأنه يساعد على تركيز السيطرة والقوة الاقتصادية في أيدي عدد قليل من الدول الغنية المتقدمة، وعدم التكافؤ في التبادل التجاري الدولي، كما أنه يضع قواعد للتجارة الخارجية والنظام النقدي العالمي تخدم مصالح الدول المتقدمة على حساب الدول النامية. وتجدر الإشارة إلى أن النظام الاقتصادي العالمي قد أخفق في حل المشكلات الأساسية التي تعانيها الدول النامية ولاسيما مشكلة الجوع والفقر والتخلف وعدم القدرة على التنافس مع الدول الغنية المتقدمة.
-------------------------------

http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=14984

spisos
08-04-2009, 13:26
تابع إلى sarsoura9:

1- المعاجم اللغوية والمعاجم المتخصصة


توفر المعاجم معلومات عن كلمات لغة معينة. وتنقسم المعاجم من منظور معاني الكلمات إلى معاجم لغوية ومعاجم متخصصة. ويقصد بالمعاجم اللغوية تلك التي تعني بمفردات لغة معينة فتشرحها وتوضح معانيها أو تلك التي تعني بمفردات لغة ما لتضع لها ما يقابلها من مفردات لغة أخرى. أما المعاجم المتخصصة فهي تلك التي تعني ببحث معاني المصطلحات المستخدمة في أحد المجالات المعينة. وقد يكون هذا البحث أيضا من منظور لغة واحدة أو من منظور لغتين أو أكثر. ونورد فيما يلي تفصيل ذلك، على أن نضع في اعتبارنا دائما – ولغرض هذا البحث – أننا نقصر حديثنا على اللغتين العربية والإنجليزية.

أولا: المعاجم اللغوية ( أحادية اللغة ):

تعتبر المعاجم اللغوية بمثابة خزائن اللغة وكنوزها التي يمكن لأي فرد أن يستمد منها ما يُزيد حصيلته اللغوية وينميها ويجعلها مرنة طيعة سواء في مجال تلقيه أو عطائه – أي في مجال استيعابه وفهمه لما يقرأه أو في مجال تعبيره وإبداعه لما ينتجه.
وفي مجال بحثنا للمعاجم اللغوية، نستعرض المعاجم اللغوية العربية والمعاجم اللغوية الإنجليزية على النحو التالي:

1- المعاجم اللغوية العربية:

عرفت اللغة العربية العديد من المعاجم بمختلف أنواعها، منذ القرن الثاني الهجري وحتى أيامنا هذه. وظهرت عدة مناهج لطرق تبويب الكلمات فيها. ويعتبر التعرف على مناهج ترتيب المفردات في المعاجم اللغوية أمرا في غاية الأهمية، وذلك لتسهيل مهمة الكشف عما تحتويه هذه المعاجم من كلمات، ولاستغلال هذه المصادر الحيوية الهامة في تنمية الرصيد اللفظي لمن يستخدم اللغة. ونعرض فيما يلي أهم مناهج ترتيب الكلمات في المعاجم العربية:

أ- الترتيب التقليبي أو الصوتي:

يتم تصنيف المفردات في المعاجم التي تتبع هذا الترتيب في أبواب بعدد حروف الهجاء حسب مخارج حروفها الأصلية من جهاز النطق.
وأشهر المعاجم التي تتبع هذا الترتيب:
• معجم " العين " للخليل بن أحمد الفراهيدي
• معجم " تهذيب اللغة " لمحمد بن أحمد بن الأزهر الهروي

ب- الترتيب الألفبائي للأواخر – أو " القوافي ":

يتم تصنيف المفردات في هذا النوع من المعاجم في أبواب متسلسلة وفق تسلسل حروف الهجاء العربية. ثم يتم ترتيب الكلمات في هذه الأبواب بحسب أواخر حروفها الأصلية.
وأشهر المعاجم التي تتبع هذا الترتيب:
• معجم " تاج اللغة وصحاح العربية " ( والذل اشتهر باسم " الصحاح " ) لإسماعيل بن حماد الجوهري
• معجم " لسان العرب " لابن منظور الأفريقي
• معجم " القاموس المحيط " لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادي

ج- الترتيب الهجائي الجذري:

ينقسم المعجم وفقا لهذا الترتيب غالبا إلى أبواب بعدد حروف الهجاء وحسب تسلسلها المألوف، ويخصص لكل حرف منها باب. ثم يتم ترتيب الألفاظ في الأبواب وفقا لأوائل أصولها بعد إرجاعها إلى جذورها.
وأشهر المعاجم التي تأخذ بهذا الترتيب:
• معجم " أساس البلاغة " لجار الله محمود بن عمر الزمخشري
• معجم " المصباح المنير " لأحمد بن محمد الفيومي
• " المعجم الوسيط " الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة
• " المعجم العربي الأساسي " الصادر عن المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة

د- الترتيب الهجائي النطقي:

وينقسم المعجم تبعا لهذا الترتيب إلى أبواب بعدد حروف الهجاء وتسلسلها كذلك. ثم يتم ترتيب الكلمات في الأبواب وفقا للحرف الأول منها، دون النظر للأصلي أو المزيد فيها. وهكذا ترد الكلمة في المعجم حسب نطقها أو لفظها.
ومن أشهر المعاجم التي تم تصنيفها وفقا لهذا الترتيب:
• معجم " المنجد في اللغة " لعلي بن الحسن الهنائي ( الشهير باسم كراع النمل )
• معجم " الرائد " لجبران مسعود
• معجم " لاروس: المعجم العربي الحديث " لخليل الجر

هـ- الترتيب الدلالي:

وينقسم المعجم وفقا لهذا الترتيب إلى أبواب معنوية، ويأتي تحت كل باب العائلة الدلالية للكلمة عنوان هذا الباب. وعلى سبيل المثال، ففي معجم " الألفاظ الكتابية " للهمذاني، نجد تحت ( باب الزلة والخطأ ): " يقال في الخطأ: كان ذلك من فلان زلة، وهفوة، وعثرة، وسقطة، وفلتة، ونبوة، وفرطة، وكبوة، ... ".
ومن أشهر المعاجم التي تأخذ بهذا الترتيب:
• معجم " الألفاظ الكتابية " لعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني
• معجم " فقه اللغة وسر العربية " للثعالبي
• معجم " نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد " لإبراهيم اليازجي

2- المعاجم اللغوية الإنجليزية:

يوجد في اللغة الإنجليزية كم هائل من المعاجم اللغوية تختلف في حجمها وفي طريقة ترتيب الكلمات بها. ونعرض فيما يلي أهم هذه الأنواع:

أ- الترتيب الألفبائي:

يتم ترتيب الكلمات في هذا النوع من المعاجم وفقا للترتيب الهجائي الألفبائي. وأكبر المعاجم التي تم تصنيفها وفقا لهذا الترتيب هي Oxford English Dictionary الذي يقع في اثني عشر مجلدا مع ملحق في أربعة مجلدات. وهو عبارة عن معجم تاريخي ويحتوي على العديد من الكلمات المماتة obsolete. وأكبر معجم للغة الإنجليزية في عصرنا الراهن هو Webster's Third New International Dictionary ويقع في 2662 صفحة.
ويحتوي هذا النوع من المعاجم على جميع الكلمات المستخدمة في اللغة. وتوفر هذه المعاجم معلومات بشأن الطرق المختلفة لهجاء الكلمات spelling وطرق نطقها pronunciation وتحديد الوظيفة التي تقوم بها parts of speech وغير ذلك.
ومن أفضل المعاجم التعليمية المتوافرة في الوقت الراهن معجم Longman Dictionary of Contemporary English ومعجم Oxford Advanced Learner's Dictionary.
ومن الهام ملاحظة أن هناك معاجم تفيد في النصوص المكتوبة بالإنجليزية البريطانية، وأخرى تفيد في النصوص المكتوبة بالإنجليزية الأمريكية.
ومن القواميس التي تفيد في النصوص المكتوبة بالإنجليزية الأمريكية معجم Webster's Ninth New Collegiate Dictionary ومعجم The American Heritage.

ب- الترتيب الموضوعي:

يكون أساس تبويب الكلمات في هذا النوع من المعاجم هو مجموعات الموضوعات وليس الترتيب الهجائي الألفبائي. ووفقا للترتيب الألفبائي، نجد كلمات مثل uncle وaunt أو مثل animal وzoo بعيدة عن بعضها البعض وفقا لهجائها. ولكن لا تفيد هذه الطريقة من التبويب من منظور الاستخدام اليومي للمفردات. ولذلك ظهر اتجاه آخر كتبويب الكلمات وفقا لهذه الطريقة، أي على أساس الموضوعات وليس الهجاء، بدءا من عام 1631.
وعادة ما تحتوي هذه المعاجم على جزئين: الجزء الأول ويحتوي على موضوعات المعجم، والجزء الثاني ويحتوي على رؤوس الموضوعات التي يتم تبويب الكلمات على أساسها في الجزء الأول. ومن أهم المعاجم التي تصنف الكلمات وفقا لهذا الشكل:
• Roget's Thesaurus
• Longman Lexicon of Contemporary English

ثانيا: المعاجم اللغوية ( ثنائية اللغة ):

توضع هذه المعاجم بحيث تخدم الناطقين بالعربية والناطقين بالإنجليزية في الوقت نفسه. وهذه المعاجم إما أن تكون إنجليزية / عربية أو عربية / إنجليزية، كما يلي:

1- المعاجم الإنجليزية / العربية:

عادة ما يتم تبويب الكلمات بها وفقا للترتيب الهجائي الألفبائي. ومن أشهر المعاجم التي تقع في هذا النطاق:
• قاموس المورد لمنير البعلبكي
• قاموس المغني لحسن كرم
• قاموس أكسفورد الصادر عن جامعة أكسفورد البريطانية

2- المعاجم العربية / الإنجليزية:

ويتم تبويب الكلمات فيها إما وفقا للترتيب الهجائي الجذري، مثل " معجم اللغة العربية المعاصرة "، والذي اشتهر باسم هانز فير Hans Wehr، أو وفقا للترتيب الهجائي النطقي، مثل " قاموس المورد " للدكتور روحي البعلبكي.

ثالثا: المعاجم المتخصصة ثنائية اللغة:

لا تقتصر اللغة على الميدان الأدبي، بل تشمل وجود مصطلحات في مجالات أخرى عديدة، مثل الاقتصاد والطب والقانون ... الخ. وأصبحت هناك حاجة متزايدة لتلبية احتياجات العاملين في هذه المجالات لتزويدهم بمعاني المصطلحات المتخصصة في هذه المجالات. ونعرض فيما يلي أهم المعاجم الموجودة في كل ميدان من هذه الميادين:
• " المعجم القانوني " لسليمان حارث الفاروقي
• " معجم الدبلوماسية والشئون الدولية " لسموحي فوق العادة
• " قاموس مصطلحات العلاقات والمؤتمرات الدولية " لحسن عبد الله
• " معجم المصطلحات المالية والمصرفية " للأسيوطي
• " معجم المصطلحات العلمية والفنية والهندسية " لأحمد شفيق الخطيب
• " المعجم الطبي الموحد " الصادر عن اتحاد الأطباء الرب
• " المعجم العسكري الموحد " الصادر عن جامعة الدول العربية

spisos
09-04-2009, 14:58
رد إلى selimane45:

أخي الكريم يمكنك إقتباس معلومات من خلال هذا المقال ..ولا بأس بالإطلاع عليه كاملا..فهو له علاقة وطيدة بالحزب الواحد بالجزائر..ولا يمكن فهم خلفيات الحزب الواحد بالجزائر إلا بالإطلاع على الموضوع الآتي:


الليبرالية السياسية في الجزائر:


المقدمة:

لقد فتحت الجزائر في بداية الثمانينات المجال للقطاع الخاص، ثم باشرت مجموعة من الإصلاحات السياسية و الإقتصادية، بفعل الضغوطات الداخلية المرتبطة بصراع النخـــب والحساسيات السياسية في السلطة، و بعوامل خارجية مرتبطة بانهيار أسعار النفط في الأسواق الدولية، و إرتفاع المديونية الخارجية.
إلا أنه بعد التجربة القصيرة لعملية التحرك نحو الليبرالية السياسية تم اجهاضها والتراجع عنها و بالمقابل أبقي على الليبرالية الإقتصادية.
و عليه لماذا كانت عملية التحرك نحو الليبرالية السياسية قصيرة و غير مستمـــرة وبالمقابل تم الإبقاء على عملية التحرك نحو الليبرالية الإقتصادية التي إستمرت، وتم تحملهـا بالرغم من الآثار السلبية التي تركتها ، خصوصا على الفئات الإجتماعية المحرومة ؟ و ماهي المعوقات التي واجهت هذه العملية- عملية التحرك نحو الليبرالية السياسية-؟
إن تناول هذه الدراسة سوف تتم من خلال التطرق لتحديد مفاهيم الليبرالية السياسيــة و الإقتصادية، ثم سأتناول في الإنفتاح السياسي الذي عرفته الجزائر بالتطرق للإصلاحــات السياسية التي تمت، ثم للتحول الإقتصادي و للإصلاحات الإقتصادية التي تمت. ثم سأتطـرق للعوائق التي واجهت هذا التحرك نحو الليبرالية السياسة، و المتمثلة في العنف السياســـي، و غياب الثقافة السياسية الديمقراطية، و بجانب هذا، غياب طبقة بورجوازية تقود هــــذا التحرك، و كذا غياب مجتمع مدني قوي، و أخيرا الريع النفطي الذي إستخدم كمورد سياسـي من قبل السلطة لتفادي التمثيل السياسي الشعبي.


أولا:تحديد مفهومي الليبرالية السياسية و الإقتصادية:

أ-الليبرالية السياسية:

يقصد بمصطلح الليبرالية السياسية كل حركة أو تطور من نظام قائم على أقل مشاركـة سياسية، أو أقل محاسبة سياسية إلى آخر أكثر منهما.
و هو يستدعي الدمقرطة، و الإنتقال نحو النظام الديمقراطي، وكذا اجراءات لتجــاوز بعض الرقابات السياسية أو منح حقوق سياسية أكثر.
و تستدعي الليبرالية السياسية توسيع المجال العام، من خلال الإعتراف و حمايــــة الحريات المدنية و السياسية .

ب-الليبرالية الإقتصادية:

تعد الليبرالية الإقتصادية عملية أوسع من الخوصصة ، وهي تعني تقليص التدخـــل المباشر للدولة في النشاطات الإقتصادية، وتشجيع للقطاع الخاص، و تحرير التجـــــارة الخارجية . و هذه تستدعي ليس فقط تخفيض في الحواجز الجمركية بالنسبة لإستيراد البضائع والسلع، بل أيضا وضع سياسات لتجسيد ذلك.
و هذا التوجه يعود إلى الإقتصاد النيوكلاسيكي، و كذا الليبراليين الجدد، الذين اعتقـدوا أنه من الضروري ترك السوق لوحده يتحكم في العرض و الطلب، بعيدا عن تدخل الدولة.
و يبرز دور الليبرالية الإقتصادية من ثلاثة جوانب:
1-سوف تسمح بزيادة مدخلات جديدة من موارد جديدة من الإستثمار.
2- سوف تعطي ديناميكية قوية للإقتصاد، وتجعل السوق يلعب دورا كبيرا، و إعطـاء دور كبير للمبادرة الفردية، مما يؤدي الى زيادة أكثر في إنتاج الثروة. و إلى اقتصاد مفتوح.
3- و فتحه ليس فقط للمقاولين المحليين، بل أيضا للمنافسة الدولية، و سوف تخلق المهـارات التنافسية، كما تؤدي الى تقوية المسار الإقتصادي، و تعزز من النمو الإقتصادي.

ثانيا:الإنفتاح السياسي:

لقد أدت أحداث أكتوبر إلى تغيير الوجه السياسي للجزائر. فأطلق المسار السياســـي السريع الذي استمر ثلاثة سنوات قبل أن يوقف في جانفي 1992م . و في ظرف ثلاثة سنوات عرفت الجزائر تجربة خاصة و استثنائية من الحرية السياسية في العالم العربي.

و أثارت أحداث أكتوبر 1988م حركة نحو الليبرالية السياسية. ففي خطابه للأمة في 10 أكتوبر1988م وعد الرئيس الشاذلي بن جديد باجراء مجموعة من الإصلاحات السياسية، و أعلن في13 أكتوبر1988م على استفتاء وطني في 3 نوفمبر1988م، و الذي بموجبه اقترح اعادة تنظيم السلطة التنفيذية، من خلال تقوية وظيفة الوزير الأول، الذي أصبح مؤهلا علـى ادارة الشؤون العامة و العادية، و في أن يكون مسؤولا أمام المجلس الشعبي الوطني.
و قد تمثلت الإصلاحات السياسية التي تمت في التعديل الدستوري ل 1988م في:
1-تدعيم موقف رئيس الجمهورية في مواجهة المعارضين للإصلاحات التي بادر بها، و هذا بعد أن منحته المادة 5 من دستور 1976 م سلطة الرجوع مباشرة إلى الشعب الذي هو صاحب السيادة، و يمارسها عن طرق الإستفتاء، مما يبعده عن الضغوطات التي يمكـن أن يتلقاها من الجيش أو الحزب.
2-اعادة تنظيم السلطة التنفيذية، حيث أصبحت ثنائية بين رئيس الجمهورية و رئيـس الحكومة، وعلى أن يقدم هذا الأخير برنامجه أمام البرلمان، و يكون مسؤولا أمامه.
3-إلغاء القاعدة التي تقضي بأن رئيس الجمهورية يجسد وحدة القيادة السياسية للحـزب و الدولة.
4-فصل الدولة عن الحزب، مما جعل رئيس الجمهورية يتمتع باستقلالية في القيــام بالإصلاحات التي وعد بها.
5-إنهاء الدور السياسي للجيش و إلغاء النص الذي كان يعطيه دورا في بنـــــاء الإشتراكية، و أصبحت مهمته تقتصر فقط على الدفاع عن البلاد و وحدة أراضي البلد.
و قد تم هذا في ظل تدهور الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية للأفراد، بفعل انهيــار أسعار النفط في الأسواق الدولية، و بشكل أدى الى فقدان النظام للمشروعية السياسيـــة،
و عجز عن خلق مشروعية سياسية جديدة.
و ان كانت هذه الإصلاحات السياسية ناتجة عن الصراع الذي عرفته النخبة الجزائرية داخل السلطة بين المحافظين و الإصلاحيين. الأوائل كانوا معارضين لكل انفتاح سياســـي و اقتصادي. و أما الطرف الثاني فهو مؤيد للإصلاحات السياسية و الإقتصادية بقيادة مولـود حمروش الذي اعتبر أن الإصلاحات الإقتصادية بدون اصلاحات سياسية، و في ظل نظــام الأحادية الحزبية، سوف يكون مآله الفشل . و بالمقابل نجد أن المحافظين المستفدين مــن الريع ، و من الوضع القائم رفضوا هذه الإصلاحات. كما ترتبط بانعكاسات انهيار أسعار النفط على الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية الداخلية.


فأدخلت النخبة الحاكمة البلد في عملية التحرك نحو الليبرالية السياسية بغرض وضع حد للنظام السياسي، و للأحادية الحزبية، و فتح المجال للتنظيمات الحزبية و انشاء الجمعيــات. و تتجلى على العموم الإصلاحات السياسية التي أتى بها دستور1989م في:
1-السماح بالتعددية السياسية من خلال المادة 40 من الدستور التي تنص على انشــــاء الجمعيات ذات الطابع السياسي، ثم صدر القانون العضوي بها في 5 جويلية 1989م.
2-إعطاء ضمانات دستورية فيما يتعلق بالحقوق المرتبطة بالشخص.
3-إلغاء النص على أن رئيس الجمهورية يجسد وحدة القيادة السياسية للحزب و الدولـــة، و إلغاء النص على أن رئيس الدولة يعين الحكومة، و يحدد سياستها.
4-تقليص محدود لصلاحيات رئيسالجمهورية الذي تنازل عن حقه في المبادرة بتقديم القوانين إلى البرلمان حيث انتقل هذا الحق إلى رئيس الحكومة.
5-استحداث عدد من النصوص في مجال حقوق الإنسان والحريات و التي شكلت الفصــل الرابع من الدستور.
6-التأكيد على استقلالية السلطة القضائية و حماية القاضي ضد أي شكل من أشكال التدخـل أو الضغط، كما تم النص لأول مرة على استقلالية القضاء في المادة 29 من الدستور، و إقامة مجلس دستوري وظيفته حماية الدستور بموجب المادة 153 من الدستور.
7-إنهاء الدور السياسي للجيش، إذ نص الدستور على انحصار مسؤولية الجيش في حفــظ الإستقرار و السيادة الوطنية و الدفاع عن حدود البلاد.
و من هذه الإصلاحات السياسية لم تعد جبهة التحرير الوطني حزبا وحيدا مهيمنا علـى الساحة السياسية، و تحررت من ممارسة المسؤوليات المباشرة في مختلف أجهزة الدولــة، خصوصا الإدارية منها. و سمح الدستور الجديد بالإنفتاح السياسي، و أعطى ضمانــــات للحريات الفردية؛ كالحق في التعبير، و انشاء الجمعيات، و الحق في الإضراب .
و قد تجسدت الليبرالية السياسية من فيفري 1989م إلى جوان 1991م ، و خاصة فـي عهد حكومة مولود حمروش من سبتمبر1989م إلى جوان1991م.، فانسحب الجيش في هـذه الفترة من السياسة و من ادارة شؤون البلاد.
و في مارس 1989م انسحب ضباط الجيش من اللجنة المركزية لجبهة التحريــــر الوطني، و تخلى الرئيس الشاذلي بن جديد عن منصب وزير الدفاع الوطني لصالح اللــواء خالد نزار في جويلية 1990م، و من رئاسة حزب جبهة التحرير الوطني في جوان 1991م.
و قد تعززت حماية الحريات الفردية بعد مصادقة البرلمان على اتفاقية الأمم المتحـدة ضد التعذيب، و مصادقة الجزائر على العديد من الإتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و الإعتراف بالرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان.
و ترك المجال للمجتمع المدني لكي ينظم نفسه، فظهر عدد كبير من الجمعيات، و سمح بحرية الصحافة و الإعلام.
و اذا كان الإنفتاح السياسي قد سمح بظهور عدد محدود للأحزاب السياسية القــادرة على التعبئة السياسية ، و بظهور صحافة حرة و تعددية. إلا أنه بمقابل هذا لم يدم هـــذا "الإنفجار الكبير" للديمقراطية كما يسميه دال ايكلمان Dale Eickelman طويلا، حيث لــم يحمل العناصر التي يمكن أن يكون لها تأثيرا على النظام السياسي لاحقا، مما جعل نتائجــه محدودة، دون أن تؤدي إلى تغيير كبير للنظام السياسي الجزائري، و للخريطة السياسية.
ان هذا التغيير كان محدودا، و يتعلق الأمر فقط بتكتيك استعملته السلطة في التنـازل المؤقت للمجال السياسي للأحزاب السياسية و الجمعيات، بفعل المطالب و الضغوطات التـي أثقلت النظام السياسي الجزائري، و بدون أن يكون هناك دعم و سند له من جهة. و كذا لعدم التوافق بين قدرات النظام السياسي الإستخراجية و التوزيعية من جهة ثانية.
و يرى في هذا الباحث الأمريكي ج.ب.أنتليس أن تبني الليبرالية السياسية، يعود إلــى فشل السياسة الإقتصادية المتبعة، و لأحداث 5 أكتوبر1988م. كما أن الرئيس الشاذلي بــن جديد كان يعتبر أن تفادي أكتوبر جديد يتم من خلال الإنفتاح السياسي، بغرض توسيع القاعدة الإجتماعية للنظام السياسي، و ادراج مجموعات سياسية معارضة.
لذا فالهدف من هذه الليبرالية هو منح المجموعات المعارضة مجالا سياسيا لتخفيــف الضغط على النظام، كما اعتبرت كوسيلة لمنع تقويض الرقابة النهائية للنظام السياسي.

ثالثا:الإصلاحات الإقتصادية:

مع مجيء الرئيس الشاذلي بن جديد في بداية الثمانينات ، تم تبني سياسة الإنفتاح علـى غرار العديد من الدول العربية الأخرى ، بشكل سمح ببروز القطاع الخاص ، و باعــادة النظر في الخيار الإقتصادي السابق، من خلال برنامج معارضة و مواجهة النــــــدرة Programme anti-pénurie، و الذي خصص له حوالي 500 مليون فرنك فرنسي، لإقتناء السلع والبضائع الإستهلاكية ، على حساب العملية الإنتاجية. كما ظهرت وزارة الصناعات الخفيفة التي هي من ميزات الإقتصاد الليبرالي الرأسمالي، و هذا بجانب وزارة الصناعــات الثقيلة التي حظيت بالأهمية منذ مجيء الرئيس هواري بومدين.
و إنفتح الخطاب السياسي الرسمي أكثر على القطاع الخاص، وأعاد الإعتبار له، و ذلك من خلال قانون 82-11 الذي وضع ترخيصا مسبقا و إجباريا لكل مشروع خاص.
و قد شكل هذا القانون أول إنفتاح ليبرالي في الجانب الإقتصادي للمبادرة الخاصـــة للقطاع الخاص . و قد استتبع هذا القانون بانشاء الديوان الوطني المكلف بالتوجيه و المتابعـة و تنسيق الإستثمارات الإقتصادية الوطنية الخاصة.
ثم صدر القانون رقم 82-13  المتعلق بانشاء و سير المؤسسات الإقتصاديــــة المختلطة و الذي سمح بشراكة المؤسسات العمومية الجزائرية مع الإستثمارات الخارجيــة و التي حدد مشاركتها برأس مال الدولة ب51 % و الطرف الأجنبي ب 49 %.
و قد ازدادت مكانة القطاع الخاص في هذه الفترة، حيث بلغ عدد المؤسسات الخاصـة في 1982م 12000 مؤسسة خاصة، تشغل حوالي 120500 عامـل، أي ما يمثل ربع عمال القطاع الصناعي في البلد . و تشغل المؤسسات الخاصة التـي يتجاوز عدد عمالها 20 أكثـر من 32 آلف عامل.
و في عام 1988م صدر قانون 88-25 الذي حل محل قانون 82-13 و الذي وضـع إجراءات لتوجيه لاستثمارات القطاع الخاص، و هذا في ظل الأزمة الإقتصادية التـــي عرفتها الجزائر، و الناتجة عن انهيار أسعار النفط.
كما و ضع من خلال قانون 88-01 الصادر في1 جانفي 1988م حدا للمؤسســـات الإشتراكية ذات الطابع الإقتصادي، و أسست المؤسسات العمومية الإقتصادية. وقد أخذت هذه المؤسسات شكل مؤسسة ذات أسهم، أو مؤسسة ذات المسؤولية المحدودة ، و هو شكل موجود أكثر في الدول الغربية الرأسمالية كفرنسا.
و قد تم هذا في وقت اشرف غازي حيدوسي الذي كان مستشارا برئاسة الجمهورية،
على لجنة تولت دراسة الإقتصاد الجزائري،و تمثلت مهمتها في ايجاد حلول للأزمــــة الإقتصادية الجزائرية. و توصلت إلى نتائج نشرت في "كراريس الإصلاح"، و وجدت صدى لدى الأمين العام السابق برئاسة الجمهورية مولود حمروش، الذي بدأ في تجسيدها لما عيـن رئيسا للحكومة، و أعطى دفعا قويا للإصلاحات الإقتصادية بغرض التحول نحو اقتصـــاد السوق.
و قد ألح هذا الأخير على اشراك كل الفاعلين في الإصلاحات الإقتصادية، من نقابــة الإتحاد العام للعمال الجزائريين، و الإتحاد الوطني للمقاولين الجزائريين . و كان هدفــه وضع حد لرقابة الدولة للإقتصاد.
كما حرص على خوصصة المؤسسات العمومية، و تبنى مبدأ "إما أن تمر أم تحلça passe ou ça casse "، كما أصدر رئيس الحكومة مولود حمروش قانون النقد و القرض في مارس1990م، و الذي ميز بين القطاعين المالي و النقدي، واستقل بنك الجزائر عـن وزارة المالية، أي السلطة النقدية عن السلطة السياسية.
و تم تخفيض قيمة الدينار الجزائري، مقارنة بالعملات الأجنبية، بشكل يحدد قيمتهــا الحقيقية، و هذا بغرض تحويلها إلى عملة قابلة للتحويل.
كما بدأ في وضع حدا لإحتكار الدولة للتجارة الخارجية في أوت 1990م، ثم ألغـــي الإحتكار في فيفري 1991م.
وفيما يتعلق بالقيود على الإستثمارات الخارجية، فقد سمح قانون النقد و القــــرض للإستثمار الخاص المحلي و الأجنبي من الإستثمار بحرية. و فضلا عن هذا أدخل النظام الحر للأسعار.
إلا أن تحرير الإقتصاد و تجسيد الإصلاحات الإقتصادية لم يتم بصفة نهائية و بـدون صعوبات ، خاصة بعد اقالة رئيس الحكومة مولود حمروش من رئاسة الحكومة في جــوان 1991م، حيث فتح المجال للبورجوازية الكومبرادورية أو الطفيلية لإستغلال الفترة الإنتقاليـة بغرض تشكيل الثروة، مع تأجيل كل تجسيد للإصلاحات الإقتصادية، و هو ما تم فعلا ، حيث أنه منذ تلك الفترة و لغاية 2008 م مازال التحدث عن تطبيقها، أي تطبيق الإصلاحـــات
و عموما ، فالسياسة الليبرالية الإقتصادية بدأت مع الرئيس الشاذلي بن جديد، ثـــم تعززت أكثر في فترة التسعينات بعد التوقيع على اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي، و قــد سمحت بنشوء قطاع خاص، و لكنه مرتبط أكثر بالدولة، و لا يتمتع باستقلالية مطلقة، و بدون أن يكون له وجود سياسي ثقيل، و هو لا يعارض السلطة،و هو يتغذى بجزء كبير منه مـن الريع النفطي.
و عموما ، هنالك دائما اصرار من قبل النخب المتداولة على الحكم على مواصلة مسار الليبرالية الإقتصادية، و هذا بسبب الضغوطات التي يمارسها المستثمرين الخواص المحلييـن و الأجانب.


رابعا: عوائق التحرك نحو الليبرالية السياسية:

لقد عارضت عملية التحرك نحو الليبرالية السياسية مجموعة من العراقيل، دفعـــت بالسلطة الى التراجع عنها و تتمثل هذه العرقيل في:
أ-العنف السياسي :

لقد انعكس العنف السياسي الذي عرفته الجزائر في بداية التسعينات بعد الغاء الإنتخابات التشريعية سلبا على المسار الديمقراطي، و أعلنت حالة الطوارئ في 9 فيفـــري 1992 م لمجابهة أعمال العنف السياسي، الذي ازداد أكثر فأكثر لاحقا، و استهدف مؤسسات و رمـوز الدولة، و المؤسسات الإقتصادية، وقوات الأمن المشتركة، و التصفيات الجسدية أيضا للأفراد، حتى تجاوز عدد الضحايا أكثر من 100آلف قتيل.
و أمام هذه الوضعية، أصبح من الصعوبة العودة الى المسار الديمقراطي، لكــــون الظروف السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية للبلد لا تسمح بذلك.
و قد أثرت حالة الطوارئ من ناحية على الحريات الفردية و الجماعية، فأصبحـــت المسيرات و التجمعات السياسية التي تعد أشكالا للتعبير السياسي الحر ممنوعة، و تراجــع أيضا نشاط الأحزاب السياسية و دورها.
و من ناحية أخرى، أثرت حالة الطوارئ على المجتمع المدني، على أساس أن وجوده يرتبط بوجود الديمقراطية.

ب-غياب الثقافة السياسية الديمقراطية:

توصف الجزائر عموما بأنها دولة مستقرة حتي أواخر السبعينات. إلا أنه مع بدايـة الثمانينات تغيرت الوضعية، حيث دخلت في مرحلة اللإستقرار سياسي، و تجلى ذلك مـــع أحداث الربيع الأمازيغي في 1980م، ثم أحداث سطيف و قسنطينة في 1986م، ثم أحــداث أكتوبر 1988م، و أخيرا بداية العنف السياسي في بداية التسعينات و لغاية اليوم.
و اعتبر العديد من الباحثين أن هذا يعود للثقافة السياسية للنخبة الحاكمة التي هي مختلفة عن الثقافة السياسية للأفراد الجزائريين. إذ الإيديولوجية اللائكية للنخبة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية لم تلق الدعم من قبل الجماهير المتشبعة بالثقافة العربية الإسلاميــــة، خصوصا بعد التعريب الذي انتشر في المدرسة الجزائرية، و كذا النشاط الذي قامت بـــه الحركة الإسلامية، و اعتبرت فيه النخبة على أنها متغربة و غريبة عن المجتمع، و دعت إلى رفض هذه النخبة الحاكمة و على عدم التعبير عن الولاء لها.
و مهما يكن، فما يميز الثقافة السياسية في الدول العربية، بما فيها الجزائر، هو أنهــا ترتكز على القوة، و على رفض الطرف الأخر، و الرأي الأخر، و تعيد انتاج النظام التسلطي و تعززه، و تمنع ظهور و بروز الحكم الديمقراطي.
و من جانب آخر الإرتكاز على التسلط و تبني الوصاية الأبوية على المجتمع ككــل. و يجد هذا مرجعيته في ما يسميه الباحث هشام شرابي بالأبوية المستحدثة. وهي ترتكز علـى علاقات السلطة والخضوع و التبعية و نظام الولاء في بنية للعلاقات الإجتماعية.
فالعلاقات الإجتماعية الداخلية في العائلة العربية تقوم على التسلط ، و على تهيئة الفرد للخضوع و طاعة الطفل منذ فترة الصغر، و على عدم السماح له بالنقاش مما يجعل الفــرد يضيع في أسرته، و يتعود على الإتكال على من هو أكبر منه سنا كالأخ الأكبر و رب العائلة و الرئيس.
فهذا التسلط والخضوع يجعل الفرد متعودا على سلوك معنوي بطريقة آلية بعيدا عن استخدام العقل،و عن الإرادة في تغيير الوضع الاجتماعي القائم، مما يسمح لرب العائلة من أن يفرض السيطرة أكثر.
أما التبعية فهي تشكل نظام قيم و تشكل اجتماعي، و تلعب العائلة دورا كبيرا فـي تعويد الطفل و تغذيته بقيم التبعية و مواقفها.
أما عن الولاء، فان الفرد يتجه الى التعبير عن ولائه ليس للوطن و الأمة و للسلطــة المركزية، بل للعائلة و القبيلة، مما يضعف الشعور الوطني و الإنتماء الى مجتمع معيـن، و يقوي بالمقابل الولاء الضيق، مما ينعكس على الثقافة السياسية، حيث تبرز الثقافات السياسية الفرعية، مما يشكل خطرا على وحدة البلد الموحد ، و هو أمر عانته نوعا ما الجزائر بعــد الإستقلال، من حيث الصراع بين التعبير عن الولاء للولايات التاريخية ، خصوصا الثالثـة و الرابعة، و التعبير عن الولاء للسلطة المركزية الجديدة، التي قادها جيش الحدود.
كما يرى هشام شرابي أن العجز، والإتكالية، و الخضوع تعود لدور التنشئة الإجتماعية العائلية، و هي عناصر تلقى التعبير و التجسيد في الفرد العربي في علاقاته مع من هو فـي مرتبة أعلى، مما يجعل للفرد مجالا ضيقا في ابراز ذاتيته و نفسه، و في التعبير عن رأيه.
و يرى هشام شرابي أن هذه العناصر لا تتلاءم مع الحداثة ومع الديمقراطية.
و دائما في هذا الإطار، فالحياة الإجتماعية حسب المفكر محمد الزاهي المغربي، تمثـل نسقا دائما للعلاقات المتبادلة و المرتكزة على التسلط و الإكراه، و الرضوخ و الأبوية. و هذه نجدها في العائلة العربية من الأصغر الى الأكبر.
و ينتقل هذا السلوك الفردي القائم في المجال الإجتماعي العائلي إلى المجال السياسـي، من حيث الممارسات السياسية، و سير السلطة، و العلاقات السياسية بين مختلف القـــوى السياسية و السلطة من ناحية، و بين هذه و الأفراد من ناحية ثانية.
و يترتب عن هذا أن الفرد يقبل بمكانته في النظام السياسي القائم و يرضى بــــه ، و يفوض صنع القرارات و تسيير الشؤون العامة للحكام عوض أن يشارك هو بفاعليــة ، و يقبل بتفوق هؤلاء و بالسلطة القائمة حتى و إن كانت تسلطية.
و تاريخيا ففد كان للبنى الإجتماعية التقليدية و القائمة على السلطة الأبوية تأثيرا على الدولة الحديثة، حيث اجتمعت و امتزجت مع البنى السياسي . فالباحث و اتربـــــتوري Waterbury يعتقد أن تاريخ الدولة في الشرق الأوسط لها يبين أن للبنى الإجتماعيـة دور في ادارة شؤون المسلمين،مما قدم نموذجا اقتدت به الدول العربية الحديثة.
كما أن الإستعمار الأوروبي عزز من دور التقاليد المرتكزة على الحكم الأبوي الــذي انتقل تدريجيا الى الدول الحديثة.
و في الفترة الحديثة يمكن القول أن علاقة الدولة بالمواطن(و إن كانت المواطنة غيـر قائمة بتاتا في الدول العربية) في البلدان العربية، بما فيها الجزائر، ليست كما هو في الحـال في الغرب. بل هي تشبه علاقة الشخص بالحاكم على أساس الولاء و الخضوع أكثر منه على أسس ديمقراطية مرتكزة على المواطنة و التمثيل، و الإحترام. مما سمح للحكام باتخــــاذ قرارات مصيرية بعيدا عن استشارة الأفراد، و ان كانت تعنيهم.
فحدثت استمرارية تاريخية في نقل القيم التقليدية الأبوية للدولة الجزائرية. كما أن كـل حاكم يعتقد انه هو الأقدر لوحده على ادارة الأزمة ، و شؤون البلد، و أن له وصاية عليه.
كما تطرح أيضا في اطار الثقافة السياسية السائدة في المجتمع الجزائري مسألــــة الشعبوية و التي ارتبطت بالأحزاب السياسية الجزائرية منذ الحركة الوطنية و لغاية التعدديـة السياسية.
فالحزب الشعبوي يعتبر نفسه أنه يمثل الشعب، و ليس هناك من مكان للأحــــزاب الأخرى. و ان كان المفهوم الغربي للحزب السياسي يتطلب وجود أحزاب أخرى تدخل معـه في تنافس من أجل الوصول إلى السلطة. ولهذا فالحزب الشعبوي ليس بحزب سياسي مندمجا في اللعبة الديموقراطية. فقد اعتبرا كل من جبهة التحرير الوطني سابقا و الجبهة الإسلاميـة للإنقاذ لاحقا على أنهما حركتين تعبران عن الهوية الجزائرية، العربية الإسلامية.
فالأولى كان حزبا وحيدا أثناء الثورة التحريرية، و رفض وجود الأحزاب الأخــرى بجانبه، لأسباب سياسية متعلقة بالتفاوض مع المستعمر، مما أدى الى انصهار مختلــــف الأحزاب السياسية القائمة في داخله في 1956م، في حين رفضت الحركة الوطنية الجزائرية التي تزعمها مصالي الحاج هيمنة جبهة التحرير الوطني.
و أما الثانية فقد رفضت أيضا وجود الأحزاب السياسية الأخرى ، خصوصـــــا الديمقراطية العلمانية،و اعتبرت المجتمع الجزائري في عمقه على أنه رافضا للتعدديــــة السياسية و للديمقراطية بالمفهوم الحديث، و على أنها كفر.
فسادت في الجزائر الإيديولوجية القائمة على الأبوية الجديدة، والتي رفضت فكــرة التعددية السياسية، التي تفترض مبدأ التداول على السلطة.
فالثقافة السياسية المرتكزة على الإيديولوجية الشعبوية، ترى أنه لا مكانة للحريــــة السياسية، و لإستقلالية الفرد اللذان هما من عنصري الديمقراطية. و قد بقيت هذه الثقافـــة الشعبوية مترسخة في الثقافة السياسية الجزائرية ، مما أعاق و صعب من ظهور ثقافة سياسية ديمقراطية أن تظهر، و من أن تترسخ في البيئة السياسية الجزائرية. فالشعبوية سمحت بظهور حركات جماهيرية رفضت وجود الأحزاب السياسية التعددية.
فعليه تعتبر الثقافة السياسية الشعوبية تعد من إحدى العوامل التي ساهمت في الأزمـة الجزائرية.

ج-غياب بورجوازية قوية:

إن ما يميز الدولة في الجزائر هو أنها تطورت كطبقة لذاتها بعيدا عن المجتمع، و من هذا، فعلاقاتها بالمجتمع ارتكزت على الإغتراب ، و الصراع الطبقي و إستقلاليتها النسبية عن المجتمع. فالدولة كانت و مازالت تعمل لصالح طبقتها الخاصة دون اعتبار للطبقات الأخـرى في المجتمع.
و ينظر للقطاع الخاص على أنه ضعيف و هامشي و تجاري محض، و أدخلــت الليبرالية الإقتصادية لضمان استمرارية النظام من خلال تسريع التنمية، مما يترتب عنه تقلص وظائف أجهزة الدولة، و تبقى النخب الحاكمة تتحكم في رقابتها على الإقتصاد من خـــلال ميكانيزمات الحواجز الرقابية، أي تبقي على رقابتها الطبقية على وسائل الإنتاج ، و تنتقــل بالمقابل الملكية للقطاع الخاص،و هذه الرقابة يمكن أن تكون معرقلا لقواع إقتصاد السوق، و هذا ما لا يسمح بنمو القطاع الخاص، و يجعله لا يلعب دورا كبيرا في التنمية الإقتصادية.
إذا كانت البورجوازية حسب بانيدر و ليزا أندرسون تلعب دور الحاكم في أية بدايــة ديمقراطية، فان ما يميزها في الجزائر هو كونها ضعفيفة، و هذا يعود إلى أسباب تاريخية و موضوعية أعاقا تطورها. فتاريخيا، أعاق المستعمر الفرنسي نموها و تطورها لتخوفه من أنها تشكل قوة تعي بوجودها و مصالحها لاحقا، مما سيسمح لها بمنافسة البورجوازيــــة الإستعمارية في الجزائر، و من ثم قيادة الجماهير الجزائرية نحو التحرر.
أما موضوعيا، فقد لاقت المواجهة من قبل النخبة الحاكمة بعد الإستقلال، للشك فــي تحالفها مع المستعمر الفرنسي، و الرأسمالية العالمية. فضلا على أن الخيار الإيديولوجــي و الإقتصادي للجزائر المستقلة لم يسمح لها بالنشاط و الحركية.
كما أن ضعف البورجوازية و القطاع الخاص الذي تشرف عليه، لا يرتبط فقـــط بالإجراءات الرقابية للدولة عليه، بل ان الريع النفطي قد ساهم في جعلها، أي البورجوازيـة ، هامشية، و هذا لكون الجزائر تتحصل على موارد مالية من الخارج، و تتحكم فيها بعيدا عـن أية مساهمة للقطاع الخاص و للأفراد، مما أعطى لها ، أي للدولة، إستقلالية على الفاعليــن الآخرين في المجتمع. فارتكزت القدرة الإستخراجية للدولة على العائدات المالية للنفـــط ، و المرتبطة بالأسواق المالية الدولية، ثم توزعها على أفراد المجتمع بطريقة غير متساوية.
و هذا التوزيع قد يأخذ شكل توزيع الرواتب على الموظفين، حتى و ان كان هنـــاك تضخم وظيفي، أو توزيع للأجور على العمال حتى و ان كانت المؤسسات غير منتجة و غير محققة للأرباح، كما قد يأخذ التوزيع شكل مايسمى بدولة العناية الإلاهية، وذلك بتخصيــص ميزانيات إضافية للولايات و المشاريع غير انتاجية و عاجزة. فالهدف هو شراء السلــــم الإجتماعي، و الحصول على المشروعية السياسية.
فترتكز الدولة الريعية على حد تعبير جياكوم لوتشيانيGiacomo Luciani و حـازم ببلاويHazem Beblawi على التوزيع أكثر منه على زيادة الدخل في الموارد الماليـــة، خصوصا من الضرائب التي تفرض على الأفراد،و بشكل يجعل الدولة تتفادى التمثيــــل السياسي الحقيقي، مما يترتب عنه مقولة "لا ضريبة إلا بتمثيل".
و ينشط القطاع الخاص في الجزائر و يتغذى بطريقة غير مباشرة من ميزانية الدولـة. و في هذا يقول الباحث الأمريكي ديلمان برادفورد:" ان التراكم المالي الذي يحققه القطــاع الخاص يرتكز على تحويل الموارد من الدولة عن طريق النفقات العمومية، و الدعـــــم و الزبائنية"، و هو لا يتمتع باستقلالية مطلقة و لا نسبية عنها. و هو مقارنة بالقطاع العام، و بادراج قطاع المحروقات لا يساهم في الدخل الوطني الخام و لا في تحقيق القيمة المضافة إلا بنسبة ضئيلة جدا.
و مع انهيار أسعار النفط، و بداية مسار الإصلاحات الإقتصادية، أصبح الخطـــاب السياسي الرسمي يعترف بالقطاع الخاص، و على أنه سوف يساهم في التنمية الإقتصاديــة، خصوصا مع تجسيد العديد من الإصلاحات الإقتصادية؛ كوضع قانون النقد و القـــرض ، و وضع القوانين المجشعة و الضامنة للإستثمار الخاص، و تحرير التجارة الخارجية...الخ.
إلا أن هذه الإجراءات لم يستفيد منها القطاع الخاص الإنتاجي، بل سمحت ببـــروز بورجوازية كومبرادورية أو طفيلية، مرتبطة بالرأسمالية العالمية، و تهتم بالتجارة و المضاربة أكثر منه بالإستثمار الإنتاجي الذي يحقق و يزيد من الثروة، و هذا لتجنبها المغامـــــرة الإقتصادية التي هي من صفات المستثمر الإقتصادي الرأسمالي. و فضلاعن هذا، هي فئــة مرتبطة بالنخبة الحاكمة، سواء من حيث المصالح المالية و الإقتصادية المشتركة، أو مــن حيث المصاهرة. مما جعل القطاع الخاص الحقيقي المنتج يغيب، و لا يكون له دور حقيقي في العملية السياسية الديمقراطية، و في المطالبة بالتمثيل، و التأثير في القرار السياسي.
و القليل من المقاولين الخواص الذين تمكنوا من تحقيق نمو في نشاطاتهم في ظل النظام القائم، يعود إلى العلاقات الزبائنية التي سمحت لهم من الحصول على الريع، و اتصالهـــم بالأعضاء الفاعلين في أجهزة الدولة،و باعتبار أنهم كانوا أنفسهم أعضاء في هذه الأجهزة.
و تعد النخبة الحاكمة قلب الدولة و سلاح للقطاع الخاص. و قد حررت هذه الفئـــة المستفيدة من الإصلاحات الإقتصادية، من القيود المفروضة على نشاطاتهم الخاصة، و لكن لم يسمح لهم بالتوسع الإقتصادي أكثر.
و قد عارض هؤلاء الخواص، و كذا الشبكات الريعية، كل إصلاح إقتصادي ليبرالـي حقيقي، ومن ثم ييشكل هؤلاء أكبر معرقل كبير لكل اصلاح ليبرالي من شأنه السماح للقطاع الخاص من أن يلعب دورا في الإقتصاد.
و لكن رغم، هذا فانه بدأ يتحرر نوعا ما من الإجراءات البيروقراطية، و أصبـح دوره في زيادة الدخل الوطني الخام، و تحقيق القيمة المضافة خارج المحروقات، و الزيادة فــي التوظيف يزداد من سنة لأخرى.

د-غياب المجتمع المدني:

إن إلغاء المسار الديمقراطي في 11جانفي1992م، ودخول الجيش الحيــاة السياسية، و إعلان حالة الطوارئ، قد أثرعلى مسار الدمقرطة، بل أدى إلى تضييق الحريات العامــة، و إلى الحد من نشاط الأحزاب السياسية و الجمعيات والنقابات، و أدى بالمقابل إلى تقوية قوة الدولة على حساب المجتمع المدني، و إن كان قائما فهو شكلي و تابع للدولة.
فما هو دور هذه الجمعيات في التفتح الديمقراطي؟
فمن جهة أخرى فان الجمعيات اعتبرت كمحاور متميز مع الحكومة، فشاركت في لجان عديدة و بصفة نشيطة و في مختلف التشاورات و الإستشارات لإصلاح الإدارة، كمـــا أن النقابة العمالية و أرباب العمل عملت جنبا لجنب مع الحكومة فيما يتعلق عالم الشغـــــل و الإصلاحات الإقتصادية . فرئيس المجلس الأعلى للدولة محمد بوضياف أنشا المجلـــس الاستشاري لضمان مشاركة الجمعيات.
و ما يميزالقليل جدا من هذه الجمعيات هو تمتعها بالإستقلالية التامة عن الدولة،وتمكنت من أن تفرض نفسها نوعا ما بالرغم من المحيط العام غير الملائم للنشاط الجمعوي، بعيدا عن تدخل و رقابة الدولة من الناحية المادية و المالية، و هو ما ينطبق على الرابطة الجزائريــة للدفاع عن حقوق الإنسان، و جمعية تجمع عمل شبابRAJ، و هذا لإرتباطها بالمنظمات غير الحكومية الدولية، التي تمارس ضغوطا دولية على الجزائر لكي لاتعرقل عمل هذه الجمعيات.
ومن جهة أخرى فان مختلف الجمعيات في حركيتها أصبحت تخضع لمجموعة مــن العراقيل التي عرقلت من نشاطها و المتمثلة في:
1-حالة الطوارئ في فيفري1992م، الذي ضيق من عمل الجمعيات . و في هذا يـرى الباحث الفرنسي في العلوم السياسية جون لوكا، أنه من الناحية القانونية فان المجتمع المدنـي يكون في هذه الحالة ضعيفا ، و نفس الأمر في حالات الحروب أين المجتمع يقتصر فقط على الجمعيات الخيرية، ويعيد هذا إلى الذهن وضعية الجزائر بعد الإستقلال، إذ بموجب المادة 54 من دستور1963م تم توقيف الدستور إلى غاية دستور1976م.
2-في أن الدولة تعلن إحترامها لمبادئ الدستور و للقانون ولحرية حركية و نشـــاط الجمعيات و لكن في الممارسة تقوم بالتضييق و الحد من عملها. فالسلطة تمارس ضغوطـات إدارية و قضائية على النقابات المستقلة التي تعبر على رأي القاعدة،على غرار ماحدث لنقابي المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي الذين وضعوا تحت الرقابة القضائية في إضـــراب 2005م. و أكثر من هذا، فالسلطة رفضت منح وصل التسجيل لنقابتين، كما أن هناك إعـادة النظر في حق الإضراب الذي هو حق دستوري و قانوني ممنوح للعمال كما تنص عليه المادة 90-02 ، فالعدالة قررت عدم شرعية الإضراب الذي تنادي به النقابات المستقلة لاسيمـا إذا كان مفتوحا.
3- فضلا عن إختراق هذه الجمعيات من خلال فرض الرقابة المالية عليها و ربــط المساعدات المالية بالتعبيرعن الولاء للدولة ، و استبدال قادتها الذين يتبنون لمبدأ الإستقلاليـة عن السلطة بآخرين، موالين لها ، و بشكل يجعل تقريبا غالبية الجمعيات تعبر عن تأييدها لكل المبادرات التي من عند الدولة والسلطة. و بالرغم من أن هناك إرادات لإنشاء الجمعيـــات المستقلة إلا أن هذه تجابه برفض الإدارة التي تفرض عليها ضرورة الرقابة المالية.
4- كما أن هناك محاولات فاشلة من قبل الدولة لإضعاف دور هذه الجمعيات ذي البعد الدولين من خلال خلق جمعيات منافسة لها كإنشاء الجمعية الوطنية الإستشارية لترقية حقـوق الإنسان لكي تنافس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان.
5-خلق إنشقاقات بداخلها بشكل شل عمل الجمعيات، و هو إجراء مس معظـــــم الجمعيات الوطنية التي تنشط في المجالات الإستراتيجية، فعملت الدولة على إسترجاع المجال الذي فقده بفعل أحداث أكتوبر1988م، لصالح النقابات المستقلـة و الإتحادات المهنيــــة و الجمعيات.
فهذه العراقيل حددت من نشاط الجمعيات، و ما صراع بين الدولة و المجتمـع المدنـي حول قضايا حقوق الإنسان، و قانون الأسرة، و التعليم، و الحقوق الثقافية، و قضية الهويــة لدليل على تشدد الثقافة السياسية التسلطية للنخبة الحاكمة في النظام السياسي القائم التي تلجـأ إلى المناورات السياسية للإبقاء على إمتيازاتها.
و ما يميز اليوم المسارالديمقراطي هو أنه محدود ، و لا يرق إلى طموحات الشعــب الجزائري. و الجمعيات المشكلة للمجتمع المدني ظهرت في وقت صعب ، و هي لم تتجذر في المجتمع الجزائري و من ثم فان قدراتها التعبئية محدودة، و نشـأة العديد منها كان بدفع مـن الدولة، و هذا بغرض إجهاض كل ظهور و بروز حقيقـي للمجتمع المدني
. فضلا عـن إرادة السلطة في تجاوز أزمة المشروعية التي تعاني منها، مما يجعل هذه الجمعيات بــدون جدوى على أساس أن نشأتها مرتبط بالسلطة فهي ستبقى رهينة منطق السلطة و بدون أيــة فاعلية، كما أن العنف السياسي المنتشر،و العنف المضاد هي عوامل غير مشجعة وغير مؤيدة لإقامة مسار المجتمع المدني، كما أن الحذر و الظن المتبادل بين السلطة و التنظيمــــات الجمعوية يمنع من بروز مجتمع مدني.
خلاصة،فالمجتمع المدني في الجزائر هو غير قادر على تعديل ميزان القوة الذي هو في صالح الدولة، لعدم تجذره (أي المجتمع المدني) ، و هذا بسبب مجموعة من العوامل التاريخية التي تعود إلى فترة الثورة التحريرية، و المرتبطة أساسا بالنخبة المسيطرة على الثورة التي لم تقبل بتعدد الأفكار و التصورات، فكان غرضها هو تحقيق الإستقلال الوطني. و هو سلــوك سياسي إستمر بعد الإستقلال، و جسدته القيادة العسكرية بقيادة هواري بومدين، و التي ركزت كل عملها على بناء الدولة على حساب المجتمع المدني. و أما في فترة التعددية السياسية، فانه بالرغم من ضعف الدولة و ترك المجال للجمعيات في الظهور، إلا أن هذا كان مؤقتا، حيـث إستعادت الدولة مكانتها وجعلت المجتمع المدني خاضعا لها ، و ما ساعدها في ذلك هو حالـة الطوارئ، و العنف السياسي الذي ساد البلاد، و الذي حد من الحريات العمومية و الفرديـة . و فضلا عن هذا، فان عدم النضج السياسي للمجتمع يعد من العوامل المعرقلة لتطور المجتمع المدني.

الخاتمة:

من خلال هذه الدراسة، يمكن أن نستخلص أن الجزائر قد تحركت في فترة الثمانينـات نحو الليبرالية السياسية و الإقتصادية، و ان كانت الليبرالية الإقتصادية قبل السياسية.
و قد ارتبط هذا التحول خصوصا بوصول نخبة سياسية جديدة إلى الحكم، و كذا بانهيار أسعار النفط، و الأزمة الإقتصادية الجزائرية التي عرفتها الجزائر، والتي أفقدت المشروعيـة السياسية للنظام، و جعلت النخبة الحاكمة غير قادرة على خلق مشروعية سياسية جديـــدة، و هذا في ظل مرحلة تميزت بتزايد المطالب المختلفة؛ السياسية، و الإقتصادية، و الإجتماعية، و الثقافية الموجهة للنظام السياسي.
و في هذا، لم يبق للسلطة إلا أن تفتح المجال السياسي الذي استمر لمدة ثلاثة سنوات ، ثم استرجعته بعد ذلك، بفعل انتصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ بغالبية المقاعد البرلمانية فــي الدور الأول من انتخابات26 ديسمبر1992م، و تدخل المؤسسة العسكرية التي تحالفت مــع السياسيين لإلغائها.
ان اجهاض مسار التحرك نحو الليبرالية السياسية لا يعود فقط لهذا السبب الأخيـــر المباشر، بل أيضا إلى الثقافة السياسية غير الديمقراطية السائدة في المجتمع الجزائر، و لغياب بورجوازية قوية تقود حركة الدمقرطة، و كذا غياب مجتمع مدني قوي يواجه الدولة.
أما عن الليبرالية الإقتصادية، فقد استمرت، و لكن حرفت عن مسارها الأول، بفعــل بروز فئة تسمى بالبورجوازية الطفيلية التي تهتم بالإستيراد أكثر منه بالإنتاج، و استغلــت علاقاتها و شبكات الزبائنية التي تتمتع بها في مختلف أجهزة الدولة لكي تبقي على الوضــع القائم الذي سمح لها بتحقيق ثروات، و من ثم فهي تعمل دائما على اجهاض الإصلاحـــات الإقتصادية الحقيقية التي تمس بمصالحها.
و لكن رغم هذا، فان السلطة مصممة على مواصلة مسار الليبرالية الإقتصادية، و هـذا نظرا لضغوطات المستثمرين الأجانب.



المراجع:

-Gerd Nonneman ,Political and Economic Liberalization,USA: Lynne Rienner Pub, 
1996,p.330,
-Rex Brynen, Bahgat Korany, Paul Noble de Rex Brynen, Political Liberalization 
and Democratization in the Arab World, USA: Lynne Rienner Pub,1998,p.3.

-Ibid.,p.4.
-Ibid.p.5.
-Camille Bonora-Waisman,France and the Algerian Conflict:Issues in Democracy 
and Political Stability1988-1995,USA:Ashgate Pub Ltd,2003,p.17.
-الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبيـة، دستور1976م،ص.2.
 -بوالشعير سعيد، النظام السياسي الجزائري،الجزائر:دار الهدى،ص..184-189.
-Isabelle Werenfels , Managing Instability in Algeria : Elites and political change 
Since1995,UK : Routledge , 2007,p.40.
-Dahmani Mohamed,Algérie: Légitimité Historique et Continuité Politique ,France: 
Harmattan,1999,p.119.
-Isabelle Werenfels,op.cit,p.41.
- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية المــواد :31،و35، و36، و37، و39، و 40، و41، و44، و49، و50،و51، و 52،و 53، دستور 1989 م ، ص.6-9.
-عبيد هناء، أزمة التحول الديمقراطـي في الجزائر، في التحول الديمقراطي في دول المغرب العربي،القاهرة: مركز الدراســـات
السياسية و الإستراتيجية ، 2004،ص .149.
-Camille Bonora-Waisman,op.cit.,p.20.
 -كمثال الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي استعملت العامل الدين كمورد سياسي، سمح لها بتعبئة الأفراد.
-Layachi Azzedine ,Political Liberalization and the Islamist Movement in Algeria, 
in Michael Bonner , Megan Reif and Mark Tessler, Islam, Democracy and the
State in Algeria : Lessons for the Western Mediterranean and Beyond, UK:
UK:Routledge,2005,p.
-Entelis J. P, " State Society Relations as a case study " , in Mark A.Tessler, Jodi 
Nachtwey And Anne Banda , Area Studies and Social Science , USA : Indiana
university Press,1999,pp..20-21.
 -Thomas Carothers,,Marina Ottaway, Uncharted Journey:Promoting Democracy
.in the Middle East,USA: Carnegie Endowment,2005,p.20
Etat , Bazar et Globalisation,Algérie : Les Editions El Hikma , -Tlemcani Rachid,
1999,p.37.
-Ibid.,p.117.
 - القانون رقم 82-11 المؤرخ في 21 أوت 1982م المتعلق بالإستثمار الإقتصادي الخاص، الجريدة الرسمية، رقـــم 34،
الصادر في 24 أوت 1982م،ص.1692-1700.
-Isli Mohand Arezki, " La Création d'Entreprises en Algérie " , Les Cahiers du ,
CREAD,Algérie, numéro 73 , 2005 , p.60.
 - القانون رقم82-13 المؤرخ في 28 أوت1982م و المتعلق بتأسيس الشركات المختلطة الإقتصادية و سيرها، الجريدة الرسمية،
العدد35، الموافق ل31 أوت 1982م،ص.1724-1732.
 -Abdoun Rabah," Le Secteur Industriel Privé en Algérie " , France , Annuaire de
 -Isli Mohand Arezki,op.cit.,p.60.
 -Mekideche Mustapha , L'Algérie entre Economie De Rente et Economie
Emergente,Alger:éd.Dahlab,2000,p..51-52.
-Ibid.,p.53
 -Westerlund David,Questioning The Secular State: The Worldwide Resurgence of
Religion in Politics,USA:St.Martin's Press,1996,p.156.
-Sadiki Larbi , The Search For Arab Democracy , London : C. Hurst and Co -
publishers,2004,p.174.
 -شرابي هشام،النظام الأبوي و اشكالية تخلف المجتمع العربي،ترجمة:محمود شريح،لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية،1992م،
ص.60.
 -نفس المرجع، ص.62.
 -نفس المرجع، ص64.
 -نفس المرجع،ص.64.
 -شرابي هشام، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ط3، بيروت: الأهلية للنشر و التوزيع، 1980،ص.40.
--Sadiki Larbi,op.cit.,p.175.
 -Entelis J.P, Algeria :The Revolution Institutionalized , Boulder : Westview ,1986,
,p.157.
 -Bryner Rex, Korany Bahgat and Noble Paul,op.cit.,pp..61-93.
-Addi Lehouari,L'Algérie et La Démocratie:pouvoir et crise du politique contemp-
oraine,France:éd.La Découverte,1994,pp..108-109.
 -Ibid.,p110.
 -Ibid.,p.110.
 -Emma C.Murphy, The State and the Private Sector in North Africa:Seeking
Specificity,Mediterranean Politics,London, Vol.6,No.2,Summer 2001,,p.5.
 -Ibid.,p.6.
- ووتربوري جون،إمكانية التحرك نحو الليبرالية السياسية في الشرق الأوسط، في غسان سلامة و آخرون، ديمقراطية مــن دون
ديمقراطيين: سياسات الإنفتاح في العالم العربي/ الإسلامي، لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية،1995، ص.83.

 و هو ما يبرز خصوصا في مسألة توزيع الأجور و الرواتب، حيث اذا كان الفرق بين راتب الوزير أو النائب في البرلمان من جهة
في فرنسا يتجاوز الأجر القاعدي للمواطن الفرنسي بحوالي أربعة إلى خمسة مرات فقط، فانه في الجزائر يتجاوز الفارق أكثر مـن
خمسة و عشرون مرة أو أكثر من ذلك.
 -ووتربوري جون ، المرجع السابق الذكر،ص.85.
 -Bradford L.Dillman,The Private Sector in Algeria:The Politics of Rent Seeking
and Failed,Boulder,Co:Westview Press,2000,p.16.
 -Layachi Azzedine,The Private Sector in Algerian Economy:Obstacles and
Potentials for a Productive Role, Mediterranean Politics,London, Vol.6, No.2,
Summer 2001,p..36-37.
 -Emma C.Murphy ,op.cit.,p.6.
 -Layachi Azzedine,op.cit,p.37.
 -Leca Jean,"L'etat d'urgence ,un tracteur inhibiteur ", Journal El watan ,vendredi 1-
samedi 2 juin 2007,p.2.
 -Bryner Rex, Korany Bahgat and Noble Paul,op.cit.,p.29.

 -على غرار الجمعيات ذات الطابع السياسي التي وصل عددها أكثرمن65 حزبا سياسيا، إذ الغرض منه هو إجهاض الظاهــرة
الحزبية أكثر منه إعطاء ديناميكية لها .
 -Leca Jean,op.cit.,p.2.

spisos
09-04-2009, 15:07
تابع لـ seliman45:

النُخب في الجزائر

يبدو أن ملاحظة الخصائص التحوُّلية لأحد الأوساط الاجتماعية هو سبيل الكشف عن مختلف هياكله بشكل أفضل من تحليل هذه الهياكل أثناء مرحلة استقرار هذا الوسط. وعلى صعيد الأنظمة التعليمية، اقترح بيير بورديو Pierre Bordieu وجون كلود باسورون Jean Claude Passeron التمييز بين الفترات التكوينية أو البنيوية من جهة وبين الفترات الحرجة التي يمكن أن تمر بها هذه الأنظمة من جهة أخرى.
والفترة البنيوية هي تلك التي تتم خلالها عملية مواءمة بين مختلف مكوِّنات النظام، هي عملية تتكرر بمجرد حدوثها لأول مرة، كإحداث مواءمة بين الوسط الاجتماعي "المتوسط" للمعلمين من جهة ووسط الطلاب من جهة أخرى، أو بين الخلفيات الثقافية لهاتين الفئتين، أو كذلك بين عدد الطلاب وأماكن وجودهم وبين نسبة عدد الطلاب للمعلمين…إلخ. لكن الفترات الحرجة هي تلك التي تتسم باختلال توازن هذا النظام نتيجة لوصول أعداد هائلة من المعلمين والطلاب الذين يحملون ثقافة مغايرة لتلك التي كانت تسود آنفاً على أوسع نطاق، وكذلك نتيجة لوجود أشكال جديدة لشغل الأماكن المخصصة لهم بسبب الأعداد المتزايدة…إلخ.
وقياساً على ذلك، فقد يكون من المُجدي تطبيق فكرة التمييز بين هذه الفترات على وسط النُخبة في الجزائر انطلاقاً من تكوينه منذ الاستقلال.
ونعني هنا بوسط النُخبة مجموع الأشخاص الذين يمتلكون مستويات عليا من رؤوس الأموال على اختلاف أنواعها سواء على الصعيد السياسي أو الأسري أو الاقتصادي أو في مجال اختصاصهم أو ما إلى ذلك، وهم في أغلب الأحيان من الأعضاء غير العاديين في الجماعات المختلفة. ومن ثمَّ، يؤهلهم ذلك إلى الدخول بدرجات متفاوتة في علاقات تتسم على حدٍ سواء بالصراع والدعم المتبادل من أجل تحقيق الإفادة بأقصى درجة ممكنة من مزايا المراكز التي تم الوصول إليها من قبل. كما أن المستويات العليا لرؤوس الأموال تلك في مختلف القطاعات الاجتماعية التي ينتمي إليها هؤلاء الأشخاص تتيح لمن استطاع منهم بلوغ مستويات أعلى، تخطي هذه القطاعات بشكل ما والدخول في نظام العلاقات الاجتماعية الذي يسود وسط النُخبة. ومن بين هذه القطاعات نذكر المؤسسات السياسية والمؤسسات العسكرية ومختلف فروع الاقتصاد العام أو الخاص والمؤسسات العلمية والثقافية والفنية…إلخ.
ويبدو أنه من الممكن ملاحظة عملية الانتقال من الفترة البنيوية إلى المرحلة الحرجة، من خلال رصد تطور وسط النُخبة بالجزائر عند نهاية الثمانينات، حينما صار من المستحيل إخفاء قصور نظام الحزب الواحد والإدارة الشمولية المركزية للنظام الاقتصادي.
لقد كنَّا نسعى في بادئ الأمر إلى إدخال تحليل لنظام القواعد الموضوعية التي تسود ديناميكية وتكوين محيط النُخبة منذ الاستقلال وحتى نهاية الثمانينات، ثم أخذنا نتساءل فيما بعد حول ما شهده هذا التكوين من تبعات نجمت عن التغيرات التي حدثت أو التي في سبيلها إلى الحدوث، في ظل ظروف تشكيل أنواع مختلفة من رؤوس الأموال المادية أو الرمزية داخل مختلف الأوساط الاجتماعية.
ومن هنا، يتعين علينا طرح التساؤل التالي: هل تُعد هذه التغيرات تغيرات هيكلية بنيوية أم أنها مجرد تغيرات وضعية؟

وسط النُخبة منذ الاستقلال وحتى نهاية الثمانينات: التكوين وتدرُّج المراتب
إن حجم الدور الذي يضطلع به الوسط السياسي كمكان لتشكيل النُخبة بالنسبة لبقية الأوساط الأخرى كالأوساط الاقتصادية والثقافية والعلمية والفنية وغيرها، قد يكون بلا شك مؤشراً على أهمية التراكم المادي والرمزي الذي ينتفع به المجتمع.
ويمكننا القول إنه خلال العقود الثلاثة الأولى للاستقلال، انطلقت الفئة المُسيطرة على وسط النُخبة من داخل الوسط السياسي.
وعند الاستقلال، لم تكن الفئات التي يتكون منها بوجه عام وسط النُخبة تحظى بثقلٍ كبير، سواء من حيث عدد أفرادها أو من حيث أهمية نوعية رؤوس الأموال التي تستثمرها، ومن هؤلاء نذكر على سبيل المثال المفكرين ورؤساء الشركات الخاصة وكبار المُلاك الزراعيين والكوادر العليا بالدولة أو بالمؤسسات العامة المحلية…إلخ.
ويمكننا كذلك الإشارة إلى نهاية الستينيات باعتبارها المرحلة التي شهدت تفوق رأس المال المُكتسب من المشاركة في الحركة الوطنية وفي مختلف أشكال الكفاح من أجل تحرير الوطن، على غيره من رؤوس الأموال الأخرى. وعلى الأقل حتى عام 1989، وإلى حد ما بعد هذا التاريخ، لم يكن الطريق السياسي العسكري هو أقصر الطرق فحسب لاختراق وسط النُخبة، بل كان أيضاً يستند على أشكال من الشرعية تتسم بفاعلية خاصة. فهذا النوع من رؤوس الأموال ظل طويلاً سبيل بلوغ أكثر المراكز أهمية في الوسط السياسي، وعلى نطاق أوسع في وسط النُخبة بأكمله. وجدير بالذكر أن الشخصيات التي سلكت هذا الطريق السياسي العسكري، من أجل دخول وسط النُخبة، كانت تحظى برصيد سياسي هائل وبقدر كبير من العلاقات الاجتماعية، رغم تواضع رصيدها من التعليم. وقد نجح معظم هؤلاء الأعضاء السابقين في منظمات الكفاح من أجل الاستقلال، في تقلُّد المناصب التي كانوا يطمحون إليها، ألا وهي تلك التي تتشكل منها مؤسسات الحكم في البلاد مثل الحكومات وإدارة حزب جبهة التحرير الوطنية وأعلى تنظيمات الجيش وكبرى الهيئات الدبلوماسية…إلخ. كما تم منح بعض الشخصيات العديد من المناصب الكبرى في المؤسسات الإدارية والاقتصادية، انطلاقاً من مركزهم السياسي، لا من مؤهلاتهم الجامعية أو خبرتهم المهنية.
لقد شهدت بعض السُبل الأخرى لدخول وسط النُخبة تطوراً تدريجياً انبثق من اتساع وتدعيم الهياكل الإدارية وهياكل القطاع العام في المجال الاقتصادي. فعملية الارتقاء في هذه المجالات وبلوغ مستويات إدارية أعلى تستند بشكل كبير على مستوى وطبيعة التأهيل المُكتسب بالإضافة إلى بعض القدرات الأخرى. وشيئاً فشيئاً، صار على عاتق عدد كبير من حملة الشهادات الجامعية في مختلف التخصصات كالقانون والاقتصاد والاجتماع والهندسة بفروعها المختلفة…إلخ، تولي مسئولية إدارة وحدات إدارية واقتصادية واسعة النطاق. ويحظى أصحاب هذه المناصب العليا وفقاً للتسلسل الوظيفي الإداري أو الاقتصادي بمكاسب مادية معقولة في أغلب الأحيان، لكنهم يتمكنون على الأخص من تكوين رصيد هائل من العلاقات الاجتماعية التي تفتح أمامهم آفاق بلوغ وسط النُخبة.
وهكذا، يتكون سريعاً داخل وسط النُخبة ذاته نوعاً من الطبقية التي ترسخ بشكل واضح، وتبدأ في إرساء بُنيان العلاقات التي تربط بين أفراد مجموعات هذا الوسط، انطلاقاً من وظيفة كل منهم والمركز الذي يشغله.
يمثِّل النظام الحاكم بوجه خاص إحدى الطرق الفعَّالة للارتقاء داخل بُنيان وسط النُخبة؛ فهذا النظام ظل طويلاً انعكاساً مُصغراً لعالم النُخبة، نظراً لما شهده من وجود متزامن لفئتين من الوزراء: إحداهما تمثِّل القطب المُسيطر على الوسط السياسي، والأخرى تشمل الوزراء الذين ارتقوا في مناصب الإدارات العليا أو إدارات كبرى هيئات القطاع العام الاقتصادية. ويبدو أن بعض الأوساط الأخرى قد شهدت تكرار وجود مثل هاتين الفئتين من صفوة رجال السياسة، وذلك وفقاً لأفكار منطقية تتسم بقدر من الوضوح النسبي.
ويبدو أن دخول عالم النُخبة عن طريق الحزب الواحد قد أسفر طويلاً عن بلوغ مراكز في الوسط السياسي تقل في مكانتها عن تلك التي بلغها من سلك طريق الجيش. إلا أنه يجب الإشارة إلى التقاء هذين الطريقين عند بعض مكونات رؤوس الأموال التي يستند عليها كل منهما في سبيله إلى وسط النُخبة؛ فالجيش والحزب هما أكثر المُستفيدين والمنتفعين برصيد الشرعية المنبثقة عن حركة كفاح التحرير الوطني. وينعكس الحجم الهائل لسلطة الجيش الحقيقية أو المُمكنة على مختلف مستويات الواقع الاجتماعي، من خلال تفوق الثقَّل الذي يحظى به رجال الجيش على ذلك الذي يتمتع به رجال الحزب في الوسط السياسي.
ويحتل المجال السياسي، في وسط النُخبة، بهيكله الثلاثي مركزاً شديد السيطرة بالنسبة لغيره من فئات النُخب الأخرى. وقد كان هذا الأمر ينطبق كذلك حتى نهاية الثمانينات على نُخبة المُثقفين من الجامعيين والفنانين وأهم رؤساء المؤسسات الخاصة أو أكبر مستثمري القطاع الخاص وغيرهم. وإزاء هذا المحور المركزي من صفوة السياسيين، لم يجد صفوة المجالات الأخرى أمامهم سوى الاكتفاء إلى حد ما بمكانتهم الثانوية.
ويمكن أن يقترب جزء من نفس الفئة المصطفاة من المستويات العليا لوسط النُخبة الكلي من دون الجزء الآخر. فنجد على سبيل المثال من بين نُخبة الجامعيين، تفوُّق أساتذة الطب على أساتذة الأدب من حيث اقترابهم من أعلى مستويات النُخب.
وفيما يخص أساتذة الأدب، يجب علينا التمييز بين نوعية رؤوس الأموال التي يمتلكها كل من المستعربين والمتفرنسين، وكذلك بين مختلف الاستراتيجيات التي يطبقونها في علاقاتهم بوسط النُخبة.
ويمكن اعتبار حركات الكفاح التي قادها المفكرون المستعربون، خلال عقدي السبعينيات والثمانينات، بمثابة جهود واعية أو غير واعية تهدف إلى الوصول برأس المال الذي يحملونه إلى أعلى درجات التقييم الاجتماعي الممكنة، ويتمثل أحد المكونات الأساسية لرأس المال هذا في معرفتهم باللغة العربية على وجه التحديد. وينطوي هذا التقييم على كسب عدد من المنافع المادية والرمزية المتوقعة، مع تفضيل بعضها على البعض الآخر وفقاً لتدرج المستويات التي تنجح تلك الفئة من رجال الفكر في بلوغها. ومن بين هؤلاء، كان هناك من يحق له التطلع إلى الانضمام لقيادات الحزب أو الحكومة، والدخول بالتالي إلى وسط النُخبة أو الاقتراب منه ، شريطة امتلاك رصيد كبير من الاشتراك في الحركة الوطنية، مهما صغر أو كبر الدور الذي اضطلع به، والاشتراك في التحرير الوطني، والحصول على عدد من الألقاب الجامعية الرسمية رفيعة المستوى، والوجود بصورة كبيرة في وسائل الإعلام، مع امتلاك رصيد من العلاقات الاجتماعية الهامة.
ويبدو أن تنوع سُبل الدخول إلى وسط النُخبة يرتبط بشدة بنوع رأس المال الذي تستند عليه عملية الدخول في هذا الوسط، فنوعية رأس المال تحدد أي المراكز يمكن شغلها داخل جماعات النُخب التي تتعدد مراتبها وتتنافس فيما بينها مع اختلاف حدة هذا التنافس. وقد كان من الممكن التحقق تجريبياً من هذه الملاحظة، عن طريق إجراء بعض الدراسات كدراسة مسيرة الأفراد داخل وسط النُخبة، ولا سيما صفوة السياسيين وكبار قادة كبرى مؤسسات قطاع الدولة مثل SONATRACH و SIDER وغيرهما من المؤسسات الأخرى. وبلا شك كنا سنكتشف آنذاك ظهور بعض الحواجز التي لا يمكن أن يتخطاها هؤلاء الأشخاص عند ارتقائهم في قلب مجتمع النُخب.
إن مختلف أنواع رؤوس الأموال التي كان يتمكن الأفراد والجماعات من تكوينها أو توارثها في المجتمع الجزائري، كأحد نواتج كيان تاريخي أو بُنيان هيكلي اجتماعي واقتصادي، لم تكن تتساوى خلال السبعينيات والثمانينات من حيث قيمتها الاجتماعية، ولم تكن تشكل سوى نادراً أساساً تستند عليه عملية الوصول إلى وسط النُخبة.
وهناك مدلول واضح للوضع القائم على وجود جماعة مُسيطرة على المجتمع الفكري والجامعي والفني بالجزائر. فقد تجمعت العديد من العوامل من أجل الحد من القيمة الاجتماعية لرأس مالها العيني، ومن ثمَّ إضعاف وضع أبرز ممثليها داخل وسط النُخبة. وهكذا، يبدو الموقف داخل هذا الوسط مرهوناً بالثقل الاجتماعي الحقيقي للوسط العيني الذي ننتمي إليه، والذي يتمثل في جمهور "المستهلكين" الحقيقيين أو المُفترضين للإنتاج الفكري والذين صار عددهم محدوداً نتيجة لبعض الأسباب التاريخية، مما أسفر بالتالي عن الحد من ثقلهم الاجتماعي. ومن ثمَّ، فإن الانضمام إلى مؤسسات أو منظمات سياسية أو اقتصادية أو إدارية هو السبيل الوحيد أمام فئة المفكرين لدخول وسط النُخبة على الصعيد المحلي، وامتلاك سلطة ذات تأثير واضح داخل هذا الوسط. إلا أنه قد ذاع صيت العديد من المفكرين والفنانين باعتبارهم من المعارضين داخل ما يمكن أن نطلق عليه اسم وسط النُخبة المضاد. ومن هذا المنطلق، يمكننا إعادة النظر في مسيرة حياة عدد من الشخصيات مثل مولود مامري وكاتب ياسين ومالك حداد الذي تقلَّد منصباً كبيراً بعد مرور وقت طويل، وكذلك رشيد ميموني وعبد الله مازوني…إلخ. وتحمل مسيرة كل واحد من هذه الشخصيات دلالات واضحة تنعكس من خلال سماتهم المشتركة وما تنطوي عليه حياتهم من مختلف أشكال مقاومة التسلط.
إن طريقة تكوين وسط النُخبة وشروط الانضمام إليه كانت حتى نهاية الثمانينات سبباً في إضعاف كيان النُخب المحلية. وإن حكم البلاد السياسي والإداري والاقتصادي وفقاً للنظام الرأسي الطبقي المركزي قد حدَّ من تكوين عناصر ديناميكية محلية على المستوى الأفقي، مما قلل بالتالي من إمكانية تكوين أنواعاً هامة من رؤوس الأموال على الصعيد المحلي. ومهما بلغت القيمة "المطلقة" للمال هذا على المستوى المحلي، فإنها تنخفض بالقطع بمجرد تواجدها أمام رؤوس الأموال التي يمتلكها صفوة المستوى المركزي، وهو ما لا يمكن تجنب حدوثه بأي حال من الأحوال.
وقد أوضح إبراهيم صالحي في نص موضوعه حول تطور كوادر ونُخب ولاية تيزي أوزو، أنه بعد مرور حوالي عشر سنوات لم يشهد خلالها هذا الإقليم ظهور صفوة محلية لها أهمية تُذكر، حيث لم يكن يمتلك بعد هياكل التأهيل والتوظيف اللازمة للوظائف رفيعة المستوى، تبدَّل الحال بحلول منتصف السبعينيات، حينما أسفر بوجه خاص تشكيل قطاع عام صناعي وإنشاء منشآت جامعية عن تجمع عدد من الكوادر عالية المستوى والذين ترجع أصولهم في معظم الأحيان إلى تلك الولاية. إلا أنه من الملاحظ أن تشكيل هذه النُخبة لم يكن أمراً ذاتياً، لأنه كان مرهوناً للغاية بالقرارات الاقتصادية والإدارية التي يتم اتخاذها داخل قيادات البلاد الرئيسية. ولا جرم أن تقييم الثقل الاجتماعي لأفراد تلك النُخبة المحلية، ولا سيما من أجل الحكم على قدرتهم اللازمة لإدخال جزء منهم في وسط نُخبة البلاد بأكملها، يستلزم التعرض لعناصر تشكيل هذا الكيان مثل رؤساء القطاع الخاص وكبار التجَّار ووجهاء المهن الحرة أو المؤسسات التقليدية كالجمعيات الدينية والزوايا وقيادات الحزب المحلية…إلخ، والتطرق كذلك إلى مختلف أنواع رؤوس الأموال التي يمكن بأي شكل من الأشكال إشراك الآخرين فيها.
ورغم تنوع الطرق التي أتاحت حتى نهاية الثمانينات لبعض الأشخاص الذين يملكون رؤوس أموال اجتماعية معينة، شغل مواقع محددة داخل وسط النُخبة، فقد سادت حالة استقرار نسبي ارتبطت بمرحلة تكوين هذا الوسط. وقد امتد هذا الاستقرار ليشمل في الأساس طبيعة الطرق المؤدية إلى وسط النُخبة والشروط الاجتماعية اللازمة لدخوله.
منذ نهاية الستينيات، تم تشكيل مكونات عالم النُخبة ووضع هيكل العلاقات التي تربط بين مختلف عناصره وتحقيق استقرارها النسبي، فقد شهد هذا العالم مرحلة تكوين طويلة نسبياً تم خلالها إرساء بعض العادات اليومية وترسيخ الأوضاع بين أفراده أو ما يشبه "العرف" في تعامل الأفراد مع بعضهم البعض والارتباط بعلاقات مصاهرة من أجل زيادة الفاعلية الاجتماعية للرصيد الاجتماعي للعائلات المعنية، وما إلى ذلك من أمور أخرى أدت إلى استحداث قواعد غير معلنة سادت نشاط هذا العالم. واتسمت فترة الاستقرار بقدر من الطول أتاح حدوث تطور تدريجي على الصعيد الاجتماعي. وقد تزخر دراسة الاستراتيجيات المدرسية التي وضعها أفراد ينتمون لمختلف أجزاء مجتمع النُخبة لصالح أبنائهم، بعدد من الاكتشافات ليس فحسب حول فشل أو نجاح هذه الاستراتيجيات، ولكن أيضاً حول الصلة التي تربط بين نوع رأس المال الذي يمتلكه الآباء وبين الخصائص الثقافية أو بالأحرى الخصائص النفسية التربوية للاستثمارات التعليمية التي يلجأ إليها الآباء من أجل تحقيق صالح أبنائهم.

هل التغيرات التي طرأت على وسط النُخبة بعد عام 1988 هي تغيرات هيكلية أم وضعية؟

هل أسفرت التغيرات المؤسسية والاقتصادية التي وقعت تدريجياً خلال عقد الثمانينات عن حدوث تعديلات هامة في شروط الانضمام إلى وسط النُخبة، أو في تكوين هذا الوسط، أو بالأخص في هيكل العلاقات التي تربط بين مختلف عناصره، أو كذلك في علاقة هذا الوسط بغيره من الأوساط الاجتماعية الأخرى؟
يمكننا على أقل تقدير تناول أربعة مجالات شهدت تغيرات أسهمت أو من شأنها الإسهام في إحداث تعديلات لا في تكوين وسط النُخبة فحسب، بل في بُنيانه الهيكلي بأكمله. وتنحصر هذه المجالات في التعددية الحزبية وتدهور القطاع العام في النواحي الاقتصادية وصعود الصحافة الخاصة، بالإضافة إلى ما ترتب على إعلاء قيمة بعض أنواع رؤوس الأموال وانخفاض قيمة البعض الآخر، نتيجة لتطورات العولمة الاقتصادية والثقافية.
إن التخلي عن نظام الحزب الواحد وغيره من الأمور الأخرى قد أتاح إمكانية إرساء سبل جديدة للدخول في وسط النُخبة الذي يمكن بلوغه بواسطة المجال السياسي. وبعبارة أخرى، صار على ما يبدو من الممكن حشد بعض أنواع رؤوس الأموال التي كان يصعب تقديرها تحت النظام القديم، من أجل الشروع في عملية الارتقاء الواعدة. ومن بين رؤوس الأموال التي يبدو أنه قد تم استغلالها إلى حد ما، يمكننا أن نذكر على سبيل المثال امتلاك شبكة ثرية من العلاقات الاجتماعية نتيجة لممارسة إحدى المهن الحرة، أو امتلاك ثروة هائلة نسبياً، أو كذلك إعادة إحياء تاريخ سياسي تعرض للقمع والاحتجاب خلف منطق الحزب الواحد، أو الإيفاء إلى أشكال متنوعة من الارتباط بالإسلام مثل تلك التي تتصل بالحركة الإسلامية المعاصرة، أو التمسك بالهياكل الدينية التقليدية…إلخ. ونحن نعلم جيداً أنه عقب فترة انتشاء، ظهر خلالها عدد كبير من الأحزاب، سرعان ما انخفض بشدة عدد تلك التي تمكنت من الحفاظ على وجودها الرسمي. ولا نمتلك للأسف أية تحليلات للمدلولات الاجتماعية لظاهرة ظهور العديد من الأحزاب عند بداية الثمانينات، ثم انخفاض عددها بشكل سريع. إلا أنها قد أدت في نهاية الأمر إلى بث روح جديدة أو إحداث اتساع محدود للغاية داخل طبقة ووسط نُخبة السياسيين الجزائريين. لكن كل الظواهر تشير إلى غلبة الاتجاهات المحافظة لنُخبة السياسيين على الاتجاهات المُجددة، ولا سيما فيما يخص إفراز عناصر جديدة من داخل الكيان الاجتماعي لهذه النُخبة.
وعلاوة على ذلك، يبدو أن الطريق الاقتصادي لبلوغ وسط النُخبة قد شهد تغيرات هائلة. ولم تعد المنشآت العامة في ذات الإطار الذي وجَّه العديد من الأشخاص بداية من الحصول على أعلى الشهادات الجامعية كشهادات كبرى المدارس الفرنسية، ثم تولي إدارة إحدى الشركات الاقتصادية الهامة، وأخيراً دخول المجال السياسي من خلال تقلُّد إحدى الوظائف الوزارية في أغلب الأحيان. وهكذا، يتكون سبيلاً فرعياً آخر تزداد فاعليته في بلوغ وسط النُخبة ويحظى بتعزيز قطاع الاقتصاد الخاص.
لقد ازداد عدد الأشخاص الذين أخذ رأس مالهم الاقتصادي في الازدياد خلال العشر سنوات الأخيرة، بل وازداد أيضاً رصيدهم من العلاقات الاجتماعية. ورغم أن التمثيل المباشر والواضح لتلك الفئة من النُخب ما زال محدوداً في المجال السياسي ، فإن كل الظواهر تؤكد ما تتمتع به من تأثير هائل على هذا المجال بشكل غير مباشر. وقد يتعين علينا متابعة العمليات المختلفة التي تُضاف بموجبها أنواع أخرى من رؤوس الأموال إلى رأس المال الاقتصادي. وعلى سبيل المثال، ما هي الاستراتيجيات التي يتبناها هؤلاء الأشخاص في تعليم أبنائهم المدرسي أو في عملية تربيتهم بأكملها؟ وهل تهدف هذه الاستراتيجيات في الأساس إلى إخضاع رأس المال هذا لبعض العمليات التحويلية، أم أنها تنطوي أيضاً على الرغبة في إنجاح مشروع تحديث كيفية إدارة رأس المال الاقتصادي المتراكم؟
لقد أسفرت غلبة القطاع الخاص على القطاع العام في المجال الاقتصادي عن "هجرة" الكوادر إليه. ويختفي إلى حد ما الكم الهائل لتلك الكوادر وراء ستار نظام الإحالة على المعاش الذي تنتفع به الكوادر الإدارية والاقتصادية بل وكوادر الجيش؛ فهذا النظام يتيح لهم مغادرة القطاع العام في وقت مبكر نسبياً يسمح للبعض منهم بالانضمام إلى القطاع الخاص.
لكن يبدو أن القطاع الخاص الاقتصادي لا يتسم بنفس فاعلية القطاع العام كسبيل لدخول الكوادر العليا في وسط النُخب. إلا أنه قد يتعين علينا ملاحظة الأشكال المتعددة لعلاقات التعارف الداخلي والتحالف وتوزيع أعمال تدعيم مختلف رؤوس الأموال وغيرها من العلاقات الأخرى التي تجد طريقها إلى حيز الوجود بدون أي نوع من أنواع الدعاية، مما يحول دون ظهورها بجلاء أمام الجميع، ولا سيما أنها نتاج ممارسات عملية تتولد عن أوضاع ملموسة، أكثر من كونها تعتمد على استراتيجيات مُعدة سلفاً لأهداف مُحددة.
ويمتد كذلك تأثير نمو القطاع الخاص في مجال الاقتصاد إلى وسائل الإعلام، ولا سيما الصحافة المقروءة. فقد اكتسبت مجموعات رئاسة الصحف اليومية الخاصة قدرة خاصة اكتسبوها من مخاطبة أعداد كبيرة من القراء، مما أهَّلَهم إلى امتلاك قوة متزايدة سمحت لهم نوعاً ما بدخول الوسط السياسي، ثم اجتيازه كطريق لبلوغ وسط النُخبة. وقد استندت هذه القوة الهائلة على رأس مال مستقل نسبياً عن هياكل الدولة، مما يوضح التشابه بين وضع رؤساء المؤسسات الاقتصادية الخاصة داخل وسط النُخب من جهة وبين وضع رؤساء كبرى الصحف اليومية من جهة أخرى.
ترتبط مختلف الشخصيات والمجموعات التي يتشكل منها وسط النُخبة في الجزائر بمجموعة من علاقات التبعية التي تحدد الاستراتيجيات الخاصة بكل هؤلاء، والتي تهدف إلى الدفاع عن المواقع التي تم بلوغها والعمل على تعزيزها، أو تهدف كذلك إلى بلوغ مراتب أعلى في بُنيان هذا الوسط من خلال زيادة فاعلية مختلف مكونات رؤوس الأموال التي يمتلكها كل منهم مثل شبكة العلاقات العامة وعلاقات المصاهرة وتنمية رؤوس أموالهم من الممتلكات المادية والرمزية…إلخ.
ومن أجل إظهار نوعية آليات الدخول في وسط النُخبة، ثم آليات الدفاع عن المواقع المُكتسبة وتعزيزها، يجب التحقق من دراسة المسارات النموذجية لبعض الجماعات أو الأشخاص الذين تمكنوا من الربط بشكل متبادل بين بعض المتغيرات مثل درجة الأقدمية في هذا الوسط والمواقع التي مازالوا يشغلونها والوضع الاجتماعي للأشخاص المعنيين وأفراد أسرهم وأشكال تحويل رأس المال…إلخ. وما هي العلاقات التي تربط بوجه خاص بين قدامى أعضاء وسط النُخب والأعضاء الجدد الذين انتفعوا بالتغييرات التي طرأت على شروط الانضمام إلى هذا الوسط عقب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها الجزائر منذ ما يقرب من عقد من الزمان؟
إن بعض التغيرات التي طرأت على شروط دخول وسط النُخب وعلى قواعد اللعبة التي يمارسها زعماء أو محركو هذا النظام، قد تعرضت بدرجات متفاوتة لتأثير الانفتاح بصورة أكبر على الديناميكيات الاقتصادية والثقافية الدولية والتي أحاطت بالجزائر من كل جانب. وحسبنا النظر إلى نتائج "الانفتاح الاقتصادي والإعلامي" على قيمة رأس المال المتمثل في معرفة اللغة العربية التي كانت تُعد طويلاً كأحد العناصر الأساسية في استراتيجيات المفكرين أو المثقفين حول التأهيل المستعرب بصفة أساسية. إلا أننا نلاحظ أنه يتعين على شباب الخريجين من حملة المؤهلات العليا الاتجاه أكثر نحو القطاع الخاص من أجل إيجاد وظائف، وهذا القطاع يتكون من مؤسسات ذات علاقات قوية بالاقتصاد العالمي الذي يدعوها إلى توطيد صلتها به.
وأخيراً، نأمل في زيادة إجراء الدراسات الوافية حول الجوانب الاجتماعية والاجتماعية التاريخية الخاصة بمختلف فئات وسط النُخبة؛ حيث نعتقد أن تلك الدراسات قد تنجح أثناء إجرائها أو عند تحليل النتائج التي توصلت إليها في الاستناد على معرفة شديدة الدقة لهيكل وديناميكية العلاقات التي تربط بين مختلف جماعات وأفراد وسط النُخب.



الهـوامـش

P.Bourdieu et J.C.Passeron, La Reproduction, Editions de Minuit, Paris, 1970, p.113.
إن الفوائد العلمية والمنهجية لدراسة النُخبة، انطلاقاً من الوسط المحيط بهم، تكمن بوجه خاص في كون تلك الدراسة تفرض نوعاً من المعالجة التي تستند على العلاقات بين الأفراد، ولا تستلزم فحسب تناول طبيعة نوع رؤوس الأموال التي أتاحت الدخول في هذا الوسط، بل تمتد إلى دراسة القيمة النسبية لها والصراعات الشعورية واللاشعورية التي تهدف إلى زيادة قيمتها.
أسفر اختلاف أسلوب كبار كوادر الجيش عن وجود منافسة شديدة بين أتباع أركان حرب ولايات جيش التحرير الوطني ALN من جهة، وبين الذين تلقوا تأهيلاً حديثاً في مختلف مؤسسات التأهيل العسكري بالعديد من البلدان من جهة أخرى، إلا أن هذه المنافسة قد انتهت بغلبة المجموعة الثانية (cf. Mahfoud Bennoune) .
ارتفع تدريجياً وبشكل بطيء نسبياً مستوى تعليم الكوادر العليا الجزائرية منذ عام 1962. في عام 1963،كان 20% من الكوادر العليا من غير المتعلمين، و30% منهم لم يتلقوا سوى التعليم الابتدائي، ولم يصل سوى 11% منهم فحسب على تعليم عال. بينــما فـي عــــام 1980، تحــوَّلت الـ20% إلى 0.4% والـ30% إلى 20.6% وارتفعت الـ11% إلى 57.4% (cf, M’hamed Boukhobza, Ruptures et transformations sociales en Algérie,OPU, Alger, 1989, 2T, volume I ).
Cf. Haddab Mustaph, Les intellectuels et le statut des langues en Algérie, thèse d’Etat, Paris VII,1993
يجب بلا شك اعتبار تلك الحركات النضالية الموجهة إلى إعلاء القيمة الاجتماعية للرصيد المُكتسب السبب فيما نُسب، على خلاف الواقع، من ثقل سياسي هائل لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ولنشاطاتها وقدرتها على التعبئة للكفاح من أجل تحرير الوطن. وإن المكانة الاجتماعية التي حظي بها عدد كبير من أساتذة الجامعة المستعربين الذين انضموا إلى تلك الجماعة أو اقتربوا منها كانت تستند إلى حد ما على القيمة الرمزية التي اكتسبها هذا التنظيم. وقد حاولنا من خلال ما ذكرناه أعلاه التأكيد على أنه رغم عدم تمكُّن هذه الجمعية من الحفاظ على وجودها الرسمي عقب الاستقلال، فإنها استمرت في كونها شبكة كبيرة تقوم على التكافل والتضامن ولها نشاط هائل شديد التأثير في العديد القطاعات المختلفة كالتعليم والإعلام والنشر والشئون الدينية وغيرها من القطاعات الأخرى، مما أتاح للعديد من أعضاء هذه الجمعية تقلُّد مراكز مؤثرة في وسط النُخبة. ويتعين علينا التعمُّق في تحليل ودراسة مسيرة العديد من هؤلاء الأشخاص مثل أحمد طالب ومحمد طالبي وعبد الرحمن شيبان وزهور أونيسي على سبيل المثال.
يمكننا بهذا الصدد على سبيل المثال الاطلاع على التحليل الذي عرض له محمد عشماوي بشأن مسيرة ابن أحد قدامى ضباط جيش التحرير الوطني بإحدى الولايات شبه الصحراوية، لأنه حظي برصيد اجتماعي كبير هو حصيلة نفوذ والده وشبكة علاقاته الاجتماعية بالإضافة إلى حصوله على مؤهل جامعي متميز وبعض الخبرة بمجال الأعمال، وهو رأس مال يتيح له البدء في عمله كنائب سياسي (Mohamed Hachemaoui, Le député: agent de la médiation clientélaire, Colloque de Timimoun, du 20 au 25 mars 2002).
Brahim Salhi : Elites entre modernisation et retraditionnalistion…, Colloque de Timimoun, mars, 2002.
للشروع في تحليل العلاقة بين تطور وضع كبرى المدارس الجزائرية وأصل كوادر إدارة الهيئات الاقتصادية والإدارية، يتم الرجوع إلى Haddab Mustapha, L’évolution du statut des cadres en Algérie et ses effets sur les institutions de formation, in Actes du colloque de Stockholm, du 24 ou 25 septembre 1993 sur les élites: formation, reconversion, internationalisation.

spisos
09-04-2009, 15:15
تابع إلى seliman45:

أخي الكريم هذه بعض المواد إقتبستها من دستور 1976:


الباب الثاني
السلطة و تنظيمها

الفصل الأول
الوظيفة السياسية

المادة 94 : يقوم النظام التأسيسي الجزائري على مبدأ الحزب الواحد.
المادة 95 : جبهة التحرير الوطني هي الحزب الواحد في البلاد.
جبهة التحرير الوطني هي الطليعة المؤلفة من المواطنين الأكثر وعيا، الذين تحدوهم المثل العليا للوطنية و الاشتراكية، و الذين يتحدون بكل حرية ضمنها، طبقا للشروط المنصوص عليها في القوانين الأساسية للحزب.
مناضلو الحزب المختارون على الخصوص من بين العمال، و الفلاحين و الشباب، يصبون إلى تحقيق هدف واحد و إلى مواصلة عمل واحد غايته القصوى انتصار الاشتراكية.
المادة 96 : مؤسسات الحزب و كيفية تسييرها محددة بالقوانين الأساسية لجبهة التحرير الوطني.
المادة 97 : جبهة التحرير الوطني هي القـــوة الطلائــعيــة لقيــادة الشعب و تنظيمه من أجل تجسيم أهداف الثورة الاشتراكية.
تشكل جبهة التحرير الوطني دليل الثورة الاشتراكية و القوة المسيرة للمجتمع. و هــي أداة الـثــورة الاشتراكية في مــجـالات الــقـيـادة و التخطيط و التنشيط.
تسهر جبهة التحرير الوطني على التعبئة الدائمة للشعب، و ذلك بالتربية العقائدية للجماهير و تنظيمها و تأطيرها من أجل تشييد المجتمع الاشتراكي.
المادة 98 : تتجسد قيادة البلاد في وحدة القيادة السياسية للحزب و الدولة.
و في إطار هذه الوحدة، فإن قيادة الحزب هي التي توجه السياسة العامة للبلاد.
المادة 99 : ترتكز المؤسسات السياسية المنتخبة، في جميع المستويات، على مبدأ الجماعية في المداولة، و الأغلبية في القرار، و الوحدة في التنفيذ.
يتطلب تطبيق هذا المبدأ، على نطاق المؤسسات الحزبية، الوحدة في العقيدة و الإرادة، و الانسجام في العمل.
المادة 100 : المنظمات الجماهيرية، بإشراف الحزب و مراقبته، مكلفة بتعبئة أوسع فئات الشعب لتحقيق كبريات المهام السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي تتوقف عليها تنمية البلاد و النجاح في بناء الاشتراكية.
المــنـظمات الجــمــاهيرية مكلفة، دون غيرها، بمهمة تنظيم العمال و الفلاحين و الشباب و النــسـاء، و العمل على تعميق وعيهم لمسئولياتهم و للدور المتعاظم الذي يجب أن يضطلعوا به في بناء الوطن.
المادة 101 : تعمل أجهزة الحزب و أجهزة الـــدولة في إطــارين منــفصلين و بوسائل مختلفة من أجل تحقيق أهداف واحدة.
لا يمكن أن تتداخل اختصاصات كل منهما أو تختلط ببعضها.
يقوم التنظيم السياسي للبلاد على التكامل في المهام بين أجهزة الحزب و أجهزة الدولة.
المادة 102 : الوظائف الحاسمة في الدولة تسند إلى أعضاء من قيادة الحزب.
المادة 103 : العلاقات بيت أجهزة الحزب و أجهزة الدولة خاضعة لأحكام الدستور.

chahi31
09-04-2009, 15:27
السلام عليكم
أرجوا المساعدة في بحت أنواع الوتائق العلمية ليوم السبت
شكرا

amira23
09-04-2009, 15:33
مدرسة العلاقات الإنسانية

ظهرت مدرسة العلاقات الإنسانية (Human relations school) "1930م-1970م" كرد فعل للنظريات الكلاسيكية الثلاث, وهي البيروقراطية والإدارة العلمية والتقسيم الإداري, والتي افترضت أن الحوافز المادية هي ما يهم العاملين وبالتالي إهمالها العوامل الاجتماعية والإنسانية, وهذا النوع من الفكر الإداري -التقليدي – ساد خلال مرحلة من مراحل تطور علاقات العمل, كان يسيطر عليها الفكر التنظيمي العلمي الذي يهتم بترشيد الأساليب والطرق والهيكل التنظيمي أكثر مما يهتم بالعنصر البشري.
والعلاقات الإنسانية هي ذلك النوع من علاقات العمل الذي يهتم بالجوانب الإنسانية والاجتماعية في المنظمة. وهي بذلك تستهدف الوصول بالعاملين إلى أفضل إنتاج في ظل أفضل ما يمكن أن يؤثر على الفرد من عوامل نفسية ومعنوية, باعتباره إنساناً وجدانياً وانفعالياً أكثر منه رشيداً ومنطقياً.
ومن الإعتبارات التي ساعدت على ظهور مدرسة العلاقات الإنسانية:
1- ظهور الحركة النقابية وتزايد قوتها مما أدى إلى ظهور مشكلات جديدة في العمل, ومن ثم رأي الإداريون أن قوة الحركة النقابية كانت نتيجة لفشلهم في توفير مناخ مناسب من العلاقات الإنسانية وحاولوا العمل على تصحيح هذا الوضع.
2- زيادة ثقافة العمال مما جعلهم يدركون مشكلات العمل, ويطالبون بقيادة إدارية أفضل, ويستجيبون للطرق المستخدمة في العلاقات الإنسانية مثل المشاركة في إتخاذ القرارات.
3- كبر حجم المشروعات أدى إلى ظهور مشكلات إنسانية جديدة, إذ أصبح من العسير على الإداري الاتصال الشخصي بمعظم العاملين, مما أدى إلى ظهور الاتصالات والتنظيمات غير الرسمية.
4- ارتفاع مستوى المعيشة في المجتمع الحديث, مما أفسح المجال أمام الإدارة للتركيز على العوامل الإنسانية, خاصة وأنه قد تم إشباع الحاجات المادية الأساسية.
5- زيادة تكاليف عنصر العمل, مما جعل الإدارة تبذل جهدها للاستفادة القصوى من هذا العنصر, وكان ذلك هو الأساس الذي انطلق منه فريق البحث في تجارب هوثورن.



تجارب هوثورن ( 1924م – 1932م)

تعتبر محاولة إلتون مايو ( Elton Mayo) وأعوانه في التجارب المعروفة بإسم تجارب هوثورن والتي أجريت في شركة وسترن إليكتريك (Western Electric) بمصنع (Howthorne) بمدينة شيكاغو أولى المحاولات المكثفة لدراسة أثر العوامل المادية للعمل على الكفاية الإنتاجية للعاملين.
وقد بدأت هذه التجارب بمحاولة ترامي إلى اختبار العلاقة بين كثافة الإضاءة والكفاية الإنتاجية للعاملين. وجاءت النتائج غير متوقعة, مؤكدة وجود متغير جديد وهو الروح المعنوية للعمال ودرجة الانسجام والوئام القائمين بين المجموعة العاملة.
ولذا أجريت تجربة أخرى على متغير آخر ترمي إلى اختبار أثر الراحات ومدتها على الكفاية والإنتاجية, فتكررت النتائج غير المتوقعة التي تؤكد تأثر الإنتاجية أساساً بالحالة المعنوية للعمال, فأجريت تجربة ثالثة لإختبار أثر تغيير طريقة دفع الأجور على الكفاية الإنتاجية. وتكررت النتائج غير المتوقعة والتي تؤكد أن الإنتاجية ترتبط إيجابياً بالظروف الاجتماعية والنفسية للعاملين أكثر مما ترتبط بالتغييرات المادية التي تدخل على ظروف وأحوال العمال.
وقد توصلت تجارب هوثورن إلى النتائج التالية :
1- ميل الأفراد العاملين في وحدة إنتاجية واحدة إلى تكوين تنظيمات غير رسمية فيما بينهم.
2- تأثر تصرفات الأفراد داخل التنظيم بالإطار الذي ترسمه لهم الجماعة.
3- أن الحوافز المعنوية تقوم بدور حيوي في تحفيز الأفراد للعمل.
4- إن طاقة الفرد للعمل لا تتحدد طبقاً لطاقته الفسيولوجية وإنما أيضاً طبقاً لطاقته الاجتماعية من حيث شعوره بالرضا والتفاهم القائم بينه وبين رؤسائه من ناحية, ودرجة التعاون مع زملائه في العمل من ناحية أخرى.
5- دور القيادة غير الرسمية في التأثير على سلوك الأفراد داخل التنظيم من حيث تكوين الجماعات ونمط العلاقات بينهم.

وباختصار, فإن أبحاث وسترن إليكتريك تعد في الواقع بمثابة عودة التفكير السليم إلى علاقات العمل, ويرجع ذلك للأسباب التالية:
1- إن هذه التجارب قد أثرت الفكر الإداري بعدد من الفروض والآراء والأفكار التي أسهمت في دراسة وتفهم المواقف الإنسانية والسلوكية في محيط الأعمال.
2- أن هذه التجارب قد مهدت السبيل لظهور منهج جديد في التفكير, وهو المنهج السلوكي الذي يمكن من خلاله اكتشاف المشكلات الإنسانية المعقدة والتعرف على أساليب علاجها.
3- أن هذه التجارب قد ساعدت في إلقاء الضوء على المتطلبات الأساسية الواجب توافرها لخلق التعاون الفعال بين الإدارة والعمال, فالعمال ليسوا أفراداً منعزلين بعضهم عن بعض الآخر ولا يمكن النظر إليهم كوحدات متفرقة, فهم يشكلون جماعة واحدة, وبتعاونهم وتضافرهم وحماسهم في عملهم يتحقق الهدف الذي يسعى إليه التنظيم.
ومن هذا المنطلق, يتضح أن دراسة إلتون مايو تعتبر أول دراسة تعنى بالسلوك الإنساني في التنظيم, كما تعتبر في الوقت نفسه أولى المحاولات العلمية الجادة والعملية لتفسير أثر السلوك الجماعي على محيط العمل, وضرورة مراعاة الإدارة للعنصر البشري ليس فقط من النواحي المادية, وإنما أيضاً من النواحي النفسية والاجتماعية, فقد أسهمت هذه التجارب في نشر الاهتمام بالعلاقات الإنسانية في مجال العمل, مما أدى إلى كثير من أنواع التغيير في الممارسة الإدارية خلال الثلاثينات من هذا القرن, ومن الآثار العلمية نذكر ما يلي :
1- ظهرت لأول مرة إدارة مهمة في المشروعات تسمى " إدارة الأفراد والعلاقات الإنسانية" تتولى الاهتمام بحسن استخدام الموارد البشرية المتاحة والعمل على رفاهيتها وحل مشكلات العاملين, بل وصل الأمر إلى حد وجود أقسام للتحليل النفسي داخل هذه الإدارات.
2- بدأت الإدارة العامة والخاصة تعترف بحق العاملين في الحصول على إجازات سنوية وبدأت ساعات العمل الأسبوعية تنخفض تدريجياً حتى وصلت الآن إلى أربعين ساعة أسبوعياً في معظم دول العالم.
3- بدأ الاعتراف بحقوق العمال في الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية فتقررت وجبات العاملين "خاصة في المصانع والمناجم" وساعة للراحة وتقرر علاج العاملين مجاناً ورعايتهم صحياً والتأمين عليهم ..
4- بدأ تدريب الرؤساء والمشرفين على مراعاة أصول العلاقات الإنسانية والمعاملة الحسنة للعاملين معهم حتى ترتفع روحهم المعنوية وتزيد قابليتهم للتعاون.


يتضح مما سبق أن حركة العلاقات الإنسانية قد ملأت الكثير من الفجوات في المعرفة الإدارية, ورغم ذلك لم تسهم بالقدر الكافي في إيجاد نظرية للإدارة. فقد حذت حذو نظرية الإدارة العلمية في تركيز الجهود على المستويات التشغيلية في التنظيم أكثر من المستويات الوسطى أو العليا. وهو ما أدى إلى بعض المآخذ الخطيرة على أسلوب مدرسة العلاقات الإنسانية, والنتائج التي انتهت إليها, ومنها :
1- أن هذه المدرسة لم تقدم نظرية كاملة ولا شاملة لتفسير ظاهرة التنظيم والسلوم التنظيمي بل إنها ركزت اهتمامها على دراسة جانب واحد من جوانب التنظيم المتعددة وهو العنصر البشري, فالتنظيم عبارة عن وحدة اجتماعية مركبة يتفاعل فيها جماعات العمل الاجتماعية, وقد صورت مدرسة العلاقات الإنسانية تلك الجماعات الاجتماعية على أنها متماثلة ومتحدة الهدف والغاية. ولكن الواقع يشير إلى أنه حيث توجد بعض المصالح المشتركة بين جماعات العمل الاجتماعية من الناحية الاقتصادية مثلاً, فإن هناك أيضاً مصادر للاختلاف والتناقض بينها. ومن الجائز أن تتعاون تلك الجماعات في بعض مجالات العمل, إلا أنه من المستبعد تماماً أن تنصهر جميعاً وتصبح أسرة واحدة سعيدة كما يتخيل أنصار حركة العلاقات الإنسانية.
2- أن هذه المدرسة تفترض وجود تناقض واضح بين مصالح مجموعتين من أعضاء التنظيم وهما مجموعة العمال ومجموعة الإداريين, بينما تقتضي تحقيق أهداف التنظيم التكامل بين هاتين المجموعتين.
3- أن تركيز نظريات العلاقات الإنسانية على أن إنشاء جماعات العمل وإتاحة الفرصة لها للتفاعل يجعل جو العمل أكثر ملائمة للعامل, ولكن ذلك بالقطن لن يقلل من جهد العامل في عمله أو يغير من طبيعة العمل الذي يقوم به, فتلك أمور موضوعية لن تتأثر بالجوانب الاجتماعية للعمل. بل إن التجارب أثبتت أن جماعة العمل الأكثر سعادة ليس بالضرورة أكثر إنتاجية.
4- أن حركة العلاقات الإنسانية بتركيزها على جماعات العمل باعتبارها عائلة سعيدة وبأن المصنع أو مكان العمل هو مصدر الرضا الأساسي للعامل إنما تتغافل عن واقع التفاعل الاجتماعي للأفراد والجماعات وما يحتويه من تصارع وتنافس ومحاولة للسيطرة والتسلط, وبالتالي فإنها تعطي تصويراً خاطئاً للتنظيمات الفعلية. وأكثر من هذا أن الصراع الإنساني في تنظيمات العمل قد يعتبر مصدراً للتجديد والابتكار والإبداع حيث يحاول كل عضو أن يتميز على الآخرين, كما أن الصراع بين الإدارة والنقابات كان عاملاً حاسماً في سبيل التطوير الفني والإنتاجي كما كان عاملاً أساسياً في تحسين أحوال العمال. وبذلك فإن الصراع الذي تعتبره مدرسة العلاقات الإنسانية أمراً غير مقبول قد يمثل في الواقع متغيراً أساسياً من المتغيرات المحددة لكفاءة ونجاح العمل التنظيمي.
5- أن حركة العلاقات الإنسانية في تركيزها على دراسة التنظيم غير الرسمي تغفل أهمية التنظيم الرسمي ولا توضح أثره في تشكيل سلوك أعضاء التنظيم.
6- أن حركة العلاقات الإنسانية إذ تركز على الحوافز والمكافآت غير المادية إنما تتجاهل أثر الحوافز المادية وهي بذلك تفقد عنصراً مهماً من عناصر تفسير السلوك الإنساني في تنظيمات العمل.

ومما هو جدير بالذكر أن دراسة إلتون مايو قد فتحت الطريق أمام العلماء والباحثين الاجتماعيين والسلوكيين والإداريين إلى مزيد من الدراسات العلمية التجريبية لمعرفة آثار الممارسات الإدارية المتخلفة على العنصر البشري.
ولكن البعض يرى, أن مدرسة العلاقات الإنسانية جاءت كرد فعل للمدرسة الكلاسيكية في الإدارة والتي ركزت فقط على الإنتاجية, وأغفلت العامل الإنساني, فهي إذن نتيجة منطقية لسلبيات نظرية البيروقراطية والإدارة العلمية وهي أيضاً نمو طبيعي في الفكر الإداري لا يكتمل إلا به. فبينما تركز النظرية البيروقراطية ونظريات التقسيم الإداري على الجانب الهيكلي, وتركز المدرسة العلمية على الجانب الإجرائي, فإن مدرسة العلاقات الإنسانية تركز على جانب مهم ومكمل للجوانب الأخرى وهو الإنسان, وبذلك تعتبر هذه المدرسة إضافة جديدة وليست بديلاً للمدارس التي سبقتها.

spisos
09-04-2009, 15:34
رد إلى مريومة 87:



الليبرالية

التي نسعى لها



كانت الليبرالية ولا تزال تعكس آمال الطبقات المتوسطة الصاعدة التي تتضارب مصالحها مع السلطة الملكية المطلقة والأرستقراطية من ملاك الأراضي، وكانت الأفكار الليبرالية أفكارا جذرية تسعى إلى الإصلاح الجذري وفي بعض الأوقات إلى التغيير الثوري. فالثورة الإنجليزية في القرن 17 والثورات الأمريكية والفرنسية في أواخر القرن 18 كانت تحمل مقومات ليبرالية رغم أن المصطلح لم يستخدم حينذاك بالمفهوم السياسي. وقد عارض الليبراليون السلطة المطلقة للحكم الملكي والذي قام على مبدأ "الحق الإلهي للملوك"، ونادى الليبراليون بالحكم الدستوري ثم لاحقا بالحكومة التمثيلية أو البرلمانية. وانتقد الليبراليون الامتيازات السياسية والاقتصادية لدى ملاك الأراضي والنظام الإقطاعي الظالم، حيث كان الوضع الاجتماعي يحدد حسب "المولد". كما ساندوا الحركات السياسية التي تنادي بحرية الضمير في الدين .

نهاية التاريخ

عندما كتب فوكوياما كتابه (نهاية التاريخ) معلنا انتصار الليبرالية و تشكل النظام العالمي الجديد ثار الناس في وجهه وارسلو جام غضبهم عليه، لاكن الرجل وان بالغ قليلا؛ لكن بالتحليل البسيط نجد ان خصائص الليبرالية تجعلها مؤهلة لقيادة العالم وخصوصا في طور الطريق الثالث ،فقد استطاعت الليبرالية التوافق مع جميع المجتمعات التي طبقت فيها ، و نأت بنفسها من اتخاذ موقف ايدولوجي تجاه الدين فتداركت اخطاء الشيوعيين في تبني مواقف معادية للديانات السماوية و العقائد ، وركزت على تبنى خطى الاصلاح الحقيقي لحياة البشر و الانحراف الناتج عن الدكتاتورية و احتكار السلطة ووسائل الانتاج و سعت لسعادة البشرية ....
ويعتبر القرن 19 في كثير من الجوانب قرنا ليبراليا، حيث انتصرت الأفكار الليبرالية مع انتشار التصنيع في البلدان الغربية. ويؤيد الليبراليون النظام الاقتصادي الصناعي واقتصاد السوق الخالي من تدخل الحكومة، حيث يسمح فيه بمباشرة الأعمال للحصول على الربح وتسود فيه التجارة الحرة بين الدول بدون قيود. فهذا النظام -نظام الرأسمالية الصناعية- نشأ في البداية في إنجلترا في منصف القرن 18، وأصبح راسخا في أوائل القرن 19، ثم انتشر في أمريكا الشمالية ثم غرب أوربا وتدريجيا طبق في أوربا الشرقية.
وقد حاول النموذج الرأسمالي الصناعي أثناء القرن العشرين التغلغل في الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وخاصة أن التنمية الاجتماعية والسياسية تم تعريفها بالمنظور الاقتصادي الغربي المتمثل في نظرية التقدم المادي.
ولقد نجحت اليابان في تطبيق الرأسمالية، ولكنها قامت على التعاونية وليست الفردية؛ فالصناعة اليابانية تتأسس على الأفكار التقليدية من وفاء للجماعة والشعور بالواجب الأخلاقي وليس السعي لتحقيق المصلحة الذاتية للفرد وحسب.
وقد اقترنت النظم السياسية الغربية بأفكار وقيم الليبرالية، وهي نظم دستورية حيث تحد الدساتير من سلطة الحكومة وتحافظ على الحريات المدنية، كما أنها تمثيلية أو برلمانية أي أن الصعود إلى المناصب السياسية يتم من خلال انتخابات تنافسية.
وقد شهد التحول للديمقراطية الغربية صعودا في بعض الدول النامية في الثمانينيات، ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت محاولات تحول ديمقراطي أيضا في أوربا الشرقية.

فالليبرالية ليست فقط أيديولوجية بل ما وراء - أيديولوجية ****-Ideology، فهي مجموعة من القواعد تضع أرضية للنقاش السياسي والفكري، أي أنها تسعى إلى توفير حياة "جيدة" للناس والجماعات حسب تعريفهم هم الفرداني لما هو جيد، وذلك دون أن تضع أو تفرض أي مفهوم للصلاح أو الفضيلة. وفي مواجهة الانتقاد القائل بأن الليبرالية محايدة من الناحية الأخلاقية يؤكد جميع المنظرين الليبراليين أن أفكارها وقيمها لهذا السبب ذات جاذبية عالمية، فلا أحد يخاف قدوم الليبرالية؛ لأنها تتعامل مع مصالح أعضاء المجتمع بتساوٍ، ويؤكدون أن الليبرالية ليست أبدا فلسفة "افعل ما بدا لك!"، فبالرغم من أن الليبرالية تشجع الانفتاح والمناقشة وحرية الإرادة فهي تتسم كذلك باتجاه أخلاقي قوي، ويتجسد الموقف الأخلاقي لليبرالية في التزامها بمجموعة من القيم والمبادئ المتميزة و التي سوف تعرض في سياق الحديث عن المبادئ السامية لليبرالية (الفرد ،،الحرية ،، العقل ،، العدالة ،، التسامح )


نشأة الليبرالية وجذورها :

من الصعب تحديد تاريخ معين لنشأة الليبرالية فجذورها تمتد عميقة في التاريخ

نشأت الليبرالية في التغيرات الاجتماعية التي عصفت بأوربا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، وطبيعة التغير الاجتماعي والفكري يأتي بشكل متدرج بطيء.
وهي لم " تتبلور كنظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع على يد مفكر واحد، بل أسهم عدة مفكرين في إعطائها شكلها الأساسي وطابعها المميز.
فالليبرالية ليست اللوكية ( نسبة إلى جون لوك 1632 – 1704 )، أو الروسووية ( نسبة إلى جان جاك روسو 1712-1778 ) أو الملّية ( نسبة إلى جون ستوارت ملْ 1806-1873 )، وإن كان كل واحد من هؤلاء أسهم إسهاماً بارزاً أو فعالاً في إعطائها كثيراً من ملامحها وخصائصها"( )

وتذهب معظم الكتابات إلى أن استخدام مصطلح "ليبرالي" بدأ منذ القرن 14، ولكنه كان يحتمل معاني متعددة ودلالات شتى، فالكلمة اللاتينية liber تشير إلى طبقة الرجال الأحرار، أي أنهم ليسوا فلاحين مملوكين أو عبيدا. والكلمة كانت ترادف "الكريم" أي "ليبرالي" أو سخي في تقديمه لمعونات المعايش للآخرين. وفي المواقف الاجتماعية كانت الكلمة تعني "متفتحا" أو ذا عقل وأفق فكري رحب. وترتبط الكلمة كثيرا بدلالات الحرية والاختيار.

ويرد بعض الباحثين جذور الليبرالية إلى ديمقراطيّ أثينا في القرن الخامس قبل المسيح، والرواقين في المراحل الأولى من المسيحية، ثم حرك الإصلاح البروتستانتية
ففي خطبة بركليس (495-429ق.م) الشهيرة، التي أبّن فيها قتلى أثينا، الذين سقطوا في بداية الحرب ضد أسبرطه، صياغة بليغة لمبدأ مساواة جميع المواطنين أمام القانون، كما أن فيها تعبيرا واضحا عن أهمية الفرد ومسؤوليته السياسية كذلك فإن بروثاغوراس (485-399 ق.م) جعل الفرد مقياس كل شيء، وشارك ديموقريطس (460-370 ق.م) قناعته بأن القوانين والمؤسسات هي من صنع الإنسان، وأن الإنسان بالتالي، مسئول عنها ويبقى سقراط (470-399 ق.م) في حياته وتعاليمه نموذجا فذا للإيمان بقدرة العقل وأهميته، ولضرورة إخضاع معتقداتنا للنقد والتدقيق، في جو من الحرية والانفتاح..


لكن الليبرالية بمفهومها السياسي لم تظهر إلا في أوائل القرن 19، وأول استخدام كان في أسبانيا في عام 1812، وبحلول الأربعينيات من ذلك القرن كان المصطلح قد صار واسع الانتشار في أوربا؛ ليشير إلى مجموعة من الأفكار السياسية المختلفة. ولكن في إنجلترا انتشر المصطلح ببطء برغم أن الأعضاء ذوي الشعر المستعار Whigs (أعضاء حزب بريطاني مؤيد للإصلاح) أطلقوا على أنفسهم "الليبراليون" أثناء الثلاثينيات من القرن 18، وكانت أول حكومة ليبرالية هي حكومة جلادستون Gladstone التي تولت الحكم عام 1868.

ويقول البعض لم تظهر الليبرالية كمذهب سياسي قبل القرن 19، ولكنها قامت كأيدلوجية على أفكار ونظريات تنامت قبل ذلك بـ300 عام، حيث نشأت الأفكار الليبرالية مع انهيار النظام الإقطاعي في أوربا والذي حل محله المجتمع الرأسمالي أو مجتمع السوق.

ويتجسد الموقف الأخلاقي لليبرالية في التزامها بمجموعة من القيم والمبادئ المتميزة، وأهم محاورها يدور حول ما يلي:

الفرد ،،الحرية ،، العقل ،، العدالة ،، التسامح

الفرد

عندما انهار النظام الإقطاعي واجه الأفراد نطاقا أوسع من الخيارات والإمكانات الاجتماعية، وأتيح لهم لأول مرة التفكير الفردي المطلق وبشكل شخصي بحت، فمثلا الفلاح المملوك الذي عاشت وعملت أسرته في نفس قطعة الأرض أصبح الآن رجلا حرا لديه القدرة على اختيار عمله وصاحب العمل، وأن يترك الأرض ليبحث عن عمل آخر في المدن الكبيرة.
ومع سقوط معطيات الحياة الإقطاعية ظهر أسلوب جديد من التفكير، فالتفسير العقلاني والعلمي بدأ تدريجيا يحل مكان النظريات الدينية التقليدية وأصبح النظر والتعامل مع المجتمع من زاوية الفرد وتحرره وليس الحفاظ على تضامن الجماعات الاجتماعية.
وقد انتشرت نظريات الحقوق الطبيعية في القرنين 17 و18 التي وظفت الخطاب الديني بشكل إيجابي ولم تتحدث عن قطيعة معه البتة، وذهبت إلى أن الله وهب الأفراد حقوقا طبيعية، يعرفها جون لوك بأنها "الحرية والحياة والملكية"؛ فالفرد وحده يمتلك هذه الحقوق . ويعتبر أصحاب نظريات "الحقوق الطبيعية" أن وظيفة المجتمع يجب أن تكون حماية مصالح واحتياجات الفرد، وقد عبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804) عن اعتقاد مشابه لذلك بشأن كرامة ومساواة الأفراد.

و يؤمن الليبرليون الجدد بأن الأفراد لديهم مسئولية اجتماعية إزاء بعضهم البعض خاصة الأفراد غير القادرين على رعاية أنفسهم (كالمسنين والمستضعفين والمعوقين). وسواء اعتبرت الليبرالية الفرد أنانيا أو غير أناني؛ فقد اجتمع الليبراليون على الرغبة في خلق مجتمع يكون فيه كل فرد قادرا على تنمية وتطوير قدراته لأقصى درجة ممكنة ، وبذلك يعطون أولوية للأخلاق الجماعية على حقوق واحتياجات ومصالح الفرد. هذا الموقف السابق يُعَد بمثابة موقف متميز عما ينادي به الليبراليون الكلاسيكيون واليمين المتشدد من الأنانية الفردية التي ترتكز على المصالح الشخصية والاعتماد على النفس، بينما بلور الليبراليون الجدد هذا المفهوم بتأكيدهم على أهمية المسئولية الاجتماعية والإيثار جنبا إلى جنب مع مسئوليات الدولة الاجتماعية تجاه الأفراد.
و يرفض الليبراليين الحرية المطلقة، فإذا كانت الحرية غير محددة المعالم فهي تصبح "ترخيصا يسمح بالإساءة للآخرين. وفي كتابه "عن الحريةOn Liberty "، يقول جون ستيوارت ميل: "إن المبرر الوحيد لممارسة القوة بشكل صحيح تجاه أي عضو في المجتمع المتحضر والتي تكون ضد إرادته هو منع الضرر عن الآخرين".
وكان "ميل" مؤيدا لمذهب التحررية، وممارسة أدنى حد من القيود على حرية الفرد. كما أنه فرق بين "الاهتمام بالمصلحة الشخصية" و"الاهتمام بالآخر" وهو ما يمثل حدا على حرية الآخرين أو إلحاق الضرر بهم، كما يسعى الليبراليون الجدد إلى مفهوم أكثر إيجابية للحرية، وحسب تعريف أيزيا برلين Isaiah Berlin هي القدرة على أن يكون الفرد سيد نفسه ومستقل بذاته، وتتطلب السيادة على الذات أن يكون الفرد قادرا على تنمية مهاراته ومواهبه وعلى اتساع فهمه وتفهمه وعلى الوصول إلى الإنجاز والرضا.

الحرية

وترتبط الحرية في الفكر الليبرالي بالعقل؛ إذ يعتبر المذهب الليبرالي جزءا من مشروع التنوير، فالفكرة المركزية والرئيسية في رؤية التنوير هي تحرير البشرية من قيود "الخرافة والجهل" وإطلاق العنان لعصر العقل، وكان من أهم المفكرين في عصر التنوير جان جاك روسو بفرنسا وإيمانويل كانط بألمانيا وآدم سميث وجيرمي بانثام بإنجلترا. وقد أثرت عقلانية عصر التنوير في المذهب الليبرالي في كثير من الموضوعات، فهي في المقام الأول دعمت الاعتقاد في مركزية الفرد وحريته، فبقدر عقلانية الإنسان ككائن رشيد يكون قادرا على تحديد مصلحته والسعي وراء منفعته الشخصية. ولا يؤمن الليبراليون بأن الإنسان معصوم من الخطأ، ولكن الليبرالية دعمت الفرد بقوة في مواجهة "الأبوية". ورأت أنها لا تمنع الأفراد من اختيارهم الشخصي الحر وحسب، بل إنها لا تساعدهم على التعلم من الأخطاء، كما أنها تتيح لأصحاب السلطة الأبوية إساءة استخدام وضعهم لتحقيق أغراضهم الخاصة.
وقد ورث الليبراليون عن العقلانية التنويرية أيضا إيمانها الشديد بفكرة "التقدم" التي تعني لديهم التوسع في المعرفة فيمكن الناس من خلال الثورة العلمية ليس فقط فهم وتفسير العالم بل تشكيله أيضا للأفضل. وبإيجاز تعطي سلطة العقل الإنسان القدرة على تحمل مسئولية الإنسان عن نفسه وحياته وتقرير مصيره، وبذلك تحرر العقلانية الفرد من قبضة "الماضي" ومن ثقل "العادات والتقاليد"، ويتقدم كل جيل عن الجيل الذي سبقه فيزداد ميراث المعرفة والفهم تصاعديا. وهو ما يفسر التأكيد الليبرالي على التعليم، فيمكن للناس تحسين أوضاعهم من خلال الحصول على المعرفة وهجر "الخرافات" و"التعصب"، فالتعليم في حد ذاته خير، فهو وسيلة حيوية للارتقاء والتنمية الذاتية للفرد.
وإذا كان التعليم على واسع النطاق فهو يحقق إنجازات تاريخية واجتماعية.
ولعبت العقلانية دورا هاما في التركيز على أهمية المناقشة والمناظرة والجدل. وبينما يحمل الليبراليون عموما نظرة تفاؤلية بصدد الطبيعة الإنسانية ويرون الإنسان كائنا عاقلا؛ فإنهم لم يذهبوا إلى حد وصف الإنسان بالمثالية والكمال؛ لأنهم أدركوا جيدا تأثير المصالح الشخصية وصفات الأنانية، وأن النتيجة الحتمية لذلك هي التنافس والصراع؛ لذا يتعارك الأفراد من أجل الموارد النادرة، وتتنافس الأعمال لزيادة الأرباح، وتناضل الأمم من أجل الأمن أو الحصول على ميزة إستراتيجية وهكذا. ولكن يفضل الليبراليون تسوية هذه الصراعات من خلال المناقشة والتفاوض. ومن أهم ميزات العقل أنه يعطي أساسا جيدا لتقييم المطالب والدعاوى المتنافسة إذا كانت منطقية.
ويمكن القول بأن العقلانية هي الاعتقاد في أن العالم لديه تكوين منطقي يمكن كشفه من خلال الممارسة العقلية للفرد والبحث النقدي، ومن حيث النظر المعرفي فالعقلانية هي تدفق المعرفة من العقل باتجاه العالم وليس العكس، والتجربة مجرد أداة. وأبرز من كتب في العقل والمعرفة كانط؛ وهو ما يختلف عن المنحى التجريبي الذي ساد لدى الليبراليين وكان مؤسسا على فكر ديكارت.
ومن حيث المبدأ العام تؤكد العقلانية على قدرة الفرد على فهم وتفسير الظواهر وعلى حل المشكلات. لكن العقلانية لا تلقن الغايات لسلوك الإنسان، بل تقترح أساليب الوصول إلى تلك الغايات دون الاعتماد على العرف أو التقليد أو اتباع الأهواء والرغبات.
العدالة

ترمز العدالة إلى نوع خاص من الحكم الأخلاقي يتعلق بالثواب والعقاب؛ فالعدالة هي إعطاء كل فرد ما يستحقه. والعدالة الاجتماعية تعني توزيع المنافع المادية في المجتمع مثل الأجور والأرباح، وتوفير متساوٍ للاحتياجات الأساسية من إسكان ورعاية طبية... إلخ.
وتقوم النظرية الليبرالية للعدالة على الالتزام الصارم بالمساواة بشكل شكلي. وإذا كان التعامل مع الناس في المقام الأول يقوم على اعتبارهم أفرادا، فإن لهم الحق في نفس الحقوق ونفس الاحترام. ويؤمن الليبراليون بالعالمية Universalism، أي أن كل الناس في كل مكان لديهم معالم مشتركة أو عالمية فهم يتساوون في القيمة الأخلاقية، ويتمتع كل الأفراد والناس بحقوق متساوية بحكم إنسانيتهم، فلهم حقوق طبيعية وإنسانية. فيجب ألا تقتصر الحقوق على طبقة ما أو جنس محدد، وبالتالي يرفض الليبراليون بشدة أية امتيازات يتمتع بها جماعة دون الأخرى على أساس من النوع أو الجنس أو اللون أو المذهب أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. ويجب أن يكون الناس متساوين أمام القانون وأن يتمتعوا بحقوق سياسية ومدنية واحدة.
وينادي الليبراليون بالمساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي وتحسين وضعه بجهده ودأبه. وذلك لا يعني أن تكون المساواة مطلقة بتدخل من الدولة كما في الاشتراكية؛ لأن الناس لم يولدوا متساوين، بل تختلف مهاراتهم ومواهبهم وبعضهم أكثر استعدادا لبعض الأعمال من غيرهم، ولكن يجب أن تكون أوضاع المعيشة والظروف الاجتماعية الأساسية الدنيا واحدة للجميع.. فمن الضروري مكافأة من يستحق ويجتهد، فالحوافز تساعد الأفراد على العطاء وتحقيق الذات وتنمية المواهب؛ لذلك فالمساواة من المنظور الليبرالي هي أن يكون لدى كل الأفراد فرصة متساوية لتنمية قدراتهم ومهاراتهم غير المتكافئة.
وتحدث الليبراليون عن حكم من يستحق Meritocracy (أي حكم ذوي الإمكانيات والموهبة)؛ فالمجتمع الذي يحكمه هؤلاء -وليس الحكم القائم على عوامل خارج إرادة البشر مثل الحظ أو الفرصة- يعتبر مجتمعا عادلا لأن معاملة الناس فيه ليست بحكم الجنس أو لون البشرة أو الدين، بل تكون حسب قدراتهم واستعدادهم للعمل. والمكانة والثروة الموروثة لا تتفق مع مبادئ الحكم بالاستحقاق، لكن معظم الليبراليون يقبلون فكرة الميراث؛ لأنه على الجانب الآخر منع توارث الثروة يعني التدخل في حق الفرد صاحب المال في التصرف في ملكه حسب اختياره الشخصي، وذلك يمثل إساءة لمبادئ الحرية.
ويختلف المفكرون الليبراليون في كيفية تطبيق العدالة الاجتماعية؛ ففي كتابه "نظرية في العدالة" يرى جون رولز أن الناس في حاجة إلى مكافأة عن العمل الذي يقومون به؛ لذلك تكون بعض الأساليب الاقتصادية المتباينة ضرورية لتعطي حافزا للأفراد، ولكنه يرى أن يطبق ذلك فقط لمصلحة الطبقات الأكثر فقرا وأقل ميزة في المجتمع. وفي رأيه أن العدالة الاجتماعية تفهم كمرادف لمفهوم القسط Fairness وباتجاه المساواة. فالثروة في المجتمع العادل يجب أن يعاد توزيعها من خلال نظام للشئون الاجتماعية وذلك لمصلحة الأقل غنى. وعلى النقيض يأتي روبرت نوزيك في كتابه "اللاسلطوية والدولة واليوتوبيا"؛ ليكون صدى للأفكار التحررية التي تبناها جون لوك في القرن 17. ويذهب نوزيك إلى أن أي توزيع للثروة حتى لو كان غير عادل فإنه يعتبر -اجتماعيا- عدلا طالما طبقت قواعد معينة "للحفاظ على العدالة" والتي تتضمن شرط الحصول على الملك بطريقة عادلة في المقام الأول -بدون سرقة أو تعدي على حقوق الآخرين- وأن تكون قد انتقلت بشكل عادل من شخص عاقل إلى آخر عاقل أيضا. وبناء على هذا يؤكد نوزيك على أهمية ألا ينتهك حق الملكية باسم العدالة الاجتماعية، ورفض بشدة فكرة إعادة توزيع الثروة.
تلك الآراء المتباينة حول العدالة الاجتماعية تكشف عن تعارض ضمني داخل الفكر الليبرالي حول أفضل الأوضاع لتحقيق المجتمع العادل. ويعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أن استبدال النظام الإقطاعي بالسوق والمجتمع الرأسمالي يساعد على إيجاد مناخ اجتماعي يمكن أن يزدهر فيه الفرد وينمي قدراته، فكل الناس سواء في عين القانون يتمتعون بفرصة متساوية للصعود في المجتمع. وقد رأى الليبراليون الجدد أن الرأسمالية غير المقيدة أدت إلى ظهور أشكال جديدة من غياب العدالة الاجتماعية وذلك بتمييز البعض على حسب البعض الآخر؛ لذلك يفضلون تدخل الحكومة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية من أجل ضمان وحماية الفرصة المتساوية، وبالتالي تحقيق مجتمع عادل.
التسامح

فولتير

تتسم أخلاقيات الليبرالية الاجتماعية بقبول التنوع الأخلاقي والثقافي والسياسي. فقد ردد الليبراليون كثيرا المقولة الشهيرة لفولتير (1694 - 1778) "أنا أكره ما تقول ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله!". فالحريات الأساسية التي تدعم النظم السياسية الديمقراطية -حرية التعبير والعبادة الدينية والتجمع... إلخ- كلها ضمانات لانتشار التسامح كثقافة. ويتفق معظم المعلقين السياسيين على أن الليبرالية تمضي يدا بيد مع التعددية، فيعتبر تعدد القيم والآراء والمصالح في حد ذاته قيمة وفضيلة. ونقيضه هو القمع السياسي أو انتشار الطاعة العمياء. لذلك ومن حيث المبدأ فإن الليبراليين ضد الرقابة أو أي وسيلة لمنع حرية التعبير في المجتمع، وضد أي ثوابت أيا كانت.
وهذا يفسر الاستياء العميق الذي شعر به الليبراليون في الغرب من الفتوى التي أدلى بها الإمام آية الله خوميني عام 1989 بإعدام الكاتب الإنجليزي سلمان رشدي عندما نشر كتابه "آيات شيطانية" والذي رأى فيه المسلمون إهانة لعقيدتهم الدينية.
ويعني التسامح التقبل، أي الاستعداد لترك الناس يفكرون ويتكلمون ويتصرفون بأسلوب قد لا يتفق المرء معه. ويعتبر التسامح لدى الليبراليين خلقا مثاليا ومبدأ اجتماعيا. ومن جانب آخر تمثل هذه القيمة هدف الاستقلال الفردي، وتضع قاعدة تحكم سلوك الأفراد مع بعضهم البعض.
وتعتبر كتابات جون ميلتون وجون لوك في القرن الـ17 حول الدفاع عن الحرية الدينية للمذاهب المختلفة أولى إرهاصات دعم الليبراليين لقيمة التسامح تجاه الآراء المخالفة. وفي كتابه "رسالة حول التسامح" رأى لوك أنه ما دمنا قبلنا أن وظيفة الحكومة هي حماية أسلوب الحياة والحرية والملكية؛ فالحكومة ليس لها الحق في التدخل في رعاية أرواح العباد؛ فذلك يلقي الضوء على تمييز الليبراليين الواضح بين ما هو "خاص" وما هو "عام". فيجب أن يمتد التسامح ليشمل الأمور الخاصة التي رأوا أنها تشمل الدين ومسائل الأخلاق التي يجب أن تترك للفرد.
وبالرغم من ذلك لم يكن مفهوم البعض -ومنهم لوك على سبيل المثال- للتسامح مطلقا؛ فهو لم يكن على استعداد لتطبيق التسامح على الكاثوليك الرومان، وكانوا في نظره خطرا على الهيمنة القومية بسبب مبايعتهم للبابا الذي هو أجنبي، كما يؤيد الليبراليون المعاصرون القوانين التي تمنع وتصادر الآراء المؤيدة للعنصرية مثلا، والقوانين ضد تشكيل الأحزاب السياسية المعادية للديمقراطية، ويرون أن انتشار تلك الآراء أو نجاح تلك الأحزاب يهدد مناخ التسامح الليبرالي. وعمليا نجد أنه في حين يساند الليبراليون حق المسلمين في نقد مضمون كتاب سلمان رشدي "آيات شيطانية"، فقد كانوا يؤيدون مقاضاة من يدافع علنا عن إعدام سلمان رشدي.
ويتعلق مفهوم التسامح وقبول الاختلاف والتنوع -في رأي الليبراليين- بقواعد المجتمع السوي غير الممزق بالنزاعات والصراعات. وبرغم أن الأفراد والجماعات الاجتماعية تسعى إلى تحقيق مصالح مختلفة، إلا أن هناك توازنا كامنا بين المصالح المتنافسة كما ذهب آدم سميث في حديثه عن "اليد الخفية"؛ فمثلا تختلف مصالح العمال وأصحاب الأعمال: فالعمال يريدون أجورا أفضل وساعات أقل وتحسين ظروف العمل - وأصحاب العمل يرغبون في زيادة أرباحهم عن طريق المحافظة على تكلفة الإنتاج المنخفضة والتي تشمل الأجور، ولكن يحتاج العمال إلى العمل وأصحاب العمل يحتاجون للعمالة، فتلك المصالح المتنافسة تكمل بعضها البعض، أو بمعنى آخر تعتبر كل مجموعة هامة لتحقيق أهداف المجموعة الأخرى. وقد يسعى الأفراد والجماعات وراء مصالحهم الذاتية، ولكن الموازنة الطبيعية تفرض نفسها. وقد أثر مبدأ الموازنة في تطور الأفكار الليبرالية من عدة جهات؛ فجعل بعض الليبراليين يوقنون بأن التوازن الطبيعي سيظهر في الحياة الاقتصادية، ويؤمنون بتوازن المصالح بين الجماعات المتنافسة في النظام السياسي، ويدافعون عن تصور أن السلام والانسجام ممكن بين شعوب العالم.
وهذا التركيز على التنوع والتسامح تعرض للكثير من النقد؛ فتصوير أنصار الليبرالية لها بأنها محايدة أخلاقيا ولا تفرض أي قيم أو عقائد معينة، بل فقط تخلق الظروف التي يمكن أن يعيش فيها أناس ذوو الأولويات الأخلاقية والمادية المختلفة في سلام ونجاح يجعلها تتجنب القيم المطلقة غير القابلة للتفاوض وغير قادرة على مواجهة واقع النزاع؛ فيكون القيد الوحيد على التنوع هو أن يكون كل طرف مؤهلا لتقبل آراء وتصرفات الآخرين، وهكذا يكون التسامح هو القيمة الجوهرية الوحيدة لدى الليبراليين. ويتمثل خطر هذا الوضع في أنه يؤدي إلى مجتمع خالٍ من الأخلاق وغير قادر على كبح جماح الجشع والأنانية. لذلك عاب المحافظون على الليبرالية أنها تقوم بدعم نسبية الأخلاق والثقافة، وفي نظرهم يؤدي غياب القيم الأساسية التي يقوم عليها بنيان المجتمع لجعل التفاعل المنظم والمتحضر مستحيلا لغياب الإجماع الأساسي اللازم لأي مجتمع. والنتيجة هي أن الناس يعلمون جيدا حقوقهم، ولكن لا يعترفون بأي واجب أو مسئولية. وفي العقود الأخيرة من القرن 20 تعرضت الليبرالية الفردية إلى نقد من قبل حركة المجتمعية السريعة الانتشار.


ولا شك أن التطورات التاريخية في القرنين 19 و20 قد أثرت في مضمون الأيديولوجية الليبرالية، فتغيرت ملامح الليبرالية مع نجاح الهيمنة السياسية والاقتصادية لدى الطبقات المتوسطة الصاعدة، كما أن السمت الثوري لليبرالية في بواكيرها منذ القرن السادس عشر تجاه واقعها تلاشى مع كل نجاح ليبرالي، فأصبحت الليبرالية أكثر محافظة وأقل سعيا للتغير والإصلاح وتميل للحفاظ على المؤسسات القائمة الليبرالية. ومنذ أواخر القرن 19 ومع تقدم الصناعة والتصنيع بدأ الليبراليون في إعادة النظر ومراجعة الأفكار والمفاهيم الليبرالية الكلاسيكية لتنشأ ليبرالية.. جديدة.

و هذا يقودنا الى المبحث القادم وهو اليبرالية من طور الكلاسيكية الى طور التجديد.

فبينما كان الليبراليون الأوائل يؤمنون بتدخل الحكومة المحدود جدا في حياة المواطنين، يعتقد الليبراليون الجدد أن الحكومة مسئولة عن تقديم الخدمات الاجتماعية في مجالات الصحة والإسكان والمعاشات والتعليم، بجانب إدارة أو على الأقل تنظيم الاقتصاد. ومن ثَم أصبح هناك خطان من التفكير الليبرالي: الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الحديثة. ولذلك رأى بعض المحللين أن الليبرالية ليست أيديولوجية متماسكة، فهي تضم تناقضات بشأن دور الدولة، ولكن يمكن القول هنا إن الليبرالية في التحليل الأخير -مثل جميع الأيديولوجيات السياسية- قد تعرضت للتطور في مبادئها الرئيسية، وذلك مع التغيرات التاريخية المحيطة، فلا يوجد أيديولوجية سياسية جامدة أو متوحدة، فكلها تحتوي على مجموعة من الآراء والاجتهادات التي قد تتعارض أو تتناقض. وبالرغم من ذلك هناك تماسك ووحدة ضمنية في قلب الفكر الليبرالي، وذلك في الالتزام الأساسي بحرية الفرد والمبادئ التي تترتب على مذهب الفردية.

أولاً : الليبرالية الكلاسيكية :

يعتبر جوك لوك ( 1704م ) أبرز فلاسفة الليبرالية الكلاسيكية، ونظريته تتعلق بالليبرالية السياسية، وتنطلق نظريته من فكرة العقد الاجتماعي في تصوره لوجود الدولة، وهذا في حد ذاته هدم لنظرية الحق الإلهي التي تتزعمها الكنيسة.
وقد تميز لوك عن غيره من فلاسفة العقد الاجتماعي بأن السلطة أو الحكومة مقيدة بقبول الأفراد لها ولذلك يمكن بسحب السلطة الثقة فيها.
ولاقت تلك المبادئ الأولى انتعاشا وإقبالا شديدا في النصف الثاني من القرن 20. وكان تأثيرها ملحوظا مرة أخرى في المملكة المتحدة والولايات المتحدة حيث توجد صحوة معاصرة لليبرالية الكلاسيكية تحت اسم الليبرالية الكلاسيكية الجديدة أو الليبرالية الجديدة التي ظهرت كرد فعل للتدخل المتزايد للحكومة في الشئون الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الفترة ما بعد الحرب والتي تجلت في اليمين الجديد.
وتأثرت الليبرالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر بنظريات كبرى حول الطبيعة الإنسانية قام بوضعها أصحاب الفكر النفعي أمثال جيرمي بنثام وجيمس ميل. اعتبر بنثام فكرة الحقوق "هراء"، وسمى الحقوق الطبيعة "هراء على ركائز" واستبدلها بما يؤمن بأنه أكثر عملية وموضوعية؛ ألا أن الفرد يتحرك بدافع مصالحه الذاتية التي تعرف بالرغبة في اللذة والسعادة وتجنب الألم. فيرى بنثام وكذلك ميل أن الناس يحسبون قدر اللذة والألم الصادر من كل فعل وموقف؛ فبالتالي يختارون ما يبشر بأكبر قدر من اللذة والسعادة. ويؤمن المفكرون النفعيون أن السعادة والألم يمكن قياسهم بالمنفعة آخذين في الاعتبار الكثافة والمدة وهكذا، فالإنسان في رأيهم يتحرى أكبر قدر ممكن من النفع بالسعي وراء أكبر قدر من اللذة والسعادة وأقل قدر ممكن من الألم.
ومن الناحية الأخلاقية يمكن النظر إلى المنفعة لمعرفة "صحة" اتجاه السياسات والمؤسسات في توفيرها للسعادة، تماما كالفرد في قدرته على حساب أكبر قدر من السعادة الصادرة من الفعل؛ حيث يمكن الاستعانة بمبدأ "أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد" في السياسات لصالح المجتمع ككل. وفي أوائل القرن 19 في بريطانيا اجتمع حول بنثام مجموعة من المفكرين المتشددين فلسفيا وعرضوا عليه مجموعة وكبيرة من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والقانونية، وكلها ترتكز على فكرة المنفعة العامة.
فقد كان للنفعية أثر بالغ في الليبرالية وخاصة أنها تطرح فلسفة أخلاقية تفسر كيف ولماذا يسلك الفرد على النحو الذي هو عليه. كذلك تبنت الأجيال اللاحقة من الليبراليين التصور النفعي للإنسان على أنه مخلوق عقلاني يسعى وراء مصالحه الشخصية، وهي فكرة محورية وراء فكر الييبرالية الجديدة أيضا.
فيستطيع كل فرد في نظرهم تحديد أفضل مصالحه الخاصة دون غيره؛ فلا يمكن لغيره -الدولة مثلا- أن تفعل ذلك له. وحسب بنثام الناس تتحرك في إطار اللذة أو السعادة التي يتمتعون بها وبالطريقة التي يختارونها؛ فلا لأحد سواهم يمكن أن يحكم على نوع أو درجة سعادتهم. فإذا كان كل فرد هو الحكم الوحيد لما سيسعده؛ فالفرد وحده هو القادر على تحديد ما هو صحيح أخلاقيا

وقد أبرز آدم سميث (1790م) الليبرالية الاقتصادية وهي الحرية المطلقة في المال دون تقييد أو تدخل من الدولة.
وقد تكونت الديمقراطية والرأسماليّة من خلال هذه الليبرالية، فهي روح المذهبين وأساس تكوينها، وهي مستوحاة من شعار الثورة الفرنسية " دعه يعمل " وهذه في الحرية الاقتصادية " دعه يمر " في الحرية السياسية.
ويعتبر كتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث أول كتاب يدرس في علم الاقتصاد؛ فقد اقتبس سميث أفكاره عن الطبيعة الإنسانية بشكل ملحوظ من الافتراضات الليبرالية والعقلانية، وكان له إسهامه المؤثر في الجدل حول الدور المرغوب فيه للحكومة بداخل المجتمع المدني. ومثل جوانب أخرى من الليبرالية الأولى كان أول ظهور علم الاقتصاد السياسي الكلاسيكي في بريطانيا، حيث كان التحمس الشديد لأفكار ومبادئ هذا العلم التي تبنتها أيضا الولايات المتحدة.
كتب آدم سميث كتابه في وقت فرضت فيه الحكومة قيودا صارمة على النشاط الاقتصادي؛ فكانت المركنتلية النظام الاقتصادي المسيطر في القرنين 16 و17 حيث تدخلت الحكومات في الحياة الاقتصادية من أجل تشجيع التصدير والحد من الاستيراد. وجاء سميث ليقول بأن الاقتصاد يكون في أوج نشاطه مع عدم تدخل الحكومة. ففي رأيه الاقتصاد هو السوق أو سلسلة من الأسواق المتعلقة بعضها ببعض. وتعمل السوق حسب رغبات وقرارات الأفراد الأحرار، وإن الحرية في السوق هي حرية الاختيار: مقدرة المنتج على اختيار السلعة التي يصنعها، ومقدرة العمال على اختيار أصحاب الأعمال، ومقدرة المستهلك على اختيار السلع والخدمات للشراء. فالعلاقات في هذه السوق بين صاحب العمل والموظفين، وبين البائعين والمستهلكين علاقات تطوعية أو عقدية.
ويفترض الاقتصاديون الكلاسيكيون أن الأفراد يسعون وراء تحقيق مصالحهم الشخصية ماديا بدافع الرغبة في التمتع باللذة أو السعادة، وذلك عن طريق تكوين واستهلاك الثروة. وتقوم النظرية الاقتصادية لحد كبير على فكرة "الرجل الاقتصادي"، وهي أن الإنسان يسعى إلى أكبر قدر من المنفعة وذلك بالكسب المادي.
وقد استخدم الاقتصاديون في المراحل اللاحقة فكرة "اليد الخفية" لشرح كيف أن المشكلات الاقتصادية -مثل البطالة والتضخم والعجز في ميزان المدفوعات- يمكن القضاء عليها من خلال آليات السوق؛ فمثلا تأتي البطالة نتيجة زيادة عدد المؤهلين للعمل عن الوظائف المتاحة أي عرض العمال يزيد عن الطلب لها. فتخفض قوى السوق من سعر العمالة أي أجورهم ، فمع انخفاض الأجور يمكن لصاحب العمل تعيين عدد أكبر من العمال وبالتالي تقل البطالة. لذلك تكون قوى السوق قادرة على القضاء على البطالة بدون تدخل الحكومة شريطة أن مستوى الأجور يكون مرنا مثل الأسعار الأخرى. وتؤدي السوق الحرة إلى كفاية اقتصادية، فمن أجل الربح لا بد أن تكون التكلفة منخفضة فالإسراف وعدم الكفاءة لا سبيل لهم في العمل الإنتاجي. في نفس الوقت تمنع المنافسة إمكانية الحصول على أرباح مبالغ فيها. إذا كانت الأرباح عالية بشكل غير عادي في مجال معين فذلك سيشجع المنتجين على دخول ذلك المجال، فبالتالي سيزيد الناتج وينخفض مستوى الأسعار والأرباح. وتنجذب الموارد الاقتصادية نحو أكثر الاستخدامات ربحا أي نحو مجال الإنتاج المتنامي والمزدهر وليس غير ذلك. وتعمل السوق بشكل إيجابي؛ لأنها دائما تسعى لتحقيق رغبات المستهلك، فالمستهلك هو المسيطر على زمام الأمور، ولكي تحافظ المؤسسات على ربحها العالي لا بد أن تعرف جيدا وتوفي حاجات ورغبات المستهلك. وبذلك وبشكل طبيعي تتحرك قوى السوق نحو رفع كفاءة وقوة الاقتصاد الذي يستجيب ذاتيا لأي تغيير في طلب المستهلك.

ثانياً : الليبرالية المعاصرة او الحديثة :

" تعرضت الليبرالية في القرن العشرين لتغيّر ذي دلالة في توكيداتها. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأ العديد من الليبراليين يفكرون في شروط حرية انتهاز الفرص أكثر من التفكير في شروط من هذا القيد أو ذاك. وانتهوا إلى أن دور الحكومة ضروري على الأقل من أجل توفير الشروط التي يمكن فيها للأفراد أن يحققوا قدراتهم بوصفهم بشراً.
ويحبذ الليبراليون اليوم التنظيم النشط من قبل الحكومة للاقتصاد من أجل صالح المنفعة العامة. وفي الواقع، فإنهم يؤيدون برامج الحكومة لتوفير ضمان اقتصادي، وللتخفف من معاناة الإنسان.
وهذه البرامج تتضمن : التأمين ضد البطالة ، قوانين الحد الأدنى من الأجور ، ومعاشات كبار السن ، والتأمين الصحي.
تعلقت الليبرالية الحديثة بالتقدم في التنمية الصناعية والتي جلبت معها ثروات مهولة للبعض، ولكن صاحبها انتشار العشوائيات والفقر والجهل والمرض. وأصبح من الصعب التغاضي عن التباين الاجتماعي المتمثل في أوضاع طبقة العمال التي أصبحت الطبقة المحرومة من جراء الأجور المنخفضة والبطالة، وتدني ظروف العمل والظروف المعيشية. وكانت لهذه الأوضاع الأثر على الليبرالية البريطانية منذ أواخر القرن 19، ولم تظهر آثارها في الدول الأخرى إلا فيما بعد؛ فمثلا في أمريكا لم تتأثر الليبرالية الأمريكية بها إلا في الثلاثينيات عند حدوث أزمة الركود الاقتصادي. ففي ظل تلك التغييرات التاريخية كان من الصعب أن يتمسك الليبراليون بمقولة: إن الرأسمالية الصناعية جلبت معها الرخاء والحرية للجميع. ونتيجة لذلك بدأ مراجعة المبادئ الأولى التي تزعم أن السعي وراء المصالح الشخصية بدون قيود يؤدي إلى وجود مجتمع يتمتع بالعدالة الاجتماعية. وتزايد الهجوم على الفردية الاقتصادية وأعاد الليبراليون النظر في موقفهم إزاء الدولة. وأصبحت النظرية الكلاسيكية بخصوص الدور المحدود للحكومة غير قادرة على حل مشكلات التفاوت الاجتماعي وغياب العدل في المجتمع المدني. ومن ثَم بدأ الليبراليون الجدد في تشجيع سياسة التدخل الحكومي والدور الفعال للدولة.
ويشارك الليبراليون الجدد الكلاسيكيين في تفضيل الأفراد المعتمدين على أنفسهم والمسئولين عن حياتهم، ولكن الاختلاف في أن ذلك يحدث فقط تحت أوضاع اجتماعية تسوق إلى ذلك. وترتكز الليبرالية الحديثة على مساعدة الأفراد من أجل تمكينهم من مساعدة أنفسهم.
وشهد القرن 20 تنامي تدخل الحكومة في معظم الدول الغربية وكثير من الدول النامية في السوق لضمان الرفاهة في حدها الأدنى والذي في الغالب أخذ شكل تقديم الدعم للمواطنين للقضاء على الفقر والمرض والجهل. وإذا كانت الدولة المحدودة تمثل ما كانت عليه الدولة في القرن 19، أصبحت الدولة الحديثة في القرن 20 دولة رفاهة وذلك لأسباب تاريخية وأيديولوجية. كانت الحكومات تسعى وراء تحقيق النهوض القومي وزيادة قوى العمل الصحية وتعزيز جيوش قوية؛ كما تعرضت الحكومة في الانتخابات لضغوط من أجل الإصلاح الاجتماعي الصادرة من عناصر شعبية حديثة التصويت مثل العمال وفي بعض الأحيان الفلاحين. ولا يقتصر الجدل السياسي على نشر الخدمات والرفاهة الاجتماعية على أيديولوجية واحدة دون غيرها، ولكن تم تناولها بطرق مختلفة من قبل الاشتراكيين والليبراليين والمحافظين وأنصار الحركة النسائية حتى الفاشيين. طرح الليبراليون الجدد فكرة الرفاهة على النقيض التام مع الكلاسيكيين الذين مجدوا مبدأ مساعدة الذات والمسئولية الفردية. وكانت المساواة في الفرص حجة الليبراليين الجدد في الدفاع عن الرفاهة الاجتماعية. فإذا كان هناك أفراد أو جماعات محرومة بسبب ظروفهم الاجتماعية، فعلى الحكومة مسئولية اجتماعية للقضاء على هذا الحرمان. وتنعكس هذه المسئولية في تنمية دولة الرفاهة. ولا تقلص زيادة مسئوليات الحكومة من حقوق الفرد بل توسعها؛ فمثلا اكتسب المواطنون مجموعة من الحقوق الاجتماعية كالحق في العمل والحق في التعليم والحق في إسكان لائق. وكان الليبراليون الكلاسيكيون يؤمنون بأن الحقوق الوحيدة التي يستحقها المواطن هي الحقوق السلبية التي تعتمد على تقييد نفوذ الحكومة مثل الحق في التعبير والحق في العبادة الدينية؛ حيث إنها تمثل "عالما خاصا" يجب ألا تقترب منه الحكومة. من الجانب الآخر نجد أن حقوق الرفاهة هي حقوق إيجابية من قبل الحكومة عن طريق توفير المعاشات والمنح والعلاج والتعليم المجاني.
وأثناء القرن 20 كان للحكومات والأحزاب الليبرالية عادة الريادة في مناصرة قضية الرفاهة في المملكة المتحدة قبل الحرب العالمية الأولى على يد حكومة أسكيث الليبرالية التي طبقت نظام المعاشات للمسنين والتأمينات الصحية وتأمينات البطالة. وعندما توسعت دولة الرفاهة في المملكة المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية في عهد حكومة أتلي العمالية كانت قائمة على تقرير بفيريدج لعام 1942، وهو برنامج عمل تقدم به الليبرالي الحديث وليم بيفريدج (1879 - 1963)، ويقترح هذا التقرير إيجاد نظام شامل للأمن الاجتماعي يضم كل المواطنين "من المهد إلى اللحد". وقام الحزب الليبرالي في كندا بحملة لتبني سياسات للرفاهة شاملة، بينما أيد الحزب المحافظ التقدمي مبادئ المسئولية الفردية والعمل الحر.
وتطورت الرفاهة الليبرالية في الولايات المتحدة في الثلاثينيات في عهد روزفلت. وبقت الفردية الاقتصادية ومساعدة الذات مسيطرة في القرن 20 حتى جاء روزفلت بـ"البرنامج الجديد" كإعانة عامة للعاطلين والمسنين والأطفال والأرامل والمكفوفين. واستمرت ليبرالية البرنامج الجديد بعد موت روزفلت في عام 1945 ووصلت ذروتها في الستينيات بسياسات جون كيندي التي تسمى "الحدود الجديدة" وبرنامج "المجتمع الكبير" في عهد ليندن جونسون الذي ركز فيه على تحسين الحقوق المدنية لدى السود الأمريكيين وكذا مواجهة الفقر والقذارة في المدن الأمريكية. كما نشأت التفرقة الإيجابية في الولايات المتحدة والتي يطلق عليها "العمل الإيجابي" لتعهدها الليبرالي في تكافؤ الفرص. وهنا يعامل الأفراد أو الجماعات باعتبارات خاصة تعويضا عن ظروف اجتماعية عائقة. ففي الولايات المتحدة تم تبني المبدأ في نطاق واسع منذ الستينيات لتوفير الفرص الاجتماعية للسود ذوي الدخول المنخفضة ومعدلات البطالة المرتفعة والإسكان الفقير. ويمكن في أمريكا للطلبة السود الالتحاق بالتعليم العالي بمؤهلات أقل من نظائرهم البيض. ومن الطبيعي يمكن تطبيق مبدأ التفرقة الإيجابية على العوائق الاجتماعية الأخرى الناتجة عن الجنس والسن والإعاقة الجسدية.
وبالإضافة إلى توفير الرفاهة الاجتماعية سعت الحكومات الغربية في القرن 20 إلى تحقيق الرخاء وذلك "بإدارة" اقتصادهم. ويأتي ذلك مرة أخرى ضد التفكير الليبرالي الكلاسيكي، لا سيما السوق الحرة التي تعمل ذاتيا، ومبدأ "دعه يعمل"، أو سياسة عدم التدخل التي صرف النظر عنها من جراء تزايد الاقتصاد الرأسمالي الصناعي تعقيدا وعدم قدرته على تحقيق الرخاء إذا تُرك يعمل ذاتيا. وقد أدى الركود الاقتصادي الكبير في الثلاثينيات الذي تسببه انهيار بورصة وول ستريت عام 1929 إلى معدلات عالية في البطالة في العالم الصناعي وكثير من الدول النامية. وكان ذلك تأكيدا لفشل السوق الحرة. وسارعت كل الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية بتبني سياسات التدخل الاقتصادي لتجنب الرجوع إلى معدلات البطالة فيما قبل الحرب.
وكانت تلك السياسات مستوحاة لحد كبير من كتاب "النظرية العامة عن العمالة والمصلحة والمال (1936)" لجون ماينارد كينز الذي هاجم فكرة السوق الذي يعمل ذاتيا. وفي نظر الكلاسيكيين هناك حلول للمشكلات الاقتصادية فتنخفض البطالة مع انخفاض الأجور ولكنها تستمر على ما عليها إذا كانت مستويات الأجور غير مرنة، وذلك عادة يحدث ضغوط الاتحادات العمالية. فحرفيا حسب هذا الرأي يقيم العمال أنفسهم خارج وظيفتهم. وجاء كينز يقول: إن مستوى النشاط الاقتصادي، وبالتالي العمل يحدد حسب الحجم الكلي للطلب -الطلب الإجمالي- في الاقتصاد: إذا انخفضت الأجور تقل قوة الشراء في الاقتصاد، وبالتالي الطلب الإجمالي. وإذا قل المال في يد الناس قل إنتاج السلع والبضائع، وحينئذ تتحرك السوق الحرة لولبيا نحو الركود ولا يمكنها النهوض بنفسها. وذلك ما حدث في الثلاثينيات على حد قول كينز، وعلى خلاف ما سبقها من الدورات التجارية لم ينتهِ الركود الكبير إلى الارتفاع "الطبيعي" في الثروات الاقتصادية. ويرى كينز أن الحكومات يمكن أن تدير اقتصاداتها من خلال الطلب الإجمالي، فالصرف الحكومي عبارة عن إدخال مجالات جديدة من الطلب في الاقتصاد، فمثلا بناء المدارس يخلق فرص عمل للبناءين ويوجد الطلب على مواد البناء، مما يكون له الأثر في الاقتصاد فهؤلاء البناءون سيكون لهم القدرة أكثر على الشراء. وذلك ما يطلق عليه كينز "الأثر المضاعف". أما الضرائب فهي تعتبر "ارتدادا" في الاقتصاد؛ لأنها تقلل من الطلب الإجمالي وتخمد النشاط الاقتصادي.. وفي أوقات البطالة اقترح كينز أن الحكومة عليها أن "تنعش" الاقتصاد من خلال زيادة المصروفات العامة أو خفض الضرائب؛ فذلك يحل مشكلة البطالة، ولكن ليس "باليد الرأسمالية الخفية"، بل بتدخل الحكومة من خلال العجز في الميزانية؛ أي أن الحكومة تنفق أكثر مما لديها من موارد. وتمكن طريقة كينز في إدارة الطلب الحكومة من التحكم في العمل ومستويات النمو، وبالتالي ضمان الرخاء العام.
ومع توفير نظام الرفاهة الاجتماعية اعتبرت الليبرالية الحديثة إدارة الاقتصاد عملا بنّاء يعمل على تعزيز الرخاء والتوافق في المجتمع المدني. ولم يرفض كينز الرأسمالية ولكنه كان منقذها؛ ففي رأيه عدم تقييد المشروعات الخاصة شيء غير مُجدٍ في المجتمعات الصناعية المعقدة. وكان "البرنامج الجديد" في عهد روزفلت أول تطبيق لفكر كينز، ولكن تعهد روزفلت لميزانية متوازنة؛ حيث إن رفض زيادة الإنفاق الحكومي على الأشغال العامة من أجل رفع إيرادات الضرائب أدى إلى انخفاض تدريجي في معدلات البطالة. وفي الواقع انتهى الركود الكبير بالتوسع الملحوظ والمنتشر في المجال العسكري استعدادا للحرب، ولم يكن ذلك مقصودا لعلاج مشكلة البطالة. وبدا هذا الوضع جليا في ألمانيا عندما انخفضت معدلات البطالة إلى النصف في 18 شهرا بعد تعيين هتلر مستشارا في عام 1933. وتم معالجة البطالة في الفترة بين الحربين بدون قصد بالطريقة الكينزية.
وعلى صعيد آخر بعد الانتهاء من الحرب العالمية الثانية رسخت مبادئ كينز على نطاق واسع لتصبح تقليدا اقتصاديا في الغرب بدلا من سياسة "دعه يعمل" القديمة. وبالفعل استخدمت كل الدول سياسة الإدارة الاقتصادية في إعادة البناء الاقتصادي في الفترة ما بعد الحرب وفي التخطيط والنمو المستقبلي. وكان الفضل للكينزية التي كانت السبب الرئيسي في الازدهار الاقتصادي الطويل في الخمسينيات والستينيات؛ حيث الانتشار الواسع في الثراء، وذلك على الأقل في الدول الغربية. وانتصرت في تلك الفترة مبادئ كينز على مبادئ المحافظين والاشتراكيين حتى الليبراليين.


ونلاحظ أن أبرز نقطة في التمايز بين الطورين السابقين هو في مدى تدخل الدولة في تنظيم الحريات ، ففي الليبرالية الكلايسيكية لا تتدخل الدولة في الحريات بل الواجب عليها حمايتها ليحقق الفرد حريته الخاصة بالطريقة التي يريد دون وصاية عليه ، أما في الليبرالية المعاصرة فقد تغير ذلك وطلبوا تدخل الدولة لتنظيم الحريات وإزالة العقبات التي تكون سبباً في عدم التمتع بتلك الحريات.
وهذه نقطة جوهرية تؤكد لنا أن الليبرالية اختلفت من عصر إلى عصر ، ومن فيلسوف إلى آخر ، ومن بلدٍ إلى بلدٍ ، وهذا يجعل مفهومها غامضاً كما تقدم.

الليبرالية السياسية :

وهي من المبادئ النظرية لليبرالية خاصة في فرنسا، وهذا ما جاء به بنيامين كونستانت Benjamin Constant في القرن التاسع عشر، عندما دعى إلى فكرة الفصل الضروري بين السلطات من أجل ضمان الحريات العامة .
وفي موسوعة لالاند الفلسفية: " الليبرالية: مذهب سياسي يرى أن من المستحسن أن تزاد إلى أبعد حد ممكن استقلالية السلطة التشريعية والسلطة القضائية بالنسبة إلى السلطة الإجرائية التنفيذية ، وأن يعطى للمواطنين أكبر قد من الضمانات في مواجهة تعسف الحكم".( )
أما نظام الديمقراطية الليبرالية فيعرف قبل كل شئ من خلال المشاركة المباشرة أو غير المباشرة للمواطنين في الحياة السياسية.مع هذا يمكن اعتبار النظام الذي يسعى للحفاظ وللدفاع عن الحريات الفردية أنه نظام ديمقراطي كما كان سائداً في الغرب في نهاية القرن السادس عشر.الحريات السياسية ( حرية الصحافة، حرية الاجتماع، والاعتقاد، والتعبير، لن تكون مصانة ومضمونة إلا في الأنظمة السياسية التمثيلية، التي تملك دستوراً وبرلماناً مستقلا يمثل المواطنين عن طريق الانتخاب، وهؤلاء المنتخبون سوف يكون لهم وحدهم الحق في تشريع القوانين والضرائب أيضاً. أما الحريات الاقتصادية عندما تتواجد بشكل ثنائي مع الحرية السياسية. سيكون هناك سبيل أفضل للمبادرات الفردية ومعها الملكية الخاصة. وفيما يتعلق بالحرية الاجتماعية التي تشكل النصف الأخر للحرية السياسية، تتفق مع النظرية القائلة أن الدولة يجب ألا تتدخل في العلاقات الاجتماعية،وبشكل خاص بين أرباب العمل وأصحاب الدخل,
الشكل السياسي للسلطة أو للنظام يمكن أن يختلف من دولة إلى أخرى، هناك ديمقراطيات ملكية وأخرى جمهورية ولكن في كل مكان من هذه الديمقراطية هناك مبادئ أساسية لا يمكن الحياد عنها.

ثانياً : اليبرالية الاقتصادية

الليبرالية الاقتصادية: " مذهب اقتصادي يرى أن الدولة لا ينبغي لها أن تتولى وظائف صناعية ، ولا وظائف تجارية ، وأنها لا يحقّ لها التدخل في العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الأفراد والطبقات أو الأمم. بهذا المعنى يقال غالباً ليبرالية اقتصادية"( ).
ويلاحظ أن هذا التعريف واقع على الليبرالية الكلاسيكية قبل التحول الكبير الذي تم في الليبرالية الجديدة على نحو ما سيأتي.
ويقول البعلبكي " ويطلق لفظ الليبرالية أيضاً على سياسة اقتصادية نشأت في القرن التاسع عشر متأثرة بآراء آدم سميث بخاصة ، وأكدت على حرية التجارة وحرية المنافسة ، وعارضت تدخل الدولة في الاقتصاد"( ).
والليبرالية الاقتصادية وثيقة الصلة بالليبرالية السياسية ، ويعتقد الليبراليون أن الحكومة التي تحكم بالحد الأدنى يكون حكمها هو الأفضل.. ويرون أن الاقتصاد ينظم نفسه بنفسه إذا ما ترك يعمل بمفرده حراً ، ويرون أن تنظيمات الحكومة ليست ضرورية( ).
وأبرز النظم الاقتصادية الليبرالية هو نظام " الرأسمالية " التي رتّب أفكاره عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث في كتابه ( ثروة الأمم ).
ويدخل في الحرية التي يطالب بها الليبراليون حرية حركة المال والتجارة ، وحرية العمل وحرية التعاقد ، وحرية ممارسة أي مهنة أو نشاط اقتصادي آخذاً من الشعار الشهير للثورة الفرنسية " دعه يعمل دعه يمر."
والذي يحكم قواعد اللعبة الاقتصادية وقيمها هو سوق العرض والطلب دون أي تقييد حكومي أو نقابة عمالية. فللعامل الحرية في العمل أو الترك كما لصاحب رأس المال الحرية المطلقة في توظيف العدد الذي يريد بالأجرة التي يريد( ).
ولكن سبق أن ذكرنا أن المفهوم الليبرالي تغير وبرزت الليبرالية الجديدة عل السطح بعد الحرب العالمية الثانية بسبب الأزمات الاقتصادية الخانقة والكساد وذلك لتمركز رأس المال وظهور الاحتكارات الصناعية الضخمة ، وانهيار قاعدة الصرف بالذهب وأزمة الثورات العمالية في ألمانيا مما جعل الحكومات تتدخل لإنعاش الاقتصاد فتغيرت الأيديولوجية الليبرالية إلى القول بأهمية تدخل الحكومة لتنظيم السوق( ).
وقد فصّل صاحب كتاب " الليبرالية المتوحشة " كيفية تدخل الدولة لإنعاش الاقتصاد وإصلاح السوق ، وبهذه المرحلة تغيب شمس الليبرالية الكلاسيكية حيث أبطل الواقع فكرة إصلاح السوق لنفسه لتبرز إلى السطح الليبرالية الجديدة بقوة.

الطريق الثالث


الطريق الثالث كما ظهرت فكرته لأول مرة عام 1936 على يد الكاتب السويدي "arquis Child " هو طريق الوسط بين مفهومي الليبرالية الاقتصادية والاشتراكية الماركسية، فهو أسلوب يوائم بين رأسمالية السوق الحر والمفهوم الكلاسيكي عن الأمن والتضامن الاجتماعي.
وتنبع جاذبية هذا المفهوم من كونه لا يتبنّى السقف الأعلى أو الحد الأقصى لكل نظرية، أي أنه جسر بين الأيدولوجيات. وعلى الرغم من أن الاشتراكية الثورية لم تحظَ بأي قبول داخل الولايات المتحدة فإن القيم والمثل الاشتراكية - خاصة قيمة العدل الاجتماعي - تغلغلت بشكل قوي في توجهات الديمقراطيين الليبراليين واليساريين على حد سواء، كما لا يخفى على معظم المفكرين حقيقة إصابة المجتمعات الأوروبية والمجتمع الأمريكي بخسائر من جرّاء تطبيق الأفكار الليبرالية المحضة. وبغضّ النظر عن النتائج المؤسفة من جرّاء تطبيق القيم الاشتراكية في ظل النظم المركزية الشيوعية، فإنها تظل لها جاذبيتها في وجدان الأغلبية من المستضعفين.
لماذا تجدّد طرحه؟

هناك عدد من العوامل والظروف الدولية والمحلية ساعدت على طرح هذا المفهوم مجددًا، أبرزها:
- سقوط القطبية الثنائية بتهاوي الاتحاد السوفييتي وسيادة الولايات المتحدة على مسرح الأحداث العالمي، متجاوزة الأطراف الأخرى، ليس فقط الدول النامية ولكن بعض الدول الأوروبية كذلك.
- الوعي بخطورة سياسات الجات على الدول النامية والدول الصناعية الجديدة خاصة الآسيوية، وسعي بعض الدول الأوروبية لتفادي كارثة دولية تتمثل في صراع قد ينشب بين الشمال الغني والجنوب الفقير، وذلك بمحاولة إيجاد حوار بين دول العالم الثالث والدول المتقدمة لعلاج المشاكل التي تواجه الجميع في عالم واحد، وهو ما جسّدته الأحداث الأخيرة في سياتل 2000 وغيرها.
3 - ظاهرة الدمج بين الشركات العملاقة والوحدات الكبيرة على حساب الأسواق المحلية، والشعور بالحاجة إلى دولة قوية ومجتمع قوي في آن واحد، أي صيغة جديدة لعلاقة شراكة وليس تنافس بين الدولة وقوى المجتمع.
4 - انحسار دور مجموعة عدم الانحياز وتضاؤل الفكرة ذاتها، وانكماش مجموعة الـ 77 بحيث اقتصرت مؤخرًا على 15 دولة تمثل ثلاث قارات (آسيا – أفريقيا – أمريكا اللاتينية)، وأخفقت تلك الدول في عرض مطالبها في مفاوضاوت الجات، كما أن بعض الدول النامية كان الغبن عليها كبيرًا؛ إذ لم تجد من يمثلها التمثيل الذي يحقق مطالبها في مواجهة الدول المتقدمة؛ لذلك فقد تولّدت لدى هذه الدول الحاجة لتبني مبدأ يتجاوز سلبيات التخطيط المركزي ومساوئ الرأسمالية، وأثرهما على الطبقات الفقيرة تحديدًا.
مظاهر الصعود

هناك عدة مظاهر لصعود الطريق الثالث كخيار بين الحركات الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا المتمسكة بشكل معلن بمفهوم العدالة الذي كانت تعبّر عنه الشيوعية، ورافضة لحدوث تحولات اجتماعية تهمش الطبقات الفقيرة، خاصة من اللاجئين والمهاجرين من الدول النامية.
كذلك نلحظ تغلغل المفهوم في أدبيات وخطاب الأحزاب المسيحية الديمقراطية اليمينية سواء في ألمانيا الأحزاب المسيحية أو في إيطاليا في الفاتيكان؛ لوجود اهتمام لدى هذه الأحزاب الدينية هناك للتقليل من حدة آثار الرأسمالية الشرسة؛ لذلك نجد أيضًا أن معظم أحزاب يمين الوسط قد تبنت تصورًا لدولة الرفاهة الحديثة في مقابل مصالحة الأحزاب السياسية الأخرى مع الرأسمالية والسوق الحر.
ويجد المتأمل للساحة الأوروبية أن معظم الأحزاب السياسية التي تسيطر على مقاليد الحكم حاليًا هي أحزاب يسارية ترفع مبدأ الاشتراكية الديمقراطية وضرورة التغير المستمر بشكل سلمي، بدءًا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا، مرورًا بالحزب الاشتراكي في فرنسا، ثم حزب العمال في إنجلترا (العمال الجديد كما يقول بلير)، وهي يسارية جديدة تتخلى عن الدوجماتية، وتطور رؤاها بما يتفق مع الطريق الثالث، وتقدم أطروحات هامة في مجال المرأة ومجال البيئة.
ومع قوة المجتمع المدني في هذه الدول واتساع هامش الحريات وحرية الصحافة، أوصل الناخبون غير الموالين لأي أيدلوجية هذه الأحزاب التي يطلق عليها "الوسط الجديد" والتي تعتنق الفكر الاشتراكي الديمقراطي إلى مقاعد البرلمان بأغلبية لافتة، فبالنسبة لرجل الشارع فإن هذا الطريق هو الذي يطبق - حسب تعبير Bodo Hombach المستشار الخاص لشرودر - مبدأ المساواة في البداية والمساواة في النهاية، أي المساواة في الفرص وفي الدخل، حتى وإن كان ذلك حلمًا يسعى الجميع بجد لتحقيقه.

اقتصاد بلا أيدلوجية

يسعى المفهوم لتحقيق غايات أساسية:

- وضع اقتصاد بعض الدول على المسار الصحيح، من حيث تغليب الصالح الاقتصادي الوطني بعيدًا عن الارتباط بأيدلوجية بعينها، أي تحرير الاقتصاد من الأيدلوجيا (وهو ما رآه المعارضون تحريرًا في ظل السيادة الرأسمالية الشرسة بما يعني الوقوع الحتمي في براثنها).
- تمكين بعض الدول الآخذة في النمو من الفرص التي يتيحها هذا الأسلوب، كأسلوب بديل في ظل الأحادية الموجودة والرأسمالية الطاغية.
- اتباع نهج اقتصادي واجتماعي يمكّن من مواجهة التأثيرات السلبية للأحادية السياسية والاقتصادية للحصول على حد أدنى من المكاسب الديمقراطية في الواقع الاستبدادي.
- تعظيم درجة تخصيص الموارد وخاصة الناجمة عن الخصخصة لصالح البعد الاجتماعي من جهة، وأيضًا تعظيم زيادة قاعدة التملك للطبقات العاملة ومحدودة الدخل في الوحدات التي تتم خصخصتها (وهو ما يثور الخلاف بشأن إمكانية تحققه في ظل سياسات التكيف الهيكلي التي يدرّها البنك وصندوق النقد الدولي).
- تبني المبادئ التي تنادي بأن دور الدولة يجب أن يوجّه أساسًا لخدمة الأهداف الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع الأهداف الاقتصادية، أي وضع الدول أمام مسؤولياتها في الرفاهية الواجبة تجاه مواطنيها.
هل حدث تقدم؟!

يمكن القول: إن الدول الأوروبية في المقام الأول - وعلى رأسها الدول الاسكندنافية وألمانيا وإنجلترا وفرنسا - تحاول إيجاد الحلول اللازمة للتقدم على هذا الطريق، وفي ما يراه بعض المراقبين محاولة من الأنظمة الرأسمالية لتطوير نفسها وسدّ فجوات التطبيق وثغراته.
والطريق الثالث عند هذه الدول يُعَدّ مقياسًا يتم به قياس مدى نجاحها في المواءمة بين متطلبات الاقتصاد، والحد من تنافس ومبادرة وحريات فردية، ومتطلبات الرفاهة الاجتماعية من خدمات تعليم وصحة وتأمين اجتماعي وإعانة المسنين والمتبطلين.
ومما لا شك فيه أن هذه الدول وجدت نفسها في مأزق حقيقي، فهي ما زالت عاجزة عن الحفاظ على معدل إنتاج ملائم، وفي الوقت نفسه خلق فرص عمل جديدة، وأيضًا تدبير نفقات تمويل الخدمات الاجتماعية، خاصة الذين لا يشاركون في سوق العمل، مما شكل عبئًا كبيرًا على كاهلها، وتبرز هذه الأزمة في دول مثل فرنسا وألمانيا، أخذًا في الاعتبار هبوط الميزان الديمغرافي لصالح من هم فوق 65 سنة والمهاجرين الذين لا يجدون فرصة عمل مناسبة ويدخلون في البطالة.
الاختلاف حول طريقة الوصول

ولا يزال مفهوم الطريق الثالث في حاجة إلى مهلة زمنية حتى يتم تفعليه وحتى يمكن تطبيق مبادئه بشكل براجماتي لخدمة مصالح الطبقة الوسطى الآخذة في التآكل ليس فقط في دول العالم المتقدم، بل أيضًا في دول العالم النامي؛ فالوسط الجديد يحتاج إلى الدولة، ولكن أي شكل من أشكال الدولة؟
هناك من يراها الدولة التي تتبنى النهج الاشتراكي الديمقراطي، وتؤمن بالمنافسة العالمية؛ لأن المعلومات في مجال التكنولوجيا، كما أنها تؤمن بالابتكار، وتحدّ من سطوة جهازها البيروقراطي، وتلجأ إلى حلول مبتكرة، فإنها تستلهمها من قوى المجتمع المختلفة للتوفيق بين الحاجات المتصارعة.
ولا يمكن القول بأي حال من الأحوال: إن هذه الأمنيات سوف تتحقق بمعزل عن مشاركة قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية، فالأحزاب السياسية يجب في المرحلة القادمة أن تعكس مصالح الطبقة الوسطى، وأن تتبنى برامج براجماتية وتطور قدرات بحيث تجتذب الأجيال الشابة.
كما على الدولة القيام بوضع سياسات عامة تطرح حلولاً جديدة، مثل: تحرير سياسة العمل لتسمح بالعمل الجزئي أو الموسمي أو العمل المنزلي، ومشاركة صاحب العمل في أعباء الضمانات الاجتماعية، وأن تزيد من مسؤوليتها في مجال إعادة التدريب والتعليم.
ولكن على الجانب الآخر يرى بعض الاقتصاديين أن الحل الأمثل للخروج من هذه الأزمة يتمثل في رفع يد الدولة عن الاقتصاد حتى تتمكن من تمويل نفقاتها الاجتماعية، بعبارة أخرى أن تقوم الدولة باتخاذ بعض الإجراءات الليبرالية الجديدة للخروج من هذه الأزمة، وتتمثل هذه الإجراءات في الآتي:
- تحرير المشروعات الخاصة من أية قيود تفرضها الحكومات بغض النظر عن الآثار الاجتماعية التي ستنجم عن ذلك.
- مزيد من الانفتاح على التجارة والاستثمار العالميَّين.
- حرية كاملة لحركة رأس المال والسلع والخدمات.
- تخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية، ولا تشمل تلك الخدمات فقط خدمات الصحة والتعليم، بل تمتد إلى أدوار الدولة الأساسية في الحفاظ على الأمن، وتعبيد الطرق، والإمداد بالمياه، وهي الأدوار التي ظلت تلازم الدولة حتى في ظل سيادة مفهوم العولمة.
- إلغاء مفهوم الخدمة العامة أو الخدمة الاجتماعية وإحلال محله مفهوم المسؤولية الفردية، وذلك من خلال الضغط على الطبقات الدنيا؛ لتبحث عن حلولها لمشاكلها التعليمية والصحية، وتأمين نفسها بعيدًا عن موارد الدولة.
ويتضح مما سبق أن هذه الليبرالية الجديدة وإن كان أنصارها يدعون أنها في المدى الطويل تخدم فكرة تطبيق الطريق الثالث أو الاشتراكية الديمقراطية في تدبيرها التمويل اللازم لنفقات الدولة الاجتماعية، فإنها تعبر عن ضغط من المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليّين.
هذه الليبرالية الجديدة ظهرت آثارها بشكل واضح في الضغط الذي مُورس على دول مثل شيلي والمكسيك من أجل خفض أجور العمال بمعدلات تتراوح بين 40 - 50%، في الوقت الذي زادت فيه تكلفة المعيشة بمعدل 80%، ونتج عن ذلك إفلاس أكثر من 20 ألف مشروع صغير ومتوسط.
بل حتى في الولايات المتحدة تضغط الشركات متعددة الجنسيات، مستهدفة الحد من الإنفاق على برامج الرفاهة الاجتماعية والهجوم على حقوق العمال، ويخشى الشعب الأمريكي أن يكون العقد الاجتماعي للجمهوريين في الألفية الثالثة هو ليبرالية جديدة محضة، فالليبراليون الجدد يبذلون مجهودًا كبيرًا للحدّ من برامج الحماية الاجتماعية للأطفال وللمسنين وللمتبطلين، أي المعاناة إلى ما لا نهاية.

الطريق الثالث للدول النامية

المأزق الذي تعيشه الدول النامية منذ نصف قرن هو عدم قدرتها على استلهام نموذج سياسي اقتصادي يلائم ظروفها وطبيعتها، مع ثبوت فشل تبنّيها لسياسات اشتراكية ماركسية وليبرالية ديمقراطية؛ لغياب العوامل والمكونات اللازمة لترسيخ أي من هاتين النظريتين.
لقد بدأت الدول النامية تخطو خطواتها الأولى نحو الانفتاح على الأسواق العالمية وتحرير اقتصادها وخصخصة مشاريعها، خاصة عقب انهيار النظام الاشتراكي وفقدانها الحماس للأفكار والقيم الاشتراكية، وفي الوقت الذي تحاول فيه أن تلعب دورًا في الاقتصاد العالمي، وأن تشارك في فعالياته نجدها تحاول جاهدة الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتوفير الخدمات الاجتماعية في حدودها الدنيا، أي الحفاظ على دولة الرفاهة مع عدم التخلف عن ركب الاقتصاد العالمي.
فمن الناحية النظرية يبدو هذا الطريق مجديًا لهذه الدول، محققا لآمالها وطموحاتها بدون الالتزام بالانحياز لأي فكر وأيدولوجية ما.
أما من الناحية البراجماتية(النفعية)، فإن هذه الفكرة قد يصعب تحقيقها دون مشاركة مؤسسات المجتمع المدني، وتفعيل أكبر لدور الأحزاب السياسية، وإحياء الطبقة الوسطى بحيث تعبّر الأحزاب عن احتياجاتها وفكرها، دون الضغط على موازنة الدولة أو جرّها للعب الدور الرئيسي المركزي والحاكم في الاقتصاد الوطني مرة أخرى، وفي الوقت ذاته دون دفعها إلى مزيد من الاقتراض بحيث تصبح مثقلة بالديون ومطالبة بسداد فوائدها المرتفعة عن طريق الاستقطاع مرة أخرى من نفقات دولة الرفاهة.


ليس دفاعا عن الليبرالية

بعض الإسلاميين وخصومهم يخلطون بين العلمانية وبين الليبرالية، فلا يلزم من كون الإنسان علمانياً أن يكون ليبرالياً، إذ العلمانية موقف أيديولوجي فكري من الدين أو النص أو المقدس، فالعلماني قد يكون ديكتاتورياً –وهذا الغالب- وقد يتحالف مع الشيطان، ومع الديكتاتور، ومع أي جهة كانت، ما دامت تساعده في إدارة رحى معركته ضد الدين أو ضد المتدينين. لذا فلا وجود موضوعي لليبرالية عربية، ولا أدل على ذلك من غياب ممارسة حقيقية للتسامح واحترام المخالف، وغياب أي مشروع إصلاحي مدني حقيقي، ينفع المواطن العربي في عالمنا العربي المتألم! إن سلوك العلماني العربي جعل "الليبرالية" كلمة مكروهة مشوهة تحتقرها الجماهير الصارخة بآلامها، لأنها تشاهد بأم أعينها خيانة النخب العلمانية العربية لهمومها وآمالها، ولا تجد من هذه النخب إلا تحالفاً وتبريراً للدكتاتور، مع أن هذه النخب المتخمة بالعلمنة تصيح صباح مساء قائلة: قدسوا الحرية كي لا يدوسكم الطغاة! وهم كل يوم بل كل لحظة يدوسون هموم الشعوب، ويتحالفون مع الشيطان الأصغر والأكبر، كي يتمكنوا من أغراضهم الخاصة، ونزواتهم الشخصية. العقلاء –يا سادة- مع اختلافهم وتباين توجهاتهم فإنهم قد يحترمون من يخالفهم إذا رأوه صادقاً مع نفسه ومبادئه. إن الليبرالي الذي يؤمن بمبادئه ويمارسها حقيقة، ويدافع عن كرامة الناس وحقوقهم، ويتسامح مع خصومه، ويتقبلهم، يضع له خصومه حساباً لأنهم يعلمون أنه مؤمن حقيقة بقضيته. ومن يتأمل الصحابي الكريم "عمرو بن العاص" الذي يقول عن الروم.. ما ورد في صحيح مسلم ما قد يبـيّن بعض طباع هؤلاء الناس، مع إنصافهم. فقد روى مسلم عن المستورد القرشي أنه قال عند "عمرو بن العاص" رضي الله عنه‏:‏(سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏تقوم الساعة والروم أكثر الناس‏"‏‏.‏ فقال له عمرو‏:‏ أبصر ما تقول‏.‏ قال‏:‏ أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالاً أربعاً ‏
إنهم لأحلم الناس عند فتنة‏.‏
وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة‏.‏
و أوشكهم كرة بعد فرة‏.‏
وخيرهم لمسكين و يتيم وضعيف‏.‏
وخامسة حسنة وجميلة‏:‏ و أمنعهم من ظلم الملوك).

هل كان عمرو بن العاص امبرياليا عميلا؟ ، هل تقاضى تمويلا ؟! هل هددته امريكا بنزع السلطة منه في مصر و دخولها على طريقة عاصفة الصحراء ؟ فتأملوا كلام هذا الصحابي العظيم رضي الله عنه، وكيف أنصفهم وشهد لهم بما هم أهله، مع كفرهم وعداوتهم، وتأملوا في المقابل المثقف العلماني العربي فستجدونه –في أكثر الأحيان- متسلطاً دكتاتوراً محارباً للدين في أصوله وتفاصيله، لا يهمه مسكين أو يتيم، بل سليط اللسان بذيء الألفاظ، إذا خاصم فجر، عنده كل القابلية لأن يطعن في أعراض خصومه بالبهتان، تجده يمارس أشد أنواع الإقصاء، فهو دغمائي، سادي –كما يعبرون- ليس عنده أي قابلية لأن يتسامح. لقد شوه العلمانيين العرب صور الديمقراطية و الليبرالية في اذهان الناس البسطاء الذي يكون الوازع الديني لهم جزءا من فطرتهم التي تربوا عليها ، وهذا مالا يفهمه الساسة لا العرب ولا الغربيين، العلماني العربي قوي شجاع حينما يتكلم عن الله سبحانه، وعن دينه، يدعي بطولة رخيصة، فإذا ثارت الجماهير المؤمنة صارخة متألمة من أجل ربها ودينها مسلمين و مسيحيين ، صاح العلماني العربي: أين الحرية؟ أين التسامح؟ أين قبول الرأي الأخر؟! إن الجماهير مقتت من يطنطن بالحرية وتراه لا يمارس حريته إلا حينما يتحدث عن الله ودينه، لكنه لا يتحدث بهذه الحرية حينما سرقت اللقمة الصغيرة من أفواه ملايين الشعوب، ولم يتحدث عن الأيتام، عن الفساد، عن مشاريع حقيقية ينتفع بها الإنسان.

الليبرالية في حد ذاتها فكر كما بينا من قبل لا يجوز حصره على افراد قد يخطئوا في تطبيقه او افهمه وذلك ليس دفاعا عن الليبرالية ولكن لنكون منصفين .

-------------------------
كتاب مفردات الثقافة السياسية –محمد قطب

spisos
09-04-2009, 15:54
رد إلى سمية7:

السلوكيات الإيجابية للموظف العام

لا شك أن للوظيفة دوراً محدداً تسعى إلى تحقيقه ضمن النشاطات المختلفة في كل إدارة وأن الوظيفة إذا ما تم أداؤها على الوجه المطلوب يكون دورها إيجابياً في تحقيق الأهداف والغايات التي تسعى إليها المنظمات لخدمة المجتمع الذي تعيش فيه ولذا، فإن للوظيفة العامة واجبات ومسئوليات وتشمل تخصصات وأنظمة ولوائح ، يجب على الموظف العام القائم عليها أن يستوعبها ويفهمها على أكمل وجه، ويتدرب على أفضل الطرق لتحقيق الغايات والأهداف التي أنشئت الوظيفة من أجلها .
وتتعدد المصطلحات التي تستخدم للتعبير عن الالتزامات ، فمنها ما يأخذ شكل الواجبات التي يطلب من الموظف القيام بها على خير وجه ، ومنها ما يأخذ شكل المحظورات التي يجب على الموظف الامتناع عن تأديتها تحت طائلة المسئولية ويعرف الواجب على أنه (ما طلب فعله على سبيل المثال الإلزام ) ، وتأتي سلوكيات الوظيفة العامة منطلقة من التزام الموظف العام بهذا الواجب كما حددته اللوائح والأنظمة والقوانين وابتعاده عن كل ما يتعارض معها ، ويعتبر عدم الالتزام بهذه الواجبات مخالفة يعاقب عليها النظام . والجدير هنا . أن نبين أن الموظف لا يخضع لكل ما تصدره الإدارة من منشورات وتعليمات سواء كانت متعلقة بالنواحي الإدارية أو المالية أو الأخلاقية ، كما يخضع الموظف للقرارات الفردية الصادرة في شأنه ، وكذلك للأوامر الصادرة إليه من رؤسائه بشأن العمل ، فإذا خالفها فإنه يكون قد خرج على مقتضيات وواجبات الوظيفة ويمكن تمييز نوعيين من السلوكيات هما : السلوكيات الإيجابية والسلوكيات السلبية .
تعريف السلوكيات الإيجابية :

يمكن تعريف السلوكيات الإيجابية بأنها مجموعة القواعد والقيم والمبادئ والمعايير التي يجب على الموظف الالتزام بها والتقييد بها.
السلوكيات الإيجابية للموظف العام :

تشتمل السلوكيات الإيجابية ثلاثة أنواع هي :

1. الأخلاقيات الوظيفية : هي تلك التي تتعلق بتأدية الواجبات الوظيفة وإتقان العمل بكل أمانه وإخلاص
2.الخلاقيات المسلكية : هي تلك الأخلاقيات التي تتعلق بسلوك وتصرفات الموظف داخل وخارج الوظيفة العامة ، ولقد نصت جميع أنظمة الخدمة المدنية في العالم على وجوب تحلي الموظف العام بالسيرة الحسنة والأخلاق الحميدة .
3. ألاقات متعلقة بإطاعة الأوامر الرئاسية : وردت كلمة الطاعة في اللغة بمعنى (الانقياد) والمقصود بواجب طاعة الرؤساء تنفيذ أوامر الرؤساء واحترام قراراتهم بالتعقيب على أعمال وقرارات المرؤوسين بالتعديل أو الوقف أو الإلغاء .
ويمكن على وجه التفصيل تحديد السلوكيات الإيجابية التالية :
أولاً : القوة والأمانة :

تعتبر هاتين الصفتين العظيمتين شرطين من شروط الإسلام في التعيين على الوظيفة العامة وقد وضعت شعاراً للخدمة المدنية في المملكة . لقول الله تعالى )إن خير من استأجرت القوي الأمين( الآية (26) سورة القصص .
أ‌- القوة : يختلف مفهوم القوة من وظيفة لأخرى وذلك على ضوء طبيعة عملها والمؤهلات والقدرات الذاتية اللازمة لشغلها. ويتم تقسيم الوظائف وفقاً لنوعيات وأسباب مشتركة مع تجديد الشروط والمؤهلات المطلوبة لشغل الوظيفة ، حتى يتم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب . ولهذا ، فعلى الموظف أن يتخذ جميع الوسائل والأساليب التي تجعله قوياً في بدنه وجاهزيته للعمل . وقوياً في معلوماته وأفكاره ، وقوياً في مهاراته ، ملماً ومدركاً لاحتياجات وشروط الوظيفة التي يشغلها حتى يحقق أقصى درجات الخدمة للمنتفعين من هذه الوظيفة .
ب‌- الأمانة : يقول الله تعالى ) يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون ( الآية (27) سورة الأنفال ويقول الله تعالى ) فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤيد الذي أتمن أمانته وليتق الله ربه ( الآية (283) سورة البقرة . وأمانة من الأخلاق التي تدل على سمو ورقي المجتمع ، ومن المتفق عليه عند علماء الدين والأخلاق والاجتماع أن الأمانة تعتبر من الأخلاقيات التي تعود بالخير على الفرد والمجتمع . وللأمانة معنى واسع يختلف عن المعنى الضيق الذي حصرت فيه ، حيث أن المفهوم الضيق للأمانة يعني حفظ الفرد ما يودع لديه من أموال . ولكن المفهوم الواسع والشامل للأمانة يشمل التزام الواجبات الدينية والاجتماعية وأداؤها خير أداء ، فالله سبحانه وتعالى حق على عباده ، وللمجتمع حق على الإنسان وهو أمانة يلتزم بالوفاء بها ، فإن لم يفعل كان مسيئاً إلى أصحاب الحقوق وخائناً للأمانة . ولذا فعمل الموظف أمانة وهو مؤتمن على وظيفة ولابد أن يحسن التصرف فيها ويؤدي حقوقها ويلتزم بواجباتها ، وإذا فها ذلك كان أميناً وفياً .
ثانياً : إتقان العمل :

يجب على الموظف مباشرة عمل الوظيفة المعين عليها بنفسه ، ولا يجوز له التفويض فيه إلا في نطاق الحدود النظامية وتحت مسئوليته . لأن الأصل هو مباشرة الموظف لأعمال ومهام وظيفته . كما تنص على ذلك المادة (31/6)من اللوائح التنفيذية لنظام الخدمة المدنية . ومن مستلزمات مباشرة الموظف العام لأعمال وظيفته أن يكون إيجابياً في مباشرته لهذا العمل بحيث يؤدي عمله بدقة وإخلاص ، وأن يكون هذا الأداء طيلة ساعات العمل الرسمية . فلا يكفى أن يوجد الموظف في مقر العمل بدون أن يؤدي عملاً . بل إنه مكلف بإنجاز القدر المطلوب منه بحكم ومهام وظيفته . وإلا فإنه يعتبر مقصراً .
ويشتمل إتقان العمل إجادة العمل . والسرعة في إنجازه ومحاولة تجنب الوقوع في الأخطاء كما تؤكد على ذلك إدارة الجودة الشاملة حيث يتم تعريف الجودة بأنها : (أداء العمل من أول مرة وكل مرة بدون أخطاء) . والعمل المتقن مطلوب وضروري ، وهو ما حث عليه رسول الله r بقوله (أن الله يحب أذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).
ثالثاً : الإخلاص في العمل :

يعتبر الإخلاص في العمل من أهم مقومات الموظف الناجح ، ولأن طبيعة العلاقات بين الموظف العام والدولة هي علاقة تعاقدية و بناءً على هذه العلاقة واستناداً إلى قوله تعالى (وأوفوا بالعهد أن العهد كان مسئولا)الآية (34)سورة الإسراء. فأن يترتب على الموظف العام أن يؤدي العمل الموكول إليه بأقصى الإمكانات المتوافرة لديه وفاءً لهذا العقد . كما يجب أن يكون هذا الأداء مستوفياً لجميع الشروط الفنية استناداً لقوله تعالى (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ، ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين) الآية (85) سورة هود .
ولذلك ، يجب على الموظف إنجاز المهملات بسرعة وعليه أن يتفادى التأخير في البت فيها، هذا التأخير الذي قد ينجم عنه ضرر بمصالح المراجعين قد تتحمل الإدارة أو الموظف نفسه المسؤولية الناجمة عنه ، كما يشترط على الموظف أن يتجرد من أهوائه الشخصية أثناء تأديته لمهام وظيفته ويبذل الجهد اللازم والتضحية الممكنة في سبيل تحقيق أهداف وظيفته والمنظمة التي يعمل فيها .
رابعاً : المحافظة على أوقات الدوام الرسمي :

وقت العمل ليس ملكاً للموظف أنما هو ملك للجمهور وللمنظمة التي يعمل بها ، فعليه أن يكرس كل جهده ووقته في تأدية العمل الذي أوكل إليه من خلال واجبات وظيفته المحددة حيث تنص المادة (11/ج)من نظام الخدمة المدنية على أن (أن يخصص وقت العمل لأداء واجبات وظيفته وأن ينفذ الأوامر الصادر إليه بدقه وأمانة في حدود النظم والتعليمات ) .
لذا فإن احترام مواعيد العمل الرسمية التي حددتها اللوائح تعتبر من أهم واجبات الوظيفة والتي يجب على الموظف أن يخصصها لتأدية هذه الواجبات،وأن يتقيد بهذه المواعيد من حيث الحضور والانصراف،كما أن التغيب بدون عذر أو إذن رسمي أو التأخير عن الدوام يعتبر إخلالاً بالواجبات الوظيفية تقتضي المساءلة النظامية. ويترتب على عدم التزام الموظف بأوقات الدوام الرسمي أضرار عديدة مثل تدني إنتاجية بالعمل والإضرار بمصالح المنظمة والإخلال بأدوار الآخرين .
خامساً : تطبيق القوانين والأنظمة النافذة :

أ‌- القوانين المنظمة للعمل : يجب على الموظف أن يطبق القوانين والأنظمة واللوائح النافذة دون أي تجاوز أو مخالفة أو إهمال ، فالموظف مسئول خلال قيامه بوظيفته عن احترام الشرعية والتقيد بالقوانين والأنظمة ، ولا يحقق له اتخاذ أي قرار أو تدبير أو موقف لا يستند إلى أساس نظامي وعليه أن يطبق بدقة وإخلاص القوانين والأنظمة المعمول بها دون أي تجاوز على صلاحيات غيره من الموظفين رؤساء أو مرؤوسين ، وتجاوز على اختصاصات سلطة أخرى .
ب‌- الأنظمة واللوائح التي تنظم علاقة الموظف بجهة العمل : وضع نظام الخدمة المدنية من أجل تنظيم العلاقة بين الموظفين وجهة عملهم بحيث يتم الاحتكام لتلك الأنظمة واللوائح عندما يتطلب الأمر كذلك . ولهذا لابد للموظف عند بداية التحاقه بالخدمة المدنية من الإطلاع على تلك الأنظمة واللوائح من أجل التعرف على ماله من حقوق وما عليه من واجبات والالتزام بها .
وهناك العديد من المصادر التي يمكن للموظف الاستفادة منها في هذا المجال كنظام الخدمة المدنية ولوائحه التنفيذية بالمملكة العربية السعودية الصادر عن الديوان العام للخدمة المدنية ، حيث يحوي هذا المصدر جميع أنظمة الخدمة المدنية مثل (الإجازات ، سلم الرواتب ، شغل الوظيفة ، واجبات الوظيفة ، البدلات ، الجزاءات، المكافآت ، إنهاء الخدمة ،.....)
ج. تنفيذ القرارات والأوامر الصادرة إليه (19): يدخل في نطاق تنفيذ الأعمال الوظيفية تنفيذ الموظف للأوامر والقرارات الصادرة إليه ، وأن كان الموظف يعتقد عدم نظامية هذه الأوامر والقرارات ، بل أن عليه في هذه الحالة التنفيذ ثم الاعتراض بالطرق النظامية ، لأن اعتراضه قبل التنفيذ قد يعتبر نوعاً من التحدي والعصيان للقرار الحكومي ، إلا إذا كانت هذه الأوامر والتعليمات مخالفة بصورة صريحة وواضحة للقوانين والأنظمة فإن عليه أن يفيد رئيسه خطياً بذالك ، ولا يلزم تنفيذها إلا إذا أكدها رئيسه خطياً .
سادساً المحافظة على المال العام :

يعتبر الحفاظ على المال العام بشقيه النقدي والعيني من أهم الواجبات المنوطة بالموظف ، وذلك لأن المال العام هو مال الأمة كلها وهو الوسيلة الأهم في تحقيق الأهداف والقدرة على تقديم الخدمات للمواطنين على النحو الأمثل ومن ثم السعي نحو النمو الاقتصادي الذي يؤدي إلى الرفاه الاجتماعي .ولذلك يجب على الموظف العام أن يحافظ على هذه الأموال عن طريق الترشيد في استهلاكها واستعمالها وأن يحافظ على صيانتها بصورة منتظمة ، وأن يسعى باستمرار لتخفيض مستوى الإنفاق دون الإضرار بمستوى الأداء وذلك تحقيقاً لمبدأ الكفاءة والفعالية . كما ينبغي ألا يستغل أياً من هذه الأموال النقدية والعينية لأي استخدام شخصي له أو لأي من معارفه .
سابعاً : التفرغ للعمل الوظيفي :

يتعين على جميع موظفي الدولة التفرغ لأداء مهمات وظائفهم ، فلا يجوز لهم كمبدأ عام ممارسة عدة أعمال مختلفة في وقت واحد ، ويجب على الموظف العام أن يكرس كامل وقته لأداء مهمات الوظيفة التي عين عليها . وقضى نظام الخدمة المدينة (20)في المملكة العربية السعودية بأن يكون تفرغ الموظف لوظيفته واتخاذه إياها حرفيه الأساسية هو أحد الواجبات الملقاة على عاتق الموظف . وقد عللت الحكمة من وراء ذاك بأن لا تتنازع الموظف مصالح متعارضة ، بعضها خاص بالوظيفة العامة وبعضها خاص بالعمل الخارجي . ولذلك فإن الأمر يتطلب أن يصرف الموظف جل وقته لأعمال وظيفته . ويترتب على ذلك ما يلي :
أ‌.عدم الجمع بين وظيفتين حكومتين : حيث تحضر التعليمات (21) الوظيفة تقاضي الموظف راتبين من خزانة الدولة من جراء شغله وظيفتين في آن واحد باستثناء بعض الحالات المنصوص عليها في بعض الأنظمة كجواز الجمع بين الوظائف (22) الخاضعة لنظام الأئمة والمؤذنين أو بينهما وبين الوظائف العامة الأخرى .
ب.عدم مزاوله الموظف لمهنته في غير وقت الدوام بدون ترخيص : حضر نظام الخدمة المدنية (23) على الموظفين باستثناء أصحاب التخصصات الفنية المساعدة أو الحرفية مزاولة تخصصاتهم في غير أوقات الدوام الرسمي بدون إذن رسمي ممن يملك الصلاحية في ذلك . فقد نص نظام الخدمة المدنية بأنه (لا يجوز للموظف الجمع بين وظيفته وممارسة مهنه أخرى ، ويجوز الترخيص للاشتغال بالمهن الحرة لمن تقضي المصلحة العامة بالترخيص لهم في ذلك لحاجة البلاد إلى مهنهم ، ويكون منح هذا الترخيص من قبل الوزير المختص وتحدد اللائحة شروط منح هذا الترخيص) (24) ولم تصدر اللائحة المشار إليها (25) إلا أن مجلس الوزراء قضى بعدم السماح للموظفين في القطاع العام بممارسة المهن الحرة ، ويجوز للمجلس بناءً على توصية من مجلس القوى العاملة والخدمة المدنية استثناء شاغلي فئات معينة من وظائف ذات تخصص معين على ألا يتعارض عملهم في مهنهم مع عملهم الأصلي وألا يؤثر في مصلحة الدولة .
ج. عدم مزاولة التجارة : يحتاج الموظف العام للتفرغ لعمله الوظيفي ، ولما كانت التجارة تشغل الموظف عن ممارسة مهامه فإن أغلب أنظمة الخدمة المدنية في العالم تمنع اشتغال الموظف العام بالتجارة سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة . ويقصد بالأعمال التجارية تلك الأعمال (26) التي تؤدي إلى اكتساب الموظف صفة التاجر حسب القواعد القانونية التجارية ، وذلك كأن يمارس الشراء والبيع على سبيل الاحتراف .
ب‌.ثامناً :احترام وطاعة الرؤساء :

بنيت الإدارة العامة ومنذ القدم على شكل هرمي إداري يتصاعد تدرجياً حتى يصل إلى قمته الذي يشغلها الرئيسي الإداري الأعلى . بمعنى آخر يتوسط الرئيس الإداري بين مرءوسيه الإداريين والقانون ، وإليه تعود ما تسمى بالسلطة الرئاسية (27) وتشمل السلطة الرئاسية مايلي (28) :
1. سلطة توجيه المرؤوسين في أعمالهم بإصدار الأوامر أو التعليمات اللازمة لحسن سير العمل التي يلتزم المرؤوسين باحترامها والتقيد بها .
2. سلطة إلغاء أو وقف أو تعديل الأعمال أو القرارات التي تصدر من المرؤوسين .
3. سلطة مسائلة الموظفين تأديبياً عنا يرتكبونه من مخالفات مسلكية .
كما أن واجب الطاعة من الأمور التي حث عليها الإسلام ، وحدود واجب الطاعة في الإسلام تمثلت في الآية (59) من سورة النساء ) يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( والمقصود بأولي الأمر منكم (29) المسئولين باختلاف مستوياتهم سواء كانوا حكاماً أم رؤساء إدارات. والطاعة تتمثل أيضاً في الحديث الشريف الذي يوضح حدود الطاعة التي أقرها الإسلام : قال رسول الله r :( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية . فلا سمع ولا طاعة ). وقد أجمعت أنظمة الخدمة المدنية العالمية على وجوب الطاعة الرئاسية وذلك داخل نطاق عمله . وكذلك النظام الأمريكي الذي يعتبر التزام الموظفين بالطاعة نحو السلطة الرئاسية هو نتيجة طبيعية لخضوعهم للقوانين العادية والدستورية للدولة (30) ولالتزام الموظفين بطاعة رؤسائهم والاستجابة لأوامرهم وتوجيهاتهم أهمية كبيرة على حركة سير العمل وسرعة الإنجاز وانسجام القرارات التي تصدرها الجهة الإدارية . كما أن لها أثراًَ كبيراً على تعزيز العلاقات الإنسانية في العمل ودعمها إيجابياً وتنميها .
تاسعاً : مراعاة آداب اللياقة (31):

لقد تضمنت المادة (11) من نظام الخدمة المدنية في المملكة على جانب أخلاقي يتضح من نص المادة حيث يجب على الموظف الحكومي أن يراعي آداب اللياقة في تصرفاته مع الجمهور ورؤسائه وزملائه ومرءوسيه . والمقصود بآداب اللياقة مقتضيات الذوق العام . حسن المعاملة لأن طبيعة عمل الموظف الحكومي تحتم عليه الاحتكاك بمنسوبات مختلفة من الناس والدخول في علاقات أيضاً مختلفة وبنجاح هذه العلاقة يعتمد اعتماداً كبيراً على أسلوبه في المعاملة . والمادة المذكورة حددت ثلاث فئات من الناس يجب على الموظف أن يتحلى بآداب اللياقة وبذل روح التعاون و التفاهم معهم . وهذه الفئات هي الجمهور من المراجعين والرؤساء والزملاء في العمل . وسنحاول أن نوضح نوعية هذه العلاقة مع كل فئة .
أ ـ العلاقة مع الجمهور والمراجعين : يراجع الدوائر الحكومية عدد كبير من المراجعين من أصحاب المعاملات والمصالح وقد يكون من بينهم الموظف الذي ترك عمله ، والتاجر الذي تعطلت مصالحه ، والطالب الذي تغيب عن درسه ، والمريض والعاجز الذي تكبد مشقة الحضور إلى هذه الإدارات جميعهم أتوا وهم يطمعون في إنهاء إجراءات معاملاتهم ، ومع هذا قد يواجهون نوعية من الموظفين يتسمون بالانفعالية والعبس ، ويقابلونهم بسوء المعاملة والتسويق والمماطلة. أن الموظف الحكومي يجب أن يكون ذلك الإنسان الأمين المخلص الذي أؤتمن على مصالح الناس . فعليه أن يعاملهم معاملة حسنة بكل أدب ولياقة ، فالدين المعاملة ، وأن يسعى إلى إنجاز أعمالهم في الوقت المناسب وبدون مماطلة أو تسويف ، لأن تحقيق مصالح المواطنين من المراجعين يعتبر تحقيقاً للمصالح العامة ، وهذا هو الهدف الرئيسي الذي ترمي إليه الوظيفة العامة ، ولهذا فإن أي إهمال أو إساءة يقوم بها الموظف تجاه الجمهور يعتبر تقصيراً في أداء واجباته الوظيفية . إن العمل الإداري يعتبر عمل إنسانياً يقتضي تقديمه بالوسائل والأساليب الإنسانية بحكم أن الوظيفة العامة تكليف للموظفين يدفعهم إلى التكبر أو الاستعلاء على غيرهم من الموطنين . بل هم ملزمون بالتعاون والتفاهم معهم . والإصغاء والاستماع إلى مطالبهم وشكواهم والعمل على حلها وتسهيلها . وترجع أهمية السلوك الأخلاقي الحميد الذي يجب أن يتمسك به موظفو الدولة مع المواطنين إلى أن العلاقة بين المواطنين والدولة تزداد عمقاً وتلاحماً . وهذا يقتضي أن يجد المواطن المعاملة الطيبة والكريمة في الإدارات الحكومية . وتتمثل هذا التصرفات السيئة في سوء التصرف في المواقف الحرجة التي يتعرضون لها أثناء دوامهم اليومي . أو تعطيل معاملات الجمهور أو تفصيل البعض على الآخر .
ب ـ العلاقة مع الرؤساء : هذه العلاقة تتمثل في توقيرهم ،ويقصد بها التزام اللياقة والأدب في الاتصال بهم ، ويظهر الالتزام أثناء اللقاء بهم في العمل والتخاطب معهم . إن احترام الرؤساء والالتزام بآداب اللياقة والأدب في التعامل معهم من أهم الواجبات التي يجب على الموظف أن يحرص عليها ، إن يحرص عليها ، أن السلوك الحسن والتعامل الطيب القائم على الاحترام المتبادل والتقدير تنعكس عليه فوائد جمة تعود على مصالح العمل والموظف والرئيس ، لأن العلاقة الحسنة بين الرئيس والمرؤوس لاشك أنها تسهم بشكل كبير في تعميق روح المودة والتعاون وسرعة الإنجاز ، وتمنع التفكك بين أعضاء التنظيم . إن احترام الرؤساء وتوقيرهن لا يمنع الموظف من حقه في الشكوى والطعن في التصرفات الإدارية الناجمة عن الانحراف وسوء استخدام السلطة ولكن في حدود القانون الذي تقتضيه ضرورة الدفاع بعيداً عن التجاوزات التي من شأنها إظهار التحدي للرؤساء أو التمرد أو التطاول عليهم أو التشهير والمساس بكرامتهم على أن لا تكون الشكوى هدفها الإساءة إلى الآخرين ، وكُيل الاتهامات لهم دون دليل قاطع والرغبة في التشهير بهم والنيل منهم وتجريحهم . والاختلاف في الرأي بين الرئيس والمرؤوس لا حرج فيه بشرط أن يكون في حدود الأدب واللياقة وحسن السلوك والاحترام الواجب نحو الرئيس ، فالحقيقة هي وليدة اختلاف الرأي . ولا يجليها إلا قرع الحجة بالحجة ، ومناقشة البرهان بالبرهان . فالموظف الذي يخرج عن حدود اللياقة والأدب يعد تصرفه مخالفة تأديبية في حقه . واحترام الرئيس واجب أخلاقي لا يقتصر فقط على محيط العمل ، بل يتبعه في كل مكان يلقيان فيه ، على اعتبار أن الاحترام والتقدير لا يقتصر على محيط العمل فقط بل خارجه ، وتتمثل إهانة الرؤساء في التطاول عليهم وتهديدهم بالأذى سواء كان بالتهديد شفوياً أو كتابة أو بواسطة آخرين .
ج ـ العلاقة بين الزملاء : أن روح العمل الجماعي المبني على التعاون وروح المودة والاحترام والثقة من أهم المبادئ الإدارية التي يجب على الموظف أن يدركها فعليه أن يحسن معاملة زملائه من الموظفين وأن يتعاون معهم في إنجاز العمل وتقدمه خاصة تلك التي تحتاج إلى مجهود جماعي منسق إن تعاون الموظف مع زملائه يمكن تحديده في جانبين هما :
أولاً : عدم السعي إلى حجب المعلومات عن زملائه ، أو تقديم معلومات مظللة يكون القصد منها وضع العقبات والعراقيل ليحول دون إنجاز زملائه لأعمالهم .
الثاني : وهو إيجابي ويظهر في التعاون مع زملائه والأخذ بيدهم ومساعدتهم بكل ما أمكن وتنويرهم بما يعود على العمل بالفائدة الكبيرة ، وهذا يجب أن ينطلق من الإحساس بالمسئولية والضمير الحي والأخلاق الفاضلة . ولا شك أن الشعور بالراحة النفسية والطمأنينة في العمل تعود إلى شعور الموظف بالرغبة إلى الانتماء إلى المجموعة ، والى كونه محبوباً ومحترماً من الجميع ، مما يولد عنده الرضا والسرور ، وبالتالي الروح المعنوية العالية . ومن الواجبات الأخلاقية - أيضاً – التي يجب أن يتحلى بها الموظف تجاه زملائه : تجنب الحصول على ميزة شخصية على حساب زملائه وجهودهم ، خاصة عندما ينسب إلى نفسه وحده الفضل في إنجاز العمل الذي أسهم زملاؤه في إنجازه ، أو تقديم الآراء والمقترحات التي شاركوا في وضعها ويناسبها إلى نفسه .
د. العلاقة مع المرؤوسين : تتمثل آداب اللياقة مع المرؤوسين في مراعاة الرئيس أو المدير المبادئ الأخلاقية العامة ، كالعدل والإنصاف ، والمساواة ،والحياد في التعامل بين المرؤوسين ، بالإضافة إلى فهم الاختلافات بين المرؤوسين في الطبائع والاتجاهات والميول والقيم والمعنوية والاعتبارات الإنسانية لأن ذلك يعمل على رفع روح المعنوية للمرؤوسين ، ويحقق الرضا الوظيفي والأخلاقي في العمل مما يحفزهم على مضاعفة الجهد ورفع كفاءة العمل ، ولا يعني حسن التعامل أن يتبسط الرئيس مع المرؤوسين بطريقة عير مقبولة أو معقولة ، بل يجب أن يكون بصورة طبيعة وعفوية تبنى على الثقة المتبادلة والتعاون .


عاشراً : الترفع عما يخل بشرف الوظيفة العامة والكرامة :

تعتبر هذه السلوكيات من ضمن الواجبات الوظيفية التي يلتزم بها الموظف لقاء شغله الوظيفة العامة ، وقد نص نظام الخدمة المدنية على أنه (32) " يجب على الموظف أن يترفع عن كل ما يخل بشرف الوظيفية والكرامة سواء كان ذلك في محل العمل أم خارجه" . ويتضح من هذا النص أن التزام الموظف بهذا الواجب لا يقتصر على مقر العمل بل عليه الالتزام خارج مقر العمل ، في داخل البلاد وخارجها ويتطلب هذا الواجب من الموظف الابتعاد عن التصرفات التي تسئ إلى سمعته وسمعة الجهة الإدارية التي يعمل بها . ولأن لا يوجد معيار يحدد هذه التصرفات فإن مركز الموظف ومقر عمله يلعبان دوراً في تحديد هذه التصرفات ، فما يطلب من الموظف الكبير في هذا الشأن قد لا يطلب من الموظف الصغير ، وكذلك الشأن بالنسبة لطبيعة العمل ، فالمستشفيات تتميز بحساسية خاصة بسبب اتصالها المباشر والمستمر بالجهود من الجنسين ، مما يتطلب من القائمين على العمال في مثل تلك المرافق أن يكونوا على درجة عالية من السلوك الوظيفي القويم والحرص على أداء الواجب والابتعاد عن مواطن الريب درءاً للشبهات .
أحد عشر : الولاء للوطن والاسترشاد بالمصلحة العامة :
يقع واجب الولاء للوطن على عاتق المواطن بصفة عامة سواء كان موظفاً حكومياً أو غيره ، إلا أن التزام الموظف بهذا الواجب أقوى من غيره ، وذلك بسبب العلاقة الوظيفية التي تربط بينه وبين الدولة . ويسأل الموظف عن كل ما يتعارض مع هذا الواجب ، كالتعاون مع أعداء الدولة .
كما يقتضي هذا الواجب أن يكون الموظف متحفظاً في أبداء الرأي في المسائل والقضايا العامة وفي الأمور المتعلقة بعمل المرافق العامة،سواءً كان إبداء الرأي في المجتمع عام أو عبر وسائل الإعلام. ويختلف ذلك من موظف لأخر حسب المركز الوظيفي الذي يشغله. ويؤكد نظام الخدمة المدنية على عدم توجيه النقد او اللوم إلى الحكومة في الصحف المحلية والخارجية. ومفهوم(الحكومة )هنا مفهوم واسع يشمل سائر السلطات العامة ، بما فيها السلطة التنفيذية والسلطة التنظيمية والسلطة القضائية.
إضافة إلى ذلك يجب على الموظف أن يراعي في عمله المصلحة العامة دون سواها. وبتالي علية أن يحقق المصلحة العامة في تأدية مهام وواجبات وظيفته التي يجب أن تكون هدفاً له . مبتعداً في ذلك عن تحقيق مآربه ومصالحة الشخصية على حساب المصلحة العامة.

spisos
09-04-2009, 16:16
رد إلى كمال 14:


أخي الكريم ..شكرا على مشاركتك معنا...
بالنسبة لكتاب العرب لماكسيم رودنسون
هو كتاب مفقود ..و نسخته الأصلية في مكتبة فرنسية
بالنسبة للنسخ لا يتم الحصول عليها بسهولة..فهي للبيع
مقابل مئات الدولارات على الأنترنت
فمجرد الحصول على تلخيص الكتاب (بطاقة قراءة) هذا يستلزمك
دفع مستحقاتها و المقدرة بـ1.80دولار ..المبلغ ليس كبيرا..
لكن البطاقة غير متوفرة

هذا هو مؤلف الكتاب:

http://www.alimbaratur.com/All_Pages/X_Files_Stuff/X_1/X_2_A.jpg

المستشرق ماكسيم رودنسون وقف
على مفترق اليهودية والاسلام
يحتل المستشرق الفرنسى ماكسيم رودنسون المتحدر من عائلة يهودية روسية، والذى توفى الاحد فى مرسيليا (جنوب شرق) عن 89 عاما، مكانة خاصة على مفترق اليهودية والاسلام، حسب ما وصفه المؤرخ جيرار خوري.

وكان رودنسون اللغوى والمتخصص بثلاثين لغة ولهجة والكاتب الغزير الانتاج، رجلا ملتزما ولا سيما لمصلحة القضية الفلسطينية. وقال خورى الباحث فى معهد دراسات العالم والاسلامى فى اكس-اون-بروفانس قرب مرسيليا، لوكالة فرانس برس "ان ميزاته الاساسية كانت تأهيلا نموذجيا ودقة وصرامة اتاحتا له ولوج عالم العلوم من بابه الواسع، اضافة الى مواقف سياسية شجاعة انطلاقا من معرفته بخفايا الثقافتين".

ولد رودنسون من عائلة متواضعة فى السادس عشر من كانون الثاني/يناير 1915 من والد روسى وام بولندية . وعمل فى مطلع حياته كمستخدم جوال فى احد المكاتب.

ونجح رودنسون العصامى فى السابعة عشرة فى مباراة الدخول الى معهد اللغات الشرقية ونجح لاحقا فى شهادة البكالوريا. وفى 1937، تزوج ودخل الى المركز الوطنى للبحوث العلمية وانتسب الى الحزب الشيوعي.
وقال المؤرخ جيرار خورى الذى يعرف رودنسون منذ ثلاثين عاما "كان شخصا شديد التدقيق والتمحيص وموسوعيا كبيرا". وفى 1977، بدأ الرجلان حوارا نشر تحت عنوان "بين الاسلام والغرب".

واوضح خورى "ان اعماله المعترف بها من قبل الاوساط العلمية، تصل فى الوقت نفسه الى العموم"، مضيفا ان العمل الرئيسى لماكسيم رودنسون هو "محمد" (1961) وهو قراءة ماركسية موثقة لحياة النبي. واضاف خورى ان "رودنسون ساهم فى تعديل القراءة الطائفية للاسلام الذى لا يعجز حسب رايه عن الدخول الى الحداثة. انه اسهام كبير على نقيض ما نشهده اليوم، اى جهل بالاسلام".

وماكسيم رودنسون الذى عمل من اجل التقارب بين ضفتى المتوسط عن طريق التعددية وحوار الثقافات، اتخذ موقفا فى 1968 من القضية الفلسطينية. وانشأ مع المستشرق الفرنسى جاك بيرغ مجموعة الابحاث والاعمال من اجل فلسطين.

وقال خورى ان هذا العمل "سبب له بصفته يهوديا ومعاديا للصهيونية، كل انواع الانتقادات والتهديدات الممكنة. لكنه لم يتخل عن هذا الموقف ابدا".

واوضح "لم يكن يتخذ ابدا موقفا من دون الاخذ بالاعتبار كل الاحتياطات اللازمة. كان يخشى خدش الحقيقة العلمية وجرح الاخرين. كان يقف عند مفترق القيم اليهودية وتلك الخاصة بالعالمين العربى والاسلامى فى جو من التفاهم وليس الاستبعاد".
--------------------------------
http://www.aawsat.com/2004/05/26/images/last.235894.jpg

spisos
09-04-2009, 16:33
رد إلى سمية7:

أختي الكريمة بحثك كاملا بالتهميش و المراج موجود في الرابط التالي:

http://www.4shared.com/file/28177436/1dca249/______.html

spisos
09-04-2009, 16:55
رد إلى amina:


النيباد:


مقدمة

شهد إنشاء الاتحاد الإفريقي مبادرات متزامنة لتركيز الاهتمام على الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا التي اعتمدها مؤتمر قمة منظمة الوحدة الإفريقية في لوساكا بزامبيا في 11 يوليو 2001.
وتمثل هذه المبادرة الإفريقية الجديدة تعهداً من قبل الزعماء الإفريقيين، يستند إلى رؤيا جماعية واقتناع جازم ومشترك، بأن عليهم واجباً ملحاً باستئصال الفقر ووضع بلدانهم، فرادى ومجتمعة، على طريق النمو والتنمية المستدامين، والمشاركة بنشاط، في نفس الوقت، في الاقتصاد العالمي وفي مجتمع السياسة. ويرتكز البرنامج على تصميم الأفارقة على تخليص أنفسهم والقارة من آفة التخلف والاستبعاد في عالم آخذ في العولمة.
إن فقر إفريقيا وتخلفها يتناقض بشكل صارخ مع ازدهار العالم المتقدم. ويشكل التهميش المستمر لإفريقيا من عملية العولمة والاستبعاد الاجتماعي للغالبية العظمى من شعوبها تهديداً جسيماً للاستقرار العالمي.
ومنذ سبعينات القرن الماضي، وانضمام البلدان الإفريقية إلى مؤسسات المجتمع الدولي، قام منطق التنمية الإفريقية على ثنائي الائتمان والمعونة. وأفضى الائتمان إلى ورطة المديونية، التي لا تزال قائمة، وهي التي بدأت بالأقساط وانتهت بإعادة الجدولة، وتعوق نمو البلدان الإفريقية. وقد تم الوصول إلى آخر حدود هذا الخيار. وفيما يتعلق بالعنصر الآخر في الثنائي- أي المعونة- فإن بوسعنا أن نلحظ أيضاً انخفاض المعونة الخاصة والحد الأعلى للمعونة العامة، وهو ما يتناقض مع أهداف السبعينات.
2 الاستراتيجية

تنطوي الاستراتيجية التي تقوم عليها المبادرة على الهيكل التالي:
● الشروط الأساسية المسبقة للتنمية
- السلم، والأمن والديمقراطية والحكم السياسي السليم
- الإدارة السليمة للاقتصاد والشركات مع التركيز على إدارة المالية العامة
- التعاون والتكامل الإقليميان
● القطاعات ذات الأولوية
- البنية التحتية
- تكنولوجيا المعلومات والاتصالات
- التنمية البشرية، مع التركيز على الصحة والتعليم وتنمية المهارات
- الزراعة
- النهوض بتنويع الإنتاج والصادرات، مع التركيز على تيسير سبل وصول الصادرات الإفريقية إلى الأسواق في البلدان الصناعية.
● تعبئة الموارد
- زيادة المدخرات وتدفقات رؤوس الأموال من خلال المزيد من تخفيف عبء الدين، وزيادة تدفقات المعونة الإنمائية الرسمية ورؤوس الأموال الخاصة، علاوة على الإدارة الأفضل للإيرادات والمصروفات العامة.
3 المواضيع الرئيسية

يناقش النص التالي بشكل عمومي بعض العناصر الآنفة، التي تؤثر فيها رسالة الاتحاد الدولي للاتصالات، ورسالة مكتب تنمية الاتصالات على وجه الخصوص، بدرجة كبيرة.
1.3 التكامل الاقتصادي

معظم البلدان الإفريقية صغيرة، من حيث عدد السكان وحصة الفرد من الدخل على حد سواء. ونتيجة لكون أسواقها محدودة، فإنها لا تقدم عوائد جذابة للمستثمرين المحتملين، بينما يتأخر التقدم الممكن تحقيقه في تنويع الإنتاج والصادرات. ويعمل ذلك على الحد من الاستثمار في البنية التحتية الضرورية التي تعتمد في جدواها العملية على وفورات الحجم.
وتبين هذه الظروف الاقتصادية الحاجة إلى قيام البلدان الإفريقية بتجميع مواردها وزيادة التعاون الإقليمي والتكامل الاقتصادي في القارة بغية تحسين قدرتها التنافسية الدولية. ولا بد من تقوية التجمعات الاقتصادية الإقليمية الخمسة: غرب إفريقيا وشمال إفريقيا ووسط إفريقيا وشرق إفريقيا والجنوب الإفريقي.
وتركز المبادرة الإفريقية على توفير السلع العامة الإقليمية الأساسية ( مثل النقل، والطاقة، والمياه، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، واستئصال الأمراض، وصون البيئة، وتوفير قدرة البحث الإقليمية)، علاوة على النهوض بالتجارة والاستثمارات البينية الإفريقية. وسيتم التركيز على ترشيد الإطار المؤسسي للتكامل الاقتصادي بواسطة تحديد المشاريع المشتركة المتوافقة مع البرامج الإنمائية القطرية والإقليمية المتكاملة، وعلى تجانس السياسات والممارسات الاقتصادية والاستثمارية. وثمة حاجة إلى تنسيق السياسات القطاعية الوطنية والرصد الفعال للقرارات الإقليمية.
وستعطي المبادرة الإفريقية أولوية لبناء القدرة على تعزيز فعالية الهياكل الإقليمية القائمة وترشيد المنظمات الإقليمية القائمة. ولا بد من أن يقوم بنك التنمية الإفريقي بدور قيادي في تمويل الدراسات والبرامج والمشاريع الإقليمية.
وينبغي الاعتراف في جهود التكامل بالظروف الخاصة للبلدان الجزرية الصغيرة في إفريقيا.
2.3 الفجوات في البنية التحتية

تعتبر البنية التحتية أحد المؤشرات الرئيسية للنمو الاقتصادي، وينبغي البحث عن حلول تسمح لإفريقيا بأن ترتفع إلى مستوى البلدان المتقدمة من حيث تراكم رأس المال المادي ورأس المال البشري.
ولو كانت إفريقيا تملك نفس البنية التحتية الأساسية التي تملكها البلدان المتقدمة، لكانت في وضع مؤات جداً بحيث تركز على الإنتاج وتحسين الإنتاجية من أجل المنافسة الدولية. وتشكل الفجوة الهيكلية في البنية التحتية معوقاً جسيماً جداً للنمو الاقتصادي والحد من الفقر. فالبنية التحتية المحسنة، بما في ذلك تكلفة الخدمات وإمكانية التعويل عليها، تعود بالفائدة على إفريقيا وعلى المجتمع الدولي الذي سيستطيع أن يحصل على السلع والخدمات الإفريقية بشكل أرخص جداً.
لقد بنى المستعمرون في الكثير من البلدان الإفريقية البنية التحتية المطلوبة لتصدير المواد الخام الإفريقية واستيراد سلعهم الصناعية إلى إفريقيا.
وإذا ما كان للبنية التحتية أن تتحسن في إفريقيا، فإن التمويل الأجنبي الخاص يعتبر لازماً لاستكمال طريقتي التمويل التقليديتين، ألا وهما الائتمان والمعونة.
3.3 التنمية البشرية: الصحة والتعليم

تدور التنمية البشرية حول توسيع خيارات الناس وتمكينهم من التمتع بحياة صحية وخلاقة طويلة. ويتبنى البرنامج استراتيجيات استئصال الفقر المتعددة الاتجاهات المدعومة من قبل عدد من الوكالات الإنمائية والجهات المانحة المتعددة الأطراف. ويدعو البرنامج إلى قيام الحكومات الإفريقية ومجتمع المانحين بزيادة الاستثمار في الخدمات الصحية.
وتتمثل المشاكل الرئيسية في التعليم في إفريقيا في سوء المرافق وعدم ملاءمة الأنظمة التي تحصل الغالبية العظمى من الأفارقة على التدريب بواسطتها. وقد أظهر الأفارقة الذين أتيحت لهم الفرصة لتلقي التدريب في أماكن أخرى من العالم قدرتهم على المنافسة بنجاح.
وتؤيد الخطة القيام بتقوية النظام الجامعي في كافة أنحاء إفريقيا فوراً، بما في ذلك إنشاء جامعات متخصصة حيثما تطلبت الحاجة، والاستفادة من هيئات التدريس الإفريقية المتاحة. وتم التشديد بوجه خاص على الحاجة إلى تعزيز وجود معاهد التكنولوجيا.
والعنصر الهام الثاني في التعليم هو بناء المدارس الابتدائية في جميع القرى، والمدارس الثانوية في جميع الأقاليم.
4.3 الزراعة

تعيش غالبية الشعوب في إفريقيا في المناطق الريفية. بيد أن الأنظمة الزراعية ضعيفة بوجه عام وغير مثمرة. وحيث يقترن ذلك بالنكسات الخارجية، مثل عدم التيقن من المناخ، والتحيزات في السياسة الاقتصادية والتغيرات في الأسعار العالمية، فقد عملت هذه الأنظمة على تثبيط المعروض الزراعي والدخل في المناطق الريفية، مما أفضى إلى انتشار الفقر.
وتتطلب الحاجة الملحة لتحقيق الأمن الغذائي في البلدان الإفريقية أن تتم معالجة الأنظمة الزراعية غير الملائمة بحيث يمكن زيادة إنتاج الأغذية ورفع مستويات التغذية.
وإدخال تحسينات في الأداء الزراعي يعد شرطاً أساسياً مسبقاً للتنمية الاقتصادية في القارة. كما أن من شأن الزيادة الناجمة عن ذلك في القوة الشرائية لأهالي الريف أن تفضي إلى طلب فعلي أعلى على السلع الصناعية الإفريقية. وستشكل الديناميكيات المستحثة مصدراً هاماً للنمو الاقتصادي.
وتتوقف التحسينات الإنتاجية في الزراعة على إلغاء عدد من القيود الهيكلية التي تؤثر على القطاع. وأحد القيود الرئيسية عدم التيقن من المناخ، وهو ما يوجد عامل مخاطر في وجه الزراعة الكثيفة المستندة إلى تدفق الاستثمارات الخاصة بشكل بارز. وبالتالي، لا بد للحكومات من أن تدعم توفير الري وتعمير الأراضي القابلة للري عندما لا تبدي العناصر الخاصة استعداداً للقيام بذلك. كما أن تحسين البني التحتية الريفية الأخرى ( الطرق، وإدخال الكهرباء في الريف، إلى آخره) ضروري.
ولم تول الجهات المانحة الثنائية والمؤسسات المتعددة الأطراف سوى اهتمام قليل جداً في الآونة الأخيرة بقطاع الزراعة والمناطق الريفية التي تضم 70 في المائة من الفقراء في إفريقيا. فمثلاً، كان الائتمان المقدم للزراعة في حافظة مشاريع البنك الدولي يبلغ 39 في المائة في عام 1978، ولكنه انخفض إلى 12 في المائة في عام 1996، بل وانخفض بأكثر من ذلك ليصل إلى 7 في المائة في عام 2000. ولا بد لمجتمع المانحين بأكمله أن يعكس هذا الاتجاه السلبي.
4 تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

1.4 الوضع

أسفر سوء البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في إفريقيا، مجتمعاً مع ضعف السياسات والأطر التنظيمية ومع الموارد البشرية المحدودة، عن عدم كفاية سبل الحصول على ما هو ميسور من الهواتف والإذاعة والحواسيب والإنترنت. ولا تزال الكثافة الهاتفية الإفريقية دون خط واحد لكل 100 شخص. كما أن تكاليف الخدمة مرتفعة جدا: فيبلغ متوسط تكلفة التوصيل في إفريقيا 20 بالمائة من حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، بالمقارنة مع المتوسط العالمي الذي يبلغ 9 بالمائة، والذي يبلغ في بلدان الدخل المرتفع واحداً بالمائة. وقد عجزت إفريقيا عن اغتنام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كأداة لتعزيز سبل الرزق وخلق فرص جديدة لنشاط الأعمال، وتعرضت إقامة الصلات عابرة الحدود داخل القارة ومع الأسواق العالمية للتعويق. ورغم أن الكثير من البلدان في إفريقيا بدأت في إصلاح سياسات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فإن انتشار الخدمة أو نوعيتها أو تعريفتها لم تتحسن بعد.
وتتمثل الأولوية الاستراتيجية في تحسين النفاذ بالنسبة للأسر المعيشية والشركات، على أن يكون الهدف القصير الأجل مضاعفة الكثافة الهاتفية إلى خطين لكل 100 شخص بحلول عام 2005، مع إيجاد مستوى نفاذ ملائم. ولابد أيضاً من معالجة مسألة التيسر: فمن شأن توفير تكلفة أقل وتحسين إمكانية التعويل على الخدمة بالنسبة للشركات أن يخفض تكاليف الإنتاج والمعاملات في كافة أجزاء الاقتصاد وأن يعزز النمو. وتحتاج مضاعفة الكثافة الهاتفية بحلول عام 2005 إلى استثمار تقريبي يزيد على 8 مليارات من الدولارات في البنية التحتية الأساسية وحدها. ولا تملك جهات تشغيل الاتصالات في إفريقيا ( العامة والخاصة) موارد كافية.
ويتطلب اجتذاب مستثمري القطاع الخاص إلى استراتيجية شاملة ومتكاملة وحسنة التنسيق تنطوي على إصلاح للسياسات والقواعد التنظيمية، وخلق قاعدة موارد بشرية للقطاع، بما في ذلك المهارات الهندسية والبرمجية، والتركيز على التطبيقات والمحتويات التي تضيف قيمة إلى الشبكات، واستحداث آليات تمويل فعالة، بما في ذلك الشراكات ما بين القطاعين العام والخاص.
2.4 الأهداف

● مضاعفة الكثافة الهاتفية إلى خطين لكل 100 شخص بحلول عام 2005، مع إيجاد مستوى نفاذ ملائم للأسر المعيشية؛
● تخفيض تكلفة الخدمة وتحسين إمكانية التعويل عليها؛
● تحقيق الاستعداد الإلكتروني بالنسبة لجميع البلدان في إفريقيا؛
● استحداث وتحقيق مجمعة من الشباب والطلاب المتمرسين على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي يمكن لإفريقيا أن تستمد منها حاجتها من المهندسين والمبرمجين ومصممي البرمجيات المدربين على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛
● استحداث برمجيات ذات محتوى محلي تستند بوجه خاص إلى التراث الثقافي لإفريقيا.
3.4 الإجراءات

● التعاون مع الوكالات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي للاتصالات ومنظمة "توصيل إفريقيا" (Africa Connection) لوضع سياسات وتشريعات نموذجية لإصلاح الاتصالات، وبروتوكولات ومقاييس لتقدير الاستعداد الإلكتروني؛
● التعاون مع الوكالات الإقليمية لبناء القدرات التنظيمية؛
● إنشاء شبكة من المؤسسات التدريبية والبحثية لبناء قوة عاملة مرتفعة المستوى؛
● تشجيع وتسريع المشاريع القائمة لوصل المدارس ومراكز الشباب؛
● التعاون مع مؤسسات تمويل التنمية في إفريقيا والمبادرات المتعددة الأطراف (فريق المهام المعني بالفرص الرقمية لمجموعة البلدان الثمانية وفريق المهام التابع للأمم المتحدة) والجهات المانحة الثنائية، لإنشاء آليات تمويل لتخفيف حدة المخاطر التي يتعرض لها القطاع وتقليلها.
5 موجز

تدرك إفريقيا ما وقع من مظالم تاريخية طويلة الأمد والحاجة إلى تصحيحها. بيد أن الفرضية الرئيسية للشراكة الجديدة تتمثل في بذل جهود مشتركة لتحسين نوعية حياة شعوب إفريقيا بأسرع ما يمكن. وفي هذا الصدد، ثمة مسؤولية مشتركة ومنافع متبادلة فيما بين إفريقيا وشركائها.
وسيتم المحافظة على شتى الشراكات القائمة بين إفريقيا والبلدان الصناعية من ناحية، وبينها وبين المؤسسات المتعددة الأطراف من ناحية أخرى. وتشمل الشراكات المقصودة، من جملة أمور، برنامج الأمم المتحدة الجديد للتنمية في إفريقيا في التسعينات؛ وخطة عمل القاهرة الصادرة عن مؤتمر قمة إفريقيا-أوروبا؛ والشراكة الاستراتيجية مع إفريقيا التي يتصدرها البنك الدولي؛ وأوراق استراتيجية الحد من الفقر التي يتصدرها صندوق النقد الدولي؛ وبرنامج عمل طوكيو الذي تتصدره اليابان؛ وقانون نمو وفرصة إفريقيا الصادر في الولايات المتحدة الأمريكية؛ واللجنة الاقتصادية المعنية بالاتفاق العالمي مع إفريقيا. ويتمثل الهدف من ذلك في ترشيد هذه الشراكات وكفالة إدرارها لفوائد حقيقية لإفريقيا.
6 قـرار

تم إعداد مشروع قرار بشأن إشراك الاتحاد الدولي للاتصالات في مبادرة الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا، ومرفق مع هذه الورقة كملحق لتقديمه إلى المؤتمر.
ثانياً مشروع قرار بشأن إشراك الاتحاد الدولي للاتصالات في مبادرة الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا
إن المؤتمر العالمي لتنمية الاتصالات (إسطنبول، 2002)،
إذ يأخذ في اعتباره
أحكام دستور الاتحاد الدولي للاتصالات بشأن قطاع تنمية الاتصالات، على النحو الوارد في الفصل الرابع منه، ولاسيما، من جملة أمور، ما يتعلق بوظائف القطاع في بناء الوعي بتأثير الاتصالات على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودوره كعامل حافز في النهوض بتنمية خدمات وشبكات الاتصالات وتوسيعها وتشغيلها، وبخاصة في البلدان النامية، والحاجة إلى المحافظة على التعاون مع منظمات الاتصالات الإقليمية وغير الإقليمية، والارتقاء به،
وإذ يأخذ في اعتباره كذلك
أن القرار 31 لمؤتمر المندوبين المفوضين للاتحاد الدولي للاتصالات (كيوتو، 1994) بشأن البنية التحتية للاتصالات والتنمية الاجتماعية-الاقتصادية يبرز:
أ ) أن الاتصالات شرط مسبق للتنمية،
ب) تأثيرها على الزراعة، والصحة، والتعليم، والنقل، والمستوطنات البشرية إلى آخره؛
ج ) الانخفاض المستمر في الموارد الإنمائية المتاحة للبلدان النامية؛

وإذ يلاحظ،
أ ) أن المؤتمر العالمي لتنمية الاتصالات (فاليتا، 1998) أعاد التأكيد في إعلانه وقراراته على الالتزام بزيادة توسيع وتنمية خدمات الاتصالات في البلدان النامية وتسخير الطاقات لتطبيق الخدمات الجديدة والمبتكرة،
ب) اعتماد خطة عمل فاليتا التي تحتوي على فصول رئيسية عن تنمية البنية التحتية العالمية للمعلومات والبرنامج الخاص بأقل البلدان نمواً،
وإذ يعـي
أن مجلس الاتحاد الدولي للاتصالات قد حث المؤتمر في قراره 1184 بشأن المؤتمر العالمي لتنمية الاتصالات - 2002 على أن يركز تركيزاً خاصاً على "مشكلة سد الفجوة الرقمية"،
وإذ يحيط علماً
أ ) باعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها A/RES/56/37 باعتماد جمعية رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية في دورتها العادية السابعة والثلاثين المنعقدة في لوساكا في يوليو 2001 للشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا،
ب) والإعلان الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي، بشأن دور منظومة الأمم المتحدة في دعم جهود البلدان الإفريقية لإنجاز التنمية المستدامة؛
وإذ يدرك
الأحكام الواردة في منطوق قرار الأمم المتحدة A/RES/56/218 بشأن الاستعراض والتقييم النهائيين لبرنامج الأمم المتحدة الجديد للتنمية في إفريقيا، من أجل النظر خلال عام 2002 في الخطط والطرائق المتعلقة باشتراك الأمم المتحدة في المستقبل في الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا، والذي يدعو منظومة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى دعم المبادرة الإفريقية الجديدة وكفالة التمثيل الفعال،
وإذ يسلم
بأنه رغماً عما سجله الإقليم الإفريقي من نمو وتوسع مبهرين في خدمات اتصالات المعلومات منذ المؤتمر العالمي لتنمية الاتصالات-1998 الأخير، فلا تزال هناك مجالات انشغال رئيسي كثيرة وتفاوتات جمة في التوزيع متفشية في الإقليم؛ كما أن النمو المستمر في "الفجوة الرقمية" مسألة لها مغزاها الهام،
يطلب
من الأمين العام للاتحاد الدولي للاتصالات أن يشرع في القيام بشكل عاجل بتدابير وبرامج خاصة لدعم الشراكة الجديدة من أجل التنمية في إفريقيا والمشاركة فيها،
يكلف
مدير مكتب تنمية الاتصالات بإقامة تعاون وثيق وفعال مع الاتحاد الإفريقي للاتصالات المنخرط في شتى أوجه تنفيذ الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا، والمحافظة على هذا التعاون،
يقرر دعوة
مجلس الاتحاد الدولي للاتصالات ومؤتمر المندوبين المفوضين (مراكش، 2002) إلى كفالة إتاحة موارد ووسائل ملائمة لمكتب تنمية الاتصالات لكي يشارك بفعالية في مبادرة الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا
-----------------------------------------

نموذج عن خطة بحث:


مقدمـــــــة
الفصل الأول: ماهية النيباد
المبحث الأول: مفهومها
المبحث الثاني: هياكلها
المبحث الثالث: أهدافها
الفصل الثاني: برنامج الشراكة لتنمية إفريقيا
المبحث الاول: سياستها في تحقيق التنمية المستدامة
المبحث الثاني: إصلاح السياسات و الإستثمار في مختلف القطاعات
المبحث الثالث : تنمية الموارد البشرية
الفصل الثالث: أهم الإنجازات و التحديات
المبحث الأول: الإنجازات
المبحث الثاني: التحديات
المبحث الثالث : الآفاق المستقبلية
خاتمة

----------------------------------
الشراكة الجديدة من أجل التنمية بإفريقيا .. حلم يحتاج إلى آلية للمراقبة المتبادلة
الاربعاء 13 آب (أغسطس) 2003, بقلم المركز المتعدد الوسائط

شدد المنتدى الإقتصادي الإفريقي الذي انعقد مؤخرا ب»دوربان« على ضرورة تفعيل آلية » المراقبة المتبادلة لكل بلد عضو في اتفاقية الشراكة الجديدة من أجل التنمية التي بلورتها مجموعة من البلدان الإفريقية منذ سنتين


لا يشبه المنتدى الإقتصادي الإفريقي الذي انعقد ما بين ١١ و ١٣ يونيو المنصرم بجنوب إفريقيا تلك الإحتفالات الرسمية التي تعرفها القارة السوداء . ففي دوربان أراد القادة والوزراء ورجال الأعمال إعطاء صورة جديدة لإفريقيا ، أي تلك القارة التي لا تضيع الوقت في النقاشات المملة ، بل تتحمل مسؤولياتها و تحترم التزاماتها تجاه بقية العالم . هل ذلك نوع من در الرماد في العيون أم تغيير حقيقي ؟ لذلك فإن المرتابين ينتظرون أفعالا حتى يقتنع الجميع. جرى الحديث بإيمان وحماس خلال ثلاثة أيام عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص و الديمقراطية والحكامة Gouvernance. غير أن البلدان الإفريقية التي تستطيع الوفاء بهكذا دفتر تحملات تعد على رؤوس الأصابع . وقد أكد أحد المسؤولين من جنوب إفريقيا »أن قطار الشراكة الجديدة من أجل التنمية سوف لن ينتظر أولئك الذين لا يستقلونه في الطريق «. وانطلقت الشراكة الجديدة من أجل التنمية (النيباد) قبل سنتين بمبادرة جنوب إفرقيا و السينغال و نيجيريا و الجزائر ، حيث اقترحت هذه البلدان تغيير علاقات شمال -جنوب عبر الإستناد على أرضية تلائم الجميع : الحكامة والديمقراطية مقابل انفتاح الأسواق والمساعدة التنمية والإستثمارات الخاصة. وقد حضيت هذه المبادرة بمساندة المؤسسات المانحة وبدعم البلدان الثمانية الأكثر تصنيعا في العالم غير أن هذا الدعم يبقى رهينا باتخاذ مبادرات ملموسة. مازال جوهر بناء الشراكة الجديدة من أجل التنمية لم يفعل بعد ويتعلق ب» المراقبة المتبادلة« ، إذ يفترض أن يخضع كل بلد إفريقي لفحص مستمر من قبل جيرانه ينصب على التقدم الذي حققه في مجال الديمقراطية وحسن التدبير و احترام استقلال المؤسسات القضائية و حقوق الإنسان ، إذ يرى »تريفور مانويل«، وزير المالية في جنوب إفريقيا أن ذلك » يشكل حجر الزاوية في الشراكة الجديدة من أجل التنمية ، التي تستمد مصداقيتها من هذه الآلية«. غير أن آلية » المراقبة المتبادلة« التي استحوذت على الإهتمام في دوربان ، لم تلق القبول لدى جميع بلدان القارة ، إذ أن خمسة عشر بلدا فقط (جنوب إفريقيا ، الجزائر ، بوركينا فاسو ، الكامرون ، جمهورية الكونغو الديمقراطية ، إثيوبيا ، الغابون، غانا، كينيا ، مالي ، الموزامبيق ، نيجيريا، أوغندا ، رواندا ،والسينغال ) قبلت الإمتثال لهذه الآلية . غير أن بلدا مثل بوتسوانا الذي أتى في المقدمة ترتيب المنتدى الإقتصادي العالمي ، من حيث تنافسية اقتصاده و التقدم الديمقراطي ، لم ينخرط في »المراقبة المتبادلة« بدعوى أن هاته الآلية لم يتم إعدادها جيدا. ومهما يكن فلابد من أفعال وبالتالي فإن أول فحص سيجري قبل شتنبر القادم بغانا، لا سيما وأن مجموعة البلدان الثمانية الأكثر تصنيعا في العالم أعلنت أن ذلك سوف يوجه قراراتها المقبلة تجاه القارة الإفريقية. إن المبادي المعلن عنها في اتفاقية الشراكة الجديدة من أجل التنمية ، متضمنة في ميثاق الوحدة الإفريقية، لكن لم يتم تطبيقها لغياب الإرادة السياسية و الوسائل القسرية . كما أن » الديبلوماسية الصامتة« التي تنهجها جنوب إفريقيا تجاه الزمبابوي تثير الشكوك حول التزام ذلك البلد بإدانة سياسة جيرانه . ولذلك من أجل تفادي الوقوع في وضعية صعبة اختار واضعو الشراكة الجديدة من أجل التنمية التركيز في اللحظة الراهنة على دائرة ضيقة من البلدان تتزعمها جنوب إفريقيا. وقد صرح أحد البنكيين الأوروبيين أن الشراكة الجديدة من أجل التنمية هي » قبل كل شيء أداة هيمنة جنوب إفريقيا في إفريقيا« . فمنذ نهاية الأبارتهايد ، انطلقت المقاولات الكبرى التي تتجاوز حدود ذلك البلد في البحث عن فرص للإستثمار في القارة ، إذ سواء في كنشاسا أو أكرا أو دار السلام توجد مقاولات منحدرة من جنوب إفريقيا ، والتي تجتاح إشهاراتها الفضاء الحضري في القارة السمراء ، و تهم استثماراتها جميع القطاعات من المعادن مرورا بالتوزيع والإتصالات. لا ينحصر تدخل جنوب إفريقيا في العلاقات الإقتصادية، بل إنها تساهم قي حل النزعات ، و أكيد أنها ستقود تنظيم قوات حفظ السلام الإفريقية المنتظرة ، يشير أحد الأطر في المنتدى الإقتصادي العالم إلى أن » جنوب إفريقيا تحاول ضمان تأثيرها على القارة ، وتسعى وإلى أن تصبح أحد الفاعلين في العولمة ، وتتطلع إلى أن تصبح عضوا في مجموعة العشرين «. تقبل البلدان المنخرطة في الشراكة الجديدة من أجل التنمية هذه الزعامة ، غير أن ذلك ليس حال الدول الأخرى . هكذا فإن قمة دوربان المخصصة منذ سنوات لبلدان جنوب إفريقيا لم تشهد -باستثناء مدغشقر -إيفاد أي ممثل للبلدان الفرانكفونية ، بل إن السينغال التي تعد أحد البلدان التي بلورت الشراكة الجديدة لم تنتدب سوى سفيرها في بريتوريا ليمثلها في دوربان. ويعتبر الكثيرون أن الشراكة الجديدة مجرد لعبة و مادام لم يجري وضع آلية » المراقبة المتبادلة « ويعترف بفعاليتها ، فإن تلك الشراكة سوف تبقى مجرد حلم جديد . عن لوموند إعداد وترجمة :م أزوكاح

المصدر:
جريدة الاحداث المغربية 4 يوليوز 2003

spisos
09-04-2009, 17:07
رد إلى bolbol:


الكتب العربية في موضوع القرارات الإدارية وتحليل السياسات العامة:

. منصور البديوي، دراسات في الأساليب الكمية واتخاذ القرارات، الدار الجامعية، الإسكندرية، 1987م.
د. نادية أيوب، نظرية القرارات الإدارية، مطبعة طوربين، دمشق، 1989م.
د. تركي إبراهيم سلطان، التحليلات الكمية في اتخاذ القرارات، عمادة شؤون الطلاب، جامعة الملك سعود، الرياض، 1984م.
د. فؤاد الشيخ سالم، د. فالح محمد حسن، الأساليب الكمية في اتخاذ القرارات، المنظمة العربية للعلوم الإدارية، عمان، 1983م.
د. نعيم نصير، التحليل الكمي في الإدارة، جامعة اليرموك، أربد، 1984م
د. محمد عبد الفتاح ياغي، اتخاذ القرارات التنظيمية، مطابع الفرزدق، الرياض، 1988م.
د. نواف كنعان، اتخاذ القرارات الإدارية ( بين النظرية والتطبيق) مطابع الفرزدق، الرياض، 1985م.
د. عبد الهادي قريطم، اتخاذ القرارات الاستثمارية مع التطبيق على خطط التنمية الوطنية في المملكة، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، 1988م.
د. علي محمد عبد الوهاب، اتخاذ القرار في المملكة العربية السعودية، معهد الإدارة العامة، الرياض، 1402هـ
د. مدني عبد القادر علافي، الإدارة : دراسة تحليلية للوظائف والقرارات الإدارية، مطابع سحر، جدة، 1981م.
د. أمين ساعاتي، الإدارة العامة في المملكة، دار الشروق، جدة، 1405هـ
د. صادق محمد عفيفي، الإدارة في مشروعات الأعمال، مؤسسة دار الكتب، الكويت، 1981م
د. فؤاد الشيخ سالم، أساليب بحوث العمليات في الإدارة، المنظمة العربية للعلوم الإدارية، عمان، 1982م.
د. خيري عبد القوي، دراسة السياسة العامة، ذات السلاسل، الكويت، 1998م.
د. جيمس أندرسون، صنع السياسة العامة، ترجمة د. حلمي يوسف، مطابع التقنية، الرياض، 1991م.
د. محمد كبيه، نظريات القرارات الإدارية، المطبوعات الجامعية، جامعة حلب، 1990م.

الكتب باللغة الإنجليزية في موضوع القرارات وتحليل السياسات العامة:

Rolf Bronner, Decision Making Under Time Pressure, Lexington Books, D.C Mass, 1982
John W. Sutherland, Administrative, Decision Making, Van N. Rrinhold CO. London, 1977.
Colin End and J. Harris. Management Development and Decision and Decision Analysis , The Macmillan Press, New York, 1975.
James Gatza, Decision Making in Administration, Sandars CO. New York 1975.
Ronald J. Albert. Organizational Decision Processes , Crame & Russak CO. New York 1975.
David Allison, Decision Making in Changing Word , Book Center Toronto, 1971.
Marrus Alexis, Organizational Decision Making, Prentice, Hall, England Cliffs, New Jersey, 1967.
James Anderson, Public Policy Making, Winston Inc. New York, 1984.
Melvin J. Dubrik, Thinking About Public Policy, John Weily& Sons, New York 1983.
David Nachmias, Public Policy Evaluation, ST. Martin Press, New York 1979.
Brain W. Hogwood , Policy Analysis For Real Word, Oxford University Press, 1984.
Richard Barke, Science Technology & Public Policy, Conressional Quarterly INC. Washington D.C 1986.
Edith Stokey . A Primer For Policy Analysis, W. Norton co. New York, 1978.
E.S. Quade , Analysis For Public Decision, North Holland, New York, 1982.
Dye Thomas, The Determinants Of The Public Policy , Lexington Books Mass. 1980.
Wise Carol, Public Administration And Public Policy, Lexington Books Mass, 1977.
Greston Larry, Making Public Policy, Glenview, I 11, 1983.
House Peter, The Art Of Public Policy Analysis, Sage Publication, Beverly Hills, 1982.
Leach Steve, Approaches To Public Policy, , George Allen CO. London, 1982.
Marac, Duncean, Policy Analysis For Public Decision, Wadsworth, Belmont, California, 1979.
Rodes R. Public, Administration And Policy Analysis, Aldershot, Crower, England, 1981.
Charles Jones, AN Introduction To The Study Of Public Policy, Duxbury Press, New York. 1977.
Robert T. Nakamura, The Politics Of Policy Implementation, ST. Martins Press. New York, 1982.
Williams Cobin, Teaching Policy Studies, Lexington Book, Toronto, 1981.
-------------------------------------------------------------------


أولاً: تحليل السياسة وعلاقته بالسياسة الاجتماعية :

1. مفهوم السياسة الاجتماعية وتحليل السياسة :

يمكن النظر إليها كمحاولات من جانب الحكومة لضمان بعض المستويات الدنيا من الحياة للجماهير فى ميادين مثل التأمين الاجتماعى ، المساعدة العامة ، الصحة والرعاية الصحية ، التعليم ، الإسكان ، والخدمات الاجتماعية الشخصية.
تحليل السياسة ينطوى بصورة متزايدة على الاستخدام لمناهج العلوم الاجتماعية لوصف وربما لغرض العمليات ومحتوى السياسات رغم أن تحليل السياسة يتضمن الاستخدام لبعض مناهج البحث فى العلوم الاجتماعية الأساسية ومعظم المناهج الفنية أو الكمية وذلك مثل تحليل التكلفة – الفائدة.
2. العلاقة بين تحليل السياسة والسياسة الاجتماعية :

نحاول هنا استعراض العلاقة بين تحليل السياسة والسياسة الاجتماعية. إن السياسات تحتل موقعاً للعلاقات داخل وفيما بين ثلاث مجالات متنافسة للحياة الحديثة : الحكومة، الاقتصاد، الحياة الخاصة وكل واحدة من تلك النظم تتسم بالتركيبة المعقدة ، تعددية الطبقات والديناميكية.
وإن منتجات تحليل السياسة تساعد فى إلقاء الضوء على أى السياسات التى يجب تغييرها وكيف تلك التغيرات ربما تعكس فى كل مكان كل أشكال الحياة الحديثة فإن تحليل السياسة يلقى الضوء على نتائج يمكن توقع حدوثها.
3. الجذور العلمية لتحليل السياسة :

والجدير بالذكر هنا أن نتناول الجذور العلمية لتحليل السياسة حيث يعرف بأن تحليل السياسة عبارة عن نصيحة موجهه لعميل ، وثيقة الصلة بالقرارات العامة وفقاً للقيم الاجتماعية.
تحليل السياسة يشير إلى مجموعة من المهارات الفنية المستخدمة لوصف وتقدير وتأثير السياسات الاجتماعية وتشير إلى المنظور أو الرؤية حول ما يجب أن تقوم به الحكومة حيث يستند على التقدير للظروف والمسكن أو المحتمل من المدخلات لصنع وإحداث أشياء أفضل.
وذلك فإن تحليل السياسة يتطلب كل من المعرفة والمهارات وفيما بينهما القدرة على جمع وتنظيم ونقل المعلومات ، إن ميدان تحليل السياسة له أصوله وجذوره الفكرية فى عدد من مبادئ وقواعد العلوم الاجتماعية.
ثانياً : طرق ومناهج تحليل السياسة : إن تحليل السياسة تعطى نظاماً واسعاً من المهارات والأدوات والتي تنبثق من الأسس العلمية المتنوعة وكافة طرق البحث العلمى الاجتماعى تقريبا تستخدم لوصف وتفسير وتحليل سياسات الرعاية الاجتماعية وسوف نستعرض هنا معظم المناهج البارزة فى تحليل السياسة لوصف وتحليل ومقارنة السياسات :
1. تقدير الحاجات : ان السياسات الاجتماعية تستهدف مواجهة مشكلات فى المقام الاول وتستهدف مواجهة مشكلات محسوسة أو مدركة أو لتقدير العوائد من جهود تحسينه.
2. تحليل التكلفة والفائدة : حيث جرى تطويره بصورة كبيرة من جانب الاقتصاديين ويعتبر مدخلاً يحاول إيجاد العلاقة بين التكاليف المباشرة والغير مباشرة.
3. تحليل الفعالية – التكلفة : حيث يبحث فى تكاليف سياسات مختلفة فى تخفيف نتائج مرغوبة لسياسة بدون معرفة لتكلفة السياسة والقيمة المالية للفوائد ودراسة العائد يمكنها أن توثق الفعالية المقارنة لبدائل مختلفة للسياسة حيث أنه يستخدم تصميمات البحث التجريبى.
5. دراسات الحالة : العديد من دراسات السياسة الاجتماعية يمكن اعتبارها دراسات حالة أو كدراسات حالة مقارنة ودراسات الحالة تنطوى على وصف منهجى وتفصيلى وتحليل للمعلومات.
6- التحليل البعدى :- طريقه كميه كليه وتلخيص النتائج المتعلقه بمخرجات البحث وذلك بالأخرى عن إيجاد طريقه لجمع معلومات جديدة .

ثالثاً : القائمون بتحليل السياسة والأخصائيين الاجتماعيين :-

1- محللى السياسة : إن محللى السياسة يوجدون ويشيدون الأراء والمعتقدات ونصيحتهم تستخدم للتأثير فى السياسات ومحللى السياسة الصادقين لديهم حسن الأطلاع حول ميدان السياسة وعادة ما يكون لديهم مهارات منهجيه كميه .
2- دور الأخصائيين الاجتماعيين فى تحليل السياسة :- الأخصائيون الاجتماعيون يشاركون فى السياسة الاجتماعية وتحليل السياسة وذلك إن لم يكن عادة بصورة غير مباشرة ، ففى كل خطوة فى عمليه السياسة الاجتماعية الأخصائيون الأجتماعيون ومنظماتهم المهنية ربما يشاركون فى تجميع المعلومات ذات الصله الوثيقه بعمليات السياسة .

رابعاً : السياسة الاجتماعية فى الخدمة الاجتماعية :-

السياسة الاجتماعية فى الخدمة الاجتماعية كان اهتمامها الرئيسى بتاريخ الرعاية الاجتماعية.
- وبصورة مختصرة فإن الأخصائيين الاجتماعيين فى وظائف السياسة الاجتماعية فى العادة غير المدربين على ممارسه سياسة اجتماعية ، حيث أن هذا المنظور يتغير بسرعة .
1- السياسة الاجتماعية كعمليه ومجال :- ونقصد بالسياسة الاجتماعية رفقاً لرؤيه محدثه ، أنها تنطوى على مجال وعمليه ، فالسياسة الاجتماعية كمجال تنصب على المجال والتنميه للمجتمع ككل .
2- السياسة الاجتماعية بين النظريه والممارسه :- إن مجال وعمليه السياسة الاجتماعية ينصب حالياً على كل من النماذج النظريه ومهارات الممارسه وذلك من خلال الأدماج للتطورات السبرانتكيه "الضبط" والأدوات التكنولوجيه الفعاله .
3- نماذج العداله التوزيعيه فى التراث :- وننتقل هنا إلى موضوع ذى أهميه ويتبلور فى العداله التوزيعيه والاجتماعية ، فإن قيم الخدمة الاجتماعية ، حيث جرى وصفها فى الدستور المهنى لأخلاقيات مهنه الخدمة الاجتماعية ، حيث أنها وسيله الإدارة لكل تدخلات السياسة الاجتماعية فى الخدمة الاجتماعية ومتضمنه ممارسه السياسة الاجتماعية ، وترتبط بالعداله الاجتماعية.
* وهناك أربعه نماذج رئيسيه للعداله تتواجد فى التراث :-
1- نموذج النفعى ويعتمد على الليبرالية الكلاسيكية المبكرة .
2- نموذج السوق ويعتمد على الشكل المخالف من جانب للمذهب النفعى وعلى الفردية الاقتصادية المندمجه فى الرأسمالية.
3- نموذج العدالة حيث يستند على نظرية العقد الأجتماعى .
4- النموذج الماركسى – الأشتراكى حيث يستند على النظريه الماركسيه .
5- أسس ممارسة السياسة الاجتماعية فى الخدمة الاجتماعية :- تستند الممارسة على الآتى :
1- تحقيق الحريه ، 2- المساواتية ، 3- وهذا ينطوى على حق تقرير المصير ، 4- التحقق الذاتى
5- الحكم والتوجيه ذاتياً ديمقراطياً ، 6- المشاركه الكامله للجماهير ، 7- سياسات تؤثر فى حياتهم.
6- مجال ونطاق وأهداف السياسة الاجتماعية :-
فالقادة من أقطار ودول مختلفه والجماهير ، والمعلقين المهنيين يدركون ويلاحظون طبيعه ومجال ونطاق وطرق ممارسه السياسة الاجتماعية
- فإن بعض المعلقين يفصلون منظورات واسعه للسياسة : تنصب على مصالح المجتمع ككل وعلى الرفاهيه البشريه ، لكل الجماهير والمجتمعات ، وليس فقط على هؤلاء الناس للفقراء .
7- مداخل وأساليب وأدوار مخططى السياسة الاجتماعية :-
وتأسيساً على ما سبق لابد من التطرق إلى مداخل أو أساليب وأدوار مخططى السياسة الاجتماعية .
- ففى إطار هذا السياق ، فإن ممارسى السياسة الاجتماعية يستعينون بمجموعة شامله واسعه لمداخل وأساليب الخدمة الاجتماعية والقيام بأدوار عديدة وفقاً لأشكال عمليه التخطيط للسياسة .
فعلى سبيل المثال فيما يتعلق بتشكيل وصياغة سياسة وبرامج فإنهم يتولون مسئولية دور المخطط – المعدل – دور الإدارى – الباحث – الرشيد – المعيارى – المدافع وهذا يتوقف على طبيعة مواقف السياسة .
* اما المداخل والأدوار الرشيدة العقلانية فإنها تتسم بالتفكير العلمى والمنطقى والتأكيد على الفوائد الهامة المستنبطة من إجراءات موضوعيه .
خامساً : القضايا المحوريه والمشكلات المتعلقه بالسياسة الاجتماعية :-

1- القضايا السياسية المرتبطة بالسياسة الاجتماعية :- وهناك ثلاث قضايا وموضوعات سياسيه ذات ارتباط مباشر ورئيسى بالسياسة الاجتماعية : المجتمع المنشود وتنظيم الموارد والتوزيع للسلع والخدمات .
أ- المجتمع المنشود : وهنا تطرح عدة تساؤلات تدور حول نوعيه المجتمع ، المجتمع المحلى أو المنظمه التى تنشدها ، ونوعيه العلاقات الاجتماعية التى يجب تحقيقها .
وفى العادة فإن السياسات الاجتماعية تطابق نوعيه المجتمع المنشود والمتخيل أو المتصور من جانب أعضائه على سبيل المثال ، السياسات الاجتماعية فى مجتمع ديمقراطى عادة ما تكون ديمقراطية.
ب- تنظيم الموارد : وهنا تدور التساؤلات حول كيف يجب تنظيم وتركيب القوى المؤسسية بالتنظيمية والمجتمعية ، وكذلك الخصوصية المتعلقة بالمجتمع المحلى ، وكيف يجب استعمال واستخدام الموارد الطبيعية والبشريه .
ج- التوزيع للسلع والخدمات :- وهنا نحاول الإجابة على تساؤلات تدور حول : ما هى الحصص من السلع والخدمات فى مجتمع ، مجتمع محلى ، أو منظمه ، التى يجب توزيعها على الأفراد أو الجماعات أو الطبقات الاجتماعية .
- المجمعات والمجتمعات المحلية والمنظمات تؤسس مبادىء وقواعد لتوزيع القوة والسلطة فى صنع القرار والسلع والخدمات التى يجرى أنتاجها .
د- السياق المؤسس لممارسه السياسة الاجتماعية : ويعتبر الأساس المؤسس لممارسه السياسة من الموضوعات الهامه : السياسة الاجتماعية تتطلق من البناء المؤسس للمجتمع .
* حيث أن هناك ثلاث أنماط رئيسية للمؤسسات ويجرى تحديدها تقليدياً :
1- المؤسسات السياسية وتشمل على الأحزاب السياسية ، والنظام الأنتاجى .
2- المؤسسات الأقتصادية وتشمل مثلاً على السوق والأنتاج .
3- المؤسسات الاجتماعية وتشمل مثلاً على الأسرة ، والنظام التعليمى ، والديانات .
ه- مراحل عمليه السياسة الاجتماعية :
ويبدو لنا من الأهميه الوقوف على مراحل عمليه السياسة الاجتماعية الأخصائيون الأجتماعيون يعترفون بأن العمليه الخاصة بتدخلات السياسة والتدخلات المؤسسية تتميز بمراحل عديدة ، تبدأ بالأحالة لمساعدة عميل ، وتنتهى بنتيجة الخدمات .
* مرحله صياغة – تحليل سياسة : مخططوا السياسة الاجتماعية عادة يبدءون بصياغات لمشكله العميل ويحللون الظروف والأوضاع السوسيو – أقتصادية التى هى جزء لا يتجزأ من المشكلة . وهذه المرحلة فى العادة تؤدى إلى التشخيص العميل المؤسسى ، فى حين أنه فى ممارسه السياسة يطلق عليها التحليل للمشكله .
* وعلى العكس من ذلك ، مشكله أو قضيه سياسيه تتواجد عندما يسود على الأقل عاملان :
1- عندما تؤثر سياسة على ظروف والأوضاع الاجتماعية .
2- عندما لا يتفقون الممثلون على السياسة أو الظروف والأوضاع الاجتماعية .
وأثناء هذه المرحلة ، مخططى السياسة الاجتماعية يجتازون مهاماً متنوعه :
 التحقق من وجود مشكله أو قضيه سياسيه .
 تحديد طبيعة مشكله السياسة وبيئتها السوسيو أقتصاديه .
 تحديد المجالات المساهمه فى المشكله .
 إقرار قضايا السياسة الرئيسيه ومضامنيها .
 تقويم السياسات والبرامج الجاريه .
 تحليل تاريخ المجهودات المتعلقه بحل مشكله .
 تحديد الممثلين الرئيسيين أجهزة صنع القرار .
 التنبؤ بنتيجة السياسات المقترحة.
- مرحله التنفيذ :- هذه المرحله تعنى بترجمه السياسات التى جرى الموافقه عليها فى واقع الممارسه وتماثل مرحله العلاج من عمليه الخدمة الاجتماعية المؤسسيه ، ونتبع أكتمال الدراسه التشخيصيه المؤسسية.
- كما أن الأخصائيون الاجتماعيون العاملون فى مرحله تنفيذ السياسة يقومون بتنظيم ، رقابه وتقرير عمليات السياسات التى جرى الموافقة عليها فى منظمات ، أو مجتمعات محليه ، أو مؤسسات أو مجتمعات .
* فيما يتعلق بوصف المراحل : حيث يقترح نموذجاً يطلق عليه التحليل :
- المدخل : يتضمن الطرق المستخدمة والقيم المعبر عنها فى السياسة .
- حاجه : ما هى الحاجات التى يتم مواجهتها ؟
- التقدير : ما هى جوانب القوة والضعف فى السياسة ؟
- المنطق : الأرتباط بين الحاجه ووسيلة حل المشكلة.
- رد فعلك : خبرتك وتجربتك المتعلقة بالسياسة .
- الدعم : الدعم المالى للسياسة .
- التجديد : التدابير والوسائل لتغيير البرنامج .
- العدالة الاجتماعية : القضايا والموضوعات الهامة للعدالة الاجتماعية .
* ويقترح نموذجاً يطلق عليه العلوم science :
- البيئات السياسية الاجتماعية .
- أسباب المشكلة مراجعه التراث المتعلق بأسباب المرضى .
- المداخل التدخليه : الحاجات والسياسات الحاليه والحاجات .
- تأسيس وتصنيف المقترحات وقائمه من المقترحات .
- قضيه تنفيذ البرامج ، قائمه بالبرامج والخطط وتفسيرها .
- خصائص التنفيذ التكلفة والمتطلبات .
- تقويم المخرج التقدير أى الأهداف والغايات قد يتحقق .

2- القضايا المتعلقه بتعليم وممارسه الخدمة الاجتماعية :

أ- التحقق والإدراك والفهم لتأثيرات السياسة الاجتماعية :- هناك مجموعه من المضامين المتعلقه بتعليم وممارسه الخدمة الاجتماعية : حيث إن أندماج طرق السياسة الاجتماعية فى ممارسه الخدمة الاجتماعية يلقى الضوء على العديد من القضايا المرتبطة بذلك .
- القضية الأولى تتمثل فى التحقق والإدراك والفهم لتأثيرات السياسة الاجتماعية : حيث إن السياسة الاجتماعية تحاكى وتؤثر فى أوضاع شديدة الشبه لما حدث فى المجتمع .
ب- أرتباط السياسة الاجتماعية لممارسه المهنه : أما القضيه الثانيه فتتمثل فى أن السياسة الاجتماعية ترتبط بعنصرين رئيسيين فى ممارسه الخدمة الاجتماعية : وفقاً لأرتباط الخدمات المباشرة للإصلاح الأجتماعى والخدمات المباشرة للأفراد والأصلاحات للنظم والمؤسسات المجتمعيه .
ج- السياسات العامه والتنظيميه : القضيه الثالثه التى تتناول السياسات العامه والتنظيميه تتمحور حول أن سياسات المنظمه المتعلقه بمجموعه الخدمات الاجتماعية لتوفير مقاييس شديدة الشبه لأنشطه الأخصائيون الأجتماعيين .
د- المشاركه فى وضع السياسة العامه : القضيه الرابعه تتمثل فى المشاركه فى صنع السياسة العامه من خلال ممارسه السياسة الاجتماعية.
ه- تحسين العداله الاجتماعية :
أما القضيه الخامسه تدور حول تحسين العداله الاجتماعية : السياسية الاجتماعية تمد الخدمة الاجتماعية بمدخل وأساليب لتحسين العداله الاجتماعية ، والأنصاف والمساواة .


تلخيص الفصل الثالث

أولاً : مفهوم السياسة الاجتماعية وماهيتها :

فإننا نعنى بذلك مجموعة القرارات الصادرة من الهيئات المختلفة المختصة والتى توضح الاتجاهات الملزمة فى المجالات المختلفة.
ويعرف الاستاذ الدكتور أحمد كمال أحمد السياسة الاجتماعية بأنها : "مجموعة القرارات الصادرة من السلطات المختصة فى المجتمع لتحقيق أهدافه الاجتماعية العامة وتوضح هذه القرارات مجالات الرعاية الاجتماعية والاتجاهات الملزمة واسلوب العمل وأهدافه فى حدود ايديولوجية المجتمع ويتم تنفيذ هذه السياسة برسم خطة أو أكثر تحوى عدد من البرامج ومجموعة من المشروعات الاجتماعية المترابطة المتكاملة.
ومن هذا التعريف يتضح لنا الآتى :
1. أن السياسة الاجتماعية هى مجموعة من القرارات تصدرها هيئات لها الصلاحية فى ذلك.
2. أن السياسة الاجتماعية توضح مجالات الرعاية الاجتماعية أى الميادين والفئات والأوقات المناسبة لذلك.
3. أن السياسة الاجتماعية يجب أن تكون شاملة وواضحة.
4. أن السياسة الاجتماعية يمكن أن تكون قومية واقليمية ومحلية.
5. وأن الطريقة التى تحدد وترسم بها السياسة فى المجتمعات الحديثة هى أسلوب التخطيط فى رسم سياسة جديدة أو تعديل سياسة قائمة بالفعل.
6. السياسة الاجتماعية تستخدم وسائل الاتصال المختلفة والاعلام لنشر تلك السياسة وإذاعتها.
ومن خلال ما سبق مستطيع أن نحدد مفهوم السياسة الاجتماعية بأسلوب إجرائى تتضمن ماهية السياسة الاجتماعية فى الآتى :
1. تمثل السياسة الاجتماعية عمليات سياسية تعتمد على تدخل سلطة الدولة.
2. أن السياسة الاجتماعية هى عملية اتخاذ القرارات التى تتعلق بأهداف المجتمع.
3. ترتبط السياسة الاجتماعية بايديولوجية المجتمع.
4. تحدد السياسة الاجتماعية المجالات المختلفة للرعاية الاجتماعية.
5. السياسة الاجتماعية متعددة المستويات فهى تعبر عن سياسة قطاع أو جهاز.
6. السياسة الاجتماعية تشمل الجهود الحكومية والجهود الأهلية معاً فى برامج الرعاية الاجتماعية.
7. تقوم السياسة الاجتماعية على أساس استخدام أسلوب علمى يحدد الحاجات الاجتماعية.
8. السياسة الاجتماعية عمليات مشتركة.
9. أن هذه العمليات تنتج من الحاجات الاجتماعية لأبناء المجتمع.
ثانياً : أهمية تحديد السياسة الاجتماعية ووظائفها :
ومن هنا نستطيع أن نحدد أهمية السياسة الاجتماعية فيما يلى :
1. أنها توضح مستوى من التنسيق الفكرى والذهنى بين مختلف البرامج والجهود الاجتماعية.
2. أنها تمثل مجالات العمل واتجاهاته واسلوب القائمين على الأمور الخاصة بالتخطيط والتنفيذ.
3. أنها تكمل الجهود المتتالية نتيجة لتوحد الهدف البعيد.
4. أنها تعاون المخططين فى تحديد الأولويات عن وضع الخطط الاجتماعية.
5. أنها تعطى المعانى الانسانية للجهود التنفيذية فهى تربط بين الفلسفة والمبادئ والقيم الأخلاقية.
6. عن طريق السياسة الاجتماعية يمكن تحقيق أمثل استثمار ممكن للإمكانيات والموارد البشرية والمادية والتنظيمية المتاحة فى المجتمع.
7. يساهم تحديد السياسة الاجتماعية فى تنظيم العلاقات المتبادلة بين أنساق المجتمع القائمة.
8. عن طريق السياسة الاجتماعية يمكن إشباع أقصى قدر من احتياجات الأفراد فى المجتمع.
وظائف السياسة الاجتماعية :

تتعدد الوظائف التى تحققها السياسة الاجتماعية فى تحقيق التنمية الشاملة فى المجتمع ويمكن تحديدها فى الوظائف التالية :
الوظيفة التنموية : وهى تعطى مكانة متميزة لدور الانسان فى التنمية وتنطوى هذه الوظيفة على دعم وتقوية الأسرة.
الوظيفة الوقائية : وهى تتجه نحو الفئات التى يمكن أن تكون عرضة للتأثير السلبى فى المستقبل المنظور من عملية التنمية.
الوظيفة العلاجية : وهى تتجه بصفة خاصة إلى بعض الفئات المحرومة والتى أطلق عليها فيما بعج الجماعات الهامشية كالأطفال المهملين وكبار السن.
الوظيفة الاندماجية : وهى التى اعتبرتها المنظمة الدولية للأمم المتحدة نقلة أساسية فى سياسة الرفاهية.
ثالثاً : أهداف السياسة الاجتماعية وأغراضها :

ان أهداف السياسة الاجتماعية وأغراضها تظهر بوضوح إذا ما استطعنا أن نحصر أهم القضايا والمشكلات التى يعانى منها مجتمعنا فى الوقت الحاضر.
فالسياسة الاجتماعية هى التى تجيب عن تلك القضايا والتى من أهمها :
- الزيادة الرهيبة فى حجم السكان والناتجة عن ارتفاع معدلات الانجاب.
- بالرغم من التقدم الهائل فى العلاج الطبى وزيادة متوسط عمر الفرد إلا أن هناك من يسقطون للأمراض المزمنة.
- وجود تباين فى مستوى الطبقات الاجتماعية والخدمات المرتبطة بها والذى تتجه الاتجاه إلى التصنيع والهجرة المتزايدة من الريف إلى المدن وظهور ظاهرة التركيز السكانى.
مما يدعو إلى ضرورة وجود أساليب رشيدة لمواجهة هذه النتائج.
- اتباع نطاق الفقر والمشكلات الناجمة عن سوء توزيع الدخل.
- ارتفاع نسبة التشرد فى الشوارع وانحراف الأحداث وزيادة معدلات ارتكاب الجريمة .
رابعاً : عناصر السياسة الاجتماعية :

فإن عناصر السياسة الاجتماعية التى يجمع عليها المتخصصين والخبراء العلاب تتمثل فى الجوانب الآتية :
1. القرارات.
2. الايديولوجية السائدة فى المجتمع.
3. الأهداف البعيدة المدى للمجتمع.
4. مجالات العمل الاجتماعى.
5. الاتجاهات الملزمة والمنظمة للعمل الاجتماعى.
خامساً : ركائز السياسة الاجتماعية :

ترتكز السياسة الاجتماعية على دعائم ثابتة ومعروفة وهذه الدعائم هى الاسس والقواعد التى تقوم عليها هذه السياسة وهى بذلك المنابع التى تستمد منها كيانها أو المناهج التى تحدد قوامها.
ومن هنا فإن السياسة الاجتماعية للمجتمع المصرى تستند على مجموعة من الركائز الأساسية وهى :
1. الشرائع السماوية :
2. مواثيق العمل السياسية والوطنية :
ويقصد بها ما صدر من الدولة من مواثيق سياسية أو اجتماعية تحدد الاطار العريض للسياسة التى تنتهجها الدولة كمنظمة الامم المتحدة باعتبارها عضوا بها.
وهناك مثالاً للمواثيق الدولية ميثاق الثمانينات لوقاية وتأهيل المعوق والذى تنص على أربعة أهداف ومجموعة من الأهداف العامة :
1. تنفيذ برنامج فى كل دولة يهدف إلى وقاية الأفراد.
2. ضمان تقديم الخدمات التأهيلية.
3. اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لضمان اندماج الأشخاص المعاقين.
4. بث المعلومات المتعلقة بالأشخاص المعوقين واستعداداتهم الكامنة.
3. الدستور :
هو الأساس الذى يقوم عليه التنظيم الاجتماعى والسياسى وهو المصدر الرئيسى للقوانين والتشريعات الاجتماعية ولذلك فإن كل دستور فى العالم يجب أن يكون معبراً عن القيم والعادات والأمر نابعاً من الجذور التاريخية للمجتمع ومعبراً عن الآمال والتطلعات.
4. التشريعات والقوانين :
هى القاعدة القانونية التى يقيم عليها المجتمع شئون حياته وأساليب بقائه واستمراره بقائه واستمراره لتحقيق الرفاهية الاجتماعية للمواطنين.
5. أيديولوجية الدولة :
ويقصد بها مجموعة الأفكار والفلسفات التى تحدد اتجاهاتها فى شتى فروع العمل الوطنى فقد تكون شيوعية تلغى شخصية الفرد الا فى حدود تفرض عليه من آراء وأفكار وعقائد.
6. التراث الثقافى :
يظهر أثر التراث الثقافى فى تحديد السياسة الاجتماعية واضحاً فى البلاد الىت لها تاريخ قديم وأصول ثقافية وتاريخية وقيم ومعايير وأنماط سلوكية راسخة فى أعماق الفكر والسلوك.

سادساً : مراحل صياغة وتحديد السياسة الاجتماعية :

يمكننا أن نحدد المراحل الأساسية التى يتم من خلالها يتم صياغة وتحديد السياسة الاجتماعية فى المجتمع على النحو التالى :
1. مرحلة طرح قضايا اجتماعية للمناقشة : حيث تبدأ صياغة السياسة الاجتماعية من اهتمام الأفراد فى المجتمع أو بعض جماعات اجتماعية معينة.
2. مرحلة بلورة وتحديد تلك القضايا : وفى هذه المرحلة يتم توفير البيانات والمعلومات الكافية عن تلك القضايا وتشترك فى ذلك الهيئات الاجتماعية المعنية إلى جانب فئات المهتمين الذين قد يتصلون ببعض المسئولين فى الدولة.
3. مرحلة الدراسة العلمية للقضايا : وفى هذه المرحلة تتدخل قيادات الجهاز الحكومى فى الدولة والأجهزة الفنية لتنظيمات الرعاية الاجتماعية على المستوى القومى ومراكز البحوث العلمية والجامعات والخبراء لدراسة وتحليل تلك القضايا.
4. مرحلة تحديد الإطار العام للسياسة الاجتماعية : وفى هذه المرحلة يتم التوصل إلى مجموعة من الأهداف الاجتماعية العامة التى يؤدى تحقيقها إلى حلول مناسبة لمواجهة الحاجات والمشكلات الاجتماعية.
5. مرحلة إقرار وإصدار السياسة الاجتماعية : ويتم إقرار وإصدار السياسة الاجتماعية من قبل الهيئات والأجهزة ذات الصلاحية والسلطة فى اتخاذ القرارات فى الدولة.

سابعاً : العلاقة بين السياسة والخطة :

يمكن القول بأن هناك ارتباط وثيق بين السياسة والخطة داخل المجتمع.
ونستطيع أن نحدد العلاقة بين السياسة والخطة فى الآتى :
 أن السياسة والخطة هما نتاج للعمليات التخطيطية التى تتضمن تقرير الموقف والدراسة.
 أن السياسة دائماً أعرض خطوطاً وأوسع مدى من الخطة.
 تعتبر السياسة الاجتماعية الدليل والإطار العام الذى تنطلق منه خطط التنمية.
 أهداف السياسة الاجتماعية بعيدة المدى تحتاج إلى وقت طويل لإنجازها.
 أن الخطة لها أغراض تسعى لتحقيق جزء من الأهداف العامة للسياسة الاجتماعية خلال المدة للخطة.
 من الواضح أن السياسة والخطة تسيران فى عملية واحدة تتضمن عدة مراحل وصولاً إلى تنمية المجتمع وهى :
1. التعرف على ايديولوجية المجتمع بما تحتويه من معتقدات وقيم وعادات وثقافات مادية وغير مادية.
2. السياسة العامة تنبع من ايديولوجية المجتمع.
3. الاستراتيجية هى أكثر تحديداً من السياسة من حيث الأهداف.
4. التخطيط هو المنهج العلمى المستخدم فى وضع الخطة والبرامج بناء على مراحل أساسية هى :
1. دراسة المجتمع وتحديد أهدافه.
2. تحدد إطار الخطة.
3. وضع الخطة التنموية.
4. تنفيذ الخطة.
5. متابعة وتقييم الخطة.

ثامناً : العلاقة بين السياسة الاجتماعية والخدمة الاجتماعية :

الدارس لمهنة الخدمة الاجتماعية يعلم جيداً ونحن فى بداية القرن الحادى والعشرين أن الخدمة الاجتماعية لم تعد مجرد خدمات مؤقتة أو عمليات مرتبطة بالاحسان لمقابلة الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
وقد استطاعت المهنة أن تكون لنفسها مجموعة من الاتجاهات هى بدون شك نابعة أساساً من ايديولوجية المجتمع ومن أهم الاتجاهات :
- أصبح الأخصائى الاجتماعى قائداً مهنياً يتطلب نوعاً كثيراً ومتميزاً من الاعداد المهنى.
- رفاهية المواطنين ترتبط برفاهية المجتمع.
- رفاهية المجتمع يجب أن تتم بالاهتمام بجميع الفئات المجتمعية دون تمييز أو تفرقة أو إهمال فئة على الأخرى.
- المجتمع المحلى هو أهم الوحدات المجتمعية.
- أصبحت مسئولية الرعاية الاجتماعية من المهام الرئيسية للحكومات فى المجتمعات الحديثة.
ومن هذا المنطلق تتضح العلاقة بين مهنة الخدمة الاجتماعية وبين السياسة الاجتماعية وأن كل منهما يؤثر فى الأخرى وتظهر هذه العلاقة بوضوح فى :
1. اتباع السياسة الاجتماعية يجنب الارتجال فى وضع الخطط والبرامج.
2. السياسة الاجتماعية توضح لمهنة الخدمة الاجتماعية اتجاهات ومجالات ومناهج العمل الاجتماعى.
3. تعمل الخدمة الاجتماعية فى مجالات الرعاية الاجتماعية والبيئة الاجتماعية ولديها حصيلة كبيرة من المعلومات والخبرات.
4. بعد اتساع نطاق المذهب الاجتماعى تتدخل الحكومة لإحداث التوازن.
5. تعمل الخدمة الاجتماعية فى حدود السياسة الاجتماعية العامة وتحاول أن تجعل المواطنين متكيفين فى حدود النظم والموارد القائمة.


تلخيص الفصل الرابع

إن أهم ما يميز العلم أنه ذو طبيعة تراكمية وميدان الخدمة الاجتماعية هو أكثر الميادين تأثراً بالخبرات. كما أن القراءة النقدية – التحليلية للتراث المهنى للتخطيط الاجتماعى أمراً ضرورياً فقط للتعرف على هذه التجارب بل لتحليلها ونقدها نقداً موضوعياً.
أولاً : قراءة تحليلية لتراث التخطيط الاجتماعى : بدءاً من النصف الثانى من القرن العشرين أصبح الاعتقاد فى إمكانية تطبيق المعرفة التعامل بفاعلية مع المشكلات الاجتماعية يلقى قبولاً واسعاً وذلك بفضل الكتابة المتتابعة فى الفلسفة الاجتماعية.
ثانياً : فى حين العلماء الاجتماعيين المحدثين لديهم القدرة على إقناع صناع القرار بمساهمتهم القيمة التى يمكن أن يقدمونها بنجاح وإنجاز بفضل المعرفة التى يحققوها بصورة لم يحلم بها من سبقوهم
ثالثاً : لا يزال من يعمل بصورة مباشرة فى وظائف إدارية وضع سياسة بالحكومات لتوفير المعرفة من العلوم الاجتماعية ذات الصلة بالمشكلات الاجتماعية.
رابعاً : وقد اكتسب اصطلاح التخطيط الاجتماعى رواجاً واسعاً فضلاً عن المقالات الاكاديمية والكتابات التى نشرت حول موضوعه ، وترافق مع ذلك تطوير المناهج التعليمية فى التخطيط الاجتماعى رغم هذه التطورات الفعالة ، فإن التراث المتوفر حالياً حول موضوعه لا زال يحتاج إلى معالجة لاكتنافه قدر من الخلط عن طبيعة التخطيط الاجتماعى.
ومع ذلك فإن غياب تعريف موحد أو مدخل للتخطيط الاجتماعى لا يعتبر يمثل أخطر صعوبة ، أم الصعوبة الحقيقية أنه ليس هناك محاولة لإقامة المشكلة تصنيفاً لتلك التعرفات المختلفة ولمقارنة تطبيقاتها فى مجالاتها المختلفة.
أما المشكلة الثانية تتمثل فى أن معظم التراث المتاح يكتنفه الغموض حول كيفية استخدام مثاليات التخطيط الاجتماعى وكيفية تحقيقها.
المشكلة الثالثة تنطوى على أن الكثير من التراث المتاح ذو علاقة وطيدة ببريطانيا أو الولايات المتحدة بدرجة لا يمكن معها استخدامه بصورة جوهرية فى أى مكان آخر من العالم.
أم العيب الأخير فى التراث المتاح إنه يتمثل فى التجاهل لاستخدام مناهج وطرق التخطيط الاجتاعى ، بالرغم من أن مؤلفى كتابات التخطيط الاجتماعى يؤكدون بصورة ثابتة على الحاجة للتخطيط العقلانى وإلى التبنى لأدوات تصورية لصناعة القرار فى عملية صنع القرار.
ثانياً : قضايا جدلية فى التخطيط الاجتماعى : نحاول من خلال هذا العرض أن نقدم وصفاً تفصيلياً للقضايا الأخلاقية العديدة التى ترتبط بفكرة التخطيط الاجتماعى.
بل أنه من المرغوب فيه التعرف على المشكلات المرتبطة باستخدام طرق ومناهج التخطيط الاجتماعى ، ومن خلال مناقشة مختصرة ومحددة لبعض القضايا الأخلاقية الأكثر أهمية فى التخطيط الاجتماعى وفى التخطيط ككل.
1. القضية الأولى : تتعلق بطبيعة التخطيط نفسه : فالقضية الجدلية التى يجرى تطبيقها ليس فقط فى التخطيط الاجتماعى ولكن من التخطيط بصفة عامة ، إنما تتعلق بطبيعة التخطيط نفسه ، حيث أن نطاق تلك التعريفات التى تتناول عملية التخطيط لا يختلف عن صنع القرار بصورة عامة فيما يتعلق بان التخطيط كمهنة بالغة الدقة. فتلك وجهات النظر المتباينة تشترك فى اتجاهين تقليدين رئيسيين فى العلم الادارى وهما المدخل الشمولى – والعقلانى ومدخل الزيادة او الاضافة المنفصلة. المدافعون عن أهمية الاتجاه الأول فى الحاجة إلى العقلانية أما المناصرون للمدخل الأخير يدعون بأن ذلك لا يمكن بلوغه. فالمخططون لا يمكنهم توجيه الفعل كليه. وأصحاب اتجاه الزيادة او الاضافة يميلون إلى التشكيك فى كلا من المهنة والاستخدام لأدوات التخطيط حيث أنهم يعتقدون بأن وضع سياسة عبارة عن نشاط ضرورى يتطور من خلال عملية تدريجية للمقايضة.
ونحن نعتقد بأن ذلك يقدم مساعدات مفيدة لوضع سياسة بما يثرى الموضوعية والكفاية ، بل أن الرفض لمواثيقها يعتبر إعطاء شرعية للنزعات الميكافيلية والتقليدية فى سياسات تنظيمية وذلك فيه إنكار الحاجة إلى مزيد من العقلانية فى صنع القرار.
2. القضية الثانية : المشاركة فى عملية التخطيط : تأخذ هذه القضية مكاناً فى المناقشة المتعلقة بالتخطيط الاجتماعى والتى تتمثل فى مسألة المشاركة الجماهيرية فى عمليات التخطيط ، حيث أن الكثير من المدافعين عن المشاركة الجماهيرية فى التخطيط الاجتماعى يشيرون إلى مثاليات ديمقراطية عندما يعرضون حججهم بل يذهب الجدل إلى أن المشاركة العامة يمكنها أن توفر مراجعة فعالة للغطرسة المهنية، والمناصرين الأخرين للمشاركة العامة فى التخطيط باعتبارها أكثر نفعاً حيث يذهبون إلى أن المشاركة تسهيل الفعالية ، إن حجة المشاركة الشعبية فى التخطيط جرى التسليم بها ولكن على أسس عديدة.
والبعض يذهب إلى أن المشاركة العامة فى التخطيط تنطوى على تناقض للشروط ، حيث أن التخطيط يتطلب معرفة ومهارات فنية فى الوقت نفسه لا تتوافر لدى المواطنين العاديين ، فالجدل حول المشاركة الشعبية يعتبر واحداً من العديد من القضايا التى تثير الآراء اليديولوجية والقيمية، وفى الواقع إن فكرة التخيط الاجتماعى هى فى حد ذاتها ايديولوجية وذلك لأنها تنطوى على معتقدات حول أفضل سبيل لتنظيم المجتمع. وعلاج أمراض اجتماعية.
3. القضية الثالثة : التخطيط الاجتماعى والحياد الاخلاقى : رغم أن الكثير من الكتاب يقبلون بفكرة الحياد الأخلاقى للتخطيط الاجتماعى تعتبر خادعة ومضللة وهؤلاء ليس لديهم مناقشة تتسم بالكفاية فى تتابع منطقة لهذا الاستنتاج.
إن فلسفة التخطيط تتجاوز تطبيقاتها فى أمور متعلقة بالسياسة الاجتماعية ، يجرى رفضها بقوة من قبل أنصار تلك الأفكار. حيث أنهم يجادلون فى أن التخطيط الاجتماعى يعادل شكل متطرف لتدخل الدولة فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والذى يرتبط بنتائج وخيمة.
فإن هذه المعالجة تحاول الاستجابة لعدم الكفاية فى التراث القائم عن التخطيط الاجتماعى.
أولاً : باستعراض المجالات الرئيسية للممارسة التى ينشغل فيها المخططون الاجتماعيون.
ثانياً : كيف أن صنع القرار وتقنيات جمع البيانات يمكن تطبيقها فى الأمور المتعلقة بمشكلات الرعاية الاجتماعية.
ثالثاً : ميادين الممارسة والأدوار المهنية :-
(1) عرض عام لمفهومات التخطيط الأجتماعى :- إن التخطيط يعتبر خاصية للحياة اليومية. فالمواطنين العاديين يتخذون قرارات تتعلق بالمستقبل وتستند على أعتبارات عقلانيه للحقائق المعروفه ، بل أن التخطيط فى المجالات التنظيميه والعسكريه كان موجوداً أيضاً . وكانت هناك حاجه للمحافظه على الإمبراطوريات ومصادر الدخل الإجمالى وتنظيم الحملات العسكريه ، يرتبط تاريخ التخطيط المعاصر بالعديد من التطورات فى ميادين مختلفه إن أصول التخطيط التنظيميه أو المشترك . وتنميه بحث العمليات بصفه خاصة ، أما البدايات التخطيط الأقتصاديه أرتبطت بشكل عام مع خطه الخمس سنوات السوفيتيه الأولى فى عام 1928 ، فأساس عمل المخطط يختلف أكثر عن الأقتصادى ومحلل النسق ، وبالتالى من المحتمل أن يكونوا قادرين على أستخدام كل عنصر لتقنيات الأخر بسهوله ويسر .
(2) ميادين التخطيط الأجتماعى :- يشارك التخطيط الأجتماعى فى معظم معالم التخطيط التى جرى وصفها سابتاً ، حيث أن معظم الكتابات تشير إلى أن التخطيط الأجتماعى عمليه موجهه نحو الهدف يعنى يصنع قرار فعال وعقلانى ومعظمها يوضح تقريباً محتواه المعيارى ، والسبب الرئيسى لذلك يتمثل فى أن المؤلفين يستخدمون المصطلح للإشارة إلى التطبيق لمنهج التخطيط على مجالات تتسم بالتباين الشديد فهوا العمل يمكن أن يكون جيداً من خلال التحديد للمجالات التى جرى احتوائها ويشير إليها هؤلاء العلماء الإجتماعيون الذين لهم كتابات حول التخطيط الاجتماعى ، وسوف يجرى الإشارة إليها على أنها مجالات التخطيط الأجتماعى فى هذه المجالات وتشمل على الأتى :-
(1) التخطيط الأجتماعى ، التغير الإجتماعى ، وعلم الأجتماع التطبيق :- إن فكرة التخطيط الأجتماعى تضمنتها الكتابات السوسيولوجيه ، حيث ان الموضوع أنبثق فى القرن التاسع عشر كعلم متميز فإن الفضل فى ذلك إلى العالم بأعتباره المكتشف لمصطلح علم الأجتماع حيث يعتبر التخطيط الأجتماعى على أنه علم أجتماع تطبيق ، ورغم أن التغير الأجتماعى يعتبر معلماً ذو أهميه أساسيه للبحث السوسيولوجى فى سنوات تشكليه الأولى ، فإن تعاشق وتقاتل الأفكار من جانب معظم مفكريه المؤثرين . - فى حاله علم الأجتماع النظرى حيث تذهب أمنيه العالم إلى رؤيه البادىء السوسيولوجيه يجرى تطبيقها بهدف تحسين المجتمع ، وإن التقدم الأجتماعى الضار جاء نتيجه لأستجابه جيل من الأجتماع الأمريكيين .
(2) التخطيط الأجتماعى والخدمة الاجتماعية وتنظيم المجتمع :- إن المهنية فى الخدمة الاجتماعية جرى تتبعها بكفاءة إليه فى أمريكا من أخصائيين أجتماعيين أكاديميين حيث كتبوا يتوسع من مبادىء الخدمة الاجتماعية ، فضلاً عن تشكيل الهياكل المهنية المتنوعه بهدف إقامه مستويات للمارسه .
- وبطبيعه الحال فإن ذلك قد ساهم فى تطور الخدمة الاجتماعية المهنية ، كما أن محاولاتها للتنسيق بين الأنشطه الإحسانيه كان دافعاً لأنشطه الأخرى جرى تأسيسها ، وفى نفس الوقت لقمع ظهور أشكال التمويل .
- وأشتغلت مجموعات الخاصة بدراسة أوضاع تنظيم المجتمع أن تلك الممارسات جرى الأعتراف بها رسمياً كجزء مكمل الخدمة الاجتماعية .
3- التخطيط الأجتماعى والتخطيط الحضرى :- إن التخطيط المدينه قد ظهر بشكل كبير كأستجابه للآهتمام والجهد من جانب المؤسسات الخيريه تجاة الأزدحام السكانى واقذارة والفساد نتيجه للتوسع المتسارع للمدن الصناعيه فى أوروبا .
- وقد أشارت النتائج فى الأساس إلى أن مهام التصميم قد تولاها مهندسون ومخططون معماريون ، وقد ترتب على ذلك إقامه واجهات للمبانى من كتل ضخمه تضم شقق مرتفعه كثيفه بشكل مغالى فيه بدأت فى ظهور فى المدن التى دمرتها الحرب فى أوروبا .
- إن مصطلح التخطيط الأجتماعى قد ظهر فى أوروبا وأمريكا الشماليه خلال الستينات وليعكس الأهتمام الجديد بالأشكال الاجتماعية للتخطيط الحضرى . بل أيضاً يجرى أستخدامه بمعنى أكثر تخصصيه ليشير إلى مهام يتولاها موظفون متخصصون فى التخطيط الأجتماعى .
- إلا أن التخطيط الأجتماعى الأن يلتقى اعترافاً واسعاً كنشاط متخصص فى التخطيط الحضرى ، وهناك تشويشاً وخلطاً قليلاً نسبياً عن دور المخططين الأجتماعيين فى هذا المجال . وف عام 1963 سته مهام يقودها المخططون الأجتماعيون فى هيئات تخطيط المينه الأمريكيه :
1- تقدير وراقبه التأثير الأجتماعى للخطط الحضريه . ، 2- إعداد خطط تنميه إجتماعية .
3- قيادة البحث الأحتماعى . ، 4- التنسيق بين خدمات المجتمع المحلى .
5- المساعدة فى تخصيص تسهيلات المجتمع المحلى . ، 6- تجنيد المشاركه القاعديه فى التخطيط .

( التخطيط الأجتماعى والسياسة الاجتماعية وتخطيط الخدمات الجتماعيه ) :-

هناك بعض المؤلفين يذهبون إلى القوة الناميه لحركه الطبقه العامله يتم أدراكها على أنها تهديد للنظام القائم ، وقد ساهم ذلك فى خلق خدمات الرعاية فى جهد لتسكين الروح النضاليه وقد أن هناك جانب من الصدق فى الأصرار على هذا الرغم ، فإن نضال العمال لتحقيق تمثيل سياسى ، كانت تعتبر هامه بالمثل حيث أن الحكومات التى وصلت السلطه عن طريق الأقتراع لها من جانب العمال عملت أكثر لتحسين الظروف الاجتماعية.
- فالنفقات العامه على الخدمات الاجتماعية فى بلدان ناميه قد تزايد بصورة جديدة بالأعتبار اثناء الحرب وهكذا فإن التخطيط يصبح ذو أهميه متزايدة فى تنظيمات الخدمة الاجتماعية سوء على المستوى المركزى أو المحلى .
(5) التخطيط الأجتماعى والتخطيط للتنميه فى العالم الثالث :- جرى التبنى للتخطيط فى البلدان الناميه بعد الحرب العالميه الثانيه ويستند تصميمه على تحديث أقتصاديات تلك البلدان ، ولرفع مستويات المعيشه لشعوبها بأسرع ما يمكن .
- ويشير إلى أن البلدان الأسيويه لها الريادة فى هذا المجال . وتعتبر حكومه الفلبين الأولى فى أطلاق أول خطه للتنميه عام 1947 ، وتبعتها الهند بعد ذلك فى عام 1952 ، فالقادة الهنود قد تأثروا بشكل عظيم بأنجازات الأتحاد السوفيتى ، وأعتقدوا بأن التخطيط المركزى سوف يدفع المجتمع نحو التصنيع والسيطرة على فقر البقاء وبخاصه الرق .

- الصعوبات والمشاكل التى تواجه التحديد للتخطيط الاجتماعى :-

1- إلا أنه يجب الاعتراف بأن بعض المؤلفين لم يقدموا إمكانيات التطبيق لفكرة التخطيط الإجتماعى بصورة تتوافق مع ذلك الفئات .
2- أن الغياب للسياق العملى فى المناقشات المتعلقة بالتخطيط الاجتماعى يمكنا إدراكه فى التراث السوسيولوجى .
3- أن الآخرين يستخدمون مصطلح التخطيط الإجتماعى بأسلوب عام .
4- إن التخطيط الاجتماعى يتضاد مع فكرة المجتمع الجيد .
5- أن هناك بعض الكتاب غالباً ما يشيرون إلى أكثر من كمجال واحد للتخطيط الاجتماعى .
6- فالأخصائيين الاجتماعيين ليسوا فقط يكتبون حول تنظيم المجتمع ، وإنما يكتبون حول تخطيط
7- هناك أيضاً تأكيدات مختلفة فى بلدان مختلفة.
8- ويعتبر تخطيط تنظيم المجتمع المحلى مفهوماً أمريكياً فريداً وليس من المدهش بأن أخصائيين اجتماعيين فى بلدان أخرى كتبوا حول الموضوع بصورة محدودة .
9- بل أن فكرة التخطيط الاجتماعى يمكن تطبيقها فى مجالات متنوعة من الاهتمام الاجتماعى ، إلا أن محاولة تركيب تلك المعانى المختلفة يعتبر من غير المحتمل نجاحها .

spisos
10-04-2009, 18:59
رد إلى الند نملي:

أخي الكريم ...أنا جد آسف على تأخري عليك...فليس من السهل تلبية كل الطلبات...خاصة و أن بحوثك جد نادرة ...و ليكن في علمك
أنني قد إطلعت على طلباتك منذ الفترة الأولى...و قمت بعدة محاولات لتوفير البحوث..لكن تهب الرياح بما لا تشتهي السفن...أخي الكريم أرجو أن تستفد:

التنظيم الدولي:

المنظمة الدولية:

يقصد بها وفقاً للاتجاه السائد الآن في فقه القانون الدولي كل تجمع لعدد من الدول في كيان متميز ودائم بتمتع بالإرادة الذاتية وبالشخصية القانونية الدولية ، تتفق هذه الدول على إنشائه ، كوسيلة من وسائل التعاون الاختياري بينها في مجال أو مجالات معينة يحددها الاتفاق المنشئ للمنظمة.
العناصر الأساسية للمنظمة الدولية:

تنحصر في رأينا في أربعة عناصر فقط
أ- عنصر الكيان المتميز الدائم : لا يمكن القول بوجود المنظمة الدولية ما لم يتوافر لها كيان متميز ، دائم ومستقر ، يستمر ظل الاتفاق المنشيء لها ساري المفعول. ولا يقصد الدوام بداهة أن تظل المنظمة قائمة أبد الدهر ، وإنما المقصود إلا يكون وجودها عرضياً كما هو الشأن في المؤتمرات الدولية. المقصود بدوام المنظمة إذن هو استقلالها في وجودها ، وفي ممارستها لنشاطها ، عن الدول المكونة لها. ولا يشترك أن يكون نشاط المنظمة مستمراً بالمعنى الحرفي لكلمة الاستمرار ، فلا يؤثر في دوام المنظمة أن تستعمل بأحد أجهزتها جهازاً جديداً أو أن توقف لسبب أو لآخر جهازاً أو أكثر من أجهزتها عن العمل لفترة مؤقتة.
ب- الإرادة الذاتية: يقتضي الوجود المتميز للمنظمة الدولية أن تكون لها إرادتها الذاتية المتميزة تماماً عن إرادة الدول المكونة لها ، وهذا من مقتضى تمتع المنظمة بالإرادة الذاتية أن تتميز بصدد ما تجريه من تصرفات عن الدول المكونة لها فلا تنصرف آثار هذه التصرفات إلى هذه الدول كل على حدة بل إلى المنظمة نفسها باعتبارها شخصاً قانونياً دولياً يستقل في حياته القانونية عن الدول التي أنشأته لتحقق من وراء إسهامها في عضويته هدفاُ أو أهدافاً معينة.
ومن الجدير بالذكر أن توافر هذا العنصر يعد في طليعة الاعتبارات الأساسية التي يرجع إليها للتمييز بين المنظمة الدولية والمؤتمر الدولي. إذ بينها تتمتع الأولى بالإرادة الذاتية والشخصية القانونية الدولية ، لا يتمتع المؤتمر الدولي بأية إرادة ذاتية ، ولا يعتبر شخصاً من أشخاص القانون الدولي العام.
جـ- الاستناد إلى اتفاق دولي: يستند وجود المنظمة الدولية ضرورة إلى اتفاق دولي ينشئ المنظمة ، ويحدد نظامها القانوني. إذا كانت العادة قد جرت على أن يأخذ مثل هذا الاتفاق الدولي صورة المعاهدة الدولية فمن المتصور قانوناً أن يتم إنشاء المنظمة الدولية باتفاق تنفيذي بل وبمجرد الاتفاق شفاهة بين الدول المعينة. وهذا ولما كانت الاتفاقات الدولية لا تعقد إلا بين الدول فيترتب على ذلك أن المنظمة الدولية لا تضم أساساً غير الدول ومن ثم يخرج عن نطاقها الهيئات الغير حكومية ذات النشاط الدولي المعروف عادة باسم المنظمات الدولية الغير حكومية مثل الاتحادات العلمية الدولية ومنظمة الصليب الأحمر الدولي.
د- المنظمة الدولية وسيلة للتعاون الاختياري بين مجموعة معينة من الدول في مجال أو مجالات محددة يتفق عليها سلفاً: لا يزال مبدأ سيادة الدولة مبدأ رئيسياً في التنظيم الدولي المعاصر ، ومن ثم لا ينبغي اعتبار المنظمة الدولية سلطة عليا فوق الدول تنتقص من سيادتها. وإنما هي مجرد وسيلة منظمة للتعاون الاختياري القائم على المساواة بين مجموعة من الدول في مجال أو مجالات تحدد سلفاً في الاتفاق المنشئ للمنظمة. هذا ويلاحظ أنه بينما لا ينتقص انضمام الدولة إلى عضوية المنظمة الدولية من سيادتها. وإن قيدت المعاهدة المنشئة للمنظمة من حريتها في ممارسة هذه السيادة ، فأن انضمامها إلى أية صورة من صور الاتحاد بين الدول يفترض حتماً تنازلها عن قدر من مضمون سيادتها إلى السلطة الاتحادية التي تعلو بداهة فوق كل الدول المكونة للاتحاد. وفي هذا الفارق القانوني الواضح الدقيق يمكن معيار التفرقة بين المنظمة الدولية واتحادات الدول على كافة أنواعها.
أنواع المنظمات الدولية


أولا :تقسيم المنظمات الدولية من حيث الطبيعة الموضوعية لأهدافها إلى منظمات عامة وأخرى متخصصة
معيار هذا التقسيم هو مدى ضيق أو اتساع مجال نشاط المنظمة. ومن أمثلة المنظمات العامة
1- عصبة الأمم 2- الأمم المتحدة 3- منظمة الدول الأمريكية 4- جامعة الدول العربية
5- الاتحاد الإفريقي

أما المنظمات الدولية المتخصصة فكثيرة وأهمها :

أ- المنظمات الدولية الاقتصادية :
وتشمل كل منظمة تهدف إلى تحقيق التعاون بين أعضائها في مجال ذي طبيعة اقتصادية ، مثل صندوق النقد الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية.
ب- منظمات دولية علمية:مثل المنظمة العالمية للأرصاد الجوية .
جـ- منظمات دولية اجتماعية:
مثل منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة " اليونسكو"
ثانياً:تقسيم المنظمات الدولية بالنظر إلى نطاق العضوية فيها إلى منظمات دولية إقليمية وأخرى ذات اتجاه عالمي
يقصد بالمنظمة الدولية ذات الاتجاه العالمي تلك التي تقتضي طبيعة أهدافها تحديد شروط العضوية فيها على أساس عالمي يسمح بانضمام أية دولة من الدول إليها متى توافرت فيها الشروط التي يتطلبها ميثاق المنظمة ، والتي ترمي في العادة إلى التحقق من أن الدولة طالبة الانضمام راغبة حقاً وقادرة فعلاً على تنفيذ الالتزامات التي ينص عليها ميثاق المنظمة. ومثال هذا النوع من المنظمات الأمم المتحدة.
يقصد بالمنظمة الإقليمية كل منظمة دولية لا تتجه بالضبط أهدافها نحو العالمية ، وإنما يقتضي تحقيق الهدف من إنشائها قصر عضويتها على طائفة معينة من الدول ترتبط فيما بينها برباط خاص. ويتنازع تعريف الإقليمية ثلاثة اتجاهات أساسية.
أ- المفهوم الجغرافي للإقليمية:

يشترط أصحاب هذا الاتجاه قيام رابطة جغرافية واضحة تربط بين الدول الأعضاء فيها ، ثم يختلفون توافر رابطة الجوار الجغرافي بين الدول أعضاء المنظمة ، بينما يكتفي البعض الآخر بأن تحدد الدول أعضاء المنظمة النطاق المكاني لتعاونها في سبيل تحقيق أهداف المنظمة بإقليم جغرافي معين ولو لم تقم رابطة الجوار الجغرافي بين هذه الدول ، بل ولو تنتم جميعها إلى هذا الإقليم جغرافياً.
ب- المفهوم الحضاري للإقليمية:
يشترط أصحاب هذا الاتجاه القول بثبوت الإقليمية علاوة على الجوار الجغرافي توافر روابط أخرى ذات طابع حضاري مثل وحدة أو تقارب اللغة والثقافة والتاريخ والعنصر فصلاً عن المصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة.
جـ- المفهوم الفني للإقليمية:
يشترط أصحاب هذا الاتجاه بالإقليمية كل منظمة دولية لا تتجه بطبيعتها نحو العالمية ، إذا تقتضي طبيعة أهدافها قصر نطاق العضوية فيها على فئة معينة من الدول ترتبط فيما بينها برباط خاص أيا كانت طبيعة هذا الرباط جغرافياً كان أو حضارياً أو سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً دائماً كان الرباط أو موقوتاً ومن ثم يدخل في عموم المنظمة الإقليمية عند أصحاب هذا الاتجاه
أ- المنظمات الإقليمية عامة الأهداف القائمة على أساس من الجوار الجغرافي أو الارتباط الحضاري بين أعضائها مثل جامعة الدول العربية.
ب- المنظمات الإقليمية المتخصصة المنشأة من أجل التعاون بين مجموعة معينة من الدول في سبيل تحقيق مصلحة مشتركة معينة. ومن أمثلة هذه الطائفة من المنظمات الإقليمية منظمة الدول المصدرة للبترول.
جـ- الأحلاف العسكرية القائمة على أساس من المصلحة السياسية والعسكرية المشتركة الموقوتة بظروف معينة (منظمة معاهدة شمال الأطلسي)
هذا وإذا كان لكل من الآراء السابق الإشارة إليها وجهته فأن أرجحها هو الرأي الثالث لما يمتاز به من وضوح وانضباط يفتقدهما الرأي الثاني ، ولما يمتاز به من مرونة في التطبيق يفتقدها المفهوم الجغرافي الضيق لفكرة الإقليمية. والواقع أن تطبيق أحد المعيارين الأول أو الثاني من شأنه استبعاد منظمة مثل منظمة الدول المصدرة للبترول من عداد المنظمات الإقليمية بالرغم من أنها بلا شك ليست بالمنظمة العالمية أو المتجهة نحو العالمية ، الأمر الذي يتضح معه عقم هذين المعيارين ومرونة المعيار الثالث الذي يشمل في الواقع من المنظمات كل ما لا يدخل في عداد تلك المتجهة نحو العالمية.
ثالثاً:تقسيم المنظمات الدولية من حيث الطبيعة القانونية لنشاطها إلى منظمات دولية قضائية وأخرى إدارية وثالثة ذات نشاط تشريعي أو شبيه بالتشريعي
ويقصد بالنوع الأول المنظمات الدولية التي ينحصر اختصاصها أساساً في الفصل في المنازعات الدولية أو إصدار الفتاوى القانونية (المحكمة الدائمة للعدل الدولي) ، ويقصد بالنوع الثاني تلك المنظمات التي ينصرف نشاطها إلى إدارة مرفق عام دولي معين (اتحاد البريد العالمي) ، أما النوع الثالث فتنحصر مهمته في السعي إلى توحيد القواعد القانونية المتبعة بشان علاقة دولية معينة (منظمة العمل الدولية)
وبالرغم من طرافة هذا التقسيم إلا أنه من الصعب عملاً تطبيقه واقعياً إذا تجمع أغلب المنظمات بين اثنين أو أكثر من هذه الاختصاصات.
الشخصية القانونية للمنظمة الدولية

أولاً : الخلاف الفقهي حول مدى تمتع المنظمة الدولية بالشخصية القانونية الدولية

يقصد الشخصية القانونية الدولية القدرة على اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات ، والقيام بالتصرفات القانونية ، ورفع الدعاوى أمام القضاء. وقد كان من المتفق عليه عموماً أن الشخصية الدولية بهذا المعنى لا تثبت إلا للدول ، وللدول وحدها ، ثم بدأ هذا المفهوم يهتز نتيجة ظهور المنظمات الدولية. غير أن الجدل لم يحتدم في الفقه حول هذا الموضوع إلا بمناسبة انقضاء عصبة الأمم ثم ما لبث أن تجدد بعد إنشاء الأمم المتحدة وقد انتهى هذا الجدل الفقهي برأي استشاري شهير أصدرته محكمة العدل الدولية في عام 1949م اعترفت فيه بالشخصية القانونية للأمم المتحدة ، مؤكدة أن الدول ليست وحدها أشخاص القانون الدولي العام ، وان المنظمات الدولية يمكن اعتبارها أشخاصاً قانونية من طبيعة خاصة متميزة عن طبيعة الدول تتمتع بأهلية قانونية تتناسب مع الأهداف التي أنشئت المنظمة من أجل تحقيقها.
وترجع ظروف هذه الفتوى إلى ما حدث خلال عامي 1947 ، 1948م من إصابة بعض العاملين بالأمم المتحدة بأضرار متفاوتة الخطر خلال قيامهم بخدمتها ، وكان أهم هذه الأحداث مقتل الكونت برنادوت وسيط الأمم المتحدة لتسوية الحرب الفلسطينية خلال زيارة قام بها لإسرائيل.
ونتيجة لهذه الحوادث ثار البحث في الأمم المتحدة عما إذا كان من حقها رفع دعوى المسئولية الدولية ضد الدول المسئولة عن هذه الأضرار. ويعرض الأمر على محكمة العدل الدولية التي انتهت إلى أن الأشخاص في نظام قانوني معين ليسوا بالضرورة متماثلين في الطبيعة وفي نطاق الحقوق ، بل تتوقف طبيعة كل منهم على ظروف المجتمع الدولي الذي نشأ فيه وعلى متطلباته كما انتهت إلى أن الدول ليست وحدها أشخاص القانون الدولي العام. والمنظمة لا تتمتع بالشخصية القانونية الدولية إلا بالقدر اللازم لتحقيق أهدافها.
وعلى ضوء هذا التحليل انتهت المحكمة بأن الأمم المتحدة شخص من أشخاص القانون الدولي العام ، وبأن طبيعة أهدافها ووظائفها تقتضي ضرورة الاعتراف لها بالحق في تحريك دعوى المسئولية الدولية في حالة إصابة أحد العاملين بها بالضرر بسبب قيامه بخدمتها.
وقد استخلص جمهور فقهاء القانون الدولي العام من هذا الرأي الاستشاري نتيجة هامة مقتضاها ضرورة الاعتراف للمنظمات الدولية عموماً بتوافر الشخصية القانونية الدولية ، وذلك كلما اتضح أن الوصول إلى الأهداف وممارسة الوظائف لا يتأتى إلا بالاعتراف للمنظمة بالشخصية القانونية الدولية.
ثانيا: الطابع الوظيفي للشخصية القانونية المعترف للمنظمة الدولية بها

إذا كانت محكمة العدل الدولية قد اعترفت بتمتع الأمم المتحدة بالشخصية القانونية الدولية فقد حرصت على بيان الفارق بين هذه الشخصية وبين الشخصية القانونية التي تتمتع بها الدول مؤكدة أن الاعتراف بالشخصية القانونية الدولية لمنظمة ما لا يعني إطلاقاً اعتبارها بمثابة للدولة فيما لها من حقوق وفيما تلتزم به من واجبات ، وإن كل ما يعنيه مثل هذا الاعتراف هو إمكان اكتساب المنظمة للحقوق وتحملها بالالتزامات بالقدر اللازم لممارستها لوظائفها على النحو الذي استهدفته الدول الأعضاء من وراء إنشائها.
وعلى ضوء هذه التفرقة يمكننا القول أن الشخصية القانونية الدولية التي تتمتع بها المنظمة الدولية شخصية قانونية من طبيعية خاصة ووظيفية وأنها محدودة المجال بالضرورة. وتتوقف أساساً على مقدار وطبيعة الوظائف المنوط بالمنظمة بها إلا لتؤدي من خلال وظائفها ، ومن ثم لا يتصور منطقاً أن تزيد في اتساعها عن القدر المتلائم وهذه الوظائف.
وإذا كان لنا أن نستعير تفرقة فقهاء القانون الداخلي بين الشخصية الطبيعية والشخصية الاعتبارية لأمكننا القول بأن الدولة هي الشخص الطبيعي للقانون الدولي العام القادر على التمتع بكافة الحقوق والالتزامات ، وأن المنظمات الدولية هي أشخاصه الاعتبارية ذات المجال الوظيفي المحدد ضرورة.
الطبيعة القانونية لشخصية المنظمة الدولية
هذا ولا يجوز الاحتجاج بالشخصية القانونية للمنظمة الدولية في مواجهة الدول الغير الأعضاء أو المنظمات الدولية الأخرى ما لم تعترف هذه الدول أو المنظمات بثبوت الشخصية الدولية للمنظمة اعترافاً صريحاً أو ضمنياً ، ذلك أن الشخصية الدولية للمنظمة إنما تثبت لها كنتيجة ضرورية للمعاهدة التي أنشأتها ولا يجوز الاحتجاج بهذه المعاهدة في مواجهة الدول التي لم تشترك في إبرامها تطبيقاً لقاعدة نسبية آثار المعاهدات. وإذا كانت محكمة العدل الدولية قد خرجت على هذا المبدأ في رأيها الاستشاري السابق الإشارة إليه ، إذا اعترفت للأمم المتحدة بشخصية دولية موضوعية يجوز الاحتجاج بها في مواجهة كافة الدول حتى ما لم يكن منها مشتركاً في عضويتها.
ثالثاً " الشروط الواجب توافرها للاعتراف للمنظمة بالشخصية الدولية

لا يشترط لاتصاف المنظمة بالشخصية الدولية أية شروط خاصة سوى توافر أركانها الأساسية ويستوي أن تنصرف إرادة الدول المؤسسة صراحة إلى منحها هذه الشخصية بالنص عليها في المعاهدة المنشئة للمنظمة ، أو أن يفهم ذلك ضمناً من مجرد اجتماع الأركان الأربعة.
نطاق الشخصية الوظيفية الثابتة للمنظمة الدولية (النتائج المترتبة على الاعتراف للمنظمة الدولية بالشخصية القانونية)
القاعدة هي ارتباط نطاق الشخصية القانونية الثابتة للمنظمة ضيقاً واتساعاً بالوظائف المعهود إليها بممارستها من اجل تحقيق الأهداف التي رمت إليها الدول المؤسسة للمنظمة من وراء تأسيسها.
أ- مجال العلاقات الدولية الخاضعة للقانون الدولي العام
يترتب على الاعتراف للمنظمة الدولية بالشخصية القانونية الوظيفية أن تثبت لها حقوق عدة أساسية من أهمها
1- حق إبرام الاتفاقات الدولية في الحدود اللازمة لتحقيق أهدافها. ومن أهم الأمثلة للمعاهدات التي يحق للمنظمات الدولية إبرامها مع الدول الأعضاء فيها. واتفاقيات المقر التي قد تبرمها المنظمة مع الدولة الكائن في إقليمها مقر المنظمة إذا كانت هذه الدولة عضواً فيها.
أما المعاهدات التي تبرمها المنظمة الدولية مع دول غير أعضاء فيها فمن أهم أمثلتها اتفاقية المقر التي قد تبرمها المنظمة الدولية مع الدولة الكائن بإقليمها مقرها متى كانت غير عضو فيها ، مثل الاتفاقية المبرمة في 14 ديسمبر 1946م بين الأمم المتحدة وسويسرا. ومن أهم الأمثلة للمعاهدات التي قد تبرمها منظمة دولية معينة مع منظمات دولية أخرى والاتفاقيات المبرمة بين الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة والمشار إليها في المادتين 57 ، 63 من ميثاق الأمم المتحدة.
2- حق المشاركة في خلق قواعد القانون الدولي العام عن طريق إسهامها في تكوين العرف أو عن طريق ما قد تصدره من قرارات ذات طابع تشريعي.
3- حق تحريك دعوى المسئولية الدولية للمطالبة بالتعويض عما قد يصيب المنظمة نفسها من ضرر أو لتوفير الحماية الوظيفية للعاملين بها في حالة ما إذا ترتب على قيامها بنشاطها في المجال الدولي أن أصيب بعضهم بالضرر أثناء قيامهم بخدمتها.
4- حق التقاضي أمام محاكم التحكيم ومختلف المحاكم الدولية باستثناء تلك التي ينص بصراحة في نظامها على عدم اختصاصها بنظر الدعاوي المرفوعة من غير الدول (محكمة العدل الدولية).
5- حق التمتع بالبعض من الحصانات والامتيازات في مواجهة الدول الأعضاء ودول المقر. وإذا كانت الحقوق سالفة هي أهم ما يثبت للمنظمة نتيجة تمتعها بالشخصية الدولية فقد أوردناها على سبيل المثال لا الحصر.
ب- مجال علاقات القانون الداخلي لدولة معينة
يترتب على ثبوت الشخصية الدولية الوظيفية للمنظمة أن تتمتع كذلك بالشخصية القانونية في النظم الداخلية لكافة الدول الأعضاء فيها ، وفي النظم الداخلية للدول الغير أعضاء المعترف بالمنظمة المعينة.
ومن أهم الأمثلة لهذا الوضع ما نصت عليه المادة 104 من ميثاق الأمم المتحدة من تمتع المنظمة في بلاد كل عضو من أعضائها بالأهلية القانونية التي يتطلبها قيامها بأعباء وظائفها وتحقيق مقاصدها.
ويترتب على ثبوت هذه الشخصية ، في القانون الداخلي لكل من الدول الأعضاء والدول غير الأعضاء المعترفة بالمنظمة نتائج عديدة أهمها:-
1- ثبوت حق المنظمة في التعاقد ومن ثم يحق لها التعاقد لشراء ما يلزمها من أدوات ومهمات لاستئجار المباني والعقارات التي يشغلها موظفوها أو لنقل منقولاتها أو موظيفها.
2- ثبوت حق المنظمة في التملك ، ومن ثم يحق لها تملك الأموال منقولة كانت أو عقارية في الحدود اللازمة لممارستها الوظائف المعهود بها إليها.
3- ثبوت حق المنظمة في التقاضي.
جـ- مجال القانون الداخلي للمنظمة نفسها
أدت نشأة المنظمات الدولية ، ثم ازدهارها السريع للطرد إلى ظهور مجموعة جديدة من النظم القانونية هي النظم الداخلية للمنظمات الدولية وكما تبدو الشخصية القانونية للمنظمة جلية واضحة في مجال القانون الدولي العام وفي مجال القوانين الداخلية للدول الأعضاء والدول الغير الأعضاء المعترفة بالمنظمة تبدو كذلك ساطعة في مجال قانونها الداخلي إذا يحق لها على سبيل التعاقد وفقاً لأحكامه مع من تحتاج إلى خدماتهم من عاملين. ويحق لها إنشاء الأجهزة الفرعية اللازمة للقيام بوظائفها.

أجهزة المنظمة بين الوحدة والتعدد


يتضح لنا أن المنظمات الدولية الأسبق في النشأة كانت تقوم على جهاز واحد تشترك في عضويته كافة الدول الأعضاء. وكان هذا الجهاز يختص بممارسة كافة وظائف المنظمة. وبدأت المنظمات الدولية تتجه تدريجياً نحو الأخذ بمبدأ تعدد الأجهزة مراعاة لاعتبارين جوهرين
أ- ضرورة التخصص وتقسيم العمل بعد أن اتسعت دائرة نشاط المنظمات الدولية على نحو أصبح معه من المستحيل أن يقوم جهاز واحد بكل ما ينبغي على المنظمة ممارسته من وظائف متشعبة.
ب- ضرورة مراعاة الأهمية النسبية لكل دولة عضو. فعن طريق تعدد الأجهزة وإعطاء بعض الدول ذات الأهمية الخاصة وضعاً متميزاً داخل بعضها دون البعض الآخر ، يمكن الوصول إلى وضع من التوازن الهيكلي داخل إطار المنظمة بتجاوب مع وضع التوازن الواقعي القائم فعلاً بين الدول المشتركة في عضويتها دون ما إهدار لجوهر مبدأ المساواة في السيادة.
وفي مقدمة المنظمات التي أخذت بمبدأ تعدد الأجهزة مراعاة لهذا الاعتبار الأمم المتحدة التي وزع ميثاقها اختصاصاتها الأساسية ذات الطابع السياسي بين جهازين أساسين تشترك في أحدهما (الجمعية العامة) كافة الدول الأعضاء على قدم المساواة ، وتتمتع في الآخر (مجلس الأمن) الخمس دول العظمى بوضع خاص روعيت فيه أهميتها السياسية ، تبلور عملاً في منحها العضوية الدائمة والحق في الاعتراض.
وقد روعيت أيضاً اعتبارات الأهمية الفعلية للبعض من الدول الأعضاء وضرورة إعطائها وضعاً خاصاً داخل أجهزة المنظمة يناسب وزنها الخاص ، في الكثير من المعاهدات المنشئة للوكالات المتخصصة. ومثال ذلك ما نصت عليه المادة الخمسون من المعاهدة المنشئة لمنظمة الطيران المدني الدولية من ضرورة مراعاة الأهمية النسبية في ميدان الملاحة الجوية عند اختيار الجمعية المكونة من الدول الأعضاء لأعضاء المجلس المكون من بعض الدول فحسب.

فقد أصبح من المبادئ المسلم أن لأي من هذه الأجهزة الرئيسية الحق في أن ينشئ بقرار يصدره ما يرى مناسبة استحداثه من أجهزة فرعية ، وأن يعهد إليها بممارسة بعض ما يدخل في نطاق اختصاصه من وظائف يرى ملائمة تخصيص جهاز متميز لها.
تمثيل الدول الأعضاء في أجهزة المنظمة


تحكم تمثيل الدول الأعضاء في أجهزة المنظمة قاعدتان جوهريتان تخلص
أولاهما في أن من حق الحكومة وحدها اختيار ممثلي الدولة في أجهزة المنظمة.
والثانية في أن للحكومة حرية كاملة ومطلقة في اختيار الممثلين دون التقيد بأوصاف أو شروط معينة.
وإذا كان تطبيق هاتين القاعدتين هو الأصل ، إلا أن الأمر لا يخلو من استثناءات خاصة. ولعل أهم الاستثناءات الواردة على القاعدة الأولى هو ما نص عليه في المادة الثالثة من دستور منظمة العدل الدولية من أن يتم تمثيل كل دولة في المؤتمر العام للمنظمة بأربعة ممثلين يمثل حكومتها منهم اثنان ، ويمثل الثالث أصحاب الأعمال ويمثل الرابع العمال. ومن الواضح أن هذا الخروج على القاعدة العامة إنما يستهدف تمثيل قوى غير حكومية لا تقل أهميتها في مجال علاقات العمل عن أهمية الحكومة نفسها.
وإذا كان الخروج على القاعدة الأولى أمر نادر ، فأن أمثلة الخروج على القاعدة الثانية ليست في الواقع بالنادرة ، ما تشترطه المادة 14 من المعاهدة المنشئة لمجلس أوروبا من ضرورة أن يكون ممثل الدولة في أحد أجهزتها (اللجنة) هو وزير خارجيتها أو أحد أعضاء الحكومة الآخرين إذا ما تعذر حضور وزير الخارجية بنفسه.
أحكام التصويت
كان التصويت في المنظمات الدولية يقوم على مبدأين أساسين هما اشتراط الإجماع كقاعدة عامة لا ينبغي الخروج عليها إلا بالنسبة لأقل المسائل وكمجرد استثناء لا يقاس عليه ولا يتوسع فيه ، وضرورة المساواة بين الدول فيما يتعلق بعدد الأصوات الممنوحة لكل منها بحيث لا تتمتع الدولة إلا بصوت واحد فقط أيا كان وزنها الحقيقي وأهميتها الفعلية تستوي في ذلك أكبر الدول وأقواها مع أصغرها شأناَ
وقد اتجه التطور بعد ذلك نحو التحرر من هاتين القاعدتين
أ- ففيما يتعلق بالقاعدة الأولى وهي قاعدة الإجماع ، يلاحظ أن الأغلبية الساحقة من المنظمات الدولية المعاصرة لا تشترط الإجماع كأصل عام ، وإنما تكتفي بأغلبية قد تكون بسيطة عادية أو خاصة موصوفة إذا ما تعلق بالأمر بمسألة على جانب كبير من الأهمية. وقد بدأ هذا الاتجاه أو الأمر في الظهور بالنسبة للمنظمات ذات الطابع الفني المتخصص البعيدة أساساً عن السياسة ، ثم ما لبث أن شمل المنظمات السياسية أيضاً وفي مقدمتها الأمم المتحدة.
ب- أما الاتجاه الثاني الرامي إلى التحرر من قاعدة لكل دولة صوت واحد ، فاتجاه حديث نسبياً لا يزال حتى الآن محدود المجال والتطبيقات.
ويقوم نظام وزن الأصوات هنا على فكرة بسيطة مقتضاها ضرورة إعطاء كل دولة عضو في المنظمة عدداً من الأصوات يتناسب مع أهميتها داخل المنظمة. إلا أن تطبيق هذه الفكرة يصطدم عملاً بمشكلة قوامها صعوبة الاتفاق على معيار عادل ومنضبط تتحدد على أساسه الأهمية النسبية لكل دولة عضو. ولهذا السبب لم يؤخذ نظام وزن الأصوات إلا في البعض من المنظمات ذات الطالع الاقتصادي أو المالي حيث يسهل الوزن بالنظر إلى مقدار ما تنتجه الدولة أو ما تصدره أو ما تستورده من سلعة معينة ، أو بالنظر إلى عدد ما تمتلكه من اسهم في رأس مال المنظمة نفسها.
ومن أهم الأمثلة لوزن الأصوات وما نصت عليه المادة 12/5 من المعاهدة المنشئة لصندوق النقد الدولي ، من إعطاء كل دولة عضو مائتين وخمسين من الأصوات ، يضاف إليها صوت واحد عن كل سهم تملكه الدولة في رأس مال البنك أو الصندوق بحسب الأحوال.



ما المقصود بالعامل الدولي وما هو النظام القانوني لهم

العامل الدولي

هو كل شخص طبيعي يعمل لحساب المنظمة بأجر أو بدون أجر بصفة مؤقتة أو مستمرة ولا مجال للخلط بين العامل الدولي وبين ممثلي الأعضاء لدي أجهزة المنظمة. فبينما تنحصر وظيفة ممثلي الدول في الإسهام في اتخاذ المنظمة لقراراتها من خلال تمثيلهم لدولهم في أجهزة المنظمة متقيدين في ذلك بتعليمات حكوماتهم المختصة وحدها بتعيينهم ومسائلتهم وتنحصر مهمة هؤلاء العاملين أساساً في القيام على تنفيذ هذه القرارات المنسوبة بعد صدورها إلى المنظمة المختصة وحدها بتعيينهم وحمايتهم ومحاسبتهم على كل ما يصدر عنهم من تصرفات أو ما يرتكبونه من أخطاء.
النظام القانوني العاملين الدوليين

يخضع العاملون الدوليون فيما يتعلق بنظامهم القانوني للمبادئ العامة في قانون المنظمات الدولية ، ولأحكام العقود التي يبرمونها مع المنظمة الدولية ، ولما قد يوجد في المعاهدة المنشئة لها من نصوص تعالج وضعهم ، ولما قد يصدر عن أجهزة المنظمة المختصة من قرارات تتعلق بوضع العاملين بهال وتسيطر على وضعهم القانوني ثلاثة مبادئ أساسية
أ- الاستقلال عن دولة الجنسية. فلا يجوز للعامل الدولي تلقي أية تعليمات أو توجيهات من حكومة الدولة التي ينتمي إليها بجنسيته أو مراعاة مصالحها السياسية أو الاقتصادية أو الأدبية بأي وجوه من الوجوه ، وإنما يلتزم بأداء مهمته في استقلال كامل عن دولة الجنسية. ولا يعني هذا الالتزام انقطاع الصلة بين العامل الدولي وبين دولة جنسيته فالصلة موجودة وقائمة حتى خلال الفترة التي يكرس فيها العامل نشاطه لخدمة المنظمة ولكن تقوم الصلة في الحدود غير المخلة بولاء للعامل للمنظمة.
ب-الحياد بين الدول أعضاء المنظمة فلا يجوز للعامل الدولي تفضيل إحداها على الأخرى أو التمييز بينها في المعاملة.
جـ- الولاء للمنظمة وفقاً لما يصدر له من تعليمات من أجهزتها المختصة أو من رؤسائه من العاملين الآخرين ، ويلتزم كذلك بتغليب مصلحتها على المصالح الفردية لسائر الدول بما في ذلك دولة جنسية ذاتها.
المقصود بالموظف الدولي :

وقد درج الفقه على تسمية هذه الطائفة بالموظفين الدوليين تمييزا لهم عن العاملين بالمنظمة عرضاً أو لمهمة بعينها ممن لا يخضعون بالنظر لطبيعة أعمالهم المتنوعة والمؤقتة المتعذر وقتها وتنظيمها سلفاً لهذا النظام القانوني الخاص. ومن ثم يمكننا تعريف الموظف الدولي بأنه كل من يعمل في خدمة إحدى المنظمات الدولية لأداء وظيفة دائمة ، خاضعاً في كل ما يتعلق بعلاقته بها للنظام القانوني المفضل الذي تضعه المنظمة لتنظيم مركزه ومركز زملائه ، لا لقانون وطني معين وواضح من هذا التعريف ، أنه لا بد لاعتبار العامل في خدمة إحدى المنظمات الدولية موظفاُ دولياً بالمعنى الصحيح من أن يتوافر في شانه أمران الأول زمني ينحصر في كون الوظيفة التي يشغلها الموظف الدولي وظيفة دائمة ومستمرة ، الثاني في علاقته بالمنظمة للنظام القانوني الذي تضعه هي لتنظيم هذه العلاقة والعلاقات المماثلة لها ، لا للنظام القانوني لدولة معينة.
ب- النظام القانوني للموظفين الدوليين

ويمكن القول بأن اختيار المنظمة الدولية لموظفيها يحكمه في العادة اعتباران أساسيان هما من ناحية محاولة الحصول على أحسن الكفايات المتاحة ومن ناحية أخرى محاولة إيجاد نوع من التوازن بين مواطني الدول المختلفة الأعضاء فيها. هذا وقد تلجأ المنظمة الدولية إلى الدول الأعضاء فيها طالبة إليها ترشيح من تأنس فيه الصلاحية للعمل بها من مواطنيها ولا يمس هذا الترشيح من حيث المبدأ حرية المنظمة في تعيين من يشاء واعتباره معيناً من قبل المنظمة خاضعاُ لها وحدها ، ولو تم تعيينه بناء على ترشيح من دولته. ومن الملاحظ أن الدول الأعضاء قد تلجأ إلى استخدام نفوذها للضغط على الأمين العام للمنظمة لتعيين من ترشحهم من رعاياها ، ولاستبعاد من لا ترضى عنهم من هؤلاء الرعايا بسبب معتقداتهم السياسية أو الدينية المتعارضة ومعتقدات حكومة الدولة التابعين لها بجنسيتهم. ففصل الموظف أمر غير مشروع قطعاً ما لم تؤثر هذه المعتقدات في أسلوب قيام الموظف الدولي بواجبات وظيفته على نحو يتعارض مع واجب الولاء للمنظمة وحدها والالتزام بالحياد في العلاقة مع الدول الأعضاء فيها.
الموارد المالية للمنظمات الدولية ونفقاتها (هام)

موارد المنظمة

المورد الأساسي للمنظمات الدولية هو ما يدفعه أعضائها من اشتراكات مالية يسهمون من خلال التزامهم بدفعها في تحقيق الغاية التي من أجلها ارتضوا الارتباط بالاتفاق المنشئ للمنظمة. ويثور البحث حول اختيار أعدل المعايير لتوزيع الأعباء المالية بين الدول الأعضاء. ولعل أقرب المعايير إلى العدالة هو معيار المقدرة على الدفع. وهو معيار مركب يقوم على المقارنة بين الدخول القومية المختلفة للدول الأعضاء مع مراعاة متوسط دخل الفرد وحصيلة الدولة من العملات الصعبة وما قد تتعرض له بعض الدول من أزمات اقتصادية وفي رأينا أن هذا المعيار أقرب إلى العدالة بكثير من المعيار المزدوج الذي كانت تأخذ به عصبة الأمم والقائم على المقارنة بين إيرادات الميزانية للدول الأعضاء في عام 1913م ومجموع عدد سكانها في عام 1919م.
ويحدد الاتفاق المنشئ للمنظمة الدولية العقوبات الجائز الالتجاء إليها لمواجهة تخلف الدول الأعضاء عن الوفاء بالتزاماتها المالية ومن قبيل ذلك ما نصت عليه المادة 19 من ميثاق الأمم المتحدة من أنه " لا يكون لعضو الأمم المتحدة الذي يتأخر عن تسديد اشتراكاته المالية في الهيئة حق التصويت في الجمعية العامة ، إذا كان المتأخر عليه مساوياً لقيمة الاشتراكات المستحقة في السنتين الكاملتين السابقتين أو زائداً عنهما.
ومن الجدير بالذكر أن للمنظمات تحرص على وضع حد أعلى لا يجوز لمساهمة أي من الدول الأعضاء في نفقات المنظمة تجاوزه وذلك حتى لا تكتسب مثل هذه الدولة نفوذاً استثنائياً على جهاز المنظمة نتيجة اعتماد المنظمة المالي على ما تدفعه من اشتراك.
وإذا كانت اشتراكات الدول الأعضاء هي المورد الأساسي للمنظمة في الوضع العادي للأمور فليست بالضرورة المورد الوحيد. هذا ومن أحدث وأطرف الموارد التي قد تلجأ إليها المنظمة الدولية لتمويل نفقاتها ، ما قد تستتبعه الطبيعة الخاصة لبعض المنظمات من منحها حق فرض الضرائب أو ما يشبه الضرائب على مواطني الدول الأعضاء في حدود معينة وهو ما نصت عليه الاتفاقيات المنشئة للجماعات الأوروبية التي تطورت تدريجياً لتصبح الآن ما يعرف باسم الاتحاد الأوروبي.
نفقات المنظمة

يقصد بنفقات المنظمة الدولية كافة المبالغ النقدية المرتبط انفاقتها بممارسة المنظمة لنشاطها. هذا وقد ذهبت بعض الدول بمناسبة رفضها الإسهام في تمويل قوات الطوارئ الدولية والتي أنشأتها الأمم المتحدة لمواجهة أزمة الشرق الأوسط عام 1956م ثم أزمة الكونغو عام 1960م إلى وجوب التمييز بين النفقات العالية أو الإدارية وهي النفقات التي لا مفر من قيام المنظمة بها لمواجهة نشاطها اليومي المعتاد كمرتبات الموظفين وثمن الأدوات المكتبية أو نفقات المهمات والعمليات مثلاًُ بالتدخل المسلح في منطقة معينة من العالم إقراراً للأمن والسلام. ورتبت هذه الدول على هذه التفرقة بين النفقات العادية والنفقات الاستثنائية ، القول بعدم التزامها قانوناً بالإسهام في مواجهة للنوع الثاني من النفقات.
وليس لهذه التفرقة أية قيمة قانونية خاصة ما لم تستند إلى نص صريح في الاتفاق المنشئ للمنظمة أو في اللوائح المنظمة لنشاطها المالي.
المقصود بالقانون الداخلي للمنظمة الدولية

ينصرف اصطلاح القانون الداخلي للمنظمة الدولية إلى مجموعة القواعد القانونية المتمتعة بوصف السريان الفعلي داخل الإطار القانوني لمنظمة دولية بعينها والمرتبطة بهذه المنظمة كنظام قانوني متميز. ولا يشمل هذا الاصطلاح ما قد يطبق داخل إطار المنظمة من قواعد القانون الدولي العام. ولا يرجع تمتعها بوصف السريان الفعلي داخل إطار منظمة بعينها إلى ارتباطها العضوي بهذا النظام ، وإنما إلى وحدة كافة القوانين مع تميز القانون الدولي العام بالعلو على كافة القوانين الأخرى الأمر الذي يمنحه خاصية السريان الفعلي في كافة المجتمعات البشرية متفرقاً في سريانه هذا على كافة القوانين الداخلية للدول والمنظمات.
مصادر القانون الداخلي للمنظمة الدولية

من المسلم به أن المصدر الرئيسي والأساسي للقانون الداخلي للمنظمة الدولية هو المعاهدة المنشئة لهذه المنظمة ومن ثم يجب الرجوع إليها لتحديد نطاق اختصاص المنظمة وكيفية توزيع هذا الاختصاص بين أجهزتها المختلفة والعلاقة بين هذه الأجهزة. ليست المعاهدة المنشئة المصدر الوحيد ، إذا توجد إلى جوارها مصادر أخرى ثلاثة تتفاوت في أهميتها العملية بحسب طبيعة وظروف المنظمة موضوع البحث. فكما تنشأ القاعدة عن المعاهدة المنشئة للمنظمة ، فقد تجدها مصدرها في العرف أو المبادئ العامة للقانون أو ما قد تصدره أجهزة المنظمة نفسها من قرارات كل في حدود اختصاصه.
ويقصد بالعرف في هذا المجال عرف المنظمة الدولية نفسها أي القواعد غير المكتوبة التي يطرد العمل بها داخل إطار المنظمة على وجه الإلزام. ومن أهم الأمثلة للقواعد القانونية التي يستند وجودها إلى هذا المصدر ، ما استقر عليه عرف مجلس الأمن بصدد امتناع أحد الأعضاء الدائمين فيه عن التصويت فبالرغم من أن المادة 27/3 من ميثاق الأمم المتحدة كانت تشترط لصدور قراراته في المسائل غير الإجرائية موافقة "أصوات سبعة من أعضائه يكون من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة" إلا أن المجلس استقر منذ إنشائه على التفرقة بين اعتراض العضو الدائم صراحة وبين مجرد امتناعه عن التصويت ، ولم ير في مجرد الامتناع ما يحول دون صدور القرار إذا ما وافق عليه سبعة من الأعضاء من المتصور ألا يكون بينهم غير عضو واحد دائم في حالة ما إذا امتنع أربعة من الأعضاء الدائمين عن التصويت على قرار يوافق عليه بقية أعضاء المجلس.
ويقصد بالمبادئ العامة للقانون مبادئ القانون الداخلي المتفق عليها في القوانين الداخلية لكافة الدول أعضاء المنظمة وتبدو أهمية هذا المصدر بصدد الشئون الداخلية للمنظمة وبصفة خاصة فيما يتعلق بعلاقة المنظمة بموظفيها إذا كثيراً ما تطبق المبادئ العامة المتفق عليها في القوانين الإدارية الداخلية للدول الأعضاء في حالة سكوت للوائح الداخلية للمنظمة.
جماعات الضغط الدولية

إذا كان من المسلم به أن الدول والمنظمات الدولية هي وحدها القوى الدولية المتمتعة بالشخصية القانونية الدولية ، فثمة قوى أخرى لا تتمتع بهذه الشخصية ولكن لها مع ذلك دوراً في مجال العلاقات الدولية.
جماعات الضغط الدولية ذات الطابع السياسي أو الحزبي

يقترن ظهور مثل هذه الجماعات الضاغطة السياسية أو الحزبية ذات الطابع الدولي ضرورة بازدهار مذاهب سياسية تتعارض في طبيعتها والانزواء داخل الحدود الإقليمية لدولة بعينها لارتباطها بأهداف عالمية أو قومية يقتضي تحقيق العمل السياسي للنظم على مستوى دول العالم بأسرها أو البعض منها. وقد شهدت المنطقة العربية في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية مولد حركتين حزبيتين تمتد أهدافها إلى المنطقة العربية بأسرها لا إلى دولة عربية بعينها فحسب هما حزب البعث العربي الاشتراكي ، حركة الإخوان المسلمون التي أسسها حسن البنا في مدينة الإسماعيلية في عام 1926م. ومن المعروف أن لكل هاتين الحركتين تنظيماتها على المستويين القومي والقطري على حد سواء.
جماعات الضغط الدولية ذات الطابع المالي أو الاقتصادي

من المسلم به أن ثمة مشروعات مالية أو اقتصادية يتجاوز نشاطها حدود الدولة الواحدة ، وان هذه المشروعات كثيراًَ ما تتمتع بإمكانيات اقتصادية ومالية تجاوز إمكانيات الكثير من الدول الأمر الذي يتيح لها الكثير من الأحيان ممارسة ضغط حقيقي على البعض من دول العالم في سبيل حماية مصالحها الخاصة أو تحقيق المزيد من الربح.
هذا وكثيراً ما تمارس إحدى هذه القوى الاقتصادية نوعاً من الاحتكار القانوني أو الفعلي لاستخراج أو إنتاج ثم تسويق المحصول الرئيسي لواحدة أو أكثر من الدول المتخلفة ، الأمر الذي يحصل بها عملاً في النهاية إلى السيطرة شبه الكاملة على مقدرات هذه الدولة. ومن أشهر الأمثلة التاريخية لهذا النوع من العلاقات ليبريا بالشركة الأمريكية المستغلة لحقول المطاط وهو مصدر ثروتها الأساسي.


جماعات الضغط الدولية ذات الطبيعة النقابية

وقد تم تأسيس أول حركة نقابية عالمية في عام 1913م وهي الاتحاد النقابي الدولي ، ثم تلى ذلك تأسيس حركتين أخريتين إحداهما ذات اتجاه شيوعي صرف والأخرى ذات اتجاه مسيحي. هذا وإذا كان الاتحاد العالمي للنقابات المسيحية قد استمر كما هو بعد الحرب العالمية الثانية ، فقد شهدت الفترة التالية مباشرة لانتهاء هذه الحرب محاولات جادة لتوحيد الحركات النقابية الأخرى في جماعة دولية واحدة. وقد أدت هذه المحاولات بالفعل إلى إنشاء الاتحاد النقابي العالمي في عام 1945م ولكن الخلاف دب بين العناصر الشيوعية والعناصر الغير شيوعية داخل هذا الاتحاد أدت إلى انفصال العناصر غير الشيوعية عنه في عام 1947م وتأسيسها في عام 1949م لحركة نقابية دولية مستقلة تعرف باسم الاتحاد الدولي للنقابات الحرة.
جماعات الضغط الدولية ذات الطبيعة الدينية

من المعروف أن للبعض من الأديان أهدافها تتجاوز حدود الدولة الواحدة ، ومن ثم فقد كان من المنطقي أن تقوم بدور دولي. وفي طليعة المؤسسات الدينية ذات النشاط الدولي تأتي الكنيسة الكاثوليكية العالمية ومقرها مدينة روما. ولا يفوتنا أن نشير كذلك إلى أن اليهودية العالمية دوراً بالغ الأهمية في مجال العلاقات الدولية ومن المعروف أن الحركة الصهيونية العالمية قد نجحت في إقامة دولة إسرائيل عام 1948م وفي دعم هذه الدولة من إنشائها.
جماعات الضغط الدولية ذات الطابع الإنساني
وحسبنا أن نشير إلى أن في طليعتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية السلام الأخضر ولا يفوتنا أن نشير إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حقيقتها جمعية خاصة سويسرية الجنسية لا تضم في عضويتها سوى الأشخاص المتمتعين بالجنسية السويسرية.
أهداف منظمة الأمم المتحدة

يمكن حصرها في :

أولاً : حفظ السلم والأمن الدوليين : يعتبر هذا الهدف دون شك أهم أهداف الأمم المتحدة. فقد رأينا أن عصبة الأمم قد نشأت لحفظ السلم والأمن الدوليين ثم من بعدها نشأت الأمم المتحدة لتكملة المسيرة في هذا المجال. ويلاحظ أن الميثاق على حق في ربطه بين السلم والأمن الدوليين ، فلا بد من تحقيقهما معاً ، فلا يجوز إدراك أحدهما دون الآخر. أضف إلى ذلك فأنه يجب أن يمتنع أعضاء المنظمة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصدها. وتطبق هذه الوسائل قبل وقوع الإخلال بالسلم والأمن الدوليين وهو ما يطلق عليه الجانب الوقائي لحفظ السلم والأمن الدوليين. أما إذا وقع هذا الإخلال بالفعل فأنه يجب على منظمة الأمم المتحدة أن تتخذ كافة التدابير لقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم.
ثانياً : تنمية العلاقات الودية بين الدول : يقصد بهذا الهدف إزالة الأسباب التي قد تؤدي إلى المنازعات بين الدول مما تؤثر بدورها على السلم والأمن الدوليين. وقد نصت الفقرة الثانية من المادة الأولى على مبدأين جوهريين يساعدان دون شك على تنمية العلاقات الودية بين الدول وهما مبدأ المساواة في الحقوق بين الشعوب وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ثالثاً: تحقيق التعاون الدولي: وهو من الأهداف الجوهرية لمنظمة الأمم المتحدة وعليه فأن الأمم المتحدة يجب عليها أولاً أن تتخذ التدابير الفعالة التي تدعم التعاون في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإنساني. ويجب على الأمم المتحدة ثانياً أن تعمل على تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تميز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء. أضف إلى ذلك أن ومن وظائف مجلس الوصاية إشاعة احترام حقوق الإنسان والحريات الإنسانية ومراعاتها.كذلك من أهداف نظام الوصاية التشجيع على احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تميز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء.


رابعاً: الإدارة والتوجيه للعلاقات الدولية: نصت الفقرة الرابعة من المادة الأولى من الميثاق على جعل الأمم المتحدة مرجعاً أو أداة لتنسيق أعمال الدول وتنظيم العلاقات فيما بينها. والحق يقال أن منح الأمم المتحدة هذا الدور يعمل دون شك على توجيه العلاقات الدولية نحو المركزية. ولكن ينبغي أن يلاحظ أن هذا يتوقف بطبيعة الحال على سلوك الدول. فإذا تعاونت هذه الأخيرة مع الأمم ، فلا شك أن هذا يؤثر بالإيجاب على هذا الهدف ، ويتأثر السلب إذا اختلفت الدول وهذا هو المألوف في علاقاتها الدولية.
شروط الانضمام لعضوية الأمم المتحدة

أولا : الشروط الموضوعية:-

تتمثل هذه الشروط في أنه يلزم في طالب العضوية أن يكون
- دولة محبة السلام.
- وأن يكون قادراً على تنفيذ الالتزامات التي ينص عليها الميثاق وأن يكون راغباً في ذلك.
أولاً : وعلى ذلك يشترط في عضو الأمم المتحدة أن يكون دولة مكتملة الأركان من شعب وإقليم وسيادة وعليه فالكيانات التي لا تتوافر لها كل أو بعض هذه الأركان لا تعتبر دولاً ولا تستطيع إذن الحصول على عضوية الأمم المتحدة. ولكن استقر العمل في هذه المنظمة على تفسير مصطلح الدولة تفسيراً واسعاً مراعاة لبعض الاعتبارات الأساسية ، وعليه فقد قبلت في عضويتها الأصلية مثل الهند التي لم تكن قد استقلت عن المملكة المتحدة والفلبين التي لم تكن كذلك مستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن الجدير بالذكر أن شكل حكومة الدولة المتقدمة للحصول على هذه العضوية لا يعتبر شرطاً من شروط العضوية. إضافة إلى أن طالب العضوية يجب أن يكون دولة في مفهوم القانون الدولي كما سبق البيان ، فأن هذه الدولة يجب أن تكون دولة محبة للسلام. وغني عن البيان أن هذا الشرط ليس له أي مدلول قانوني وأن كان قد أدرج في نص المادة الرابعة الاعتبارات الأساسية. هذه الاعتبارات هي التي جعلت اللجنة الفنية في مؤتمر سان فرانسيسكو أن تدخل في أعمالها تصريحاً يقضي بأن لا يقبل في عضوية الأمم المتحدة الدول التي قامت حكوماتها على مساعدات عسكرية مقدمة من دول أثارت الحرب ضد الأمم المتحدة طالما أن هذا النظام ما زال قائماً فيها ، وكان يقصد بهذا التصريح أسبانيا تحت حكم فرانكو.
ويثير هذا الشرط ضرورة التساؤل عن وضع إسرائيل في الأمم المتحدة هل توافر في شأنها أنها دولة محبة للسلام؟ للإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نعرض لمواقف الدول المختلفة عندما تقدمت إسرائيل بطلب الانضمام إلى الأمم المتحدة. فقد تشككت بعض الدول وعلى رأسها الدول العربية في أن إسرائيل لم تكتسب بعد صفة الدولة ، باعتبار أن حدودها محل نزاع ، وعليه يجب على الأمم المتحدة أن ترفض طلب العضوية لإسرائيل ، في حين أن فئة أخرى من الدول ادعت أن قرار الجمعية العامة الصادر سنة 1947م قد قام بتحديد حدود إسرائيل ، ورغم اختلاف مواقف هذه الدول إلا أن الأمم المتحدة قد انتهت إلى قبول إسرائيل عضواً فيها.
ومن الجدير بالذكر أنه عندما عرض طلب عضوية إسرائيل على مجلس الأمن ، وافق عليه بأغلبية تسعة أصوات ضد واحد هي مصر وامتنعت بريطانيا عن التصويت ، وانتهى المجلس إلى إصدار توصية للجمعية العامة بمنح إسرائيل العضوية في الأمم المتحدة ، وفي 11 مايو 1949م وافقت الجمعية العامة على توصية مجلس الأمن وتم قبول إسرائيل في عضوية الأمم المتحدة.
إضافة إلى أن طالب العضوية يجب أن يأخذ على نفسه بالالتزامات التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة ، وأن تكون قادرة على تنفيذ هذه الالتزامات وأن تكون راغبة في ذلك. والواقع أن هذا الشرط كان يثير مشكلة قبول كل من الدول المحايدة والدول بالغة الصغر في عضوية الأمم المتحدة فالنسبة للدولة المحايدة كسويسرا فأن قبولها في عضوية الأمم المتحدة يثير مشكلة التوفيق بين التزاماتها بموجب الميثاق خاصة ما يتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين ، وبين الالتزامات الناتجة عن وجودها في حالة حياد دائم والتي تلزمها بعدم الاشتراك في أي نزاع دولي قائم بين غيرها من الدول. ومن هنا فالدولة المحايدة يجب أن تلتزم بهذه الأحكام إذا رغبت في الانضمام للأمم المتحدة.
وبالنسبة للدول بالغة الصغر يثور التساؤل حول مدى انطباق شرط العضوية الذي نحن بصدده وهو القدرة على تنفيذ أحكام الميثاق. فمن المسلم به أن هذه الدول ليس لديها الإمكانيات اللازمة لمشاركة الأمم المتحدة في تنفيذ أهدافها، ومن ثم فأن انضمامها إلى الأمم المتحدة يترتب عليه أنا ستتمتع بامتيازات العضوية دون أن تتحمل بكل الالتزامات التي تفرض على بقية الأعضاء في المنظمة.
ولهذا السبب كانت الولايات المتحدة على رأس المعارضين لفكرة منح العضوية لهذه الدول ، علاوة على أن الأغلبية في الجمعية العامة للأمم المتحدة ستكون في غير صالح الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى. ولها اضطر مجلس الأمن أن يتصدى لهذه المسألة وذلك بإنشاء لجنة دراسة وفحص مسألة عضوية الدول بالغة الصغر في الأمم المتحدة ، ولكن هذه اللجنة لم تصل إلى حل عملي في هذا الشأن وانتهى الأمر إلى أن الأمم المتحدة قد قبلت في عضويتها منذ التسعينيات عدداً كبيراً من الدول بالغة الصغر
ثانيا : الشروط الشكلية :-

يشترط من الناحية الإجرائية لقبول أي دولة في عضوية الأمم المتحدة صدور قرار من الجمعية العامة بناء على توصية من مجلس الأمن ، وذلك كما نصت الفقرة الثانية من المادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة. وتبدأ إجراءات القبول في العضوية بتقديم الدولة المعنية طلب بذلك إلى الأمين العام الذي يحوله فوراً إلى مجلس الأمن فيحول رئيس المجلس بدوره هذا الطلب إلى لجنة قبول الدول الأعضاء الجدد تفحصه ودراسته وتقديم تقرير بشأنه ، ويستطيع المجلس أن يستبقي طلب العضوية لدراسته بنفسه باعتباره صاحب السلطة الأصلية في هذا الشأن.
وبعد الإطلاع على تقرير اللجنة يقرر مجلس الأمن ما إذا كانت الدولة طالبة العضوية يتحقق في شأنها شروط العضوية كما ذكرتها المادة الرابعة من الميثاق. وبعد هذا يقرر المجلس ما إذا كان من المناسب أن يصدر توصية إيجابية للجمعية العامة بقبول الدولة مقدمة الطلب في عضوية الأمم المتحدة.
ومن الجدير بالذكر أن مسألة قبول الدول الأعضاء يعد من قبيل المسائل الموضوعية التي يشترط لصدور قرار بشأنها من مجلس الأمن أن توافق عليه تسعة من أعضائه بما فيهم الدول الخمس دائمة العضوية مجتمعة أو على الأقل عدم اعتراضهم الصريح ، وعليه تستطيع إحدى هذه الدول أن تحول دون صدور توصية من مجلس الأمن بشان عضوية إحدى الدول استخدمت حقها في الاعتراض (الفيتو) وهذا ما حدث بالفعل أثناء الحرب الباردة خاصة في الفترة ما بين 1946-1955م فقد استخدم المعسكر الغربي حقه في الاعتراض على قبول أية دولة تعتنق الشيوعية مثل ألبانيا ومنغوليا وبالمثل فقد مارس الاتحاد السوفيتي حقه في الاعتراض على قبول بعض الدول طالبة الانضمام ذات الميول الغربية مثل إيرلندا والأردن والبرتغال.
وبالرغم من أن كل معسكر كان يبرر رفضه بأسباب قانونية إلا أنه في الواقع كانت الاعتبارات السياسية.
ولذلك فأن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد طلبت في هذا الشأن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية ، وكان سؤال الجمعية العامة للمحكمة هو هل يجوز قانوناً لأحد أعضاء الأمم المتحدة أن يعلق موافقته على قبول عضو جديد في الأمم المتحدة على شروط أخرى لم ينص عليها صراحة في الفقرة الأولى من المادة الرابعة ، كتعليق موافقته على قبول دولة أخرى في عضوية الأمم المتحدة؟ وأجابت المحكمة على هذا السؤال بقولها أن شروط العضوية المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة قد وردت على سبيل الحصر ، ومن ثم لا يجوز تعليق قبول الدول طالبة الانضمام على شروط أخرى غير منصوص عليها في النص المذكور.
وبالرغم من أن هذا الرأي الاستشاري الذي لم تقتنع به الدول الكبرى ، فأن مجلس الأمن قد فشل في التوصل إلى حل لمواجهة التعسف في استعمال حق الاعتراض من جانب هذه الدول خاصة الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية بخصوص مسألة قبول الأعضاء الجدد. ولذا فأن الجمعية العامة قد طلبت مرة أخرى رأياً استشارياً من محكمة العدل الدولية لبحث ما إذا كانت الجمعية العامة تستطيع أن تنفرد وحدها بإصدار قرار بالأغلبية بقبول الدولة طالبة العضوية؟ وأجابت المحكمة على ذلك بقولها أن موافقة مجلس الأمن تعد شرطاً ضرورياً لصدور قرار الجمعية العامة بالانضمام ، والقول بأن الجمعية العامة لها أن تقرر بمفردها قبول دولة عضو في المنظمة رغم عدم صدور توصية بذلك من مجلس الأمن مؤداه حرمان المجلس من سلطة هامة يعهد إليها الميثاق وإلغاء دوره في ممارسة وظيفة رئيسية من وظائف المنظمة. وعليه لا يجوز للجمعية العامة أن تنفرد وحدها بقرار منها بقبول الدولة طالبة الانضمام إلى أن الأمم المتحدة بل لا بد أن يسبق هذا القرار صدور توصية من مجلس الأمن بهذا الشأن ، فهذه التوصية تعتبر شرطاً إجرائياً أولياً لا بد من استيفائه أولاً قبل عرض مسألة العضوية على الجمعية العامة لإصدار قرار بِشأنها ورغم أهمية هذه التوصية كما نرى فأن الجمعية العامة لها سلطة تقديرية في الأخذ أو عدم الأخذ بها ، فأن رفضت الامتثال لها ، تستطيع رفض طلب العضوية.
وبالرغم من صدور هذين الرأيين الاستشاريين من محكمة العدل الدولية ، إلا أن مشكلة قبول الدول المنتمية إلى كل من المعسكرين الغربي والشرقي في عضوية الأمم المتحدة تم حلها بشكل سياسي بعد التوصل إلى حل توفيقي لإرضاء كل من المعسكرين ، وعلى أثر ذلك الحل تم قبول عدد كبير من الدول الجديدة المنتمية لهذين المعسكرين.
عوارض العضوية في الأمم المتحدة

العضوية تستمر ما لم يعترض استمرارها عارض معين يؤدي إلى إيقافها أو إنهائها. وإيقاف العضوية قد يكون جزئياُ وقد يكون كلياً ، أما انتهاء العضوية قد يرجع إلى جزاء توقعه الأمم المتحدة على الدولة العضو بالفصل منها ، وقد يعود إلى إرادة الدولة وذلك بالانسحاب منها
أولا : الحرمان من حق التصويت في الجمعية العامة

يتضح من نص المادة 19 من ميثاق الأمم المتحدة أن الدولة العضو التي تتخلف عن سداد اشتراكاتها لمدة سنتين متتاليتين أو زائداً عنهما تحرم بقوة القانون من حق التصويت في الجمعية العامة دون باقي أجهزة منظمة الأمم المتحدة ودون باقي حقوق العضوية ويشترط أن يكون التأخر في السداد راجع إلى إرادة الدولة العضو ، لأنه إذا كان هذا التأخير راجع إلى أسباب قهرية لا قبل لهذه الدولة بها ، فان الجمعية العامة تستطيع أن توقف العمل بهذا الجزاء وتسمح لها بممارسة حق التصويت. وغني عن البيان أن المقصود بعبارة الاشتراكات المالية التي ذكرها النص السابق هي كافة النفقات العادية والاستثنائية كنفقات قوات الطوارئ الدولية.
ثانيا : إيقاف العضوية :-

يتضح من نص المادة الخامسة أنه في حالة الدولة العضو التي تخل بالسلم والأمن الدوليين ويتخذ مجلس الأمن حيالها تدابير عقابية طبقاً للفصل السابع من الميثاق ، يجوز للجمعية العامة بقرار منها بأغلبية الثلثين أن توقف الدولة عن ممارسة حقوق العضوية والتمتع بمزاياها ، وذلك بعد صدور توصية من مجلس الأمن بأغلبية تسعة من أعضائه بشرط أن يكون من بينهم الدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن أو على الأقل عدم اعتراضهم صراحة. وتبعاً من المستحيل تطبيق هذا الجزاء على أي دولة من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ، وذلك بسبب امتلاكه لحق الاعتراض أو الفيتو.
وإذا كان تطبيق جزاء الوقف على هذا النحو يتطلب هذا الإجراء المركب عبارة عن توصية من مجلس الأمن وقرار من الجمعية العامة ، فأن رفع هذا الجزاء منوط بمجلس الأمن وحده. ومن الجدير بالذكر أن مجلس الأمن يتمتع في هذا الشأن بسلطة تقديرية ، بمعنى أنه غير ملزم برفع هذا الجزاء وإعادة حقوق العضوية فور انتهاء أعمال القمع المتخذة حيال العضو المخالف.
ثالثا : الفصل من الأمم المتحدة :-

تنص المادة السادسة من الميثاق على أنه إذا أمعن عضو من أعضاء الأمم المتحدة في انتهاك مبادئ الميثاق جاز للجمعية العامة أن تفصله من الهيئة بناءاً على توصية مجلس الأمن. نلاحظ من هذا النص أن المخالفة التي ترتكبها الدولة العضو لا بد أن تكون على قدر كبير من الجسامة بحيث تتناسب مع جزاء الفصل أو الطرد من الأمم المتحدة.
ويصدر قرار الفصل من الجمعية العامة بأغلبية الثلثين باعتبارها مسألة هامة ، وذلك يعد صدور توصية من مجلس الأمن بأغلبية تسعة من أعضائه بشرط أن يكون من بينهم الدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن أو على الأقل عدم اعتراض أحدها صراحة.


رابعاً : الانسحاب من الأمم المتحدة :-

يثور التساؤل بالنسبة للأمم المتحدة حول ما إذا كان لأعضائها أن ينسحبوا منها؟ غني عن البيان قبل معالجة هذه المسألة أن عهد عصبة الأمم في مادته 3/1 كان يبيح لأعضاء العصبة أن ينسحبوا ولذا سكت ميثاق الأمم المتحدة عن إيراد مثل هذا الحكم حتى لا يشجع الدول على الانسحاب ولكي لا تتأثر بالتالي عضوية الأمم المتحدة مما يضعف من هذه الأخيرة ويفقدها طابعها العالمي. وإزاء هذا الصمت ، لا بد من الرجوع إلى القواعد العامة في النظرية العامة للمنظمات الدولية لمعرفة مدى حق الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في الانسحاب.
فطبقاً لهذه القواعد فأن الانسحاب من المنظمة هو تصرف قانوني صادر عن الإرادة المنفردة للدولة العضو تستهدف من ورائه إنهاء صلتها بهذه المنظمة. فأن أي دولة عضو تستطيع أن تمارس حقها في الانسحاب سواء تضمن الميثاق المنشئ للمنظمة الدولية نصاً يجيز ممارسة هذا الحق أم التزم الصمت كميثاق الأمم المتحدة بشأن هذه المسألة. وتبعاُ يمكن لهذه الدولة أن تستمر في المنظمة أو تزهد في عضويتها وذلك بالانسحاب منها.
أضف إلى ذلك أن الأصل في الدولة أنها غير عضو في أي منظمة ، وأن رغبت في اكتساب عضوية أي منظمة فهذا يعتبر خلافاُ لهذا الأصل ، ومن ثم فإن قررت الانسحاب منها فيعد هذا رجوعاً إلى الأصل وعود بالدولة إلى طبيعتها الأصلية. ونود أن نؤكد مرة أخرى حق الدولة في الانسحاب في حالة صمت ميثاق المنظمة عن إيراد نص ينظم هذه المسألة. فالفقه الذي لا يجيز الانسحاب في هذه الحالة يبنى قوله على القواعد العامة في قانون المعاهدات على اعتبار أن ميثاق المنظمة معاهدة دولية " والقاعدة العامة هي أنه لا يجوز للدولة أن تنهي المعاهدة بإرادة منفردة إلا إذا كان قصد الطرفين قد انصرف إلى ذلك أو وجد في المعاهدة نص ولذا على هذا الاتجاه الفقهي ملاحظتين
الأولى : أنه اعتبر ميثاق المنظمة معاهدة دولية رغم ما تثيره مسألة الطبيعة القانونية لهذا الميثاق من خلاف بين الفقهاء. والثانية أنه نسى أو تناسى أن القواعد العامة في المعاهدات تقضي أيضاً أن الدولة ذات السيادة لا تلتزم إلا في حدود ما قبلته صراحة ، وكل ما لم ينص عليه في المعاهدات يدخل ضمن النطاق التقديري للدولة.
الثالثة : مستقاة من القاعدة الأصولية الشهيرة أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد المنع أو الخطر. وانطلاقاً من هذه القاعدة فأنه طالما لم يرد نص في الميثاق ينظم مسألة الانسحاب ، تستطيع الدولة أن تمارس حقها في الانسحاب دون معقب عليها في ذلك.
الرابعة : مستوحاة من سكوت أو صمت الميثاق عن تنظيم حق الانسحاب. فالدول الأعضاء في منظمة دولية كانت لديهم الفرصة أن يضيفوا نصوصاً لتنظيم هذا الحق أما وإن سكتوا عن هذا فإن سكوتهم لا يدل إلا على انصراف نيتهم على ترك الحرية الكاملة للدولة العضو في أن تنسحب في الوقت والظروف التي تقدرها دون معقب عليها في هذا الشأن.
ولكن نود أن نلفت النظر إلى أنه بالرغم من أن الدولة العضو تستطيع أن تنسحب في أي وقت في هذه الحالة إلا أن مبدأ حسن النية يحد من إطلاق حريتها في هذا الشأن. فينبغي على هذه الدولة أن عزمت على الانسحاب أن تخطر الأمم المتحدة بذلك بمدة معقولة حتى تستطيع المنظمة أن تصفي حساباتها معها خاصة مدى وفائها بالتزاماتها المالية. فليس معنى أننا ندعم حق الدولة في الانسحاب أن يكون ذلك وسيلة لها في أن نتهرب من الوفاء بالتزاماتها تجاه المنظمة.
الخامسة: ففي عامي 1949-1950م أخطرت دول أوروبا الشرقية المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بانسحابها من المنظمة ، ولكن هذا المدير العام لم يقبل هذا الانسحاب على أساس أن ميثاق المنظمة لم يتضمن نصاً يسمح بالانسحاب ، ولكن المنظمة اضطرت أن تسلم بهذا الانسحاب في نهاية الأمر.




آثار العضوية في الأمم المتحدة

1- آثار العضوية في مواجهة الدول الأعضاء (الالتزامات المترتبة على وصف العضوية)

يترتب على ثبوت وصف العضوية مجموعة من الالتزامات التي يجب على الدول الأعضاء أن تفي بها وإلا تكون مخالفة لمبادئ وأحكام الميثاق. ولا شك أن أول التزام يقع على عاتق الدولة العضو في الأمم المتحدة هو التزامها بالامتثال لمبادئ وأحكام الميثاق. ونعرض فيما يلي لأهم تلك الامتيازات
أ- الالتزام بمبدأ حسن النية : لا شك أن التزام الدول الأعضاء بتنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في هذا الميثاق بحسن نية يعتبر أهم الالتزامات على الإطلاق ، حيث أنه يرسم الطريقة التي ينبغي على الدول الأعضاء أن يتبعوها في تنفيذ التزاماتهم هذا من جهة. ومن جهة أخرى ، فأن الالتزام بمبدأ حسن النية يعتبر من الالتزامات الرئيسية والجوهرية التي يقوم عليها بنيان النظام القانوني الدولي بأكمله.
ب- الالتزام بتسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية : وقد خصص الميثاق الفصل السادس منه لبيان الأحكام التي تضع هذا الالتزام موضع التنفيذ ، وذلك بالنص على الوسائل والطرق التي ينبغي على الدول الأعضاء أن يلتزموا بها للوصول إلى حل سلمي لمنازعاتهم.
جـ- الالتزام بالامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية : لا شك أن التزام يعد من أهم الالتزامات التي جاء بها ميثاق الأمم المتحدة فمن المسلم به إنشاء الأمم المتحدة ، كان في استخدام القوة في العلاقات الدولية هو القاعدة العامة وحظرها هو الاستثناء ، ولكن ميثاق الأمم المتحدة قلب هذه القاعدة ، فجعل الأصل العام هو حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية ، وأورد على هذا الأصل العام ثلاثة استثناءات
أولها : منصوص عليه في المادة 51 من الميثاق الذي يتعلق بحق الدول في ممارسة الدفاع الشرعي عن نفسها ، فطبقاً لهذا النص فأنه ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول. فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء " الأمم المتحدة " وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي ، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فوراً ، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلام والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابهم.
ثانيها: اتخاذ التدابير من قبل مجلس الأمن ضد الدولة المعتدية على السلم والأمن الدوليين ، ومن الجدير بالذكر أن هذه التدابير قد تصل إلى حد استخدام القوة المسلحة في هذه الحالة إذا لم تستطع التدابير غير العسكرية ردع المعتدي.
ثالثها : مؤقت بطبيعته حيث نصت المادة 107 من الميثاق "بأنه لا يمنع أي عمل إزاء دولة كانت في أثناء الحرب العالمية الثانية....إذا كان هذا العمل قد اتخذ أو رخص به نتيجة لتلك الحرب من قبل الحكومات المسئولة عن القيام بهذا العمل"
د- الالتزام بتقديم المساعدة للأمم المتحدة وبتنفيذ قراراتها : يجب على الدول الأعضاء تقديم العون إلى هيئة الأمم المتحدة سواء قامت بالعمل بنفسها أو عهدت به إلى هيئة أو دولة أخرى ، ويعتبر هذا التزام إيجابي يقع على عاتق هذه الدول. وهناك التزام سلبي مقتضاه أن هذه الدول يجب أن تمتنع عن مساعدة أية دولة تتخذ الأمم المتحدة إزاءها عملاً من أعمال المنع. ويندرج تحت هذه الالتزامات تنفيذ قرارات مجلس الأمن. وهذا ما نصت عليه المادة 25 من الميثاق.
هـ - الالتزامات المالية : نصت المادة 17/2 على أنه يتحمل الأعضاء نفقات الهيئة حسب الأنصبة التي تقررها الجمعية العامة. كما نصت المادة 19 على أنه لا يكون لعضو الأمم الذي يتأخر عن تسديد اشتراكاته المالية في الهيئة حق التصويت في الجمعية إذا كان المتأخر عليه مساوياُ لقيمة الاشتراكات المستحقة عليه في السنتين الكاملتين السابقتين أو زائداً عنها وللجمعية العامة مع ذلك أن تسمح لهذا العضو بالتصويت إذا اقتنعت بأن عدم الدفع ناشئ عن أسباب لا قبل للعضو بها".



2- آثار العضوية في مواجهة الدول غير الأعضاء " التزامات الدول الأعضاء" .

من المسلم به أنه طبقاً للقواعد العامة في القانون الدولي أن المعاهدة لا تلزم غير أطرافها ، ولكن ميثاق الأمم المتحدة خرج على القاعدة ورتب التزامات على عاتق الدول غير الأطراف فيه . ومن الجدير بالذكر أن خروج الميثاق على قاعدة نسبية آثار المعاهدات في هذا الشأن له ما يبرره ، حيث أن هذا الميثاق نص على مجموعة من الأهداف من الصعب إن لم يكن من المستحيل تحقيقها إلا بتعاون جميع دول العالم ، الأعضاء منهم وغير الأعضاء في الأمم المتحدة ، وأهم هذه الأهداف هو هدف حفظ حقيقي للسلم والأمن الدوليين ، ولن تنجح الأمم المتحدة في تحقيق هذا الهدف إلا إذا التزمت الدول غير الأعضاء كالدول الأعضاء بالمبادئ التي نص عليها الميثاق.
ولهذا نصت المادة 2/6 م الميثاق على أنه " تعمل الهيئة على أن تسير الدول غير الأعضاء فيها على هذه المبادئ بقدر ما تقتضيه ضرورة حفظ السلم والأمن الدوليين. وبما أن نصوص الميثاق تعتبر سواء بطريق مباشر أم غير مباشر ، وسائل وقواعد لحفظ السلم والأمن الدوليين الأمر الذي يجعلنا نقول أن الدول غير الأعضاء تلتزم في نظر الهيئة بأن تسير على النهج الذي رسمه الميثاق في كافة مواده لتحقيق حفظ السلم والأمن الدوليين.
3- آثار العضوية في مواجهة الأمم المتحدة

فالميثاق قد نص في مادته 2/1 من ناحية على ضرورة أن تقوم الأمم المتحدة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها. وهذا يشكل دون شك التزام على عاتق الأمم المتحدة وقد نص من ناحية أخرى على أن تلتزم الأمم المتحدة بأن لا تدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء.
أ- الالتزام الأمم المتحدة بتحقيق مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها : ومبدأ المساواة يعني أن جميع الدول متساوية أمام القانون الدولي. حيث حرص ميثاق الأمم المتحدة على أن يرتب مبدأ المساواة في السيادة بعض النتائج منها المساواة في التمثيل ، وأن لكل دولة صوتاً واحداً في الجمعية العامة ، ولكن يلاحظ أن واضعي الميثاق حرصوا على أن لا تتعارض هذه النتائج مع المصالح الجوهرية للدول الخمس الكبرى ، وهذا ما يبرر وضعهم المتميز في مجلس الأمن. أن هذا الواقع يدفعنا إلى القول بان الإقرار لجماعة من الدول بوضع يميزها عن غيرها سمة من السمات الجوهرية في التنظيم الدولي. ولا جدال في ان المحكمة الدائمة للعدل الدولي كانت واقعية عندما اعترفت سنة 1923م للدول الكبرى بسلطة اتخاذ قرارات في بعض الأمور السياسية دون أن تلقى بالاً إلى تبرير ذلك على أساس قانوني مقنع لقد كانت هناك ردود فعل ضد الوضع الممتاز الذي تشغله الدول الكبرى ولكن رغم هذه الاحتجاجات قد أذعنت الدول الصغرى بمرور الوقت للوضع الممتاز الذي تتمتع به الدول الكبرى.
ب- الالتزام الأمم المتحدة بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء: حيث أن الدول حريصة دائماً على المحافظة على سيادتها ، ولذا فأن هذه الدول تلجأ إلى الوسائل القانونية المناسبة التي تحقق لها هذه الغاية ، ومنها وضع القيود على اختصاص المنظمة ، حرصاً منها على عدم التدخل في شئونها الداخلية. وأخذت بهذا منظمة الأمم المتحدة حيث تلقي الفقرة السابعة من المادة الثانية على هذا الالتزام بأنه لا تدخل في الشئون التي تكون من صمي السلطان الداخلي لدولة ما ، وعلى ذلك فأن هذا القيد تستفيد منه أي دولة حتى ولو لم تكن من أعضاء الأمم المتحدة.

spisos
10-04-2009, 19:06
تابع على الند نملي:

أخي الكريم هذا كتاب إستعمله كمرجع

التنظيم الدولي"محمد سعيد الدقاق":

http://www.4shared.com/account/file/40149202/7bee0322/_____.html

spisos
10-04-2009, 19:21
رد إلى الند نملي:

هذا مرجع في :

النظم السياسية في العالم المعاصر :

http://www.4shared.com/file/57843769/fd12307b/____.html?start=

spisos
10-04-2009, 19:36
رد إلى بنت الرياض:

أختي الكريمة رغم أن هذا الجزء مخصص للعلوم السياسية إلا انني سأحاول إفادتك بشيء ما..
إن كنت تقصدين الذكاء العاطفي فزوري الرابط التالي:

http://www.scribd.com/doc/7100963/-

بالنسبة لنظريات التعلم:

http://www.scribd.com/doc/8626315/-

http://www.scribd.com/doc/8942877/-

بالإضافة للمعلومات التالية:

نظريات التعلم

سنحاول أن نتطرق، بنوع من التركيز إلى أهم نظريات التعلم، وخصوصا حسب المدرسة السلوكية، والمدرسة الجشطالتية، والمدرسة البنائية ،و المدرسة المعرفية (كمدرسة جديدة في علم النفس الذاتي)،وأخيرا،سنتعرف على بعض نظريات التعلم المدرسية . وقبل الخوض في ذلك ، ما هي عناصر وشروط التعلم ؟
كما هو الشأن بالنسبة لمختلف المفاهيم التي تنتمي إلى علم النفس أو التربية فإن مفهوم التعليم عرف عدة تعاريف يصعب حصرها كلها، ولكنه يمكن أن نقدم التعريف الشامل والمقبول التالي : التعلم هو النشاط الذي بموجبه يكتسب الفرد المعارف والمواقف والمهارات التي بفضلها يشبع حاجاته ودوافعه.وأهم عناصر التعلم: هناك الوضعية التعليمية ،و الشخص المتعلم، وموضوع التعلم ؛ وشروط التعلم هي: النضج والتدريب ، حيث النضج يرتبط بالنمو والتدريب يرتبط بالتعليم؛ الدافعية: لاتعلم بدون دافع يحفز على التعلم ويشجع الإقبال عليه، موضوع التعلم ، الذي قد يكون عبارة عن أفكار أو موافق أو مهارات ....؛ ثم الوضعية التعلمية .
1- نظرية التعلم السلوكية : Le béhaviorisme

تأثرت المدرسة السلوكية ، وخصوصا مع واطسون ، بأفكارتورندياك Thorrndikle الذي يرى بأن التعلم هو عملية إنشاء روابط أو علاقات في الجهاز العصبي بين الأعصاب الداخلية التي يثيرها المنبه المثير، والأعصاب الحركية التي تنبه العضلات فتعطي بذلك استجابات الحركة . واعتقد بأن قوانين آلية التعلم يمكن أن ترد إلى قانونين أساسين : قانون المران (أو التدريب)، أي أن الروابط تقوى بالاستعمال وتضعف بالإغفال المتواصل ؛ ثم قانون الأثر ، الذي يعني بأن هذه الروابط تقوى وتكتسب ميزة على غيرها وتؤدي إلى صدور رضى عن الموقف إذا كانت نتائجه إيجابية .كما أنه من بين ملهمي المدرسة السلوكية بافلوف ، الذي لاحظ أنه كلما اقترن المثير الشرطي بالدافع السيكولوجي إلا وتكونت الاستجابة الشرطية الانفعالية، ورأى بأن المثيرات الشرطية المنفرة تشكل عوائق حاسمة للتعلم وانبناء الاستجابات النمطية.
وأهم المفاهيم التي يمكننا أن نجدها في النظرية الإجرائية في التعلم، وخصوصا مع سكينر هي : مفهوم السلوك : وهو حسب سكينر، مجموعة استجابات ناتجة عن مثيرات المحيط الخارجي طبيعيا كان أو اجتماعيا ؛ مفهوم المثير والاستجابة : بحيث إن هناك علاقة شبه ميكانيكية بين المثيرات والاستجابات التي تصدر عن الكائن الإنساني ؛ مفهوم الإجراء :السلوك الإجرائي أو الفاعل يسمى كذلك بالنظر إلى آثاره الملموسة في المحيط البيئي ؛ مفهوم الإشتراط الإجرائي : الإشراط الإجرائي ينبني على أساس إفراز الاستجابة لمثير آخر ؛ مفهوم التعزيز والعقاب :أي استعمال التعزيز الإيجابي لبناء السلوكات المرغوب فيها .واستعمال العقاب لدرك السلوكات غير المرغوب فيها ؛ مفهوم التعلم : وهو حسب هذه المدرسة .عملية تغير شبه دائمة في سلوك الفرد ينشأ نتيجة الممارسة ويظهر في تغير الأداء لدى الكائن الحي. والتعلم حسب سكينر هو انبناء الاستجابات السلوكية كأنماط تغير طارئة على سلوك الفرد والتي يمكن أن تدوم بفعل الإشراط الإجرائي . ويمكننا أن نحصر مبادئ التعلم حسب النظرية الإجرائية (السلوكية) في: التعلم هو نتاج للعلاقة بين تجارب المتعلم والتغير في استجاباته؛ التعلم يقترن بالنتائج ومفهوم التعزيز؛ التعلم يقترن بالسلوك الإجرائي المراد بناؤه ؛ التعلم يبنى بتعزيز الأداءات القريبة من السلوك النمطي؛التعلم المقترن بالعقاب تعلم سلبي.ومن أهم تجليات نظرية التعلم السلوكية في الحقل التربوي ما يلي: بناءالمواقف التعليمية ـ التعلمية هو أولا تحديد مقاطع الاستجابات الإجرائية وضبط صيغ الدعم المباشر حيث نجد بعدين مترابطين: بعد المضمون المعرفي الذي يخضع لأربعة محددات: محدد الإثارة ،و محدد العرض النسقي للمادة ،ومحدد التناسب والتكيف،و محدد التعزيز الفوري؛ ثم بعد انبناء السلوكات الإجرائية كهدف للتعلم ، حيث تكون هذه السلوكات قابلة للملاحظة والضبط والقياس . إن هذه المبادئ والمفاهيم حول التعلم،كما صاغتها المدرسة السلوكية، سنجد صداها التطبيقي في بيداغوجيا الأهداف كما سنرى لاحقا .
2- نظرية التعلم الجشطالتية Le gestaltisme

سنحاول مقاربة نظرية التعلم الجشطالتية من خلال التعرف أولا ،على أهم مفاهيمها المركزية ثم مبادئ التعلم حسب هذه المدرسة،ثانيا. يمكن تحديد أهم مفاهيم الجشطالتية في : مفهوم الجشطلت : دلاليا يعني الشكل أو الصيغة أو الهيئة أو المجال الكلي ، والجشطلت حسب فريتمر Wertheimer هو كل مترابط الأجزاء باتساق وانتظام ، حيث تكون الأجزاء المكونة له في ترابط دنيا هي فيما بينها من جهة ، ومع الكل ذاته من جهة أخرى ؛فكل عنصر أو جزء في الجشطلت له مكانته ودوره ووظيفته التي تتطلبها طبيعة الكل. مفهوم البنية: وهي تتشكل من العناصر المرتبطة بقوانين داخلية تحكمها ديناميا ووظيفيا ، بحيث إن كل تغيير في عنصر يؤدي إلى البنية ككل وعلى أشكال اشتغالها وتمظهراتها .مفهوم الاستبصار : الاستبصار هو لحظة الإدراك المتدبر التحليلي الذي يصل بالمتعلم إلى اكتساب الفهم،أي فهم مختلف أبعاد الجشطلت.مفهوم التنظيم : التعلم هو عملية الكشف عن الصيغ التنظيمية التي تحكم بنية الجشطلت.مفهوم إعادة التنظيم: بناء التعلم يقتضي الفعل في موضوع التعلم، وذلك بإعادة هيكلته وتنظيمه .مفهوم الانتقال: لا يمكن التحقق من التعلم إلا عند ما يتم تعميمه على موافق مشابهة في البنية الأصلية ، ومختلفة في أشكال التمظهر، حيث إن الاستبصار الحقيقي هو الذي ينتقل إلى المجالات المرتبطة والملائمة .مفهوم الدافعية الأصيلة: تعز يز التعلم يبغي أن يكون دافعا داخليا نابعا من الذات نفسها .الفهم والمعنى: تحقيق التعلم يقتضي الفهم العميق للعناصر والخصائص المشكلة لموضوع التعلم ، وبالتالي الكشف عن المعنى الذي تنتظم فيه هذه المحددات، حيث الفهم هو كشف استبصاري لمعنى الجشطالت .والتعلم في المنظور الجشطلتي يرتبط بإدراك الكائن لذاته ولموقف التعلم ، حيث إن إدراك حقيقة المجال وعناصره ، والانتقال من الغموض وانعدام المعنى إلى فهم مبادئ التنظيم والحصول على الوضوح والمعنى، يعتبر النمط النموذجي للتعلم . ويمكننا تلخيص أهم مبادئ التعلم في النظرية الجشطالتية في : اعتبار الاستبصار شرط التعلم الحقيقي ،حيث إن بناء المعرفة واكتساب المهارة ليس إلا النتيجة المباشرة لإدراك الموقف واستبصاره؛ الفهم وتحقيق الاستبصاريفترض إعادة البنينة، وذلك بالفعل في موضوع التعلم بتفكيكه و تحليله و إعادة بنائه؛ التعلم يقترن بالنتائج، إذ حسب كوهلر النتائج ماهي سوى صيغ الضبط و التعديل والتقويم اللازمة للتعلم؛ الانتقال شرط التعلم الحقيقي ، ذلك أن الحفظ والتطبيق الآلي للمعارف تعلم سلبي؛ الاستبصار حافز داخلي قوي ، والتعزيز الخارجي عامل سلبي : الاستبصار تفاعل إيجابي مع موضوع التعلم .
3- نظرية التعلم البنائية le structuralisme

تعتبر نظرية التعلم البنائية ( أو التكوينية) من أهم النظريات التي أحدثت ثورة عميقة في الأدبيات التربوية الحديثة خصوصا مع جان بياجي ، الذي حاول انطلاقا من دراساته المتميزة في علم النفس الطفل النمائي أن يمدنا بعدة مبادئ ومفاهيم معرفية علمية وحديثة طورت الممارسة التربوية . كما أنه طبق النتائج المعرفية لعلم النفس النمائي على مشروعه الابستيمي (الابستمولوجيا التكوينية) ، ولمقاربة هذه النظرية البنائية في التعلم سننحاول أول،ا التعرف على أهم المفاهيم المركزية المؤطرة لها ، ثم أهم مبادئها ثانيا ،وبعد ذلك سنتعرف على الأبعاد التطبيقية لهذه النظرية في حقل التربية.
*- المفاهيم المركزية لنظرية التعلم البنائية

مفهوم التكيف : التعلم هو تكيف عضوية الفرد مع معطيات وخصائص المحيط المادي والاجتماعي عن طريق استدماجها في مقولات وتحويلات وظيفية ، والتكيف هو غاية عملية الموازنة بين الجهاز العضوي ومختلف حالات الاضطراب واللاإنتظام الموضوعية أو المتوقعة والموجود في الواقع ، وذلك من خلال آليتي الاستيعاب l’assimilation والتلاؤم l’accommodation:التلاؤم هو تغيير في استجابات الذات بعد استيعاب معطيات الموقف أو الموضوع باتجاه تحقيق التوازن ،وحيث إن الاستيعاب هو إدماج للموضوع في بنيات الذات ، والملاءمة هي تلاؤم الذات مع معطيات الموضوع الخارجي . مفهوم الموازنة والضبط الذاتي : الضبط الذاتي هو نشاط الذات باتجاه تجاوزا الاضطراب والتوازن هو غاية اتساقه .مفهوم السيرورات الاجرائية : إن كل درجات التطور والتجريد في المعرفة وكل أشكال التكيف ، تنمو في تلازم جدلي ، وتتأسس كلها على قاعدة العمليات الإجرائية أي الأنشطة العملية الملموسة. مفهوم التمثل والوظيفة الرمزية: التمثل ،عند بياجي، ما هو سوى الخريطة المعرفية التي يبنيها الفكر عن عالم الناس و الأشياء .وذلك بواسطة الوظيفة الترميزية ، كاللغة والتقليد المميز واللعب الرمزي...والرمز يتحدد برابط التشابه بين الدال والمدلول ؛والتمثل هو إعادة بناء الموضوع في الفكر بعد أن يكون غائبا مفهوم خطاطات الفعل :الخطاطة هو نموذج سلوكي منظم يمكن استعماله استعمالا قصديا، وتتناسق الخطاطة مع خطاطات أخرى لتشكل أجزاء للفعل ،ثم أنساقا جزيئة لسلوك معقد يسمى خطاطة كلية .وإن خطاطات الفعل تشكل ، كتعلم أولي ، ذكاء عمليا هاما ،وهو منطلق الفعل العملي الذي يحكم الطورالحسي ـ الحركي من النمو الذهني.
*- مبادئ التعلم في النظرية البنائية :

منأهم مبادئ التعلم في هذه النظرية نذكر : التعلم لاينفصل عن التطور النمائي للعلاقة بين الذات والموضوع ؛ التعلم يقترن باشتغال الذات على الموضوع وليس باقتناء معارف عنه؛ الاستدلال شرط لبناء المفهوم، حيث المفهوم يربط العناصر والأشياء بعضها ببعض والخطاطة تجمع بين ما هو مشترك وبين الأفعال التي تجري في لحظات مختلفة ، وعليه فإن المفهوم لايبنى إلا على أساس استنتاجات استدلالية تستمد مادتها من خطاطات الفعل؛ الخطأ شرط التعلم، إذ أن الخطأ هو فرصة وموقف من خلال تجاوزه يتم بناء المعرفة التي نعتبرها صحيحة؛ الفهم شرط ضروري للتعلم ؛ التعلم يقترن بالتجربة وليس بالتلقين ؛ التعلم هو تجاوز ونفي للإضطراب.
*- النظرية البنائية في حقل التربية :

حسب بياجي التعلم هو شكل من أشكال التكيف من حيث هو توازن بين استيعاب الوقائع ضمن نشاط الذات وتلاؤم خطاطات الاستيعاب مع الوقائع والمعطيات التجريبية باستمرار.فالتعلم هو سيرورة استيعاب الوقائع ذهنيا والتلاؤم معها في نفس الوقت.كما أنه وحسب النظرية البنائية مادام الذكاء العملي الإجرائي يسبق عند الطفل الذكاء الصوري ، فإنه لا يمكن بيداغوجيا بناء المفاهيم والعلاقات والتصورات والمعلومات ومنطق القضايا إلا بعد تقعيد هذه البناءات على أسس الذكاء الإجرائي .وعليه ، وحسب بياجي ، يجب تبني الضوابط التالية في عملنا التربوي والتعليمي : جعل المتعلم يكون المفاهيم ويضبط العلاقات بين الظواهر بدل استقبالها عن طريق التلقين ؛ جعل المتعلم يكتسب السيرورات الإجرائية للمواضيع قبل بنائها رمزيا؛ جعل المتعلم يضبط بالمحسوس الأجسام والعلاقات الرياضية ، ثم الانتقال به إلى تجريدها عن طريق الاستدلال الاستنباطي؛ يجب تنمية السيرورات الاستدلالية الفرضية الاستنباطية الرياضية بشكل يوازي تطور المراحل النمائية لسنوات التمدرس ؛إكساب المتعلم مناهج وطرائق التعامل مع المشكلات و اتجاه المعرفة الاستكشافية عوض الاستظهار؛ تدريبه على التعامل مع الخطأ كخطوة في اتجاه المعرفة الصحيحة ؛اكتساب المتعلم الاقتناع بأهمية التكوين الذاتي.( سلسلة التكوين التربوي ع2/1995) .
4- التصور المعرفي (Cognitivisme ) للتعلم :

تعتبر المدرسة المعرفية في علم النفس من بين أحدث المدارس المعرفية التي حاولت أن تتجاوز بالخصوص بعض مواطن الضغط في المدرسة البنائية والسلوكية على السواء. فإذا كانت السلوكية في نظرياتها حول التعلم ترى بأن التعلم هو تحويل سجل الاستجابات أو تغيير احتمالات إصدار استجابات هذا السجل تبعا لشروط معينة ،حيث تحويل السلوك، المتمثل في تحسين الأداء واستقراره ، لا يرجع إلى النضج النمائي بل إلى فعل المحيط الخارجي وآثاره ، والنمو ما هو إلا نتيجة آلية. وإذا كانت كذلك النظرية البنائية (التكوينية) مع بياجي ترى بأن النمو المعرفي هو عملية لبناء المعرفة يقوم فيها الطفل بدور نشيط من خلال تفاعله مع المحيط ، لكن ما يحكم هذا النمو هي الميكانيزمات الداخلية للفرد ،والتي لا تتأثر إلا في حدود نسبية جدا بالعوامل الخارجية ، ويتحقق النمو عبر مراحل تدريجية متسلسلة وضرورية ( النضج) في شكل بنيات معرفية أكثر فأكثر تجريدا ، والتعلم يكون دائما تابعا للنمو، فإن المدرسة المعرفية حاولت تجاوز كل من التكوينية /البنائية والسلوكية في إشكالية أسبقية الذات (النضج) أو الموضوع في عملية التعلم وبناء المعارف. و من أهم المبادئ المؤطرة لنظرية هذه المدرسة في التعلم و النمو نجد: تعويض السلوك بالمعرفة كموضوع لعلم النفس،إذ ثم تجاوز المفهوم الكلاسيكي لعلم النفس كعلم للسلوك،يركز على دراسة السلوك كأنشطة حسية حركية خارجية و التي يمكن ملاحظتها موضوعياو قياسها في إطار نظرية المثيرو الاستجابة وإقصاء الحالات الذهنية الداخلية ، حيث أخذت الدراسات السيكولوجية الحديثة على عاتقها دراسة الحالات الذهبية للفرد ، فأصبحت المعرفة هي الظاهرة السيكولوجية بامتياز ، لأنها خاصة بالذهن إما كنشاط (إنتاج المعرفة واستعمالها) وإما كحالة ( بنية المعرفة ) فأصبح موضوع على النفس هو المعرفة عوض السلوك،وحيث المعرفة هي تمثل ذهني ذا ت طبيعة رمزية، أي حد ت دا خلي لا يمكن معاينته مباشرة ، بل يمكن الاستدلال عليه و استنباطه من خلال السلوك الخارجي اللفظي أو الحس-حركي. كما أنه من الأفكار الأساسية لهذه المدرسة، كون التفاعل بين الفرد و المحيط- خصوصا أثناء التعلم-هو تفاعل متبادل، إذ أن السيكو لوجيا المعرفية هي سيكولوجيا تفاعلية بالأساس،لأ نها تجمع بين بنية للذات و بنية للوا قع في عملية معالجة المعلومات،يحول بموجبها الإ نسان/الفرد المعطيات الخارجية إلى رموز و تمثلا ت ذ هنية،حيث إن الذهن أو المعرفة تتغير بالمحيط و المحيط يتغير بالمعرفة، حيت ليس هناك معارف بدون سياق وا قعي تنتج و تستعمل فيه، وليس هناك محيط دون معا رف تنظمه وتعطيه معنى(تدخل الذات).وعليه، فإن التعلم و النمو، حسب الإصطلاح الكلا سيكي لعلم النفس،أصبح مع المدرسة المعرفية يسمى با كتساب المعارف،ويتلخص مفهومها للتعلم في:التعلم هو تغير للمعارف عوض تغير السلوك،أ ي سيرورة داخلية تحدث في ذهن الفرد؛التعلم هو نشاط ذهني يفترض عمليات الإ دراك و الفهم والإ ستنبا ط ؛ التعلم لا يكمن فقط في إضافة معارف جديدة( الكم) بل كذلك في تشكيلها و تنظيمها و تشكيلها في بنيا ت (الكيف) من قبيل: الفئة، الخطاطة، النموذج الذهني، النظرية...التعلم يكون تابعا للمعارف السابقة،لأنها تحدد ما يمكن أن يتعلمه الفرد لا حقا؛التعلم هو نتيجة التفاعل المتبادل بين الفرد و المحيط، حيث المعرفة تتكون و تبنى بفضل نشاط الذات ونتيجة لهذا النشاط.(أحرشاو والزاهر2000) .
5- نظريات التعلم المدرسية

نقدم هنا نموذجين من النظريات التي ا شغلت على التعلم المدرسي ، وهما نموذج كارول Carol ( النموذج الزمني), ونموذج بلوم ( النسق التربوي بدون أخطاء ) :
• نودج كارول : حيث يرى بأن التعلم يرتبط بنوعين من العوامل الأساسية :
ـ عوامل ذاتية: تتصل بذاتية الفرد المتعلم، حيث يدخل إلى تجربة تعلمية وهو مزود بقدرات واستعدادات وخبرات متنوعة ، وهذه العوامل تتلخص في (1) القدرة : وهي القدر الذي يحتاجه المتعلم من الزمن ليتعلم شيئا ما في إطار وضعية تعليمية ، وغالبا ما تختلف هذه القدرة من تلميذ إلى آخر لارتباطها بمتغيرات أخرى كالخبرة السالفة لكل متعلم... (2) القدرة على فهم عملية التعلم : أي مدى قدرة المتعلم على فهم نوعية المهمة المطلوبة ، وطبيعة الوسائل والعمليات اللازمة لإنجاز تلك المهمة .(3) المثابرة Persévérance : وتشير إلى المدى الزمني الذي يريد المتعلم أن يقضيه في التعلم .
ـ عوامل متصلة بالوضعية الخارجية :

وتخص المتغيرات التي نظمت على أساسها الوضعية التعليمية التعلمية ، ومنها : (1) الزمان الذي تسمح به الوضعية التعليمية التعلمية ، والذي لاينبغي تجاوزه .(2) نوعية التعليم ، والذي يتضمن الطريقة التي يعمل بها المدرس والتي تقوم على أساس توضيح دقيق للمهمة التعليمة، تنظيم وتسهيل الاتصال المتعلم بالمادة الدراسية بصورة ملائمة ، عرض وتقديم الخطوات الجزئية التي تمكن من إنجاز المهمة التعلمية في شكل مرتب ، التكيف ما أمكن مع مستوى المتعلم ، والاستجابة لحاجاته ومنتظراته ؛ مدى توفر الوسائل والمواد التعليمية الضرورية لإنجاز مهام التعلم .وعلى أساس هذين النوعين من العوامل الذاتية والوضعياتية يفسر كارول مستوى التعلم على النحو التالي :
الزمن الحقيقي ( المثابرة + الزمن المتاح فعلا)
* مستوى التعلم = ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزمن الضروري (القدرة + نوعية التعلم + القدرة على الفهم)

• نموذج بلوم : يسمي بلوم هذا النموذج ب" النسق التربوي بدون أخطاء " إذ يعتقد بأن كل نظام تعليمي يتسم بالفعالية القصوى ويعمل على تقليص الأخطاء إلى أقصى حد ممكن ، يتيح لجميع المتعلمين الوصول إلى نفس الدرجة من الإنجاز . ويضمن هذا النظام ، حسب بلوم ، ثلاث متغيرات أساسية تتحكم في درجة التعلم إلى حد كبير ، وهي :
1- خصائص المتعلم : أي مدى امتلاكه للمكتسبات الأساسية والضرورية التي تجعله قادرا بالفعل على الدخول في تجربة تعلمية جديدة ، ومستوى التحفيز الحاصل لدى المتعلم خلال مباشرة هذه التجربة ، أي ، مدى إقباله واستعداده للعمل .
2- نوعية التعليم : وهو متغير يتألف من المستويات التالية : الدليل : ويشير إلى معظم التسهيلات والتوجيهات والإرشادات التي يقدمها المدرس إلى تلاميذه خلال العمل ؛ المشاركة : أي قدرة المدرس على إشراك التلاميذ مشاركة فعلية في العمل ، سواء من حيث الكثافة أو الشمولية أو العمق ؛ التصحيح : أي تصحيح مسار التعلم كلما كان ذلك ضروريا قبل الدخول في أي خطوة جديدة ، وتبليغ التلاميذ بالمستوى الحقيقي لإنجازاتهم وبمقدار الثغرات القائمة في مسارهم التعلمي.
3- نتائج أو مخرجات التعلم : التي ينبغي أن تكون محددة على شكا إنجازات واضحة ومتفق عليها ، كما ينبغي أن تكون متساوية بين كافة أفراد القسم وبدون إستثناءات .( في طرق وتقنيات التعليم 1991)
عن كتاب المفيد في التربية/محمد الصدوقي

spisos
10-04-2009, 20:16
رد إلى خير الدين جمال:

أخي بالنسبة لبحثك ..إن كنت تقصد إدارة الأفراد..و تقييم مستواهم بالمؤسسات الإقتصادية ...أرجو أن تستفيد من الموضوع التالي...و ليكن في علمك انني لست ملما بدرجة كبيرة بهذا الموضوع ..نظرا لأنني طالب سياسي بالدرجة الأولى ...قليلا ما نتطرق للإقتصاد


إدارة الأفراد:

تعد إدارة الأفراد gestion du personnel بوصفها أحد ميادين إدارة الأعمال [ر] الرئيسة، علماً حديث العهد نسبياً. ويكاد نشوء هذا العلم يقترن بنشوء حركة الإدارة العلمية التي تزعمها فريدريك تايلور في مطلع القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية. وكان للنتائج التي توصل إليها تايلور حول استخدام مقاييس الحركة والزمن أداة رئيسة في زيادة الإنتاج وأسلوباً يحقق العدالة في احتساب أجور العاملين، أهمية كبرى في اعتمادها من رجال الأعمال عامة، والإدارة الصناعية بوجه خاص، لتحسين مستوى الأداء وتخفيض تكاليف الإنتاج وزيادة ريعية المشروعات. إلا أن حركة الإدارة العلمية لم تستطع أن تقرن نتائج دراساتها بالاهتمام اللازم بالجانب الإنساني بوصفه أحد العوامل الأساسية لزيادة مستوى الإنتاج وتحسين نوعيته لأنها ارتكزت على ركائز مادية بحتة.
ومع ذلك، فقد كان للإدارة العلمية فضل كبير في إيقاظ دوافع الشعور بأهمية الإنسان، ودراسة أحاسيسه، وتعرف محددات سلوكه في الأداء، والعناية به بوصفه أساس أي نهوض أو تقدم. وفي الوقت نفسه، بدأ الاهتمام بالبحوث العلمية المتعلقة بالنشاط الإنساني يتزايد ولا سيما في مجال علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والعلاقات الإنسانية وقواعد السلوك البشري، في الوقت الذي اشتد فيه ساعد النقابات العمالية في أمريكة وأوربة مطالبة بتحديد علاقات العمل وتحسين ظروف أدائه، مما أدى إلى تطور مفهوم إدارة الأعمال بصفة عامة، وتطور الجانب الذي يعنى بشؤون الأفراد العاملين منها بصفة خاصة، وكذلك زيادة المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتق إدارة الأفراد كي تتمكن من تكوين قوة عمل قادرة على الأداء بفاعلية أكبر وراغبة في هذا الأداء. ولقد عد ذلك إطاراً عاماً وشاملاً للأهداف المتوخاة من إدارة الأفراد بقصد تحسين الإنتاجية بمؤشراتها الكمية والنوعية معاً.
ومن جهة أخرى، تعزز دور إدارة الأفراد وأهميتها بعد صدور التشريعات الحكومية الناظمة لعلاقات العمل والعاملين، وفرض استخدام بعض من مهماتها على مشروعات الأعمال، كتحديد نظم دفع الأجور وأساليبها، وأسس إجراءات التعيين والترفيع والتوصيف والتدريب، التي تعد بحق من أهم مسؤوليات إدارة الأفراد ومهامها.
وعلى هذا الأساس، فإن نشاط إدارة الأفراد يتجه نحو تحقيق الاستخدام الأمثل للقوى البشرية العاملة في المؤسسة وتنمية قدراتها ومهاراتها وحفزها في أداء أعمالها طواعية، كي يتسنى للطاقات الكامنة فيها الانطلاق من عقالها وتفجير مواهبها. وإذا كان بعضهم يحاول أن يعبر عن إدارة الأفراد بعبارات أخرى كإدارة القوى العاملة أو إدارة العلاقات الإنسانية أو الهندسة البشرية تمييزاً لها من أي نشاط إداري آخر يعنى بالشؤون المادية في المؤسسة، فيمكن تعريف إدارة الأفراد بأنها الجهاز التنظيمي الذي يمارس نشاطاً منظماً وهادفاً فيما يختص بشؤون الأفراد العاملين في المؤسسات سواء أكانت اقتصادية أم غير اقتصادية، ويتجلى هذا النشاط المنظم في وضع البرامج السياسية التي تحكم علاقات الأفراد فيما بينهم من ناحية أولى، وبينهم وبين الإدارة من ناحية ثانية، وفي تنفيذ هذه البرامج والخطط التي تهدف إلى استخدام الأفراد الاستخدام الأمثل والمحافظة عليهم قوة عمل قادرة على الأداء الجيد وراغبة في الاستمرار فيه.
وعلى أساس ذلك الهدف المتوخى من إدارة الأفراد والوسائل اللازمة لتحقيقه، يمكن القول إن مسؤوليات إدارة الأفراد لا تنحصر في جهاز تنظيمي معين، وإنما تتعداه لتصبح من مهام كل من تناط به المسؤولية عن عمل الآخرين سواء أكان مشرفاً على فئة صغيرة من العاملين أم رئيساً لقسم أم مديراً. وبهذا المعنى فإن نطاق إدارة الأفراد يتسع ليشمل وظيفة كل شخص - مهما كانت مرتبته - يشرف على عمل أفراد آخرين في المؤسسة بما يضمن توجيه أدائهم نحو زيادة الإنتاجية والوصول إلى علاقات عمل يغلب عليها الانسجام والتعاون بين قطبي المؤسسة: الإدارة والعاملين من دون أي تنافر أو تنازع. وفي ضوء هذا التصور ليس هناك حدود أو نطاق محدد يمكن للمرء أن يفصل فيه مهام إدارة الأفراد ومسؤولية كل من يقوم بالإشراف على عمل آخرين جزءاً من عملية إدارة الأفراد.
وإذا كان تحقيق الأهداف يتطلب وجود خطط وبرامج وسياسات محددة، فليس من الضروري أن يضمن وجود مثل هذه الخطط والبرامج الوصول إلى أهداف المؤسسة على النحو المرغوب فيه، بل لا بد من اتخاذ الإجراءات المناسبة لتنظيم عملية تنفيذ تلك الخطط والبرامج. وتتوقف عملية التنفيذ هذه على حصر أنواع الأعمال والوظائف المطلوب أداؤها وتحديدها وتصنيفها في مجموعات أو فئات متجانسة، ومن ثم توزيع الأفراد العاملين في المؤسسة عليها. أو بعبارة أخرى، يتوقف تحقيق أهداف المؤسسة على مدى وجود تنظيم جيد يحدد موقع كل فئة أو مكانتها في أعمال المؤسسة (إدارة، قسم، شعبة وما شابه ذلك).
ومن بين هذه الأعمال الوظائف الخاصة بشؤون الأفراد أو ما يسمى «إدارة الأفراد».
ولتحديد مكانة إدارة الأفراد أو موقعها في تنظيم المؤسسة لا بد من تحديد أشكال البنية التنظيمية للمؤسسة - مهما كان حجم هذه المؤسسة - أي ما يسمى بهيكلها التنظيمي. فمن المعروف، أن هناك مجموعة من المرتكزات يبنى على أساسها الهيكل التنظيمي للمؤسسة وتعد في الوقت نفسه محددات لخصائص ذلك الهيكل وسماته وهناك خمسة أشكال رئيسة للهيكل التنظيمي، هي:
ـ الهيكل التنظيمي المبني على أساس الأنشطة الرئيسة والثانوية والفرعية في المؤسسة.
ـ الهيكل التنظيمي المبني على أساس أنواع منتجات المؤسسة من السلع والخدمات المنتجة وأصنافها.
ـ الهيكل التنظيمي المبني على أساس مراحل العمل والإنتاج.
ـ الهيكل التنظيمي المبني على أساس الأقاليم الجغرافية (المركز والفروع).
ـ الهيكل التنظيمي المبني على أساس الفئات التي تتعامل معها المؤسسة أو المشروع.
وفي جميع الأحوال، تتوقف مكانة إدارة الأفراد وموقعها في البنية التنظيمية، على حجم المؤسسة وطبيعة أنشطتها ومدى تجهيزها الفني ومستوى التقانة المستخدمة فيها. فإذا كان شكل التنظيم مبنياً على أساس الأنشطة، فإن إدارة الأفراد تعد نشاطاً رئيسياً، ويكون لها كيان مستقل، شأنها في ذلك شأن الإدارات الرئيسة الأخرى كإدارة الإنتاج وإدارة التسويق والمبيعات والإدارة المالية وغيرها. وإذا كانت المؤسسة موضوع البحث تملك فروعاً في مناطق وأقاليم جغرافية متعددة، فإن «إدارة الأفراد» التي توجد في المركز تكون هي المسؤولة عن وضع البرامج ورسم السياسات الخاصة بشؤون العاملين في المركز وفي الفروع على حد سواء.
وفي حال بناء التنظيم العام للمؤسسة على أساس أنواع المنتجات وأصنافها يكون لإدارة الأفراد مكانة رئيسة وتتبع لها وحدات فرعية تختص كل واحدة منها بتنفيذ سياسات إدارة الأفراد الرئيسة وبرامجها فيما يتصل بنوع المنتج أو صنفه. ويحكم بين هذه الوحدات أو بينها وبين الإدارة الرئيسية نظام من علاقات التعاون وقواعد التنسيق. كذلك يطبق هذا النوع من التنظيم في حال كون الهيكل التنظيمي للمؤسسة مبنياً على أساس مراحل الإنتاج، أو على أساس فئات المتعاملين مع المؤسسة، إذ يكون لكل فئة من هؤلاء المتعاملين (أو مجموعة فئات متماثلة) وحدة إدارية (قسم أو شعبة...) تتبع الإدارة المركزية التي تعنى بشؤون الأفراد عامة. كما هو الحال - على سبيل المثال - في شركات التأمين الكبيرة، حيث توجد وحدة إدارية لشؤون العاملين في كل إدارة متخصصة بفئة من المتعاملين معها كإدارة التأمين على الحياة أو على النقل والتأمين من الأخطار أو الحريق أو إعادة التأمين وسواها.
وبذلك فإن مكانة إدارة الأفراد تظهر مع ظهور البنية التنظيمية للمؤسسة، وتتطور وتتسع في أداء مهامها ووظائفها تبعاً لتطور النشاط فيها، ولكن مما يميز إدارة الأفراد من غيرها من الإدارات الأخرى انتشار مهامها ومسؤولياتها لتشمل الإدارات الأخرى في المؤسسة ما دامت تختص في تعاملها مع الإنسان. فإذا كانت مهام إدارة التسويق مثلاً تقتصر على دراسة الأسواق وحجم الطلب المستقبلي وسبر حاجات المستهلكين وأذواقهم، أو إذا كانت إدارة الإنتاج مسؤولة عن هندسة المنتجات وإنتاج الكميات اللازمة بالمواصفات المحددة وفقاً لحاجات المستهلكين وأذواقهم، فإن مهام إدارة الأفراد واختصاصاتها تتسع لتشمل كل الإدارات الأخرى وليس الإدارتين المذكورين في المثال فحسب.
وبغض النظر عن فلسفة الإدارة في اختيارها النموذج التنظيمي الذي تراه أكثر ملاءمة لأداء فعالياتها، فإن الشيء الذي يجب أن يؤخذ في الحسبان هو بناء تنظيم يحقق لها الوصول إلى أهدافها على أفضل وجه ممكن، أي الوصول إلى أفضل النتائج بأقل ما يمكن من الجهد والتكلفة، إن الوصول إلى مثل هذا المستوى من التنظيم يتطلب توافر شروط أربعة هي:
ـ ضمان وجود نوع من التنسيق في اتخاذ القرارات بين إدارة الأفراد من جهة وإدارات المؤسسة الأخرى من جهة ثانية، على نحو يحقق مبدأ المواءمة والانسجام والكفاية في أداء الأعمال من دون أية حساسية أو ازدواجية في الأداء.
فالتنظيم الجيد هو ذلك الذي يؤدي إلى إقامة صلات تعاون بين جميع وحدات الهيكل التنظيمي في المؤسسة على نحو يقضي على جميع أسباب التنازع في أداء الاختصاصات ويبين بوضوح حدود المسؤوليات بين جميع المشرفين والرؤساء في الإدارات المختلفة وبين العاملين في إدارة الأفراد.
ـ التوافق بين المبادئ التنظيمية المعتمدة في المؤسسة وقدرات العاملين في إدارة الأفراد ذاتها وخبراتهم.
ـ التوافق بين النفقات المترتبة على أداء أية وظيفة في إدارة الأفراد ومقدار المنفعة التي تعطيها تلك الوظيفة أو المتوقع الحصول عليها مستقبلاً.
ـ القدرة على التكيف والمرونة في بنية إدارة الأفراد في التعامل مع المتغيرات الفنية والاقتصادية والاجتماعية في المؤسسة نفسها وفي البيئة التي تعمل في نطاقها.
وبصفة عامة إما أن يأخذ شكل التنظيم في إدارة الأفراد طابع المركزية أو اللامركزية.
ويقصد بمركزية التنظيم في هذا المجال ممارسة إدارة الأفراد لوظائف الإدارة التقليدية من تخطيط وتنظيم ورقابة وذلك في المجالات المتعلقة بشؤون الأفراد سواء في المركز أم في الفروع لتنفيذ البرامج والسياسات المعتمدة من قبلها ولا سيما بالاختيار والتعيين والتدريب والأجور والتوصيف وتقويم الأداء، والتحقق من تنفيذ تلك السياسات والبرامج من قبل الوحدات الأخرى.
أما اللامركزية في التنظيم فتعني إعطاء وحدات (أو فروع) إدارة الأفراد الصلاحيات اللازمة في وضع البرامج والسياسات بما يتفق مع ما تراه مناسباً في نطاق عملها، شرط أن يخدم ذلك الهدف العام لإدارة الأفراد وهو إيجاد قوة عمل قادرة على أداء عملها. كما تكون تلك الوحدات مسؤولة عن نتائج تنفيذ سياساتها.
والتنظيم الأكثر فاعلية هو ذلك الذي يجمع بين مزايا المركزية واللامركزية في أداء مهام إدارة الأفراد على أفضل نحو ممكن.
مهام إدارة الأفراد

تسهم إدارة الأفراد بدور أساسي في تحقيق أهداف المؤسسة عن طريق توفير احتياجاتها من القوى العاملة وضمان استخدام هذه القوى الاستخدام الأمثل، والمحافظة على استمرارها في العمل مدفوعة برغبة ذاتية. وعلى هذا الأساس تبذل إدارة الأفراد جهداً منظماً وواعياً وموجهاً نحو تحقيق الأهداف العامة للمؤسسة وأهدافها الخاصة بها باستخدام مواردها البشرية المتاحة. وبعبارة أخرى، يتجه نشاط إدارة الأفراد نحو تكوين قوة عمل قادرة على الأداء وراغبة فيه، وغايتها رفع مستوى الكفاية الإنتاجية للمؤسسة بحسن استخدامها للعنصر البشري فيها.
تعنى إدارة الأفراد، قبل كل شيء بالإنسان بوصفه الوسيلة والغاية معاً, فهو وسيلة لأنه يمتلك طاقات وقدرات عضلية وعقلية عظيمة الفائدة إذا أمكن ضبطها وتوجيه استخدامها نحو الاتجاه المطلوب طواعية واختياراً، وهو غاية لأنه لا يمكن أن يعد مصدر قوة عمل مجردة، وإنما ينظر إليه على أنه مخلوق بشري له مشاعره وأحاسيسه وآماله ويبذل جهداً مبدعاً من أجل طموحاته وإشباع حاجاته الآنية والمستقبلية الظاهرة منها والمستترة.
وبذلك يمكن القول إن مهام إدارة الأفراد كلها تنضوي في مجموعتين أساسيتين من الوظائف. تتعلق المجموعة الأولى بتكوين قوة عمل قادرة على الأداء بأعلى فاعلية، وتسمى هذه المجموعة من الوظائف بوظائف زيادة المقدرة على العمل.
أما المجموعة الثانية من الوظائف فتتجه بنشاطها نحو تحقيق عنصر الرضا والرغبة في الأداء أو ما يسمى بوظائف الرغبة في العمل.
ومن المعروف أن زيادة المقدرة على العمل لأي إنسان تتوقف على عدة عوامل منها ما هو وراثي كالقدرات الطبيعية، ومنها ما يكتسب اكتساباً عن طريق التعلم والتدريب والمران. وبصفة عامة يمكن القول إن مهام اختيار العاملين وتعيينهم وتدريبهم وتوصيف الوظائف وتقويمها وتهيئة ظروف العمل المناسبة هي من عداد وظائف زيادة المقدرة على العمل.
أما وظائف الرغبة في العمل فهي تلك الوظائف التي تكون مبنية على أساس دوافع الفرد والعوامل المؤثرة في هذه الدوافع والتي منها على سبيل المثال الوسائل الخاصة بإشباع الحاجات المادية والمعنوية. ومن هذه الوظائف سياسات الأجور والحوافز والأنماط المتبعة في القيادة والإشراف والاتصالات.
وفي الحقيقة من الصعب الفصل بين وظائف المجموعتين المذكورتين، ذلك لأن المجموعتين متداخلتان تؤثر كل منهما في الأخرى، فسياسات الأجور والحوافز وتهيئة ظروف العمل مثلاً عناصر أساسية في تحقيق درجة عالية من الرغبة والرضا، كما أنها في الوقت نفسه عوامل مساعدة في زيادة مقدرة الأفراد على العمل.
أما أهم المهام الملقاة على عاتق إدارة الأفراد فهي:
التخطيط للاحتياجات: وهو يشتمل على ثلاثة مهمات رئيسية. ترتكز المهمة الأولى على جميع المعلومات والبيانات عن الوظائف والأعمال الحالية في المؤسسة وقوة العمل المتاحة فيها وتجهيزها لحصر الوظائف وتحديد اختصاصاتها وطبيعة مسؤولياتها والعلاقات القائمة فيما بينها وعدد شاغليها وصفاتهم من حيث قدراتهم ومؤهلاتهم ومستوى خبراتهم ومهاراتهم. ومدى توافق تلك الصفات مع متطلبات الوظائف والأعمال التي يؤدونها وشروطها، كما تهدف هذه العملية إلى تحديد اتجاهات حركة العاملين في السنوات الماضية ورصد حالات الفائض والعجز في العمالة وتتبعها واحتساب نسبة دوران العمل على أساسها.
وأما المهمة الثانية فهي توصيف الأعمال والوظائف في المؤسسة، ويعد هذا التوصيف من أهم مسؤوليات إدارة الأفراد. ويتلخص في جمع الحقائق والمعلومات اللازمة عن المهام والواجبات التي يجب أن تؤديها كل وظيفة (عمل)، وتحديد سلطتها ومسؤوليتها، والطريقة التي يجب أن تؤدى بها، وموقفها في الهيكل التنظيمي، وعلاقتها بالوظائف الأخرى، والظروف التي تؤدى فيها، ووسائل الأداء المستخدمة، والمواصفات والخصائص التي يجب أن تتوافر في شاغلها أو شاغليها إذا كان أداؤها يتطلب استخدام أكثر من شخص واحد، ثم صوغ هذه الحقائق في نموذج معين يمكن منه تحديد معالم الوظيفة على النحو الذي يمكن إدارة الأفراد من الاستفادة منه في جميع المجالات المتعلقة بشؤون الأفراد.
وأما المهمة الثالثة فهي تحديد احتياجات المؤسسة من الوظائف والأفراد وعددها ويتم إجراء هذه العملية في ضوء النتائج التي يتم التوصل إليها من جراء القيام بالمهمتين السابقتين، وعلى أساس التغيرات الحاصلة أو المتوقعة في حجم النشاط والمستوى الفني والتقني في المؤسسة، والظروف القانونية والسياسية والاجتماعية في البيئة التي تعمل فيها، ولا سيما الظروف المؤثرة تأثيراً مباشراً أو غير مباشر في عبء العمل وقوته.
وعلى هذا النحو يتم تحديد الوظائف والأعمال اللازمة لأداء أنشطة المؤسسة وتحديد مضمونها وعدد الأفراد اللازمين للقيام بها استناداً إلى الخطط والبرامج المستقبلية.
الاختيار والتعيين: تهدف هذه المهمة إلى توفير نوع من التوافق والانسجام بين متطلبات العمل وشروطه من جهة، وبين مواصفات الفرد وخصائصه بما يمتلك من قدرات ومهارات ومؤهلات وما شابه ذلك من جهة أخرى. وإذا كان الاختيار يحقق مثل هذا الأمر فإن التعيين يأتي ليتمم عملية الاختيار في توفير التوافق بين متطلبات الوظيفة والخصائص الشخصية للفرد، ومن ثم توجيه هذا الفرد - بعد تسلمه العمل - وفقاً للأنظمة والقواعد المعمول بها في المؤسسة والقوانين النافذة فيها.
التدريب والتنمية الإدارية: ينحصر دور إدارة الأفراد في مجال التدريب والتنمية الإدارية بتحديد الاحتياجات التدريبية لجميع الأفراد العاملين في المؤسسة ومن ثم وضع البرامج اللازمة من أجل تلبية هذه الاحتياجات وتقويم النتائج النهائية لتلك البرامج. إذ لا يمكن أن يعد اختيار الأفراد وتعيينهم نهاية المطاف لإدارة الأفراد. وإنما يجب متابعة إعداد هؤلاء الأفراد وتوجيه قدراتهم ومهاراتهم وتنميتها بصورة مستمرة ومبرمجة بما ينسجم مع أية تطورات فنية وتقنية. وتشمل عملية التدريب والتنمية تعريف العاملين القوانين والأنظمة والتعليمات، وتزويدهم بالمعارف اللازمة وأساليب العمل الجديدة، وكذلك تطوير مهاراتهم الإدارية لتمكين الأفراد المشرفين على وظائف الإدارة الأساسية من اتخاذ القرارات المناسبة في الأوقات المناسبة.
تقويم الوظائف والأعمال: ويقصد بهذه المهمة تحديد قيمة كل عمل أو وظيفة قياساً إلى قيم الوظائف الأخرى في المؤسسة الواحدة، والتقويم عملية منظمة تقوم بها إدارة الأفراد وتختص بموضوع الوظيفة، وذلك بوضعها في مستوى مادي معين من دون التعرض لشاغلها. أو بعبارة أخرى يهدف التقويم إلى تقدير قيمة الوظيفة في ضوء أوصافها ومتطلباتها وظروف تأديتها مقارنة بالوظائف الأخرى، ومن ثم ترتيب الوظائف من أجل وضعها في مكانها المناسب في سلم الوظائف الذي يحدد أولويات وظائف المؤسسة من حيث توافر عوامل التقويم الرئيسة فيها ودرجتها ومداها. ولا يرتبط التقويم مباشرة بأجر الوظيفة بل يعد وسيلة لوضع نظام عادل للأجور يزيل كل أسباب الشكوى والتذمر وعدم الرضا.
وتقوم إدارة الأفراد اعتماداً على عوامل التقويم المذكورة سابقاً وعلى أجزائها الفرعية أيضاً بإجراءات التقويم بإحدى الطرائق الوصفية كطريقة الترتيب وطريقة الدرجات أو بإحدى الطرائق الكمية كطريقة مقارنة العوامل أو طريقة النقط.
تخطيط سياسات الأجور والحوافز: يحتل موضوع الأجور والحوافز جانباً كبيراً من اهتمامات إدارة الأفراد. فقد تجذب سياسات الأجور والحوافز الأفراد المهرة للعمل في مؤسسة ما وتدفعهم لأداء العمل بكفاية عالية مع الإحساس بشعور الرضا والاعتزاز والرغبة في الاستمرار، أو قد تؤدي إلى العكس من ذلك تماماً.
ولكي تعطي الأجور والحوافز ثمارها في أداء منتظم وفعال تقوم إدارة الأفراد بتقديم اقتراحاتها للإدارة العليا فيما يتعلق بسياسات الأجور والحوافز التي تراها مناسبة أكثر من غيرها.
ولدى التخطيط لسياسات الأجور والحوافز لا بد من أن يؤخذ في الحسبان أمور ثلاثة هي:
معايير الإنتاجية ونتائج تقويم الأداء، ونتائج تقويم الوظائف والأعمال، والتشريعات والنظم الحكومية المتعلقة بالأجور ولا سيما سياسات الحد الأدنى لها.
وتقوم إدارة الأفراد لدى دراسة سياسة الأجور بمهمتين أساسيتين: الأولى: تحديد هيكل الأجور الذي على أساسه تقدم اقتراحاتها المتعلقة بطرائق دفع الأجور المناسبة. ولما كان تقويم الوظائف لا يتجه إلى تحديد الأجر مباشرة،فإن إدارة الأفراد تقوم في أثناء تحديدها لهيكل الأجور بحصر مجموعات وظائف المؤسسة بعدد محدود من الدرجات، ثم تقوم بتحديد معدلات أو فئات الأجر المقابلة لكل درجة من الدرجات الوظيفية. أما المهمة الثانية فهي وضع نظام للحوافز والمكافآت تستطيع إدارة المؤسسة بوساطتها توجيه سلوك الأفراد باتجاه الأداء المرغوب فيه.
القيادة والإشراف: تعد القيادة والإشراف ممارستان موجهتان للتأثير في سلوك العاملين وضبطه وتوجيهه على نحو يحقق الأهداف المرسومة للمؤسسة، وتقوم إدارة الأفراد، في هذا المجال، بتحديد القواعد العامة لنمط القيادة الذي يمكن الإدارة من كسب رضا العاملين وترسيخ قناعاتهم بأن مصالحهم الفردية لا تتعارض بأي وجه من الوجوه مع مصالح المؤسسة.
ولتحقيق ذلك، تعد إدارة الأفراد مسؤولة عن إرساء مبادئ القيادة الديمقراطية وأسسها، التي تنمي المهارات الفنية والفكرية والإنسانية لدى العاملين. ولقد أثبتت نتائج الأبحاث التي أجريت على أنماط القيادة المتبعة ومستوى إنتاجية المؤسسة، أن اختيار المشرفين القديرين على قيادة مرؤوسيهم بأسلوب يدفع نحو تنمية مواهبهم وقدراتهم العلمية والعملية ويعزز فيهم روح المسؤولية والمشاركة، يحقق زيادة كبيرة في إنتاجية المؤسسة.
تصميم نظام الاتصالات: إن مهمة إدارة الأفراد في مجال الاتصالات ينحصر في تصميم نظام فعال للاتصالات يعمل على تحقيق المشاركة والتفاهم بين العاملين والإدارة. ويتطلب تصميم نظام اتصالات فعال اختيار الأدوات والوسائل التي تضمن تحقيق السرعة في إيصال المعلومات إلى جميع الاتجاهات اللازمة، والدقة والوضوح في إيصال المعلومات من دون تأويل أو تحريف، وسهولة استخدام النظام، واستجابة المرسل إليهم لإجراء المطلوب، بمعنى توفير القدرة على التأثير في سلوك الآخرين على النحو المطلوب.
تقويم الأداء: يقصد بتقويم الأداء قياس مستوى الأداء الفعلي لكل فرد أو مجموعة أفراد ومقارنته بالمستوى المطلوب وتشخيص أسباب انحرافات الأداء إن وجدت. ويعد تقويم الأداء أحد الأسس التي تستخدمها الإدارة لرسم سياسات الأجور والحوافز والترقية ووضع كل شخص في المكان الذي يتناسب مع قدراته ويتوافق مع مؤهلاته.
والمهمة الأساسية لإدارة الأفراد في هذا المجال لا تنحصر في قياس الأداء وإنما في اختيار المقاييس التي تضمن تحقيق الموضوعية في التقويم، أي المقدرة على قياس الأداء الفعلي من دون التأثير بأية مؤثرات خارجية، والثبات في التقويم، أي أن تكون النتيجة واحدة في جميع الحالات مهما كان عدد المقومين، وأخيراً الوضوح في القياس والسهولة في استخدام نتائج التقويم.
تهيئة ظروف العمل المناسبة: تقوم إدارة الأفراد بجميع الدراسات والإجراءات التي تمكنها من توفير الظروف الملائمة التي قد تسهم في زيادة المقدرة على العمل وتحسين مستوى الإنتاجية وترغيب العاملين في الاستمرار بالعمل، وتعمل على التقليل من وقوع الحوادث ومن حالات ترك العمل والتأخر والغياب.
وتشمل ظروف العمل مجموعتين من الشروط هي: الشروط المادية كالإضاءة والتهوية والرطوبة وأوقات الراحة وما شابه ذلك. والشروط الاجتماعية، أو ظروف العمل الاجتماعية، التي تساعد على إيجاد نوع من العلاقات والصلات بين الأفراد خارج جو العمل كالتنظيمات غير الرسمية (الأحزاب والجمعيات والنوادي وغيرها) أو إقامة علاقات الصداقة مع الآخرين.
تؤدي إدارة الأفراد دوراً مهماً إذا استطاعت تهيئة ظروف العمل الاجتماعية التي لا تتعارض مع أهداف المؤسسة وسياساتها وتسهم في الوقت نفسه في إشباع بعض حاجات العاملين النفسية والاجتماعية.
سياسة العاملين والعلاقات العامة
تتوقف فاعلية تنفيذ وظائف إدارة الأفراد ومهامها على السياسة التي تزمع إدارة المؤسسة أو الشركة تطبيقها والسير على هديها ويتجه موضوع هذه السياسات لدى ممارستها باتجاهين: الأول داخلي نحو الأفراد العاملين لدى المؤسسة، والثاني خارجي نحو البيئة التي تعمل فيها.
ويقصد بسياسة العاملين أو السياسة الداخلية مجموعة القواعد والمبادئ والأحكام الرئيسة والتي سيلتزمها جميع الأفراد العاملين في المؤسسة لدى ممارستهم الأعمال والأنشطة اللازمة لتحقيق أهدافها المنشودة، وتوضح سياسة العاملين الحدود العامة لكل وظيفة من وظائف إدارة الأفراد حتى لا يحدث أي احتكاك بين الإدارة والعاملين بشأنها.
وتسعى المؤسسات (الشركات) من وراء تطبيق السياسات الخاصة بالعاملين إلى تحقيق أهداف عدة منها إيجاد مفهوم موحد للقواعد والمبادئ وأساليب العمل يلتزمها جميع العاملين، وتحقيق نوع من العدالة النسبية في تعامل المؤسسة أو الشركة مع عامليها بتطبيق قواعد ومبادئ تشمل جميع العاملين وتشيع جواً من الثقة بين العاملين والإدارة، وكذلك إيجاد نوع من علاقات التعاون والتنسيق بين مختلف إدارات المؤسسة بقصد تنفيذ البرامج والخطط على أفضل نحو ممكن، وزيادة كفاية الإدارة في اتخاذ القرارات.
ويمكن تقسيم سياسات العاملين بحسب الهيكل التنظيمي للمؤسسة، أو بحسب مهام إدارة الأفراد ووظائفها. وتؤدي السياسات التي توضع وفقاً للهيكل التنظيمي دوراً كبيراً في توجيه جميع أنشطة المؤسسة باتجاه تحقيق أهدافها العامة. وهناك أربعة أنواع من السياسات المبنية على أساس الهيكل التنظيمي هي:
السياسات العامة: وهي الإطار العام لمجموعة القواعد والأحكام والأنظمة التي تتناول السياسات المختلفة، والتي تعد موجهاً عاماً للإدارة العليا.
السياسات التنظيمية: وهي توجيهات عامة للمديرين في المؤسسة لمعالجة مشكلة ما أو أمور معينة.
السياسات التشغيلية: هي مجموعة مؤشرات يتقيد بها جميع المشرفين (الإدارة الدنيا) في أثناء تنفيذ الخطط والبرامج التشغيلية.
السياسات الإجرائية: ويخضع لأحكامها نشاط جميع الأفراد العاملين في المؤسسة.
أما السياسات الوظيفية فهي تلك السياسات المتعلقة بشؤون الأفراد الوظيفية كالاختيار والتعيين والتدريب والتوصيف والأجور والتقويم وما إلى ذلك من الفعاليات التي مر ذكرها بصدد مهام إدارة الأفراد.
إن نجاح سياسات العاملين في تحقيق الأهداف المتوخاة منها يتوقف على الخصائص التي يجب أن تتسم بها هذه السياسات. ومن أهم السمات التي يجب أن تتحلى بها سياسات العاملين: أن تكون القواعد والأحكام والمبادئ محددة بوضوح ولا تقبل التفسير أو التأويل. وأن تكون السياسات مفهومة من العاملين أنفسهم، ومن الفئات الخارجية ذات العلاقة كالموردين والمستوردين وسواهم. وأن تكون مرنة تستطيع مواكبة التغيرات والمستجدات داخل المؤسسة وخارجها. وأن توفر إمكانية متابعة تطبيقها واحترام الجميع لها.
أما السياسات الخارجية نحو البيئة المحيطة أو إزاء المجتمع الذي تعمل في نطاقه المؤسسة فتهدف إلى إقامة العلاقات المتوازنة وتحقيق الصلات الطيبة بين المؤسسة ومختلف الفئات التي تتعامل معها أو ذات العلاقة غير المباشرة بنشاط المؤسسة وتدعى مثل هذه العلاقات «العلاقات العامة».
ومما يزيد من أهمية العلاقات العامة في الإدارة المفهوم الحديث لواجبات المؤسسة وجميع مشروعات الأعمال إزاء المجتمع. فبعد أن انفصلت الإدارة عن ملكية رأس المال وظهرت الشركات المساهمة التي يمتلك رأس مالها آلاف الناس الذين يعيشون في مناطق مختلفة ومتباعدة، وبعد أن تعزز دور الشركات والمؤسسات الحكومية في قيادة الاقتصاد الوطني في بعض الدول، أصبح للمؤسسات وظائف اجتماعية لها دورها في تحقيق أهداف عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فقد تستخدم بعض المؤسسات عدة آلاف من العاملين كما قد يكون لها علاقات مع عدد كبير من الموردين والمستوردين، إذ قد يصل عدد الزبائن الذين يستهلكون منتجات إحدى الشركات إلى الملايين، مما يحتم على الإدارة التخطيط لعلاقات منظمة مع كثير من الهيئات الاجتماعية وإقامة صلات ودية دائمة معها. وبصفة عامة تعرف العلاقات العامة بأنها عملية اتصال مستمر بين الإدارة وجمهور العاملين والمتعاملين وكسب ثقتهم وضمان قيام تفاهم متبادل بينهم بقصد تحقيق التوافق بين مصلحة المؤسسة ومصلحة المجتمع وتحسين الروح المعنوية للعاملين والإقلال من اضطرابات العمل. وبهذا المعنى فإن أعمال العلاقات العامة متصلة اتصالاً وثيقاً بالسياسات الداخلية للمؤسسة، ومن هنا تأتي أهمية التنسيق بين الوحدة الإدارية (إدارة أو قسم) المسؤولة عن العلاقات العامة من جهة وبين إدارة الأفراد من جهة أخرى.
وتختلف مهام العلاقات العامة وواجباتها من مؤسسة لأخرى بحسب الظروف المحيطة بها، كحجم الفئات ذات العلاقة بالمؤسسة وعددها والمركز المالي لهذه المؤسسة. وموقف الجمهور منها، والنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الذي توجد فيه المؤسسة.
ويمكن حصر أعمال العلاقات العامة بالمهمات الخمس التالية: الاتصال بالهيئات والأفراد ذوي العلاقة بالمؤسسة كالعاملين والمساهمين والمستهلكين والموردين والهيئات الحكومية والمنظمات الاجتماعية وغيرها.
وتحديد وسائل الاتصال بالأفراد والهيئات وتصميمها كالمطبوعات، والإعلانات، والخدمات الاجتماعية، والبرامج والمحاضرات، وحفلات الاستقبال، والرسائل والأفلام وما شابه ذلك. والقيام بالبحوث والدراسات المتعلقة بفئات الجمهور المختلفة لمعرفة رغباتهم وآرائهم، وإجراء الدراسات الخاصة بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ورسم سياسات العلاقات العامة وتنسيقها وتحديد أهدافها وأساليب تنفيذها وتحديد نظم الاتصال مع الإدارة العليا والإدارات والأقسام المختلفة في المؤسسة لتنسيق العمل بين الجميع طبقاً للسياسات الموضوعة. وإدارة الأعمال في قسم العلاقات العامة بالكفاية المطلوبة والإشراف على جميع العاملين داخل القسم نفسه.
-------------------------------------------
http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=284&vid=

spisos
10-04-2009, 20:29
رد إلى ASMAA66:

فلسفة القانون :
http://www.scribd.com/doc/4444973/-

http://www.scribd.com/doc/1570856/-

spisos
11-04-2009, 16:17
رد إلى rima alg:

حرية الصحافة

مادة (1)
الصحافة سلطة شعبية تنهض برسالتها بحرية واستقلال من أجل تأمين وممارسة حرية الرأي والفكر والتعبير والنشر والحق في الاتصال والحصول على المعلومات الصحيحة ونشرها وتداولها كحقوق أصيلة غير قابلة للمساس بها . وتسهم الصحافة في نشر الفكر والثقافة والعلوم والارتقاء بها .
والصحافة وسيلة للرقابة الشعبية على مؤسسات المجتمع من خلال التعبير عن الرأي والنقد ونشر الأخبار والمعلومات في إطار من الدستور والقانون مع احترام المقومات الأساسية للمجتمع وحقوق وحريات الآخرين .
وحرية الرأي والتعبير مكفولة لكل مواطن ، وله أن يعبر عن رأيه بكافة الطرق كالقول والكتابة والتصوير والرسم وغيرها من وسائل التعبير .
مادة (2)
تشمل حرية الصحافة ما يلي :
1ــ حق إصدار الصحف .
2ــ إتاحة الفرصة للمواطنين لنشر آرائهم .
3ــ حق الصحفيين في الحصول على المعلومات من مصادرها المختلفة وتحليلها والتعليق عليها وتداولها ونشرها في حدود القانون مع الحفاظ على قيم المجتمع وأخلاقه وأمنه القومي .
4ــ حق الصحفي في الحفاظ على سرية مصادر المعلومات .
5 ــ حرية التعبير عن الرأي والفكر دون قيود إلا ما تعلق بأمن المجتمع وأخلاقه وقيمه على الوجه المقرر قانوناً .
مادة (3)

يحظر فرض الرقابة المسبقة أو اللاحقة على الصحف ، كما تحظر مصادرة الصحف بالطريق الإداري أو إغلاقها أو تعطيلها أو إلغاؤها بغير حكم قضائي نهائي وفي الأحوال التي يجيزها القانون .
ولا يجوز منع الصحف التي تصدر بالخارج من الدخول والتداول بالوطن إلا إذا تضمنت مواد ماسة بالأمن القومي أو بالنظام العام والآداب . ويصدر قرار المنع من الوزير المختص الذي يعرضه على القضاء المستعجل لإقراره أو إلغائه في خلال أربع وعشرين ساعة .
وتصدر المحكمة حكمها في ذات جلسة العرض . ويعتبر قرار المنع لاغياً في حالة عدم عرضه على القضاء المستعجل في الأجل المذكور أو في حالة صدور حكم بإلغائه .
تملك الصحف وإصدارها
مادة (4)

حق تملك الصحف وحرية إصدارها مكفولان للأشخاص الطبيعيين وكذلك للأشخاص الاعتبارية العامة والخاصة من المواطنين وحاملي جنسية إحدى الدول العربية كاملي الأهلية .


مادة (5)

على من يرغب في إصدار صحيفة ان يخطر بذلك الجهة الإدارية المختصة بإخطار كتابي . وعلى الجهة الإدارية الرد على الإخطار بالموافقة أو الاعتراض خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تسلمه وإلا اعتبرت موافقة .
وفى حالة اعتراض الجهة الإدارية فيجب أن تخطر طالب الإصدار كتابة بذلك وأن ترفع الدعوى بتأييد الاعتراض على إصدار الصحيفة أمام المحكمة المختصة في موعد لا يتجاوز الثلاثين يوماً التالية لإخطار طالب الإصدار به . ولا يترتب على الاعتراض أو على رفع الدعوى وقف إصدار الصحيفة ما لم يصدر حكم قضائي نهائي بذلك .
وتحدد اللائحة التنفيذية لهذا القانون شروط وأوضاع الأخطار .

مادة (6)

لا يجوز للحكومة أو لأي من الأشخاص الاعتبارية العامة أن تتملك حصة تزيد عن الربع في رأسمال أية صحيفة وذلك فيما عدا الصحف والنشرات المهنية والعلمية والمتخصصة .
حقوق الصحفيين
مادة (7)

الصحفيون مستقلون لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون ومبادئ أخلاق مهنتهم وضميرها .
مادة (8)

يحظر المساس بأمن الصحفي بسبب مباشرته عملاً من أعمال مهنته .
ويعتبر ماساً بأمن الصحفي بصفة خاصة ما يلي :
أ ــ تعريض الصحفي لأي ضغط أو إكراه من أي جهة بهدف التأثير عليه .
ب ــ الضغط على الصحفي من أجل حمله على إفشاء مصادر معلوماته ولو كان ذلك في إطار تحقيق جنائي .
ج ــ القبض على الصحفي أو حبسه احتياطياً أو اعتقاله أو سلب حريته بأي صورة من الصور بسبب ممارسته مهنته .
د ــ حرمان الصحفي من أداء عمله أو من الكتابة أو النشر بغير مقتضى ، وذلك مع عدم الإخلال بما هو متعارف عليه من سلطة رئيس التحرير من تقرير مناسبة النشر وفقاً لأصول المهنة .
هـ ــ نقل الصحفي إلى مهنة غير مهنته سواء داخل الصحيفة التي يعمل بها أو خارجها ، أو نقله إلى عمل صحفي آخر أقل في المرتبة الأدبية أو المالية ، وكذلك نقله إلى صحيفة أخرى دون موافقته الكتابية .
و ــ حرمان الصحفي دون مبرر قانوني من أية ميزة مالية مقررة له بما في ذلك العلاوات والترقيات والحوافز .
مادة (9)

لا يجوز تعريض الصحفي للمساءلة التأديبية بسبب ممارسة مهنته ما لم يخالف القانون أو تقاليد المهنة أو آدابها المنصوص عليها في ميثاق الشرف الصحفي . وتختص نقابة الصحفيين وحدها دون غيرها بمساءلة الصحفي مهنياً .
مادة (10)

للصحفي الحق في الحصول من أية جهة حكومية أو عامة على المعلومات والإحصائيات والبيانات من مصادرها وله حق نشرها .
كما أن له حق الاطلاع على كافة الوثائق الرسمية وان يتلقى الإجابة من الجهات المسئولة عما يستفسر عنه من معلومات .
ولا يجوز لغير مقتضيات الدفاع عن الوطن وحماية الأمن القومي فرض قيود على حرية تداول المعلومات عامة أو بما يحول دون تكافؤ الفرص بين مختلف الصحف ووسائل الإعلام في الحصول على المعلومات .
ويعاقب كل من تثبت مسئوليته عن تعطيل حق الصحفي في الحصول على معلومات بغرامة لا تقل عن ( ) ولاتزيد عن ( ) فضلاً عن مسئوليته المدنية في تعويض الصحفي والغير عما سببه حجب المعلومات من إضرار إن كان لذلك وجه .
مادة (11)

للصحفي في حدود تأديته لعمله الحق في حضور الاجتماعات العامة وجلسات المحاكم وجلسات المجالس النيابية والمحلية والجمعيات العمومية للنقابات والاتحادات والنوادي والجمعيات وغيرها من مؤسسات عامة ما لم تكن تلك الجلسات أو الاجتماعات مغلقة أو سرية بحكم القوانين أو اللوائح .

ويعاقب كل من يعطل حق الصحفي في حضور الاجتماعات العامة على النحو الوارد في هذه المادة بالغرامة التي لا تقل عن ( ) ولا تزيد عن ( ) فضلاً عن تحمله للمسئولية المدنية إذا كان لها وجه .
مادة (12)

شرط الضمير : من حق الصحفي إنهاء عقد عمله بالصحيفة بإرادته المنفردة دون تنبيه أو إنذار مع حقه في التعويض المناسب إذا طرأ تغير جذري في سياسة الصحيفة بما يخالف معتقدات الصحفي ويغير بالتالي من الظروف التي في ظلها إبرم عقد العمل .
مادة (13)

يكون لكل صحيفة رئيس تحرير مسئول يشرف إشرافاً فعلياً عما ينشر بها ، وعدد من المحررين يشرف كل منهم على قسم من أقسامها .
ويشترط في رئيس التحرير والمحررين أن يكونوا أعضاء مقيدين بجدول المشتغلين بنقابة الصحفيين لم يسبق الحكم عليهم في جريمة مخلة بالشرف أو الأخلاق .
ويستثنى من شرط عضوية نقابة الصحفيين رؤساء تحرير ومحررو النشرات غير الدورية والصحف المهنية والمتخصصة التي تصدرها المؤسسات العلمية والنقابات والهيئات الأخرى التي تحددها نقابة الصحفيين .
واجبات الصحفيين
مادة (14 )

يلتزم الصحفي فيما ينشره باحترام الدستور والقانون مراعياً في كل أعماله مقتضيات الشرف والأمانة والصدق وآداب مهنة الصحافة وتقاليدها ، بما يحفظ للمجتمع مثله وقيمه وبما لا ينتهك حقاً من حقوق المواطنين أو يمس إحدى حرياته . وعليه أن يمتنع عن الانحياز إلى الدعوات العنصرية أو المتعصبة أو المتطرفة أو المعادية لمبادئ حقوق الإنسان ، وعن امتهان الأديان أو الدعوة إلى كراهيتها أو الطعن في إيمان الآخرين أو الدعوة إلى التمييز بين بعض فئات أو طوائف المجتمع أو الحط منها أو ازدرائها .
كما يلتزم الصحفي بصفة خاصة بميثاق الشرف الصحفي الصادر عن نقابة الصحفيين ، ويساءل
الصحفي تأديبياً عن الإخلال بهذه الالتزامات .
مادة (15)

لا يجوز للصحفي أن يتعرض للحياة الخاصة للمواطنين .
ومع ذلك فنقد الحياة الخاصة للمشتغل بالعمل العام ونقد أعمال وسلوكيات الموظف العام أو الشخص ذي الصفة النيابية العامة أو المكلف بخدمة عامة مباح ما دام يستهدف المصلحة العامة .
مادة (16)

إعمالاً لحق الرد يجب على رئيس التحرير المسئول ان ينشر بناء على طلب ذوي الشأن تصحيح ما سبق نشره من وقائع أو من تصريحات تتعلق بهم .
ويجب نشر التصحيح خلال الأيام الثلاثة التالية لاستلامه أو على الأكثر في أول عدد يظهر للصحيفة و في نفس المكان وبنفس الحروف ، التي نشر بها المقال أو الخبر أو المادة الصحفية المطلوب تصحيحها .
ويكون نشر التصحيح بدون مقابل إذا لم يتجاوز مساحة المقال أو الخبر المنشور .
فإذا جاوزه كان للصحيفة الحق في مطالبة صاحب الشأن قبل النشر بأجر المقدار الزائد على أساس تعريفة الإعلانات المقررة .
ويرسل طلب التصحيح من صاحب الشأن إلى رئيس التحرير مرفقاً به ما قد يكون متوفراً لدية من مستندات .
مادة (17)

يجوز الامتناع عن نشر التصحيح في الأحوال الآتية :
1ــ إذا وصل التصحيح إلى الصحيفة بعد مضي ثلاثين يوماً من تاريخ النشر الذي اقتضاه .
2ــ إذا سبق للصحيفة ان صححت بنفس المعنى الوقائع أو التصريحات التي اشتمل عليها المقال أو الخبر أو المادة المطلوب تصحيحها .
3ـ إذا كان التصحيح محرراً بلغة غير التي كتب بها المقال أو الخبر أو المادة الصحفية .
ويجب الامتناع عن نشر التصحيح إذا انطوى على جريمة يعاقب عليها القانون أو على مخالفة للآداب العامة .
مادة (18)

يعتبر قيام الصحيفة بنشر التصحيح وفقاً لاحكام القانون بمثابة التعويض المناسب للمضرور عن الضرر الذي إصابة ان كان لذلك وجه .
مادة (19)

تعتبر الصحف مسئولة بالتضامن مع محرريها عما قد يلزمون به من تعويضات للغير من جراء النشر بالصحيفة .
مادة ( 20 )

يحظر على الصحيفة تناول ما تتولاه سلطات التحقيق أو المحاكمة بما يؤثر على صالح التحقيق أو سير المحاكمة .
وتلتزم الصحيفة بعدم إبراز أخبار الجريمة وعدم نشر أسماء وصور المتهمين أو المحكوم عليهم في جرائم الأحداث والدعارة والفسق .
وتلتزم الصحيفة بنشر بيانات النيابة العامة وكذلك قراراتها بحفظ التحقيق والأحكام الصادرة في القضايا التي تناولتها بالنشر مع موجز واف للأسباب التي تقام عليها .
مادة (21)

لا يجوز للصحف نشر ما يجري في الدعاوى التي تقرر الحاكم نظرها في جلسة سرية ، أو نشر مداولات المحاكم ، أو نشر ما يجري في الجلسات العلنية بالمحاكم على نحو يخالف الحقيقة .
مادة (22)

لا يجوز للصحف نشر ما يجري من مناقشات في الجلسات السرية للمجالس النيابية أو نشر ما يجري في الجلسات العلنية على نحو يخالف الحقيقة .
مادة (23)

يحظر على الصحيفة أو الصحفي قبول تبرعات أو إعانات أو مزايا خاصة من جهات أجنبية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وتعتبر أي زيادة في أجر الإعلانات التي تنشرها هذه الجهات عن الأجور المقررة للإعلان بالصحيفة إعانة غير مباشرة .
ويعاقب كل من يخالف ذلك بغرامة لا تقل عن ( ) ولا تزيد عن ( ) وتحكم المحكمة بإلزام المخالف بأداء مبلغ يعادل ضعف التبرع أو الميزة أو الإعانة التي حصل عليها على أن يؤول هذا المبلغ إلى صندوق معاشات نقابة الصحفيين .
مادة (24)

يحظر على الصحف نشر إي إعلان تتعارض مادته مع قيم المجتمع وأسسه ومبادئه أو آدابه العامة أو رسالة الصحافة وأهدافها .
ويجب الفصل بصورة كاملة وبارزة بين المواد التحريرية والإعلانية .
مادة (25)

لا يجوز للصحفي إن يعمل في جلب الإعلانات أو تحريرها أو أن يحصل على أي مبالغ مباشرة أو غير مباشرة أو مزايا عن مراجعة أو تحرير أو نشر الإعلانات بأية صفة . ولا يجوز أن يوقع باسمه مادة إعلانية .
مادة (26 )

تلتزم جميع الصحف والمؤسسات الصحفية بنشر ميزانياتها . وتتولى الجهة الإدارية المختصة بصفة دورية مراجعة دفاتر مستندات المؤسسة الصحفية للتحقق من سلامة ومشروعية إجراءاتها المالية والإدارية والقانونية .

فى المسئولية عن جرائم النشر
مادة (27)

حق النقد وحرية إبداء الرأي والتعبير عنه مكفولان . ولا جريمة إذا نشر الصحفي بحسن نية ما يعتقد بصحته بعد توخي الحذر والحيطة الواجبة . وعلى من يطعن في صحة خبر أو واقعة منشورة عبء إثبات الكذب وعلم الصحفي بذلك .
مادة (28 )

تلغى العقوبات المقيدة للحرية في الجرائم التي تقع بواسطة الصحف المنصوص عليها في كافة القوانين ويكتفي بعقوبة الغرامة على أن يضاعف الحد الأدنى والحد الأقصى للغرامة المنصوص عليها .
مادة (29)

المسئولية الجنائية عن جرائم النشر مسئولية شخصية ولا يسأل رئيس التحرير جنائياً إلا إذا قام الدليل على حصول النشر بموافقته وتعذرت معرفة الصحفي المسئول عن النشر .
مادة (30)

لا تكون المعلومات والبيانات والأوراق والوثائق التي يحوزها الصحفي ومتصلة بعمله من بين أدلة الاتهام ضده في أي تحقيق جنائي وتلتزم جهات الضبط والتحقيق بتحرير بيان بهذه المستندات يوقع عليها الصحفي وبإعادتها كاملة إليه .
في التحقيق وتحريك الدعوى العمومية
مادة (31)

تنشأ بمحكمة النقض / المحكمة العليا / محكمة التمييز هيئة تحقيق في جرائم النشر تتكون من ثلاثة من مستشاري المحكمة تختارهم جمعيتها العمومية سنوياً بطريق القرعة وتكون رئاستها لأقدمهم . ويكون لها أمانة فنية من عدد كاف من الأعضاء . وتختص هذه الهيئة دون غيرها بالتحقيق بناء على طلب النيابة العامة أو ذوي الشأن في جرائم النشر التي تقع بواسطة الصحف .
وتختص هذه الهيئة وحدها بتحريك الدعوى العمومية ضد الصحفي في الجريمة التي تقع منه بسبب ممارسة مهنته .
مادة (32)

تختص المحاكم العادية دون غيرها بنظر الجرائم التي ترتكب بواسطة النشر في الصحف . وينعقد الاختصاص المحلي للمحكمة التي يقع في دائرتها المركز الرئيسي للصحيفة أو مكتب الصحيفة المعتمد إذا كان المركز الرئيسي للصحيفة يقع خارج البلاد .

-------------------------------------


الإعلام هذه السلطة الجبارة أو السلطة الرابعة , كما يحلو للبعض أن يسميها. حقاً إنها سلطة وأخذت هذه الصفة بكل جدارة واقتدار. لماذا هي سلطة؟ لأنها تدغدغ العواطف وتنشط العقول أو تقتلها وتؤثر في السلوك الإنساني بصورة عامة. حتى أن الفرد وبفعل الأعلام وتأثيره يتحول إلى ما يشبه الآلة يتصرف دون وعي وتركيز في نوع السلوك الذي أقدم عليه ودون إدراك لحجم الضرر المترتب عليه
الإعلام كان مرئياً أو مسموعاً أو مقروءاً يختلف الكثير حول فلسفته وأهدافه وأساليبه. البعض يرى أن الإعلام لزيادة الثقافة , وتوسيع المدارك , ومتابعة الأحداث حال حدوثها ولا غير , لكن فريقاً آخر ينظر للإعلام على أنه وسيلة ترفيه تبدد الملل , وتكسر الروتين , ولا حرج في أن يكون ترفيهاً غير بريء كما يرى هؤلاء.
الفريق الثالث , إزاء الإعلام في أهدافه , يرى أن الإعلام ذو قيمة تربوية ومؤثرة في الناشئة , تبني اتجاهاتهم أو تهدمها , وتشكل عقولهم إزاء كثير من القضايا كما تدفعهم للتصرف نحو أمور دون غيرها. هذا الفريق ينطلق في رأيه هذا من حقائق واقعية , حيث أن الإعلام أصبح شريكاً للوالدين في تربية وتنشئة الأبناء , بل إنه أصبح شريكاً منافساً يقدم لهم خلاف ما يرتضيه الوالدان , ويغرس في النفوس أموراً تتناقض مع وظيفة المدرسة ، حتى أن الأبناء يقضون مع وسائل الإعلام خاصة التلفزيون أوقاتاً طويلة نظراً لإغراءاته وجاذبيته وقد يفوق ما يقضونه في الجلوس أو الحديث مع الوالدين , أو ما تقضونه في القراءة وعمل الواجبات المدرسية .
وإزاء هذه الحقائق يتطلب الأمر أن نسأل هل ما يعرض في الإعلام يخدم ويسهم في بناء الأفراد والمجتمع بناءً سليماً ثقافياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً وقيمياً ؟! وللإجابة على هذا السؤال لابد في البداية من تناول الموضوع من خلال مفهوم أو فلسفة حرية الإعلام التي تطرح حيث يرى الكثير من المهتمين بالشأن الإعلامي أن الإعلام بدون حرية لا يمكن ممارسة دوره والقيام بواجبه حيال مجتمعه وقضايا أمته , ذلك أن تكبيل الإعلام والقائمين عليه يحد من حركتهم ويجعلهم مترددين في عرض الحقائق التي قد تكون موجودة في المجتمع ولا يمكنهم في مناخ لا يتيح هامشاً من الحرية من تقديم الحلول للمشكلات والقضايا أو عرض الأسباب . ولاشك أن موضوع حرية الإعلام قضية شائكة إذ ينظر لها البعض على أساس أنها أمر لابد منه ويجب أن تكون هذه الحرية بدون أي حواجز أو موانع , بينما يرى البعض أن حرية منضبطة وملتزمة بقيم المجتمع , تخدم أهدافه وتحافظ على تماسكه وتتجنب كل ما يمكن أن يحدث الفرقة والشقاق بين أبنائه أو يمس بمصالحه هي الأفضل والأجدى ويرفض هذا الفريق الحرية المطلقة التي لا حدود لها ولا منطلقات واضحة لأن هذه الحرية تحدث الفوضى وتثير القلاقل وتستثير الغرائز .
وتجدر الإشارة في هذا السياق أن الولايات المتحدة الأمريكية ترفع شعار حرية الإعلام وكثيراً ما تجعل من حرية الإعلام في الدول الأخرى قضية تطالب الحكومات وبإصرار وقوة تحقيقها لأنه وفق المفهوم الأمريكي تعتبر حرية الإعلام حقاً لازماً وأسلوباً مشجعاً على المشاركة الشعبية , لكن الغريب في الولايات المتحدة الأمريكية أنها غيبت هذا الحق وحرمت وسائل إعلامها من حرية تغطية نتائج الحرب المدمرة في كل من أفغانستان والعراق ومن غير المسموح للإعلام الأمريكي أن يغطي أو ينشر بعض الصور حول القتلى الأمريكان أو ضحايا العدوان الأمريكي وذلك توظيفاً لمبدأ مصلحة الأمة الأمريكية , لكن هذا المبدأ يغيب لدى الساسة الأمريكان عند الحديث عن الإعلام في الدول الأخرى بل إن الأشنع في هذا الأمر قتل الصحفيين ورجال الإعلام من قبل القوات الأمريكية على الساحة العراقية حيث قتل العشرات منهم . ومهما يكن الأمر فإن الرقابة الرسمية لا تعلو ولا تصل إلى مستوى الرقابة والضبط الذاتي الذي يمارسه الإعلامي ويشعر من خلاله بمسؤوليته نحو مجتمعه وقيمه وفي مثل هذه الحالة تكون الممارسة الذاتية منضبطة وتخدم المصلحة العامة وهذا ما لمسناه لدى منسوبي الإعلام الأمريكي الذين جعلوا من مصلحة وطنهم فوق كل اعتبار وغابت حينها حرية الإعلام عدا بعض الكفشات التي لابد منها بغرض استمرار مفهوم حرية الإعلام رائجاً من أجل محاسبة الآخرين بناءً عليه .
أما الإعلام العربي فإن وقفة تأمل في الواقع تكشف أن الإعلام الجيد , والحميد موجود على الساحة , وله جمهوره , وآلياته , لكنه يجد منافساً شرساً من إعلام هدام غايته إثارة الغرائز , وتكريس سلوك الاستهلاك ، وتقديم نماذج سيئة في سلوكها , وتصرفاتها , حتى تحولت هذه النماذج إلى قدوة يحتذي بها الشباب , والناشئة في ملبسهم , ومظهرهم , وكافة شؤون حياتهم.
أمثلة من ممارسات بعض وسائل الإعلام العربي المحيرة للعقل تكشف لنا الدور السلبي الذي تمارسه هذه الوسائل أو بعضها على وجه الدقة. التلفزيون الواقعي والذي وظفته إحدى القنوات التلفزيونية لنقل مشاهد من تجمع شبابي يعيشون في وادي مع الموسيقى , والطرب , والعبث , وإضاعة الوقت, ماذا يمكن أن يحدث هذا البرنامج من تأثير على المشاهدين ؟ هل هذا البرنامج سيثير طموح المشاهدين ؟ وهل ستتشكل لديهم الرغبة , والهمة لنيل المعالي , والسير في طريق العلماء , والباحثين والمستكشفين , أم أنهم سيقلدون من يشاهدونهم من شباب وشابات ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا محل فرجة للآخرين , وهم يتمايلون , ويصفقون بأيديهم , وعقولهم وحسبي بهم لا يجيدون غير ذلك.
مثال آخر توقفت عنده طويلاً متأملاً ومتسائلاً حول الهدف من ذلك البرنامج حيث عرضت إحدى الفضائيات العربية مقابلة مع أحد الشاذين جنسياً تحاوره وتناقشه في حياته وعلاقاته ، لكني والحقيقة , وإن كانت مرة , لابد أن أقول إني لم أجد سبباً واضحاً لتلك المقابلة ذلك أن تلك المقابلة لا تعدو أن تكون ترويجاً لهذه الفئة , وحياتها الشاذة المنافية للطبيعة البشرية , ولا غير ذلك. فهل يراجع القائمون على هذه الوسائل الإعلامية والمشاركون فيها ما يقدمون من برامج حتى نضمن آثاراً تربوية حميدة تنعكس على المجتمع بصورة عامة , ومتابعي الوسائل الإعلامية بوجه خاص , ولا ننسى في هذا الصدد مفهوم القدوة كأحد المفاهيم السائدة في التربية خاصة عندما يكون المشاهدين من الأطفال وغير الناضجين وتقدم لهم هذه النماذج على أساس تميزها وتفوقها ولدعم سبيل الإيحاء فالطفل قد لا يستطيع تمييز الغث من السمين في هذه البرامج التي تعرض عليه .
ماذا لو أن تلك الفضائية عرضت للمشاهدين صورة حية عن حياة البحر والأحياء الموجودة فيه سواء كانت نباتية أو حيوانية وماذا لو عرضت برنامجاً عن مجاهل أفريقيا وغاباتها أو الحياة في القطب أو سيبيريا وما إلى ذلك من مواضيع تشد المشاهد و تفيده في ذات الوقت بدلاً من شد انتباهه وتفريغ عقله من محتواه الإيجابي وملئه بمحتوى سلبي مضر ، أليس هذا أجدى لشبابنا وامتنا بدلاً من أن تنفق الأموال على أمور ليس لها مردود سوى العبث والضياع. وماذا لو أن الفضائية الأخرى أجرت مقابلة مع عالم في مختبره تكشف لنا حياته بصورة عامة وبرنامجه اليومي بشكل خاص وهو يتابع أبحاثه وتجاربه ، أليس المجتمع بحاجة لهؤلاء كي يكونوا قدوة لأجيالنا بدلاً من نماذج تهدم ولا تبني وتفسد ولا تصلح في البناء الاجتماعي.

------------------------------------

spisos
11-04-2009, 16:35
رد إلى taar:



*******s:


1 The legislative branch
2 The executive branch
3 Political parties and Australian politics
3.1 The role of parties in Australian politics
3.2 Political parties in Australia today
3.3 The History of Australia's political parties
4 Contemporary Australian national politics
5 Administrative divisions
6 See also
7 References
7.1 Reading
7.2 Australian politics blogs, opinion pages and news sites

:Politics of Australia

the politics of Australia take place within the framework of parliamentary democracy. Australia is a federation and a constitutional monarchy, and Australians elect state and territory legislatures based on the Westminster tradition, as well as a bicameral Parliament of Australia, which is a hybrid of Westminster practices with the uniquely federalist element of the Australian Senate


The legislative branch
Main article: Australian electoral system
At the national level, elections are held at least once every three years. The Prime Minister can advise the Governor-General to call an election for the House of Representatives at any time, but Senate elections can only be held within certain periods prescribed in the Constitution. The last general election was in November 2007. The Parliament of the Commonwealth of Australia consists of two chambers:

The House of Representatives has 150 members, elected for a three year term in single-seat constituencies with a system of alternative vote known as full preferential voting.
The Senate has 76 members, elected through a preferential system in 12-seat state constituencies and two-seat territorial constituencies with a system of single transferable vote. Electors choose territorial senators for a three-year term. The state senators serve for a six-year term, with half of the seats renewed every three years.
The voting system for the Senate underwent a significant change in 1948. Prior to that date Senate elections were conducted using a 'first past the post' voting arrangement. This could result in landslide victories to one political party under relatively small changes in the popular vote, as well as periodically resulting in a Senate with a large majority of opposition Senators. The change to a preferential system of voting has resulted in the numbers of Senators from each party more closely reflecting the numbers of votes the party list received, and a more balanced composition of the chamber. For most of the last quarter of a century, a balance of power situation has existed, whereby neither government nor opposition has controlled the Senate, with governments needing to seek the support of minor parties or independents to secure their legislative agenda.

The ease with which minor parties can secure representation in the Senate compared to the House of Representatives has meant that such parties have focussed their efforts on securing upper house representation, both at the national and state level (the two territories are unicameral). They have usually been unable to win seats in the House of Representatives (the Greens won a House seat at the 2002 Cunningham by-election, but lost it in the 2004 general election). Minor parties do however affect lower house politics through their recommendations to voters regarding which party should receive voters' preferences, a strategy regarded as decisive in the outcome of the 1990 federal election.[1] A focus on the upper house has moulded the platforms and politics of minor parties, for which an upper house brokering role is the best opportunity to affect legislative outcomes. The demands placed on parties by this role can cause internal tensions within, and external pressure on, these parties, demonstrated by the splits within, and political decline of, the Australian Democrats.

Because legislation must pass both houses in order to become law, it is possible for there to be disagreements between the houses that can stymie government bills. Such deadlocks are resolved under section 57 of the Constitution, under a procedure called a double dissolution election. Such elections are rare, not because the conditions for holding them are seldom met, but because they can pose a significant political risk to the government that calls them. Of the six double dissolution elections held since federation, half have resulted in the fall of the government that called them. Only once (in 1974) has the full procedure for resolving a deadlock been followed, with a joint sitting of the two houses being held after the election to deliberate upon the bills that originally led to the deadlock


The executive branch


Main articles: Government of Australia, Monarchy of Australia, and Cabinet of Australia
Reflecting the influence of the Westminster tradition of British government, Australian government Crown ministers are drawn from amongst the elected members of parliament.[2] The government is formed by the party or parties that have the confidence of the majority of members of the House of Representatives. In practice, this has equated to the party or coalition of parties that holds a majority of seats in that chamber.

By convention, the Prime Minister is always a member of the House of Representatives. On the only occasion that a Senator was made Prime Minister (John Gorton in 1968), Gorton immediately resigned and contested a seat in the House of Representatives.

The same high degree of discipline that characterises Australian party politics extends to the executive, where all ministers individually defend collective government decisions, and individual ministers who cannot undertake the public defence of government actions are generally expected to resign from the ministry. Such resignations are even less common than breaches of cabinet solidarity. The rarity of public disclosure of splits within cabinet reflects the seriousness with which internal party division is regarded in Australian politics.


Political parties and Australian politics


Organised, national political parties have dominated Australia's political environment and parliament since federation. Politics since 1900 can be characterised by the rapid and early rise of a party representing organised, non-revolutionary workers – the Australian Labor Party – and the coalescing of non-Labor political interests into two parties: a centre-right party that has been predominantly socially conservative and with a base in business and the middle class (now the Liberal Party of Australia); and a rural or agrarian conservative party (now the National Party of Australia) (see following sections for more detail). While there are a small number of other political parties that have achieved parliamentary representation, these three parties dominate organised politics in all Australian jurisdictions, and only on rare (and generally short-lived) occasions have any other parties or independents played a role in the formation or maintenance of governments.

Whether Australia's political system should be characterised as a 'two-party system' is a matter of debate, and can be said to vary to some degree from jurisdiction to jurisdiction. Of Australia's three main parties, two (Liberal and National) are in long-standing coalition at the national level – however they are not always in coalition at the state level, and the Liberal Party is not always the senior partner (the National Party predominates in the state of Queensland). However, as the National Party only ever considers a coalition or similar arrangement with one of the other two parties (ie. Liberal),[3] the system might be regarded as a two-party one in terms of choices of government, even though voters in some electorates may have a choice between three candidates with realistic chances of being elected to office.

Despite the entrenched role of formal parties in Australian politics, they are 'almost totally extra-legal and extra-constitutional'.[4] In contrast to some other countries, such as the United States, Australian political parties and their internal operations are relatively unregulated. There is however a system of party registration through the Australian Electoral Commission and its state and territory *****alents, including reporting of some aspects of party activities, principally the receipt of major donations.



Political parties in Australia today


For other political parties see List of political parties in Australia. An overview on elections and election results is included in Elections in Australia.


Major parties:

The Australian Labor Party (ALP) is a social democratic party founded by the Australian labour movement and broadly represents the urban working class, although it increasingly has a base of middle class support. The Australian Labor Party currently governs.
The Liberal Party is a party of the centre-right which broadly represents business, the suburban middle classes and many rural people. Its junior coalition partner is the National Party of Australia, formerly the Country Party and now known for electoral purposes as "The Nationals", a conservative party which represents rural interests. Their NT counterpart is the Country Liberal Party. They are collectively known as the Liberal/National coalition.


Minor parties include :


The Australian Greens a green and socially progressive party
The Family First Party, a socially conservative party
The list of political parties in Australia comprises the names and federal leaders of significant political parties as well as the names of other parties, including formerly significant parties.


[edit] The History of Australia's political parties
Australian politics operates as a de facto two-party system. Unlike in the United States, however, internal party discipline is extremely tight. Australia's system was not always a two-party system, however, nor was it always as internally stable as in recent decades


Contemporary Australian national politics
The Australian Labor Party came to power in the November 2007 election, ending John Howard's 11 years in office as Prime Minister and head of Liberal/National coalition government. The Labor Party now holds a majority in the House of Representatives. The Senate, however, reverted to its prior state, with the balance of power being held by minor parties.

More info: Australian federal election, 2007


Administrative divisions


In the states and territories, elections are held at least once every four years (except in Queensland, which has three-year terms). In New South Wales, Victoria, South Australia and the Australian Capital Territory, election dates are fixed by legislation. However, the other state premiers and territory Chief Ministers have the same discretion in calling elections as the Prime Minister at the national level. (See Main articles: Australian electoral system, Electoral systems of the Australian states and territories).

Regional or local government within each state is handled by Local Government Areas and unlike other *****alent forms of local government, they have relatively little power compared to the state governments (See Main article: Local government in Australia).


See also
Politics portal
List of Australian ministers
Politics of Australia and Canada compared
Politics of Australia and New Zealand compared
Canberra Press Gallery
Political donations in Australia
Political families of Australia


References


^ Timothy Doyle and Aynsley Kellow, Environmental Politics and Policy Making in Australia, Macmillan, Melbourne, 1995, pp 130-131
^ Section 64 of the Australian Constitution. Strictly speaking, they may be drawn from outside, but cannot remain a minister unless they within three months become a member of one of the houses of parliament.
^ Dean Jaensch, Power Politics: Australia's Party System, Allen & Unwin, Sydney, 1994, p. 11.
^ Dean Jaensch, Power Politics: Australia's Party System, Allen & Unwin, Sydney, 1994, p. 2.


Reading


Department of the Senate, 'Electing Australia’s Senators', Senate Briefs No. 1, 2006, retrieved July 2007
Rodney Smith, Australian Political Culture, Longman, Frenchs Forest NSW, 2001.

[edit] Australian politics blogs, opinion pages and news sites
My Perspective Australia's most comprehensive political discussion site. Featuring articles, political information, a forum and much more.
Australianpolitics.com News, reference articles, and many other resources, maintained by teacher Malcolm Farnsworth
ozpolitics Australian politics information, blog and feed site, unknown originator
Australian Government and Politics Database maintained by Campbell Sharman of University of Western Australia

spisos
11-04-2009, 16:59
رد إلى zak19i:

المذهب الفيزيوقراطي(Physiocrats)المذهب الطبيعي''':

المطلب الأول: نشأته

الفيزيوقراطية مذهب نشأ في فرنسا في القرن الثامن عشر، وذهب أصحابه إلى القول بحرية
الصناعة والتجارة وبأنّ الأرض هي مصدر الثروة آلها( ) .
المطلب الثاني :رواده(مؤسسه(

آان طبيب ، (Quesnay)،)1778 - زعيم هذا المذهب هو الدآتور فرنسوا آيناي، ( 1694
لويس الخامس عشر.
، (Murabeau) و ميرابو ، (Mercier De La Riviere) ومن أنصاره مرسييه دلاريفير
وأطلق عليهم الطبيعيون، لأعتقادهم بسيادة ، (Dupont de Nemours) وديبون دي تيمور
القوانين الطبيعية، وقد أنتقدوا مذهب التجاريين) المرآنتلية) الذين اعتبروا ثروة الأمم أنما
تقاس بما تملكه من معادن نفيسة (الفضة والذهب)، وقالوا بان هذين المعدنين ليسا غاية
النشاط [[اقتصاد|الاقتصادي]] وانما هما وسيلة له( ) .
المطلب الثالث: مبادئ المذهب الطبيعي '''الفيزيوقراطية '''

وهي:
يستمد قواعده من العناية الإلاهية ، (Natural ordre) *الاعتقاد بوجود نظام طبيعي
وهي ليست من صنع البشر. ،(Providentiel ordre)
وإن هذه القواعد أو القوانين يمكن أن تسري من تلقاء نفسها دون تدخل الإنسان.
*أساس النظام في المذهب الطبيعي هو الملكية الفردية، والحرية الاقتصادية، وشعار
الطبيعيون) الفيزوقراطيون) هو:
3
(Laissey Passer, Laissey Fair). دعه يمر دعه يعمل
*العمل الزراعي هو العمل المنتج الوحيد ، والزراعة هي التي تغل ناتجا صافيا، وإن
الصناعة والتجارة هما عبارة عن أعمال خدمية غير منتجة.
وآانوا يسمون التجار والصناع وأرباب المهن بالطبقة العقيمة غير المنتجة، لأنها لا تخلق
ثروة جديدة، ولهذا فإن أهم ما ترتب على نظرية الفيزوقراط أو المذهب الطبيعي من نتائج
أنها اختصت بالضريبة|ضرائب.
وطالما إن الأرض هي مصدر الثروة فيجب أن تقتصر عليها الضريبة فحسب.
وآان من رأيهم أن تكون السلطة الدستورية مطلقة للملك وأن تسند هذه السلطة إلى مستبد
وآانوا يطالبون ، (Physiocrates) عادل. وتكون مهمته توجيه الأفراد نحو النظام الطبيعي
بأن تكون الحكومة ملكية ووراثية مطلقة .
(Économistes). ( ) وآان الفيزوقراط يسمون أنفسهم آذلك بالاقتصاديين
المطلب الرابع: أهم الانتقادات

أهم ما يوجه من انتقاد نحو '''المذهب الطبيعي''' الفيزوقراطي هو تعريفهم ناتج مادي|لإنتاج
بأنه خلق مادة جديدة، إذ أن ناتج مادي|لإنتاج في حقيقته هو خلق منفعة أو زيادتها لا خلق
مادة جديدة، آذلك أنتقد رأيهم باقتصار الضريبة على الأرض، إذ أن ذلك إجحافا بطبقة
الزراع والفلاحين، بالإضافة لكون هذه الضريبة لا تكفي لمواجهة نفقات الدولة لوحدها.
آان المذهب الطبيعي ينسب الأرض القيمة الاقتصادية الكبرى، فأعطى المذهب الكلاسيكي
هذه القيمة للعمل، وليس مرد ذلك إلى الانتقال من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي
فحسب، بل إنه ليعبر عن رغبات الطبقة الجديدة التي تريد أن تفرض نفوذها المالي على
المجتمع، وتستأثر بالعمال الذين آانت غالبيتهم تعمل في الزراعة( ) .

المراجع:

حسن النجفي، القاموس الاقتصادي، بغداد، سنة 1977 م.
2- http://ar.wikipedia.org/w/index.php.
3- جون سوليفان، آليات السوق والتطورات الديمقراطية.

spisos
11-04-2009, 17:18
رد إلى yyy:

تحديد الجمهور المستهدف في الحملة الإعلامية

إن الجمهور هو العنصر الرئيسي في عملية الاتصال و الذي يعمل
المصممون في الحملات الإعلامية الوصول إليه و التأثير فيه وأن المبدأ الأساسي
في العملية الاتصالية هو (أعرف جمهورك) ومعرفة الجمهور من الأسس الهامة
لنجاح الحملة الإعلامية، لأنه إن لم تستطيع أن تصل إلى الجمهور فلن تستطيع
.( التأثير فيه( 1
ومن المعروف أن تحديد الجمهور بدقة يزيد من فاعلية الرسالة الإعلامية ومن الأسس
الرئيسية لتصميم الحملات الإعلامية، بحيث لا يشكل هذا الجمهور أي مقاومة أو عداء
.( لأهداف الحملة وأفكارها بما يفرض توافقا مع الثقافات والمعاير والقيم الاجتماعية( 2
لذلك إن أكبر خطأ يؤدي إلى فشل كثير من الحملات الإعلامية باختلاف أنواعها هو
أن تخطط الحملة إلى جمهور يختلف عن الجمهور المستهدف، فعلى سبيل المثال،
كان الفكر السائد عند مخططي حملة المباعدة بين الولادات في سلطنة عمان أن
الجمهور المستهدف هو المرأة، وربما كان لوجود مجموعة من الخبراء الأجانب
الذين ساهموا في الإعداد لهذه الحملة الأثر الأكبر على وجود مثل هذا التصور، ثم
اتضح بعد ذلك عن طريق جماعات النقاش و الدراسات الميدانية الأولية أن الرجل
وليس المرأة في المجتمع العماني هو صاحب القرار في مسألة الإنجاب و تتابع
الولادات، ولذلك بدأ المصممون يعدون النظر في نوع الرسالة الإعلامية التي
ستوجه للجمهور.
إن تحديد الجمهور مهم جدا في صياغة وتحديد نوعية الرسالة التي يمكن
أن تأثر فيه وفي الوقت والوسيلة المناسبة لبث ونشر مثل تلك الرسائل.



------------------
1 فؤد عبد المنعم البكري، التسويق السياحي وتخطيط الحملات التروجية، القاهرة، عالم الكتب، 2007 ، ص
.104
، 2 فؤاد عبد المنعم البكرى، التسويق الاجتماعي وتخطيط الحملات الاعلامية، القاهرة، عالم الكتب، 2007
. ص 87
PDF created with pdfFactory Pro trial version www.pdffactory.com
تصميم الحملات الإعلامية...............سنة الثالثة اتصال..............جامعة محمد خيضر بسكرة الجزائر
2


لذلك يجب فهم خصوصيات الجمهور المقصود بهذه الحملة، احتياجاته،
رغباته، عاداته، قيمه، تعرضه لوسائل الإعلام، فهذا يعد ضروريا في أية حملة
.( إعلامية ويتم ذلك عبر خطوتين( 3
1. دراسة الجمهور وتقوم على معرفة الفئات الاجتماعية التي يمسها المشكل
من حيث معرفة احتياجاتهم، رغباتهم، آرائهم، معتقداتهم، اتجاهاتهم، مشاكلهم،
مستوياتهم التعليمية، و الثقافية، أخلاقهم، عاداتهم ومركباتهم السوسيو ديموغرافية،
و البسيكو اجتماعية.
وتظهر أهمية الدراسات المتعلقة بالجمهور من حيث دراسة السمات
الاجتماعية و الفردية للجمهور لتحقيق الأهداف المرجوة حيث أن السلوك
المستهدف من تصميم الحملات الإعلامية يجب أن يتفق بداية مع المعايير و القيم
السائدة التي يخضع لها أو يتبناها الجمهور المستهدف وهذا ما يفسر نجاح بعض
.( الحملات الإعلامية في مجتمعات معينة و عدم نجاحها في مجتمعات أخرى( 4
2. تصنيف الجمهور يعتبر تصنيف الجمهور من مفاهيم الحملات الإعلامية
الأكثر أهمية ذلك أن القائم بالاتصال في الحملة الإعلامية الناجحة هو الذي يدرك
.( توقعات ومخاوف ومشكلات جمهوره( 5
وهناك العديد من الأساليب التي تساهم في التعرف على خصائص الجمهور
.( منها( 6
1. البيانات المتوفرة من واقع الدراسات المتعددة التي تمت بالفعل عن
الجمهور، و البيانات الأساسية الموجودة لدى الجهات الرسمية.

----------------
3 قزادري حياة، المراحل العلمية لإعداد حملة إعلامية، الوسيط في الدراسات الجامعية، الجزء العاشر، دار
. هومة، الجزائر، 2005 ، ص 136
، 4 فؤاد عبد المنعم البكرى، التسويق الاجتماعي وتخطيط الحملات الاعلامية، القاهرة، عالم الكتب، 2007
. ص 87
5 بوروان برهان الدين مريدن، تخطيط حملات التسويق الاجتماعي، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية
. الإعلام جامعة القاهرة، سنة 2001 ، ص 89
6 Russel. Thomas j. and Gann; Advertising Media: A managerial Approach. 2 ed
(U.¨S.a: Irwin. 1988). P. 145
PDF created with pdfFactory Pro trial version www.pdffactory.com
3




2. الأبحاث الإحصائية التي تجرى على عينات ممثلة للجمهور، وتعطي نتائج
دقيقة، وقد تشتمل هذه الأبحاث على المسح الاجتماعي أو بحوث الرأي العام
وغيرها من البحوث التي تكشف عن الجوانب المختلف للجمهور.
لذلك كان من الضروري التعرف على الخصائص الديموغرافية للجمهور
المستهدف من حيث السن و الجنس و المستوى الاجتماعي و المستوى التعليمي و
الدخل حتى يمكن إعداد الرسالة الاتصالية ذات المضمون الجيد المؤثر التي
تتناسب مع خصائص ومميزات الجمهور، إلى جانب التعرف على الخصائص
الجغرافية أماكن الوصول إلى هذا الجمهور واستخدام وسائل الاتصال التي تناسب
.( توزيع الجمهور من حيث تواجده في المناطق المختلفة( 7
3. الأبحاث النوعية التي تتميز بقدرتها على جمع البيانات ومعرفة الاتجاهات
وممارسات الجمهور بشكل أكثر فاعلية من الأبحاث الكمية، وتلعب الخبرة
العلمية دور كبير في تفسير هذه الأبحاث.
وبصورة عامة ينقسم الجمهور إلى نوعين رئيسين:
الجمهور الأولي: وهو الجمهور الرئيسي الذي تسعى الحملة إلى التأثير فيه،
الجمهور الثانوي: و هو الجمهور الذي يمكن أن يساعد في نجاح الحملة بسبب
اتصاله المباشر والغير المباشر بالجمهور الأولي ويمثل قادة الرأي في المجتمع.

--------------------
. 7 فؤاد عبد المنعم البكرى، مرجع سابق، ص 87






تنفيذ و متابعة الحملة الإنتخابية:

الخطة:

مقدمة
شروط تنفيذ الحملة الإعلامية
نموذج عن تنفيذ الحملة الإعلامية
متابعة الحملة الإعلامية
أهمية متابعة الحملة الإعلامية
أهداف متابعة الحملة الإعلامية
قائمة المراجع



مقدمة

إن نجاح الحملة الإعلامية مرهون بنجاح خطواتها المتتابعة و نجاح هذه المرحلة موضوع عرضنا المتواضع _تنفيذ و متابعة الحملة الإعلامية – لا يتأتى إلا بعد نجاح الخطوات السابقة بدءا ب:
• تحديد الإشكالية
• تحديد الأهداف
• تحديد الجمهور المستهدف
• إعداد الرسالة الإعلامية
• وضع الخطة الإدارية و التنظيمية
• تحديد الموارد المتاحة
• وضع جدول زمني لتحقيق الحملة
ثم الخطوة ما قبل الأخيرة وهي تنفيذ و متابعة الحملة الإعلامية ,حيث تبدأ هذه المرحلة بعد الاطلاع على نتائج التجارب و الاختبارات التي تسبق المباشرة بالحملة و التأكد من موضوعية و ايجابية النتائج .يقوم المسؤول عن الحملة بوضع التوقيتات المناسبة للمباشرة بتنفيذ الحملة ,يما وان التوقيت يعتبر العنصر الأساسي لإنجاح الحملة لذلك توضع توقيتات واقعية لبداية الحملة و نهايتها.


1

شروط تنفيذ الحملة الإعلامية

لتنفيذ الحملة الإعلامية شروط يجب مراعاتها من طرف صاحب أو مصمم الحملة و ذلك لضمان وتأكيد نجاح هذه الحملة:
1_ يجب أن يبدأ مصمم الحملة العمل من خلال أكثر الوسائل انتشارا لجذب الجماهير و تعريفهم بموضوعات الحملة ونشر المعلومات عنها و المفترض أن القائمين على الحملة والمخططين لها قد توصلوا لمعرفة أنسب الوسائل الاتصالية وصولا الى الجمهور لتحقيق أهداف الحملة وفق القنوات المختلفة لتقديم المعلومات المتكاملة
2_ استخدام كل الوسائل والبرامج المتاحة في تنفيذ الخطة كلما كان ذلك ممكنا مع الجمع بين نوعين من الاتصال الجماهيري و الشخصي مع الاهتمام بالعوامل الجاذبة للمنشأة أو الهيئة المشرفة على الحملة
3_ أن يوضع في الاعتبار استغلال المناسبات التي يتشوق الجماهير فيها و يستعد نفسيا لتلقي أخبار من وسائل الإعلام وتتبع الأعمال و الأفكار أو الأنشطة لبعض المنشآت المختلفة و هذا الجهد هو جهد العلاقات العامة التي تسعى إلى عقد ( مؤتمرات ,مهرجانات ,زيارات للمضيفين و الجمهور ...) أو طبع كتيبات و مطبوعات خاصة
4_ أن يكون واضحا تحاشي عنصر النسيان عند الجماهير بعد تنفيذ برنامج الحملة و لذلك لابد من الاهتمام بعملية التذكير و استخدام الاستراتيجيات الاتصالية و باستخدام استراتيجيات التكرار و من المفضل وجود مصدر واحد للتحدث باسم المنشأة لتلافي أي تناقض في المعلومات الصادرة عنها و الحرص على الموضوعية و الصدق و عدم المبالغة حتى يصور البرنامج الخاص بالحملة
و موضوعاتها تصويرا حقيقيا و لا يكون هناك تناقض بين الواقع الفعلي و ما يبثه برنامج الحملة .(1)



(1)_فؤاده عبد المنعم .التسويق الاجتماعي و تخطيط الحملات الإعلامية .ص107


5_ اختيار التوقيت الملائم لبدء برنامج الحملة التنفيذية و مراعاة الأحداث السائدة في المجتمع و كذلك جهود المنشات المنافسة أو المشابهة بحيث لا يقلل ذلك من الاهتمام بالحملة و لا يحدث ليس لإساءة اختيار التوقيت الخاص بالحملة .
6_ يجب على مصمم الحملة أ، ينسق بين الرسائل و الوسائل الإعلامية التي تقدمها المنشأة المسؤولة لخلق صورة طيبة لدى الجماهير بحيث تحقق الهدف المطلوب من الحملة الإعلامية و جدولة الحملة ( حجم المدة الإعلامية _ عدد مرات التكرار _ استمرار الحملة زمنيا ) .
7_ يجب أن تقوم الحملة الإعلامية على أساس الإقناع و تقديم المعلومات الصحيحة في إطار احترام حرية الفرد و الجماعة ’,مبتعدة عن الإثارة التي تحرك ردود الفعل الرافضة او المعارضة للتغيير الخاص بالسلوكيات .
8_ أن يكون الموضوع المطروح للحملة لا يمكن معالجته على أنه مشكلة حضارية ,بل هو في الغالب نتيجة لتغييرات اجتماعية و اقتصادية تفرضها مشاكل العصر .
9_ إن مخاطبة العاطفة و إثارة الحماس في نطاق الحملة الإعلامية يعتبر ضروري و عنصرا جيدا ,بل و من الضروري أيضا مخاطبة عنصر المصلحة الشخصية .
10_ ضرورة بناء الحملة الإعلامية على طرح النماذج الايجابية و تفضيلها على الجوانب السلبية المقلقة و المستفزة للجمهور
11_ أن تسبق الحملات دراسات ميدانية كافية يتلوها متابعة على المدى الطويل و أن يؤخذ في الاعتبار تفاوت طبقات الجمهور المستهدف و تقسيم الحملات على أساس معايير زمنية مختلفة
12_ الاستفادة من القيم الدينية و قيم وتقاليد المجتمع الثقافية و الحضارية التاريخية الايجابية في تقديم الحملة و شعاراتها .
13_ ربط الحملة بأسلوب الثواب و العقاب و العمل على تشجيع المشاركة الذاتية للأفراد و المنظمات غير الحكومية في الحملة .(1)
(1)_ فؤاده عبد المنعم .التسويق الاجتماعي و تخطيط الحملات الإعلامية .ص109
3

مراحل تنفيذ الحملة الإعلامية

َ َ1_ مرحلة العرض :

هي عبارة عن تحليل مواقف الجمهور قبل البدء في تنفيذ الحملة أي محاولة معرفة صورة موضوع الحملة لدى الجمهور المستهدف
2_ مرحلة الانتشار :

و يبدأ القائم بالاتصال في هذه المرحلة بممارسة شتى أساليب و وسائل الاتصال المتاحة و الملائمة لكل فئة من فئات الجمهور مستخدما كل الوسائل و الرسائل المعبرة و المؤثرة
3_ مرحلة التركيز :

تعتمد هذه المرحلة على دقة الملاحظة و على استطلاعات الرأي لتقييم المراحل السابقة محاولة بناء إستراتيجية جديدة في هذه المرحلة حتى يتم الوصول الى الجمهور المستهدف
4_ مرحلة الحسم :

و هي مرحلة الهجوم على المنتج المنافس و محاولة التأثير في اتجاهات المعارضين و تحويلها الى مؤيدين و تتميز هذه المرحلة بالمفاجآت .(1)



(1)_زكريا بن الصغير .محاضرات في تصميم الحملات الإعلامية.www.benesghier.

4

نموذج لمراحل تنفيذ حملة انتخابية

1_ مرحلة العرض( جس النبض ): هي عبارة عن تحليل موقف الناخبين قبل الدخول في الحملة الانتخابية من الضروري قبل البدء بالترشح توضيح نقطة البداية عن عرض تقدير و قياس مواقف الناخبين ,بمعنى آخر كما يردها الدكتور زكي محمود هاشم "ما هي صورة المرشح لدى الجماهير ؟" وهل اتجاهات نحو المرشح ايجابية؟ و هل هناك اتجاهات سلبية التي يلزم تحويلها إلى اتجاهات ايجابية؟ومن أمثلة ذلك أن تحل المشاركة الوجدانية و التعاطف و التأييد محل الخصومة و العدوان و القبول محل التعصب و الاهتمام محل اللامبالاة و فتور المشاعر و المعرفة و الفهم محل الجهل (1)
و تجري عملية جس النبض باستخدام عديد الأساليب منها الملاحظة و استطلاعات الرأي و دراسة أو مسح اتجاه هيئة الناخبين مع تتبع كل ما يكتب في الصحف وما يذاع في التلفزيون أو الإذاعة ,كما يقوم المرشح بممارسة بعض الاتصالات التمهيدية بقادة الرأي و المجموعات المؤثرة في هيئة الناخبين و فور التقدم للترشح يبدأ المرشح التقدم لمختلف قطاعات وشرائح الهيئة الانتخابية و لابد من أن يصاحب ذلك برنامج المرشح الانتخابي و يتلازم مع هذه المرحلة تعيين خبراء في الدعاية الانتخابية (2)
2_ مرحلة الانتشار : يبدأ المرشح في المرحلة بممارسة أساليب الاتصال المتاحة و الملائمة لكل فئة من فئات الهيئة الانتخابية مستخدما كل و سائل الاتصال المعبرة و المؤثرة ،و من أهم أساليب الاتصال في هذه المرحلة أسلوب التكرار و الإلحاح
الانتشار العمودي :يكون عن طريق التواصل مع الهيئات و المؤسسات العظمى و كذلك جماعات الضغط التي لها تأثيرات كبرى سواء في عملية الدعم المالي للحملة أو في عملية التأثير في هيئة الناخبين فضلا عن رجال السياسة و العسكريين لما لهم من أثر في عملية الرضا عن المرشح قبل و أثناء و بعد الحملة الانتخابية ( 3).

(1)_زكريا بن الصغير .الحملات الانتخابية مفهومها .وسائلها .وأساليبها .ص55
(2)_المرجع نفسه.ص56
( 3)_المرجع نفسه.ص57


و عملية الانتشار العمودي هنا تعتمد على العلاقات السياسية العامة التي توظف الاتصال الشخصي المباشر بدرجة إذ يرى jean pavl charmes انه من الضروري استعمال العلاقات العامة في إثناء الحملة الانتخابية إذ أنها تعمل على إنشاء علاقة بين المرشح ( الحزب) و مختلف الجماهير ( المناضلين ,و قادة الرأي و
الجماعات الضاغطة و الجمهور الكبير) و توفير الجو الملائم الذي يسعى إلى تحقيق الهدف النهائي للمرشح.(1)
الانتشار الأفقي :يركز هذا المستوى على جمهور الناخبين في محاولة لمسح كل فئات الناخبين و التأثير فيها بمختلف الوسائل المستعملة و المتاحة في الحملة الانتخابية و هذا ما يؤمن للمرشح (الحزب ) من الحملة
3_ مرحلة التركيز :
في هذه المرحلة يقوم مخطط الحملة الانتخابية و بكل دقة بتحديد موقع المرشح المنافس و كذلك موقع هيئة الناخبين منه تحديد قوة تمركز المرشح المنافس و مدى قربه أو بعده عن الفوز , ثم محاولة تحديد فئات المؤدين و المعارضين و المحايدين , إذ يجري التركيز على فئة المحايدين بالدرجة الأولى .
و تعتمد مرحلة التركيز على دقة الملاحظة و على استطلاعات الرأي لتقييم المراحل السابقة و لا سيما مرحلة الانتشار و محاولة بناء إستراتيجية جديدة في هذه المرحلة حتى يتم الوصول إلى أكبر عدد من أصوات الناخبين , كما تمتاز هذه المرحلة بمتابعة حملة المنافسين و الرد على دعايتهم المضادة , ولا يكون ذلك إلا بتخصيص جهاز خاص لرصد تحركات الخصم .
4_ مرحلة الحسم :هي مرحلة الهجوم على المرشح المنافس و محاولة التأثير في اتجاهات المعارضين و تحويلها الى مؤيدين , وذلك عن طريق توجيه النقد الى المرشح المنافس و محاولة النيل من برنامجه الانتخابي ,و توجيه الضربات الدعائية (المشروعة) بحيث لا يوجد الوقت الكافي للرد على تلك الانتقادات ,لان تلك المرحلة تكون خلال الساعات الأخيرة السابقة لعملية التصويت بمعنى الحملة الانتخابية .و كثيرا ما يلجأ بعضهم إلى إخراج المفاجآت

(1) _زكريا بن الصغير .الحملات الانتخابية مفهومها .وسائلها .وأساليبها .ص57



الدعائية خلال المرحلة مثل تأييد أحد الشخصيات المؤثرة للمرشح أو انضمام أحد الجماعات السياسية (مثل ما حدث في تدعيم حركة مجتمع السلم في اللحظات الأخيرة حتى نهاية الحملة الانتخابية للمرشح عبد العزيز بوتفليقة ) أو الدينية أو الاجتماعية , كما يلجأ بعضهم الى ممارسة أساليب الدعاية
المبتكرة خلال هذه المرحلة بقصد التأثير النهائي في هيئة الناخبين .و بما أن هذه المرحلة هي الأخيرة فلا بد للمرشح أو الحزب من لعب أوراقه الأخيرة من أجل إحراز الفوز و ذلك بحسم عملية التصويت قبل أوانها لصالحه .(1)



(1) _ زكريا بن الصغير .الحملات الانتخابية مفهومها .وسائلها .وأساليبها .ص59



متابعة الحملة الإعلامية

تبدأ مرحلة المتابعة والمراقبة منذ اليوم الأول لوضع الحملة وضع التنفيذ , وان المتابعة خلال هذه المرحلة تعد من أهم الأمور المهمة , لأنها تساعد في الوقوف على النجاحات و الإخفاقات و الصعوبات و التعرف على الاحتياجات التي يتطلبها العمل التطبيقي خلال مراحل التنفيذ .(1)
_و كمثال على ذلك الرقابة أو المتابعة خلال الحملات الانتخابية : فهي عبارة عن فحص نتائج الأداء الفعلي و مقارنتها مع الأهداف المسطرة في الخطة كما و نوعا , وعليه فجوهر العملية الرقابية يكمن في قياس الأداء للتأكد من مطابقته للخطط المرسومة و تصحيحه .اذا اثبت انه ينحرف عن الخطة الموضوعة للحملة الانتخابية .و الرقابة عملية شاملة ذلك أنها تنصب في جميع الأنشطة الخاصة بالحملة الانتخابية و أهمها الأفراد العاملين و الوسائل الدعائية وكيفية العمل و صرف الأموال .
فبعد ان كانت وظيفة المراقب أو المتابع وظيفة إصلاحية تشبه وظيفة رجل المطافئ ,الذي ينتظر وقوع خطأ ليقوم بإصلاحه أصبحت وظيفة تسعى للتنبؤ بالخطأ قبل وقوعه و العمل على منعه قدر المستطاع .

و تكمن أهمية المتابعة فيما يلي :
عملية ضرورية للتأكد من حسن سير العمل و التأكد من أن الانجاز يسير حسب ما هو مقرر له في الخطة .
أنها ذات علاقة بكل عنصر من عناصر العملية الإدارية و بشكل خاص التخطيط .
لذلك نجد المتابعة وظيفة ملازمة لوظيفة التخطيط اذ تعتمد على التخطيط اعتمادا كليا و ترتبط ارتباطا وثيقا يكاد يكون ارتباطا عضويا , فهو عملية سابقة و لاحقة لهل , بمعنى انه لا رقابة صحيحة بدون خطة و يمكن للمخطط في هذه الحالة أن يستفيد عن طريق التغذية المرتدة من نتائج القيام بعملية الرقابة في تعديل خططه بما يتلاءم و الأوضاع التى تكشف عنها الرقابة . .(2)

(1)_مصطفى حميد كاظم الطائي .الفنون الإذاعية و التلفزيونية و فلسفة الإقناع .ص121
(2)_ زكريا بن الصغير .الحملات الانتخابية مفهومها .وسائلها .وأساليبها .ص90



ومن بين الأهداف الأساسية للمتابعة هو خضوع كل شيء داخل إدارة الحملة للتوجيه و المتابعة كما أنه تعبير شامل عن الإشراف و قياس الأداء و تعيين المهام المحددة , فمهمة المتابع هنا تنحصر في التنبيه على الخطأ قبل وقوعه فيحول بذلك دون حصوله , أو التنبيه عن الخطأ ند حصوله و لكن قبل استفحال أمره.(1)



(1)_زكريا بن الصغير .الحملات الانتخابية مفهومها .وسائلها .وأساليبها .ص91



أهداف متابعة الحملة الإعلامية


1. خدمة إدارة الحملة و مساعدتها في ضمان أن الأداء يسير على وفق الخطة الموضوعة .
2. توحيد التصرفات اللازمة لتنفيذ الخطة .
3. المساعدة في التخطيط و إعادة التخطيط .
4. تخفيض مخاطر الأخطاء عند وضع الخطة .
5. تحديد مراحل التنفيذ .
6. تحقيق التوازن بين الوحدات و الأقسام التي تشارك في التنفيذ .(1)



(1)_ زكريا بن الصغير .الحملات الانتخابية مفهومها .وسائلها .وأساليبها .ص92




قائمة المراجع

1_زكريا بن الصغير .الحملات الانتخابية مفهومها وسائلها و أساليبها .دار الخلدونية .الجزائر .2004
2_ زكريا بن الصغير .محاضرات في تصميم الحملات الإعلامية
3_ فؤاده عبد المنعم .التسويق الاجتماعي و التخطيط للحملات الإعلامية .ط1.القاهرة .عالم الكتب 2007.
4_ مصطفى حميد كاظم الطائي .الفنون الإذاعية و التلفزيونية و فلسفة الإقناع . ط1. 2007.
5_ http//:www.benesghier.com 24/02/2009 10:48

spisos
11-04-2009, 17:27
رد إلى djamelb19:

اقتصاد الطاقة


اقتصاد الطاقة Economy of Energy، في المفهوم الاقتصادي، تعبير يقصد به إنتاج الطاقة واستثمارها واستهلاكها والعوائد الناجمة عنها، ويشمل ذلك جميع الوسائل والإجراءات التي تهدف إلى زيادة مردود استخدام الطاقة وخفض ضياعها إلى الحد الأدنى من دون التأثير في معدل النمو الاقتصادي، أي استهلاك أقل مقدار من الطاقة لإنتاج أكبر كمية من السلع أو الخدمات من دون المساس بمواصفاتها، واستغلال الطاقة الاستغلال الأفضل بأقل كلفة ممكنة.
كذلك فإن اقتصاد الطاقة يهدف من جهة أخرى إلى استخلاص أكبر قدر ممكن من الطاقة من مصادرها الأولية مع الحفاظ على البيئة وتقليل الإضرار بها إلى الحد الأدنى.
أنواع الطاقة ومصادرها

تستمد الطاقة[ر] المتاحة على الأرض بمختلف أنواعها من المصادر الأولية الأساسية الأربعة الآتية:
1ـ الشمس: وتكاد أن تكون المصدر الذي تستمد منه كل الطاقة المستهلكة على كوكب الأرض، فإليها يعود الفضل في تكوين الوقود الأحفوري (النفط والفحم والغاز والصخور الزيتية ورمال القار) والكتلة الحيوية biomass وطاقة الماء والرياح [ر]، إضافة إلى طاقة الإشعاع المباشر (الطاقة الشمسية).
2ـ عمليات التركيب الكوني: وعنها تنشأ الطاقة النووية [ر] بشكليها الانشطاري والاندماجي [ر] والطاقة الكهربائية ـ الكيمياوية (الخلايا الوقودية fuel cells).
3ـ حركة القمر: وعنها تنشأ طاقة المد والجزر.
4ـ التركيب الجوفي لباطن الأرض: وهو منشأ الطاقة الأرضية الحرارية.
ويبين المخططان في الشكلين 1 و2 توزع الطاقة العالمية لعام 1993 بين مصادرها ومناحي استهلاكها مقدرة بملايين البراميل المكافئة من النفط في اليوم الواحد والتطور المتوقع للطلب العالمي للطاقة حتى عام 2010.
كانت الأرض مُستَقرّاً لبضع مئات الملايين من البشر عند بداية الثورة الصناعية، في حين أصبح عدد سكانها اليوم أكثر من خمسة مليارات نسمة يشغلون نحو مليار مسكن، ويقودون نحو 500 مليون مركبة ذات محرك. وارتفعت الطاقة الإجمالية التي يستهلكها البشر من نحو 8 ملايين برميل نفط مكافئ يومياً في عام 1860 إلى 190 مليون برميل في عام 1993. وإذا ما استبعد خشب الوقود من الحساب فإن الطاقة المستهلكة (ومعظمها فحم ونفط وغاز وماء) ازدادت بما يقارب 70 ضعفاً. وسوف يزيد الإقبال على الطاقة بسبب التغيرات الاقتصادية المتوقعة في الدول النامية. ويقدر متوسط استهلاك الفرد في أكثر النظم الاقتصادية فقراً إلى الوقود التقليدي (مثل الخشب وغيره من النفايات العضوية) بما يكافئ برميلاً واحداً أو برميلين من النفط في العام مقابل 10 إلى 30 برميلاً في أوربة واليابان وأكثر من 40 برميلاً في الولايات المتحدة وكندا. ومن المتوقع أن يزداد معدل النمو في طلب الطاقة في البلدان النامية نحو 5% سنوياً في حين لايتجاوز2.5% في معظم الدول المتقدمة.
اقتصاد الطاقة وتكاليف إنتاجها

تتطلب المعالجة الموضوعية لمسألة اقتصاد الطاقة دراسة المعادلة: «الطاقة = الرفاهية» دراسة وافية. فالطاقة تسهم إسهاماً إيجابياً في زيادة رفاه الإنسان بما تقدمه من خدمات كالتدفئة والإضاءة والطبخ والنقل والتسلية والاستجمام وغيرها وبكونها زاداً لازماً للإنتاج الاقتصادي. إلا أن تكاليف الطاقة تسلب جزءاً من هذه الرفاهية. وهي تكاليف باهظة على كل حال تشمل المال والموارد الأخرى اللازمة للحصول على الطاقة واستثمارها كما تشمل الآثار البيئية والاجتماعية التي تنجم عنها، وقد تُدفع هذه التكاليف بتحويل مفرط لرأس المال والقوى البشرية والدخل يتسبب في حدوث تضخم وانخفاض في مستوى المعيشة. كما أن لها آثاراً بيئية واجتماعية سلبية.
بدت مشكلة التكاليف الباهظة للطاقة إبان القرن المنصرم أقل حدة وتهديداً من مشكلة عوز الإمداد، فبين عامي 1890 و1970 بقيت التكاليف المالية للإمداد بالطاقة وكذلك أسعارها ثابتة تقريباً. كما كان ينظر إلى التكاليف البيئية والاجتماعية على أنها نفقات محلية محدودة أو مؤقتة.
ولكن هذا كله تغير منذ سبعينات القرن العشرين، بسبب القفزات الكبيرة في أسعار النفط بين عامي 1973 و1979. ففي عام 1973 كان استهلاك النفط يعادل تقريباً الاستهلاك السنوي العالمي من أنواع الطاقة الصناعية الأخرى (الغاز الطبيعي، الفحم الحجري، الطاقة النووية والقوة المحركة المائية). وقد تسبب ارتفاع أسعار النفط في رفع أسعار أنواع الطاقة الصناعية الأخرى. وتبين النتائج الحاصلة أخطار زيادة التكاليف المالية للطاقة زيادة كبيرة: مثل الركود العالمي وازدياد حجم الديون مما تسبب في هدر إمكانات البلدان الفقيرة إلى النفط وإعاقة تنميتها وازدياد الأعباء الاقتصادية على الفقراء في الدول الصناعية، إضافة إلى تفاقم مشكلات التلوث البيئي التي تهدد صحة الإنسان واستقرار البيئة وتقلص الرفاه الاقتصادي. كما أن التوسع في بعض أشكال الإمداد بالطاقة قد يسبب تكاليف تفوق الفائدة المتحققة منها. وكان السؤال المحير في بداية التسعينات هو: هل انتهى حقاً عصر الطاقة الرخيصة أو أن تضافر موارد جديدة وتقنيات جديدة وتغيرات في السياسات الاقتصادية العالمية سيعيد الطاقة إلى ما كانت عليه؟ ولعل الجواب يكمن في زيادة الطلب الكبير على الطاقة الناجم عن ازدياد عدد السكان، في السنوات المئة الأخيرة، مصحوباً بازدياد استهلاك الفرد من أنواع الطاقة الصناعية.


إن الإمداد بالطاقة بمعدلات تقع في مجال 10 تيراواط (أي1012واط) إنجاز هائل، وقد تحقق أول مرة في أواخر الستينات من القرن العشرين، واقتضى تحقيقه في السبعينات استخراج نحو ثلاثة مليارات طن من الفحم، وقرابة 17 مليار برميل نفط، وما يزيد على تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، وربما ملياري متر مكعب من الحطب. واقتضى ذلك أيضاً استعمال الفحم القذر إضافة إلى النظيف، واجتثاث غابات كاملة.
حل النفط والغاز محل القسم الأعظم من أنواع الطاقة الصناعية في القرن التاسع عشر، وهما أكثر أصناف الوقود الأحفوري المتوافر على الأرض سهولة استخراج وتنوعاً في الاستعمال وقابلية للنقل ورخصاً في الثمن. وبلغ الاستهلاك التراكمي في مدى قرن نحو 200 تيراواط سنة من النفط والغاز أي ما يساوي 20% من المقدار المحدود الذي يمكن استخراجه في النهاية من هذين الصنفين من الوقود. وإذا استمر استهلاك النفط والغاز في تصاعده هذا ليتضاعف كل 15 أو 20 سنة، فإن المخزون الأولي منهما سوف يستنفد بنسبة 80% في مدى 30 أو 40 سنة أخرى. وقد نفدت فعلاً أرخص مكامن النفط والغاز باستثناء حوض النفط الهائل في شرق المتوسط، وفقدت التوجهات التي مكنت من تجميد الأسعار قوتها في مقابل الاستنزاف التراكمي الناجم عن تحقيق الاكتشافات الجديدة في مجالي النفط والغاز، وعن اقتصاديات زيادة الإنتاج لخفض الكلفة في معالجة الوقود ونقله. ولو اكتشفت بضعة حقول نفط عملاقة إضافية فإنها لن تغير الحالة كثيراً إزاء الاستهلاك الذي يجري بمعدلات هذه الأيام. ولا مفر من أن يتزايد استخراج النفط والغاز في معظم البلدان من حقول أصغر حجماً وأكثر تبعثراً، ومن بيئات بحرية بعيدة عن الشاطئ أو من القطب الشمالي أو من مصادر أرضية أكثر عمقاً، كما لا مفر من الاعتماد على الاستيراد، الذي لا يمكن التعويل عليه تعويلاً تاماً، كما أنه فوق الإمكانات المالية للمستوردين. أما المصادر الأخرى التي يمكن أن توفر الكميات اللازمة من الطاقة كالفحم الحجري، والطاقة الشمسية والوقودين النوويين الانشطاري والاندماجي فيتطلب تحويلها إلى كهرباء أو إلى وقود سائل لسد حاجات المجتمع، عمليات معقدة ومرتفعة الكلفة. ولا يملك أي مورد منها احتمالات جيدة جداً لتوفير كميات كبيرة من الوقود بأسعار توازي أسعار النفط والغاز كما كانت قبل عام 1973، أو لتوفير كميات كبيرة من الكهرباء بأسعار تكافئ أسعار الكهرباء التي كانت توفرها في الستينات من القرن العشرين المحطات الرخيصة التي تحرق الفحم أو التي تعمل بقوة المياه. ومن هذا يبدو أن الطاقة الغالية الثمن هي شرط دائم ولو لم تراع عواقبها البيئية. فثمة مسوغ قوي للاعتقاد أن ضرورات الطاقة للحضارة تتغير اليوم تغيراً أساسياً لا سطحياً، فقد استقر في الأذهان أن تكاليف الطاقة في تصاعد مستمر بسبب عوامل بيئية قبل كل شيء. وإذا ما وضع في الحسبان منظومات الإمداد بالطاقة القائمة اليوم وتقنيات استهلاكها النهائي فمن المحتمل أن تكون غالبية الدول الصناعية قريبة من المرحلة التي يتسبب نمو استهلاك الطاقة الإضافي فيها في تكاليف هامشية تفوق الفوائد المرجوة منها.
ومع ذلك ستبدو الحاجة ماسة إلى تغيير في منظومات الإمداد بالطاقة وأنماط الاستعمال النهائي، لمجرد الإبقاء على مستوى الرفاه الحالي. ومن غير ذلك، سيؤدي الاستهلاك التصاعدي للموارد الممتازة ونقص مقدرة البيئة على امتصاص آثار الطاقة إلى تكاليف إجمالية متصاعدة، ولو بقيت معدلات الاستهلاك ثابتة. ويتطلب ذلك نمواً اقتصادياً، بلا تكاليف بيئية تقوض المكاسب، بالانتقال سريعاً إلى تقانات إمداد بالطاقة ليس لها تأثير كبير على البيئة وذات كفاية أعلى في الاستعمال النهائي.
ومع أن هذا الوضع يطرح تحديات كبيرة فالمرجح أن أكثر الدول الصناعية المتقدمة تملك من الموارد والتقنيات ما يمكنها من حل معظم المشكلات التي تواجهها في هذا المضمار.
وتستطيع أغنى الدول، إذا شاءت، أن تحقق نمواً يسيراً في إنتاج الطاقة وزيادة الرفاه الاقتصادي عن طريق زيادة الكفاية. وتستطيع هذه الدول أن تدفع أثماناً أعلى للطاقة من أجل تمويل الانتقال إلى تقانات إمداد بالطاقة أقل ضرراً للبيئة. ولكن لا توجد دلائل على حصول هذا الشيء فعلاً حتى اليوم.
وتزداد حدة الصعوبات في البلدان الأقل نماءً، فهي ترغب في السير في عمليات التصنيع بالطريقة التي اتبعتها الدول الغنية، أي بالطاقة الرخيصة. ولكن الآفاق المستقبلية لتحقيق ذلك ضعيفة بسبب ارتفاع تكاليف إنتاج الطاقة التي تفرضها سوق النفط العالمية، أو بسبب التحول إلى خيارات أخرى لإنتاج طاقة أنظف. ويقوي قصور رأس المال في هذه الدول الميل إلى الخيارات الأقل كلفة مع غض النظر عن الآثار البيئية الضارة للطاقة الرخيصة وغير النظيفة، وترى فيها مقايضة لا بد منها لسد الحاجات الأساسية لمواطنيها والسير في طريق التنمية الاقتصادية.
ومع أن نصيب البلدان، الأقل نماء، من استخدام الطاقة العالمي متواضع اليوم، فإن الأحوال السكانية في هذه البلدان وتطلعاتها الاقتصادية تملك إمكانات نمو كبيرة في استخدام الطاقة. وإذا ما تحقق هذا النمو عن طريق استهلاك الوقود الأحفوري بالمقام الأول فسوف يضيف حملاً جديداً إلى الأحمال الجوية من ثاني أكسيد الكربون والملوثات الأخرى محلياً وعالمياً، ومع أن البلدان الأقل نماء تستاء من أسلوب تنمية الطاقة البطيء وتقاومه، في حين يشجعه كثير من الدول الصناعية للتقليل من الأخطار البيئية العالمية، فإن تلك البلدان هي الأكثر تعرضاً لخطر التغير البيئي العالمي، لأن احتياطيها الغذائي قليل والأغذية المتوافرة لديها فقيرة إلى المواد الأساسية، والمستويات الصحية فيها متدنية إضافة إلى أن مواردها من رأس المال والبنية الأساسية التي تعتمد عليها محدودة.
ترشيد استهلاك الطاقة: يقصد بترشيد استهلاك الطاقة استخدامها استخداماً عقلانياً مدروساً وتقليل الهدر في استهلاك الطاقة بأصنافها المختلفة. وإن ترشيد استهلاك الطاقة عملياً هو جملة الإجراءات الواجب إتباعها للحد من الهدر في منظومات الطاقة في مختلف مراحلها بدءاً من محطات تحويل الطاقة وانتهاءً بالأجهزة الطرفية المستهلكة للطاقة.
بدأ أول إجراءات الترشيد من المحطات الأولية لتحويل الطاقة، فالتشغيل الاقتصادي الأمثل لهذه المحطات هو الوسيلة الأكثر فعالية في هذا المجال، كما أن الحفاظ على جاهزية محطات الطاقة والتقيد الصارم ببرامج الصيانة من الوسائل الأساسية لترشيد الطاقة في المراحل الأولى من منظومات الطاقة المتكاملة.
وتأتي بعد ذلك إجراءات ما يسمى «إدارة الأحمال» load management وهي التحكم المركزي في مؤسسات الطاقة، في تصرف المستهلك زمنياً وكمياً بوساطة أجهزة خاصة تركب لهذا الغرض، وعن طريق تطوير نظم تعرفة ملائمة تضطر المستهلك إلى تجنب الهدر في الاستهلاك والاستخدام العقلاني للطاقة، فمثلاً: إن تسخين المياه بالطاقة الكهربائية يُعد من الاستخدامات غير العقلانية للطاقة، ذلك أنه قد سبق أن هُدر أكثر من 66% من الطاقة الحرارية لتحويلها إلى طاقة كهربائية، إضافة إلى ضياع الطاقة في شبكات النقل والتوزيع التي توصل الطاقة الكهربائية إلى المستهلك. لذا فإن الحد من استخدام أجهزة التسخين الكهربائية هو أحد السبل التي يتضمنها برنامج إدارة الأحمال بهدف تحقيق الاستخدام العقلاني للطاقة، ومن الإجراءات المفيدة في هذا المجال:
ـ تشجيع استخدام أجهزة التسخين والتدفئة المتطورة التي تستهلك أقل كمية من الوقود بأعلى مردود وأقل تلوث، وذلك بخفض أثمانها، وتحمل الدولة جزءاً من تكاليفها التأسيسية وخفض أسعار المحروقات المستخدمة في هذه الأجهزة.
ـ الاستفادة القصوى من الطاقة الشمسية في تسخين المياه وفي التدفئة ما أمكن ذلك.
ـ رفع أسعار الأجهزة الكهربائية المعدة لتسخين المياه والتدفئة وفرض ضريبة عالية عليها.
وهناك الكثير من الإجراءات والبرامج التي تساعد على ترشيد استهلاك الطاقة والإقلال من الهدر كالعزل الحراري الجيد للمباني الذي يوفر نحو 25- 30% من الطاقة المستهلكة في التدفئة شتاء أو التكييف صيفاً. كذلك فإن تطبيق «التوقيت الصيفي» يمكّن من الاستفادة القصوى من ضوء النهار ومن نشاط الإنسان في فصل الصيف، إذ تسطع الشمس في هذا الفصل باكراً ويطول النهار، ويسهم ذلك كثيراً في خفض الطاقة المستهلكة في الإنارة والتكييف.
ويعد استخدام المحطات المركزية للتدفئة وتسخين المياه من الأساليب الناجعة لترشيد استهلاك الطاقة والحد من الهدر لمردودها العالي وعملها المضمون في شروط فنية واقتصادية قريبة من المثلى. كما أن التشجيع على استخدام وسائط النقل العامة يخفض إلى حد كبير من استهلاك الوقود اللازم لقطاع النقل والمواصلات.
وأخيراً فإن للإعلام دوراً مهماً في هذا المجال، بتوعية المواطن وتعريفه أهمية ترشيد استهلاك الطاقة والحد من هدرها في مختلف مناحي حياته وأنشطته. وعلى وسائل الإعلام بأنواعها المرئية والمسموعة والمقروءة تقديم برامج توعية توضح للمواطن أهمية ترشيد استهلاك الطاقة وتبين مدى الخسارة الناجمة عن الهدر الذي يمكن أن يسببه أي فرد عن قصد أو عن غير قصد وكيف أن هذا الهدر الإفرادي الذي يستهين به المواطن يسبب خسارة إجمالية كبيرة في الدخل القومي تقدر ببلايين الدولارات سنوياً.
رفع كفاية التقنيات في اقتصاد الطاقة

يتزايد استهلاك الطاقة في العالم مع تزايد عدد السكان والسعي للارتقاء إلى مستويات معيشة أفضل، وهذا التزايد المستمر في طلب خدمات الطاقة يتسبب في مشكلات كثيرة منها استنزاف موارد البلد وتفاقم تلوث البيئة الناتج من استهلاك الطاقة بأنواعها.
ومن المعلوم أن كيلو واطاً ساعياً واحداً من الكهرباء يكفي، مبدئياً، لإضاءة مصباح استطاعته 100 واط مدة 10 ساعات، أو رفع طن واحد إلى ارتفاع 300 متر. كما يكفي استهلاك 20 لتراً من البنزين في سيارة متوسطة لقطع مسافة 180 كم. ومن أجل الاقتصاد في الطاقة يمكن أن يوفر الكيلو واط الساعي نفسه إمكانيةَ إنارة أكبر أو مقداراً أكبر من العمل الميكانيكي المفيد بتحسين كفاية الوسائل التقنية المستخدمة استناداً إلى أبحاث كل من جامعة هارفرد وبرنستون بيركلي في كاليفورنية ومعهد مصادر الطاقة WRI، وقد وجد أنه بالإمكان، من الناحية التقنية، الاقتصاد في استهلاك الطاقة بنسبة تراوح بين 25 و45%، ولا يقصد هنا التقنين في استخدام الطاقة، بل استخدام الطاقة بكفاية أعلى. ولقد حققت اليابان معدلات كبيرة في توفير الطاقة باعتماد تقنيات حديثة. وفيما يلي أهم مجالات الاقتصاد في الطاقة:
1ـ اشتملت معظم خطوات الاقتصاد في استهلاك النفط، حتى اليوم، على تحسينات تقنية أدخلت على تصميم السيارات التي تعمل بالبنزين والديزل كاستخدام الأجهزة الإلكترونية وتخفيف وزن السيارة وتحسين شكلها الانسيابي وغيرها، وبذلك انخفض استهلاك السيارة العادية في الخمسة عشر عاماً الماضية بنحو 25% في ألمانية، ونحو 50% في الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك أدخلت تحسينات كثيرة على صناعة الطائرات وانخفض استهلاك محركاتها النفاثة. وإذا ما علم أن نصف إنتاج النفط العالمي تستهلكه 500 مليون سيارة وشاحنة وأن متوسط الزيادة السنوية في أسطول السيارات لا يقل عن 4.8% فستكون نسبة استهلاك السيارات العاملة في عام 2030م أكبر من ذلك بكثير.


2ـ تطورت التقنيات الحديثة في توليد الطاقة الكهربائية من الوقود الأحفوري، وارتفع مردود محطات التوليد الكهربائية من 25% إلى 48%. ويبين الشكل 3 إحدى التقنيات المتقدمة لتوليد الكهرباء المسماة «الدورة المركبة المتكاملة للفحم المحول إلى غاز» Intergrated Coal Gasification Combined Cycle - IGCC. إذ يحول الفحم إلى خليط غازي بتفاعله مع البخار والأكسجين قبل حرقه، وتقوم المنظومة بعد ذلك بتشغيل الدورة المركبة، فيُحرق مزيج الغازات في عنفة غازية ثم تُردّ حرارة الغازات الخارجة من العادم إلى العنفة الغازية، بعد إدخالها في مبدل لتبخير الماء، ويقوم بخار الماء بتدوير عنفة بخارية تقليدية.
إن الدورات المركبة أكثر كفاية من دورات البخار التقليدية، لأنها تستخلص قدراً أكبر من الطاقة من كل وحدة فحم أو نفط أو غاز تحرق في المحطة. أما في محطات توليد الكهرباء التقليدية فيحرق الفحم أو النفط أو الغاز لتسخين ماء المرجل وتحويله إلى بخار يدير عنفة بخارية، وتطرح الغازات الحارة الناتجة عن الاحتراق من مدخنة إلى الجو من دون أن تستغل.


ويوضح الشكل 4 أهم تقنيات استخدام الوقود الأحفوري المتطورة، والكفاية والمردود لكل نوع من المحطات، الذي قد يصل إلى 55%، ويظهر بجلاء أهمية أبحاث الاقتصاد في الطاقة وحماية البيئة من التلوث.
3ـ إن استخدام تجهيزات للإنارة أكثر كفاية ومردوداً يمكن أن يوفر في استهلاك الطاقة الكهربائية بنسبة تزيد على 80% في مجال الإنارة، ومثال على ذلك أن استخدام المصباح الفلوري الصغير الاستطاعة باستطاعة 18 واط يصدر ضوءاً مماثلاً لضوء مصباح متوهج عادي استطاعته 70 واط ويخفض كلفة الإنارة بنسبة 80% في البيوت والمكاتب، ويزيد عمر تلك المصابيح تسع مرات إلى ثلاث عشرة مرة على عمر المصابيح المتوهجة العادية، وتتوافر اليوم أدوات إنارة عالية الكفاية لكل الاستخدامات تقريباً.
كذلك فإن استخدام الفوسفور والإلكترونيات واعتماد الترددات العالية (30 كيلو هرتز) يزيد من كفاية المصابيح ومردودها، ويمكن استرداد كلفة استبدال المصابيح الجديدة بالمصابيح التقليدية في مدى سنة ونصف عن طريق الاقتصاد في الطاقة المستجرة، وإذا ما طبقت تلك التقنيات على ملايين المصابيح في بلد مثل سورية أو على مليارات المصابيح الموجودة في العالم فيمكن تقدير مدى الاقتصاد الكبير في الطاقة والتخفيف من التلوث.
4ـ وضعت الدول المتطورة معايير دقيقة لصناعة التجهيزات الكهربائية من حيث استخدام الكهرباء بكفاية عالية وبمردود مرتفع، ويبين الشكل 5 تطور استهلاك براد منزلي من الطاقة الكهربائية، وكان هذا الاستهلاك السنوي عام 1970 في حدود 1726 كيلو واط ساعي وأصبح عام 2000 بحدود 580 أي أقل من 50% من استهلاك براد قديم.
ولما كانت الآلات الصناعية تستهلك بأنواعها 40% من الطاقة العالمية، فإن أي تحسين في كفايتها يؤدي إلى تخفيض مطرد لهذه النسبة. ويبذل العلماء والمهندسون جهوداً كبيرة لرفع كفاية استخدام الطاقة، وقد تمكنوا بنتيجة ذلك من زيادة الإنتاج الصناعي في العشرين سنة الماضية زيادة كبيرة، وأدى ذلك إلى خفض استهلاك الطاقة الإجمالي في الصناعة. وتُقدِّم المحركات الكهربائية مثالاً واضحاً على ذلك لأنها تستهلك 60 - 70% من الكهرباء المخصصة للصناعة، ويبين الشكل 6 آلية رفع كفاية محرك كهربائي يحرك مضخة سوائل صناعية.


إن تجهيز المحرك بمنظم إلكتروني للسرعة يرفع من كفاية منظومة مضخة المحرك من 31% إلى 72% ويستطيع المستثمر استرجاع كلفة ذلك المنظم في مدى سنتين أو أقل، أما الأثر الصافي لمنظم السرعة في الحالة المذكورة فهو اقتصاد في الطاقة بنحو 21%.
وقد بينت التجارب أن التحسينات التي أجريت على أفران القوس الكهربائية في صناعة الفولاذ حققت مكاسب في توفير الطاقة بحدود30%.
ويمكن تلخيص أهم النتائج والمكاسب التي قد يحققها كل بلد باعتماد مبدأ الكفاية في استخدام الطاقة الكهربائية على النحو التالي:
ـ خفض نفقات تشغيل المحطات (وقود وصيانة وأجور) على المدى القصير.
ـ تجنب تكاليف بناء محطات توليد جديدة على المدى المتوسط.
ـ تجنب نفقات تبديل محطات التوليد القديمة على المدى البعيد.
ـ تحقيق المنافسة الصناعية بين وسائل الإنتاج، فالشركة التي تخفض كلفة الكهرباء بنسبة 20% أو30% توفر لمنتوجاتها أسعاراً منافسة قوية.
ـ إيجاد حلول للمشاكل الكبرى التي تعانيها الدول النامية لأن المال اللازم لشراء محطات التوليد وتشغيلها يستهلك 25% من رأس مال التنمية، ويمكن توفير هذه المبالغ من أجل تنفيذ مشاريع تنموية مثمرة.
طاقة الوقود الأحفوري
شاع استعمال الوقود الأحفوري لسهولة استخراجه من مكامنه وإتقان استخدامه لإنتاج الخدمات التي يحتاج إليها الإنسان، وسهولة نقله، واختزانه قدراً كبيراً من الطاقة الحرارية، وكذلك سهولة تحويله من حالة إلى أخرى (صلبة أو سائلة أو غازية).


ويعد الوقود الأحفوري من المواد الخام الممتازة لإنتاج الكيمياويات واللدائن، وسيبقى الوقود الأحفوري يحتل مكانته البالغة الأهمية طوال القرن المقبل لأن تطوير بدائل منافسة يتطلب جهوداً كبيرة وزمناً طويلاً.
وقد تزايد استهلاك العالم من الغاز والنفط والفحم في المدة بين السبعينات والتسعينات من القرن العشرين بنسبة 50% عما كان عليه، فارتفع من 4733 مليون TEP عام 1971 إلى 7255 مليون TEP عام 1992، ( TEP= الطاقة الحرارية المتوسطة، الناتجة من احتراق طن واحد من النفط)، علماً أن الاحتياطي الذي لم يستغل حتى اليوم لايزيد على 760 مليار TEP. وتختلف كلفة إنتاج النفط من مكان إلى آخر وتراوح بين 10- 30 دولاراً للبرميل.
1ـ الغاز الطبيعي: بينت الدراسات أن مخزون الغاز العالمي أكبر بكثير من مخزون النفط، ويكفي حاجة العالم أكثر من 50- 150 سنة. وقد بلغ حجم المخزون المحدد نحو120 مليار TEP، وأما المخزون العالمي الإجمالي فيعادل 230 مليار TEP، ويؤكد أكثر خبراء الطاقة أن الغاز الطبيعي هو طاقة المستقبل. ويبين توزع مخزون الغاز الطبيعي في العالم، كما في الشكل 7، أن إنتاج الغاز الطبيعي سيتركز في عام 2020 في روسية وفي الشرق الأوسط وسينتج القليل منه في الأمريكتين وفي أوربة الشمالية.
والمعروف أن استخدام الغاز الطبيعي بدلاً من الفحم يوفر للبيئة بعض الحماية، إلى أن يتم استكمال تقنيات إنتاج طاقة بديلة غير أُحفورية.
2ـ الفحم الحجري: تبين التقديرات الأولية لاحتياطي الفحم العالمي أنه يكفي استهلاك العالم حتى عام 2200، ويوضح الشكل 8 توزع الاحتياطي العالمي من الفحم الحجري واستهلاكه سنوياً في القارات الخمس. ويبلغ الاستهلاك العالمي اليوم نحو 2.3 مليار طن سنوياً، وهو قابل للزيادة إلى 4.1 مليار طن عام 2020، أي بنسبة 79% تقريباً، والميزة الأساسية للفحم هي انخفاض سعره بالموازنة مع النفط والغاز. أما أهم مساوئه فهو أنه ملوث كبير للبيئة.
وهناك أبحاث تثير اهتماماً عالمياً، حول منظومة الدورة المركبة المتكاملة للفحم المُغوَّز (أي المحول إلى غاز). والهدف الأساسي من هذه التقنية تحويل الفحم إلى غاز مصنع يتكون أساساً من الهدروجين H2 وغاز أول أكسيد الفحم CO مع كميات أقل من غاز الميتان وغاز الفحم وكبريتات الهدروجين ويمكن استعمال هذه الغازات الناتجة وقوداً ذا مردود عالٍ نسبياً.
3ـ النفط: إن تقديرات الاحتياطي النفطي في العالم تكفي الاستهلاك مدة 30 - 100 سنة ويعود عدم دقة التقدير إلى تباين نسبة استخراج النفط، وزيادة الاستثمارات الخاصة بالتنقيب عن النفط واستخراجه. ويبين الشكل 9 أهم منابع النفط في العالم. ويلاحظ من الشكل أن احتياطي العالم يتركز في عشر مناطق تقريباً أهمها: دول الخليج العربي وإيران والمكسيك وفنزويلة ودول آسيا الوسطى وروسية والأمريكتين. وتشير تقديرات الخبراء اليابانيين لعام 2020 إلى أن نفط الخليج سيكون المنتج الوحيد في العالم وسيزداد الاعتماد عليه في السنين القادمة. وسوف يزداد وسطي استهلاك النفط بنسبة 48% من اليوم حتى عام 2020.
وتسعى الدول الكبرى إلى المحافظة على سعر النفط منخفضاً لدوره الكبير في كلفة الإنتاج الصناعي العالمي. كما تعمل شركات النفط على زيادة فاعلية إنتاج النفط ومردوده باعتماد الحفر الأفقي بعد الوصول إلى طبقة النفط. واستعمال أجهزة متطورة لتحديد المخزون وحجمه، وتخفيض كلف الحفر باعتماد تقنيات جديدة، وإعادة استثمار البئر المستنزفة بتحسين وسائل الاستخراج وتنقية النفط من الشوائب. إذ من الصعب استخراج كل ما في البئر من نفط، وأفضل الوسائل المستعملة إلى اليوم لا تستطيع استخراج أكثر من 45% من مخزون البئر الكامل، ويمكن التوصل إلى استخراج نحو 60% من ذلك المخزون بوسائل متطورة مما يزيد في الإنتاج ويخفض الكلفة.
ومع أن النفط أفضل مصادر الطاقة المتوافرة اليوم فإن التوقعات المستقبلية البعيدة المدى غير مشجعة لأن النفط مادة ملوثة للبيئة.
ويسبب تخفيض سعر النفط الخام خسارة مادية كبيرة للدول المنتجة له، ولكن يدفعها في المقابل إلى التحول من الاعتماد على الريع إلى الاعتماد على الإنتاج مدعوماً بثروة نفطية، الأمر الذي يعطي البلد المنتج للنفط ميزة عامة تتمثل في خفض كلفة الإنتاج بسبب انخفاض كلفة الطاقة. ومن المتوقع في السنوات المقبلة أن تصبح الدول النفطية واحدة من أهم الأسواق الناشئة في العالم الجاذبة لرؤوس الأموال، إذا اتخذت الإجراءات الآيلة إلى دمج اقتصادها بالاقتصاد العالمي.
ولأن النفط سيبقى مصدراً رئيساً للطاقة حتى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين فقد بدأت تظهر اليوم عدة استراتيجيات لتوفير الطاقة، غير مكلفة نسبياً، وتراوح بين زيادة كفاية استخدام الوقود الأحفوري وتطوير مصادر غير أحفورية محسنة يمكن أن تكون بدائل مسوَّغة اقتصادياً ويمكن استعمالها على نطاق واسع.
4ـ هيدرات الميتان: بينت دراسات قعر المحيطات أن مخزونها الضخم من غاز هيدرات الميتان قد يكون مصدراً للطاقة يفوق أهمية كل مخزون العالم من النفط والغاز الموجود على الكرة الأرضية.
يعود الفضل في اكتشاف هذا المصدر لمشروع أبحاث دولي هدفه دراسة قعر المحيطات في كل أنحاء العالم، تنفذه مؤسسة علم المحيطات المشتركة ضمن مشروع «جويدس» JOIDES Resolution بموجب برنامج الحفر في المحيطات Ocean drilling programme (ODP). وقد تم اكتشاف غاز هيدرات الميتان محبوساً في الخمسمئة متر الدنيا من الرواسب الموجودة في القعر على أعماق سحيقة تراوح بين 3000 و4500 متر وعلى مساحة تزيد على 3000 كم2 عند شاطئ ولاية كارولينة الشمالية في الولايات المتحدة الأمريكية. ويقدر العلماء كمية غاز الميتان المحصورة في هذه الطبقة وحدها بنحو 13 ألف مليار متر مكعب، أي ما يعادل 70 ضعف الاستهلاك السنوي في الولايات المتحدة. وهوليس غازاً محبوساً في حوض للغاز بل على هيئة فلز يسمى مركبات الميتان القفصية (الكهفية) clathrate de methane، وهي مكونة من تبلور ذرات الميتان ضمن بلّورات الماء تحت شروط خاصة بالضغط والحرارة مخلوطة بذرات من صخور رملية أو رسوبية تتوضع في قعر المحيط على أعماق كبيرة وتحوي أيضاً غاز الإيتان Ethane، والبروبان propane، والبوتان butane.
يتشكل هذا الفلز بدرجة حرارة 2ْ مئوية وبضغط يزيد على 200 بار، وإذا انخفض الضغط على الفلز تحرر الغاز بحجم يزيد على 150 ضعف حجمه ويحترق بسرعة بلون برتقالي وبحرارة شديدة، ولا يترك إلا القليل من السخام أو البقايا.
تتشكل هيدرات الميتان أيضاً على الأرض عند توافر البرودة والضغط المناسبين في المناطق القطبية وفي ألاسكة، وسيبيرية وفي أعماق المحيطات على شواطئ الولايات المتحدة، واليابان، والبيرو وكوستاريكة وفي أعماق البحر الأسود وبحر قزوين.
ويتم تشكل هيدرات الميتان من تفسخ البكترية على مدى ملايين السنين عند توافر الضغط المناسب وفي درجة حرارة تقارب الصفر بمعزل عن الأوكسجين وفق المعادلة التالية:
4H2+CO2  CH4 +2H2O
أما استثمار هذا المخزون الهائل من الغاز في القرن الحادي والعشرين فيتوقف على عدة عوامل سياسية واقتصادية وتقنية واستراتيجية وعلى سياسة شركات النفط الكبرى في العالم.
طاقة الانشطار النووي

عُدّت الطاقة النووية nuclear power الحل الأمثل لاقتصاد الطاقة في العالم، لكنها اتهمت لاحقاً بأنها الطريقة الأكثر خطورة والأقل ملاءمة لإنتاج الطاقة. وتَعزز اليوم موقف الرأي العام العالمي المعارض للطاقة النووية بعد حادثة تشرنوبل في أوكرانية وحادثة جزيرة ثري مايل في أمريكة، إذ توقف بناء المفاعلات النووية في عدة دول. ففي الولايات المتحدة لم يتخذ أي قرار بإنشاء مفاعلات جديدة منذ عام 1978، وفي السويد توقف بناء المفاعلات بعد استفتاء شعبي، وفي سويسرة وألمانية توقفت الأنشطة النووية.


ويمكن حصر أهم الأسباب السياسية والاجتماعية التي تقف في طريق تطوير الطاقة النووية فيما يلي:
أ ـ مشاكل تشغيل المفاعل النووي والأخطار المرافقة لخروجه عن السيطرة.
ب ـ صعوبة تصريف النفايات الذرية وارتفاع تكاليف إنتاج الطاقة وصعوبة معالجتها وتخزينها.
وقد بينت الدراسات الاقتصادية الحديثة الخاصة بالطاقة النووية أن كلفة توليد الكيلوواط الساعي من المفاعلات الذرية كبيرة جداً ومن أسبابها:

ـ ارتفاع تكاليف بناء المحطات النووية التي تتطلب مواصفات خاصة وطول مدة البناء.
ـ ارتفاع تكلفة عناصر الأمان اللازمة لمنع حدوث تسرب إشعاعي، كبناء حاوية من الفولاذ والإسمنت المسلح تغلف المفاعل بكامله من أجل حصر الإشعاعات في حال حدوث انفجار نووي أو خروج المفاعل عن السيطرة، والشكل 10 يبين مبدأ هذا النظام.
ـ ارتفاع تكلفة البرامج الحاسوبية (أنظمة خبيرة) للمراقبة والتحكم وحماية عمل المفاعل والتدخل لحصر الخطر تلقائياً.
ـ ارتفاع تكلفة معالجة النفايات المشعة وتصريفها وتخزينها.
ـ ارتفاع كلفة التخلص من المحطة بعد انتهاء عمرها الفني المقدر بثلاثين سنة.
ـ انخفاض معدل استعمال المحطات بسبب طول مدة الصيانة والإصلاح والتجديد، وتبين الإحصائيات أن هذا المعدل يبلغ نحو 53% من عمر المحطة.
ويبدو أن الأبحاث الجديدة الرامية إلى تطوير محطات الطاقة النووية قد توصلت إلى اقتراح محطة نووية من طراز جديد تتمتع بمواصفات كثيرة منها:
ـ انتفاء خطر خروج المفاعل عن السيطرة، أو خطر تسرب إشعاعي.
ـ عدم وجود نفايات مشعة لمدة طويلة.
ـ اعتماد وقود نووي مختلف ومتوافر في الطبيعة بكثرة هو الثوريوم thorium.
ـ عدم إنتاج مادة البلوتونيوم الخطرة المستعملة في الأسلحة النووية، وبذلك لا تخضع مثل هذه المحطات للحظر الدولي.
ـ انتفاء طرح أي غازات تؤثر في البيئة.
ـ انخفاض الكلفة التأسيسية.
وقد تم اقتراح هذه المحطة النووية الجديدة سنة 1993 من قبل العالم كارلو روبيا Carlo Rubbia الحائز جائزة نوبل عام 1984. ومبدأ عملها مبين في الشكل 10.
يعتمد مبدأ الانشطار التسلسلي على مسرع جزيئات بروتوني ملحق بالمحطة يقذف البروتون على كتلة من معدن الرصاص تملأ المفاعل، ويولد هذا الاصطدام حزمة من النيوترونات.
عند اصطدام نيوترون بذرة ثوريوم 232 يتحول، بعد ضم النيوترون، إلى مادة مشعة هي الأورانيوم 232 فإذا ما صدمها نيوترون آخر تنشطر ذرة الأورانيوم 232 مطلقة طاقة حرارية كبيرة إضافة إلى حزمة نيوترونات تضاف إلى نيوترونات الحزمة الأولى لمتابعة الانشطار.
ولا يسمح هذا الوقود بتكون مزيج حرج sous - critique إذ إنه يُمكِّن المفاعل من توقيف المسرِّع البروتوني فوراَ حائلاَ دون استمرار التفاعل التسلسلي.
وقد بينت الدراسات والأبحاث الخاصة بمفاعل روبيا أن بالإمكان استخدام هذا المفاعل في تحويل البلوتونيوم الخطر، وكذلك بعض المواد المشعة الخطرة، لتنشيط الثوريوم ثم تتحول هذه المواد بعد ذلك إلى مواد مشعة بسيطة.
ويعد مفاعل روبيا قفزة نوعية في استغلال الطاقة النووية ضمن مجال اقتصاد الطاقة والحفاظ على البيئة، ويتوقع اعتماد هذا النوع من المفاعلات على نطاق واسع.
طاقة الاندماج النووي

بدأت الأبحاث الخاصة بتوليد الطاقة من الاندماج النووي nuclear fusion منذ أوائل الخمسينات من القرن العشرين، وقد تبين أن من الممكن توليد الطاقة من دمج نواتين من عنصرين مختلفين بدلاَ من انشطارهما، ونجح الباحثون مخبرياً بدمج ذرتي التريتيوم والدوتيريوم أول مرة في عام 1995، وهذان العنصران نظيران لذرة الهدروجين في الشروط الفيزيائية الحدية التي عينها العالم لاوسون [ر.الاندماج النووي]، ولأن الاندماج لم يتخط عتبة الجدوى العلمية scientific feasibilitly فمن الصعب إدخاله في أبحاث اقتصاد الطاقة، لكنه يبشر بمستقبل واعد، إذ إنه يوفر طاقة هائلة وبكلفة زهيدة بالاعتماد على مواد متوافرة في الطبيعة بكثرة.
إن مشروع مفاعل «توكا ماك» Tokamak الذي أقيم برغبة دولية مشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسية وأوربة الغربية واليابان يهدف إلى جعل الاندماج النووي صالحاً تجارياً في القرن الحادي والعشرين. وخلافاً للتصورات الشائعة فإن تقانة الاندماج الراهنة ليست نظيفة بطبيعتها، لأنها تطلق نيوترونات تجعل المفاعل والمواد المحيطة به نشيطة إشعاعياً. وتشير الأبحاث إلى احتمال تصميم مفاعلات هجينة hybrid تجمع الانشطار النووي مع الاندماج النووي.
الطاقات النظيفة والمتجددة

يقصد بالطاقات النظيفة الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والكتلة الحيوية، وهي طاقات غير مضرة بالبيئة يستفاد منها في توليد الكهرباء وإنتاج الوقود، وقد تزاحم الطرائق التقليدية لتوليد الطاقة من حيث التكلفة في السنين القليلة القادمة.
إن ازدياد مخاطر تلوث هواء المدن والمطر الحمضي وتسرب النفط والإشعاع النووي وارتفاع حرارة الأرض تحض على البحث عن بدائل للفحم والنفط والمفاعلات النووية لإنتاج الطاقة، ومع أن مصادر الطاقة البديلة ليست نظيفة تماماً، فإنها تفتح المجال واسعاً أمام الخيارات التي يقل ضررها البيئي كثيراً عن مصادر الطاقة التقليدية. وأفضل تلك الخيارات الواعدة تسخير طاقة الشمس لإنتاج طاقة حرارية أو كهربائية، علماً أن التقانات الشمسية والبنى التحتية اللازمة لاستثمارها تتطور سريعاً، فالكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية ـ الحرارية ومن الرياح والكتلة الحيوية تنافس من حيث التكلفة الكهرباء المولدة بالطرائق المعروفة، كما أن الكهرباء المولدة من الخلايا الضوئية photovoltaics والوقود السائل المستخرج من الكتلة الحيوية دخلت مجال المنافسة مع نهاية القرن العشرين. ومن السابق لأوانه التنبؤ بنوع التقانة التي ستكون آنذاك، إلا أن إمدادات الطاقة الشمسية سوف تتنوع من حيث التقانة والحجم، وسوف تتسم بتنوعات إقليمية واضحة تتطلب طرائق جديدة لإدخال هذه التقنيات وإدارتها.
1ـ الطاقة الشمسية: لقد أثبتت الطاقة الشمسية كفايتها الفنية والاقتصادية في مجال تسخين الماء وتوليد الكهرباء عن طريق الخلايا الشمسية، وتمتاز الطاقة الشمسية من غيرها من مصادر الطاقة بالتفوق في الحد من استهلاك الوقود وتلوث البيئة. فالطاقة الشمسية شبه مجانية، ولكنها تتطلب تكاليف كبيرة لإنتاج أجهزة توليد الطاقة وتحويلها، وتهدف الأبحاث الحديثة إلى خفض هذه التكاليف إلى الحد الأدنى، وقد أمكن حتّى اليوم تصميم محطات توليد شمسية باستطاعة 80 ميغاوات هجينة تعمل نهاراً على الطاقة الشمسية وليلاً على الغاز الطبيعي، وبذلك خفضت كلفة الكيلوواط الساعي إلى درجة كبيرة. على أن أسعار الطاقة الشمسية لا تخضع لقانون العرض والطلب المعروف اقتصادياً بل تعتمد على قانون اقتصاد المقياس economy of scale.


2ـ طاقة الرياح: أصبحت تكلفة الطاقة الكهربائية المولدة بقوة الرياح منخفضة جداً. كما أن استخدام وسائل التحكم الإلكترونية الذكية واستخدام السطوح الانسيابية والتحسين المستمر للمواد المستخدمة في توليد الطاقة الكهربائية من الرياح حققت مكاسب إضافية في توفير مثل هذه الطاقة.
3ـ طاقة الكتلة الحيوية: توفر خيارات الطاقة الشمسية تخزيناً ضمنياً في المادة الخضراء الموجودة في الكتلة الحيوية، التي تتكون بوساطة التركيب الضوئي، وتختزن جزءاً من الطاقة الشمسية على شكل طاقة كيمياوية يمكن استعادتها بحرق النبات، الشكل (11).
تقدم الكتلة الحيوية على النقيض من الوقود الأحفوري عدداً من المزايا، إذ إنها تتوافر في معظم أرجاء الأرض، وتحتوي على أقل من 0.1 في المئة من الكبريت و3 إلى 5 في المئة من الرماد، ويعادل حجم غاز ثاني أكسيد الكربون المنطلق من الكتلة الحيوية عند حرقها أو معالجتها حجم غاز ثاني أكسيد الكربون المستهلك في عملية التركيب الضوئي. وهذا يعني أن الطاقة الحيوية لا تطرح في الجو أي كمية إضافية من ثاني أكسيد الكربون.
تستعمل الكتلة الحيوية على نطاق واسع لتوليد الكهرباء والحرارة في صناعات منتجات الغابة، فتستخدم فضلات الخشب المتبقية من عملية الإنتاج وقوداً لمنظومات التوليد المرافق cogeneration العاملة على العنفات البخارية، وتعد هذه الطريقة اقتصادية فقط في المناطق التي يكون وقود الكتلة الحيوية الرخيص متوافراً فيها بكثرة.
خلايا الوقود

تتألف خلايا الوقود، كغيرها من الخلايا الكهربائية والكيمياوية، من مصعد ومهبط ومحلول كهربائي بينهما. إلا أن الخلايا الوقودية هذه تمتاز من غيرها بأن العامل المختزل (المهدرج) يغذي المصعد على هيئة وقود. ويكون الهدروجين هو الوقود في جميع الحالات، أي إن الخلية الوقودية تتغذى بالهدروجين وبالأكسجين لتولّد الكهرباء.
وقد بينت الحسابات الاقتصادية لعدد من وحدات الخلايا الوقودية التي تعمل على الغاز الطبيعي أن التكاليف التأسيسية لها لم تتجاوز 1000 دولار للكيلوواط الواحد. وبمقتضى حسابات ليندشتروم الخبير السويدي في الخلايا الوقودية فإن كلفة الكيلوواط الساعي المولّد من هذه الخلايا تراوح ما بين 0.06ـ 0.07 دولار، ومردودها في حدود 50%، ومن المتوقع في المستقبل المنظور أن يرتفع مردود الخلايا الوقودية إلى 60% مما يؤدي إلى انخفاض كلفة التوليد منها وازدياد فرص المنافسة لمصلحتها.
آفاق المستقبل لمصادر الطاقة
يجمع خبراء الطاقة على أن طاقة المستقبل ستكون متعددة ومتنوعة من عشرات المنابع.


وتتوزع نسبة كل منبع منها بين 5% و15% من كمية الطاقة التي تولد في العالم. وذلك تبعاً للتوليد، ونسبة الملوثات، وسهولة الاستخدام. ويرجح الخبراء ظهور إمكانات التوصل إلى طرائق أفضل لتحويل الطاقة وتخزينها تسهم في الاعتماد على الطاقات النظيفة. ومن الأمثلة المعتمدة في تخزين الطاقة الكهربائية المولدة من الطاقة الشمسية ومن طاقة الرياح استخدام تلك الطاقة في تحليل الماء إلى هدروجين وأكسجين كما هو مبين في الشكل 12.
إن الهدروجين الناتج من تحليل الماء باستخدام كهرباء الفلطية الضوئية أو الرياح هو وقود نظيف يخزن الطاقة الشمسية كيمياوياً، وإن نقل الهدروجين أرخص كلفة من حيث المبدأ من نقل الكهرباء، لذلك يمكن أن يكون التحول إلى الهدروجين وسيلة جذابة لاستخدام الطاقة الشمسية ونقلها إلى مراكز الطلب الرئيسية.
كما أن اعتماد محطات هجينة لإنتاج الطاقة المركبة (شمسية ـ غاز طبيعي) بإضافة منظومة وقود أحفوري رخيصة يمكن تعديل إنتاجها من الكهرباء للتعويض عن التقلبات في الإمداد الشمسي وقوة الرياح، قد يكون الطريقة الأقل ضرراً بيئياً لتوليد الطاقة.


وقد قامت إحدى الشركات الأمريكية بإضافة مصدر حراري، يعمل على إحراق الغاز الطبيعي، إلى منظومتها الكهربائية الشمسية ـ الحرارية، ووفر هذا المصدر الحراري للشركة القدرة على زيادة إنتاجها إلى الحد الأقصى، بضمان توافر الطاقة كلما دعت إليها الحاجة.
إن فكرة النظام «الهجين الغازي ـ الشمسي» قابلة للتطبيق أيضاً على الرياح والفلطيات الضوئية. ويمكن استخدام جيل جديد من عنفات الغاز ذات الكفاية العالية الرخيصة في هذه الهجينات.
وقد انخفضت تكاليف الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية انخفاضاً حاداً في الثمانينات من القرن العشرين، وسوف تستمر في الانخفاض مع استمرار التحسن في تقنياتها واكتساب الخبرة (الشكل 13).


أما الإنتاج الكلي للكتلة الحيوية فمرهون بتوافر الأرض والماء، بسبب انخفاض كفاية التركيب الضوئي وضخامة كميات المياه اللازمة لزراعة النباتات، ومع ذلك يمكن لإمدادات الكتلة الحيوية الكاملة أن تحل محل النفط المستخدم اليوم في المركبات الخفيفة، ومحل الفحم الذي يحرق لتوليد الكهرباء، شريطة استخدام وحدات ذات كفاية عالية للتحويل إلى غاز مع استخدام عنفات غازية لتوليد الطاقة ويمكن بهذه الطريقة خفض انبعاث ثنائي أكسيد الكربون إلى النصف (الشكل 14).
اقتصاد الطاقة والحفاظ على التوازن البيئي

ما يزال الوقود الأحفوري المصدر الأساسي للطاقة الرخيصة، وسيظل كذلك إلى أن تحل محله مصادر أخرى ملائمة من حيث الكم والكلفة، فإحراق الفحم والنفط والغاز الطبيعي يوفر في الوقت الحاضر أكثر من 80% من الطاقة التي يستهلكها العالم، لكن الغازات المنبعثة من عمليات الاحتراق تفسد البيئة إلى درجة خطرة قد تصل إلى تغيير المناخ وتهديد صلاحية الأرض للسكن في المستقبل.
ولابد من تطوير تقنيات تهتم بتخفيف أثر المطر الحامضي ودخان المدن (الضبخان smog)، وهما الأثران المباشران الناجمان عن إحراق الوقود الأحفوري، كما يجب الانتباه إلى الأثر الثالث الأكثر خطراً وتدميراً للبيئة، وهو ارتفاع حرارة الكرة الأرضية بسبب ما يسمى بظاهرة «الدفيئة» التي تؤدي في النهاية إلى تغيير مناخ الأرض. وهذا يتطلب تخصيص أموال كافية لتطوير تقنيات الحد من التلوث وتخصيص أموال كافية لإيجاد بدائل للطاقة غير المتجددة وتخصيص أموال كافية للتخلص من الملوثات والاقتصاد في حرق الوقود الأحفوري للتقليل من الملوثات.


وتضاف كل هذه المتطلبات إلى الكلفة الإجمالية للوقود. والشكل 15 يبين ملوثات الوقود الأحفوري وكمية Kg/Tep لكل نوع من أنواع الوقود المستخدم:

أما الشكل 16 فيبين تغيرات حرارة الأرض في الحقبة بين عام 1860وعام2000 إذ يلاحظ أن حرارة الأرض قد زادت بنسبة (0.6ْ) مع كل ما يتبع ذلك من أخطار ومن تغيير في مناخ الأرض.
ولقد بدأت في الظهور استراتيجيات مختلفة، غير مكلفة نسبياً، تراوح ما بين زيادة كفاية استخدام الوقود الأحفوري وتطوير مصادر غير أحفورية محسنة يمكن أن تكون بدائل اقتصادية على نطاق واسع.
إن تغير المناخ العالمي هو من بين المشكلات البيئية الأكثر تهديداً والأصعب معالجة من نواح عدة، فالمناخ يحكم معظم العمليات البيئية التي يعتمد عليها رفاه البشر اعتماداً حيوياً. ويمكن أن يكون لتغير المناخ العالمي عواقب عميقة الأثر في نصف الكرة الجنوبي: كزيادة القحط في فصل الجفاف وزيادة الفيضانات في فصل الأمطار، وازدياد المجاعات والأمراض إضافة إلى ملايين المهجرين بسبب الكوارث البيئية. وإذا كان الشمال أقل معاناة من آثار تغير المناخ المباشرة لقدرة مجتمعاته على التكيف، فإن العالم وثيق الترابط ولاسيما بالتجارة والمصالح الاقتصادية والسياسية.
والمجتمع العالمي اليوم في حاجة إلى تقنيات متطورة لتخفيف هذه الآثار المدمرة للبيئة تغنيه عن اللجوء إلى تقليص استهلاكه من الطاقة.
وفيما يتصل بتثبيت الوقود الأحفوري فيبدو أن معظم الآثار السيئة الناجمة عنه (ومنها مخاطر استخراج الفحم ومعظم المشكلات الصحية والمطر الحامضي) يمكن تخفيفها بتكاليف مالية إضافية بحدود 30% إلى الأسعار الحالية للوقود الأحفوري أو الكهرباء المولّدة منه. ومع ذلك يحتاج الأمر إلى استثمارات ضخمة من أجل تحديث المنشآت والتجهيزات القائمة أو تبديلها، وهي عقبة مهمة في بعض أجزاء العالم لنقص رأس المال وكون المنشآت والتجهيزات الموجودة أدنى بكثير من المستويات المتعارف عليها اليوم.


أما الطاقة النووية فهي أقل إفساداً للمناخ والبيئة إلى حد كبير، بيد أن قبول التوسع في استعمالها مرتبط باعتماد جيل جديد من المفاعلات له خصائص أمان محسّنة وإيجاد حلول عملية وفعالة لتصريف النفايات المشعة، وانتشار الأسلحة النووية.
أما الخيار الطويل الأمد والأمثل لتوفير الطاقة مع التحكم في التكلفة البيئية إلى الحد الأدنى فهو الاستفادة من الطاقة الشمسية استفادة مباشرة، وهي إلى اليوم أكثر الخيارات الطويلة الأمد كلفة وقد تبقى كذلك زمناً طويلاً.
العلاقة بين كلفة الإنتاج والآثار البيئية الناجمة عنها
إن قدرة البيئة على امتصاص النفايات الملوثة وغيرها من آثار تقانات الطاقة محدودة. وتتجلى في صنفين أساسيين من التكاليف البيئية: التكاليف «الخارجية»، وهي التي يفرضها إفساد البيئة على المجتمع ولا تؤثر في الحسابات المالية لمستهلكي الطاقة ومنتجيها، والتكاليف «المدخلة» وهي الزيادات على النفقات المالية التي تفرضها تدابير تهدف إلى خفض التكاليف الخارجية.
وكلا هذين الصنفين من التكاليف البيئية كانا وما يزالان في ازدياد لأسباب كثيرة منها: تناقص الجودة في تجمعات إنتاج الوقود ومواقع تحويل الطاقة وضرورة نقل المزيد من المواد إلى مسافات أبعد وبناء منشآت أكبر، وكذلك تنامي حجم النفايات الملوثة من منظومات الطاقة وضرورة إشباع قدرة البيئة على امتصاص مثل هذه النفايات من دون أن تصاب بالتلوث، وميل نفقات التحكم في التلوث إلى الزيادة مع ارتفاع نسبة التلوث. وإن تضافر معدلات استهلاك الطاقة المتزايدة مع انخفاض الجودة في الموارد يتطلب التخلص من نسبة متزايدة من الملوثات للإبقاء على مستوى الضرر على حاله، وهذا يعني زيادة التكاليف المدخلة، إضافة إلى أن الاهتمام الجماهيري والسياسي بالبيئة يطيل وقت اختيار مواقع منشآت الطاقة والترخيص لها وبنائها، ويزيد في تواتر تعديل المشروعات ومواصفاتها قبل بدء التنفيذ وإبّانه مما يؤدي إلى ارتفاع آخر في التكاليف.
وإنه لمن الصعب تحديد مقدار إسهام هذه العوامل المختلفة في النفقات المالية للإمداد بالطاقة. والمشكلة أن العوامل التي لا صلة لها بالبيئة كثيراً ما تتداخل مع العوامل البيئية، فقد لا يحدث التأخر في الإنشاء مثلاً بسبب قيود التنظيم فحسب، بل بسبب مشكلات هندسية وإدارية وأخرى لها صلة بمراقبة الجودة أيضاً. ومع ذلك فإن الإدخال الفعلي للآثار البيئية أو محاولة ذلك يزيد ولا شك في التكاليف المالية للإمداد بمنتجات النفط وتكاليف توليد الكهرباء والطاقة النووية.
ويصعب تحديد آثار النفقات التي يتطلبها إنتاج الطاقة في الصحة والسلامة العامتين، فلم يتوصل الباحثون مثلاً إلى إجماع حول آثار تلوث الهواء من الوقود الأحفوري وعدد الوفيات الناجمة عن التعرض لمثل هذا التلوث وتباينت تقديراتهم حول تركيب الوقود وتقانة التحكم في تلوث الهواء.
وثمة شكوك كثيرة حول آثار الانشطار النووي في الصحة والسلامة، ويلاحظ في هذه الحالة أن التقديرات المختلفة تنجم جزئياً عن الفروق في المواقع وطُرُز المفاعلات، وجزئياً عن الشكوك التي تحوم حول التلوث الناتج في كل مرحلة من مراحل دورة الوقود النووي، وخصوصاً إعادة معالجة الوقود والتصرف بنفايات مصانع الأورانيوم. وهناك فرضيات مختلفة حول آثار التعرض لجرعة منخفضة من الإشعاع وأكثر هذه الشكوك يتركز حول احتمالات وقوع الحوادث الكبيرة في المفاعلات وفي مصانع إعادة المعالجة وفي نقل النفايات.
إن الأخطار التقديرية على الصحة العامة الناجمة عن محطات توليد الكهرباء بحرق الفحم أو بالطاقة النووية كثيرة جداً، وتراوح بين أخطار يمكن إهمالها وأخطار شديدة التأثير مقارنة بالأخطار المحتملة الأخرى على السكان. وثمة أساس ضعيف في هذه المجالات لتفضيل أحد مصدري الطاقة المذكورين على الآخر.
إن حل هذه المعضلات يتطلب تبني استراتيجية واضحة وأساليب ناجعة، ومن ذلك محاولة خفض التكاليف البيئية والاجتماعية لمصادر الطاقة الموجودة. وخفض إصدار أكاسيد الكبريت والنتروجين من الوقود الأحفوري وأنواع الوقود التقليدية. وإن تقنيات كبح هذه الإصدارات أضحت في متناول اليد، وهي تعوض عن كلفتها بإنقاص الضرر الواقع على الصحة والممتلكات والنظم البيئية. وثمة حاجة لبذل الجهد لزيادة أمان المفاعلات النووية المعاصرة والحد من قدراتها ومنع استغلالها لإنتاج الأسلحة النووية، وتطوير تصميماتها تحت رقابة دولية.
إن إقامة تعاون بين الشرق والغرب والشمال والجنوب في قضايا البيئة يمكن أن تبدأ ببحوث الطاقة، وأن تخفف أزمة تمويل هذه البحوث بمنع الازدواجية وبمشاركة القوى المتخصصة في مختلف البلدان، وبتوزيع تكاليف المشروعات الكبيرة على المشاركين ومن المهم بوجه خاص أن يشتمل التعاون في بحوث الطاقة على تقنيات الطاقة المصممة للدول النامية.
ومن المهم جداً أيضاً التعاون الدولي في مراقبة الآثار البيئية لسد الحاجة إلى الطاقة، وإن نداءات الدول الغنية لحل المشكلات البيئية العالمية بتقييد استعمال الطاقة العالمي سوف تلقى آذاناً صماء في أقل البلدان نماء والبلدان المتوسطة اقتصادياً، مالم تقم المجموعة الأولى بإيجاد سبل لمساعدة المجموعتين الأخريين على بلوغ رفاهية اقتصادية متزايدة وحماية بيئية في آن واحد. وإلى أن يتم إحراز تقدم في هذا المجال سيكون من الصعب التكلم عن تغيير الوقود الأحفوري، فمع كل عيوب هذا الوقود، سيظل هو الأرخص نسبياً والأكثر توافراً والأيسر تكيفاً مع الاستعمالات كبيرها وصغيرها بسيطها ومعقدها، كما سيظل التحدي التقني قائماً من أجل استخلاص أكبر قدر من الطاقة التقليدية مع تقليل الإضرار بالبيئة إلى الحد الأدنى.

----------------------------
http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=418&vid=

spisos
11-04-2009, 17:33
رد إلى djamelb19:

اقتصاد الطاقة


اقتصاد الطاقة Economy of Energy، في المفهوم الاقتصادي، تعبير يقصد به إنتاج الطاقة واستثمارها واستهلاكها والعوائد الناجمة عنها، ويشمل ذلك جميع الوسائل والإجراءات التي تهدف إلى زيادة مردود استخدام الطاقة وخفض ضياعها إلى الحد الأدنى من دون التأثير في معدل النمو الاقتصادي، أي استهلاك أقل مقدار من الطاقة لإنتاج أكبر كمية من السلع أو الخدمات من دون المساس بمواصفاتها، واستغلال الطاقة الاستغلال الأفضل بأقل كلفة ممكنة.
كذلك فإن اقتصاد الطاقة يهدف من جهة أخرى إلى استخلاص أكبر قدر ممكن من الطاقة من مصادرها الأولية مع الحفاظ على البيئة وتقليل الإضرار بها إلى الحد الأدنى.
أنواع الطاقة ومصادرها

تستمد الطاقة[ر] المتاحة على الأرض بمختلف أنواعها من المصادر الأولية الأساسية الأربعة الآتية:
1ـ الشمس: وتكاد أن تكون المصدر الذي تستمد منه كل الطاقة المستهلكة على كوكب الأرض، فإليها يعود الفضل في تكوين الوقود الأحفوري (النفط والفحم والغاز والصخور الزيتية ورمال القار) والكتلة الحيوية biomass وطاقة الماء والرياح [ر]، إضافة إلى طاقة الإشعاع المباشر (الطاقة الشمسية).
2ـ عمليات التركيب الكوني: وعنها تنشأ الطاقة النووية [ر] بشكليها الانشطاري والاندماجي [ر] والطاقة الكهربائية ـ الكيمياوية (الخلايا الوقودية fuel cells).
3ـ حركة القمر: وعنها تنشأ طاقة المد والجزر.
4ـ التركيب الجوفي لباطن الأرض: وهو منشأ الطاقة الأرضية الحرارية.
ويبين المخططان في الشكلين 1 و2 توزع الطاقة العالمية لعام 1993 بين مصادرها ومناحي استهلاكها مقدرة بملايين البراميل المكافئة من النفط في اليوم الواحد والتطور المتوقع للطلب العالمي للطاقة حتى عام 2010.
كانت الأرض مُستَقرّاً لبضع مئات الملايين من البشر عند بداية الثورة الصناعية، في حين أصبح عدد سكانها اليوم أكثر من خمسة مليارات نسمة يشغلون نحو مليار مسكن، ويقودون نحو 500 مليون مركبة ذات محرك. وارتفعت الطاقة الإجمالية التي يستهلكها البشر من نحو 8 ملايين برميل نفط مكافئ يومياً في عام 1860 إلى 190 مليون برميل في عام 1993. وإذا ما استبعد خشب الوقود من الحساب فإن الطاقة المستهلكة (ومعظمها فحم ونفط وغاز وماء) ازدادت بما يقارب 70 ضعفاً. وسوف يزيد الإقبال على الطاقة بسبب التغيرات الاقتصادية المتوقعة في الدول النامية. ويقدر متوسط استهلاك الفرد في أكثر النظم الاقتصادية فقراً إلى الوقود التقليدي (مثل الخشب وغيره من النفايات العضوية) بما يكافئ برميلاً واحداً أو برميلين من النفط في العام مقابل 10 إلى 30 برميلاً في أوربة واليابان وأكثر من 40 برميلاً في الولايات المتحدة وكندا. ومن المتوقع أن يزداد معدل النمو في طلب الطاقة في البلدان النامية نحو 5% سنوياً في حين لايتجاوز2.5% في معظم الدول المتقدمة.
اقتصاد الطاقة وتكاليف إنتاجها

تتطلب المعالجة الموضوعية لمسألة اقتصاد الطاقة دراسة المعادلة: «الطاقة = الرفاهية» دراسة وافية. فالطاقة تسهم إسهاماً إيجابياً في زيادة رفاه الإنسان بما تقدمه من خدمات كالتدفئة والإضاءة والطبخ والنقل والتسلية والاستجمام وغيرها وبكونها زاداً لازماً للإنتاج الاقتصادي. إلا أن تكاليف الطاقة تسلب جزءاً من هذه الرفاهية. وهي تكاليف باهظة على كل حال تشمل المال والموارد الأخرى اللازمة للحصول على الطاقة واستثمارها كما تشمل الآثار البيئية والاجتماعية التي تنجم عنها، وقد تُدفع هذه التكاليف بتحويل مفرط لرأس المال والقوى البشرية والدخل يتسبب في حدوث تضخم وانخفاض في مستوى المعيشة. كما أن لها آثاراً بيئية واجتماعية سلبية.
بدت مشكلة التكاليف الباهظة للطاقة إبان القرن المنصرم أقل حدة وتهديداً من مشكلة عوز الإمداد، فبين عامي 1890 و1970 بقيت التكاليف المالية للإمداد بالطاقة وكذلك أسعارها ثابتة تقريباً. كما كان ينظر إلى التكاليف البيئية والاجتماعية على أنها نفقات محلية محدودة أو مؤقتة.
ولكن هذا كله تغير منذ سبعينات القرن العشرين، بسبب القفزات الكبيرة في أسعار النفط بين عامي 1973 و1979. ففي عام 1973 كان استهلاك النفط يعادل تقريباً الاستهلاك السنوي العالمي من أنواع الطاقة الصناعية الأخرى (الغاز الطبيعي، الفحم الحجري، الطاقة النووية والقوة المحركة المائية). وقد تسبب ارتفاع أسعار النفط في رفع أسعار أنواع الطاقة الصناعية الأخرى. وتبين النتائج الحاصلة أخطار زيادة التكاليف المالية للطاقة زيادة كبيرة: مثل الركود العالمي وازدياد حجم الديون مما تسبب في هدر إمكانات البلدان الفقيرة إلى النفط وإعاقة تنميتها وازدياد الأعباء الاقتصادية على الفقراء في الدول الصناعية، إضافة إلى تفاقم مشكلات التلوث البيئي التي تهدد صحة الإنسان واستقرار البيئة وتقلص الرفاه الاقتصادي. كما أن التوسع في بعض أشكال الإمداد بالطاقة قد يسبب تكاليف تفوق الفائدة المتحققة منها. وكان السؤال المحير في بداية التسعينات هو: هل انتهى حقاً عصر الطاقة الرخيصة أو أن تضافر موارد جديدة وتقنيات جديدة وتغيرات في السياسات الاقتصادية العالمية سيعيد الطاقة إلى ما كانت عليه؟ ولعل الجواب يكمن في زيادة الطلب الكبير على الطاقة الناجم عن ازدياد عدد السكان، في السنوات المئة الأخيرة، مصحوباً بازدياد استهلاك الفرد من أنواع الطاقة الصناعية.


إن الإمداد بالطاقة بمعدلات تقع في مجال 10 تيراواط (أي1012واط) إنجاز هائل، وقد تحقق أول مرة في أواخر الستينات من القرن العشرين، واقتضى تحقيقه في السبعينات استخراج نحو ثلاثة مليارات طن من الفحم، وقرابة 17 مليار برميل نفط، وما يزيد على تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، وربما ملياري متر مكعب من الحطب. واقتضى ذلك أيضاً استعمال الفحم القذر إضافة إلى النظيف، واجتثاث غابات كاملة.
حل النفط والغاز محل القسم الأعظم من أنواع الطاقة الصناعية في القرن التاسع عشر، وهما أكثر أصناف الوقود الأحفوري المتوافر على الأرض سهولة استخراج وتنوعاً في الاستعمال وقابلية للنقل ورخصاً في الثمن. وبلغ الاستهلاك التراكمي في مدى قرن نحو 200 تيراواط سنة من النفط والغاز أي ما يساوي 20% من المقدار المحدود الذي يمكن استخراجه في النهاية من هذين الصنفين من الوقود. وإذا استمر استهلاك النفط والغاز في تصاعده هذا ليتضاعف كل 15 أو 20 سنة، فإن المخزون الأولي منهما سوف يستنفد بنسبة 80% في مدى 30 أو 40 سنة أخرى. وقد نفدت فعلاً أرخص مكامن النفط والغاز باستثناء حوض النفط الهائل في شرق المتوسط، وفقدت التوجهات التي مكنت من تجميد الأسعار قوتها في مقابل الاستنزاف التراكمي الناجم عن تحقيق الاكتشافات الجديدة في مجالي النفط والغاز، وعن اقتصاديات زيادة الإنتاج لخفض الكلفة في معالجة الوقود ونقله. ولو اكتشفت بضعة حقول نفط عملاقة إضافية فإنها لن تغير الحالة كثيراً إزاء الاستهلاك الذي يجري بمعدلات هذه الأيام. ولا مفر من أن يتزايد استخراج النفط والغاز في معظم البلدان من حقول أصغر حجماً وأكثر تبعثراً، ومن بيئات بحرية بعيدة عن الشاطئ أو من القطب الشمالي أو من مصادر أرضية أكثر عمقاً، كما لا مفر من الاعتماد على الاستيراد، الذي لا يمكن التعويل عليه تعويلاً تاماً، كما أنه فوق الإمكانات المالية للمستوردين. أما المصادر الأخرى التي يمكن أن توفر الكميات اللازمة من الطاقة كالفحم الحجري، والطاقة الشمسية والوقودين النوويين الانشطاري والاندماجي فيتطلب تحويلها إلى كهرباء أو إلى وقود سائل لسد حاجات المجتمع، عمليات معقدة ومرتفعة الكلفة. ولا يملك أي مورد منها احتمالات جيدة جداً لتوفير كميات كبيرة من الوقود بأسعار توازي أسعار النفط والغاز كما كانت قبل عام 1973، أو لتوفير كميات كبيرة من الكهرباء بأسعار تكافئ أسعار الكهرباء التي كانت توفرها في الستينات من القرن العشرين المحطات الرخيصة التي تحرق الفحم أو التي تعمل بقوة المياه. ومن هذا يبدو أن الطاقة الغالية الثمن هي شرط دائم ولو لم تراع عواقبها البيئية. فثمة مسوغ قوي للاعتقاد أن ضرورات الطاقة للحضارة تتغير اليوم تغيراً أساسياً لا سطحياً، فقد استقر في الأذهان أن تكاليف الطاقة في تصاعد مستمر بسبب عوامل بيئية قبل كل شيء. وإذا ما وضع في الحسبان منظومات الإمداد بالطاقة القائمة اليوم وتقنيات استهلاكها النهائي فمن المحتمل أن تكون غالبية الدول الصناعية قريبة من المرحلة التي يتسبب نمو استهلاك الطاقة الإضافي فيها في تكاليف هامشية تفوق الفوائد المرجوة منها.
ومع ذلك ستبدو الحاجة ماسة إلى تغيير في منظومات الإمداد بالطاقة وأنماط الاستعمال النهائي، لمجرد الإبقاء على مستوى الرفاه الحالي. ومن غير ذلك، سيؤدي الاستهلاك التصاعدي للموارد الممتازة ونقص مقدرة البيئة على امتصاص آثار الطاقة إلى تكاليف إجمالية متصاعدة، ولو بقيت معدلات الاستهلاك ثابتة. ويتطلب ذلك نمواً اقتصادياً، بلا تكاليف بيئية تقوض المكاسب، بالانتقال سريعاً إلى تقانات إمداد بالطاقة ليس لها تأثير كبير على البيئة وذات كفاية أعلى في الاستعمال النهائي.
ومع أن هذا الوضع يطرح تحديات كبيرة فالمرجح أن أكثر الدول الصناعية المتقدمة تملك من الموارد والتقنيات ما يمكنها من حل معظم المشكلات التي تواجهها في هذا المضمار.
وتستطيع أغنى الدول، إذا شاءت، أن تحقق نمواً يسيراً في إنتاج الطاقة وزيادة الرفاه الاقتصادي عن طريق زيادة الكفاية. وتستطيع هذه الدول أن تدفع أثماناً أعلى للطاقة من أجل تمويل الانتقال إلى تقانات إمداد بالطاقة أقل ضرراً للبيئة. ولكن لا توجد دلائل على حصول هذا الشيء فعلاً حتى اليوم.
وتزداد حدة الصعوبات في البلدان الأقل نماءً، فهي ترغب في السير في عمليات التصنيع بالطريقة التي اتبعتها الدول الغنية، أي بالطاقة الرخيصة. ولكن الآفاق المستقبلية لتحقيق ذلك ضعيفة بسبب ارتفاع تكاليف إنتاج الطاقة التي تفرضها سوق النفط العالمية، أو بسبب التحول إلى خيارات أخرى لإنتاج طاقة أنظف. ويقوي قصور رأس المال في هذه الدول الميل إلى الخيارات الأقل كلفة مع غض النظر عن الآثار البيئية الضارة للطاقة الرخيصة وغير النظيفة، وترى فيها مقايضة لا بد منها لسد الحاجات الأساسية لمواطنيها والسير في طريق التنمية الاقتصادية.
ومع أن نصيب البلدان، الأقل نماء، من استخدام الطاقة العالمي متواضع اليوم، فإن الأحوال السكانية في هذه البلدان وتطلعاتها الاقتصادية تملك إمكانات نمو كبيرة في استخدام الطاقة. وإذا ما تحقق هذا النمو عن طريق استهلاك الوقود الأحفوري بالمقام الأول فسوف يضيف حملاً جديداً إلى الأحمال الجوية من ثاني أكسيد الكربون والملوثات الأخرى محلياً وعالمياً، ومع أن البلدان الأقل نماء تستاء من أسلوب تنمية الطاقة البطيء وتقاومه، في حين يشجعه كثير من الدول الصناعية للتقليل من الأخطار البيئية العالمية، فإن تلك البلدان هي الأكثر تعرضاً لخطر التغير البيئي العالمي، لأن احتياطيها الغذائي قليل والأغذية المتوافرة لديها فقيرة إلى المواد الأساسية، والمستويات الصحية فيها متدنية إضافة إلى أن مواردها من رأس المال والبنية الأساسية التي تعتمد عليها محدودة.
ترشيد استهلاك الطاقة: يقصد بترشيد استهلاك الطاقة استخدامها استخداماً عقلانياً مدروساً وتقليل الهدر في استهلاك الطاقة بأصنافها المختلفة. وإن ترشيد استهلاك الطاقة عملياً هو جملة الإجراءات الواجب إتباعها للحد من الهدر في منظومات الطاقة في مختلف مراحلها بدءاً من محطات تحويل الطاقة وانتهاءً بالأجهزة الطرفية المستهلكة للطاقة.
بدأ أول إجراءات الترشيد من المحطات الأولية لتحويل الطاقة، فالتشغيل الاقتصادي الأمثل لهذه المحطات هو الوسيلة الأكثر فعالية في هذا المجال، كما أن الحفاظ على جاهزية محطات الطاقة والتقيد الصارم ببرامج الصيانة من الوسائل الأساسية لترشيد الطاقة في المراحل الأولى من منظومات الطاقة المتكاملة.
وتأتي بعد ذلك إجراءات ما يسمى «إدارة الأحمال» load management وهي التحكم المركزي في مؤسسات الطاقة، في تصرف المستهلك زمنياً وكمياً بوساطة أجهزة خاصة تركب لهذا الغرض، وعن طريق تطوير نظم تعرفة ملائمة تضطر المستهلك إلى تجنب الهدر في الاستهلاك والاستخدام العقلاني للطاقة، فمثلاً: إن تسخين المياه بالطاقة الكهربائية يُعد من الاستخدامات غير العقلانية للطاقة، ذلك أنه قد سبق أن هُدر أكثر من 66% من الطاقة الحرارية لتحويلها إلى طاقة كهربائية، إضافة إلى ضياع الطاقة في شبكات النقل والتوزيع التي توصل الطاقة الكهربائية إلى المستهلك. لذا فإن الحد من استخدام أجهزة التسخين الكهربائية هو أحد السبل التي يتضمنها برنامج إدارة الأحمال بهدف تحقيق الاستخدام العقلاني للطاقة، ومن الإجراءات المفيدة في هذا المجال:
ـ تشجيع استخدام أجهزة التسخين والتدفئة المتطورة التي تستهلك أقل كمية من الوقود بأعلى مردود وأقل تلوث، وذلك بخفض أثمانها، وتحمل الدولة جزءاً من تكاليفها التأسيسية وخفض أسعار المحروقات المستخدمة في هذه الأجهزة.
ـ الاستفادة القصوى من الطاقة الشمسية في تسخين المياه وفي التدفئة ما أمكن ذلك.
ـ رفع أسعار الأجهزة الكهربائية المعدة لتسخين المياه والتدفئة وفرض ضريبة عالية عليها.
وهناك الكثير من الإجراءات والبرامج التي تساعد على ترشيد استهلاك الطاقة والإقلال من الهدر كالعزل الحراري الجيد للمباني الذي يوفر نحو 25- 30% من الطاقة المستهلكة في التدفئة شتاء أو التكييف صيفاً. كذلك فإن تطبيق «التوقيت الصيفي» يمكّن من الاستفادة القصوى من ضوء النهار ومن نشاط الإنسان في فصل الصيف، إذ تسطع الشمس في هذا الفصل باكراً ويطول النهار، ويسهم ذلك كثيراً في خفض الطاقة المستهلكة في الإنارة والتكييف.
ويعد استخدام المحطات المركزية للتدفئة وتسخين المياه من الأساليب الناجعة لترشيد استهلاك الطاقة والحد من الهدر لمردودها العالي وعملها المضمون في شروط فنية واقتصادية قريبة من المثلى. كما أن التشجيع على استخدام وسائط النقل العامة يخفض إلى حد كبير من استهلاك الوقود اللازم لقطاع النقل والمواصلات.
وأخيراً فإن للإعلام دوراً مهماً في هذا المجال، بتوعية المواطن وتعريفه أهمية ترشيد استهلاك الطاقة والحد من هدرها في مختلف مناحي حياته وأنشطته. وعلى وسائل الإعلام بأنواعها المرئية والمسموعة والمقروءة تقديم برامج توعية توضح للمواطن أهمية ترشيد استهلاك الطاقة وتبين مدى الخسارة الناجمة عن الهدر الذي يمكن أن يسببه أي فرد عن قصد أو عن غير قصد وكيف أن هذا الهدر الإفرادي الذي يستهين به المواطن يسبب خسارة إجمالية كبيرة في الدخل القومي تقدر ببلايين الدولارات سنوياً.
رفع كفاية التقنيات في اقتصاد الطاقة

يتزايد استهلاك الطاقة في العالم مع تزايد عدد السكان والسعي للارتقاء إلى مستويات معيشة أفضل، وهذا التزايد المستمر في طلب خدمات الطاقة يتسبب في مشكلات كثيرة منها استنزاف موارد البلد وتفاقم تلوث البيئة الناتج من استهلاك الطاقة بأنواعها.
ومن المعلوم أن كيلو واطاً ساعياً واحداً من الكهرباء يكفي، مبدئياً، لإضاءة مصباح استطاعته 100 واط مدة 10 ساعات، أو رفع طن واحد إلى ارتفاع 300 متر. كما يكفي استهلاك 20 لتراً من البنزين في سيارة متوسطة لقطع مسافة 180 كم. ومن أجل الاقتصاد في الطاقة يمكن أن يوفر الكيلو واط الساعي نفسه إمكانيةَ إنارة أكبر أو مقداراً أكبر من العمل الميكانيكي المفيد بتحسين كفاية الوسائل التقنية المستخدمة استناداً إلى أبحاث كل من جامعة هارفرد وبرنستون بيركلي في كاليفورنية ومعهد مصادر الطاقة WRI، وقد وجد أنه بالإمكان، من الناحية التقنية، الاقتصاد في استهلاك الطاقة بنسبة تراوح بين 25 و45%، ولا يقصد هنا التقنين في استخدام الطاقة، بل استخدام الطاقة بكفاية أعلى. ولقد حققت اليابان معدلات كبيرة في توفير الطاقة باعتماد تقنيات حديثة. وفيما يلي أهم مجالات الاقتصاد في الطاقة:
1ـ اشتملت معظم خطوات الاقتصاد في استهلاك النفط، حتى اليوم، على تحسينات تقنية أدخلت على تصميم السيارات التي تعمل بالبنزين والديزل كاستخدام الأجهزة الإلكترونية وتخفيف وزن السيارة وتحسين شكلها الانسيابي وغيرها، وبذلك انخفض استهلاك السيارة العادية في الخمسة عشر عاماً الماضية بنحو 25% في ألمانية، ونحو 50% في الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك أدخلت تحسينات كثيرة على صناعة الطائرات وانخفض استهلاك محركاتها النفاثة. وإذا ما علم أن نصف إنتاج النفط العالمي تستهلكه 500 مليون سيارة وشاحنة وأن متوسط الزيادة السنوية في أسطول السيارات لا يقل عن 4.8% فستكون نسبة استهلاك السيارات العاملة في عام 2030م أكبر من ذلك بكثير.


2ـ تطورت التقنيات الحديثة في توليد الطاقة الكهربائية من الوقود الأحفوري، وارتفع مردود محطات التوليد الكهربائية من 25% إلى 48%. ويبين الشكل 3 إحدى التقنيات المتقدمة لتوليد الكهرباء المسماة «الدورة المركبة المتكاملة للفحم المحول إلى غاز» Intergrated Coal Gasification Combined Cycle - IGCC. إذ يحول الفحم إلى خليط غازي بتفاعله مع البخار والأكسجين قبل حرقه، وتقوم المنظومة بعد ذلك بتشغيل الدورة المركبة، فيُحرق مزيج الغازات في عنفة غازية ثم تُردّ حرارة الغازات الخارجة من العادم إلى العنفة الغازية، بعد إدخالها في مبدل لتبخير الماء، ويقوم بخار الماء بتدوير عنفة بخارية تقليدية.
إن الدورات المركبة أكثر كفاية من دورات البخار التقليدية، لأنها تستخلص قدراً أكبر من الطاقة من كل وحدة فحم أو نفط أو غاز تحرق في المحطة. أما في محطات توليد الكهرباء التقليدية فيحرق الفحم أو النفط أو الغاز لتسخين ماء المرجل وتحويله إلى بخار يدير عنفة بخارية، وتطرح الغازات الحارة الناتجة عن الاحتراق من مدخنة إلى الجو من دون أن تستغل.


ويوضح الشكل 4 أهم تقنيات استخدام الوقود الأحفوري المتطورة، والكفاية والمردود لكل نوع من المحطات، الذي قد يصل إلى 55%، ويظهر بجلاء أهمية أبحاث الاقتصاد في الطاقة وحماية البيئة من التلوث.
3ـ إن استخدام تجهيزات للإنارة أكثر كفاية ومردوداً يمكن أن يوفر في استهلاك الطاقة الكهربائية بنسبة تزيد على 80% في مجال الإنارة، ومثال على ذلك أن استخدام المصباح الفلوري الصغير الاستطاعة باستطاعة 18 واط يصدر ضوءاً مماثلاً لضوء مصباح متوهج عادي استطاعته 70 واط ويخفض كلفة الإنارة بنسبة 80% في البيوت والمكاتب، ويزيد عمر تلك المصابيح تسع مرات إلى ثلاث عشرة مرة على عمر المصابيح المتوهجة العادية، وتتوافر اليوم أدوات إنارة عالية الكفاية لكل الاستخدامات تقريباً.
كذلك فإن استخدام الفوسفور والإلكترونيات واعتماد الترددات العالية (30 كيلو هرتز) يزيد من كفاية المصابيح ومردودها، ويمكن استرداد كلفة استبدال المصابيح الجديدة بالمصابيح التقليدية في مدى سنة ونصف عن طريق الاقتصاد في الطاقة المستجرة، وإذا ما طبقت تلك التقنيات على ملايين المصابيح في بلد مثل سورية أو على مليارات المصابيح الموجودة في العالم فيمكن تقدير مدى الاقتصاد الكبير في الطاقة والتخفيف من التلوث.
4ـ وضعت الدول المتطورة معايير دقيقة لصناعة التجهيزات الكهربائية من حيث استخدام الكهرباء بكفاية عالية وبمردود مرتفع، ويبين الشكل 5 تطور استهلاك براد منزلي من الطاقة الكهربائية، وكان هذا الاستهلاك السنوي عام 1970 في حدود 1726 كيلو واط ساعي وأصبح عام 2000 بحدود 580 أي أقل من 50% من استهلاك براد قديم.
ولما كانت الآلات الصناعية تستهلك بأنواعها 40% من الطاقة العالمية، فإن أي تحسين في كفايتها يؤدي إلى تخفيض مطرد لهذه النسبة. ويبذل العلماء والمهندسون جهوداً كبيرة لرفع كفاية استخدام الطاقة، وقد تمكنوا بنتيجة ذلك من زيادة الإنتاج الصناعي في العشرين سنة الماضية زيادة كبيرة، وأدى ذلك إلى خفض استهلاك الطاقة الإجمالي في الصناعة. وتُقدِّم المحركات الكهربائية مثالاً واضحاً على ذلك لأنها تستهلك 60 - 70% من الكهرباء المخصصة للصناعة، ويبين الشكل 6 آلية رفع كفاية محرك كهربائي يحرك مضخة سوائل صناعية.


إن تجهيز المحرك بمنظم إلكتروني للسرعة يرفع من كفاية منظومة مضخة المحرك من 31% إلى 72% ويستطيع المستثمر استرجاع كلفة ذلك المنظم في مدى سنتين أو أقل، أما الأثر الصافي لمنظم السرعة في الحالة المذكورة فهو اقتصاد في الطاقة بنحو 21%.
وقد بينت التجارب أن التحسينات التي أجريت على أفران القوس الكهربائية في صناعة الفولاذ حققت مكاسب في توفير الطاقة بحدود30%.
ويمكن تلخيص أهم النتائج والمكاسب التي قد يحققها كل بلد باعتماد مبدأ الكفاية في استخدام الطاقة الكهربائية على النحو التالي:
ـ خفض نفقات تشغيل المحطات (وقود وصيانة وأجور) على المدى القصير.
ـ تجنب تكاليف بناء محطات توليد جديدة على المدى المتوسط.
ـ تجنب نفقات تبديل محطات التوليد القديمة على المدى البعيد.
ـ تحقيق المنافسة الصناعية بين وسائل الإنتاج، فالشركة التي تخفض كلفة الكهرباء بنسبة 20% أو30% توفر لمنتوجاتها أسعاراً منافسة قوية.
ـ إيجاد حلول للمشاكل الكبرى التي تعانيها الدول النامية لأن المال اللازم لشراء محطات التوليد وتشغيلها يستهلك 25% من رأس مال التنمية، ويمكن توفير هذه المبالغ من أجل تنفيذ مشاريع تنموية مثمرة.
طاقة الوقود الأحفوري
شاع استعمال الوقود الأحفوري لسهولة استخراجه من مكامنه وإتقان استخدامه لإنتاج الخدمات التي يحتاج إليها الإنسان، وسهولة نقله، واختزانه قدراً كبيراً من الطاقة الحرارية، وكذلك سهولة تحويله من حالة إلى أخرى (صلبة أو سائلة أو غازية).


ويعد الوقود الأحفوري من المواد الخام الممتازة لإنتاج الكيمياويات واللدائن، وسيبقى الوقود الأحفوري يحتل مكانته البالغة الأهمية طوال القرن المقبل لأن تطوير بدائل منافسة يتطلب جهوداً كبيرة وزمناً طويلاً.
وقد تزايد استهلاك العالم من الغاز والنفط والفحم في المدة بين السبعينات والتسعينات من القرن العشرين بنسبة 50% عما كان عليه، فارتفع من 4733 مليون TEP عام 1971 إلى 7255 مليون TEP عام 1992، ( TEP= الطاقة الحرارية المتوسطة، الناتجة من احتراق طن واحد من النفط)، علماً أن الاحتياطي الذي لم يستغل حتى اليوم لايزيد على 760 مليار TEP. وتختلف كلفة إنتاج النفط من مكان إلى آخر وتراوح بين 10- 30 دولاراً للبرميل.
1ـ الغاز الطبيعي: بينت الدراسات أن مخزون الغاز العالمي أكبر بكثير من مخزون النفط، ويكفي حاجة العالم أكثر من 50- 150 سنة. وقد بلغ حجم المخزون المحدد نحو120 مليار TEP، وأما المخزون العالمي الإجمالي فيعادل 230 مليار TEP، ويؤكد أكثر خبراء الطاقة أن الغاز الطبيعي هو طاقة المستقبل. ويبين توزع مخزون الغاز الطبيعي في العالم، كما في الشكل 7، أن إنتاج الغاز الطبيعي سيتركز في عام 2020 في روسية وفي الشرق الأوسط وسينتج القليل منه في الأمريكتين وفي أوربة الشمالية.
والمعروف أن استخدام الغاز الطبيعي بدلاً من الفحم يوفر للبيئة بعض الحماية، إلى أن يتم استكمال تقنيات إنتاج طاقة بديلة غير أُحفورية.
2ـ الفحم الحجري: تبين التقديرات الأولية لاحتياطي الفحم العالمي أنه يكفي استهلاك العالم حتى عام 2200، ويوضح الشكل 8 توزع الاحتياطي العالمي من الفحم الحجري واستهلاكه سنوياً في القارات الخمس. ويبلغ الاستهلاك العالمي اليوم نحو 2.3 مليار طن سنوياً، وهو قابل للزيادة إلى 4.1 مليار طن عام 2020، أي بنسبة 79% تقريباً، والميزة الأساسية للفحم هي انخفاض سعره بالموازنة مع النفط والغاز. أما أهم مساوئه فهو أنه ملوث كبير للبيئة.
وهناك أبحاث تثير اهتماماً عالمياً، حول منظومة الدورة المركبة المتكاملة للفحم المُغوَّز (أي المحول إلى غاز). والهدف الأساسي من هذه التقنية تحويل الفحم إلى غاز مصنع يتكون أساساً من الهدروجين H2 وغاز أول أكسيد الفحم CO مع كميات أقل من غاز الميتان وغاز الفحم وكبريتات الهدروجين ويمكن استعمال هذه الغازات الناتجة وقوداً ذا مردود عالٍ نسبياً.
3ـ النفط: إن تقديرات الاحتياطي النفطي في العالم تكفي الاستهلاك مدة 30 - 100 سنة ويعود عدم دقة التقدير إلى تباين نسبة استخراج النفط، وزيادة الاستثمارات الخاصة بالتنقيب عن النفط واستخراجه. ويبين الشكل 9 أهم منابع النفط في العالم. ويلاحظ من الشكل أن احتياطي العالم يتركز في عشر مناطق تقريباً أهمها: دول الخليج العربي وإيران والمكسيك وفنزويلة ودول آسيا الوسطى وروسية والأمريكتين. وتشير تقديرات الخبراء اليابانيين لعام 2020 إلى أن نفط الخليج سيكون المنتج الوحيد في العالم وسيزداد الاعتماد عليه في السنين القادمة. وسوف يزداد وسطي استهلاك النفط بنسبة 48% من اليوم حتى عام 2020.
وتسعى الدول الكبرى إلى المحافظة على سعر النفط منخفضاً لدوره الكبير في كلفة الإنتاج الصناعي العالمي. كما تعمل شركات النفط على زيادة فاعلية إنتاج النفط ومردوده باعتماد الحفر الأفقي بعد الوصول إلى طبقة النفط. واستعمال أجهزة متطورة لتحديد المخزون وحجمه، وتخفيض كلف الحفر باعتماد تقنيات جديدة، وإعادة استثمار البئر المستنزفة بتحسين وسائل الاستخراج وتنقية النفط من الشوائب. إذ من الصعب استخراج كل ما في البئر من نفط، وأفضل الوسائل المستعملة إلى اليوم لا تستطيع استخراج أكثر من 45% من مخزون البئر الكامل، ويمكن التوصل إلى استخراج نحو 60% من ذلك المخزون بوسائل متطورة مما يزيد في الإنتاج ويخفض الكلفة.
ومع أن النفط أفضل مصادر الطاقة المتوافرة اليوم فإن التوقعات المستقبلية البعيدة المدى غير مشجعة لأن النفط مادة ملوثة للبيئة.
ويسبب تخفيض سعر النفط الخام خسارة مادية كبيرة للدول المنتجة له، ولكن يدفعها في المقابل إلى التحول من الاعتماد على الريع إلى الاعتماد على الإنتاج مدعوماً بثروة نفطية، الأمر الذي يعطي البلد المنتج للنفط ميزة عامة تتمثل في خفض كلفة الإنتاج بسبب انخفاض كلفة الطاقة. ومن المتوقع في السنوات المقبلة أن تصبح الدول النفطية واحدة من أهم الأسواق الناشئة في العالم الجاذبة لرؤوس الأموال، إذا اتخذت الإجراءات الآيلة إلى دمج اقتصادها بالاقتصاد العالمي.
ولأن النفط سيبقى مصدراً رئيساً للطاقة حتى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين فقد بدأت تظهر اليوم عدة استراتيجيات لتوفير الطاقة، غير مكلفة نسبياً، وتراوح بين زيادة كفاية استخدام الوقود الأحفوري وتطوير مصادر غير أحفورية محسنة يمكن أن تكون بدائل مسوَّغة اقتصادياً ويمكن استعمالها على نطاق واسع.
4ـ هيدرات الميتان: بينت دراسات قعر المحيطات أن مخزونها الضخم من غاز هيدرات الميتان قد يكون مصدراً للطاقة يفوق أهمية كل مخزون العالم من النفط والغاز الموجود على الكرة الأرضية.
يعود الفضل في اكتشاف هذا المصدر لمشروع أبحاث دولي هدفه دراسة قعر المحيطات في كل أنحاء العالم، تنفذه مؤسسة علم المحيطات المشتركة ضمن مشروع «جويدس» JOIDES Resolution بموجب برنامج الحفر في المحيطات Ocean drilling programme (ODP). وقد تم اكتشاف غاز هيدرات الميتان محبوساً في الخمسمئة متر الدنيا من الرواسب الموجودة في القعر على أعماق سحيقة تراوح بين 3000 و4500 متر وعلى مساحة تزيد على 3000 كم2 عند شاطئ ولاية كارولينة الشمالية في الولايات المتحدة الأمريكية. ويقدر العلماء كمية غاز الميتان المحصورة في هذه الطبقة وحدها بنحو 13 ألف مليار متر مكعب، أي ما يعادل 70 ضعف الاستهلاك السنوي في الولايات المتحدة. وهوليس غازاً محبوساً في حوض للغاز بل على هيئة فلز يسمى مركبات الميتان القفصية (الكهفية) clathrate de methane، وهي مكونة من تبلور ذرات الميتان ضمن بلّورات الماء تحت شروط خاصة بالضغط والحرارة مخلوطة بذرات من صخور رملية أو رسوبية تتوضع في قعر المحيط على أعماق كبيرة وتحوي أيضاً غاز الإيتان Ethane، والبروبان propane، والبوتان butane.
يتشكل هذا الفلز بدرجة حرارة 2ْ مئوية وبضغط يزيد على 200 بار، وإذا انخفض الضغط على الفلز تحرر الغاز بحجم يزيد على 150 ضعف حجمه ويحترق بسرعة بلون برتقالي وبحرارة شديدة، ولا يترك إلا القليل من السخام أو البقايا.
تتشكل هيدرات الميتان أيضاً على الأرض عند توافر البرودة والضغط المناسبين في المناطق القطبية وفي ألاسكة، وسيبيرية وفي أعماق المحيطات على شواطئ الولايات المتحدة، واليابان، والبيرو وكوستاريكة وفي أعماق البحر الأسود وبحر قزوين.
ويتم تشكل هيدرات الميتان من تفسخ البكترية على مدى ملايين السنين عند توافر الضغط المناسب وفي درجة حرارة تقارب الصفر بمعزل عن الأوكسجين وفق المعادلة التالية:
4H2+CO2  CH4 +2H2O
أما استثمار هذا المخزون الهائل من الغاز في القرن الحادي والعشرين فيتوقف على عدة عوامل سياسية واقتصادية وتقنية واستراتيجية وعلى سياسة شركات النفط الكبرى في العالم.
طاقة الانشطار النووي

عُدّت الطاقة النووية nuclear power الحل الأمثل لاقتصاد الطاقة في العالم، لكنها اتهمت لاحقاً بأنها الطريقة الأكثر خطورة والأقل ملاءمة لإنتاج الطاقة. وتَعزز اليوم موقف الرأي العام العالمي المعارض للطاقة النووية بعد حادثة تشرنوبل في أوكرانية وحادثة جزيرة ثري مايل في أمريكة، إذ توقف بناء المفاعلات النووية في عدة دول. ففي الولايات المتحدة لم يتخذ أي قرار بإنشاء مفاعلات جديدة منذ عام 1978، وفي السويد توقف بناء المفاعلات بعد استفتاء شعبي، وفي سويسرة وألمانية توقفت الأنشطة النووية.


ويمكن حصر أهم الأسباب السياسية والاجتماعية التي تقف في طريق تطوير الطاقة النووية فيما يلي:
أ ـ مشاكل تشغيل المفاعل النووي والأخطار المرافقة لخروجه عن السيطرة.
ب ـ صعوبة تصريف النفايات الذرية وارتفاع تكاليف إنتاج الطاقة وصعوبة معالجتها وتخزينها.
وقد بينت الدراسات الاقتصادية الحديثة الخاصة بالطاقة النووية أن كلفة توليد الكيلوواط الساعي من المفاعلات الذرية كبيرة جداً ومن أسبابها:

ـ ارتفاع تكاليف بناء المحطات النووية التي تتطلب مواصفات خاصة وطول مدة البناء.
ـ ارتفاع تكلفة عناصر الأمان اللازمة لمنع حدوث تسرب إشعاعي، كبناء حاوية من الفولاذ والإسمنت المسلح تغلف المفاعل بكامله من أجل حصر الإشعاعات في حال حدوث انفجار نووي أو خروج المفاعل عن السيطرة، والشكل 10 يبين مبدأ هذا النظام.
ـ ارتفاع تكلفة البرامج الحاسوبية (أنظمة خبيرة) للمراقبة والتحكم وحماية عمل المفاعل والتدخل لحصر الخطر تلقائياً.
ـ ارتفاع تكلفة معالجة النفايات المشعة وتصريفها وتخزينها.
ـ ارتفاع كلفة التخلص من المحطة بعد انتهاء عمرها الفني المقدر بثلاثين سنة.
ـ انخفاض معدل استعمال المحطات بسبب طول مدة الصيانة والإصلاح والتجديد، وتبين الإحصائيات أن هذا المعدل يبلغ نحو 53% من عمر المحطة.
ويبدو أن الأبحاث الجديدة الرامية إلى تطوير محطات الطاقة النووية قد توصلت إلى اقتراح محطة نووية من طراز جديد تتمتع بمواصفات كثيرة منها:
ـ انتفاء خطر خروج المفاعل عن السيطرة، أو خطر تسرب إشعاعي.
ـ عدم وجود نفايات مشعة لمدة طويلة.
ـ اعتماد وقود نووي مختلف ومتوافر في الطبيعة بكثرة هو الثوريوم thorium.
ـ عدم إنتاج مادة البلوتونيوم الخطرة المستعملة في الأسلحة النووية، وبذلك لا تخضع مثل هذه المحطات للحظر الدولي.
ـ انتفاء طرح أي غازات تؤثر في البيئة.
ـ انخفاض الكلفة التأسيسية.
وقد تم اقتراح هذه المحطة النووية الجديدة سنة 1993 من قبل العالم كارلو روبيا Carlo Rubbia الحائز جائزة نوبل عام 1984. ومبدأ عملها مبين في الشكل 10.
يعتمد مبدأ الانشطار التسلسلي على مسرع جزيئات بروتوني ملحق بالمحطة يقذف البروتون على كتلة من معدن الرصاص تملأ المفاعل، ويولد هذا الاصطدام حزمة من النيوترونات.
عند اصطدام نيوترون بذرة ثوريوم 232 يتحول، بعد ضم النيوترون، إلى مادة مشعة هي الأورانيوم 232 فإذا ما صدمها نيوترون آخر تنشطر ذرة الأورانيوم 232 مطلقة طاقة حرارية كبيرة إضافة إلى حزمة نيوترونات تضاف إلى نيوترونات الحزمة الأولى لمتابعة الانشطار.
ولا يسمح هذا الوقود بتكون مزيج حرج sous - critique إذ إنه يُمكِّن المفاعل من توقيف المسرِّع البروتوني فوراَ حائلاَ دون استمرار التفاعل التسلسلي.
وقد بينت الدراسات والأبحاث الخاصة بمفاعل روبيا أن بالإمكان استخدام هذا المفاعل في تحويل البلوتونيوم الخطر، وكذلك بعض المواد المشعة الخطرة، لتنشيط الثوريوم ثم تتحول هذه المواد بعد ذلك إلى مواد مشعة بسيطة.
ويعد مفاعل روبيا قفزة نوعية في استغلال الطاقة النووية ضمن مجال اقتصاد الطاقة والحفاظ على البيئة، ويتوقع اعتماد هذا النوع من المفاعلات على نطاق واسع.
طاقة الاندماج النووي

بدأت الأبحاث الخاصة بتوليد الطاقة من الاندماج النووي nuclear fusion منذ أوائل الخمسينات من القرن العشرين، وقد تبين أن من الممكن توليد الطاقة من دمج نواتين من عنصرين مختلفين بدلاَ من انشطارهما، ونجح الباحثون مخبرياً بدمج ذرتي التريتيوم والدوتيريوم أول مرة في عام 1995، وهذان العنصران نظيران لذرة الهدروجين في الشروط الفيزيائية الحدية التي عينها العالم لاوسون [ر.الاندماج النووي]، ولأن الاندماج لم يتخط عتبة الجدوى العلمية scientific feasibilitly فمن الصعب إدخاله في أبحاث اقتصاد الطاقة، لكنه يبشر بمستقبل واعد، إذ إنه يوفر طاقة هائلة وبكلفة زهيدة بالاعتماد على مواد متوافرة في الطبيعة بكثرة.
إن مشروع مفاعل «توكا ماك» Tokamak الذي أقيم برغبة دولية مشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسية وأوربة الغربية واليابان يهدف إلى جعل الاندماج النووي صالحاً تجارياً في القرن الحادي والعشرين. وخلافاً للتصورات الشائعة فإن تقانة الاندماج الراهنة ليست نظيفة بطبيعتها، لأنها تطلق نيوترونات تجعل المفاعل والمواد المحيطة به نشيطة إشعاعياً. وتشير الأبحاث إلى احتمال تصميم مفاعلات هجينة hybrid تجمع الانشطار النووي مع الاندماج النووي.
الطاقات النظيفة والمتجددة

يقصد بالطاقات النظيفة الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والكتلة الحيوية، وهي طاقات غير مضرة بالبيئة يستفاد منها في توليد الكهرباء وإنتاج الوقود، وقد تزاحم الطرائق التقليدية لتوليد الطاقة من حيث التكلفة في السنين القليلة القادمة.
إن ازدياد مخاطر تلوث هواء المدن والمطر الحمضي وتسرب النفط والإشعاع النووي وارتفاع حرارة الأرض تحض على البحث عن بدائل للفحم والنفط والمفاعلات النووية لإنتاج الطاقة، ومع أن مصادر الطاقة البديلة ليست نظيفة تماماً، فإنها تفتح المجال واسعاً أمام الخيارات التي يقل ضررها البيئي كثيراً عن مصادر الطاقة التقليدية. وأفضل تلك الخيارات الواعدة تسخير طاقة الشمس لإنتاج طاقة حرارية أو كهربائية، علماً أن التقانات الشمسية والبنى التحتية اللازمة لاستثمارها تتطور سريعاً، فالكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية ـ الحرارية ومن الرياح والكتلة الحيوية تنافس من حيث التكلفة الكهرباء المولدة بالطرائق المعروفة، كما أن الكهرباء المولدة من الخلايا الضوئية photovoltaics والوقود السائل المستخرج من الكتلة الحيوية دخلت مجال المنافسة مع نهاية القرن العشرين. ومن السابق لأوانه التنبؤ بنوع التقانة التي ستكون آنذاك، إلا أن إمدادات الطاقة الشمسية سوف تتنوع من حيث التقانة والحجم، وسوف تتسم بتنوعات إقليمية واضحة تتطلب طرائق جديدة لإدخال هذه التقنيات وإدارتها.
1ـ الطاقة الشمسية: لقد أثبتت الطاقة الشمسية كفايتها الفنية والاقتصادية في مجال تسخين الماء وتوليد الكهرباء عن طريق الخلايا الشمسية، وتمتاز الطاقة الشمسية من غيرها من مصادر الطاقة بالتفوق في الحد من استهلاك الوقود وتلوث البيئة. فالطاقة الشمسية شبه مجانية، ولكنها تتطلب تكاليف كبيرة لإنتاج أجهزة توليد الطاقة وتحويلها، وتهدف الأبحاث الحديثة إلى خفض هذه التكاليف إلى الحد الأدنى، وقد أمكن حتّى اليوم تصميم محطات توليد شمسية باستطاعة 80 ميغاوات هجينة تعمل نهاراً على الطاقة الشمسية وليلاً على الغاز الطبيعي، وبذلك خفضت كلفة الكيلوواط الساعي إلى درجة كبيرة. على أن أسعار الطاقة الشمسية لا تخضع لقانون العرض والطلب المعروف اقتصادياً بل تعتمد على قانون اقتصاد المقياس economy of scale.


2ـ طاقة الرياح: أصبحت تكلفة الطاقة الكهربائية المولدة بقوة الرياح منخفضة جداً. كما أن استخدام وسائل التحكم الإلكترونية الذكية واستخدام السطوح الانسيابية والتحسين المستمر للمواد المستخدمة في توليد الطاقة الكهربائية من الرياح حققت مكاسب إضافية في توفير مثل هذه الطاقة.
3ـ طاقة الكتلة الحيوية: توفر خيارات الطاقة الشمسية تخزيناً ضمنياً في المادة الخضراء الموجودة في الكتلة الحيوية، التي تتكون بوساطة التركيب الضوئي، وتختزن جزءاً من الطاقة الشمسية على شكل طاقة كيمياوية يمكن استعادتها بحرق النبات، الشكل (11).
تقدم الكتلة الحيوية على النقيض من الوقود الأحفوري عدداً من المزايا، إذ إنها تتوافر في معظم أرجاء الأرض، وتحتوي على أقل من 0.1 في المئة من الكبريت و3 إلى 5 في المئة من الرماد، ويعادل حجم غاز ثاني أكسيد الكربون المنطلق من الكتلة الحيوية عند حرقها أو معالجتها حجم غاز ثاني أكسيد الكربون المستهلك في عملية التركيب الضوئي. وهذا يعني أن الطاقة الحيوية لا تطرح في الجو أي كمية إضافية من ثاني أكسيد الكربون.
تستعمل الكتلة الحيوية على نطاق واسع لتوليد الكهرباء والحرارة في صناعات منتجات الغابة، فتستخدم فضلات الخشب المتبقية من عملية الإنتاج وقوداً لمنظومات التوليد المرافق cogeneration العاملة على العنفات البخارية، وتعد هذه الطريقة اقتصادية فقط في المناطق التي يكون وقود الكتلة الحيوية الرخيص متوافراً فيها بكثرة.
خلايا الوقود

تتألف خلايا الوقود، كغيرها من الخلايا الكهربائية والكيمياوية، من مصعد ومهبط ومحلول كهربائي بينهما. إلا أن الخلايا الوقودية هذه تمتاز من غيرها بأن العامل المختزل (المهدرج) يغذي المصعد على هيئة وقود. ويكون الهدروجين هو الوقود في جميع الحالات، أي إن الخلية الوقودية تتغذى بالهدروجين وبالأكسجين لتولّد الكهرباء.
وقد بينت الحسابات الاقتصادية لعدد من وحدات الخلايا الوقودية التي تعمل على الغاز الطبيعي أن التكاليف التأسيسية لها لم تتجاوز 1000 دولار للكيلوواط الواحد. وبمقتضى حسابات ليندشتروم الخبير السويدي في الخلايا الوقودية فإن كلفة الكيلوواط الساعي المولّد من هذه الخلايا تراوح ما بين 0.06ـ 0.07 دولار، ومردودها في حدود 50%، ومن المتوقع في المستقبل المنظور أن يرتفع مردود الخلايا الوقودية إلى 60% مما يؤدي إلى انخفاض كلفة التوليد منها وازدياد فرص المنافسة لمصلحتها.
آفاق المستقبل لمصادر الطاقة
يجمع خبراء الطاقة على أن طاقة المستقبل ستكون متعددة ومتنوعة من عشرات المنابع.


وتتوزع نسبة كل منبع منها بين 5% و15% من كمية الطاقة التي تولد في العالم. وذلك تبعاً للتوليد، ونسبة الملوثات، وسهولة الاستخدام. ويرجح الخبراء ظهور إمكانات التوصل إلى طرائق أفضل لتحويل الطاقة وتخزينها تسهم في الاعتماد على الطاقات النظيفة. ومن الأمثلة المعتمدة في تخزين الطاقة الكهربائية المولدة من الطاقة الشمسية ومن طاقة الرياح استخدام تلك الطاقة في تحليل الماء إلى هدروجين وأكسجين كما هو مبين في الشكل 12.
إن الهدروجين الناتج من تحليل الماء باستخدام كهرباء الفلطية الضوئية أو الرياح هو وقود نظيف يخزن الطاقة الشمسية كيمياوياً، وإن نقل الهدروجين أرخص كلفة من حيث المبدأ من نقل الكهرباء، لذلك يمكن أن يكون التحول إلى الهدروجين وسيلة جذابة لاستخدام الطاقة الشمسية ونقلها إلى مراكز الطلب الرئيسية.
كما أن اعتماد محطات هجينة لإنتاج الطاقة المركبة (شمسية ـ غاز طبيعي) بإضافة منظومة وقود أحفوري رخيصة يمكن تعديل إنتاجها من الكهرباء للتعويض عن التقلبات في الإمداد الشمسي وقوة الرياح، قد يكون الطريقة الأقل ضرراً بيئياً لتوليد الطاقة.


وقد قامت إحدى الشركات الأمريكية بإضافة مصدر حراري، يعمل على إحراق الغاز الطبيعي، إلى منظومتها الكهربائية الشمسية ـ الحرارية، ووفر هذا المصدر الحراري للشركة القدرة على زيادة إنتاجها إلى الحد الأقصى، بضمان توافر الطاقة كلما دعت إليها الحاجة.
إن فكرة النظام «الهجين الغازي ـ الشمسي» قابلة للتطبيق أيضاً على الرياح والفلطيات الضوئية. ويمكن استخدام جيل جديد من عنفات الغاز ذات الكفاية العالية الرخيصة في هذه الهجينات.
وقد انخفضت تكاليف الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية انخفاضاً حاداً في الثمانينات من القرن العشرين، وسوف تستمر في الانخفاض مع استمرار التحسن في تقنياتها واكتساب الخبرة (الشكل 13).


أما الإنتاج الكلي للكتلة الحيوية فمرهون بتوافر الأرض والماء، بسبب انخفاض كفاية التركيب الضوئي وضخامة كميات المياه اللازمة لزراعة النباتات، ومع ذلك يمكن لإمدادات الكتلة الحيوية الكاملة أن تحل محل النفط المستخدم اليوم في المركبات الخفيفة، ومحل الفحم الذي يحرق لتوليد الكهرباء، شريطة استخدام وحدات ذات كفاية عالية للتحويل إلى غاز مع استخدام عنفات غازية لتوليد الطاقة ويمكن بهذه الطريقة خفض انبعاث ثنائي أكسيد الكربون إلى النصف (الشكل 14).
اقتصاد الطاقة والحفاظ على التوازن البيئي

ما يزال الوقود الأحفوري المصدر الأساسي للطاقة الرخيصة، وسيظل كذلك إلى أن تحل محله مصادر أخرى ملائمة من حيث الكم والكلفة، فإحراق الفحم والنفط والغاز الطبيعي يوفر في الوقت الحاضر أكثر من 80% من الطاقة التي يستهلكها العالم، لكن الغازات المنبعثة من عمليات الاحتراق تفسد البيئة إلى درجة خطرة قد تصل إلى تغيير المناخ وتهديد صلاحية الأرض للسكن في المستقبل.
ولابد من تطوير تقنيات تهتم بتخفيف أثر المطر الحامضي ودخان المدن (الضبخان smog)، وهما الأثران المباشران الناجمان عن إحراق الوقود الأحفوري، كما يجب الانتباه إلى الأثر الثالث الأكثر خطراً وتدميراً للبيئة، وهو ارتفاع حرارة الكرة الأرضية بسبب ما يسمى بظاهرة «الدفيئة» التي تؤدي في النهاية إلى تغيير مناخ الأرض. وهذا يتطلب تخصيص أموال كافية لتطوير تقنيات الحد من التلوث وتخصيص أموال كافية لإيجاد بدائل للطاقة غير المتجددة وتخصيص أموال كافية للتخلص من الملوثات والاقتصاد في حرق الوقود الأحفوري للتقليل من الملوثات.


وتضاف كل هذه المتطلبات إلى الكلفة الإجمالية للوقود. والشكل 15 يبين ملوثات الوقود الأحفوري وكمية Kg/Tep لكل نوع من أنواع الوقود المستخدم:

أما الشكل 16 فيبين تغيرات حرارة الأرض في الحقبة بين عام 1860وعام2000 إذ يلاحظ أن حرارة الأرض قد زادت بنسبة (0.6ْ) مع كل ما يتبع ذلك من أخطار ومن تغيير في مناخ الأرض.
ولقد بدأت في الظهور استراتيجيات مختلفة، غير مكلفة نسبياً، تراوح ما بين زيادة كفاية استخدام الوقود الأحفوري وتطوير مصادر غير أحفورية محسنة يمكن أن تكون بدائل اقتصادية على نطاق واسع.
إن تغير المناخ العالمي هو من بين المشكلات البيئية الأكثر تهديداً والأصعب معالجة من نواح عدة، فالمناخ يحكم معظم العمليات البيئية التي يعتمد عليها رفاه البشر اعتماداً حيوياً. ويمكن أن يكون لتغير المناخ العالمي عواقب عميقة الأثر في نصف الكرة الجنوبي: كزيادة القحط في فصل الجفاف وزيادة الفيضانات في فصل الأمطار، وازدياد المجاعات والأمراض إضافة إلى ملايين المهجرين بسبب الكوارث البيئية. وإذا كان الشمال أقل معاناة من آثار تغير المناخ المباشرة لقدرة مجتمعاته على التكيف، فإن العالم وثيق الترابط ولاسيما بالتجارة والمصالح الاقتصادية والسياسية.
والمجتمع العالمي اليوم في حاجة إلى تقنيات متطورة لتخفيف هذه الآثار المدمرة للبيئة تغنيه عن اللجوء إلى تقليص استهلاكه من الطاقة.
وفيما يتصل بتثبيت الوقود الأحفوري فيبدو أن معظم الآثار السيئة الناجمة عنه (ومنها مخاطر استخراج الفحم ومعظم المشكلات الصحية والمطر الحامضي) يمكن تخفيفها بتكاليف مالية إضافية بحدود 30% إلى الأسعار الحالية للوقود الأحفوري أو الكهرباء المولّدة منه. ومع ذلك يحتاج الأمر إلى استثمارات ضخمة من أجل تحديث المنشآت والتجهيزات القائمة أو تبديلها، وهي عقبة مهمة في بعض أجزاء العالم لنقص رأس المال وكون المنشآت والتجهيزات الموجودة أدنى بكثير من المستويات المتعارف عليها اليوم.


أما الطاقة النووية فهي أقل إفساداً للمناخ والبيئة إلى حد كبير، بيد أن قبول التوسع في استعمالها مرتبط باعتماد جيل جديد من المفاعلات له خصائص أمان محسّنة وإيجاد حلول عملية وفعالة لتصريف النفايات المشعة، وانتشار الأسلحة النووية.
أما الخيار الطويل الأمد والأمثل لتوفير الطاقة مع التحكم في التكلفة البيئية إلى الحد الأدنى فهو الاستفادة من الطاقة الشمسية استفادة مباشرة، وهي إلى اليوم أكثر الخيارات الطويلة الأمد كلفة وقد تبقى كذلك زمناً طويلاً.
العلاقة بين كلفة الإنتاج والآثار البيئية الناجمة عنها
إن قدرة البيئة على امتصاص النفايات الملوثة وغيرها من آثار تقانات الطاقة محدودة. وتتجلى في صنفين أساسيين من التكاليف البيئية: التكاليف «الخارجية»، وهي التي يفرضها إفساد البيئة على المجتمع ولا تؤثر في الحسابات المالية لمستهلكي الطاقة ومنتجيها، والتكاليف «المدخلة» وهي الزيادات على النفقات المالية التي تفرضها تدابير تهدف إلى خفض التكاليف الخارجية.
وكلا هذين الصنفين من التكاليف البيئية كانا وما يزالان في ازدياد لأسباب كثيرة منها: تناقص الجودة في تجمعات إنتاج الوقود ومواقع تحويل الطاقة وضرورة نقل المزيد من المواد إلى مسافات أبعد وبناء منشآت أكبر، وكذلك تنامي حجم النفايات الملوثة من منظومات الطاقة وضرورة إشباع قدرة البيئة على امتصاص مثل هذه النفايات من دون أن تصاب بالتلوث، وميل نفقات التحكم في التلوث إلى الزيادة مع ارتفاع نسبة التلوث. وإن تضافر معدلات استهلاك الطاقة المتزايدة مع انخفاض الجودة في الموارد يتطلب التخلص من نسبة متزايدة من الملوثات للإبقاء على مستوى الضرر على حاله، وهذا يعني زيادة التكاليف المدخلة، إضافة إلى أن الاهتمام الجماهيري والسياسي بالبيئة يطيل وقت اختيار مواقع منشآت الطاقة والترخيص لها وبنائها، ويزيد في تواتر تعديل المشروعات ومواصفاتها قبل بدء التنفيذ وإبّانه مما يؤدي إلى ارتفاع آخر في التكاليف.
وإنه لمن الصعب تحديد مقدار إسهام هذه العوامل المختلفة في النفقات المالية للإمداد بالطاقة. والمشكلة أن العوامل التي لا صلة لها بالبيئة كثيراً ما تتداخل مع العوامل البيئية، فقد لا يحدث التأخر في الإنشاء مثلاً بسبب قيود التنظيم فحسب، بل بسبب مشكلات هندسية وإدارية وأخرى لها صلة بمراقبة الجودة أيضاً. ومع ذلك فإن الإدخال الفعلي للآثار البيئية أو محاولة ذلك يزيد ولا شك في التكاليف المالية للإمداد بمنتجات النفط وتكاليف توليد الكهرباء والطاقة النووية.
ويصعب تحديد آثار النفقات التي يتطلبها إنتاج الطاقة في الصحة والسلامة العامتين، فلم يتوصل الباحثون مثلاً إلى إجماع حول آثار تلوث الهواء من الوقود الأحفوري وعدد الوفيات الناجمة عن التعرض لمثل هذا التلوث وتباينت تقديراتهم حول تركيب الوقود وتقانة التحكم في تلوث الهواء.
وثمة شكوك كثيرة حول آثار الانشطار النووي في الصحة والسلامة، ويلاحظ في هذه الحالة أن التقديرات المختلفة تنجم جزئياً عن الفروق في المواقع وطُرُز المفاعلات، وجزئياً عن الشكوك التي تحوم حول التلوث الناتج في كل مرحلة من مراحل دورة الوقود النووي، وخصوصاً إعادة معالجة الوقود والتصرف بنفايات مصانع الأورانيوم. وهناك فرضيات مختلفة حول آثار التعرض لجرعة منخفضة من الإشعاع وأكثر هذه الشكوك يتركز حول احتمالات وقوع الحوادث الكبيرة في المفاعلات وفي مصانع إعادة المعالجة وفي نقل النفايات.
إن الأخطار التقديرية على الصحة العامة الناجمة عن محطات توليد الكهرباء بحرق الفحم أو بالطاقة النووية كثيرة جداً، وتراوح بين أخطار يمكن إهمالها وأخطار شديدة التأثير مقارنة بالأخطار المحتملة الأخرى على السكان. وثمة أساس ضعيف في هذه المجالات لتفضيل أحد مصدري الطاقة المذكورين على الآخر.
إن حل هذه المعضلات يتطلب تبني استراتيجية واضحة وأساليب ناجعة، ومن ذلك محاولة خفض التكاليف البيئية والاجتماعية لمصادر الطاقة الموجودة. وخفض إصدار أكاسيد الكبريت والنتروجين من الوقود الأحفوري وأنواع الوقود التقليدية. وإن تقنيات كبح هذه الإصدارات أضحت في متناول اليد، وهي تعوض عن كلفتها بإنقاص الضرر الواقع على الصحة والممتلكات والنظم البيئية. وثمة حاجة لبذل الجهد لزيادة أمان المفاعلات النووية المعاصرة والحد من قدراتها ومنع استغلالها لإنتاج الأسلحة النووية، وتطوير تصميماتها تحت رقابة دولية.
إن إقامة تعاون بين الشرق والغرب والشمال والجنوب في قضايا البيئة يمكن أن تبدأ ببحوث الطاقة، وأن تخفف أزمة تمويل هذه البحوث بمنع الازدواجية وبمشاركة القوى المتخصصة في مختلف البلدان، وبتوزيع تكاليف المشروعات الكبيرة على المشاركين ومن المهم بوجه خاص أن يشتمل التعاون في بحوث الطاقة على تقنيات الطاقة المصممة للدول النامية.
ومن المهم جداً أيضاً التعاون الدولي في مراقبة الآثار البيئية لسد الحاجة إلى الطاقة، وإن نداءات الدول الغنية لحل المشكلات البيئية العالمية بتقييد استعمال الطاقة العالمي سوف تلقى آذاناً صماء في أقل البلدان نماء والبلدان المتوسطة اقتصادياً، مالم تقم المجموعة الأولى بإيجاد سبل لمساعدة المجموعتين الأخريين على بلوغ رفاهية اقتصادية متزايدة وحماية بيئية في آن واحد. وإلى أن يتم إحراز تقدم في هذا المجال سيكون من الصعب التكلم عن تغيير الوقود الأحفوري، فمع كل عيوب هذا الوقود، سيظل هو الأرخص نسبياً والأكثر توافراً والأيسر تكيفاً مع الاستعمالات كبيرها وصغيرها بسيطها ومعقدها، كما سيظل التحدي التقني قائماً من أجل استخلاص أكبر قدر من الطاقة التقليدية مع تقليل الإضرار بالبيئة إلى الحد الأدنى.

----------------------------
http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=418&vid=

tarek39
11-04-2009, 17:58
أرجوا أن تفيدوني بمعلومات حول المشروع الإنتاج الوحدوية

ZAK19i
11-04-2009, 18:15
بارك الله فيك يا أخي spisos

انشاء الله ربي يجعلها في ميزان حسناتك

spisos
11-04-2009, 18:42
رد إلى kotam:

نظام الحكم في الإسلام

نظام الحكم في الإسلام – كما هو واضح من مسماه – نظام يقوم على شريعة الإسلام ، تنفيذًا وتطبيقًا ، إنه يخدم شريعة الإسلام ويخضع لها ، فهو يحكم بها ، ويُحكم أيضًا بها .
ويطلق على هذا النظام اسم الخلافة أو الإمامة .
وقد يختلط مفهوم الخلافة بمسميات أخرى ، كالولاية ، والإمارة ، والسلطان ، والملك ، حتى يعتقد البعض أنها مترادفات ، وأنها ترمي جميعًا إلى معنى واحد ؛ هو قيادة الأمة .
والحق أن للخلافة مدلول خاص لا يتطابق كثيرًا مع هذه الألفاظ التي تفيد عموم الولاية ، وإذا كانت الخلافة ولاية ، فهي ولاية من نوع خاص كما سيتضح لنا فيما بعد .
معنى الولاية والإمارة والسلطان والملك :

الولاية تطلق ويراد بها النصرة ، وتطلق على الإمارة ، والسلطان من ولي الشيء وولي عليه ولاية وولاية .
وذهب البعض إلى أنها – بالكسر – الإمارة ، وبالفتح النصرة . قال الزجاج : الولاية التي بمنزلة الإمارة مكسورة ، ليفصل بـين المعنيـين .
ومن أسماء اللَّه تعالى (( الولي )) ، وهو الناصر ، وقيل : المتولي لأمر العالم والخلائق ؛ القائم بها ، ومن أسمائه عز وجل (( الوالي )) ، وهو مالك الأشياء جميعها ، المتصرف فيها .
قال ابن الأثير : وكأن الولاية تشعر بالتدبـير والقدرة والفعل وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الولي( ) .
والإمارة والإمرة كولاية ، والتأمير : تولية الإمارة ، وأمير الأعمى قائده ؛ لأنه يملك أمره ، والأمير : الملك لنفاذ أمره ، أولو الأمر : الرؤساء والعلماء( ) .
والسلطان هو المتسلط ، من السلاطة والقهر ، والاسم سلطة . والسلطان الحجة والبرهان ، والتسلط إطلاق السلطان . قال أبو بكر : في السلطان قولان : أحدهما أن يكون سمي سلطانًا لتسليطه ، والآخر أن يكون سمي سلطانًا ؛ لأنه حجة من حجج اللَّه . ولذلك قيل للأمراء سلاطين من تسلطهم ، أو لأنهم الذين تقام بهم الحجة والحقوق( ) .
والملك والملكوت هو العز والسلطان .
وملك اللَّه تعالى وملكوته : سلطانه وعظمته .
ولفلان ملكوت العراق ، أي : عزه وسلطانه وملكه .
والملك والمُلك والمليك والمالك : ذو الملك .
وملّك القوم فلانًا على أنفسهم وأملكوه : صيروه ملكًا( ) .
وواضح أن هذه الألفاظ تفيد عموم القدرة والتدبير والتصرف ؛ لذا كان للمولى تبارك وتعالى كمالها ، وكان للبشر منها ما يناسب قدرتهم .
معنى الخلافة :

جاء في (( اللسان )) : واستخلف فلانًا من فلان : جعله مكانه . وخلف فلان فلانًا إذا كان خليفته .
يُقال : خلفه في قومه خلافة K وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي J [ سورة الأعراف ، آية رقم 142 ] .
واستخلفته أنا : جعلته خليفتي ، واستخلفه : جعله خليفة .
والخليفة الذي يستخلف ممن قبله ، والجمع خلائف وخلفاء .
والخلافة : الإمارة ، وهي الخليفي ، وفي حديث عمر : (( لولا الخليفي لأذنت )) ، وهو مصدر يدل على الكثرة ، يريد به كثرة اجتهاده في ضبط أمور الخلافة وتصريف أعنتها .
والخليفة : السلطان الأعظم ، وقد يؤنث .
وقال الفراء في قوله تعالى : K هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ J [ سورة فاطر ، آية رقم : 39 ] : جعل أمة محمد خلائف كل الأمم ، وقيل : خلائف في الأرض يخلف بعضكم بعضًا( ) .
وواضح أن كلمة خلافة تشير إلى قيام شخص محل شخص آخر أو قيام جماعة مقام جماعة أخرى .
وليس في معنى الكلمة أية إشارة إلى ما جاء في معاني الألفاظ السابقة من القدرة والتصرف والتدبـير .
ولقد ظهر في الفقه الإسلامي اتجاه يرى أن الخلافة نيابة عن اللَّه تعالى( ) .
قال الزجاج : جاز أن يقال للأئمة خلفاء اللَّه في أرضه ، بقول اللَّه عز وجل : K يَا دَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ J ( ) .
ولكن هذا الاتجاد لقي معارضة شديدة ؛ لأنه يتنافى مع كمال اللَّه تعالى ، فاللَّه تعالى حاضر لا يغيب .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : والخليفة هو من كان خلفًا عن غيره ، والمراد بالخليفة أنه خلف من كان قبله من الخلق ، والخلف فيه مناسبة ، كما كان أبو بكر الصديق خليفة رسول اللَّه S ؛ لأنه خلفه على أمته بعد موته ، وكما كان النبي S إذا سافر لحج أو عمرة أو غزوة يستخلف على المدينة من يكون خليفة له مدة معينة .
وقد ظن بعض القائلين الغالطين أن الخليفة عن اللَّه مثل نائب اللَّه ، وزعموا أن هذا بمعنى أن يكون الإنسان مستخلفًا .
واللَّه لا يجوز له خليفة ، ولهذا لما قالوا لأبي بكر : يا خليفة اللَّه ، قال : لست بخليفة اللَّه ، ولكني خليفة رسول اللَّه S ، وحسبي ذلك . بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره ، قال النبي S : (( اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأرض … )) .
والخليفة إنما يكون عند عدما لمستخلف بموت أو غيـبة ، ويكون لحاجة المستخلف إلى الاستخلاف ، وكل هذه المعاني منتفية في حق اللَّه تعالى وهو منزه عنها ، فإنه حي قيوم شهيد لا يموت ولا يغيب .
ولا يجوز أن يكون أحد خلفًا منه ، ولا يقوم مقامه ؛ لأنه سمى له ولا كفء له ، فمن جعل له خليفة فهو مشرك به( ) .
معنى الإمامة :

جاء في (( لسان العرب ))( ) : أم القوم وأم بهم : تقدمهم ، وهي الإمامة .
والإمام : كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين .
قال الجوهري : الإمام الذي يقتدى به ، وجمعه : أيمة .
وإمام كل شيء قيمه ، والمصلح له ، والقرآن إمام المسلمين ، وسيدنا محمد S إمام الأئمة ، والخليفة إمام الرعية ، وإمام الجند قائدهم .
وهذا أيم من هذا وأوم من هذا : أي أحسن إمامة منه .
ويقال : فلان حسن الإمة : أي حسن القيام بإمامته إذا صلى بنا . والإمام : المثال .
والإمام : الخيط الذي يمد على البناء فيبنى عليه ويسوى عليه .
والدليل إمام السفر .
وقال الراغب : الإمام : المؤتم به ، إنسان كان يقتدى بقوله أو فعله ، أو كتابًا أو غير ذلك ، محقًا كان أو مبطلاً( ) .
ويلاحظ أن كلمة الإمامة قد وردت في أكثر آيات الكتاب دالة على الهداية إلى الخير ، ولكنها استعملت أيضًا على أنها تفيد معنى الشر ، ولهذا قال صاحب (( اللسان )) : الإمام كل من ائتم به قوم ، كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين ، وكذلك قال الراغب : الإمام المؤتم به محقًا كان أو مبطلاً .
ولكن الكلمة إذا أطلقت فإنها تفيد معنى الهداية إلى الخير ، كما في قوله تعالى : K إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا J [ سورة البقرة ، آية رقم : 124 ] ، وقوله : K وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا J [ سورة السجدة ، آية رقم : 24 ]( ) ، أما حين يراد بها معنى الشر فإنها تأتي مقيدة به ، كما في قوله تعالى : K فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ J [سورة التوبة ، آية رقم 12]( ) .
وإذا كان القرآن الكريم قد وصف الأنبـياء والهداة المتقين بأنهم أئمة ، فلعل إطلاق اسم الإمامة على نظام الحكم الإسلامي يتضمن الإشارة إلى أن هذا النظام نظام هداية ورشاد .
إن لفظ الإمامة يعني الاقتداء والاتباع الواجب على جميع الأمة للإمام القائد الذي يمسك بزمام الأمور ، فهو إمام الصلاة ، وإمام الحجيج ، وإمام المجاهدين .
ولفظ الخلافة يعني حلول الإمام – الخليفة – محل رسول اللَّه S في قيادة الأمة ، إنه يقوم في مقام النبي S في كل شيء ما عدا تلقي الوحي الذي هو من خصائص النبوة .
إن بين الاسمين صلة وثيقة تجمع بينهما ، إنهما يرميان في الشرع والاصطلاح إلى معنى واحد هو قيادة الأمة الإسلامية بشرع اللَّه تعالى ، تأسيًا واقتداء برسول اللَّه S ، وخلافة عنه .
لقد تعددت التعريفات التي أطلقها الفقهاء على الخلافة – الإمامة – وإن كانت جميعها ترمي إلى هذا المعنى الذي أشرنا إليه ، وسوف نذكر بعض هذه التعريفات على سبيل المثال :
1- الإمامة رياسة تامة ، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة ، في مهمات الدين والدنيا( ) .
2- رياسة عامة لشخص مخصوص بحكم الشرع ، ليس فوقها يد( ).
3- الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به( ) .
4- حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها – إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة – فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين ، وسياسية الدنيا به( ) .
وواضح أن كل هذه التعريفات قد ركزت على أمور هامة تميز الخلافة كنظام للحكم عن غيرها من هذه الأمور :
1- عموم الولاية ، فهي رياسة عامة وتامة تـتعلق بالخاصة والعامة وهي حمل للكافة .
وفي هذا العموم إشارة إلى وحدة الخلافة ، فولاية الخلافة عامة على دار الإسلام .
2- عموم الغاية . فغايتها حفظ الدين – حراسة الدين – وسياسة الأمة به أو سياسة الدنيا به .
وفي هذا العموم إشارة إلى أن اختصاصات الخليفة عامة ، تجمع بـين أمور الدين والدنيا .
3- القيام مقام صاحب الشرع في قيادة الأمة به ، فهي خلافة النبوة على حد تعبـير الماوردي ، أو خلافة عن صاحب الشرع على حد تعبـير ابن خلدون .
4- تنفيذ الشرع الإسلامي ، فهي تحكم بشرع اللَّه ، وتُحكم به ، فلا يجوز الخروج عليه بحال ، فهي رياسة عامة بحكم الشرع ، وهي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي .
وعلى هذا فالخلافة – الإمامة – هي الحكومة الإسلامية الشرعية . أو بعبارة تعين المعنى وتحدده هي الحكومة التي تكون الشريعة الإسلامية قانونها الأكبر – الدستور – وقانونها العادي ، والتي تستمد سند شرعيتها من الشريعة ، والتي يخضع لسلطانها كل المسلمين على الإقليم الإسلامي الكبـير .
وإذا كانت الإمامة تساوي الخلافة عند أهل السنة ، فإن الشيعة يذهبون إلى أن الإمامة أخص من الخلافة فهي أكمل ؛ لأن الإمام عندهم هو صاحب الحق الشرعي في ولاية أمر المسلمين ، سواء تولى بالفعل أم لا ، أما الخليفة فهو صاحب السلطة الفعلية ، أما إذا تولى الإمام السلطة فعلاً ، فهو إمام وخليفة كما عند أهل السنة( ) .
الخلافة الصحيحة والخلافة الناقصة :

من الجدير بالذكر أن نميز في هذا الصدد بـين نظام الخلافة الصحيحة أو خلافة النبوة ، وبـين نظام الخلافة الناقصة أو خلافة الملك ؛ لأن عدم التميـيز بين النظامين يسبـب خلطًا ووهمًا ، مما يساعد على عدم فهم طبيعة النظام الذي نحن بصدده .
وهذا التميـيز ليس بدعًا ، فقد وردت به النصوص ، وأجمع عليه المسلمون ، قال رسول اللَّه S : (( خلافة النبوة ثلاثة سنة ، ثم يؤتى اللَّه ملكه – الملك – من يشاء ))( ) .
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن خلافة الخلفاء الراشدين هي خلافة النبوة ، وأن من بعدهم من الخلفاء كانوا ملوكًا ، أو بتعبـير أدق خلافتهم خلافة ملك .
وخلافة الملك خلافة ناقصة ، أو هي خلافة ضرورية ، يقبلها المسلمون حين يعجزون عن تحقيق الخلافة الراشدة ، وهذا يكون لنقص في الراعي والرعية جميعًا ، فإنه كما تكونون يولى عليكم .
وقد استفاض وتقرر ما قد أمر به النبي S من طاعة الأمراء في غير معصية اللَّه ، ومناصحتهم ، والصبر عليهم في حكمهم ، وقسمهم ، والغزو معهم ، والصلاة خلفهم ، ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلا هم ، فإنه من باب التعاون على البر والتقوى ، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم وإعانـتهم على ظلمهم وطاعتهم في معصية اللَّه ، ونحو ذلك مما هو من باب التعاون على الإثم والعدوان( ).
وخلافة الملك غير جائزة في الأصل ، وذلك لأن خلافة النبوة واجبة ، وقد قال النبي S : (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديـين من بعدي ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة )) .
بعد قوله : (( فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثير ))( ) .
فهذا أمر وحض على لزوم سنة الخلفاء الراشدين ، وأمر بالاستمساك بها ، وتحذير من المحدثات المخالفة ، وهذا الأمر والنهي من النبي S دليل بيّن في والوجوب( ) .
وأيضًا فكون النبي S استاء للملك بعد خلافة النبوة دليل على أنه متضمن ترك بعض الدين الواجب( ) .
إن أساس نظام الخلافة الناقصة كما سبق أن بـينا هو فكرة الضرورة ، فالضرة تجعل المحظور جائزًا ، فحكومة الخلافة الناقصة جائزة طالما أنها تمثل أخف الضررين ، فقيام حكومة خلافة ناقصة أخف ضررًا من غياب كامل للحكومة الإسلامية – للخلافة الصحيحة .
ومعلوم أن الضرورة تقدر بقدرها ، وينـبني على ذلك أمران :
الأول : أن تلتزم الحكومة الناقصة بتطبيق كل قواعد الحكومة الصحيحة التي لا تعطلها الضرورة .
الثاني : أن الحكومة الناقصة لا تستمر إلا طالما وجدت حالة الضرورة التي سبـبتها فقط ، وتـزل بزوال هذه الضرورة( ) .
ومن الضرورات التي تفرض الخلافة الناقصة :

- التغلب وهو أن يفرض شخص أو جماعة سيطرتهم بالقوة .
- وغياب مستوفي الشروط ، فيضطر الناخبون لاختيار من لم تتوفر فيه الشروط كاملة( ) .
والخلافة الناقصة ليست ملكًا خالصًا ، كالملك الطبـيعي الذي حمل على الكافة على مقتضى الغرض والشهوة ، والملك السياسي الذي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار ، وليست خلافة كاملة راشدة – خلافة نبوة – وإنما هي مزيج بـين الخلافة والملك ؛ لأجل ذلك كانت تسميتها خلافة ملك .
ويجوز تسمية من بعد الراشدين خلفاء ، وإن كانوا ملوكًا ، ولم يكونوا خلفاء الأنبـياء ، بدليل قول النبي S : (( … وستكون خلفاء فتكثر )) . قالوا : فماذا تأمرنا ؟ قال : (( فوا بـبـيعة الأول فالأول ))( ). فقوله : (( فتكثر )) دليل على من سوى الراشدين فإنهم لم يكونوا كثيرًا ، وقوله : (( فوا بـبـيعة الأول فالأول )) دل على أنهم يختلفون ، والراشدون لم يختلفوا( ) .
وأصرح من ذلك قول النبي S : (( إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ))( ) ، والراشدون كانوا أربعة .
وفي الأثر أن عمر بن الخطاب سأل سلمان الفارسي : أملك أنا أم خليفة ؟ فقال سلمان : إن أنت جبـيت من أرض المسلمين درهمًا أو أقل أو أكثر ، ثم وضعته في غير حقه ، فأنت ملك غير خليفة .
وفي رواية أخرى أن عمر قال : واللَّه ما أدري أخليفة أنا أم ملك ؟
فقيل له : أن الخليفة لا يأخذ إلا حقًّا ، ولا يضعه إلا في حق( ).
ومما هو جدير بالذكر أنـنا نحاول في هذه الدراسة أن نـتـناول نظام الخلافة الصحيحة دون نظام الخلافة الناقصة ، وهذا لا يعني أنـنا لا نشير في بعض الأحيان إلى نظام الخلافة الناقصة ، إن نظام الخلافة الصحيحة هو المثل الأعلى الذي نصبو إليه ، ونطمع في تحقيقه ، إنه النظام الذي وعد اللَّه به المؤمنين الذين استكملوا الإيمان بالعمل الصالح ، إنه النظام الذي أسسه النبي S وأرسى قواعده ، وبلغ الذروة في عهده خلفائه الراشدين ، وما تحقيقه بـبعيد ، وما ذلك على اللَّه بعزيز .
(( تكون النبوة فيكم ما شاء اللَّه أن تكون ، ثم يرفعها اللَّه إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء اللَّه أن تكون ، ثم يرفعها اللَّه إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء اللَّه أن يكون ، ثم يرفعها اللَّه إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكًا جبريًا ، فتكون ما شاء اللَّه أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ))( ).


---------------------
التهميش:

( ) لسان العرب ، ابن منظور ، ج 6 ص 4920 بتصرف . دار المعارف .
( ) لسان العرب ج 1 ص 128 بتصرف . وانظر : مختار الصحاح ط نظارة المعارف العمومية سنة 1904 م ص 36 .
( ) لسان العرب ج 3 ، ص 2065 .
( ) لسان العرب ج 4 ص 4266
( ) لسان العرب ج 1 ص 1235 .
( ) ذهب الأستاذ المودودي إلى أن الإنسان خليفة اللَّه في الأرض ، والمراد بالخلافة في الأرض خلافة حكومة الأرض ومملكتها ، ففي الخلافة يتبدى معنى الحاكمية والسلطان باعتبار أنها خلافة إلهية ونيابة عن الحاكم الأعلى ، فالإنسان هو خليفة اللَّه في أرضه بما تحمله من أمانة التكليف : K إن عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً J [ سورة الأحزاب : 72 ] .
فلفظ الأمانة يوضح مفهوم الخلافة ومعناها ، وكلا اللفظين يلقى الضوء على وضع الإنسان الصحيح بالنسبة إلى نظام العالم ، فهو حاكم الأرض ، لكنه حكمه لها ليس في ذاته وأصله ، بل هو حكم مفوض إليه Delegated .
ومن ثم عبر اللَّه عن سلطانه المفوضة إلى الإنسان بلفظ الأمانة ، وعلى هذا سمى اللَّه من يستخدم هذه السلطات المفوضة إليه من جانبه تعالى (( خليفة )) . الحكومة الإسلامية ص 87: ص 93 ، ن المختار الإسلامي .
وعلى هذا الأساس أقام المودودي نظريته في الخلافة ، فاللَّه تعالى هو الخالق والسيد الحاكم ، والذين يقومون بتنفيذ قانون السماء ما هم إلا نوب عن الحاكم الحقيقي ، وهذا موقف أولي الأمر في الإسلام والذين وعدهم اللَّه تعالى بالاستخلاف في الأرض : K وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا J [ سورة النور : 55 ] .
وفي هذه الآية يبدو أمران عظيمان :
الأول : أن الإسلام يستعمل لفظ الخلافة بدل الحاكمية ، وإذا كانت الحاكمية للَّه خاصة ، فكل من قام بالحاكم في الأرض وفق شريعة الإسلام يكون خليفة للحاكم الأعلى .
الثاني : أن اللَّه قد وعد جميع المؤمنين بالاستخلاف ، ولم يحدد أحدًا بعينه ، فالمؤمنون كلهم خلفاء اللَّه خلافة عامة ، وهذه الخلافة العامة لا يختص بها فرد أو أسره أو طبقة ، بل كل مسلم خليفة ، وهو مسئول أمام ربه ، كما قال النبي S : (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته )) . ثم ذكر الإمام والرجل العادي حتى المرأة والعبد .
( البخاري ك الأحكام ب 1 ج رقم 7138، ومسلم ك الإمارة ب 5 ح رقم 1829) .
ومن هنا يبدو أن اللَّه قد خول المؤمنين حاكمية شعبية مقيدة بسلطة اللَّه القاهرة وحكمه الذي لا يغلب ، ولا تتألف السلطة التنفيذية إلا بآراء المسلمين ، وبـيدهم يكون عزلها من منصبها ، ومن هنا تبدو الصبغة الديمقراطية ، وتزول شبهة الثوقراطية .
فالخليفة نائب عن الأمة – مجموع الخلفاء عن اللَّه – ليقودها بمقضتى شرع اللَّه إلى ما فيه مصلحتها الدنيوية والأخروية ، فليس للخليفة ، بل وليس لجميع الأمة الخروج على مقتضى الشرع وإلا زالت عنهم صفة الخلافة العامة ، ولذلك فلو خرج الخليفة على مقتضى الشرع وجب الخروج عليه على جميع الأمة .
( بتصرف من كتاب نظرية الإسلامية السياسية ص 17 : ص 25 ) .
وقد رتب الدكتور القطب طبلية على هذه النظرية نتائج منها :
أن وعد اللَّه الذين آمنوا بالاستخلاف وعدًا عامًا يشمل جميع المكلفين ، فلا يمكن تخصيصه واعتباره خاصًا بالرجال دون النساء ، وعلى هذا فإن حق التصويت يكون ثابتًا لكل بالغ عاقل ذكرًا كان أو أنثى .
وهذا العام الذي جاءت به الآية الكريمة يقيده الخاص الذي جاء في الحديث : (( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة )) . أخرجه البخاري ك الفتن ح 7099 .
والقاعدة أن تقيـيد الخاص للعام يكون في أضيق الحدود ، فلا تحرم المرأة في نطاق الحقوق السياسية – فيما يرى – إلا من رئاسة الدولة ، وكذلك من رئاسة الوزراء في النظام البرلماني .
( د . القطب طبلية – الوسيط في النظام الإسلامي – الحلقة الثالثة : الإسلام والدولة ص 45، ط أولى سنة 1982 ، ن دار الاتحاد العربي ) .
( ) لسان العرب ج 2 ص 1235 .
( ) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية – جمع وترتيب عبد الرحمن محمد بن قاسما لعاصمي النجدي الحنبلي – المجلد الخامس والثلاثون طبع بإشراف الرئاسة العامة لشئون الحرمين الشريفين ص 43 – 45 .
( ) ابن منظور ج 1 ص 133 .
( ) الراغب الأصفهاني ، المفردات في غريب القرآن ص 24 ، ن دار المعرفة ، بيروت .
( ) وانظر الآية الخامسة من سورة القصص .
( ) وانظر الآية رقم 41 من سورة القصص .
( ) الجويني ، غياث الأمم في التياث الظلم ص 15 ، ط أولى سنة 1400 هـ ، ن دار الدعوة بالإسكندرية ، تحقيق د . مصطفى حلمي ، ود . فؤاد عبد المنعم .
( ) أحمد بن يحيى المرتضى ، البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأنصار ج5 ص 374 نقلاً عن كتاب الدكتور القطب طبلية ، المرجع السابق .
( ) الماوردي ، الأحكام السلطانية ، ص 5 ، ن دار الفكر ، ط سنة 1893 .
( ) ابن خلدون – مقدمة ابن خلدون ص 19 . ن دار القلم ، بيروت ، ط خامسة سنة 1984م
( ) د . محمد ضياء الدين الريس ، النظريات السياسية الإسلامية ص 108، ن دار المعارف .
( ) أبو داود ك السنة ب 8 ، والترمذي ك الفتن ب 48 ح 226 وحسنه ، وأحمد ج4 ص273، ج5 ص 44 ، 50، ونقل المروزي عن أحمد أنه حديث صحيح .
( ) ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، ج 35 ، ص 20، 21 .
( ) أخرجه الأربعة إلا النسائي ، وأخرجه أحمد 4/126، والدارمي في المقدمة ب15، وأبو داود ك 29 السنة – ب 5 ، وابن ماجه ، المقدمة ب 6 ، ح رقم 42 ، والترمذي ك العلم- ب16 ح رقم 2816 ، وقال : حديث حسن صحيح ج 4 ص 149 .
( ) ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، ج 35، ص 22 .
( ) ابن تيمية ، المرجع السابق ، أشار إلى رواية أبي بكرة رضي اللَّه عنه أن النبي S استاء للرؤيا ، فقال : (( خلافة نبوة ، ثم يؤتي اللَّه الملك من يشاء )) ص 22 .
( ) د . عبد الرزاق السنهوري – فقه الخلافة وتطورها ، ص 258 ، ترجمة عن الأصل الفرنسي قامت بها ابنـته الدكتورة نادية ، ونشرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1989م ، وقد عرض سيادته لفكرة الخلافة الناقصة عرضًا وافيًا ، وقد ترفـنا في النقل عنه .
( ) سوف يتضح ذلك تفصيلاً في مباحث القسم الثاني من هذه الرسالة .
( ) مسلم ك الإمارة ، ب 10 الأمر بالوفاء بـبـيعة الخلفاء الأول فالأول ح رقم 1842.
( ) ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ج 35 ، 20 .
( ) مسلم ك الإمارة ، ب 1 الناس تبع لقريش ح رقم 1821 وما بعدها .
( ) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ج 3 قسم 1 ص 221 .
( ) أخرجه أحمد في المسند 4/273 .
قال الهيثمي : رواه أحمد والبزار أتم منه والطبراني بـبعضه في الأوسط ورجاله ثقات . مجمع الزوائد 5/189، والحديث صحيحه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج1 ص8 ح رقم ( 5 ) .

spisos
11-04-2009, 19:07
رد إلى نجاعي زين العاب:


المنهج الاحصائي :

اعتماد الاحصاء كأداة علمية للحصول على المعلومات وتوضيح المتغيرات , حيث يكشف العلاقات بين الظواهر وتقرير الحقائق وتقييم المشروع .
اهمية الاحصاء :تعود اهمية الاحصاء الى :
- يسمح بالحكم على الظواهر بشكل موضوعي .
- يقرر الحقائق ولا يترك مجالا للتأويل
- يكشف العلاقات الضرورية بين الظواهر .
- يسمح بوضع تعميمات وقوانين بصورة كمية دقيقة .
------------------------------------------

المنهج الإحصائي:

التعريف:
. هو عبارة عن إستخدام الطرق الرقمية والرياضية في معالجة و تحليل البيانات لها ويتم ذلك عبر عدة مراحل:
أ‌- جمع البيانات الإحصائية عن الموضوع.
ب- عرض هذه البيانات بشكل منظم وتمثيلها بالطرق الممكنة.
ج- تحليل البيانات.
د- تفسير البيانات من خلال تفسير ماتعنية الأرقام المجمعة من نتائج.
ب- أنواع المنهج الاحصائي :

أ) المنهج الإحصائي الوصفي:.
يركز على وصف وتلخيص الأرقام المجمعة حول موضوع معين ( مؤسسة أو مجتمع معين) وتفسيرها في صوره نتائج لا تنطبق بالضرورة على مؤسسه أو مجتمع أخر.
ب) المنهج الإحصائي الإستدلالي أو الإستقراري :.
يعتمد على أختيار عينه من مجتمع اكبر وتحليل وتفسير البيانات الرقميه المجمعة عنها والوصول إلى تعميمات واستدلالات على ما هو أوسع وأكبر من المجتمع محل البحث .
كما يقوم المنهج الإحصائي الاستدلالي على أساس التعرف على ما تعنيه الأرقام الجامعية وإسقرارها ومعرفتها دلالتها أكثر من مجرد وصفها كم هو الحال في المنهج الوصفي .
المقياس الإحصائي :.

هناك عدة مقاييس إحصائية التي يتم استخدامها في إطار هذا المنهج منها المتوسط , الوسيط , المنوال كما يستخدم الباحث عدد من الطرق لعرض وتلخيص البيانات وإجراء المقرنات من بينها النسب والتناسب والنسب المئوية والمعدلات والجداول التكرارية ويمكن للباحث استخدام أكثر من طريقة في تحليل وتفسير البيانات.
ـ وهناك طريقان لإستخدام المنهج الإحصائي كما سبق ذكره.
إذا المنهج الإحصائي الوصفي والمنهج الإحصائي الاستدلالي .
ـ يمكن استخدام الحاسوب في تحليل الأرقام الإحصائية المجمعة من اجل تأمين السرعة والدقة المطلوبة .
ـ يتم جمع البيانات في المنهج الإحصائي عن طريق الأتي :
• المصادر التي تتمثل في التقرير الاحصائي والسجلات الرسمية وغير رسمية .
• الإستبيانات والمقابلات.
• ويمكن الجمع بين أكثر من طريق.

صالح هادي
11-04-2009, 19:11
السلام عليكم
و بعد أنا أريد معلومات جديدة عن التهرب الضريبي في الجزائر+الطاقات المتجددة

rof
11-04-2009, 19:14
لو سمحت اخي الكريم اريد معلومات حول التنمية في الهند

صالح هادي
11-04-2009, 19:19
السلام عليكم
و بعد أنا أريد معلومات جديدة عن التهرب الضريبي في الجزائر

راما
11-04-2009, 21:26
السلام عليكم مرة أخرى ارجوك يا اخي ان توفر لديك معلومات حول اقتراب التبعية أفدني به وان لم يتوفر اعلني من فضلك وجزاك الله خيراا

الحجازي
12-04-2009, 00:53
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخواني ممكن المساعدة في بحث عن :
الاستهلاك في الاصول الثابته وطرقه وكيفية معالجته محاسبيا وهل توجد طرق حديثة وما الفرق بين الطرق وماهي الطريقة الامثل
ارجو منكم اخوان المساعدة العاجلة واذا توفر اكثر من بحث اكون شاكر لكم .
والسلام عليكم ورحمته وبركاته .

الند نملي
12-04-2009, 01:08
شکرا جزيلا اخي العزيز جزاك الله‌ خيرا واماناوصحة
ولك تحياتي من کل قلبي

ملاك الطيبة
12-04-2009, 01:27
السلام عليكم اتمنى تسلعدوني لاني محتاجه ضروري
سوالي هو عن الطوباوية ماهي اسسها والتحدت عن مفكريها
وشكرا مقدما

مريومة87
12-04-2009, 13:04
سلام اخي شكرا على المعلومات التي افادتني بزاف اانا ابحث عن عن موضوع "البحث العلمي في العلوم الانسانية " ارجوك ساعدني ان امكن هدا المساء لانني ساقدمه يوم الثلاثاء شكرا الله يسترك:)

bolbol
12-04-2009, 14:30
السلام عليكم ارجو من الخ الكريم ان يفيدني بالحث السياسات العامة مع الخطة + الشكالية

zineb blidia
12-04-2009, 16:07
شكرا لك اخي هل من بحث حول الفكر السياسي عند ابن خلدون و جزاك الله خيرا على هذه المعلومات القيمة

otmani abdallah
12-04-2009, 16:22
السلام عليكم الرجاء مساعدتي في مذكرة تخرج بعنوان دور إدارة الموارد البشرية في رفع أداء المؤسسة

lilina15
12-04-2009, 17:15
svp g un exposè sur
المنتظم السياسي الفرنسي

merci de m'envoyè keslke chose c vou avè sur ce theme !!

merci encor

sawsanmlk
12-04-2009, 17:30
بحث الفن القصصي وخصائصه وتاريخه

spisos
12-04-2009, 17:38
رد إلى lilina15:


مراحل تطور المنتظم السياسي الدولي

يتفق معظم علماء السياسة على أن العلاقات السياسية الدولية (كما تعرف اليوم) نشأت منذ مؤتمر وستفاليا عام 1648. ومنذ ذلك التاريخ دخل النظام الدولي في ست مراحل هي:

أولا: من معاهدة وستفاليا عام 1648 حتى مؤتمر فينا عام 1815. حيث تميزت هذه المرحلة بان العلاقات الدولية فيها كانت "محصورة في تلك العلاقات التي تنشا بين الدول القومية ذات السيادة بحيث لا تشمل أي نوع من الهيئات أو الجماعات التي لا تتوافر لها مقومات الدولة وخصائصها مهما كان دورها في المجتمع الدولي".

ثانياً: من مؤتمر فينا عام 1815 حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. وتميزت هذه المرحلة بتطور العلاقات السياسية الدولية, حيث سُجل تطور نوعي في قرارات المؤتمر والتي انعكست بمجملها في إقرار توازن دولي جديد يأخذ على عاتقة مهمة الأمن والاستقرار في أوربا.

ثالثاً: من انتهاء الحرب العالمية الأولى عام1919 حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. وتميزت ببروز نظام الأمن الجماعي, حيث تبلور هذا المفهوم بإنشاء عصبة الأمم بمقتضى معاهدة فرساي في 28 يونيو 1919.

رابعا: من عام 1945 (انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس منظمة الأمم المتحدة في 26 يونيو 1945) حتى انهيار المنظومة الشيوعية وتفسخ الاتحاد السوفيتي ونهاية أزمة الخليج الثانية 1991, والبعض حدده بعام 1989وذلك بانهيار حائط برلين. وأهم ما يميز هذه المرحلة هو ما يسمى بالحرب الباردة الذي تحول أثنائها النظام الدولي إلى القطبية الثنائية (الولايات المتحدة ولاتحاد السوفيتي), وفي الفكر الأيديولوجي الصدام بين الشيوعية والرأسمالية.

خامساً: من عام 1992, حتى سبتمبر 2001, وهي الفترة التي أعقبت انهيار المنظومة الشيوعية, وتوحيد ألمانيا الشرقية والغربية, وتفسخ الاتحاد السوفيتي، واندلاع أزمة الخليج الثانية 1990-1991, مما يعني اختفاء احد القطبين و بداية تحول النظام إلى نظام آحادي القطبية باستفراد الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى على هرم السلطة العالمية.

سادسا: من الحادي عشر من سبتمبر 2001 حتى اليوم. حيث تميزت هذه المرحلة بقيام حرب شاملة تقودها القوة العظمى على هرم السلطة العالمية -الولايات المتحدة- ضد ما سمي بالإرهاب الدولي. ولقد توضح وتجلى في هذه الفترة استفراد الولايات المتحدة بالتحكم بالنظام العالمي الجديد New World Order

--------------------------
مفهوم المنتظم او المنظومة او النسق -system_


ان مصطلح -system- يطلق عليه منظومة او منتظم او النسق يعني
= مجموعة من الاجزاء المتفاعلة .

و هو تعريف مبسط الذي طرحة دفيد ايستون

يعرفه جوزيف فرانكل بانه : مجموعة من الوحدات السياسية المستقلة تتفاعل فيما بينها بشيئ من الانتظام .

هذا كل ماأعرف..بالتوفيق لك ..فبحثك قليل المراجع

spisos
12-04-2009, 17:46
رد إلى sawsanmlk:

أختي الكريمة ..رغم أن موضوع بحثك خارج عن إطار السياسة إلا أنني سأحاول الإجابة عنه:

- خـصـائـص الـقـصـة الـفـنـيـة :


- لـلـقـصة خـصـائـص فـنـيـة تـلـتـزمـهـا، ولاتـخـلـو مـنـهـا و هـي :

1 / الـحـادثـة :
هـي مـجـمـوعـة مـن الـوقـائـع الـجـزئـيـة، تـأتـي مـرتـبـكـة و مـنـظـمـة عـلـى خـاص، فـفـي كـل قـصـة يـجـب أن تـحـدث أشـيـاء فـي نـظـام مـعـيـن، وأن تـكـون حـوادثـهـا و شـخـصـيـاتـهـا مـرتـبـطـة ارتـبـاطًـا مـنـطـقـيًـا يـجـعـل مـن مـجـمـوعـة وحـدة ذات دلالـة مـحـددة.

2 / الـسَّـرد :
إن الأحـداث الـتـي تـقـوم بـهـا شـخـصـيـات الـقـصـة، أو تـخـضـع لـهـا يـعـرضـهـا الـكـاتـب بـلـغـتـه و أسـلـوبـه، و عـلى الـكـاتـب أن يـتـوخّـى الـسـهـولـة و الـخـفّـة و الـوضـوح فـي أسـلـوبـه.

3 / الـحُـبـكــة :
و يـقـوم عـمـل الأديـب عـلـى اخـتـيـار الأحـداث و تـنـسـقــيـهـا و وضـعـهـا فـي نـسـيـج فـنـي، يـهـيء مـقـدمـة تـبـتـدئ مـنـهـا الـقـصـة ثـم يـحـرك الأحـداث و يـطـورهـا، لـيـجـعـلـهـا تـشـتـبـك و تـتـأزَّم { الـعـقـدة } ثـم يـتـدرج بـهـا إلـى الانـفـراج { الـحـل }. و بـاخـتـصـار أن الـحـبْـكـة هـي الـتـصـمـيـم الـعـامّ الـمـعـقـول لأحـداث الـقـصـة.

4 / الـشـخـصـيَّـة :
و تـتـمـثـل فـي الأبـطـال الـذيـن تـدور حـولـهـم الأحـداث، و هـم الـذيـن يـفـعـلـون الأحـداث و يـؤدّونـهـا، و يـجـب أن تـكـون هـذه الـشـخـصـيـة حـيّـة، فـالـقـارئ يـريـد أن يـراهـا .... تـتـحـرك، وأن يـسـمـعـهـا و هـي تـتـكـلـم.
والـشـخـصـيـة فـي الـقـصـة غـالـبًـا مـا تـكـون كـمـا يـلـي :
أ - شـخـصـيـة جـاهـزة : و هـي الـشـخـصـيـة الـمـكـتـمـلـة الـتـي تـتـمـيّـز تـصـرفـتـهـا و مـواقـفـهـا بـطـابـع واحـد.
ب - شـخـصـيـة نـامـيـة : و هـي الـشـخـصـيـة الـتـي يـتـم تـكـويـنـهـا بـتـمـام الـقـصـة.

5 / الـبـيـئـة :
و تـنـقـسـم الـبـيـئـة إلـى قـسـمـيـن بـيـئـة زمـانـيـة و أخـرى مـكـانـيـة.
فـكـل حـادثـة تـقـع لابـد أن تـقـع فـي مـكـان مـعـيـن وزمـان مـعـيـن. و هـي لـذلـك تـرتـبـط بـظـروف و عـادات و مـبـادئ خـاصـة بـتاـزَّمـان و الـمـكـان الـلـذيـن و قـعـت فـيـهـا.

6 / الـفـكـرة :
إن الـقـصـة تـكـتـب لـتـقـرر فـكـرة لـتـنـقـل خـلاصـة تـأمـل أو تـجـربـة شـعـوريـة لـلـكـاتـب أو الـقـاصّ فـي الـحـيـاة.
- هـذا عـن الـقـصـة.
- فـمـا عـن الـقـصـة الـقـصـيـرة ؟
- تـابـع مـا يـلـي :


- تـطـور الـقـصــة الـقـصـيـرة :

كـيـف ظـهـرت الـقـصـة الـقـصـيـرة فـي الأدب الـعـربـي ؟ و إلـى مـن يـعـود الـفـضـل فـي ذلـك ؟



يـعـود الـفـضـل فـي طـهـور فّـن الـقـصـة القـصـيـرة فـي الأدب الـعـربـي إلـى الآداب الـغـربـيـة حـيـث أتـيـح لـلأدبـاء الـعـرب لاطـلاع عـلـى هـذه الآداب، فـتـأثـروا بـهـا، فـكـانـت الـقـصـة الـقـصـيـرة، الأخـوان مـحـمّـد و مـحـمـود تـيـمـور مـن الـروّاد فـي الـمـجـال الـكـتـابـة فـي الـقـصـة الـقـصـيـرة و لـهـمـا يـعـود نـحـوهـمـا كـتـاب كـثـرون مـن الـمـشـرق و الـمـغـرب، و قـداسـتـطـاعـوا أن يـجـاروا فـيـهـا الـقـصـة الـقـصـيـرة الـغــربـيـة، مـن حـيـث تـنـوّعُ الـمـوضـوعـات و الـمـسـتـوى.
و مـن الـكـتـاب الـذيـن اشـتـهـروا بـهـذا الـفـنّ : يـوسـف إدريـس، نـجـيـب مـحـفـوظ، يـوسـف عـواد، رضـا حـوحـو جـزائـري .

خـصــائـص الـقـصّــة الـقـصـيـــرة :

لـلآُقْـصـوصـة أو الـقـصـة الـقـصـيـرة خـصـائـص ثـلاث


اقـرأ هـذه الإجـابـة تـتـمـثّـل هـذه الـخـصـائـص الـثـلاثـة فـي :
1 ) الأشـخــاص :
و هـم أبـطـال الأقـصـوصـة، قـد يـصـفـهـم الـكـاتـب و صـفًـا مـبـاشـرًا، و قـد يـصـفـهـم و صـفًـا غـيـر مـبـاشـر عـن طـريـق الـحـوار، عـن طـريـق الـتـصّـرف و الـسـلـوك.
الــحَـيَّــــــزة :
و هـو وحـدة الـزمـان و الـمـكـان، فـأخـداث الـقـصـة تـقـع فـي وقـت قـصـيـر تـدور فـي مـكـان أو مـكـانـيـن.
الـحـبـكـــة :
و هـي الـمـجـرى الـذي تـنـدفـع فـيـه الـشـخـصـيـات و الأحـداث بـكـيـفـيـة يـنـشـأ مـنـه تـعـقّـد فـي حـيـاة أشـخـاص الأقـصـوصـة، و يـنـبـغـي أن تـكـون هـذه الـحـوادث مـتـسـلـسـلـة بـشـكـل مـعـقـول، حـتـى تـصـل إلـى ذروة الـتـأزم التـي يـلـيـهـا حـل حـبـكــتْ.


6 - تـطـوّر الـفَـنّ الـمـسـرحــيّ :



- كـان مـيـلاد الـمـسـرح الـعـربـي الـحـديـث سـنـة 1927 بـانـتـاج أحـمـد شـوقـي لـمـسـرحـيـتـه الـشـعـريـة الـشـهـيـرة ( مـصـرع كـلـيـوبـاتـرة ) أمـا أول مـن كـان لـه الـفـضـل فـي مـيـلاد الـمـسـرح الـعـربـي فـهـو مـارون الـنـقـاش و هـذا سـنـة 1947.
و نـظـرًا الانـتـشـار دور الـمـسـرح كـان لـه الأثـر الـكـبـيـر الـذي دفـع بـالـكـتّـاب إلـى الـخـروج شـيـئًـا فـشـيـئًـا مـن دائـرة الـتـعـبـيـر الـشـعـري و الـنـثـري الـذي عـرف فـي مـسـرحـيـات شـوقـي إلـى الـتـعـبـيـر الـمـسـرحـي الـحـقـيـقـي.
و مـن أبـرز كـتـاب الـمـسـرح : عـزيـز أبـاضـة، و مـحـمـود تـيـمـور و تـوفـيـق الـحـكـيـم.

-.1 خـصـــائـص الـمـسـرحـيـة الـفـنـيـة :

مـا هـي الـخـصـائـص الـفـنـيـة لـلـمـسـرحـيـة ؟


- مـا يـمـيّـز الـمـسـرحـيـة عـن الـقـصـة مـن حـيـث الـخـصـائـص هـو الـحـوار و الـصـراع و الـحـركـة، أمّـا بـقـيـة الـخـصـائـص فـهـي نـفـسـهـا الـمـتـوفـرة فـي الـثـقـصـة و التـي سـبـقـت الإشـارة إلـيـهـا.


أسـئـلــة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :

7 – 1 مـتـى بـدأت الـقـصـة الـقـصـيـرة بـمـقـومـاتـهـا الـفّـنـيّـة الـمـعـروفـة فـي الأدب الـجـزائـري ؟
7 – 2 لـم يـعـرف فـنّ الـتـمـثـيـل إلاّ فـي الـعـصـر الـحـديـث.
مـا أسـبـاب ذلـك ؟
7 – 3 مـتـى ظـهـر الـفـنّ الـروائـي  الـقـصـصـي  فـي الأدبب الـجـزائـري ؟


8 - أجــوبــة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :

8 – 1 بـدأت الـقـصـة الـقـصـيـرة بـمـفـهـومـاتـهـا الـفـنـيـة الـحـديـثـة فـي الأدب الـجـزائـري بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثـانـيـة ( 1944 ) عـلـى يـد رائـد الـفـنّ الـقـصـصـي أحـمـد رضـا حـوحـو الـذي كـتـب عـدّة قـصـص قـصـيـرة مـن بـيـنـهـا هـذه الـمـجـمـوعـة " ثـري الـحـرب " و " فـتـاة أحـلامـي " و " جـريـمـة حـمـاة " ثـم جـاء بـعـده كـل مـن الـدكـتـور عـبـد الـلّـه ركـيـبـي فـي " نـفـوس ثـائـرة " و عـبـد الـحـمـيـد بـن هـدوقـة فـي " ظـلال جـزائـريـة " و الـطـاهـر فـي " دخـان فـي قـلـبـي ".
8 – 2 الـفـنّ الـتّـمـثـلـي أو الـمـسـرحـي، فـنّ قـديـم، و يُـعـدّ الأغـريـقُ أقـدم شـعـب اعـتـنـى بـهـذا الـفـنّ، و بـلـغ فـيـه مـرتـبـة الـنـضـج الـفـنـي فـتـحـددث عـلـى أيـدي أدبـائـه و نـقـاده مـثـل (هـومـيـروس ) ، ( سـفـوكـلـي )، ( ارسـطـو ) مـعـالـم فـنّ الـمـسـرحـيـة او الـمـثـيـل، ثـم انـتـقـل مـن اٌغـريـق إلـى الـرّومـان ثـم إلـى أوربـا.
أمـا الأسـبـاب الـتـي أدت إلـى عـدم ظـهـور فـنّ الـمـسـرح أو الـتـمـثـيـل فـي أدبـنـا الـعـربـي فـي الـعـصـر الـحـديـث فـنـذكـر مـنـهـا :
- عـدم اهـتـمـامـهـم بـه عـنـدمـا طـلـعـوا عـلـى الـتـراث الـيـونـانـي.
- اعـتـزازهـم بـتـراثـهـم الـشـعـري.
- و ثـنـيـة الـمـسـرح الـيـونـانـي.
- عـدم اسـتـقـرار الـعـرب واعـتـمـادهـم عـلـى الـتّـرجـال، و الـمـسـرح يـحـتـاج إلـى اسـتـقـرار.
8 – 3 كـان ظـهـور الـفـنّ الـروائـي  الـقـصـصـي  فـي الأدب الـجـزائـري سـنـة 1947 عـلـى يـد أحـمـد رضـا حـوحـو بـروايـتـه " غـادة أم الـقـرى " الـتـي ألّـفـهـا فـي الـحـجـاز ثـم عـرفـت الـروايـة بـعـد ذلـك ثـلاثـة روّاد كـتـبـوا إنـتـاجـهـم بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة و هـم : مـولـود فـرعـون " ابـن الـفـقـيـر " و الرض و الـدم ".
مـحـمـد الـديـب " الـبـيـت الـكـبـيـر " الـحـريـق ".
مـولـود مـعـمـري " الـتـل الـمـنـسـي " الأفـيـون و الـعـصـا ".

spisos
12-04-2009, 18:03
رد إلى otmani abdelah:

دور الموارد البشرية في الرفع من آداء المؤسسة:

مقدمة

يعرف العالم المعاصر تغيرات سريعة سواء على الصعيد الاقتصادي والتجاري أو على الصعيد
التنظيمي أو على الصعيد التكنولوجي والمعرفي فالتطور السريع والمذهل الذي عرفته وتعرفه الاتصالات
والانترنت واستخداماتها في الميادين الاقتصادية المختلفة( التجارة الالكترونية، تدوير مبالغ ضخمة
من رؤوس الأموال بسرعة فائقة ومن مكاتب قارة في بناية ما عبر العالم) كل ذلك كان نتيجة العولمة
ومكرسا لها في نفس الوقت، كما سهل الوصول إلى الأسواق الدولية، وشكل بيئة جديدة أكثر ملاءمة لانتشار
الشركات المتعددة الجنسية في مختلف بقاع العالم والاستفادة من المزايا المتاحة حيثما وجدت سواء
على مستوى التموين أو التمويل أو الإنتاج أو التوزيع بغية زيادة قدرتها التنافسية ومواجهة منافسة الآخرين.
في ظل هذا الوضع الذي لايرحم يطرح سؤال جوهري كيف يمكن لمؤسساتنا الاقتصادية المتقوقعة
على نفسها والغارقة في مشاكلها والمتأثرة ببيئة اقتصادية غير ملائمة الاعتماد على مواردها البشرية لقلب
الأوضاع ودخول حلبة الصراع من بابها الواسع وكسب رهان المستقبل.
- القدرة التنافسية وعوامل التفوق

إن تكريس ظاهرة العولمة وتجلياتها الاقتصادية المتنامية الحاملة لها الشركات المتعددة الجنسية
والمجسدة عبر التزايد السريع للتجارة الدولية والحركة السريعة لرأس المال والانتشار الواسع للاستثمار
الأجنبي المباشر والانتقال من الحضارة الصناعية ذات المحتوى المادي إلى الحضارة المعلوماتية ذات
المحتوى الفكري*؛ كلها عوامل تكثف من شراسة المنافسة بين مختلف المنتجات المتشابهة أو البديلة
لبعضها البعض، مما يحمل منتجيها على البحث على التفوق والتميز معتمدين على محددات نذكر
من بينها :
1) الاستثمار في مجال البحث والتطوير بهدف الحصول على سبق تكنولوجي يعطيها الريادة
في تصميم وإنتاج منتجات جديدة بخصائص أفضل، بما يسمح لها تفادي تقادم منتجاتها وتدنية
دورة حياة منتجاتها وتلبية الاحتياجات الحالية للزبائن بمنتجات أفضل أدنى وخلق و/ أو تلبية
احتياجات كامنة أو غير موجودة أصلا من جهة وتخفيض تكاليف الإنتاج ومن تخفيض السعر
وهو ما يسمح لها من تحسين مردوديتها و اقتحام أسواق منافسيها من جهة ثانية.
جامعة ورقلة كلية الحقوق والعلوم الإقتصادية
الملتقى الدولي حول التنمية البشرية وفرصالإلإندماج في إقتصاد المعرفة والكفاءات البشرية 09 - 10 مارس 2004
214
2) سرعة إيصال المنتجات الجديدة إلى المستهلك أو المستعمل النهائي من خلال تقليص الوقت اللازم
لإنتاجها وعدم إضاعته وهو مايترتب عليه تقليص فترة التخزين وتخفيض تكلفة حيازة المخزون
وبالتبعية تكلفة الإنتاج.
3) التركيز على نظم تصنيع مرنة ومختلفة ترتكز على التصنيع التكنولوجي المتقدم ، تسمح بالانتقال
السريع من إنتاج منتج معين إلى إنتاج منتج آخر إذا دعت الضرورة إلى ذلك ( 1).
4) التصرف على أساس أن السوق أصبح لها طابع العالمية، ذلك أن الانفتاح الاقتصادي الدولي
المتزايد وتخلي معظم دول العالم عن الحمائية خاصة مع تنامي وتوسع دور المنظمة العالمية
للتجارة إلى مواضيع عدة، وما تتضمنه من بنود خاصة بند الدولة الأولى بالرعاية وبند معاملة
المنتج الأجنبي نفس المعاملة التي يلقاها المنتج الوطني، والانتقال من ثنائية المزايا التبادلية
إلى المزايا المتعددة الأطراف، والتي تعززت بتزايد عدد وأهمية وقوة التكتلات الجهوية التي
تحولت إلى أقطاب اقتصادية متنافسة ( الاتحاد الأوروبي، نافتا، الأسيان....وغيرها) كل ذلك أدى
بالشركات إلى الانتقال من الاستراتيجيات المحلية التي تعتبر العالم عبارة عن دول ذات كيانات
مختلفة واحتياجات مختلفة، إلى استراتيجيات عالمية تنظر للعالم باعتباره وحدة متكاملة وسوق
واحدة، وقد تجسد ذلك عمليا في عمليات ضم مؤسسات أخرى وفي الاندماج والتحالف والتعاون
بين الشركات العالمية الكبرى.
5) تحكم الشركة في مواردها المختلفة( مادية، تنظيمية، معلومات، بشرية:معارف، مهارات، خبرات)
وتعد الموارد البشرية أهم أبرز مقومات القدرة التنافسية ويتجلى ذلك من خلال:
- اعتبار النجاح يكمن في التسيير الذي عوض أن يعرف كنموذج، يتم تعريفه على أنه مركب
كيميائي لمجوعة عناصر ينتج عنها نجاح المؤسسة( 2). فالمسير يعرف كيف يسير الحاضر
ليتمكن من التنبؤ بالمستقبل.
- استخدام القدرة العقلية في ابتكار طرق تفكير جديدة في مجال التسيير والتنظيم والتسويق.
- الاعتماد على قوة عمل ذات تعلم أفضل والسعي لاكتساب مهارات أساسية جديدة من أهمها
التعليم التقني( 3).
- استماع المسيرين لاقتراحات وأفكار العاملين في المؤسسة وتقبلها وحثهم على المبادرة،
واحترامهم ومعاملتهم كشركاء دون اعتبار للتسلسل الهرمي في المسؤولية، بما يسمح بتحسين
الجودة ويزيد من القدرة التنافسية للمؤسسة.
6) الزبائن مع شدة المنافسة زادت متطلبات الزبائن وهو مايجعل من الضروري توجيه نشاط
المؤسسة نحوهم والتعلم من ملاحظاتهم ومطالبهم وتقديم لهم منتجات ذات جودة عالية تحقق لهم
أكبر إشباع ممكن، ويتم ذلك بإلغاء العيوب وتقليص الاحتجاجات وإرفاق المبيعات بخدمات تقنعهم
بأفضلية ماتقدمه المؤسسة على ما يقدمه منافسوها، تجعلهم أوفياء لمخرجاتها، ذلك أن كسب زبون
جديد أصبح صعبا وتكلفته تتجاوز بكثير الحفاظ على زبون قديم، واستمرارية المؤسسة
في تصريف مخرجاتها في السوق مرهون باستمرار وفاء زبائنها، واستراتيجيتها هنا تشمل
استراتيجية المنتج، استراتيجية التسعير، استراتيجية التوزيع واستراتيجية التصنيع.
جامعة ورقلة كلية الحقوق والعلوم الإقتصادية
الملتقى الدولي حول التنمية البشرية وفرصالإلإندماج في إقتصاد المعرفة والكفاءات البشرية 09 - 10 مارس 2004
215
7) الجودة الشاملة وتعد هدفا استراتيجيا لمعظم الشركات الكبرى وتهدف إلى إحداث تغيير شامل
على مستوى الشركة ككل وعلى كل وظائفها دون استثناء: الموارد البشرية، التموين، التمويل،
الإنتاج، التسويق( 4)، بما يسمح بالحصول على المخرجات في أسرع وقت ويقلص الأخطاء إلى
الحد الأدنى عن طريق التعلم، ويخفض قدر الإمكان في الموارد المستعملة( تخفيض التكلفة)( 5)
والحصول على أحسن ملاءمة للمخرج مع احتياجات الزبائن بعد تحديدها.
فالبحث عن الإتقان والحصول على شهادة المطابقة " ISO "التي أضحت جسرا للعبور إلى السوق
الدولي، يوصل إلى أصفار الجودة (لايعني الوصول حقا إلى أصفار وإنما المقصود تدنيتها إلى الحد
المقبول) في جميع أنشطة الشركة( 6) : صفر-عيب، صفر –نفايات، صفر-عطل، صفر-أجال(تأخر)،
صفر-مخزون، صفر-إهمال، صفر- أوراق. ويسمح ذلك في آخر المطاف تحسين الأداء وتحقيق
الأرباح وزيادة القدرة التنافسية.
8)الاتصال إن بساطة التنظيم وقلة الإداريين يسهل الاتصال ويسمح بالحركة السريعة للمعلومات
وإيصالها للمعنيين بها في الوقت المناسب سواء تم ذلك شفهيا أو باستخدام وسائل الاتصال الحديثة.
II - الموارد البشرية والقدرة التنافسية
رأينا أعلاه مقومات الميزة التنافسية، بيد أن العامل الحاسم فيها والذي يوجد في قلب وخلف وأمام العوامل
الأخرى هو العامل البشري، فالمسير الناجح هو الذي يجعل التسيير ديناميكيا و إيجابيا، وهو الذي يبلور
البيئة الداخلية للمؤسسة فيجعلها مرنة تزيد في حرية المبادرة لدى جميع العاملين وتشعرون بمسؤولية كبيرة
في إنجاح المؤسسة، وهو الذي يتعامل بحكمة وروية مع الموردين باعتبارهم مصدرا لمدخلاتها ومع الزبائن
باعتبارهم مصبا لمخرجاتها وعاملا أساسيا في بقائها.
والمؤسسة لاتهدف فقط إلى المحافظة على مواردها الحالية ولكنها تسعى دوما إلى تطويرها وتنميتها للإبقاء
على ميزتها التنافسية وذلك باعتماد:
- التفكير الاستراتيجي في كل القضايا المتعلقة بالمؤسسة والمؤسسات المنافسة ومحاولة التعرف
على عوامل النجاح والفشل فيها وتحليلها ومحاولة استغلال وتنمية ماله علاقة بالميزة التنافسية
مستقبلا، ووضع استراتيجيات مستقبلية في مختلف المجالات: تصنيع ، تمويل، تسويق.
- الابتكار المستمر وإحداث التغييرات اللازمة على كل وظائف المؤسسة من تصميم المنتج
إلى توزيعه، أخذا في الحسبان كل المستجدات الطارئة على المستوى الدولي.
بيد أن قاطرة التطوير تبدأ من الموارد البشرية نفسها لأنه لايمكن أن ننتظر من سقيم معالجة غيره.
1) أهمية تأهيل الموارد البشرية

تلجأ المؤسسة إلى سوق العمل للحصول على احتياجاتها من العاملين وعليها أن تعرف مدى توفرهم
من حيث الحجم ومن حيث المؤهلات، ففي ظل انتشار البطالة يسهل عليها الحصول عليهم بالشروط
التي تراها مناسبة، أما في ظل انخفاض معدلات البطالة فإن التنافس بين المؤسسات على طلب اليد
العاملة تجعل كلفة الحصول على اليد العاملة المؤهلة مكلفا.
وباعتبار أن رأس المال البشري أهم حتى من رأس المال المادي فإن مستوى تأهيله العلمي ونوعية
التعليم وأنظمته ومضمونه ومدى ارتباط التعليم بالمحيط خاصة ماتعلق باحتياجات المؤسسة(مدى
التوافق بين مخرجات التعليم ومتطلبات الاقتصاد)، ومسايرته للتغيرات الحاصلة في التكنولوجيا
وفي أنماط التسيير، ومدى ملاءمة الجزاءات التي يتلقاها المتعلمون وذوي الكفاءات العليا وعلاقة ذلك
بهجرة الأدمغة من البلدان النامية (بما فيها الجزائر) إلى الدول المتقدمة وتأثير ذلك على ندرة
المختصين ذوي المستوى العالي الذين بإمكانهم قيادة المؤسسات قيادة استراتيجية بأفكار مبدعة
جامعة ورقلة كلية الحقوق والعلوم الإقتصادية
الملتقى الدولي حول التنمية البشرية وفرصالإلإندماج في إقتصاد المعرفة والكفاءات البشرية 09 - 10 مارس 2004
216
ومتجددة كلها مسائل تطرح نفسها بحدة، خاصة أن مختلف دول العالم قد لجأت إلى الانفتاح وظاهرة
العولمة تفرض نفسها على الجميع بما سمح ويسمح للدخول المكثف للشركات المتعددة الجنسية
إلى دولنا النامية وإيلائها اهتماما كبيرا لنوعية رأس المال البشري باعتبار أن الإنتاجية مرتبطة
بمستوى التأهيل العلمي وهو مايفسر استقطابها للأدمغة المهاجرة وتيسير سبل العيش والبحث أمامها
حتى تضمن استقرارها وارتباطا بالمؤسسة وتحقق التفوق المنشود.
وفي مقابل ذلك فإن المؤسسات الاقتصادية للدول النامية لايمكنها مجاراة الشركات الدولية الكبرى
من حيث الامتيازات التي تعرضها على الكفاءات مما يحد من قدرتها على التطور ويحرمها من أحد
عوامل التميز وهو مايعرضها في لاحقا للزوال أو رفع التحدي بالتركيز على مصادر قوتها.
2) تفعيل الموارد البشرية في المؤسسة الاقتصادية

يهدف المسيرون إلى رفع الكفاءة الإنتاجية وتحسين أساليب العمل والاقتصاد في التكلفة وفي الوقت
المستغرق وذلك عن طريق محاولة تغيير مهارات العاملين وقدراتهم من ناحية وتطوير أنماط السلوك
التي يتبعونها في أداء أعمالهم من ناحية أخرى( 7) ويتم ذلك بالاستثمار في الموارد البشرية باللجوء
إلى تطوير** العاملين عن طريق تدريبهم*** - بعد تحديد وحصر الاحتياجات- وإعادة تأهيلهم
ومنع تقادم معارفهم ومؤهلاتهم، بمؤهلات حديثة وبشكل مستمر لمواكبة التغيرات السريعة والمستمرة
التي يتميز بها عصرنا أو لتهيئة بعضهم إلى مراكز مسؤولية أعلى، أو بهدف التحسين المستمر
في الأداء والإنتاجية للحفاظ على الموقع التنافسي للمؤسسة( 8) كما أنه من الأهمية بمكان كسب رضا
وولاء العامل ب:
- إشاعة ثقافة احترام العامل وتقدير العمل وإعطائه الأولوية على حساب الآلة والربح.
- تمكينه من حرية التصرف والمبادرة بحيث يدير نفسه بنفسه دون انتظار ذلك من غيره.
- رفع مستوى معيشته بإعطائه الأجر اللائق ومكافأة العامل المتميز وفقا للأداء الفعلي.
- توفير ظروف عمل مناسبة: خدمات صحية، التأمين، خدمات النقل، السكن، الوجبات الغذائية،
خدمات اجتماعية، أنشطة رياضية، توفير وسائل الأمن، مكفآت عند انتهاء الخدمة وغيرها.
III - الدور التثبيطي للموارد البشرية في تنافسية المؤسسة الاقتصادية الجزائرية

تحوز جل المؤسسات الاقتصادية خاصة العمومية منها عتادا قديما ولاتشتغل في فروع الاقتصاد الثمانية إلا
ب 64 % في مواد البناء و 65 % في الصناعات الغذائية وبين 24 % إلى 47 % في الفروع الستة
المتبقية( 9)، وتعاني هذه المؤسسات من مشاكل جمة سواء على صعيد التموين أو التمويل أو الإنتاج
أو التسويق، وهو ماتجسد في ارتفاع تكاليف الإنتاج وفي رداءة المنتجات وارتفاع أسعارها وفقدانها لأية
قدرة تنافسية سواء في السوق المحلي أو الدولي، ويعزى هذا الوضع إضافة إلى اشتغالها في محيط غير
ملائم( محيط سياسي، تشريعي، اقتصادي، تكنولوجي، بيروقراطية الإدارات الحكومية،سلم قيم يقف
على رأسه وليس على قدميه) إلى سوء التسيير وتبذير الثروات؛ إذ يتميز أداء الموارد البشرية عموما
بالضعف وهو مايعد مثبطا لتنافسية المؤسسة وتتميز بما يلي:

- اختيار العاملين بما فيهم الموجودين في أعلى هرم المؤسسات الاقتصادية لايتم على أساس
الكفاءة ولا على أساس التوافق بين المنصب واختصاص الشخص المرشح له، وإنما على أساس
المحسوبية والانتماء الفكري والجهوي.
- انعدام التفكير الاستراتيجي لدى المسيرين وعدم قدرة أغلبيتهم على التنبؤ واتخاذ القرارات
السليمة، إما لأن الوظائف التي يشغلونها بعيدة عن تخصصهم أو لأن تعيينهم في مناصبهم
خضع لمعايير أخرى غير الكفاءة.


- سيادة المصلحة الشخصية لدى المسيرين على المصلحة العامة واستغلالهم لمراكزهم الوظيفية
إذا تعلق الأمر بالمؤسسات العمومية، وتصرفهم وكأن المؤسسة ملكية شخصية.
- إضافة إلى تفشي الرشوة والفساد فإن الإدارة تتسم بالتعسف في استخدام سلطاتها وعدم تطبيق
مبدأ العدالة في ترقية العمال أو في توزيع المكافآت.
- فشل الإدارة في تحقيق الاحتواء الاجتماعي للعاملين بسبب انعدام الحوار وعدم فعالية قنوات
الاتصال بين الجهاز المسير والعمال واقتصاره على اللوائح الجدارية والاعلانات، يؤدي
إلى استحالة تلبية احتياجات ورغبات العمال المعبر عنها عبر الشكاوي والتظلمات مما يزيد
من سخطهم وسلبيتهم ونشوء علاقة عداء تدريجية بين رأس الهرم وقاعدته قد تتحول مع مرور
الوقت إلى التمرد والإضراب.
- عدم رضا العامل عن الأجر الذي يتقاضاه مقابل الجهد المبذول، إضافة إلى ضعف الاعتبار
المعنوي الذي يتمتع به في المجتمع؛ وعدم اطمئنانه على مستقبله لأن مستقبله مرهون برضى
رؤسائه( 10 ).
- نقص الخبرة لدى العاملين وضعف مستواهم التعليمي أو عدم توافقه مع احتياجات المؤسسة لأن
التوظيف في الأصل لم يخضع للمعايير الموضوعية وإنما للمعايير الذاتية، كما أن إعادة التأهيل
والتدريب تخضع لنفس المقاييس.
كل هذا لايسمح بتحسين أداء الموارد البشرية في المؤسسة ولايؤهلها لمجارة منافسيها دون الحديث
عن التميز سواء على أساس الجودة أو على أساس الخدمات المساعدة المقدمة للمستهلك أو على أساس
الإشباع المقدم للزبون أو حتى على أساس التكلفة الأقل، خاصة أن الجزائر فتحت سوقها ووقعت اتفاق
الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومقبلة على الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة؛ وهو مايعري
مؤسسساتها من الحماية ويضعها وجها لوجه أمام منافسين أقوياء، كل ذلك يستدعي تأهيل المؤسسات
الاقتصادية من خلال:
- إعادة النظر في محيط المؤسسة: إصلاح الجهاز الإداري للحد من البيروقراطية، إصلاح الجهاز
المصرفي، إصلاحات ضريبية وجمركية، تفعيل البورصة لبعث سوق مالية نشطة، خصخصة المؤسسات
الفاقدة للنجاعة، خلق مناخ استثمار ملائم، توجيه الاستثمار العام نحو البنية التحتية، دمرقطة الحياة السياسية.
- إعادة الاعتبار لمفهوم العمل وللمتعلم، إصلاح التعليم وتكييفه لمسايرة احتياجات السوق،وإعادة سلم القيم
إلى وضعه الصحيح ووضع معايير واضحة وشفافة للالتحاق بمراكز المسؤولية ، حيث تعطى الأولوية لمن
له مؤهلات أفضل وكفاءة أعلى ومعاقبة كل سلوك مخالف لذلك.
وهذا من أجل التحضير لمستقبل جديد يجعل الإنسان في المؤسسة وسيلة وغاية ومعبرا للوصول إلى القدرة
التنافسية.

الخاتمة

تبين لنا من خلال هذا البحث أن القدرة التنافسية للمؤسسة ترتكز على عدة مقومات وأبرزها على الإطلاق
هي الموارد البشرية، وأن المؤسسة الاقتصادية الجزائرية في وضعها الحالي المتميز برداءة الإنتاج وتكلفته
المرتفعة وبسوء التسيير وبعدم الاهتمام الكافي برضى الزبون وبرضى العامل وعدم إعطاء المتعلم الأهمية
التي يستحقها سواء ماديا أو معنويا، مازالت بعيدة جدا عن الوصول إلى المستوى الذي يؤهلها لمواجهة
منافسة شرسة من قبل مؤسسات تعتمد استراتيجية السوق الدولي وتتبنى مبدأ الجودة الشاملة المرتكز
على إحداث التغييرات المستمرة على جميع أصعدة المؤسسة، كل ذلك يستدعي التعجيل بإدخال إصلاحات
جذرية سواء على صعيد المؤسسة وأساسا على تسييرها أو على محيطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
جامعة ورقلة كلية الحقوق والعلوم الإقتصادية
الملتقى الدولي حول التنمية البشرية وفرصالإلإندماج في إقتصاد المعرفة والكفاءات البشرية 09 - 10 مارس 2004
219
المراجع والهوامش

*حسب توفلرمن بين أمور عدة ، ستتطور صناعات جديدة تعتمد على: الالكترونيات الكمية، نظرية
المعلومات، علم الأحياء الجزيئي وعلوم البحار والمحيطات والبيئة والفضاء وأشباه المواصلات، وستحل
صناعات البيولوجية محل الكيميائية، وستزداد قوانا العقلية ويتضاعف الذكاء البشري. أشار إليها: راجي
عنايت، العالم سنة 2000 ، مستقبل جديد للبشر، دار الشروق، الطبعة الرابعة 1995 ، ص: 92 - 110 .
1) نبيل مرسي خليل: الميزة التنافسية في مجال الأعمال، مركز الإسكندرية للكتاب، الإسكندرية 1998 ،
ص: 20 .
2) Jean pierre page : traité de la qualité totale, Dunod, Paris 1990, p :33
3) عبد السلام أبوقحف: التنافسية وتغيير قواعد اللعبة، رؤية مستقبلية، مكتبة مطبعة الإشعاع، الإسكندرية
1997 ص: 47 .
4) نبيل مرسي خليل نفس المرجع السابق ص 21
5 ) Gerard de lafollie,l’analyse de la valeur, Hachette techniq, PARIS 1991, P 11
6 ) Christian Maria, la qualité des produits industrielles, Dunod, 1991, P 139
7) مهدي حسن زويلف: إدارة الموارد البشرية " مدخل كمي" : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع :عمان
2001 ، ص 97
** يميز البعض التطوير عن التدريب إذ يعتبرون أن التطوير يركز على توسيع مؤهلات الأفراد ليشغلون
وظائف في المستقبل في حين يركز التدريب على منحهم معارف ومهارات لأداء وظائفهم الحالية. راجع
سعاد نائف برنوطي، دار وائل، عمان، 2001 ، ص 421 .
*** يختلف التعليم عن التدريب في أن التدريب يركز على زيادة القدرات والمهارات التي لها علاقة بعمل
محدد بينما يعبر التعليم عن الزيادة في المعارف والمدارك التي لا ترتبط بالضرورة بعمل محدد. راجع أحمد
ماهر، إدارة الموارذ البشرية، الدار الجامعية، الإسكندرية، 1999 ، ص 319 .
8) سعاد نائف برنوطي نفس المرجع السابق، ص: 437
9)Ministère de l’industrie et de la restructuration
10 ) طاهر جغيم: إنتاجية العامل الجزائري والشخصية المنتجة في المؤسسة الصناعية بالجزائر، مجلة
العلوم الإنسانية، جامعة قسنطينة، عدد 18 ديسمبر 2002 ص: 45 .

spisos
12-04-2009, 18:11
رد إلى zineb blidia:

تقوم عناصر المنهج التاريخي عند ابن خلدون على الملاحظات الموجزة التالية(1):

1- التاريخ علم
2- محتويات التاريخ والفكرة عنها
3- العناصر التي تجتمع لصنع التاريخ البشري
4- قوانين التاريخ
5- التاريخ علم فلسفي عند ابن خلدون(والفلسفة كل ما ليس له صفة دينية)
6- التاريخ عند ابن خلدون أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وهو نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها ..
7- ابن خلدون يدحض الأساطير
8- ابن خلدون يضع القواعد اللازمة لمقارنة الحقيقة
9- النقد التاريخي عند ابن خلدون يبدو في:
- تبدل الأحوال بتبدل الأيام.
- وحدة النفسية الاجتماعية
- ظروف الأقاليم الجغرافية
- التاريخ الحضاري البشري
أما منهج البحث التاريخي عند ابن خلدون فيعتمد على :

- ملاحظة ظواهر الاجتماع لدى الشعوب التي أتيح له الاحتكاك بها والحياة بين أهلها.
- تعقب هذه الظواهر في تاريخ الشعوب نفسها في العصور السابقة لعصره
- تعقب أشباهها في تاريخ شعوب أخرى لم يتح الاحتكاك بها والحياة بين أهلها.
- الموازنة بين هذه الظواهر جميعاً.
- التأمل في مختلف الظواهر للوقوف على طبائعها وعناصرها الذاتية وصفاتها العرضية واستخلاص قانون تخضع له هذه الظواهر في الفكر السياسي وفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع.
ويرى ابن خلدون في مقدمته :

1- ان دراسة التاريخ ضرورية لمعرفة أحوال الأمم وتطور هذه الأحوال بفعل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
2- يركز ابن خلدون على موضوع الاستبداد والبطش الذي يقوم به السلطان ضد شعبه وأثر ذلك في الشعب.
3- يشرح ابن خلدون كيف أن بعض السلاطين ينافسون رعيتهم في الكسب والتجارة . ويسخرون القوانين لخدمة مصالحهم الخاصة وتسلطهم على أموال الناس، وإطلاق يد الجند في الأموال العامة مما يرسخ الشعور بالظلم والإحساس بالحقد لدى الشعب .
4- يوضح ابن خلدون أن هذه العوامل الداخلية هي التي تؤدي إلى الخلل في أحوال الدولة أكثر من العوامل الخارجية .لأن المجتمع الذي يعاني من خلل داخلي لا يستطيع مجابهة عدو خارجي.
5- تمكن ابن خلدون من الربط الدقيق بين العوامل الاقتصادية سابقاً بذلك مفكرين أوروبيين بعدة قرون
6- استوعب ابن خلدون الإرهاصات السابقة في الفكر السياسي لدى الفارابي والماوردي والغزالي وإخوان الصفا والطرطوشي ومسكويه وسواهم. وصاغ من كل ذلك نظريته الناضجة في الفكر السياسي وفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع.
7- يتضح من قراءة مقدمة ابن خلدون فهمه لفلسفة التاريخ من خلال ثلاث نقاط أساسية:
- الأولى : أن التاريخ علم، وليس مجرد سرد أخبار بلا تدقيق ولا تمحيص.
- الثانية : أن هذا العلم ليس منفصلاً عن العلوم الأخرى كالسياسة والاقتصاد والعمران وعلوم الدين والأدب والفن.
- الثالثة : أن هذا العلم يخضع لقوانين تنتظم بموجبها أحوال الدول من قوة وضعف، ورفعة وانحلال.
وقد طبق ابن خلدون هذه النظرية على كتابه "العبر" في سرده للأحداث والتعليق عليها وتحليل نتائجها.
8- يرى ابن خلدون أن الظلم مؤذن بخراب العمران، ويعدد أشكال هذا الظلم من اعتداء على الناس، وتضييق على حرياتهم، وسلب أموالهم، وإضعاف فرص معاشهم وتحصيل رزقهم. والعمران يفسد بفساد العوامل التي تصنعه، والفساد يؤدي إلى الخراب.
9- إن الفساد يؤدي إلى هرم الدولة وشيخوختها. والهرم من الأمراض المزمنة التي قد تكون طبيعية مع عمر الدول والأفراد.
وقد تكون طارئة بفعل تفاقم الظلم والفساد والعدوان.
10- كان ابن خلدون على قدر كبير من الموضوعية والحياد العلمي في قراءته لأحداث التاريخ وتفسيرها رغم صعوبة الحياد في عصره.

المرجع:

1.بالنثيا،تاريخ الفكر الأندلسي،193 وما بعدها

spisos
12-04-2009, 18:15
تابع zineb blidia:

إبن خلدون
أبو علم الاجتماع


نشأ علم الاجتماع و تطور في أوروبا في القرن التاسع عشر و علم الاجتماع هو أحد فروع العلوم التي تهدف إلى شرح ما يحدث في المجتمع أو بالأحرى ما يحدث في المجتمعات البشرية ؛ و قد كان أوغست كونت هو أول من صاغ هذا المصطلح المهجن (sociologie) من اللغتين اللاتينية و اليونانية (logos و تعنى "علم أو خطاب" و societa و هي كلمة لاتينية تعني المجتمع). كانت المجتمعات الأوروبية تتساءل عن طريقة تقدمها و عن مصيرها ؛ و كانت الثورة الصناعية و الثورات السياسية قد "خلطت الخرائط" ؛ و لم يكن قد سبق للمجتمعات أن عاشت اضطرابات كهذه من قبل. و يوضح تحليل ظروف تجديد النظام أن من غير الممكن فصل تطور علم الاجتماع عن ثلاثة عوامل : في المقام الأول ، يعيش المجتمع "أزمة" ، و يواجه مجموعة من المشاكل تحمله على التساؤل عن نفسه و عن مصيره ؛ و في المقام الثاني ، لقد قام التفكير الفلسفي و العلومي حول الإنسان و المجتمع بتمهيد الميدان ؛ و أخيرا ضرورة وجود مفكرون تقود خبرتهم الشخصية و نضجهم العلمي إلى تحليل ظروف الحياة الخاصة بمجتمعهم.
و بهذه الظروف الثلاث نشأ علم الاجتماع في فرنسا و ألمانيا و الولايات المتحدة و لم يتوقف منذئذ عن تجديد إشكالياته و نظرياته. حقيقة أن الأزمة التي واجهتها أوروبا في القرن التاسع عشر قد أصتبغت بأكثر من مجال بطابع خاص مقارنة بكل "أزمات المجتمع" السابقة ؛ و لقد تسبب طابعها العالمي بالإضافة إلى نمو الرأسمالية في طرح مشكلة مصير الإنسانية.
غير أن في أزمنة و في أماكن أخرى طرح "علماء" أسئلة مشابهة ؛ و يرد ذكر بعضهم ضمن رواد علم الاجتماع و من أشهرهم مكيافيلي و مونتسكيو ؛ و بالرغم من ذلك فلم ينجح أي منهم في الإعلان بوضوح عن ضرورة خلق علما جديدا قادرا على تحليل المجتمعات تحليلا علميا كما فعل ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي. ولد عبد الرحمن بن خلدون في عام 1332م (غرة رمضان 732ه) بتونس التي كان يحكمها الحفصيون منذ أكثر من قرن ؛ و كان المغرب يواجه بعد مئة عام من الوحدة تحت حكم الموحدين فترة كساد اقتصادي و نزاعات سياسية مستديمة ، و عنيفة إلى حد ما بين القبائل و السلطات المركزية و بين الأسر الحاكمة المختلفة للمغرب نفسها. و منذ ذلك الحين أصبحت la reconquista تمثل تهديدا و بدأت التجارة في التقدم على حساب مجتمعات المغرب ؛ و في هذا الجو من الأزمة المستترة ترعرع ابن خلدون.
عاشت أسرته المنحدرة من شبه الجزيرة العربية طويلا بالأندلس قبل أن تستقر بتونس ؛ و منذ تولي الحفصيون الحكم و هي لم تتوقف عن التقرب إلى السلطة الحالية ؛ و قد كان جده الأكبر عبد الرحمن بن خلدون وزيرا للمالية و قام بتأليف كتابا لوزراء الدولة و قد أثر هذا الكتاب بالتأكيد في تفكير ابن خلدون. و قد شهد ابن خلدون و هو في الرابعة عشر الصراع الذي أدى إلى الاقتتال بين أبناء السلطان الحفصي أبو بكر و الذي برر تدخل بنو مرين (إلى السلطة في فاس) ؛ و هو حدث أثر فيه بشدة و أثار لديه التساؤلات حول "السلطة". و لقد أتم ابن خلدون دراسته بالجامعة العريقة الزيتونة بتونس حيث أتيحت له الفرصة للتتلمذ على أيدي معلمين أمثال الآبلي الشهير الذي بجانب ثقافته "الموسوعية" – و هو ما يعد ظاهرة فريدة بجامعة لاهوتية – كان يصر على أهمية السفر و الاحتكاك بالناس لإتمام ثقافة لا تقوم على "الكتب" فقط. و سلك ابن خلدون الطريق الذي سلكه أجداده فالتحق بخدمة السلطان الحفصي أبو اسحاق الثاني (1352).
و كان هذا ليكون بمثابة بداية مثالية لمستقبل مهني طويل في خدمة الأسرة الحاكمة ؛ و لكن فضول ابن خلدون و رغبته الشديدة في التعمق في المعرفة أدوا إلى غير ذلك ؛و انتهز ابن خلدون الحملة التي شنها الحفصيون على المغرب الأوسط لمغادرة تونس و إعادة علاقاته مع بني مرين الذي سيستمر في خدمتهم لسنين طويلة. و لقد عاش ابن خلدون لأكثر من عشرين عاما في تبعية إقطاعية الأسر الحاكمة المختلفة بالمغرب و الأندلس كوزير أو رئيس للوزراء أو سفير أو مفاوض.
و غالبا ما كانت تلاحقه المكائد التي كان يلعب خلالها دورا رئيسيا مما كلفه السجن و حياة لا تخلو من الأخطار.

و بنهاية هذا المشوار الطويل على الصعيد السياسي قرر ابن خلدون أن يتناول مشروعا كان يداعبه منذ فترة طويلة و هو كتابة تاريخ العالم مع البدء بتاريخ المغرب الذي عاشه بشغف. و بجانب كونه مدنيا و تابعا لبلاط الأسر الحاكمة شارك ابن خلدون القبائل المغربية في الجنوب حياتهم اليومية.
لجأ ابن خلدون إلى خلوة دراسية بقلعة ابن سلامة (المعروفة اليوم باسم (فرندا) وهران بالجزائر) حيث تناول هذا العمل الذي أثراه بخبرته الشخصية و بثقافة علماء عصره التي تبناها و بمعرفته العميقة بالقرآن و تفسيره من خلال الفقه و السنة ، وزينه بأعمال الفلاسفة و رجال العلم و كذلك بأعمال المؤرخين العظماء الذي تمكن من قراءة كتاباتهم.
و سوف تسمح له تلك الخبرة و تلك الثقافة في خلوته من القيام بتلك المواجهة الضرورية بين النظرية و المشاهدة و هي الشرط الذي لا يقوم بدونه أي تفكير علمي.
و كان ينوي ابن خلدون إعادة كتابة تاريخ المغرب و قد كان ؛ فبما أسماه بالمقدمة بدأ بالدفاع عن مشروعه من خلال نقد أعمال المؤرخين الذين سبقوه ؛ و في الواقع كان مشروع كتابة التاريخ يخفي مشروعا آخر و هو فهم و شرح السلطة في إطار مجتمعات المغرب و الكشف عن حقيقة دولة الأسر الحاكمة في المجتمعات المسلمة.
فأخذ على المؤرخين استخدامهم السيئ لمصادرهم مشككا في الإسناد (و هو اللجوء إلى سلسلة من الراوين للتصديق على الأفعال المروية) ، و غياب روح النقد لديهم و الميل إلى التحيز – و أخذ عليهم خاصة اقتصارهم على رواية الأحداث دون محاولة شرحها من خلال وضعها في سياقها و محاولة فهم أشكال التغير ؛ فيقول ابن خلدون أن التاريخ "يهدف إلى دراسة المجتمعات الإنسانية" ؛ و يتوصل إلى أن من أجل تحليل المجتمع بشكل صحيح ينبغي خلق "علما جديدا" و هو العمران ، علم الحضارة الذي يصفه كعلم قائم بذاته "مستقل بنفسه" مقارنة بالفروع المعيارية الأخرى كالفلسفة و الخطابة (حديث عن المجتمع مخصص "لإقناع الجمهور ليقبل أو ليرفض وجهة نظر محددة" و السياسة المدنية. و كما فعل العلماء الاجتماعيون الأوروبيون في القرن التاسع عشر ، قام ابن خلدون بتعريف "العلم الجديد" من خلال موضوعه "العمران البشري" أو "الاجتماع الإنساني" و من خلال أساليبه.
و ما يستبقيه عالم الاجتماع اليوم من "المقدمة" هو بداية تعريفه لموضوع هذا العلم الجديد الذي يبغى تأسيسه و هو "العمران" ، ثم بعض المبادئ المنهجوية الرئيسية التي يستخلصها من قراءة النص ، و التي غالبا ما تتضارب عند تحليله لمجتمعات المغرب ؛ و أخيرا و قد يكون أهمها تفسيره لبنية و ديناميكية المجتمعات المغربية و نظريته الدورية للتاريخ.


موضوع "العلم الجديد"

إن الإنسان وفقا لابن خلدون – كسائر مخلوقات الله – له احتياجات ، يأتي في مقدمتها احتياجه إلى الطعام و الحماية من طبيعة شديدة العدوانية ؛ و الإنسان مخلوق ضعيف نسبيا مقارنة بمعظم الحيوانات و لكن الله منحه "الفكر و اليد" ؛ فبفضل ذكائه تمكن من استخدام يده و "إطالتها" بواسطة ابتكار التقنيات ؛ كما مكنه هذا الذكاء من إدراك أن العيش في المجتمع و التعاون و التضامن أشياء ضرورية لنجاته ؛ فالحياة في المجتمع بالنسبة لابن خلدون ضرورية و هي ليست شيئا طبيعيا و إنما حصيلة التفكير البشري.
و يجب كذلك الوضع في الحسبان أن مع عدائية الناس تجاه بعضها البعض ، لن يصمد المجتمع بعد تكونه إلا إذا تم تقنية (التحكم في) تلك العدائية مما يتطلب وفقا لابن خلدون وجود "سلطة معتدلة" (وصي) ، أي وجود إنسان "لديه السلطة و الصلاحية لمنع الناس من القتال" ؛ فالسلطة هي إذا حصيلة "مجهود فكري"
إن الهدف بالنسبة لابن خلدون من هذا العلم الجديد الخاص "بالمجتمعات الإنسانية" هو تحديدا تحليل و شرح الأوجه المختلفة للمجتمعات الإنسانية ، و أنماط التشكيل الاجتماعي ، و مجتمعات البادية (العالم الريفي و عالم البدو و أنصاف البدو و غير المترحلين) و المدن (العمران الحضري ، موطن السلطة). و يقصد العلم الجديد تحليل النظام الاقتصادي و الطبقات الاجتماعية و الأبعاد الثقافية و دور التعليم و الإبداع (و لاسيما الإبداع التقني) و أخيرا تستحوذ الأبعاد السياسية على كل اهتمامه. و يرجع ابن خلدون كسائر المفكرين المسلمين الذين سبقوه إلى الشريعة للقياس ، و يحلل بوجه خاص تطبيق السلطة و العلاقة بين الدولة السلالية و المجتمع.
إن المجتمعات بالنسبة لابن خلدون ديناميكية للغاية ؛ و لقد عاب على المؤرخين عدم اكتراثهم بالتغير. و سوف يصر "بالمقدمة" على إثبات أن أساس العلاقات الاجتماعية لا يكف عن التغير ، في العلاقات التي تنشأ بين الجوانب الاقتصادية و السياسية و الثقافية و التعديلات في الطبقات الاجتماعية و معايير "التمييز" : فقد تلي فترات الرخاء و الازدهار فترات التأخر و الفقر.

محاولة لتعريف المبادئ المنهجوية :

يضع ابن خلدون لنفسه هدفا واضحا بالمقدمة و هو القيام بتحليل المجتمعات تحليلا علميا ؛ و لابن خلدون موقف ينتمي لامتداد الفكر العقلاني العربي المورث من مجموعة من المفكرين و الفلاسفة الذين تناولوا من قبله التفكير في السلطة بالمجتمعات الإسلامية. أما بالنسبة لتفسير المعايير الدينية الذي يتناولها كعالم جدير من علماء عصره قاطع ابن خلدون مبحث العلوم حيث أنه يعتبر السياسة متأصلة في المجتمعات.
و لقد تمكن ابن خلدون ، كما أظهر عبد القادر زغلول أثناء مداخلته بمؤتمر "ابن خلدون" الذي أقيم بولاية الجزائر (Alger) عام 1978 ، من القيام بالتمييز بين الدين "و الذي يتم بلوغه بالإيمان" و العالم الحسي "و الذي يتم بلوغه بالمنطق". و ما يحاول ابن خلدون تحليله هو المجتمعات في وضعها الحالي و ليس الوضع الذي كان ينبغي أن تكون عليه ؛ و دعونا لا ننسى أن بالرغم من روح الاستقلالية لدى ابن خلدون و الصراعات بينه و بين الصرامة المتجسدة في ابن عرفة إلا أن ابن خلدون كان يعد حتى آخر أيامه سلطة دينية مالكية معترف بها و حتى و إن كانت معاييره الدينية قد حملته على تقدير نوع النظام السياسي المتبع بالفترة الأولى من الهجرة (تحت حكم الخلفاء الراشدين الأربع) ؛ و يقول ابن خلدون بوضوح أن هذا هو أفضل نمط قيادي ؛ و تقوم تحليلاته على سير النظام السياسي المشاهد بمجتمعات المغرب المعاصر. منذ عهد الأمويين طرأ على الأحداث تطور من الخلافة إلى الملك (السلطة السلالية) ، و هي سلطة قد تأخذ أشكالا من الطراز المنطقي الموقر للمبادئ الإسلامية الجوهرية و كذلك أشكالا بعيدة كل البعد عن "النموذج" ؛ كالسلطة الاستبدادية رمز الانهيار الذي لا رجوع فيه للأسر الحاكمة.
و هذا ما يسمح لنا بالتأكيد على تطرق ابن خلدون لدراسة المجتمعات المغربية كعالم اجتماعي و ليس كفيلسوف اجتماعي كما صاغها الشاب طه حسين الذي تشرب بالدقة الدوركامية ببحثه عن ابن خلدون و ، و لا حتى كرائد بعلم الاجتماع.
و إذا كان ابن خلدون لم يعلن عن المبادئ المنهجوية بوضوح باستثناء المبدأ الذي سبق ذكره و المتعلق برواية الأحداث مع التخلي عن كل المواقف المعيارية ، إلا أن ابن خلدون قد احترم خلال تحليله للمجتمعات المغربية عددا من القواعد العلمية التي يمكن تحديدها بوضوح في ظل التقدم الذي حققه علم الاجتماع.
و لقد ذكرنا بأهمية ما كان يعني له نقد المستندات المستخدمة من قبل المؤرخ (أو "عالم الاجتماع") ، نقدا داخليا و خارجيا شديدا بقدر المستطاع من خلال التساؤل عن احتمالية و معقولية الأحداث المتناولة (اقتضاء منهجوي لم يتبعه ابن خلدون نفسه و لا حتى في المقدمة). و قام ابن خلدون كما فعل دوركايم فيما بعد بتحليل المجتمعات معتمدا على الوثائق و المشاهدات الشخصية و متبعا بكل الخطوات نهجا مقارنا ، مجابهة بين وسط البادية و العالم المديني ، و بين الأسر الحاكمة بالحقب المختلفة من تاريخها ، و بين أشكال السلطة و العلاقات السياسية...
و من المهم التنبيه إلى حرص ابن خلدون الدائم على إظهار الصلات المعقدة بين الأبعاد المختلفة للواقع الاجتماعي. إذا كان العمران هو أولا مجموعة من البشر وفقا للمعني الديموغرافي لهذا المصطلح ، فهو كذلك نوع من التنظيم الاجتماعي الذي أهم ما يحدده طبقا لتعبير ناصف ناصر هي الأبعاد الاقتصادية و السياسية و الثقافية. يصف ابن خلدون في تحليله للعمران البدوي و العمران الحضري المجموعات الاجتماعية غير غافلا عن الإشارة إلى التغيرات التي قد تطرأ و آخذا في الاعتبار كل من خصائص نظامها الاقتصادي (الإنتاج و الاستهلاك و الموقف من قضايا الضرائب و تغير الاحتياجات و العلاقة بين "المهن"...) و الثقافة (المعرفة العميقة بطبيعة سكان البادية و الابتكارات التقنية و التقدم في العلوم و الفنون و نظام نقل المعرفة و التطبيقات التثقيفية و المعتقدات و الخرافات...) و بالطبع السياسة (السلطة و الطبقات الاجتماعية في إطار العشائر و الطوائف الريفية ، و طريقة عمل السلطة المركزية ، و دور قضايا الضرائب و الشرطة و الجيش و علاقات التبعية و الموالاة...).
و سوف تدرج التيارات الكبرى لعلم الاجتماع بالقرنين التاسع عشر و العشرين بالمبادئ المنهجوية للعالم الاجتماعي أخذ "الجملة العضوية" (كارل ماركس) و "الظواهر الاجتماعية الشاملة" (مارسيل موس) و علم الاجتماع الانتفاعي أو حتى البنيوية في الحسبان.



محاولة لصنع نموذج تفسيري لديناميكية المجتمع :

يقصد بأخذ الجملة في الحسبان أخذه من المنظور الديناميكي و لقد توصل ابن خلدون من خلال تحليل مقارن لتاريخ مجتمعات المغرب إلى نتيجة أن التاريخ دوري ؛ و يلاحظ أن الأسر الحاكمة المختلفة للمغرب تستمر عادة على مدار ثلاثة أجيال ؛ ففي البداية تظهر دائما قبيلة تكون مزاياها (و عيوبها) هي مزايا و عيوب الإنسان الذي يعيش في رحاب طبيعة قليلة الحفاوة عادة ، فيتميز بالبساطة و الشجاعة و الإقدام و المعرفة بالطبيعة و كيفية استخلاص كل مواردها و لم تفسده ضغوط الاحتياجات الجديدة الملحة و هذا ما يهم في نظر ابن خلدون ؛ على أن تتحد هذه المجموعة بفضل العصبية و التي تترجم عادة "بروح الجماعة" أو "التضامن الاجتماعي" ؛ فلتفترض تضامنا مبنيا على صلات القرابة (في إطار نظام أبوي النسب) الحقيقية و (أو) الصورية بالرجوع إلى سلف مشترك ، و هو تضامن يتطلب رياسة بمعنى وجود قائد يتضح بالرجوع إلى أصله و صفاته الشخصية قدرته على تجسيد القيم الأساسية للمجموعة مما يصنع منه الشخصية "المركزية" للمجموعة ؛ و يسمح هذا التضامن للقبيلة بضمان ولاء القبائل الأخرى ؛ و إذا كان هذا شرطا ضروريا فهو ليس كافيا ؛ حيث يلاحظ ابن خلدون أن كل القبائل التي نجحت في الاستحواذ على السلطة المركزية كانت تحركها دعوة معينة أي أيدلوجية ذات طابع سياسي و ديني ؛ و أخيرا كان ينبغي أن تكون السلطة الحالية "خالية" أي ضعيفة للغاية. و في حالة توفر هذه الشروط الثلاث (العصبية و الدعوة و ضعف السلطة الحالية) تكون القبيلة قادرة على الاستحواذ على السلطة المركزية و تأسيس أسرة حاكمة جديدة.
في مرحلة أولى تسمح صفات القائد مدعومة بعصبية قوية بتوطيد السلطة ؛ و يستمر القائد على مدار المرحلة الثانية في تعزيز سلطته بضمان ولاء العديد من المناصرين له. و تهيمن السياسة خلال هاتين المرحلتين الأخيرتين و تسمح بتنمية الاقتصاد. و تمثل المرحلة الثالثة ذروة الدورة : حيث تكون السلطة في أوجها ، و تؤدي الضرائب التي يتم تحصيلها إلى الرواج و الازدهار ؛ و يسمح الرخاء بنهضة العمارة و الفنون و الآداب ؛ فيرضى الشعب و يعيش في رفاهية نسبية. و لكن منذ ذلك الحين ستبدأ السلطة و حاشيتها في الاستسلام لرغائبها في إرضاء ذاتها و الانزواء في التبعية للمنافع المادية الأكثر فأكثر تكلفا ؛ و تندر الابتكارات مما يودي بالنظام إلى مرحلة الزوال : حيث تساهم المصروفات في تبذير "المال العام" ، و تصبح السلطة غنيمة الشخصيات المنتفعة من نعمها ؛ و تزيد الضرائب فيعم السخط بين السكان. و تضعف السلطة مما سيسمح لقبيلة جديدة تنعم بعصبية شديدة و تحركها دعوة خلال المرحلة الأخيرة من الاستحواذ بدورها على السلطة. و تبدأ الدورة من جديد.
سمح تحليل ابن خلدون لتاريخ مجتمعات المغرب مع الرجوع إلى العالم الإسلامي ككل منذ عصر الأمويين له بإظهار "قوانين المجتمع" و ببناء نموذجا قياسيا يسمح بشرح تاريخا معقدا للغاية حتى و إن تجاهل هو نفسه في كتابه "العبر" تلك القوانين التي اكتشفها. و سيصبح هذا في القرنين التاسع عشر و العشرين بمثابة هدف أنماط و نموذجية علم الاجتماع الجمعي.
و يوجد بالمقدمة أمثلة أخرى على التحاليل الاجتماعية التي تعتبر شيقة بشكل خاص لعالم الاجتماع الذي يدرس اليوم مجتمعات المغرب. و هكذا فعلاوة على تحليلاته للسلطة ، سوف نتناول تحليلاته للعلاقة بين الوسط القروي و الوسط المدني (العمران البدوي و العمران الحضري) ، و وصفه للمدن و خاصة تحليله للطبقات الاجتماعية ؛ فبينما تعتمد الهيبة الاجتماعية في إطار القبائل على وضع الشخص النسبي و قدرته على تجسيد القيم الجوهرية للمجموعة ، فبالمجتمع المدني لا يمكن فصل المكانة الاجتماعية عن العلاقات المتشعبة التي تنسج بين الفرد و السلطة (استخدام مفهوم الجاه الذي يعني أن هيبة الفرد أو المجموعة تتوقف على علاقاته بالأمير أو بحاشيته) و دور العلماء ومرتبة النقابات المختلفة.
و يمكن اعتبار ابن خلدون لكل هذه الأسباب حتى و إن لم تكن تتعلق إلا بجزء ضئيل من كتاباته كعالم اجتماعي من المفيد الرجوع إليه لدراسة مجتمعات العالم العربي. و لا يعتبر ابن خلدون رائدا حيث تم تجاهل نصوصه من قبل مؤسسي علم الاجتماع بالقرن التاسع عشر. و نعرف اليوم أن كتابات ابن خلدون كانت موضوع عدة قراءات و تفسيرات بالبلاد العربية و لكن لم يثر قراءاتها قراءة اجتماعية سوى مولد علم الاجتماع في أوروبا. فمنذ نهاية القرن التاسع عشر ، دهش كل من العالم الاجتماعي النمساوي جومبلوفيتش و الإيطالي فريرو من عثورهم على مبادئ علم الاجتماع الأوروبي الجديد بكتاب المقدمة ؛ و مع ذلك فلقد ساهم استخدام علم الاجتماع "القومي" بالثلاثينات و علم الاجتماع "الاستعماري" لبعض من هذه التحليلات استخداما "موجها" إلى حجب الأهمية العلمية لهذا الكتاب. فكان ينبغي الانتظار حتى يحصل المغرب على استقلاله و ينمو علم الاجتماع بالبلاد العربية بنهاية الخمسينات أو حتى بالستينات ليكتشف العلماء الاجتماعيون العرب و الأوروبيون المتخصصون في دراسة المغرب الأوجه المتعددة للكتاب التي سمحت بإثبات أن مؤلفه كان من أول إن لم يكن أول عالم اجتماعي بالعصور الحديثة.

rof
12-04-2009, 18:28
لو سمحت اخي الكريم اريد معلومات حول التنمية في الهند[/B]]

laura
12-04-2009, 19:07
مرحبا إلى جميع الطلبة من لديه أسئلة إمتحانات السداسي الثاني، سنة الثانية لنفس أساتدة هده السنة section A لم أوفق في بعض المواد أنا جد مضطربة و قلقة فيدوني لا تبخلوا علي جوزيتم خيرا
تحية لspisos وفقك الله في تمام الصحة
مشكوووووووووووووووووررررررررر

laura
12-04-2009, 19:12
مرحبا إلى جميع الطلبة من لديه أسئلة إمتحانات السداسي الثاني، سنة الثانية لنفس أساتدة هده السنة section A لم أوفق في بعض المواد أنا جد مضطربة و قلقة الإمتحانات مبرمجة ل 2 ماي فيدوني لا تبخلوا علي جوزيتم خيرا
تحية لspisos وفقك الله في تمام الصحة إن شاء الله
مشكوووووووووووووووووررررررررر

ايرام
12-04-2009, 19:17
ازمة المالية العالمية

راما
12-04-2009, 19:44
السلام عليكم يا أخي من فضلك ان توفر لديك معلومات حول اقتراب التبعية ارسله لي فأنا ارجوك

ملاك الطيبة
12-04-2009, 19:50
السلام عليكم اتمنى تساعدوني لاني محتاجه ضروري
سوالي هو عن الطوباوية ماهي اسسها والتحدت عن مفكريها
وشكرا مقدما
ياريت تساعدوني

daoui yacine
12-04-2009, 20:30
السلام عليكم ياspisos كيف الحال ان شاء الله بخيرلدي صديق يبحث عن بحث عنوانه ( التحليل النسقي للعلاقات الدولية )
ان امكن المساعدة ودمت بخير

rabah 09
12-04-2009, 22:14
السلام...انا في ورطة...ساعدوني في بحثي حول واقع دراسات الجمهورفي المجتمعات التقليدية...انا بانتظار الجديد..

غربة
13-04-2009, 11:30
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اريد بحث بعنوان نقل الاعضاء البشرية
الخطة المقترحة لدي :
المبحث الاول : اسس نقل وزرع الاعضاء البشريه بين الاحياء
المطلب الاول معيار حالة الضرورة
المطلب الثاني معيار المصلحة الاجتماعيه
المبحث الثاني النظام القانوني لنقل ةزرع الاعضاء البشريه
المطلب الاول شروط نقل وزرع الاعضاء بين الاحياء
المطلب الثاني اثار نقل وزرع الاعضاء بين الاحياء

ارجو منكم مساعدتي لكون هذا البحث اعده الان كمشروع تخرج من كلية الحقوق الفلسطينيه
والله محتاج جدا للبحث ونظرا لقلة المراجع ارجو منكم مساعدتي وجزاكم الله خيرا
انا فعلا محتاج للبحث
اخوكم غربة

براهيم ماسيف
13-04-2009, 12:08
السلام عليك ياخي
اريد المساعدة في بحث حول الارادات المالية

samo_diab
13-04-2009, 15:17
الأخ spisos ما شاء الله عليك مجهود أكتر من رائع و اتمنى من الله عز و جل أن يبقيك بهذه الهمة و النشاط و إفادة الاخرين إن شاء الله . أنا مطلوب مني بحث عن الرقابة على موظفي البعثة الدبلوماسية . لا يهم من حيث رقابة الدولة الموفدة أو من حيث رقابة الدولة المضيفة . و شكرا ً لك . في إنتظار ردك .

bolbol
13-04-2009, 16:37
السلام عليكم اريد بحث في السياسات العامة

fahima
13-04-2009, 20:05
السلام عليكم اخي

من فضلك اريد بحث حول التنمية الاقتصادية في النيباد

spisos
13-04-2009, 21:33
بــــــــــلاغ:

إخواني أخواتي...
أيها الطلبة الكرام
لكل بداية نهاية
ها أنا ذا أخط حروف نهايتي
على أرصفة منتداكم
................
إخوتي أخواتي..
كان بودي البقاء معكم و بينكم..
مدونا ...ليس متفرجا
كان بودي..الإجابة عن كل بحوثكم...
.........

رغم أنيني إلا أن الدنيا لا ترحم
أحبتي ...
قد وظفت بمنصب إيداري..
و ينتظرني عمل كثير...
ما يبقيني بعيدا عنكم
ولا يمكنني التدوين معكم...
لضرورة الإهتمام بالعمل...

و هاهو يوم الفراق ليبعدني عنكم..
ولا أعلم هل سيحين لي العودة لكم يوما...
و العيش بينكم...
كما كنت سابقا...
..............
أحبتي..
سـأخرج ولكني سأعود لأرتشف من آنيتكم .. كلما سنحت لي الفرصه..
لأني واثق بأن قلبي لن يسعفني في البقاء بعيداً ..

أحبتي..
أخوتي ســأشتاق لكم كثيراً..
فأذكروني بخير..
ولا تنسوني من دعـائكم..
-------------
محبكم ....
مقتفي القمر

messaoudfcb
13-04-2009, 21:35
السلام عليكم
ممكن بخث حول السلطة والمسؤولية ان امكن مع المراجع وشكرا

fahima
13-04-2009, 21:42
ربي يوفقك خويا episos

و خيرك ما يتنساش

كنت دائما العون و السند لنا

فنتمنى لك التوفيق و المزيد من النجاح في حياتك العملية

oranaise
13-04-2009, 21:43
السلام عليكم أخي spisos
مبروك عليك المنصب الإداري وفقك الله و أعانك على عملك
نأسف كثيرا على فراقك لكن نتذكرك دائما بكل خير
شكرا لك على كل المجهودات و المساعدات التي أعنتنا بها
نتمنى لك كل خير شكرا شكرا شكرا
ما طولش الغيبة
الله يوفقك

الحجازي
13-04-2009, 22:49
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخواني ممكن المساعده في بحث عن
الاستهلاك وطرقه وكيفية معالجته محاسبيا وماهي الطريقة الامثل وهل يوجد طرق حديثه افضل من الطرق القديمة
وارجوا منكم اخواني المساعدة العاجلة
واتمنى ان لااكون عضو ثقيل عليكم
والسلام عليكم.

nora2102
14-04-2009, 10:23
السلام عليكم أرحو مساعدتي ببحث التحول الديموقراطي في البرازيل وانا احتاجه ضروري و سريعا

youns
14-04-2009, 17:59
السلام عليكم
اريد مقدمة لبحثي : الثقافة السياسية والتنشئة السياسية .
شكرا

nora2102
18-04-2009, 10:49
لسلام عليكم
اذا أمكن أريد بحت حول التحول الدمقراطي في الوطن العربي
وشكراااااااااااااا


شوف هذا يمكن يساعدك
التحول الديمقراطي العربي ..
في طور تسلطية تنافسية
( ملف - تجميع من إسلام أون لاين )
د. معتز بالله عبد الفتاح
تعنى هذه الدراسة بقضية التفاعل بين الضغوط الخارجية والمحددات الداخلية لعملية التحول الديمقراطي في الوطن العربي. وبتعبير أكثر دقة فإن الورقة تحاول أن تجيب على السؤال التالي: هل من الممكن أن تؤدي الضغوط الدولية إلى تحول ديمقراطي حقيقي في المنطقة العربية؟ أم أن بنية الاستبداد العربي أرسخ من أن تتأثر بهذه الضغوط إن كانت جادة؟.
إن إجابة هذا السؤال تتوقف على ثلاث مجموعات من العوامل هي:
1 - مدى التزام القوى الدولية بتغير ديمقراطي حقيقي في المنطقة العربية فضلا عن طبيعة الديمقراطية التي تضغط القوى الدولية من أجل تحقيقها. وستوضح الورقة أن الضغوط الأجنبية، بالتطبيق على الولايات المتحدة، تظل متذبذبة وغير محددة، رغما عن أنها، أي الضغوط، الأعلى بين عدد من الإدارات إلا أنها آخذة في الانحسار.
2 - مدى رسوخ أسباب الإرث الاستبدادي التقليدية في الدول العربية؟ وستناقش الورقة ما يمكن تسميته بشروخ صغيرة، لكنها متزايدة، في بنية الاستبداد العربي بفعل عوامل خمسة.
3 - مدى استعداد الثقافة السياسية العربية للتحول الديمقراطي. وستناقش الورقة التفاوت بين المجتمعات العربية في قبولها لقيم ومؤسسات الديمقراطية فضلا عن التواضع الشديد في مرونة الطلب على الديمقراطية في المجتمعات العربية بصفة عامة.
هذه العوامل مجتمعة تجعل الورقة ترجح أن مستقبل المنطقة على المدى الزمني القصير سيظل في إطار المراوحة بين التسلطية التقليدية والتسلطية التنافسية التي ستكون فيها مساحة من التوترات نتيجة تبني مؤسسات ديمقراطية شكلا مع ممارسات استبدادية مضمونا. بيد أن هذه التسلطية التنافسية توفر فرصا لقوى المعارضة والمجتمع المدني، متى اتحدت، تمكنها من أن تحقق نجاحات على طريق الإصلاح الديمقراطي.
وتبدو ضرورة البحث في قضية التحول الديمقراطي على المستوى العربي ضرورة جوهرية بالنظر إلى ما آلت إليه الأمور عالميا. ففي عام 1975 كانت الدول العربية تشكل نسبة 11% من الدول غير الديمقراطية في العالم (Potter et al. 1997)، أما في عام 2005، وباستخدام نفس المؤشرات، فإنها تمثل حوالي 35% بما يعني أن موجة التحول الديمقراطي الثالثة لم تنل من الدول العربية بالقدر الذي يجعل أي دولة عربية تلبي خصائص النظم الديمقراطية الناشئة emerging democracies ناهيك عن الديمقراطيات الراسخة consolidated democracies.
وهذا ما جعل البعض يتحدث عن عجز في الديمقراطية العربية لا الإسلامية التي وجد أنها أنجزت الكثير في آخر 20 سنة. من ناحية أخرى فإنه من بين 121 نظاما تم تصنيفها من قبل بيت الحرية في الولايات المتحدة باعتبارها نظم حكم ديمقراطية، لم توجد دولة عربية واحدة. بل إنه وفقا لهذا التصنيف فإن النظم العربية أقل ديمقراطية في المتوسط عما كانت عليه من 25 سنة. وفي خلال آخر 25 سنة لا يوجد رأس دولة عربية واحد ترك منصبه عبر صناديق الاقتراع.
ومن هنا يثور التساؤل عن مدى رسوخ هذه الخصوصية ومدى قدرتها على مواجهة التيار العالمي الجارف نحو مزيد من الديمقراطية


كيف وصلت الدول إلى الديمقراطية؟
لكل دولة نسختها من الديمقراطية أو غيابها. ولكل مجتمع عناصر الدفع التي أدت إليها أو أعاقتها وهذا التفاعل بين العناصر المختلفة هو الذي شكل لكل نظام ديمقراطي صيغته النهائية. بيد أن أنماطا خمسة، مع هامش من الخطأ في التعميم، يمكن رصدها في أدبيات التحول الديمقراطي. وفي كل نمط من هذه الأنماط كان هناك عامل أساسي، وليس وحيدا، يدفع نحو التحول الديمقراطي إما من قاع المجتمع السياسي أو من قمته، وإما من داخل النظام السياسي أو من خارجه.
فهناك أولا التحول الديمقراطي في أعقاب ثورات اجتماعية: ولهذه الثورات صيغتان إحداهما تاريخية والأخرى معاصرة. ففي الصيغة التاريخية، حدثت ثورات لأسباب اقتصادية بالأساس حدث فيها تحالف طبقي بين الطبقتين الوسطى (البرجوازية المتعلمة التي لم تقبل الجباية الملكية) والدنيا (التي كانت تعاني أوضاعا اقتصادية غير إنسانية) ضد النخب الحاكمة من ملوك وأمراء إقطاع فانتهت إلى وضع قيود قانونية وسياسية على ممارسات هذه النخب. وأفضل النماذج الكلاسيكية لهذا النمط من التحول الديمقراطي نجده في إنجلترا (القرن الـ 17) والولايات المتحدة وفرنسا (القرن الـ 18). في الصيغة المعاصرة كان العامل السياسي غالبا مع رغبة أكيدة ليس فقط في التخلص من الحكام ولكن في تغيير قواعد اللعبة السياسية والدستورية. فقد وصلت القوى السياسية المختلفة إلى درجة من القمع لم يعد ممكنا معها إلا أن تغامر بكل ما تملك من أجل إصلاحات ديمقراطية حقيقية. ويعد نموذج القضاء على تشاوشيسكو في رومانيا أحد أهم هذه الأمثلة لكنها كانت لحد بعيد تكرارا لنماذج أخرى مثل ثورة كوستاريكا في عام 1948 وثورة بوليفيا عام 1952. ويأتي نموذجا جورجيا وأوكرانيا الأخيران كمثالين حديثين لهذا المسار.
وهناك ثانيا التحول الديمقراطي تحت سلطة الاحتلال أو بالتعاون معه: وأوضح الأمثلة التاريخية لهذا النمط هو دور الاحتلال البريطاني في الهند والأمريكي في اليابان وألمانيا الغربية، وهو كذلك النموذج الذي تزعم الإدارة الأمريكية الحالية أنها تسعى لتطبيقه في العراق. ونجاح هذا النمط لا يتوقف على إرادة الدول المستعمرة وحدها ولكن بتبني نخب ما بعد الاستقلال قيم الديمقراطية وإجراءاتها. فقد شهدت العديد من المستعمرات البريطانية السابقة تجارب انتخابات برلمانية وتعددية حزبية كنوع من استنساخ التجربة البريطانية فالتزمتها نخب ما بعد الاستقلال في الهند وأستراليا ونيوزيلندا وكندا وموريشيوس وآثرت غيرها النخب الجديدة في باكستان ومصر والعراق ونيجيريا. وكان تقديم الإنجليز لنموذجهم البرلماني للمستعمرات دافعا لأن يعتبر بعض علماء السياسة أن الخبرة الاستعمارية البريطانية من المتغيرات التي يمكن التعويل عليها للتنبؤ بالتحول الديمقراطي في دول الجنوب.(1) وهو ما أثبتت الدراسات الكمية خطؤه.(2) بيد أن المتغير الخارجي قد يلعب دورا مساعدا عن طريق الضغوط الاقتصادية الدولية أو ما يعرف باسم المشروطية السياسية political conditionality أو عن طريق أثر المحاكاة demonstration effect.
التحول الديمقراطي تحت إدارة نخبة ديمقراطية مستنيرة يعد نمطا ثالثا شهدته عدد من الدول. وهو نموذج للتحول الديمقراطي يأتي بعد انهيار النظم الاستبدادية إما لموت الحاكم المستبد أو لهزيمة عسكرية تفقده شرعيته بما يؤدي إلى وصول نخب ديمقراطية تدير عملية التحول وتختار بنفسها أن تضع قيودا دستورية على ممارساتها. وهكذا كان حال النخب الجديدة في البرازيل بدءا من عام 1973، وأسبانيا بدءا من عام 1976، وتايوان من عام 1986، والمجر بداء من عام 1989. وهذا ما أمله كثيرون في حالات النخب الجديدة في قطر والبحرين والأردن وسورية والمغرب. وتعد الحالة الأسبانية مثالا شديد الثراء في هذا المقام. فموت الجنرال فرانكو سمح بعودة الملكية إلى أسبانيا وقاد الملك خوان كارلوس عملية التحول باقتدار من ملكية استبدادية إلى ملكية دستورية على النمط البريطاني. واكتملت عملية التحول في عام 1982 بعد أول تداول سلمي للسلطة في أعقاب الانتخابات البرلمانية(3).
الانفتاح السياسي التكتيكي الذي يفضي إلى مطالب ديمقراطية غير متوقعة هو النمط الرابع للتحول الديمقراطي. وهذا النمط من التحول يبدأ بمحاولة من النخب الحاكمة تمديد فترة بقائها في السلطة من خلال قليل من الانفتاح السياسي التكتيكي (كالسماح بوجود أحزاب معارضة ثم التضييق على حقها في بناء قواعد شعبية مستقلة). لكن ما لم تتحسبه هذه النخب أن المعارضة تستغل هذا القدر من الانفتاح لخلق شرعية بديلة بما ينتهي بفقدان النخبة المستبدة القدرة على وقف عملية الانفتاح مثلما حدث في الاتحاد السوفيتي في ظل جورباتشوف وكوريا الجنوبية في عام 1987 وجنوب أفريقيا في عام 1990. ولنا في مصر السادات مثال عكسي. فبعد الانفتاح السياسي في منتصف السبعينيات شعر الرجل أنه سيكون من ضحاياه فتراجع عن الكثير من الإصلاحات السياسية في أواخر السبعينيات وكان من ضحاياه أيضا. والمتغير الأهم هنا أن للانفتاح السياسي المحدود Limited Political Liberalization آثارا جانبية إيجابية بحيث يجرب الناس من الحرية ما يجعلهم يريدون مزيدا منها. بيد أن الشرط الجوهري لنجاح هذا النمط هو أولا وجود معارضة قوية وتتمتع بمصداقية كافية لدى تيارات واسعة من المواطنين مع اتفاق القوى المعارضة على أن إبدال النظام السابق ليحل محله غيره على أنه أولوية مطلقة تختفي أمامها كافة التناقضات البينية. ولعل هذا ما يفسر أن الانفتاح السياسي المصري لم يفض إلى تحول ديمقراطي حقيقي حيث إن المعارضة المصرية كانت أقرب إلى معارضة "بعض الوقت" فهي في الواقع تعارض بعضها بعضا أكثر من معارضتها للنظام الحاكم.
هناك خامسا تعاقد النخبة المستبدة على انسحابها من الحياة السياسية بعد ارتفاع تكلفة القمع. وهذا النموذج يعد نقيض النموذج السابق. فلا النخب قادرة على القمع ولا تملك القدرة على إدارة عملية التحول الديمقراطي ومن هنا يكون أفضل بديل ممكن لها أن تنسحب من الحياة السياسية بعد أن توقع عقدا يضمن لها عفوا سياسيا وبعض الامتيازات على ألا تقف حجر عثرة في مواجهة السلطة الحاكمة الجديدة مثلما حدث في اليونان في عام 1973، وفي البرتغال في عام 1974، وفي بيرو في عام 1977، وفي الأرجنتين عام 1982. والمثال الأكثر صراحة هو مثال انسحاب الرئيس بينوشيه من الحياة السياسية في شيلي في عام 1990.
هناك ملاحظتان أساسيتان على الأنماط الخمسة المشار إليها:
أولا: دائرية العلاقة بينها. بما يعني أن الضغوط الخارجية يمكن أن تفضي إلى انفتاح سياسي محدود بما يفضي إلى تحول ديمقراطي حقيقي. أو أن يكون وصول نخبة مستنيرة إلى الحكم ناتجا من تعاقد النخبة المستبدة السابقة على انسحابها من الحياة السياسية. بعبارة أخرى لا توجد أنماط نقية أو مثالية من أي من هذه النماذج في الواقع.
ثانيا: مهما لعب المتغير الخارجي من أدوار فإن شروط نجاح التحول الديمقراطي تظل داخلية بالأساس. وهو ما يجعلنا نتساءل عن مدى جدية القوى الدولية في الضغط من أجل إصلاح ديمقراطي حقيقي في الشرق الأوسط، وذلك بالتطبيق على دور الولايات المتحدة.
__________________________________________

شروخ في بنية الاستبداد العربي
للاستبداد في المنطقة العربية آباء كثيرون. بيد أن تطورات خمسة في السنوات العشرين الأخيرة ترجح أن يكون مستقبل الأوضاع السياسية في الوطن العربي مختلفا عن الماضي والحاضر. فأولا هناك عملية إحلال وتجديد في قمة هرم السلطة السياسية لأسباب طبيعية بيولوجية. فالقادة التاريخيون يتركون الساحة لمن هم دونهم سواء من الأبناء أو الشركاء. وثانيا، فإن الاعتماد على النفط وحده لم يعد كافيا لشراء الشرعية السياسية. وثالثا، فإن البون بين الحركات الإسلامية المتطرفة والحركات الإسلامية المعتدلة يزداد وضوحا بفضل جهود هذه الأخيرة من أجل مصالحة تاريخية مع مؤسسات النظام الديمقراطي وبعض قيمه. ورابعا، فإن الفضاء العام غير الحكومي يزداد اتساعا بسبب ما وفرته تكنولوجيا الاتصالات من سهولة ويسر في نقل المعلومات والأفكار بل وحتى الشائعات بسرعة فائقة. وهناك خامسا، تراجع الأيديولوجية القومية العربية في صيغتها الناصرية والبعثية التقليدية التي كانت تعلي من قضية الوحدة على حساب قضية الديمقراطية.
إنها تطورات خمسة على أصعدة خمسة تتفاعل لتحدث شروخا قد تزداد اتساعا بما ينال من بنية هذا الاستبداد. وعلى سبيل الفانتازيا التبسيطية فإني أطلق على هذه الشروخ: تأثير البيولوجيا، والجيولوجيا، والثيولوجيا، والتكنولوجيا، والأيديولوجيا. وفي ما يلي تفصيل ما أجملت.
بيولوجيا الموت السياسي (مصادر شرعية جديدة)
لأسباب بيولوجية طبيعية يموت القادة التاريخيون ويحل محلهم قيادات أكثر شبابا نسبيا. وقد يكون لهذا الإحلال والتجديد البيولوجي بعض العواقب الإيجابية على مستقبل النظم السياسية العربية. فأولا إن بقاء الحكام العرب لفترة طويلة في السلطة (متوسط 23 سنة) يؤدي إلى مركزية السلطة وتراجع دور المؤسسات في مواجهة دور القيادة السياسية التي عادة ما تصف نفسها بأنها "أبوية". وفي المقابل فإن المؤسسات القوية تضع قيودا على صناع القرار السياسي وتخضهم للمساءلة وهو ما أبته وتأباه معظم القيادات التاريخية التي تعتبر نفسها فوق القانون والمساءلة. وهو ما حدا بكثير من المراقبين للشأن العربي إلى اعتبار أن التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة العربية أنها تدار بمنطق القبيلة. فالبيروقراطية العسكرية والمدنية ترى نفسها امتدادا لسلطة الحاكم وليس امتدادا لسلطة الدولة.(1) والحاكم العربي لا يأتي برضاء الأغلبية ولكنه مطالب بصنع هذا الرضا حتى لو كان رضا شكليا وهو ما حدا بإحدى الباحثات أن تطلق عليه اسم "acting-as-if legitimacy" أي تحكم النظم العربية كما لو كانت شرعية.(2)
هل موت القيادات التاريخية وفتح الآفاق أمام قيادات أصغر ضمان لتحولات ديمقراطية؟ الإجابة يمكن أن يكون فيها خليط من التفاؤل والحذر. فعمليات الانفتاح السياسي المحدود الذي شهدته البحرين وقطر والمغرب والأردن، وبدرجة أقل سوريا، تشير إلى أن القيادات الجديدة تريد أن تؤسس شرعيتها على أساس الإصلاحات السياسية التي تقدمها. بيد أن الإفراط في التفاؤل ليس له ما يبرره. فهذه القيادات لم تنتقل بمجتمعاتها إلى ديمقراطيات ليبرالية وإنما إلى مجتمعات أقل تسلطية مع احتفاظ بحقها في التدخل والنكوص عن هذه الإصلاحات عند الحاجة.
وقد عول الكاتب "جرامشي" كثيرا على أثر تغير القيادات السياسية في طرح رؤى جديدة وأفكار مبتكرة للتعامل مع المشكلات التقليدية. إن الانتقال من نظام حكم إلى آخر قد يوفر فرصا لتحولات سياسية قد تساعد على تحول ديمقراطي حقيقي على المدى الأطول.(3) فخلال السنوات الـ 10 السابقة حدث تغير بيولوجي في القيادات في البحرين، والمغرب، والأردن، والعراق، وفلسطين، والسعودية، والإمارات، وأخيرا الكويت نحو قيادات لا تستدعي مصادر شرعية تاريخية من كفاح ضد محتل أو ضد الشيوعية. كما أن الكثيرين منهم قد تلقوا تعليمهم في مجتمعات ديمقراطية بما يجعلهم يدركون على الأقل أن الاستقرار يمكن أن يتحقق مع درجة أعلى من الحقوق والحريات السياسية.
وإذا حدثت تغيرات بوتيرة أعلى خلال السنوات العشر القادمة فإن شرخ القيادات التاريخية سيزداد في بنية الاستبداد العربية.
جيولوجيا شرعية النفط
كثيرة هي الكتابات التي تناولت دور النفط الإيجابي اقتصاديا والسلبي سياسيا. وقد وجدت الدراسات الكمية التي أجريت في هذا الصدد أن كافة السلع الأولية مثل الفوسفات والمنجنيز والمطاط وغيرها لها نفس التأثير السلبي على احتمالات التحول الديمقراطي.(4) يضاف إلى ذلك أنها غير قاصرة على البلدان النفطية العربية بل على كل البلدان كما أن التأثير السلبي يمتد للدول الكبيرة كما الصغيرة ما دام أن أغلب مواردها الاقتصادية تعتمد على سلعة أساسية تحتكرها الحكومات. وهذا التأثير السلبي للسلع الأولية له ثلاثة ميكانزمات تأثير على الأقل. فهناك تأثير الدولة الريعية والناتج عن شراء النخب الحاكمة لشرعيتها عن طريق خفض الضرائب وزيادة الإنفاق الاجتماعي ودعم الخدمات الأساسية من صحة وتعليم من أجل تقليص مطالب المعارضة بإجراء إصلاحات ديمقراطية، وهو النمط الذي أطلق عليه بهجت قرني "دولة البقشيش".(5)
وهناك ثانيا تأثير القمع الناتج عن توافر مداخيل اقتصادية ضخمة تسمح لحكومات الدول المعتمدة على السلع الأولية بأن تبني آلة أمنية قوية لا تقوى قوى المعارضة على تجنبها أو الوقوف في وجهها. وهناك ثالثا تأثير ضعف التحديث الصناعي غير الحكومي الذي عولت عليه نظرية التحديث في الستينيات لنشأة طبقة وسطى قوية.
بعبارة أخرى فإن النفط يوفر للحكومات إمكانية "الذهب" لشراء الشرعية و"العصا" لقهر قوى المعارضة. وفي الحالتين يكون هناك ما يشبه العقد الاجتماعي غير المكتوب يتحول بموجبه الأفراد إلى رعايا اقتصادية فوق العادة بلا حقوق سياسية تقريبا. فتضمن لهم الدولة السلع الرخيصة والوظيفة المناسبة والتعليم والعلاج المجانيين مقابل أن تتراجع كافة المطالب السياسية بالديمقراطية والحكم الرشيد. ويستمر العقد ما تراضى الطرفان عليه. بيد أن فترة الثمانينيات والتسعينيات شهدت تطورين هامين أثبتا صعوبة استمرار هذا العقد بشروطه السابقة.
فأولا هناك زيادة كبيرة في الطلب على الخدمات المجانية الحكومية سواء في الدول النفطية أو غير النفطية، فقد بلغ إجمالي سكان الدول العربية في عام 2002 حوالي 295 مليون نسمة، وهم يتزايدون بمعدل 2,3% سنويا. وهو من أعلى معدلات الزيادة في العالم. وقد بلغ تعداد القوى العاملة في الدول العربية حوالي 108 ملايين فرد في عام 2004. وأكثر من 50% من العرب تحت سن العشرين وأكثر من 60% منهم دون الثلاثين مقابل 25% تحت العشرين في الدول الأعضاء في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي بما يعني أن الطلب على العمل والخدمات الحكومية ليس كبيرا فقط ولكنه يتزايد بمعدل متسارع. ويقدر متوسط البطالة في الدول العربية مجتمعة بحوالي 21.3%.(6)
هناك ثانيا التراجع الواضح في أسعار النفط في الثمانينيات والتسعينيات ثم ارتفاعها في آخر ثلاث سنوات بما يجعل هذه النظم تحت رحمة متغيرات ليست تحت سيطرتها. فقد كان الاستهلاك العالمي للنفط في حدود 51 مليون برميل يوميا في عام 2001، وهو الآن في حدود 80 مليون برميل يوميا وسيكون 85 مليون برميل يوميا في عام 2025. وقد كان سعر برميل النفط في عام 2000 في حدود 18 دولارا لكنه وصل إلى 50 دولارا في عام 2005، بعد أن كان 60 دولارا في أواخر 2004. وهذا يعني زيادة في مداخيل الدول النفطية في السنوات الثلاث الأخيرة في حدود 60 مليار دولار. وهو ما يطلق عليه دارسو اقتصاديات النفط "ثورة نفطية جديدة". فبدءا من عام 2003 بدأت تتحول معظم الدول الخليجية إلى دول فائض لأول مرة منذ عام 1990 حيث كانت دائما ما تعاني من عجز في ميزانياتها. فقد بلغ فائض موازناتها 16.1 مليار دولار، مقابل عجز معلن بحوالي 24.6 مليار دولار في مطلع السنة. وحسب تقرير أصدره "مصرف الإمارات الصناعي"، فان إيرادات الموازنة السعودية في عام 2003 بلغت 78.5 مليار دولار، مقابل نفقات فعلية بحوالي 66.5 مليار دولار. وفي الإمارات بلغت إيرادات الموازنة الاتحادية 6.5 مليار دولار مقابل نفقات مماثلة. فيما بلغت إيرادات الموازنة الكويتية 19 مليار دولار، مقابل 14 مليار دولار كنفقات فعلية. في حين سجلت الموازنة العُمانية إيرادات بحوالي 6.8 مليارات دولار، مقابل نفقات بحوالي 7.8 مليارات دولار. وحققت الموازنة القطرية فائضا بلغ 1.1 مليار دولار، إذ بلغت إيراداتها 7.3 مليارات دولار. أما الموازنة البحرينية فبلغت إيراداتها 2.1 مليار دولار، مقابل نفقات بنحو 3.1 مليارات دولار. وستستخدم معظم دول الخليج عوائدها النفطية لخفض الدين العام. فالمملكة العربية السعودية تعتزم استخدام قسم من فائضها لخفض الدين العام من 660 مليار ريال (176 مليار دولار) إلى 614 مليار ريال (73.163 مليار دولار).(7)
ورغما عن أن القدرة على التنبؤ في سوق النفط محدودة للغاية، فإن الزيادة الكبيرة في طلب الصين والهند على النفط من ناحية مع زيادة المخاوف الدولية من الإرهاب والتخريب والحروب من ناحية ثانية ترجح أن أسعار النفط قد لا تنخفض كثيرا في السنوات الخمس القادمة. بيد أن دوام الحال من المحال في سوق النفط مع الاتجاه نحو البحث عن بدائل للنفط من ناحية ومع اندماج روسيا في الاقتصاد العالمي للنفط والسعي للبحث عن مصادر غير خليجية له من قبل دول العالم المختلفة.
وعلى هذا فإن التذبذب في الأسعار يمكن أن يقلب الفوائض عجزا من خلال صدمات العرض والطلب غير المتوقعة بما يجعل الصيغة القديمة غير قادرة على الاستمرار وبما يحدث شرخا آخر في بنية الاستبداد العربي المعاصر.
ثيولوجيا الإسلام الديمقراطي
"فزاعة الجماعات الإسلامية" هو التوصيف الإعلامي لاستخدام النخب الحاكمة لخوف الغرب من وصول جماعات إسلامية إلى سدة الحكم في الدول الإسلامية. بيد أن تغيرا حادثا في تعاطي الجماعات الإسلامية المعتدلة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين مع النظم السياسية ومع النخبة الإسلامية المثقفة جعلت منهم طرفا قابلا بمؤسسات الديمقراطية وإجراءاتها وإن كانوا يتحفظون على واحدة من أهم ملامحها في الغرب وهو العلمانية. فرغما عن أن كليهما غربي فإنهم قبلوا بآليات الديمقراطية ورفضوا العلمانية باعتبارها إطارا معرفيا وأخلاقيا يتناقض مع المرجعية الإسلامية.
ورغما عن أن قبول الإخوان تحديدا لممارسات المنافسة السياسية من ترشيح وتصويت وانتخاب وتمثيل للأمة يرجع إلى عصر مؤسسهم لكنهم جددوا الالتزام تجاه هذه الجوانب المؤسسية والميكانيكية للإجراءات الديمقراطية. بيد أن تطورا آخر يحدث نتيجة تفاعلهم مع مفكرين إسلاميين، وإن لم يكونوا رسميا أعضاء في الجماعة، مثل الشيخ القرضاوي، ود. محمد سليم العوا، ود. محمد عمارة، والمستشار طارق البشري وأ. فهمي هويدي، وراشد الغنوشي، وحسن الترابي. فقد كانت إسهامات هؤلاء الفكرية موضع اعتبار من قادة الجماعة. فكتاب القرضاوي "في فقه الدولة الإسلامية" أعطى للجماعة صك الغفران للتعامل مع الديمقراطية على أنها إسلامية بقدر ما هي أداة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما أعطى مبررات عملية ونصية لقبول فكرة التصويت على اعتبار أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فعلها وأن المشاركة في الانتخابات شهادة "ومن يكتمها فإنه آثم قلبه" وأن التنافس الحزبي نوع من مأسسة الخلافات السياسية والتعاون على البر والتقوى، وأن "المسلمين عند شروطهم" من باب "وأوفوا بالعقود" كما نص القرآن فإن خسر الإسلاميون انتخابات حرة نزيهة فواجب عليهم شرعا أن يتركوا مناصبهم لأنهم أقسموا احترام الدستور وتعاهدوا على ذلك.
كما كانت جهود المستشار البشري بارزة في تبني صيغة مدنية للعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع المسلم وتجاوز الصيغة التقليدية لأهل الذمة، كما أن ولاية غير المسلم على المسلم لم تعد قضية ذات محل على اعتبار أن المجتمعات الحديثة هي مجتمعات بيروقراطية تقوم على المؤسسات التي تكون هي صاحبة الولاية على الفرد.
كما قبل الإخوان بالعديد من المقولات التي تدعو إلى أن السلطة للشعب بشرط ألا يقرر الشعب ما يتعارض صراحة مع نص قطعي الثبوت وقطعي الدلالة من القرآن والسنة. وكان محمد سليم العوا وراشد الغنوشي وحسن الترابي من رواد الفكر الإسلامي المعاصر الذين قدموا هذا الطرح. وفي هذا مغادرة واضحة لمفهوم الحاكمية الذي روج له سيد قطب.
ورغم أن الإخوان لم يقدموا بعد رؤية متكاملة بشأن العديد من القضايا فإنهم مدفوعون لأن يقدموا رؤى متكاملة بحكم المواقع السياسية التي يحتلونها. فهم الآن الأكثر حضورا بين قوى المعارضة في كافة البلدان العربية التي فيها برلمانات والتي تسمح لهم بالوجود.
على مستوى آخر فإن الإخوان المسلمين يجتهدون في أن يتمايزوا عن الجماعات المتشددة التي تتبنى العنف ضد حكوماتها ومجتمعاتها. فالإخوان، حتى الآن على الأقل، لم تضعهم الدول الغربية على لائحة الجماعات الإرهابية رغما عن أنهم الأكبر عددا والأقدم تاريخا والأكثر تأثيرا وخرج من عباءتهم الكثير من الجماعات المتشددة الأخرى. وأكبر دليل على ذلك الانتقادات التي يوجهها أعلام الجماعات المتشددة إلى الإخوان. ومن ذلك انتقادات أيمن الظواهري الشديدة للإخوان المسلمين.
وقد ذهب أحد الباحثين إلى القول إن: "الانعطاف الديمقراطي لدى فريق من الإسلاميين، ونحو الأساليب السلمية في الكفاح السياسي هو دليل على اتجاه الحركة الإسلامية نحو الاعتدال، الأمر الذي يعني تضييق مساحة الاختلاف بين قسم مهم من الحركة الإسلامية والفرق والاتجاهات السياسية الأخرى."(8) وإن صحت هذه الملاحظة، وأعتقد أنها صحيحة، فإن شرخا آخر في بنية الاستبداد العربي يأخذ في الاتساع بسبب اتجاه الفصيل الإسلامي الرئيسي نحو تبني الإجراءات الديمقراطية، بحكم اضطرار الحركات الإسلامية للتعايش في بيئة تعددية لا تستطيع أن تفرض إرادتها المنفردة عليها.

تكنولوجيا الفضاء العام
إن مفهوم الفضاء العام الذي طرحه "هيبرماس" يشير إلى تلك المساحة الذهنية الرحبة التي لا تسيطر عليها المؤسسات الحكومية فيتمكن فيها المرء من التأمل والتدبر والمداولة مع أقرانه. هي مساحة للتفكير في اللامفكر فيه سياسيا ودينيا. وبدون الدخول في التفصيلات النظرية للمفهوم فإن المجتمعات العربية، مع تفاوت واضح في الدرجة، بدأت تشهد اتساعا لهذه المساحة من الفضاء العام. والعامل الدافع لهذا الفضاء الآخذ في الاتساع هو تكنولوجيا الاتصالات التي وفرت للمواطن العربي القنوات الفضائية والمواقع التفاعلية على الإنترنت. فقد بلغ عدد القنوات الفضائية العربية 120 قناة يتم بثها بواسطة القمر الصناعي العربي "عربسات" والقمر الصناعي المصري "نايلسات". وحسب تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 الذي يصدر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، فإن 70% من هذه القنوات تابعة رسميا لحكومات عربية.(9)
أما نسبة القنوات الفضائية العربية المملوكة لقطاع خاص عربي والتي تبث إرسالها باللغة العربية من خارج الوطن العربي، فتصل إلى 15% من إجمالي القنوات الفضائية العربية. بينما وصلت نسبة القنوات الفضائية الخاصة التي تبث إرسالها من داخل الوطن العربي إلى 10%، ما يعني أن الفضائيات العربية الرسمية ما زالت هي المهيمنة على البث الفضائي العربي. ومع ذلك فإن العودة إلى نسب المشاهدة تشير إلى أن القنوات الفضائية المملوكة للحكومات العربية هي الأقل مشاهدة فيما يتعلق بالقضايا السياسية وتأتي قناة الجزيرة باعتبارها الأكثر مشاهدة بين كافة الفضائيات الإخبارية العربية. ويرجعها بعض الباحثين إلى أنها الأكثر راديكالية في رفضها للأوضاع القائمة.(10)
كما وفرت شبكة الإنترنت فرصة ممتازة لخلق فضاء عام أرحب للتفاعل بين المواطنين العرب لا سيما الشباب منهم. وبالعودة إلى مواقع الحوار التي يوفرها موقع هيئة الإذاعة البريطانية على النت في آخر شهرين، كانت هناك جرأة شديدة في نقد الأوضاع العربية. ففي المساحة الخاصة بالانتخابات التشريعية المصرية كان هناك حوالي 184 مشاركة منشورة. كان معظمها (حوالي 64%) شديد النقد للحزب الحاكم في مصر ومحاولات الحزب للسيطرة على كافة جوانب الحياة السياسية من أجل الإعداد للتوريث. وكان الكثير منها (42%) متعاطفا مع الإخوان المسلمين وحقهم في أن يصلوا إلى الحكم. المثير في هذه المساحة أن الأقباط، هكذا برزوا من أسمائهم، كانوا شديدي النقد للإخوان وللحكومة معا وكأنها مؤامرة إسلامية ضد أقباط مصر وهو تحد لا يمكن تجاهله لوحدة الأمة المصرية يبرزه هذا الفضاء العام. وكان هناك قبول عام (89% من المداخلات) للديمقراطية من حيث المبدأ مع انتقاد الأوضاع الراهنة باعتبارها غير ديمقراطية. إن مثل هذه المساحة من الفضاء العام تكشف عن نزعة نحو نقد الأوضاع الحالية والرغبة في مجتمعات أكثر ديمقراطية.
إن الفضاء العام ولد واتسع وهو آخذ في الاتساع ورغم أن فقط 6% من المواطنين العرب (فوق سنة 18) يملكون القدرة على الوصول إلى الفضائيات وأن نصف هذه النسبة فقط لديها القدرة على الوصول إلى شبكة الإنترنت(11) فإن المستقبل سيشهد زيادة كمية وكيفية ستشكل حتما شرخا جديدا في بنية الاستبداد العربي.
نهاية الأيديولوجيا الشعبوية
إن تراجع الأيديولوجيات الشعبوية – القومية تحديدا في نسختها البعثية والناصرية المصرية واليمنية والليبية- القائمة على التعبئة السياسية والتماهي في مشروع قومي يقوده حزب على قمته قائد ترك فراغا ضخما يسمح بإعادة التفكير في بنية النظم السياسية العربية. فالحركة القومية العربية لم تصل إلى الحكم في أي دولة عربية عن طريق انتخابات حرة نزيهة بل كان دائما عن طريق الانقلاب العسكري (مصر، وسوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، والسودان) أو عن طريق الثورات الشعبية ضد الاستعمار (الجزائر، واليمن الجنوبي) ولكنها مع الأسف ضحت بالديمقراطية وحقوق الإنسان في مقابل الوحدة العربية والانتصار على الاستعمار والصهيونية.
إن مأزق الأيديولوجية القومية العربية أنها كانت أقرب إلى النموذج العضوي الذي جسدته التجربتان الألمانية (بيسمارك) والإيطالية (غاريبالي) حول أولوية العنصر الإثني واللغة والتاريخ والثقافة في تحديد الهوية القومية والتعويل على دور القائد والزعيم الملهم.(12)
وكان الطرح السائد في ظل هذه الصيغة الأيديولوجية هو "إما / أو" فإما الحقوق المدنية والسياسية أو الوحدة والاستقلال والتنمية الاقتصادية. وكان يغلف هذا، مع الأسف الشديد، الممارسات القمعية والفساد وتهميش المعارضين وإقصائهم عن الحياة العامة.
إن مراجعات فكرية تحدث على الأيديولوجية القومية التقليدية لتبني المكونات الديمقراطية وحقوق الإنسان بحيث ألا يشعر أبناء الأقليات غير العربية أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وهذه المراجعات تقترب بالقومية العربية من النمطين الفرنسي والإنجليزي والذي يعلي من مكانة الدولة الأمة بمفهومها القانوني والدستوري ويسمح بحرية تكوين المؤسسات المدنية على قدم المساواة بين كافة الجماعات الفرعية الإثنية والدينية على أساس المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين المواطنين جميعا.(13) وأهم ما تنتجه هذه المراجعات هو ما يمكن تسميته عامل "الواو" والمقصود به انتفاء نموذج الاختيار بين الوحدة ومقاومة المستعمر والعدالة الاجتماعية من ناحية "أو" الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحريات. إننا أمام محاولة لاستيعاب عامل "الإضافة والتكامل" بين الأهداف دون الحاجة للتضحية بالديمقراطية من أجل غيرها.
فالناصريون في مصر واليمن من أكثر القوى السياسية مطالبة بالديمقراطية والمواطنة الكاملة بيد أن هذه المراجعات ظلت فكرية دون أن تجد مصادقات لها على أرض الواقع حتى الآن.
إن تراجع الأيديولوجيات الشعبوية عن سدة الحكم في عدد من البلدان العربية وحدوث مراجعات فكرية تتصالح مع قيم الديمقراطية ومؤسساتها وآلياتها شرخ آخر في بنية الاستبداد العربي.
__________________________________________


مرونة الطلب على الديمقراطية عربيا
الثقافة السياسية متغير شديد الأهمية في تفسير واستشراف مستقبل الديمقراطية العربية على أكثر من مستوى. فواحدة من أنماط التحول الديمقراطي هي الثورة الشعبية أو الضغوط من أسفل الهرم السياسي. وهذه الثورة لن تفضي إلى تحول ديمقراطي إلا إذا كان هناك يقين لدى قطاع واسع من المواطنين أن الديمقراطية هي أفضل نظام حكم متاح، مهما اعتراه من عيوب أو مشكلات وهو ما يفتح الطريق نحو التساؤل عن مرونة الطلب على الديمقراطية في الوطن العربي.
كما أن استدامة الديمقراطية ورسوخها Democratic Consolidation تتطلب أن تكون التفضيلات السياسية تجاه الديمقراطية على حساب ما عداها من نظم مهما كانت التحديات.
والحالة الأسبانية قدمت مثالا هاما في هذا المقام. ففي ظل فرانكو كانت نسبة البطالة في أسبانيا الأقل بين كافة دول أوروبا الغربية. ووصلت إلى حوالي 20% خلال منتصف الثمانينيات لتصبح الأعلى بين كافة دول أوروبا الغربية إلا أن تمسك الأسبان نخبا وشعبا بالديمقراطية لم يتراجع وفقا لاستطلاعات الرأي التي أجريت آنذاك.(1) وعلى هذا الأساس يكون من المفيد دراسة مدى استعداد وتمسك الدول العربية بالديمقراطية قيما ومؤسسات.
وهو ما يتطلب في الحالتين العودة إلى المتاح من البيانات الميدانية عن الثقافة السياسية العربية.
أولا: قبول الثقافة السياسية العربية للديمقراطية:
خرجت عدة دراسات ميدانية في آخر 10 سنوات عن المنطقة العربية(2) لتناقش توجهات المواطنين العرب تجاه قيم الديمقراطية. وقد استفاد الباحث من البيانات التي وفرتها بعض هذه الدراسات فضلا عن استطلاع للرأي أجراه الباحث مع فريق بحثي معاون في عدد من البلدان العربية عند إعداده لرسالة الدكتوراه.
وقد رصدت العديد من هذه الدراسات تفاوتا ملحوظا بين الثقافات العربية على نحو جعل التعميم عن الوطن العربي بأكمله مسألة لا تخلو من مخاطر. وبعد مقارنة مصادر البيانات المختلفة واستطلاع نتائجها أمكن الوصول إلى خريطة تعبر عن التوجهات السياسية للقطاع الذي يجيد القراءة والكتابة من العرب والمسلمين في 32 دولة تجاه قيم الديمقراطية ومؤسساتها.
ويتبين لنا التفاوت الشديد في قبول المواطنين المتعلمين لقيم الديمقراطية ومؤسساتها حيث وجه الفريق البحثي للمواطنين أسئلة بشأن التسامح السياسي وقبول الآخر الشريك معهم في المجتمع (مثل توجهاتهم بشأن حقوق المرأة أو الأقليات الدينية).
كما استطلعت آراؤهم بشأن رؤيتهم حول أهمية المشاركة السياسية (التصويت في الانتخابات) ومؤسسات التنافس والتمثيل السياسي مثل الأحزاب والانتخابات والبرلمان. ووجد أن هناك مجتمعات، مثل المملكة العربية السعودية واليمن وليبيا وعمان والإمارات، تواجه ثقافة سياسية تقف موقف المتشكك من القيم الديمقراطية ومؤسساتها على نحو يجعلنا نتقبل أن عامل الثقافة السياسية يمكن أن يلعب دورا هاما في تفسير عدم وجود أو استقرار الديمقراطية في هذه المجتمعات.
وهناك مجتمعات أخرى تبدو أن ثقافتها لا تشكل عائقا ضد التحول الديمقراطي على الأقل في حدود توجهات المواطنين تجاه قيمة التسامح السياسي واحترامهم لمؤسسات التنافس والتمثيل السياسي مثل المغرب ومصر وتونس والأردن. وهو ما أكدته استطلاعات رأي أخرى.(3) وبالتالي تكون الأولوية عند محاولة تفسير غياب الديمقراطية في هذه المجتمعات للعوامل غير الثقافية.
وليس الهدف من هذا العرض هو الدخول في معالجة تفصيلية بشأن الثقافة السياسية للمجتمعات العربية ولكن لتوضيح أن المجتمعات العربية تتباين فيما تحمله من قيم ثقافية على نحو يجعلنا نعطي أولية لعامل على آخر في حالة دون أخرى وعلى نحو يجعل بعض المجتمعات أكثر استعدادا للقبول بالديمقراطية الليبرالية أكثر من غيرها.
ثانيا: مرونة الطلب على الديمقراطية:
إن استمرار النظم التسلطية التقليدية والتنافسية يتوقف ضمنا على نجاحها في تدجين مواطنيها وتربيتهم على قبول الوضع الراهن. كما أن نجاح قوى المعارضة الديمقراطية في الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية ليبرالية يتوقف على خلق ثقافة سياسية تحترم قيم الديمقراطية ومؤسساتها بل وتستعد لتحمل تكلفتها وتبعتها.
إن مشاهد الطلبة المتظاهرين والعمال المضربين في كوريا الجنوبية وملايين الجورجيين والأوكرانيين في الشوارع تحت الأمطار متظاهرين من أجل تحول ديمقراطي حقيقي يؤكد أن لكل شيء ثمنا وأن الطلب الحقيقي على الديمقراطية يقتضي التضحية.
وكان هذا هو الهدف من سؤالين وجهتهما للمبحوثين في الدول التي شملها استطلاع الرأي المشار إليه. وكان السؤالان هما:
1 - هناك أشخاص يقتلون أو يعتقلون بسبب مطالبتهم العلنية بحقوقهم السياسية. هل توافق أو تعترض على أنهم يسلكون مسلكا سليما؟.
2 - كي يحقق الناس في مجتمعك حقوقهم السياسية فإنهم عليهم أن: يتحدوا الحكومة علانية حتى لو أدى ذلك إلى استخدام العنف، أو أن يتحدوا الحكومة علانية بلا عنف، أن يعبروا عن مشاعرهم السلبية تجاه حكامهم ولكن بصورة غير علنية أو أن يصبروا وأن يلجئوا إلى الله بالدعاء كي يبدلهم حكاما أفضل.
وباستخدام أسلوب الـ factor analysis تم الجمع بين السؤالين في متغير واحد أمكن تسميته مرونة الطلب على الحقوق السياسية. والمعنى الاقتصادي لكلمة مرونة له قيمة تحليلية عالية في هذا المقام لأن الناس لا يقدمون على شراء سلعة يرتفع ثمنها إلا إذا كان بحاجة شديدة لها مثل الطلب غير المرن للمدخن الشره على السجائر وكذا المريض الذي بحاجة لدواء ملح. فمهما ارتفع ثمنها فهو مستعد لبذل الثمن المناسب. أما طلب الناس على الكثير من الكماليات (مثل نوع معين من الروائح) فإنه يوصف بأنه طلب مرن لأن أي ارتفاع في السعر يقابله انخفاض واضح في الثمن بالذات مع تعدد البدائل المقبولة.
السؤال هو: هل يرى المواطن العربي ن أن الطأن حقوقه السياسية كالدواء الذي يستحق التضحية من أجله أم أنه من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها والعيش بدونها؟
استخلاصا لنتائج استطلاع الرأي السابق، وبعد وضع ترتيب للدول على مقياس حسابي، لوحظ أن الدول العربية تحتل القمة بامتياز، بما يعني أنها تملك مرونة الطلب الأعلى على الديمقراطية، أي أنها التي ترى المطالب الديمقراطية أقل إلحاحا مقارنة بغيرها. وهو ما يساعد كثيرا النخب العربية على ألا تراوح عملية الانفتاح السياسي المحدود والتكتيكي إلى التحول الديمقراطي الليبرالي.
فالاستعداد للتضحية من أجل الحقوق السياسية في الدول العربية ضعيف إذا ما قورن بالاستعداد للتضحية بين المجتمعات المسلمة غير العربية. وأعلى مجموعتين من المواطنين العرب المستعدين للتضحية من أجل حقوقهم السياسية هما لبنان والجزائر. وهما دولتان تتصفان بتشرذم واضح في الثقافة ونزعة تاريخية لتحدي السلطة الحاكمة ويقل هذا الاستعداد للتضحية نسبيا في الدول الخليجية.
والمفارقة تبدو في أن مصر وتونس والمغرب، وهي الدول العربية التي بدا أنها الأكثر قبولا للقيم الديمقراطية ومؤسساتها، لم يسجل مواطنوها استعدادا عاليا للتضحية من أجل حقوقهم السياسية بما يعني أن مواطني هذه الدول في انتظار منحة من الحكام دون استعداد حقيقي لدفع الثمن الباهظ.
إن صح هذا التحليل فإن المجتمعات العربية مفتوحة على احتمالات عدة أقربها إلى الواقع الميداني هو التحول عن التسلطية ولكن ليس في اتجاه الديمقراطية وإنما في اتجاه تسلطية تنافسية لها توتراتها التي يمكن أن تفضي إلى تحولات ديمقراطية حقيقية على مدى زمني أطول.
وهذا ليس ببعيد، فالنظام التسلطي التنافسي بطبيعته غير مستقر لأنه قائم على قواعد ومؤسسات ديمقراطية شكلا وممارسات وتكتيكات تسلطية. وهو ما يفتح مساحة، محدودة في البداية، لقوى المعارضة لإبراز وجودها واستغلال الثغرات والتناقضات بين القانون والممارسة من قبل النخب الحاكمة وهو ما قد يفضي إلى أزمات شرعية للنخب الحاكمة مثلما حدثت في المكسيك عام 1988 وفي نيكارجوا عام 1990 وفي زامبيا 1991 وفي روسيا 1993 وفي أرمينيا عام 1996 وفي ألبانيا عام 1997 وفي غانا وبيرو وصربيا وأوكرانيا عام 2000 وفي زامبيا مرة أخرى عام 2001 وفي جورجيا 2003 وفي أوكرانيا عام 2005.
في بعض الحالات تنجح النظم الحاكمة في تجاوز الأزمات (مثل روسيا وماليزيا وألبانيا وأرمينيا) وفي أحيان أخرى ينهار النظام مثل نيكاراجوا في 1990 وفي غانا والمكسيك في عام 2000 وفي جورجيا 2003 وأوكرانيا 2005 ويتحول بشكل دراماتيكي نحو الديمقراطية. بيد أن هذا التحول نحو الديمقراطية يقتضي ثلاثة شروط كانت بارزة في كل هذه النماذج:

1 - رأي عام حانق على الوضع التسلطي وراغب في تغييره مع الاستعداد للتضحية المعقولة.
2 - معارضة متفقة على الحد الأدنى من قواعد العمل المشترك تحت قيادة تحظى بالقبول الشعبي.
3 - وضع دولي وإقليمي مساند لتفكيك النظام القديم ومساندة النظام الجديد.
والمعطيات السابقة جميعا ترجح أن المنطقة العربية ستظل تراوح بين التسلطية التقليدية والتسلطية التنافسية في ظل غياب لنخب مستعدة لأن تتبنى برنامجا متكاملا للتحول الديمقراطي.
__________________________________________

انحسار الضغوط الأمريكية
إن مفهوم الديمقراطية مفهوم ملتبس. فما خلا المملكة العربية السعودية، لا يوجد نظام حكم في العالم لا يدعي قادته ورموزه وصلا بالديمقراطية بغض النظر عن مدى التزامه بها. فألمانيا الشرقية كانت تلحق لفظة ديمقراطية باسمها الرسمي ولا تزال الجزائر فاعلة، كما يتحدث الخليجيون عن "ديمقراطية الصحراء"، وابتدع محفوظ نحناح مفهوم الـShuracracy كالبديل الإسلامي عن الديمقراطية العلمانية، وتحدث شيوعيو الاتحاد السوفيتي عن "الديمقراطية المركزية" وروجت نظم الحزب الواحد في إفريقيا لفكرة "ديمقراطية اتفاق الرأي" (unitary democracy).
وقليلة هي الدول التي لا تنص في دساتيرها أو وثائقها الرسمية على أنها تتبنى الديمقراطية بما في ذلك عراق صدام حسين، وبيرو فوجيموري، وأوغندا عايدي أمين وغيرها. ومن هنا حدثت فجوة بين "الشيء" الذي يسمى الديمقراطية والمصطلح الذي أصبح أسيرا للاستخدام غير الرشيد إعلاميا وسياسيا(1).
غموض نوع الديمقراطية التي تقصدها أمريكا
وفي مواجهة فوضى الاستخدام الدعائي للمفهوم، طفق الأكاديميون في استنباط صفات يضعونها قبل كلمة ديمقراطية لوصف النظم التي كانوا معنيين بدراستها. فهناك من تحدث عن مجتمعات هجين "hybrid regimes” وهناك من تحدث عن نظم "شبه تسلطية "semi-authoritarianism” أو استخدم وصف "التسلطية الناعمة" "soft authoritarianism," أو "الديمقراطية المزيفة" "pseudodemocracy"، أو"أشباه الديمقراطية" "semi-democracies" ، أو "ديمقراطية غير ليبرالية" ""illiberal democracy ، أو ديمقراطية تقديرية “virtual democracy" أو "استبدادية انتخابية" “electoral authoritarianism” و"ديمقراطية انتخابية" electoral democracy,"
إن توضيح المفهوم مهمة أساسية في هذا المقام. فمحاولة تحديد ما الذي يقصده كل لاعب سياسي بكلمة ديمقراطية عند استخدامه لها ضرورة. فاللفظة واحدة والمقاصد متنوعة. والمفهوم من فرط استخدامه، أطلق على الشيء ونقيضه.
ومن هنا فإن التساؤل يكون: أي واحدة من هذه الديمقراطيات تقصد الولايات المتحدة عند حديثها عن "شرق أوسط ديمقراطي" أو عن "عراق ديمقراطي" (خطاب بوش 12 نوفمبر 2004)؟.
إجابة هذا السؤال تتطلب العودة إلى خطابات وتصريحات الرئيس بوش والرسميين الذين يمثلون توجهات الإدارة.. الإجابة محبطة لأقصى درجة. فالرئيس بوش وكبار مساعديه يتعاملون مع مصطلح "الديمقراطية" على أنه واضح بذاته self-evident بما يجعل المتابعين لموقف الإدارة الأمريكية شديدي التشكك مما يقصدونه عندما يتحدثون عن الديمقراطية.
والغريب أن مساعدي الرئيس لم يقدموا تفصيلا لما أجمل رئيسهم باستثناء التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تعتزم غزو دول أخرى أو فرض نمط بذاته على دول المنطقة كما قالت وزيرة الخارجية كوندليزا رايس في أكثر من موضع وذلك بقولها: "ينبغي أن يترك لكل مجتمع أن يختار نمط الديمقراطية التي تناسبه".(2) وحتى حينما صرح ديك تشيني نائب الرئيس بأن الولايات المتحدة ستتقبل أي نظام حكم يختاره العراقيون حتى لو كانوا إسلاميين فإن بعضا من المراقبين الأمريكيين اعتبروه "مثالية لا تنطلي على أحد".(3)
وعلى مستوى نظري فإن للديمقراطية نسقا إجرائيا ينبغي أن نكون على وعي به حتى نفرق بين الديمقراطية وأخواتها، إن جاز التعبير، ولكي نتحسب من نوع الديمقراطية التي تريدها الولايات المتحدة للمنطقة.
ولأغراض هذه الورقة فإن "الديمقراطية وأخواتها" سبعة. الديمقراطية الليبرالية المستقرة ولها عناصر ستة، إن غاب واحد منها انحرفت لإحدى أخواتها. وهذا الانحراف يعني خطوة أو أكثر نحو التسلطية. وهذه العناصر هي:
1 - حق التصويت مكفول للجميع بغض النظر عن النوع والعرق والدين، وإن شاب هذه الخصيصة عيب صارت "ديمقراطية انتقائية" (شرط الشمول Comprehensiveness condition). وكان المثال على ذلك الولايات المتحدة حتى عام 1920 وسويسرا حتى عام 1971 وكانتا منعتا المرأة من المشاركة في الانتخابات.
2 - منافسة مكفولة لكل القوى السياسية التي تحترم قواعد اللعبة الديمقراطية، وإن شاب هذه الخصيصة عيب صارت "ديمقراطية غير تنافسية" (شرط التنافس Competition condition) وعلى هذا فإن منع الإسلاميين المعتدلين في الدول العربية من الدخول في الانتخابات بحجة أنهم جميعا إرهابيون أو منع العلمانيين من الدخول في السباق من أجل مقاعد البرلمان في إيران أو السودان ينال من شرط التنافسية.
3 - احترام للحقوق المدنية، وإلا تتحول إلى "ديمقراطية غير ليبرالية". (شرط الليبرالية Liberalism condition) وهو مثال نظامي الحكم العنصري في جنوب إفريقيا وناميبيا حيث كانت تجري انتخابات حرة ونزيهة وتداول سلمي للسلطة في ظل غياب واضح للحقوق والحريات المدنية لقطاع واسع من المواطنين الأفارقة.
4 - وجود تعدد لمراكز صنع القرار بما يتضمنه هذا من مساءلة ومسئوليات متوازنة، وإلا تحولت إلى "ديمقراطية انتخابية" (شرط المساءلة Accountability condition). والمثال على ذلك روسيا الاتحادية تحت ظل الرئيسين يلتسن وبوتين حيث تجري انتخابات فيها درجة عالية من التنافس بيد أنها لم تضع أيا منهما تحت مسئولية حقيقية أمام البرلمان أو حتى العودة إليه في كثير من القرارات.
5 - قبول كافة القوى السياسية لقواعد اللعبة الديمقراطية بغض النظر عن نتائجها وإلا تحولت إلى ديمقراطية غير مستقرة (شرط الاستدامة Sustainability condition). فالتاريخ شهد عددا من القوى السياسية التي وصلت إلى سدة الحكم في انتخابات حرة نزيهة أو بوعود بإقامة نظم ديمقراطية لكنها لم تف بوعودها مثل هتلر في ألمانيا النازية أو جبهة الإنقاذ في الجزائر أو نظام حكم مشرف في باكستان. فمع انتفاء شرط الاستدامة تنتفي قدرة الديمقراطية على إنتاج آثارها الإيجابية.
6 - المصدر الوحيد للشرعية هو أصوات الناخبين ولا يقبل الناخبون بغير أصواتهم الحرة مصدرا للشرعية وإلا تحولت إلى ديمقراطية نخبوية أو ديمقراطية بلا ديمقراطيين (شرط الثقافة الديمقراطية Democratic Culture condition). فالتاريخ يشهد بالعديد من حالات التراجع عن الديمقراطية بعد إقرارها لصالح نخب عسكرية تتبنى شعارات شعبوية مثل مصر والعراق في أعقاب الحقبتين الليبراليتين تحت الاحتلال والأرجنتين والبرازيل في السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات.
إذن الديمقراطية الليبرالية المستقرة هي التي تجمع العناصر الستة. وحقيقة فإن أدبيات علم السياسية ذخرت بنقاشات مستفيضة بشأن إطلاق لفظة ديمقراطية على نظام حكم يفتقد واحدا من هذه العناصر. فهناك من يرى أن الديمقراطية إما أن توجد أو لا توجد. فما قيمة "ديمقراطية" مع غياب تنافس حقيقي بين القوى السياسية التي يتكون منها المجتمع بسبب سيطرة حزب واحد على الحكم عن طريق التزوير والترهيب، وما هو جدوى إطلاق لفظة "ديمقراطية" على نظام حكم تأبى قواه السياسية احترام إرادة الناخبين إذا أتوا بمنافسيهم إلى الحكم(4).
ورغما عن وجاهة الطرح السابق، فإن منطق "إما ديمقراطية أو لا ديمقراطية" له قيمة معيارية مفيدة لكن قوته التحليلية ضعيفة. فلا يمكن أن توضع نظم مثل الصين وروسيا الاتحادية وإيران وتونس وليبيا في نفس الخانة لأنهم لا يملكون عنصرا واحدا أو أكثر من العناصر السابقة.
تراجع أمريكي ملحوظ
هنا يصبح التساؤل الأساسي هو: لأي مدى تلتزم الولايات المتحدة بالمعايير السابقة عند ضغطها من أجل إصلاحات ديمقراطية في المنطقة العربية لاسيما أن مثل هذه الديمقراطية يمكن أن تفضي إلى وصول أعداء الولايات المتحدة من الإسلاميين والقوميين إلى السلطة؟
مدخلان متكاملان للإجابة على هذا السؤال. الأول هو الرصد العددي لمرات تكرار الرئيس بوش لتعهده بإحلال الديمقراطية في الشرق الأوسط وما ارتبط به من ضغط علني أو انتقادات صريحة لما اعتاد على وصفه بدول فاشلة "Failed States" في الشرق الأوسط.
وبالعودة لخطب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الموجودة على موقع البيت الأبيض الأمريكي (918 خطبة) خلال الفترة من أول أكتوبر 2001 إلى منتصف ديسمبر 2005، فإنه قد استخدم لفظة ديمقراطية حوالي 1012 مرة وببعض مشتقاتها مثل "المجتمعات الحرة" أو "الحرية" أو "شعوب تختار من يحكمونها..". حوالي 823 مرة. وقد قال هذه التعبيرات في سياق حديثه عن الدول الإسلامية والعربية في حوالي 1160 مرة (أي في حوالي 63% من السياقات) بمتوسط حوالي 30 مرة في كل شهر، وفي أغلبيتها الكاسحة كان هناك ذكر للعراق وأفغانستان باعتبارهما نقطة الانطلاق لشرق أوسط ديمقراطي.
بيد أنه في آخر شهرين (نوفمبر وديسمبر 2005) لم يتحدث عن الديمقراطية في الشرق الأوسط أو أحد مشتقاتها بنفس وتيرة التكرار وإنما انخفضت إلى حوالي النصف ففي نوفمبر 2005 على سبيل المثال ذكرها فقط 11 مرة.
ولا ينفي ذلك أن الإدارة الحالية كانت بحق الأكثر ضغطا وانتقادا للأوضاع السياسية في الدول العربية والإسلامية. ففي الفترة من عام 1973 حتى عام 1980 وجه الرؤساء الأمريكيون انتقادات مباشرة لأوضاع حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية العربية والإسلامية حوالي 127مرة فقط. وفي خلال الفترة من 1980 حتى 1988 (إدارة ريجان) بلغت الانتقادات حوالي 231 مرة على لسان الرئيس الأمريكي وهو ما يشكل نصف الانتقادات التي وجهها ريجان لأوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية في دول أمريكا اللاتينية في نفس الفترة. أما الرئيس بوش الابن فقد وجه هذه الانتقادات إلى الدول العربية والإسلامية حوالي 1160 مرة كما أسلفت.
ورغما عن الانتقادات الأمريكية للدول اللاتينية في عهد ريجان أحدثت انفراجة ديمقراطية واضحة في الثمانينيات فإن الانتقادات الموجهة للدول العربية والإسلامية لم تكن بالحدة أو بالتكرار الذي يحدث تأثيرا ملحوظا حتى جاءت الإدارة الحالية. فقط في حالة الدول العربية والإسلامية، كانت هذه الانتقادات والضغوط تأخذ شكل الموجات التي ترتفع ثم تنحسر بدون تحولات هيكلية على أرض الواقع. وهو ما يبدو منطبقا على الإدارة الحالية أيضا.
وقد رصد جميل مطر ببراعة المأزق الذي واجهته الولايات المتحدة بإعلان التزامها بالديمقراطية في الشرق الأوسط، فعلق قائلا: "يقول عضوان بارزان في مؤسسة أمريكان إنتربايرز، القاعدة الفكرية والأيديولوجية لليمين المحافظ الحاكم في واشنطون، بأنهما بعد تفكير عميق توصلا إلى أن الديمقراطية في الشرق الأوسط قد تأتي بحكومات مناهضة للولايات المتحدة ومعادية للصهيونية، وأنهما اكتشفا التناقض الذي وقت فيه حملة التبشير بالديمقراطية عندما ووجهت باحتمال أن تصل منظمة حماس في فلسطين وكل من السلفيين السنة والبعث والمقاومة المسلحة في العراق والإخوان المسلمون في مصر وسورية والأردن إلى الحكم في هذه الدول"(5).
وقد أفاض جميل مطر في تحليل أسباب التراجع الأمريكي عن الضغط اللفظي على الأقل من أجل شرق أوسط ديمقراطي، فأشار إلى: المشاكل الداخلية التي تواجهها الإدارة الأمريكية الحالية، وتحديات بناء عراق ديمقراطي، وأزمة سوريا، وتأثير أحمدي نجاد الذي انتخب شعبيا ليكون أكثر راديكالية من عشرات الحكام العرب الذين يلعبون دور الصديق دون فضيلة الانتخابات التنافسية.
وأضيف إلى ذلك أربعة عوامل أخرى: أولا أن الحكومات العربية كانت فعالة للغاية في استرضاء الولايات المتحدة من خلال دعمها في حربها على الإرهاب بل وبالمبادرة بالتعاون معها في قضايا مثل تسليم أسلحتها لها، وثانيا أن الدعم الأوروبي لم يزد عن ساحة الخطابة والبلاغة بما جعل الإدارة الأمريكية تدرك أن عليها أن تدفع الفاتورة وحدها، وثالثا تأثير الانتخابات المصرية الأخيرة التي أفضت إلى نتيجة بمثابة جرس إنذار للإدارة الأمريكية بل وإسرائيل التي لا تتمنى أن تجد نفسها بجوار مصر تحت حكم إخواني، رابعا إن الإدارة الأمريكية أدركت أن سهم السببية له رأسان. فالعراق كان العراق جزئيا بسبب صدام وصدام كان صدام جزئيا بسبب العراق. ونموذج العراق هو القاعدة بين أغلب دول المنطقة العربية. فسلطة الحاكم شديدة التلاحم والتداخل مع شرعية نظام الحكم التي إما صنعها أو أتت به إلى السلطة وكلاهما شديدا الارتباط بوحدة الدولة وسيادتها.
فما خلا مصر وتونس، تبقى كل الدول العربية في وضع مجتمعي شديد الضعف نتيجة التوازي في أشكال الانقسامات السياسية والاجتماعية والثقافية والإثنية التي يمكن أن تؤدي إلى انفجارات طائفية وعرقية ودينية إذا ما حدثت صدمات عنيفة مثل الغزو الخارجي.
وعلى هذا فإن الموجة الأخيرة من الضغوط الأمريكية كانت الأعلى لكنها لم تكن مختلفة عن سابقتها في حقيقة انحسارها.
هذا بشأن الإدارة الحالية مقارنة بالسابقات عليها، أما إذا عدنا إلى تاريخ الولايات المتحدة في غزو واحتلال الدول الأخرى يتبين لنا أن الولايات المتحدة قد تدخلت عسكريا في شئون الدول الأخرى في الفترة من 1800 حتى 2005 على الأقل 178 مرة. وقد أعلنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة التزامها بالديمقراطية والدفاع عن الحرية في معظم هذه الحالات.
إلا أن التزامها لم يكن حقيقة بالديمقراطية الليبرالية وفقا للمعايير الستة المشار إليها والتي هي أقرب إلى قواعد عامة عادلة تترك للمواطنين الحق في اختيار من يحكمهم لكن في 80% من الحالات تم رصد تدخل أمريكي في سير العملية الانتخابية ذاتها من أجل دعم قوى بذاتها دون أخرى وهو ما جعلني في سياق آخر أفرق بين التدخل من أجل "ديمقراطية النتائج" Democracy of outcomes وديمقراطية الفرص المتاحة للجميع "Democracy of opportunity" (6).
فتدخل الولايات المتحدة الأمريكية كان في 80% من الحالات لصالح بناء نظم انتخابية electoral polities معها تفضيلات محددة ودعم مباشر لبعض القوى من أجل أن تفوز في الانتخابات وليس من أجل الديمقراطية بمعناها المجرد. وأبرز هذه الأمثلة صياغة الدستور الألماني الغربي على نحو يمنع وجود أحزاب نازية أو شيوعية. وعلى هذا فإن ما يتوفر لنا من أدلة، سواء بحكم تاريخ الولايات المتحدة أو سلوك الإدارة الحالية يؤكد على أن الإدارة الحالية ليست ملتزمة بالديمقراطية بمعناها الليبرالي المجرد ولكنها معنية بأخواتها أي بنوع من الانفتاح السياسي الذي يزيد من جرعة الديمقراطية دون أن تكون تامة البناء والتكوين، إلا إذا ضمنت أن أعداءها لن يفيدوا من هذه الديمقراطية في غير مصلحتها.
وليس بعيدا عنا موقف الإدارة الأمريكية الحالية من رفض التعاون مع الراحل ياسر عرفات تحت ذريعة أنه لا يعبر عن الشعب الفلسطيني ولفساده واستبداده في الوقت الذي تعلم فيه الإدارة الأمريكية أنه ليس أفضل كثيرا من غيره من الحكام العرب. ثم موقفها من رفض مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية رغما عما يحمله هذا الموقف من تناقض مع مواقفها المعلنة تجاه دعم التحول الديمقراطي في كل الأحوال.
خلاصة الأمر، أن التعويل على الضغوط الأجنبية لن يفيد كثيرا لأن الحقائق على الأرض تجعل مصلحة الولايات المتحدة في ألا تضغط من أجل تغيير الصديق بالعدو المحتمل.
__________________________________________

من تسلطية تقليدية إلى تسلطية تنافسية
إن معطيات حالة الديمقراطية في الوطن العربي ترجح أن التسلطية التقليدية تتراجع عن مكانها التقليدي إلا أن هذا لا يعني بالضرورة الانتقال إلى مصاف الدول الديمقراطية. فكما أوضحت الورقة فإن للديمقراطية عناصرها ومكوناتها الأساسية. بيد أن هناك نزعة عند الكثير من الحكام العرب لإدخال تعديلات شكلية لا تغير من حقيقة بنية الاستبداد السياسي الكثير، وهو ما جعل فهمي هويدي يصفها بأنها "ديمقراطية سياحية" بمعنى أنها تغييرات شكلية لإرضاء الوفود الأجنبية التي تزور المنطقة العربية.
وعلى هذا الأساس فإن الضغوط الدولية المنحسرة مع تشبث النظم الحاكمة بسيطرتها على الحكم مع الضعف الشديد من قوى المعارضة ستؤدي على أفضل التقديرات إلى انفتاح سياسي محدود يمكن أن يفضي إلى نوع من "التسلطية التنافسية" على النمط الروسي. وهو ما يعبر عنه الجدول التالي والذي يوضح جوانب المفارقة بين التسلطية التقليدية والتسلطية التنافسية والديمقراطية الشكلية (الانتخابية) والديمقراطية الليبرالية. فالديمقراطية في الممارسة العملية تتضمن:
1 - إجراءات (procedures) لتأسيس الحكم على أساس انتخابات حرة نزيهة تنافسية ودورية على كل المناصب الحكومية التنفيذية والتشريعية.
2 - عمليات (processes) للضبط السياسي وضمان تعدد مراكز صنع القرار بما تعنيه من مساءلة برلمانية وشفافية إدارية وفعالية قضائية.
3 - ثم الحقوق والحريات السياسية وعلى رأسها حرية التعبير الفردي والجماعي وعبر كافة أجهزة الإعلام عن التوجهات السياسية للمواطنين.
4 - وإذا أضفنا إلى ذلك التزام النخب السياسية والبديلة (المعارضة) بمبادئ (principles) وقيم الديمقراطية واحترامها لنتائجها فإننا يمكن أن نفرق بين ثلاثة نظم على الأقل وهي التسلطية التقليدية، والتسلطية التنافسية، والديمقراطية الليبرالية. وهو ما يوضحه الجدول والشكل التاليان.

جدول (1) البدائل المتاحة أمام المجتمعات العربية
الديمقراطية في الممارسة العملية التسلطية التقليدية التسلطية التنافسية الديمقراطية الليبرالية
إجراءات تأسيس الحكم (انتخابا ت حرة نزيهة دورية تنافسية( مزورة أو غير تنافسية إن وجدت تنافسية متوترة تنافسية تنتج تداولا سلميا للسلطة
عمليات الضبط السياسي وتعدد مراكز صنع القرار (المساءلة البرلمانية، الشفافية الإدارية، الفعالية القضائية( غياب واضح لعمليات النقاش السياسي الحر والمؤثر على نحو ينال من القدرة على كشف الحقائق، مكافحة الفساد، توسيع البدائل أو تحديد المسئولية السياسية. وجود لكل العمليات المشار إليها
الحقوق السياسية (حرية التعبير الفردي والجماعي والإعلامي( ضعيفة إن وجدت محدودة ومشروطة متوفرة
درجة التزام النخبة بالقيم الديمقراطية ضعيف شكلي ويأتي كاستجابة لضغوط خارجية وداخلية ضعيفة (انفتاح سياسي محدود( عال و/أو استجابة لضغوط داخلية و/أو خارجية قوية.

إن الإشارات الصادرة عن عدد من النخب العربية الحاكمة تشير إلى أن البديل المفضل لديها هو التحول عن التسلطية التقليدية إلى نوع من التسلطية التنافسية Competitive Authoritarianism (1) وهو مفهوم يحتاج درجة أعلى من الإيضاح.
ففي هذا النظام توجد مؤسسات ديمقراطية قانونية تتراضى أطراف العملية السياسية على أنها مصدر الشرعية بيد أن النخبة الحاكمة تنتهك هذه المؤسسات عندما تجد نفسها بحاجة لهذا مثل حاجتها لتمرير قانون غير مقبول شعبيا أو من المعارضة. وأمثلة ذلك النظام متنوعة بين كرواتيا تحت حكم Tudjman وصربيا تحت حكم Milosevic وروسيا تحت حكم Putin وأوكرانيا تحت حكم Kravchuck ثم Kuchma وبيرو تحت حكم Fujimori وماليزيا تحت حكم مهاتير محمد.
فهذه النظم تبنت إستراتيجية الانفتاح السياسي المحدود أو التكتيكي limited political liberalization (LPL)(2) كمحاولة للتكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية بإعطاء بعض التنازلات الشكلية مع زيادة إنفاقها على الأمن وإفساد القضاة وأجهزة الإعلام والصحافة واهتمامها بآليات الضبط السياسي. شكل (1) يوضح كيف تعمل هذه الإستراتيجية.
فلو تصورنا أن هناك قيما مجتمعية ديمقراطية تعبر عن مطالب تتعلق بالحريات المدنية والسياسية والمساءلة والشفافية (يعبر عنها المحور الأفقي) في مواجهة مطالب دولانية (statist) تركز على قيم الأمن والنظام والاستقرار والحفاظ على الوضع الراهن (يعبر عنها المحور الرأسي). ولو تصورنا أن هناك قوى المعارضة التي تطالب بمزيد من القوى الاجتماعية (جانب الطلب) وهناك النخب الحاكمة والتي هي مسئولة عن جانب العرض لأنها في النهاية إما ترفع سقف قيم الدولنة على حساب القيم المجتمعية أو العكس (جانب العرض).
كما يوضح الشكل (1) فإن التسلطية التقليدية تكون في حالة توازنية إذا لم تكن هناك مطالب حقيقية للتغيير مع استعداد لدفع الثمن (وهذا ما سندرسه عند الحديث عن الثقافة السياسية العربية) وإذا ما كانت النخب الحاكمة تسيطر على الأوضاع السياسية على نحو يجعل قيم الدولنة (نقطة Y) على درجة من الارتفاع بحيث إنها تضبط القيم المجتمعية (X). فهذه نظم استبدادية مستقرة على استبدادها طالما أنه لا توجد ضغوط حقيقية من أجل التغيير. ومن أمثلة هذه النظم في واقعنا العربي، نظم دول الخليج في الثمانينيات.
بيد أن وضعا غير توازني (انتقاليا) ينشأ عند زيادة مطالب المعارضة بالقيم المجتمعية مع استعدادها لدفع ثمن التغيير (تغيير من أدنى) أو رغبة النخب الحاكمة في تبني صيغة ديمقراطية (على النمط الإسباني في عهد خوان كارلوس من قبيل التغيير من أعلى). فعند الاستجابة الأمينة لهذه المطالب يمكن أن تفضي إلى تحول ديمقراطي حقيقي بالانتقال إلى نقطة (S3) حيث ترتفع القيم المجتمعية وتنخفض الممارسات والقيم الدولانية.
بيد أن النخب الحاكمة في كثير من البلدان العربية أبت أن تسير في هذا الاتجاه فاتجهت إلى تبني صيغة التسلطية التنافسية كاستجابة للمطالب بالتغيير. فإذا كانت هناك مطالب جادة بالتغير الديمقراطي فهناك ثلاثة احتمالات: إما استلهامها (وصولا إلى تحول ديمقراطي ليبرالي) أو قمعها (استمرار التسلطية التقليدية) أو استلهامها وقمعها في آن معا وهو ما يحدث في حالة الانفتاح السياسي المحدود الذي يؤدي إلى نوع من التسلطية التنافسية التي تعني (كما تمثله النقطة S2) زيادة طفيفة في القيم المجتمعية (كالانتقال من النقطة X إلى النقطة X1 ) بيد أنها تتبعه بزيادة في القيم والممارسات القمعية (بما يعني الانتقال من النقطةY إلى النقطة Y1).
ومثال ذلك السماح بوجود أحزاب ثم التضييق عليها أمنيا أو السماح بإجراء انتخابات حرة غير نزيهة بمعنى أن يكون للناخب الحرية في اختيار من يشاء دون تزوير لإرادته لكن الدولة تتدخل في اختيار من لهم حق المنافسة الانتخابية، أو تعديل مواد دستورية من أجل استبعاد القوى التي يمكن أن تشكل منافسة حقيقية لصالح القوى التي لا تشكل أي ثقل انتخابي (تعديل المادة 76 في مصر نموذجا).
إن النظم التسلطية التنافسية تختلف عن التسلطية التقليدية في أن نظم الحكم لا تستطيع، لأسباب داخلية و/أو خارجية، أن تتخلص من المعارضة تماما كما أنها لا تملك الالتزام الكافي بالقيم والمبادئ الديمقراطية بما يجعلها تقود بلدانها إلى الديمقراطية الليبرالية.
والتسلطية التنافسية، بحكم التزامها الشكلي بالمؤسسات والإجراءات الديمقراطية، تعطي انطباعا زائفا بالديمقراطية لكنها ليست كذلك. وهي بهذا تضع نفسها في حالة توتر دائم بما قد يعجل بفنائها لاحقا إذا نجحت القوى المعارضة والمستقلة عن الحكومة أن تقدم شرعية بديلة.

والتوتر المشار إليه يمكن رصده في أربعة مجالات:
1 - هناك توتر انتخابي حقيقي. ففي النظم التسلطية التقليدية قد لا توجد انتخابات تنافسية على الإطلاق (كوبا والصين وكازاخستان وأوزباكستان وليبيا وسوريا) حيث تحظر الأحزاب المعارضة وينكل بالمثقفين المعارضين. كما أن الانتخابات مناسبة لإعلان إذعان الجميع للسلطة الحاكمة. وواحد من أهم مؤشرات غياب التنافسية هو فوز الرؤساء بأغلبية تفوق الـ 80% من الأصوات مثل فوزر إسلام كاريموف في أوزباكستان بـ 92% من الأصوات في عام 2000(3) والأمثلة العربية متعددة.
أما النظم التسلطية التنافسية عادة ما تتسم بدرجة عالية من التنافس بين القوى السياسية المختلفة ومع ذلك تتسم بدرجة عالية من إساءة استغلال السلطة وعدم احترام نزاهة الانتخابات من خلال استغلال أجهزة الإعلام في اتجاه دون آخر، الاعتداء المعنوي والبدني على المعارضين، إساءة استغلال مؤسسات الدولة الرسمية مع غياب الشفافية عن عملية الاقتراع برمتها ومع ذلك الانتخابات تجرى في موعدها وتقبل عليها المعارضة كفرصتها الأساسية للضغط على الحكومات.
ومن هنا فإن النخب الحاكمة التي تريد إعادة إنتاج نفسها وأنصارها تقبل عليها باهتمام شديد لاسيما مع وجود مراقبين دوليين وضغوط خارجية. ويكفي أن نشير إلى أن الرئيس بوريس يلتسن في 1996 والرئيس كوشما في أوكرانيا في 1999 قد واجها منافسة شرسة من الأحزاب الشيوعية. ورغما عن كل محاولات التلاعب والسيطرة على العملية الانتخابية فاز كوشما بـ35% من الأصوات في الجولة الأولى و56% من الأصوات في الجولة الثانية.
الأهم في هذه الصيغة إصرار المعارضة على أن تكسب نقاطا من النخب الحاكمة عسى أن تكون هذه النقاط مقدمة لهزيمة الخصوم في مرحلة لاحقة. ففي بيرو نجح فوجيموري في الفوز في انتخابات 2000 لكنها جاءت في أعقاب انتخابات صورية وتصاعدت المعارضة الداخلية والضغوط الدولية عليه إلى أن اضطر إلى الفرار، والتجربة تكررت في عام 2003 مع شفرنادزه في جورجيا ومؤخرا في أوكرانيا مع الرئيس كوشما.(4)
2 - التوتر في العلاقة بين النخبة الحاكمة والمؤسسة التشريعية: الأصل في النظم التسلطية التقليدية أنها لا تعرف مؤسسة تشريعية تقوم بمهام الرقابة الحقيقية على أعمال السلطة التنفيذية إلا أن النظم التسلطية التنافسية تعرف معارضة قوية نسبيا تنجح في أن تثير موجات من الرفض لسياسات النخبة الحاكمة في بعض الأحيان. ففي عهد كل من يلتسن وكوشما كانت المعارضة الشيوعية واليسارية بصفة عامة شديدة الوطأة لدرجة أنها أحرجت الرئيسين في أكثر من مرة رغما أنهما في النهاية مررا معظم القوانين التي طرحوها.
ولكن في لحظة بذاتها يبدو أن البرلمان قوي وقادر على أن يقف حجرة عثرة في مواجهة سياسات الحكومة. ومثال ذلك نجاح البرلماني الأوكراني في وقف اقتراح الرئيس بعقد استفتاء لتقليص سلطات البرلمان.(5)
وعادة ما تلجأ النخب الحاكمة للتخلص من البرلمان بالدعوة لانتخابات جديدة لكن التجربة عادة ما تأتي في غير صالح النخب الحاكمة إلا إذا ارتدت إلى التسلطية التقليدية بالتخلص الفعلي من المعارضة. ففي حالتي فوجيموري ويلتسن فإنهما عقدا انتخابات جديدة خلال ثلاثة سنوات من الانتخابات التي أدت المعارضة الشديدة في البرلمان ومع ذلك عادت معظم وجوه المعارضة واستمر التوتر قائما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
الأهم في هذا الإطار هو إدراك أن المعارضة في هذه النظم حققت بعض النقاط في معركة السلطة ضد السلطة التنفيذية والنخبة الحاكمة من خلال استغلال البرلمان كمكان للقاء والتنظيم أو من أجل إرسال رسائل واضحة للرأي العام بمدى التزامهم بالدفاع عن الصالح العام.
3 - التوتر بين النخب الحاكمة والسلطة القضائية هو مظهر ثالث من مظاهر التوتر في النظم التسلطية التنافسية حيث تسعى النخب الحاكمة إلى "تدجين القضاء" بحيل كثيرة مثل التخلص من القضاة المعارضين أو رشوتهم (مكافأتهم) على حسن خدمتهم "للعدالة" أو حتى الابتزاز.
إن دولة مثل بيرو تحت حكم فوجيموري عرفت أعلى معدلات فساد القضاة في أمريكا اللاتينية ومن الأعلى في العالم بيقين.(6) وفي عام 1993 حينما أعلنت المحكمة الدستورية العليا أن قرار يلتسن بحل البرلمان غير دستوري، قطع عن المحكمة خطوط التليفون وسحب منهم حراسهم الشخصيين.
ومع ذلك يظل الاستقلال النسبي للسلطة القضائية في وجه السلطة التنفيذية واحدا من أهم خصائص التسلطية التنافسية. وعادة ما تلجأ المعارضة إلى القضاء المستقل نسبيا لتحقيق مزيد من المكاسب السياسية.
ففي أوكرانيا دعمت المحكمة العليا موقف المعارضة التي اعتبرت أن نتائج الاستفتاء الذي يحد من صلاحيات البرلمان مزيفة ولا تعبر عن إرادة الأوكرانيين. وكان هذا دعما مهولا لمطالب المعارضة الأوكرانية. وفي صربيا دعمت المحاكم الانتصارات التي حققتها المعارضة في العديد من الدوائر في انتخابات عام 1996. كما أمرت المحكمة العليا الماليزية في 2001 بالإفراج عن عدد من المعارضين السياسيين الذين قبضت عليهم الحكومة لسنوات بلا سند كاف.
والملاحظ أن محاولات النخب الحاكمة التنكيل بالقضاة تأتي بخسائر ضخمة لها لما يتمتع به القاضي المستقل من تعاطف شعبي وعالمي وهو ما قدمته خبرة بيرو تحت حكم فوجيموري الذي نجح برلمانه في عزل ثلاثة قضاة أعلنوا عدم دستورية قراره بالتمديد لفترة ثالثة. وكانت هذه واحدة من أخطائه التي تصاعدت بسببها الضغوط الدولية والشعبية ضده.
4 - التوتر الإعلامي: في النظم التسلطية التقليدية تكون أجهزة الاتصال الجماهيري إما مملوكة بالكامل للدولة أو تخضع لرقابة شديدة وعقوبات رادعة وعلى هذا لا توجد صحف مستقلة على الإطلاق (مثل كوبا) أو عمليا غير موجودة. في النظم التسلطية التنافسية، على عكس مما سبق، تكون هناك مساحة لأجهزة الإعلام المستقلة بل في كثير من الأحيان تكون مؤثرة.
بل إن كثيرا من الصحفيين يصبحون معارضين أقوياء لما يلاقونها من تنكيل وعقوبات. على سبيل المثال كشفت واحدة من المحطات المستقلة في بيرو عددا من انتهاكات حقوق الإنسان في ظل حكم فوجيموري فضلا عن تزوير بعض قيادات حزب فوجيموري لتوقيعات مواطنين لضمان ترشحه لانتخابات سنة 2000 وتحول المحررون والإعلاميون القائمون على هذه القناة المستقلة إلى أبطال شعبيين عند الرأي العام البيروفي. وفي روسيا كشفت محطات التليفزيون المستقلة العديد من انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها يلتسن في مناطق عديدة من روسيا بما في ذلك الشيشان بما عجل من خروجه من السلطة.
ولأن هناك هامشا لا يمكن إزالته من الاستقلال النسبي لأجهزة الإعلام في الدول التنافسية التسلطية فإن النخب الحاكمة عادة ما تسعى إلى شراء الإعلاميين (عن طريق الإعلانات والإعانات أو تخفيف الديون) أو إلى تخويفهم من خلال توجيه اتهامات لهم بإساءة استخدام مناصبهم ورفع قضايا ضد الصحف ومحطات التليفزيون والإذاعة من أجل إغلاقها أو تعطيلها عن العمل لفترات طويلة نسبيا. ففي أرمينيا، استخدمت الحكومة عشرات قضايا القذف والتشهير ضد الإعلاميين الذين كشفوا حجم التزوير في انتخابات عام 1996. ولجأ فوجيموري إلى التخلص من مالك إحدى القنوات التليفزيونية المستقلة بنزع الجنسية البيروفية عنه بسبب خطأ في إجراءات الحصول عليها.
والأهم في هذا الصدد أن مثل هذه الإجراءات تكون لها نتائج سلبية على النخبة الحاكمة على المدى الطويل إن أحسنت المعارضة وأجهزة الإعلام استغلالها عن طريق التضامن معا ضد إجراءات السلطة الحاكمة.
فواحدة من أسباب تراجع شعبية نظام تودجمان في كرواتيا سنة 1996 كانت محاولته إلغاء تصريح إحدى محطات الإذاعة التي كانت تسخر منه شخصيا. بيد أن هذه المحاولة من قبله أدت إلى تحالف غير مسبوق بين قادة الرأي وقوى المعارضة بل وأدت إلى انقسام حاد في حزب الرئيس سرعان ما عولج بعد تراجعه عن قرار إلغاء التصريح. وكانت هذه مناسبة هامة لتوحد المعارضة وممارسة ضغوط شعبية وخارجية على الحكومة من أجل إحداث تحول ديمقراطي حقيقي. كما أن الكشف عن محاولة الرئيس الأوكراني، كوشما، قتل أحد الصحفيين في عام 2000 أدى إلى مظاهرات هائلة وعزلة نسبية عن الغرب.(7)
لقد أشرت سلفا إلى أن واحدة من أنماط التحول الديمقراطي تكون عبر الانفتاح السياسي المحدود الذي يأتي كاستجابة تكتيكية لضغوط خارجية أو داخلية بيد أنه يمكن أن يفضي إلى تحول ديمقراطي حقيقي إذا ما نجحت قوى الطلب على القيم الديمقراطية من توحيد صفوفها وممارسة ضغط شعبي قوي على نخبها. ومع وجود درجة عالية من عدم التزام النخب العربية بالقيم الديمقراطية فإن التساؤل الملح هو عن مدى قابلية الشعوب العربية للتعبئة من أجل ضغوط شعبية عربية على حكامها من أجل مزيد من الإصلاحات السياسية.

__________________________________________

فايننشال تايمز: بوش يتراجع عن دمقرطة العرب
محمد عبد الحليم
كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش تعيد النظر حاليا في خططها المعلنة لنشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط بعد الفوز الساحق لحركة حماس الإسلامية في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة.
وأوضحت الصحيفة في تقرير لها أن "المحافظين الجدد المقربين من الرئيس الأمريكي بدءوا يراجعون خططهم لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط بعد الفوز الساحق لحركة حماس في الانتخابات الفلسطينية".
وأضافت أنه منذ ظهور نتائج تلك الانتخابات فإن "فيضا من التقارير والدراسات ينهال على إدارة بوش ينصحها بالتروي والإبطاء في مسألة نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط".
كما صدرت توصيات عديدة من المراكز البحثية والفكرية المحافظة والداعمة للإدارة الجمهورية في البيت الأبيض تدعوها إلى "عدم الضغط على الأنظمة (العربية)، والتوقف عن المضي قدما في اتجاه فرض نموذج نشر الديمقراطية في شرق أوربا على دول المنطقة الإسلامية".
ورأت "فايننشال تايمز" الإثنين 13-2-2006 أن الوضع الذي خلقه فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أحدث انقسامات وتصدعات بدأت في الظهور بين صفوف المحافظين الجدد الذين تبوءوا منصب القيادة الأيديولوجية منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة.
وأوضحت أنه فيما يدافع بعضهم عن نتائج الانتخابات الفلسطينية باعتبارها وسيلة مفيدة لجعل حماس مسئولة عن تصرفاتها وتطويع مواقفها، انتقد البعض الآخر هذا الموقف انطلاقا من قناعاتهم الرافضة للتعامل مع الإٍسلاميين.
غير أن الصحيفة البريطانية أشارت في الوقت نفسه إلى أن المكاسب الانتخابية التي جناها الإسلاميون عام 2005 في إيران (فوز التيار المحافظ في انتخابات الرئاسة)، وفي مصر (فوز جماعة الإخوان المسلمين بخمس مقاعد البرلمان لأول مرة) وأخيرا في فلسطين، بدأت "تهز إيمان المسئولين الأمريكيين بفرض الديمقراطية في شرق أوربا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي على دول منطقة الشرق الأوسط، وباتت قناعتهم بتكرار هذا النموذج الأوربي بين دول المنطقة ضعيفة" بعد أن كانوا يرون أن نشر الديمقراطية وسيلة ناجعة لمكافحة "الإرهاب" القادم من تلك المنطقة.
رضا عن الأنظمة
ودللت "فايننشال تايمز" على أن الإدارة الأمريكية بالفعل بدأت تصغي إلى التوصيات الرامية إلى عدم التعجل في فرض الديمقراطية، بقولها: إنه "رغم الانتقادات التي وجهتها الإدارة إلى النظام المصري بسبب خروقاته في إدارة الانتخابات التشريعية الأخيرة، فإن الموازنة الأمريكية لعام 2007 يتوقع أن تشهد زيادة في حجم المعونات العسكرية التي تمنحها واشنطن للقاهرة باعتبارها "حليفا مهما في الحرب على الإرهاب".
وعرضت الصحيفة للنصائح والنداءات التي تدعو بوش إلى عدم التسرع والضغط من أجل فرض الديمقراطية على الشرق الأوسط، ومنها ما قاله أريل كوهين الباحث في "مؤسسة هيريتج" -مركز الدراسات المحافظ الداعم للسياسة الخارجية لبوش-: إن "الدرس المستفاد من فوز حماس هو أن عملية نشر الديمقراطية يجب أن يتم إبطاؤها وإضفاء صبغة واقعية عليها، إضافة إلى وجوب اعتبار الدمقرطة عملية طويلة المدى"، معتبرا الانتخابات ليست هدفا في حد ذاتها.
ورأى كوهين، في ورقة بحثية عن الشرعية التي اكتسبتها حماس بفوزها في الانتخابات، أنه يجب أن يتم النظر إليها كـ"حادث كارثي يوجب إعادة تقويم السياسة (الأمريكية المتبعة) في الشرق الأوسط".
كذلك فإن "نيكولاس جفوسديف"، رئيس التحرير التنفيذي لدورية "ناشيونال إنترست" الأمريكية التي تروج لاتباع سياسة خارجية "واقعية"، رأى بدوره أن بعض المسئولين الأمريكيين بدءوا بالفعل يشككون في الطرح الذي عبر عنه بوش في خطاب التنصيب لولايته الثانية قبل أكثر من عام حين قال: "إن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط يمثل ضرورة أخلاقية ومصلحة وطنية أمريكية".
وأضاف جفوسديف أن "القناعة بإمكانية تطبيق نموذج ديمقراطية شرق أوربا على الشرق الأوسط بدأت تهتز بين المسئولين الأمريكيين".
واستشهد على ذلك قائلا: إن الفتور الذي يبديه هؤلاء المسئولون إزاء الضغط والمطالبة بدقرطة الشرق الأوسط بات واضحا؛ حيث اختفت تقريبا تصريحات مسئولي الإدارة الأمريكية الداعية إلى ذلك بعد أن كانت ملء السمع والبصر خلال العام الماضي.
__________________________________________

الإصلاح العربي والخارج.. مقايضة لا ديمقراطية
شيرين حامد فهمي
"مشروع الشرق الأوسط الكبير: جدال الداخل والخارج ومستقبل المنطقة العربية" كان هو عنوان المؤتمر السنوي التاسع عشر لـ"مركز "البحوث والدراسات السياسية" بجامعة القاهرة، والذي عقدت جلساته بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في الفترة ما بين 26 و29 ديسمبر 2005. ارتكز المؤتمر على الخبرات العربية المختلفة في "الإصلاح" على مدى السنوات الأربع الماضية مسلطا الضوء على إشكالية العلاقة بين الداخل العربي والخارج الغربي، في ظل إستراتيجية أكبر دولة في العالم.
وقد خرج المؤتمر بعدة نتائج، يمكن إيجازها فيما يلي:
ـ إن معايير الإصلاح التي أخذت بها البلدان العربية، سواء كان "التطور التشريعي" أم "إنهاض المجتمع المدني"، لم تؤت ثمارها حتى الآن.
ـ إن الفجوات والدعاوى و"التصديرات" تمثل عراقيل أساسية في مسيرة الإصلاح العربي.
ـ إن المقايضة السلسة هي أصل العلاقة بين الداخل والخارج، وليست مسألة الديمقراطية.
ـ إن مشروع الشرق الأوسط الكبير لم ينته بعد كما يشاع إعلاميا.
التطور التشريعي.. إنجاز أم فشل؟
كان "التطور التشريعي العربي" إحدى المحطات المهمة التي وقف عندها المؤتمر، باعتباره أحد معايير الإصلاح من الوجهة النظرية. وعكست ورقة الدكتورة "علا أبو زيد" أستاذة العلوم السياسية بالكلية مظاهر ذلك "التطور" عبر استعراض التعديلات القانونية الخاصة بالمرأة العربية، والتي اكتسحت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة؛ وأشارت إلى أن هذه التعديلات تنم عن رغبة واضحة من قبل المنظومة الدولية في تغيير المنظومة الشرعية المتعلقة بالمرأة العربية؛ مؤكدة بأن المنظومة الدولية لا تمثلها فقط الولايات المتحدة وإنما أيضا الأمم المتحدة التي تراقب عن قرب كل ما يصدر من الدول العربية في منظوماتها التشريعية، وذلك عبر لجان متخصصة مثل الـ UNIFAM والـ UNDP. بلغة أخرى، إن القوى الدولية لا تقوم بـ"إصلاح" التشريع العربي، إنما تقوم بترويج ثقافة قانونية معينة، ستؤدي في النهاية إلى مساواة الرجل بالمرأة في المنطقة العربية.
وتنوه أستاذة العلوم السياسية عن خطورة الاتفاقات الدولية التي أبرمت بخصوص ذلك الشأن؛ إذ إن مجرد انضمام الدول العربية إليها يعني الإذعان الأدبي والالتزام المادي بها. كما تنوه إلى خطورة الأنشطة المتعددة والمستفحلة التي تقيمها نقابة المحامين الأمريكيين في ذلك الشأن التشريعي العربي، وكيفية انتقاء النقابة للشخصيات والمؤسسات والجهات العربية التي يمكنها أن تساندها في ذلك الأمر. وتجسيدا لتلك الأنشطة الأمريكية، ضربت الدكتورة "علا أبو زيد" مثلا واضحا بورشة "المرأة والقانون" التي عقدت في فبراير 2004.
وتنفي أستاذة العلوم السياسية الفكر التآمري، معللة ذلك بالوضوح الشديد الذي تبدو عليه الإدارة الأمريكية والأمم المتحدة في عرض مشاريعهما القانونية والتشريعية في المنطقة العربية. فالإدارة الأمريكية ترى في تلك المشاريع تحقيق مصالحها القومية وأمنها القومي؛ وهي لا تجد غضاضة أو حرجا في السعي وراء مصالحها وأمنها، وفي إظهار ذلك على الملأ. أما المشكلة الحقيقية فتكمن في الأنظمة العربية التي لا تسأل نفسها ولو لحظة واحدة عن مدى اتفاق تلك المشاريع الأمريكية مع مصالحها القومية وأمنها القومي.
وتعقيبا على ورقة الدكتورة "علا أبو زيد"، تحدثت الدكتورة "أماني صالح" عن مهازل "التطور التشريعي العربي" التي ضيقت الخيارات المتاحة أمام المرأة العربية؛ فبعد أن كانت مخيرة بين أحكام الفقهاء المتعددين، بات لزاما عليها الخضوع للأحوال الشخصية المقننة. هذا إضافة إلى ما أفضى إليه ذلك "التطور" من تعقيد بسبب تباين مستويات التطور التشريعي في أرجاء الوطن العربي؛ فضلا عن البيئة الصراعية التي تحيط بعملية التطور؛ تلك البيئة التي تتجاذبها مختلف القوى والتيارات: علمانية ودولية، سلفية، وأصولية، وعشائرية.
وفي سبيل تحرير قضايا المرأة من العمليات السجالية والصراعية العنيفة التي أدت إلى اغتيال العقل والفعل معا - كما أشار الدكتور "سيف الدين عبد الفتاح" أستاذ النظرية السياسية بالكلية والمعقب في جلسات المؤتمر- فإن الأمل الوحيد هو إخراج تلك القضايا من الإطار السياسي المؤدلج، وتحريرها من إصار الدولة العربية.
المجتمع المدني.. عامل تهديد أم قوة؟
يعتبر المجتمع المدني مؤشرا ثانيا على "الإصلاح"؛ إذ بات المجتمع المدني شريكا في عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي. والسؤال الذي طرحه المؤتمر: هل شهدت المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة نهوضا في المجتمع المدني العربي، ومن ثم خطوة تجاه الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي؟ وإجابة على هذا السؤال، أفاد الدكتور "إبراهيم البيومي غانم" الأستاذ الباحث بمركز البحوث الجنائية بالقاهرة بأن الدولة العربية المقيَدة والمقيدة أثرت بالسلب على المجتمع المدني العربي، الأمر الذي أعاق نهوضه، ومن ثم أعاق الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي تباعا.
فقد نجحت الدولة الشمولية العربية في تدمير الثقافة المدنية العربية من خلال التأكيد المستمر على مبدأ "الدولة الراعية" التي تتكفل بكل شيء والتي تحل محل كل شيء على حساب المشاركة المدنية والشعبية؛ الأمر الذي أدى إلى انكفاء المجتمعات العربية على ذاتها، وضمور الثقافة المدنية المناضلة. هكذا كانت وما زالت البيئة الثقافية التي تعمل فيها الجماعات المدنية العربية.
إن استقلال الدول العربية من الاحتلال البريطاني والفرنسي والإيطالي، الذي أتبعه وصول الحركات الوطنية إلى السلطة، مثل وبالا على المجتمعات المدنية العربية، كما يشير الدكتور "غانم"؛ إذ لم تقم تلك الحركات فقط بالاستيلاء على السلطة بل بالاستيلاء أيضا على المجتمعات المدنية قسرا وقانونا، بخلاف الحركات الوطنية قبيل الاستقلال، التي كانت تحمي المجتمعات المدنية العربية وتدعمها. وأكبر ضرر ألحقته الدولة العربية الحديثة بالمجتمع المدني العربي، ضربها للبنية المدنية الأساسية التي كانت تمول المشاريع الخيرية، وهي بنية الأوقاف النابعة من رحم المجتمع العربي؛ الأمر الذي أفضى في النهاية إلى مد الأيدي المدنية العربية إلى الخارج، كما نرى اليوم.
ومن ثم، فإنه ليس غريبا أو عجيبا أن يكون الإطار القانوني على المستوى العربي محددا لفعالية المجتمعات المدنية العربية؛ فنجد في تونس، على سبيل المثال، قانونا يجرم التبرع، ونجد قانونا آخر يعاقب واهب الوقف بالسجن. إن القاعدة تقول، للأسف الشديد، إن الدولة العربية، حتى ولو كانت صغيرة وفاشلة، فهي تتبنى حتما مفهوم الحكومة الكبيرة.
وحينما اضطرت الدولة العربية تحت الضغوط الأمريكية الأخيرة إلى التراجع عن سيطرتها (قليلا) لتفسح المجال للمجتمع المدني لكي يتنفس الصعداء بعد قرابة ستين عاما من الكبت والتحجيم، انكشف ضمور المجتمع المدني العربي، وانكشفت هشاشة مؤسساته التي عانت أشد المعاناة في ظل الاستفحال البيروقراطي الحكومي العربي. وهو الأمر الذي أعطى الفرصة الذهبية للولايات المتحدة لكي تنفذ من خلال تلك العيوب المجتمعية العربية، ولكي تدخل بمبادرة الشرق الأوسط الكبير. ولم تلاق تلك المبادرة أي تصد حقيقي من جانب الأنظمة العربية التي اكتفت بالإعلان عن مبادرتين يتيمتين (بيروت والإسكندرية). فهما بالرغم من بلاغتهما الشديدة، فإنهما خلتا من المضمون، كما يشير الدكتور "غانم"؛ هذا إضافة إلى ما احتوتاه من حديث سلبي عن الثقافة الدينية. هذا كله أدى في النهاية إلى حقيقة واحدة، استخلصها الدكتور "غانم" في نهاية حديثه، وهي أن المجتمع المدني العربي لم يصل ليكون عنصرا من عناصر التماسك الاجتماعي الأمني العربي؛ فضلا عن أن الأمن السياسي العربي ساقط بكل المعايير، سواء بالمجتمع المدني أو بدونه؛ وما نشهده في العراق وفلسطين خير دليل على ذلك. بل إن اعتماد معظم المؤسسات المدنية العربية على الدعم الخارجي لن يزيد الأمن القومي العربي إلا تهديدا.
فجوات ودعاوى وتصديرات
وتبعا للرؤية التحليلية للدكتور "سيف الدين عبد الفتاح"، فإن هناك ثلاث أزمات تعرقل أي إصلاح سياسي عربي: الفجوات والدعاوى والتصديرات. فأما الفجوات، فهي التي تتواجد، في ساحتنا العربية، على عدة مستويات: الفجوة بين السياسي والمدني والديني، الفجوة المعلوماتية، الفجوة الماثلة بين التصور والصورة، وأخيرا فجوة الممارسات التي بمقتضاها تحال الممارسات الخاطئة على الإسلام. ويؤكد الدكتور "عبد الفتاح" أن وجود مثل هذه الفجوات يؤدي إلى حدوث منازعات انقسامية بين التيارين الأساسيين في المنطقة العربية: التيار العلماني الذي لا يؤمن بأن الدين له دور في المجتمع المدني، والتيار الإسلامي الذي يؤمن بأن الإسلام هو الأساس المعرفي للمجتمع المدني. ومن ثم، فإن تلك المنازعات من شأنها أن تؤخر عملية الإصلاح السياسي في المنطقة العربية.
وأما الدعاوى، فهي تتمثل في مسائل يروج لها داخليا وخارجيا، بهدف تعطيل مسيرة الإصلاح والتحول الديمقراطي. منها دعاوى تقول بأن وصول الإسلاميين إلى الحكم سيقوض جميع الحريات؛ وهي دعاوى تحكم على نوايا البشر، الأمر الذي لا يقبله أستاذ النظرية السياسية. ومنها دعاوى "الأقلية" التي تروج لمقولة إن الأقلية بطبيعتها مستضعفة، وهي من الدعاوى المفخخة التي يدسها الخارج في وسط البلدان العربية التي لم يشهد تاريخها على مفهوم "الأقليات المستضعفة".
وأما التصديرات، فيقصد بها الدكتور "عبد الفتاح" كل ما يصدر إلينا من الخارج ليشتتنا عن مشكلاتنا الأساسية، ويلهينا بمشكلات أخرى لا تهمنا ولا تخصنا على الإطلاق، بل تضيع وقتنا وتبدد طاقتنا في مسيرة الإصلاح. ومن تلك التصديرات، الطبيعة الصراعية بين الديني والمدني والسياسي؛ وهي علاقة لم تتواجد البتة في مجتمعاتنا المسلمة الأولى. فالإسلام - كما أشار الدكتور "غانم" - جاء بالأساس لنقض السلطة الدينية وتأسيس سلطة مدنية، وجاء لتحرير العقل وإطلاقه من أسر التقليد والخرافات؛ ومن ثم لم يتميز الحيز الديني عن الحيز السياسي عن الحيز الاجتماعي المدني.
المقايضة السلسة بين الداخل والخارج
أجمعت جلسات المؤتمر -كما أوجزت الأستاذة "باكينام الشرقاوي" مدرسة العلوم السياسية بالكلية- على حقيقة واضحة: وهي أن الداخل صار الآن في قمة ضعفه، مما شجع الخارج على ممارسة موجة شرسة من التدخل غير المسبوق في مختلف المجالات؛ وأن الديمقراطية باتت هي الحل أو المنقذ الوحيد في الداخل سواء على لسان الحكومات العربية الضعيفة أو على لسان حكومات الخارج، وبالأخص الولايات المتحدة؛ وأن الحكومات العربية لم يعد لديها بدائل لذلك الحل الديمقراطي.
ونتيجة لتلك المعطيات، حدث هناك نوع من المقايضة السلسة بين الحكومات العربية الضعيفة المتهاوية والخارج المستغل لذلك الضعف والهوان. بمعنى أن كل طرف حدد أولوياته، وقايض الطرف الآخر عليها. فالحكومات العربية اتفقت مع الولايات المتحدة على أن تدعم أولوياتها -وهي أمن إسرائيل وتأمين موارد النفط- في مقابل أن تقوم الولايات المتحدة هي الأخرى بدعم أولويات الحكومات العربية، وهي البقاء في الحكم؛ ومن ثم، أضحى مفهوم "الديمقراطية" مجرد أداة أو فزاعة، لا هدفا أصيلا بعينه؛ ومن ثم، اتفق الطرفان على الإصلاح المحدود لتحقيق مصالح كلٍ منهما؛ الأمر الذي يدل على عدم رغبة حقيقية في الإصلاح سواء من قبل الأنظمة العربية أو من قبل الولايات المتحدة. ويدعم من انعدام تلك الرغبة الحكومية العربية، التفكك العربي/ العربي والعربي/الإسلامي، وغياب رؤية عربية إستراتيجية شاملة.
مشروع الشرق الأوسط الكبير لم ينته بعد
على الرغم من أن الضغوط "الإصلاحية" الخارجية قد خفت إعلاميا، فإن مشروع الشرق الأوسط الكبير -كما تؤكد الدكتورة "نادية مصطفى" رئيسة "مركز البحوث والدراسات السياسية"- لم ينته بعد. فإن هذا المشروع، وهو مشروع الإستراتيجية الأمريكية، مستمر في تحقيق "الإنجازات" على الأصعدة والأبعاد المختلفة، خاصة الأبعاد الثقافية والاجتماعية؛ وهو فوق ذلك محاط باحتلال عسكري فج.
فالإدارة الأمريكية تستخدم المداخل الأمنية والثغرات الاجتماعية لتفرض أجندتها التي تحقق مصالحها؛ وهي تعلم جيدا تلك الجهات العربية التي ستساعدها على تحقيق مصالحها في المنطقة؛ وهي تدرك جيدا من ستخاطب في تلك المهمة؛ وأخيرا هي ترى أن مصالحها الحالية في العالم لا تقتصر فقط على حدود المنطقة الجغرافية العربية، بل تتعداها إلى إيران وإندونيسيا وماليزيا و....و.....؛ الأمر الذي يطرح سؤالا مهما، كما ترى رئيسة المركز، وهو: هل يجب توسيع مصلحتنا الأمنية بالمثل، لتمتد إلى ما وراء الحدود العربية؟.
__________________________________________


إعادة صياغة الشرق.. قراءة في المخطط الأمريكي
أحمد رمضان
تعكس الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق (آذار/ مارس 2003) تطورا حادا في مسار السياسة الأمريكية منذ أن انفردت الولايات المتحدة في إدارة دفة النظام العالمي الجديد عقب تفكك الاتحاد السوفيتي (1992)، الخصم التقليدي في الحرب الباردة، ومساعي واشنطن لإحداث تغييرات في البنى الأساسية للهيئات والمنظمات الدولية بما يتناسب مع وضعيتها الجديدة.
وإذا كانت الإدارات الأمريكية السابقة في العشرية الأخيرة "الجمهورية"، برئاسة جورج بوش، و"الديمقراطية" برئاسة بيل كلينتون، قد حرصت على أن تجعل خطواتها في السياسة الخارجية، وخاصة ما يتصل منها بالشرق الأوسط، تتم بالتنسيق مع حلفائها التقليديين، من خلال الاتحاد الأوربي وأداته العسكرية حلف الأطلسي، وكندا واليابان، وهو ما تجلى في الحرب الأمريكية على يوغسلافيا برئاسة سلوبودان ميلوسيفيتش، فإن التغيير الذي شهدته السياسة الأمريكية مع مجيء جورج دبليو بوش إلى الحكم في واشنطن، كان مثيرا ومقلقا في آن معا.
وعلى الرغم من أن قطاعا واسعا من المحللين كان ينظر إلى ارتقاء بوش للسلطة على أنه عودة طبيعية للجمهوريين إلى البيت الأبيض بعد ثماني سنوات من خسارتهم الحكم، فإن فئة أخرى كانت ترقب باهتمام الأجندة الخفية للمجموعة التي كانت تحيط ببوش الابن، وخاصة ما يتعلق منها بالشرق الأوسط، وتحديدا العراق الذي كان يحتل قمة الاهتمام في خطط تلك المجموعة التي تجمع بين التشدد السياسي والتطرف الأيديولوجي والمصالح المالية المتشعبة، عبر سلسلة شركات كبرى تنشط في الولايات المتحدة والعالم.
تابع في هذا الموضوع:
صعود يميني مع سقوط عربي مفردات الأجندة الأمريكية قبيل حرب العراق
أخطاء واشنطن الإستراتيجية الإخفاق الأمريكي في العراق.. أسباب ودوافع
مستقبل العراق السياسي بغداد تحتاج قوة مركزية "عراقية"
صعود يميني مع سقوط عربي
إن مما يثير القلق أن كثيرا من الساسة في الوطن العربي والعالم الإسلامي كانوا في غفلة عن طبيعة النوايا التي حملها حكام البيت الأبيض الجدد، وشعر كثيرون أن قدرة هؤلاء على تنفيذ ما كانوا يبوحون به ليست كبيرة، بالنظر إلى حاجة واشنطن إلى قدر من الاستقرار في تلك المنطقة يضمن لها استمرار تدفق النفط، ويخفف عنها عبء التوتر في مناطق أخرى من العالم، في جنوب شرق آسيا، والجزيرة الكورية، والبلقان، وأمريكا الوسطى.
غير أن الدور الذي لعبته مجموعة المحافظين الجدد، خلال حقبة الرئيس بيل كلينتون، ودفعها إياه لشن عملية "ثعلب الصحراء" عام 1998 ضد العراق، والدفع باتجاه تبني سياسة إبقاء الحصار، ومن ثم مشروع "الاحتواء المزدوج" لكل من العراق وإيران، كان مؤشرا على أن وصول تلك المجموعة إلى الحكم سيشهد بداية تصعيد في عموم المنطقة العربية، وخاصة العراق وفلسطين.
لقد تزامن وصول التيار اليميني المحافظ إلى الحكم في الولايات المتحدة، مع تطورات هامة على الصعيد الدولي، تمثلت في وصول إريل شارون إلى السلطة في "إسرائيل" مدعوما بتأييد أكثر الجهات تطرفا ويمينية في الدولة العبرية، وتمكن حزب "جناتا" الهندوسي المتشدد من الانفراد بالسلطة في الهند، فيما تزايدت نعرات التطرف والعنصرية في عدد من الدول الأوربية، وباتت سياسات بعضها (مثل إيطاليا وأسبانيا وفرنسا) أكثر حدة في التعامل مع المجتمعات المسلمة فيها، وشهدت روسيا من جانبها عودة للتدخل في سياسات عدد من الدول الإسلامية في آسيا الوسطى بما يتيح تمكين الأحزاب الشيوعية السابقة أو أنصار موسكو من الإمساك بزمام السلطة في وجه الإرادة الشعبية التي كانت ترنو نحو التحرر السياسي والاستقلال الاقتصادي والتخلص من التبعية الفكرية والثقافية.
في مقابل ذلك كانت علامات الضعف والتفكك تعتري النظام الرسمي العربي، وبدا المشهد السياسي مغريا لقوى الهيمنة لمزيد من التدخل العسكري والسياسي، فقد كان عجز القادة العرب في قممهم عن اتخاذ مواقف موحدة، وحدة الخصومات الشخصية وغير المبررة بين الزعماء وبين بلدانهم أيضا، ومن ثم النهايات المؤسفة لمجلس التعاون العربي، ومجلس التعاون لدول المغرب العربي، وتحديات البقاء والاستمرار التي تواجه مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وانفراط عقد دول إعلان دمشق، وضعف محور "القاهرة - الرياض - دمشق"، والتراجع الاقتصادي لغالبية الدول العربية، وحدة الافتراق بين الموقفين الرسمي والشعبي إزاء التحديات الكبرى -كلها عوامل ساهمت في إغراء الولايات المتحدة والدول الحليفة لها على رفع وتيرة التدخل من مستوى سياسي وغير مباشر، إلى مستوى عسكري ومباشر، كما حصل في أفغانستان والعراق وفلسطين.
ضمن هذا المشهد المتشعب، يمكن القول إن الإحاطة بما وقع في العراق، والتداعيات التي صاحبت الزلزال العراقي، لم تكن بعيدة عن التفاعلات التي وقعت في الإقليم العربي، والعالم عموما، وعلى مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية، بما في ذلك "الحرب على الإرهاب" وهي الذريعة التي اتخذتها واشنطن وغالبية الدول الغربية سببا لتفعيل التدخل العسكري في شئون البلدان الأخرى.
مفردات الأجندة الأمريكية قبيل حرب العراق
يشبه بعض المراقبين الطريقة التي وصل بها "المحافظون الجدد" إلى السلطة في واشنطن، بما كان عليه الحال عندما أمسك "الحزب النازي" بزمام الحكم في ألمانيا عام 1936، فلم تكن القوى السياسية في ألمانيا وأوربا على دراية كافية بالأجندة الخفية للنازيين، ومساعيهم لإثارة نزاعات إقليمية ودولية انتهت باندلاع الحرب العالمية الثانية، كما حكم هؤلاء بلادهم بقبضة صارمة تكللت بأكبر عملية تزييف للرأي العام من خلال أدوات محكمة الإدارة والتنفيذ.
ولا يبدو الأمر بعيدا عما جرى في الولايات المتحدة، فالارتياح الذي صاحب اختيار دبليو بوش لدى النخبة السياسية العربية كان دلالة كافية على فقدان عناصر الرؤية التحليلية الصائبة لدى تلك النخبة، وبالتالي عدم التهيؤ لمستقبل أكثر قتامة مما كان عليه الأمر في السنوات السابقة. كما لم تشعر العديد من البلدان بحجم الخطورة التي يشكلها "المحافظون الجدد" وقاعدتهم الشعبية من اليمين المسيحي المتشدد ليس على الولايات المتحدة فحسب، ولكن على العالم كافة وتوازنه السياسي.
لقد أظهر فريق بوش قدرة ملحوظة على مباغتة الرأي العام الدولي بأجندته السياسية، مستفيدا من حالة الارتباك التي صاحبت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ومهيئا الأجواء داخل الولايات المتحدة وخارجها لتقبل مبدأ "الحرب الوقائية"، وهو ما مكنه من استقطاب تأييد دولي واسع النطاق في الحرب على أفغانستان، وساعيا لتوظيف هذا التأييد في الحرب التالية على العراق، ومن ثم إطلاق جملة مبادرات سياسية وأمنية ترمي إلى إحداث تغيير واسع المدى في عدة أقاليم، في مقدمتها الشرق الأوسط.
ويمكن ترتيب مفردات الرؤية الإستراتيجية الأمريكية على المستوى الخارجي قبيل الحرب على العراق على النحو الآتي:
(1) اعتماد مبدأ "الحرب الوقائية" في التعامل مع الأخطار، بدلا من سياسة الردع النووي، والدفاع الذاتي (العراق نموذجا).
(2) تدويل "الحرب على الإرهاب" وجعلها في صلب الدبلوماسية الأمريكية، حيث تتحكم بمستوى العلاقات مع الدول الأخرى والمساعدات ودرجة التعاون الاقتصادي، إلى جانب المزج بين الحرب الوقائية والإرهاب (أفغانستان نموذجا).
(3) فرض الهيمنة الاقتصادية من خلال التحكم بمسار الطاقة والنفط على المستوى الدولي (محاولة الهيمنة على فنزويلا، السيطرة المطلقة على نفط الخليج، تطويق منابع النفط في بحر قزوين، والسعي للإمساك بنفط العراق).
(4) إعادة النظر في تركيبة مجلس الأمن ونظام عمل الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية الكبرى، بما يفضي إلى منح الولايات المتحدة سلطة "حق النقض" الخاصة بها، دون باقي الدول الأربع الكبرى التي تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن (يلاحظ خفايا الصراع بين واشنطن ومحور "باريس - برلين").
(5) إعادة النظر في الخارطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بما يتيح تفكيك بعض الدول المركزية (مثل السعودية) وتمكين دول الأطراف من لعب دور مركزي بحماية أمريكية في مواجهة الدول الرئيسة في الإقليم العربي، وتساهم تلك الصراعات التي تم نقلها من مستوى منخفض إلى مستوى عالٍ في شلّ عمل المؤسسات العربية وخاصة جامعة الدول العربية والمنظمات المتفرعة عنها لصالح البديل الأمريكي.
(6) الهيمنة على العراق وجعله نقطة الانطلاق المركزية في التحرك الإستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط، في مقابل توقع حالة من عدم الاستقرار في منطقة الخليج خلال عملية تفكيك الدولة المركزية (السعودية) وإعادة تركيب أنظمة حكم جديدة بعد تقسيم المملكة إلى ثلاث دول. (المعلومات تشير إلى أن السفارة الأمريكية في بغداد ستضم أربعة آلاف موظف، بينما أضخم سفارة أمريكية في الشرق الأوسط تضم نحو ثلاث مائة موظف).
(7) تفكيك بعض مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية، والتي تتعارض مع الأجندة الأمريكية لصالح دعم مؤسسات وهيئات تتوافق مع الرؤية الأمريكية تحت غطاء الليبرالية (نموذج ما يحصل في مصر والأردن ودول الخليج)
(8) إعادة النظر في تركيبة الحلف الأطلسي ومبدأ الشراكة مع أوربا، بما يضمن للولايات المتحدة دورا مميزا في الحالة الأوربية، ويتيح لها استخدام العامل الاقتصادي الأوربي في تخفيف العبء الواقع عليها في المساعدات الخارجية، وخاصة مناطق النزاع، وهو ما جعل بعض الأوربيين يعتبرون أنهم تحولوا من "حلفاء" إلى "أتباع"، ومن "شركاء" في حصد المنافع، إلى "أُجراء" لا يتلقون من المنافع الكبرى سوى الفتات (يلاحظ أن أهم دولة حليفة لواشنطن في حربها على العراق وهي بريطانيا لم تحصل إلا على عقود يسيرة لشركاتها).
أخطاء واشنطن الإستراتيجية
على الرغم من أن الولايات المتحدة تعتبر القوى العظمى الرئيسة في العالم، وتمتلك المئات من مراكز الأبحاث والدراسات والقدرة الاستخبارية الهائلة على جمع المعلومات، فإن المراقب تنتابه الدهشة من مستوى الخلل الذي يعتري السياسة الخارجية لتلك الدولة الكبرى، ويضطرها في أحيان كثيرة إلى تعديل سياساتها بصورة جوهرية.
وواقع الحال أن هناك عوامل داخلية تلعب دورا في هذا الخلل، نابعة من طبيعة تكوين المؤسسات التي تعنى بالشئون الخارجية، والتي تتأثر بنشاطات جماعات الضغط، مما يجعل القرار السياسي مزيجا من المصالح الداخلية والرغبات الخاصة لتلك الجماعات (نموذج الحصار على كوبا المستمر منذ أربعة عقود بضغط من اللوبي الكوبي في الولايات المتحدة رغم أضراره الاقتصادية على الشركات).
وتستعين الإدارة الأمريكية في الغالب بمراكز استشارية ضمن عقود محددة، وتتدخل عادة المصالح الخارجية لعدد من الدول في التأثير على طبيعة الاستشارات المقدمة للمسئولين الأمريكيين، مما يجعل بعض البلدان تقوم بإنفاق الملايين سنويا لصالح منظمات الضغط التي تعمل لحسابها (إسرائيل، على سبيل المثال، تنفق غالبية المساعدات المدنية التي تتلقاها من واشنطن لحساب الجهات الدعائية التي تعمل لصالحها في عموم الولايات المتحدة، كما أن الصين تنفق مبالغ طائلة للتأثير على قرارات الإدارة الأمريكية تجاه التعاون معها).
بيد أن المصدر الأهم للخلل الحاصل في أداء السياسة الخارجية الأمريكية نابع من عدم إلمام فئات عديدة من العاملين في وزارتي الخارجية والدفاع بخصائص مناطق النزاع، أو ثقافات الشعوب التي يتم تأمين مصالح الولايات المتحدة الحيوية في بلادها، ويؤدي ذلك في الغالب إلى تأليب الشعوب على السياسة الأمريكية.
وفي هذا الإطار يمكن ملاحظة أنه في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول شهدت دول العالم تعاطفا قلّ نظيره مع الولايات المتحدة، بما في ذلك في الوطن العربي والعالم الإسلامي، غير أنه بعد نحو سنة ونصف انحسر هذا التعاطف بشكل واسع، وشهدت نحو ستمائة عاصمة ومدينة في قارات العالم الخمس تظاهر قرابة عشرة ملايين شخص ضد السياسة الأمريكية في العراق ومناطق التوتر الأخرى، ولم يكن بوسع صانع القرار في واشنطن الوقوف عند أسباب هذا التحول المثير أو قراءة دوافعه، فيما انبرى بعض الكتاب للقول إن هؤلاء ليسوا أكثر من أناس يشعرون بالتحامل على الولايات المتحدة.
كما أن النموذج الأبرز للإخفاقات التي منيت بها السياسة الخارجية الأمريكية، يتجلى في فشل سياسة "الاحتواء المزدوج" التي طبقت بحق العراق وإيران، وانتهى معها قانون "داماتو" بعد أن رفضت الدول الأوربية الالتزام به، وبدا أن سياسة الاحتواء التي وضعها مارتن إنديك، وهو يهودي أسترالي وصل إلى مواقع مهمة في الخارجية الأمريكية في أوقات قياسية ولا يمتلك القدرة التي تؤهله على صياغة إستراتيجيات ذات مستوى رفيع، قد انتهت بصورة مثيرة.
أما في فلسطين، فيبدو الإخفاق الأمريكي جليا أيضا، إذ إن غالبية المشاريع والاقتراحات التي تتقدم بها الولايات المتحدة لا تجد الحد الأدنى من الالتزام بها من فرقاء الصراع، وخاصة الطرف الإسرائيلي، وتُستذكر في هذا المجال مقترحات كلينتون للحل النهائي، ومشروع تينت، وتفاهمات ميتشل، وأخيرا خطة "خارطة الطريق" التي تراوح مكانها.
ويمكن تشخيص أبرز أسباب الإخفاقات الأمريكية على المستوى الخارجي بالنقاط الآتية:
(1) اعتماد إدارة بوش إستراتيجية للتعامل مع الصراعات لا تحظى بالإجماع سواء داخل الولايات المتحدة، أو على صعيد الدول الغربية، التي تعتبر أن مبدأ "الحرب الوقائية" لا يخدم في نهاية المطاف النظام الرأسمالي ومصالحه الحيوية في المنطقة العربية، وبدا واضحا أن عديدا من الأصوات ارتفعت في الغرب لتحذر من أن الاندفاع الأمريكي اللاواعي ستكون له آثار بالغة على مستقبل العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب من ناحية إحياء عوامل التوتر بينهما، كما أن من شأن ذلك أن يقوض الدعم الذي حظيت به الحرب الأمريكية على "الإرهاب".
(2) تجاهل إدارة بوش لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوربا، مما ساهم في نشوء محور "باريس - برلين - موسكو" الذي استطاع الحيلولة دون حصول واشنطن ولندن على تفويض من مجلس الأمن لشنّ حرب ضد العراق، وبدا أن تلك الحرب تمت دون غطاء قانوني أو أممي. وأدى ذلك التجاهل في نهاية المطاف إلى إحداث شرخ في العلاقة بين ضفتي الأطلسي يتوقع أن يترك ندوبا لسنوات عديدة، ما لم تقم إدارة أمريكية جديدة بجهود لجسر الهوة الناشئة بين الطرفين.
(3) اعتماد الإدارة الأمريكية على "التضليل" الإعلامي لتمرير خططها وبرامجها العسكرية والأمنية والتسلّحية، ورغم أن ذلك ساهم إلى حدّ ما في التأثير على حركة الرأي العام الأمريكي لبعض الوقت، غير أن الدلائل تشير إلى أن تأثير الدعاية التي حشدت لها إدارة بوش كل إمكاناتها، بدأ يتراجع، خاصة في ظل الإخفاق في تقديم أدلة حسيّة على الاتهامات التي تم من خلالها تبرير الحرب على العراق، وتتعلق تحديدا بأسلحة الدمار الشامل، التي تبين أنها قامت على أسس ملفقة.
(4) إصرار المجموعة المهيمنة على القرار داخل الإدارة على خوض سلسلة من النزاعات في آن معا، وطرح مجموعة خطط تغييرية على المستوى الدولي من غير أن تتوفر لديها الكفاءة والقدرة على إدارة صراعات متعددة في وقت واحد، دون حلفاء أو شركاء فعليين. ومن ذلك تصعيد الأزمة مع العراق ثم شنّ حرب عليه، وتصعيد الأزمة مع كوريا الشمالية وإيران وسوريا والفلسطينيين، إلى جانب استمرار المواجهات في أفغانستان، والحرب مع حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة"، ثم السعي إلى تغيير نمط العلاقة مع الدول الأوربية، وتركيبة مجلس الأمن وأداء الأمم المتحدة، ومحاولة التأثير على المنظمات الدولية، ومن بينها محكمة جرائم الحرب في لاهاي.
(5) طرح الإدارة الأمريكية خططا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، تتنافى عموما مع تشهده الولايات المتحدة من إجراءات وتدابير بحق الأقليات وخاصة المسلمين، الذين يتعرضون للاضطهاد بسبب انتمائهم الديني أو العرقي، إضافة إلى ما يحدث في معتقل جوانتانامو، مما نزع السند الأخلاقي، الذي كانت تستند إليه الإدارات الأمريكية عند تقييمها للأوضاع الداخلية في الدول الأخرى، وخاصة ما يتصل منها بأوضاع حقوق الإنسان.
(6) الاستخدام المفرط للقوة في مواجهة قوى ضعيفة من الناحية العسكرية، كما حدث في أفغانستان ومن ثم في العراق، حيث لجأت الولايات المتحدة لاستخدام كميات هائلة من الأسلحة والصواريخ المدمرة، وكان غالبية ضحاياها من المدنيين، مما حدّ من مستوى التأييد الذي يمكن أن تحظى به حملات عسكرية من هذا القبيل، وساهمت بعض وسائل الإعلام في كشف الآثار الإنسانية القاسية للاستخدام المبالغ فيه للقوة من جانب الأمريكيين، مما دفع واشنطن في بعض الأحيان لمحاولة إسكات وسائل الإعلام التي تتباين مع سياساتها.
(7) الربط بين الخطط العسكرية والمنافع الاقتصادية التي تعود في الغالب لصالح شركات لها صلة بكبار مسئولي البيت الأبيض ووزارة الدفاع، مما راكم الإحساس لدى قطاع واسع من الرأي العام بأن الحروب التي تشنها إدارة بوش وثيقة الصلة بمطامح بعض الشركات الكبرى لجني المال، ولا شك أن طريقة توزيع العقود في العراق تعزز تلك الشكوك.
الإخفاق الأمريكي في العراق.. أسباب ودوافع
تتبدى لدى المراقبين، يوما بعد يوم، عوامل الإخفاق الأمريكي في إدارة الحالة العراقية في مرحلة الاحتلال، ولا يقتصر هذا الإخفاق عند انهيار نظام الخدمات الأساسية للشعب العراقي، وفقدان الأمن الشخصي والعام، وإنما يتجاوزه إلى حدّ عدم توفر توافق سياسي بين الأطراف التي تعاونت مع واشنطن في حربها لإسقاط نظام حكم صدام حسين بشأن مستقبل العراق السياسي.
وعلى الرغم من شكوك البعض بأن الاختلافات بين أطراف مجلس الحكم قد تكون بإيحاء خفي من مسئولين أمريكيين، فإن من الأحرى التأكيد على أن حالة عدم الاستقرار الأمنية والسياسية في العراق ستسبب حرجا بالغا للأمريكيين على المستويين الإقليمي والدولي، وستعزز الريبة بشأن قدرة واشنطن على ضبط الاستقرار في المنطقة.
وبعد نحو عام من الحرب، يظهر جليا الآن أن قطار التغيير الأمريكي فقد قوة الدفع الذاتية، وبات المشهد يتحرك باتجاه الانكفاء على المستوى العسكري، فيما الأداء السياسي يبدو غير واضح حتى للنخبة في واشنطن، وبالتالي فإن الحديث يتمحور حول ما إذا كانت إدارة جورج دبليو بوش تمتلك فعلا رؤية إستراتيجية للتعامل مع العراق في المرحلة المقبلة، وما إن كانت الطروحات التي تتقدم بها بشأن الانسحاب/ أو إعادة الانتشار تأتي نتيجة الوضع المتأزم الذي تعاني منه القوات الأمريكية في مواجهة مقاومة عراقية متنامية.
وإذا كانت الحرب على العراق قد حسمت بشكل سريع وفق المعايير العسكرية، فإن الإخفاق الأمريكي على المستوى السياسي كان أسرع مما هو متوقع، ومن الواضح أن وراء ذلك عدة أسباب جوهرية لم تكن إدارة بوش لتُعنى بعملية تحليلها أو الوقوف عندها. ومن ذلك:
(1) غموض الشق السياسي في إستراتيجية الولايات المتحدة إزاء الأزمة العراقية، وقد بدا انعكاس ذلك جليا لدى حلفاء الولايات المتحدة، الذين انتابتهم الريبة إزاء نوايا واشنطن نحو العراق في مرحلة ما بعد إسقاط النظام السياسي فيه، وشكل هذا الغموض عاملا مقوّضا لإمكانية تشكيل تحالف مساند لواشنطن في الأزمة، إلى جانب ضعف الحجج التي تقدمت بها (قضية أسلحة التدمير) مما جعل الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي يبدو غير متماسك، ودفع قطاعات واسعة من النخب السياسية في الغرب للنأي بنفسها عن برنامج الحرب والحثّ على عدم التورط فيه.
(2) استخدام واشنطن لفئات من المعارضة العراقية أداة مساندة لإسقاط النظام السياسي في بغداد، بينما بدا عزمها التخلي عنها بعد ذلك وإقصائها من الحكم، مما أحدث شرخا في العلاقة بين الجانبين، وساهم في عدم تشكيل بنيان سياسي متماسك يساهم في حفظ الأمن وعودة الهدوء، وصدرت عن شخصيات سبق أن ساندت الأمريكيين في حربهم على العراق انتقادات لاذعة للأداء الأمريكي ومخاوف من نواياهم إزاء تسليم العراقيين السلطة في بلادهم.
(3) بدء إدارة بوش حملات قوية على عدد من دول الجوار العراقي، قبل أن يستتب الأمر لها، مما أثار قلق تلك الدول، وجعل من مصلحتها القوية عدم تمكين الأمريكيين من الاستقرار في العراق، فقد هددت واشنطن سوريا بحملة عسكرية مشابهة، وشنت حملة تحريض ضد إيران، ومارست ضغوطا قوية على السعودية، وتركت الأردن أسير المخاوف إزاء مستقبله، بينما لم تكن علاقاتها مع تركيا قد تعافت بعد النكسة التي ألمّت بها خلال فترة الحرب، واعتقد مخططو الحرب الأمريكيون أن التصعيد مع دول الجوار ربما يساهم في تعزيز قبضتهم في العراق، وهو الاعتقاد الذي تبين خطؤه.
(4) المخاوف الواسعة التي انتابت دول الفضاء الإستراتيجي للعراق من نوايا إدارة بوش إزاء احتلال العراق، وأبرزها روسيا والصين واليابان، التي باتت على قناعة بأهمية عدم تمكين الأمريكيين من السيطرة على العراق خشية أن يؤدي ذلك إلى تهديد مصالحها الحيوية، مأخوذا بعين الاعتبار التغلغل العسكري والأمريكي في دول آسيا الوسطى وكومنولث الدول المستقلة.
(5) عدم قدرة إدارة بوش على تحويل "الانتصار العسكري" الذي حققته في العراق إلى نصر سياسي إقليمي، وكان مخططا له أن يتم في ساحة فلسطين من خلال طرح "خارطة الطريق" وإلزام الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ببنودها، إلا أن قدرة الإدارة على تحقيق تقدم في هذا الجانب كانت محدودة لعدم رغبتها في ممارسة ضغوط على الجانب الإسرائيلي.
(6) تزايد مستويات العداء للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في مجمل الوطن العربي والعالم الإسلامي نتيجة مواقف الإدارة الأمريكية في فلسطين وأفغانستان والعراق، وأدى ذلك إلى تضاؤل قدرة الاستقطاب ضمن صفوف الفئات العلمانية والليبرالية التي باتت تخشى من حدة ردود الفعل الشعبية تجاهها.
(7) افتقار الأمريكيين للفهم الكافي لخصائص المجتمع العراقي وطبيعته المحافظة، حيث أفضت عمليات الدهم والاعتقال التعسفي والتعذيب بحق المدنيين إلى تزايد مستوى العداء للاحتلال في الشارع العراقي بشكل عام، وشعر العراقيون بأن مقولة الاحتلال عن "تحرير العراق" ليست سوى عبارات لتضليل الرأي العام.
(8) قيام قوات الاحتلال بحل الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة العراقية كافة، مما أدى إلى انهيار البنى التحتية اللازمة لاستمرار عمل الدولة في حال انسحاب الاحتلال، وعكس ذلك نوايا سلطات الائتلاف على أن الموضوع يتجاوز إسقاط النظام السياسي إلى تقويض العراق من الداخل، وقد يشكل مقدمة لتجزئة البلد إلى كانتونات عرقية وطائفية.
مستقبل العراق السياسي..
أدى ضعف الموقف الأمريكي في العراق، وتدخل دول الجوار في الأزمة من خلال قنوات شتى، وتحول العراق إلى ساحة للمواجهة بين الولايات المتحدة والقوى التي تناصبها العداء، إلى تدويل القضية العراقية، في ظل عدم بروز قوة رئيسة داخلية قادرة على حكم العراق وتقبل بها الأطراف الأخرى.
ومع دخول الولايات المتحدة مرحلة سباق انتخابي محموم دخلت القضية العراقية في منعطف حاسم، إذ تعتزم إدارة بوش الإبقاء على قدر من النفوذ الحيوي لها في العراق يتمثل في قواعد عسكرية كبرى ونفوذ سياسي ودبلوماسي فاعل، في مقابل تخفيض الانتشار العسكري في المناطق المأهولة، مما يقلل من حجم الخسائر التي تمنى بها قواتها، ويحدّ من التكاليف العالية التي تضطر لإنفاقها لتأمين المدد اللوجستي للوحدات العسكرية المنتشرة في مساحة واسعة من أرض العراق.
وفي ظل تزايد مستوى التعقيد في الأزمة، يبدو التنبؤ المستقبلي لها غاية في الصعوبة، إذ إنها من المرات النادرة التي تتداخل في صراعات تجمع جماعات عنفية مع بلدان إقليمية ودول كبرى، ولذا فإن مصالح تلك الأطراف ونزاعاتها ستنعكس على الوضع الداخلي العراقي، مما يرشح أن تشهد الفترة المقبلة على المستوى المنظور حالة من عدم الاستقرار تتمثل في التدهور الأمني، وعمليات الاغتيال الغامضة، ونشوء نزاعات ذات بعد طائفي وعرقي ضمن السباق المحموم للسيطرة على مكامن النفوذ.
ويمكن وضع تصور للمشهد العراقي في المدى المنظور ضمن المحددات التالية:
(1) أمريكيا: ستتحرك الإدارة الأمريكية الحالية في اتجاه تقليص حجم الوجود العسكري، في مقابل تعزيز الحضور السياسي من خلال القوى الحليفة لها داخل العراق، وستدفع باتجاه إقرار القواعد العسكرية، وجعل الوجود العسكري الأمريكي ضمانة لتفادي وقوع حرب أهلية، مما يقتضي تسعير الخلافات الطائفية بين حين وآخر والتلويح بأن الانسحاب الأمريكي سيؤدي إلى حالة فوضى شاملة في العراق، ولا يتوقع أن تسمح واشنطن بنشوء نظام مركزي قوي في بغداد، والعمل بدلا من ذلك على قيام نظام يستند إلى الترويكا التوافقية التي تستند عادة إلى الدعم الخارجي (يلاحظ النموذج اللبناني).
(2) عراقيا (سياسة): سيستمر التجاذب القائم بين الشيعة والسنة والأكراد في سبيل الحصول على المكاسب السياسية، ولا يتوقع أن تتوصل الأطراف الثلاثة إلى توافق مرض لها، في ظل العوامل الخارجية، فالعلاقة بين الشيعة وإيران ستدفع في اتجاه تحريك هؤلاء لمزيد من التغلغل في أجهزة الدولة ونظام الحكم، بينما يسعى الأكراد لتوفير أكبر قدر من الضمانات التي تحول دون تعرضهم للتهميش مستقبلا، أما العرب السنة فسيتركز سعيهم المستقبلي على إيجاد مظلة سياسية جامعة لهم تشكل توافقا بين القوى السياسية والهيئات العلمية والدينية والإفادة من تنامي المقاومة في صفوفهم لتحقيق مكاسب سياسية ميدانية. كما ستشهد الساحة العراقية تجاذبا إضافيا تشارك فيه القوى التي تم تهميشها في مجلس الحكم سياسيا أو عرقيا مثل الأطراف العلمانية والدينية المتشددة، والتركمان والكلدآشوريين، مما يرجح أن تستمر حالة الاستقطاب على مدى السنوات الثلاث المقبلة على الأقل.
(3) عراقيا (مقاومة): يتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيدا في عمليات المقاومة بين العرب السنة، فيما يرجح أن تنمو بذور لها في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، وسيبقى الانخراط الشيعي في المقاومة رهنا بموقف إيران التي تدفع الآن باتجاه العمل السياسي، ولا تسمح بالعمل المقاوم ما لم تدخل طهران نفسها في خلاف حاد مع الولايات المتحدة والدول الأوربية بشأن برنامجها النووي. ولذا فإن تأثير المقاومة رغم فاعليته سيبقى منحصرا في مناطق السنة، مما يستدعي إجراء نوع من المراجعة بحيث تهيئ المقاومة لنفسها خطابا سياسيا مقنعا وجامعا لعموم العراقيين ويستفيد من وضوح النوايا والخطط الأمريكية بشأن استمرار الهيمنة على مقدرات العراق.
(4) عربيا (الجوار): يتوقع أن تزيد دول الجوار تدخلها في الشأن العراقي بأشكال مختلفة، من بينها نسج علاقات مع الجماعات والأحزاب العراقية، وفي بعض المراحل الدخول في لعبة التصفيات والانتقام، كما ستستمر القوى الرئيسة (تركيا، سوريا، وإيران) في رفض إقامة كيان كردي مستقل، غير أن تأثير تلك الأطراف مرهون بانحسار الدور الأمريكي العسكري، ويستبعد أن تلعب عواصم الجوار دورا محوريا في شكل الحكم المقبل في العراق، أو أن تشكل عامل استقرار له نظرا لضعف تأثيرها الميداني إلا في مناطق محددة.
(5) عربيا (الجامعة ودول أخرى): رغم التحسن الملحوظ في دور الجامعة العربية في القضية العراقية، فإن دور الجامعة سيبقى على هامش التحرك الإقليمي والدولي بسبب الظروف الموضوعية التي تعاني منها الجامعة ومؤسساتها نتيجة حالة الشلل العربية، والخلافات بين دولها. كما أن مصر لن تكون طرفا رئيسا في المسألة العراقية نظرا لانشغالاتها الداخلية (الإصلاحات ومسألة خلافة الرئيس مبارك)، والعبء الناتج عن احتمال الانسحاب الإسرائيلي من غزة، واستئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني.
(6) أوربيا: سيواصل محور "باريس - برلين" جهوده بالتعاون مع موسكو للدفع باتجاه تمكين الأمم المتحدة من لعب دور مركزي في قضية مستقبل العراق ونظام الحكم فيه، إلى جانب عدم تمكين واشنطن من احتكار المنافع الاقتصادية الناجمة عن احتلال العراق، لذا فإن حالة الشدّ والجذب ستسمر في ظل الإدارة الأمريكية الحالية. ولا يتوقع أن تساهم أوربا عسكريا في العراق ما لم يكن ذلك في ظل توافق حول المسائل الأخرى.
(7) جماعات العنف: ستشهد المرحلة المقبلة تدفق المزيد من العناصر المتشددة من عدة دول باتجاه العراق، ضمن عملية تصفية الحساب مع الولايات المتحدة، وسيقترن ذلك مع حالة الفوضى، فكلما انتفى الاستقرار فستجد تلك العناصر المجال مفتوحا لها للنشاط والتحرك باتجاه ضرب القوة الأمريكية الميدانية، ويعزا تمركز تلك الجماعات في العراق إلى الأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبتها القيادة الأمريكية في عملية إدارة النزاع، وتفكيك الدولة العراقية ومؤسساتها.
(8) متغيرات دولية: في حال عدم نجاح الرئيس بوش لولاية ثانية، وعودة الديمقراطيين للحكم، فإن الإدارة الجديدة ستجد صعوبة في التخلص من الإرث الذي خلفته إدارة بوش، ويتوقع أن تستمر في مواجهة ما تصفه بـ"الإرهاب"، أما بشأن العراق فسيكون ذلك لصالح تقليص الحضور العسكري إلى حد كبير في مقابل الحفاظ على النفوذ السياسي باعتبار العراق أصبح مدرجا ضمن مناطق النفوذ الحيوية للمصالح الأمريكية المستقبلية.
بغداد تحتاج قوة مركزية "عراقية"
إن المشهد العراقي سيبقى رهينة لحالة عدم الاستقرار الداخلية، والتجاذبات بين الأطراف المتنازعة، لذا فإن أي قوة مركزية "عراقية" ينبغي أن تنصب جهودها على تعزيز وحدتها، وتقوية صفوفها، ورفع كفاءة عناصرها، وتأمين أوسع طيف من التحالف السياسي الداخلي (جبهة وطنية واسعة تضم أحزاب ومنظمات وهيئات سياسية وفكرية وثقافية)، وإقامة روابط مع دول الجوار والبلدان العربية والمحيط الدولي، والسعي إلى حماية قياداتها من عملية التصفية، والعمل على الحفاظ على وحدة العراق الجغرافية، وتوافقه الشعبي، وطرح برامج تحظى بأكبر قدر من الإجماع الداخلي، وتفادي تسعير النزاعات الطائفية والعرقية، والحد من التدخلات الخارجية، وعدم تمكين قوى الاحتلال من الإمساك بمقدرات العراق، وتركها في حال من الارتباك السياسي والميداني، وتفعيل دور قوى المجتمع المدني لصالح بناء عراق تُصان فيه الحريات العامة وحقوق الأقليات كافة ويضمن قدرا وافرا من التعدد السياسي والتداول السلمي للسلطة.
__________________________________________

بداية النهاية للإمبراطورية الأمريكية
نبيل شبيب
علاوة على أن الأسلوب المتعجرف بصورة استعراضية وعلنية وهدف الهيمنة العالمية قد أصبحا في مقدّمة ما يميّز السياسة الأمريكية بعد الحرب الباردة؛ فقد اقترن بهما المنطلق العقائدي العسكري للحكومة الأمريكية الحالية المتمثل في "الصهيونية ذات الديباجة المسيحية"، وازدياد الاستهتار بالنظام العالمي والقانون الدولي، إلا في حدود استخدامهما كأداة للسياسة الأمريكية.
وهنا يمكن اعتبار قضية العراق مجرد مثال تطبيقي صارخ، وبالتالي يمكن فهم خلفيّة مواقف القوى الدولية الرافضة للحرب الأمريكية، التي لا تنقطع في الوقت نفسه عن تأكيد التقائها مع الهدف "الرسمي" المعلن أمريكيًّا، وهو تجريد العراق من أسلحته، بغض النظر عن مشروعية ذلك أو عدم مشروعيته.
صدرت المعارضة من جانب ألمانيا أولاً، وامتدت حتى باتت معارضة عالمية رسمية وشعبية واسعة النطاق، نتيجة إدراك المعترضين أن الخطر الأمريكي عليهم خطر كبير. لقد انتشر إدراك ما تنطوي عليه هذه السياسة الأمريكية من خطورة مستقبلية على المستوى العالمي، دون استثناء حليف أو صديق أو تابع أو خصم للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما دفع بلدانًا مثل ألمانيا وفرنسا على وجه التخصيص إلى اختيار التوقيت الراهن -المرتبط تلقائيًّا بقضية العراق لأنها هي القضية الآنية- من أجل الانتقال بالمواجهة مع "القطب الأمريكي الواحد" إلى العلن، عقب مرحلة مخاض بدأت على هذا الصعيد بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة.
ظاهرة الابتزاز العلني
بدا الطرف الأمريكي -ربما بسبب تأثره ذاتيًّا بمفعول منطلقاته العقائدية- وكأنه قد فوجئ بانتقال المواجهة مع الأوروبيين الغربيين إلى العلن، وأكثر من ذلك انطلاق الشرارة الأولى من ألمانيا وليس فرنسا مثلاً. وكان من مظاهر المفاجأة بقاء التصريحات الألمانية برفض الحرب الأمريكية ضد العراق لعدة أسابيع دون ردٍّ أمريكي على مستواها، وذلك لتفسيرها بأغراض الحملة الانتخابية بألمانيا آنذاك، حتى إذا ظهر بوضوح أنها سياسة ثابتة وليست "دعاية انتخابية عابرة"، جاء رد الفعل الأمريكي بطريقة توجيه الإهانات، مما لا يفسره خبراء الدبلوماسية الغربية إلا بالعجز عن التعامل الفعَّال مع الطرف الآخر.
منذ ذلك الحين بدأت تظهر على مسرح السياسات الغربية -ولا سيما من الجانب الأمريكي- مظاهر الهبوط بالعلاقات الدبلوماسية وعقد الصفقات السياسية التقليدية في معالجة الأزمات، وتقدمت إلى مستوى التسابق على ابتزاز الأطراف الأخرى إغراء وترهيبًا، كما تحول هذا الابتزاز من ممارسته -كما مضى- وراء الكواليس إلى العلن؛ وهو ما بلغ ذروته في إطار المناقشات الدائرة بصدد استصدار قرار بالحرب ضد العراق من جانب مجلس الأمن الدولي. ولننظر في بعض الصور الجديدة:
1 - في فترة ماضية كانت وسائل الإعلام تنشر أحيانًا بعض ما يتسرب إليها حول "اللهجة الأمريكية المتعجرفة" تجاه مسئولين من بلدان أخرى، فيبدو ذلك "فضيحة دبلوماسية". أما الآن فلا نكاد نجد أكثر من "خبر جانبي" يشير مثلاً إلى رفض الرئيس الأمريكي وبأسلوب علني مهين مجرد الالتقاء مع وفد وزاري يمثل "قمة" 22 دولة عربية، منها دول لا تستطيع القوات الأمريكية التحرك الفعَّال دون أرضها ومائها وأجوائها، ولا تستطيع آلة الحرب ولا آلة الاقتصاد الاستغناء عن نفطها.
2 - في الماضي القريب كانت واشنطن حريصة على التفسير الدبلوماسي لتصريحٍ ما صدر بلهجة مزعجة، من قبيل ما أدلت به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أولبرايت بشأن تعيين قيادات جديدة للقوات الأطلسية في الجناح الأوروبي، أما الآن فباتت تتوالى التصريحات الأمريكية على أعلى المستويات عن "أوروبا القديمة"، ووضع ألمانيا في محور واحد مع كوبا وليبيا، وحتى الحليف البريطاني لم يفلت من عجرفة وزير الدفاع الأمريكي وهو يشير إلى إمكانية الاستغناء عن خدماته العسكرية!
3 - كثيرًا ما اعتُبرت عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لتدبير انقلاب أو اغتيال رئيس دولة جرائم بمفهوم القانون الدولي، فبقيت أسرارًا رسمية -وإن كانت مكشوفة- فإذا ألغي كتمانها رسميًّا اضطرت وزارة الخارجية الأمريكية إلى الاعتذار العلني عن ذلك، كما كان مؤخرًا في قضية الحكم الاستبدادي لبينوشيه في الأرجنتين، أو قضية آلليندي في تشيلي.
أما الآن فيقف الرئيس الأمريكي نفسه ويتحدث عبر الإذاعة والتلفاز، بشكل سافر عن عزمه على تغيير البنية السياسية الهيكلية في منطقة بكاملها، ويعلن بوضوح أيضًا أنه يريد أن يجعل من صدام حسين درسًا لسواه من حكام الدول العربية!
4 - عندما دار الحديث حول تنافس أمريكي فرنسي على أصوات الدول الأفريقية الثلاث الأعضاء في مجلس الأمن الدولي (غينيا، والكاميرون، وأنجولا) بدأت المقارنة بين حجم المساعدات المالية لكل من واشنطن وباريس، كما بدأ التذكير بكلمة السفير الأمريكي لليمن في فترة الإعداد لحرب الخليج الثانية "هذا أغلى قرار اتخذتموه"، وقصد به معارضة اليمن لتلك الحرب، وتلا ذلك قطع المساعدات المالية عن اليمن، فلم تستؤنف إلا بعد أن طوَّع اليمن نفسه لحرب الإرهاب الأمريكية.
والواقع أنه إلى وقت قريب كانت "الصفقات الدبلوماسية" وما يرتبط بها من مدفوعات مالية، تجري وراء ستار، وإذا انكشف أمر بعضها فغالبًا ما يصدر النفي الرسمي بإصرار مهما كان واهيًا، أما الآن فالحديث علني عن توظيف صَرف المليارات المقررة في الأصل لدعم الاقتصاد التركي من قبل اشتعال قضية العراق، أو عن التهديد بعدم صرفها لابتزاز الموافقة على فتح جبهة عسكرية أمريكية ضد العراق على الأرض التركية. وشبيه بذلك الحديث العلني عن نقل القواعد العسكرية الأمريكية من ألمانيا إلى بلغاريا، مع ربط ذلك بالحديث عن "المليارات" التي ينفقها الجنود الأمريكيون في ألمانيا، وكذلك الحديث عن 70 مليون دولار أمريكي وجنود أمريكيين في الفلبين، وعن توظيف اتفاقات "حرية التجارة" مع المكسيك بموقفها في مجلس الأمن الدولي، وقائمة الأمثلة طويلة.
مما يستوجب النظر أن بعض التصريحات التي تنطوي على ابتزاز واضح، ولا سيما تجاه الدول أعضاء مجلس الأمن، لم تَعُد تنشر في صيغة تسريب غير مقصود لوسائل الإعلام، أو توصف لاحقًا بزلّة لسان، أو يوكل بها إلى مسئولين حكوميين من الدرجة الثانية والثالثة، بل أصبح من هذه التصريحات ما يعلنه وزير الخارجية الأمريكي بنفسه، وهو سلوك يتناقض مع قواعد التعامل السياسي الدولي سابقًا، فنجد كولن باول يهدّد الدول الصديقة بصورة خاصة أنه لن يكون لها نصيب في "عراق ما بعد صدام" ما لم توافق مسبقًا على الحرب الأمريكية ضده. وهذا ما دفع الاتحاد الأوروبي بعد شيء من "الصبر الدبلوماسي" إلى التصريح رسميًّا بأن الاتحاد الأوروبي لن يشارك في عملية "إعادة إعمار العراق" إذا نشبت حرب تتجاوز مجلس الأمن الدولي؛ وهو ما يعني واقعيًّا التهديد بعدم المشاركة في تغطية النفقات المالية الضخمة التي تفرضها مرحلة رعاية الناجين من دمار الحرب، وتأمين بقاء المشرَّدين على قيد الحياة، ومحاولة إعادة الجهاز الإداري للعمل، وغير ذلك مما تقول دراسة للأمم المتحدة إنه سيتطلب أكثر من 30 مليار دولار سنويًّا ولأعوام عديدة.
وهم الزعامة الانفرادية
إذا كان التاريخ الأمريكي قام ابتداء على أساس منطق القوّة وفرض الواقع القائم اعتمادًا عليها.. فإن العنصر العقائدي الحديث نسبيًّا في التوجهات السياسية الأمريكية يلعب أيضًا دورًا حاسمًا في انتشار وهم حكم العالم الحديث بأسلوب الإمبراطوريات القديم..
وبالمقابل لا ينبغي إغفال تعامل بعض الدول، ولا سيما في المنطقة العربية والإسلامية، مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة؛ إذ كان تعامل التبعية شبه المطلقة بدعوى غياب البديل على المستوى الدولي، وكأن الأصل الطبيعي في السياسات الواقعية الحديثة ليس الاستقلال، وإنما التبعية لطرف دولي ما. هذا التعامل ساهم في تعزيز الوهم الإمبراطوري الأمريكي.
وبالمقابل نجد أن الدول الأخرى رفضت هذا الأسلوب، بما في ذلك الدول الأوروبية، وهذا في وقت مبكر، كما يشير الإصرار الأوروبي أكثر من مرة على المضي في مشاريع تثبيت دعائم "القانون الدولي" من خلال مزيد من الاتفاقات الدولية العامة الملزمة، ومزيد من المنظمات العالمية، رغم المعارضة الأمريكية المتزايدة، بالضغوط المباشرة تارة، وبالامتناع عن المشاركة تارة أخرى، وبإجراءات مضادّة تارة ثالثة. ومن ذلك اتفاقية نزع الألغام الأرضية المضادّة للأشخاص، ومفاوضات ميثاق دولي حول المناخ العالمي، وتشكيل محكمة جزائية (أو جنائية) دولية. وغير ذلك، مما يمكن القول إنه يمثل قطعًا إضافية في نسيج القانون الدولي والنظام العالمي، وتقابله المعارضة الأمريكية المتزايدة مع التنصّل من مبادئ وقواعد ملزمة سابقة في القانون الدولي، فضلاً عن الانسحاب من منظمات دولية، وأحيانًا التعامل معها بأسلوب أدّى إلى الامتناع عن تكرار انتخابها فيها كما كان مع مفوضية حقوق الإنسان، ومع مجلس التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
ومع كل خطوة عالمية دون مشاركة أمريكية من هذه الخطوات كان "مستقبل القانون الدولي ومستقبل النظام العالمي" يُطرح أوروبيًّا بمنظور السؤال التقليدي الباقي من حقبة الحرب الباردة: "هل يمكن التحرّك دون أمريكا؟".
ولا يمكن القول بوجود جواب قاطع في هذه الأثناء، ولكن يمكن القول بوجود جهات عديدة تطرح بالمقابل السؤال: "هل يمكن لأمريكا أن تتحرّك دون بقية العالم؟".
لقد كشفت التطورات المرافقة للتعامل مع قضية العدوان الأمريكي ضدّ العراق أن سياسة الهيمنة الأمريكية لن تسفر عن نظام عالمي خاضع لقبضتها، ولا عن منظمات دولية خاضعة لها، أو عن قانون دولي تخرقه باستمرار، وإنما ستسفر عن ازدياد حجم العزلة الأمريكية عالميًّا إلى درجة ستؤدي داخل الولايات المتحدة الأمريكية إلى غلبة تيار الاعتدال الأمريكي على التيار المتطرف عقائديًّا أو مصلحيًّا في اتجاه الهيمنة العالمية. وهذا ما يتطلَّع إليه الأوروبيون وسواهم.
فترة التحول القلق
وتبدو المرحلة الراهنة ما بين طبول الحرب والقصف الوحشي للجبال في أفغانستان وطبول الحرب والقصف الوحشي المنتظر للمدن الآهلة بالسكان في العراق مرحلةً انتقالية على أكثر من صعيد:
فبعد الطفرة الكبيرة وراء انتشار تصوّر استقرار الوضع العالمي الجديد على زعامة أمريكية انفرادية، تأتي قبل تحقيق ذلك الاستقرار مرحلة ثانية تتميّز بانشقاق كبير وسط شريحة الحلفاء التقليديين، وكذلك وسط شريحة الدول التي كانت أقرب إلى التبعية تحت عناوين الصداقة والعلاقات الودية.
ولا يوجد ما يستدعي هنا مناقشةَ تصوّرات غير ناضجة، مؤدّاها مثلاً أن بلغاريا يمكن أن تعوّض ألمانيا في الصيغة السياسية والأمنية الأمريكية المرتكزة على القارة الأوروبية، أو أن قطر يمكن أن تعوّض السعودية فيما كانت تعتمد واشنطن عليه في المنطقة العربية وجوارها. إذا كانت نهاية الحرب الباردة قد أسفرت عن استعداد أوروبا بمجموعها للمضي وراء السياسات الأمريكية، واستعداد العدد الأكبر من الدول العربية للمشاركة في حرب الخليج الثانية بقيادة أمريكية؛ فإن ما تطرحه المرحلة الراهنة -بغضّ النظر عن أن قضية العراق "الآنية" تحتل محورها- إنما هو بداية خسارة "مرتكزات" أمريكية أساسية لا يمكن للهيمنة الأمريكية العالمية أن تتحقق دونها، أو أن تتحقّق بقوّة مماثلة اعتمادًا على مرتكزات أضعف.
بغض النظر عن وقوع الحرب العدوانية الأمريكية على العراق، أو التراجع أمريكيًّا عنها ممّا يمثل سياسيًّا هزيمة أشبه بهزيمة فيتنام عسكريًّا، أو هزيمة هيروشيما وناجازاكي أخلاقيًّا.. فلن يكون السؤال المطروح في المرحلة المقبلة هو السؤال التقليدي في السنوات الماضية، بصدد زعامة انفرادية أو نظام عالمي متعدّد الأقطاب؛ فقد بات ذلك شبه محسوم في تقدير خبراء السياسات الدولية. إنما السؤال عن السبل الفضلى لمواجهة الهيجان الأمريكي المسلح، بأسلوب يمنعه من تدمير حصيلة التقدّم البشري، والقليل المتحقق على صعيد تثبيت مرجعية -ناهيك عن شرعية- دولية لنظام عالمي، وقد يوصل في نهاية المطاف إلى تحسين النظام العالمي، وإضافة بعض المشروعية عليه بمفهوم الشرعية الدولية القائمة على مبادئ القانون الدولي، وليس على هيمنة القوة والابتزازات المادية على صناعة القرار الدولي.

nora2102
20-04-2009, 10:08
السلام عليكم
ونان فؤاد من جامعة المسيلة
اطلب الساعدة في بحث النظام السياسي الجزائري
وشكرا للجميع



المحتويات
الاهداء
الجزائر نظرة تاريخية
• الجزائر في عهد أحمد بن بلّة.
• الجزائر في عهد هواري بومدين .
• الجزائر في عهد الشاذلي بن جديد .
• الجزائر في عهد محمّد بوضياف .
• الجزائر في عهد علي كافي .
• الجزائر في عهد اليامين زروال .

الفهرس :


الجزائر لمحة تاريخية
أحمد بن بلة الثائر الناصري
معالم الدولة الجزائرية في عهد أحمد بن بلّة
علاقات الجزائر الدولية والسقوط
أراء بن بلة في مختلف القضايا
هواري بومدين رجل الثورة والدولة
من يكون هواري بومدين
سياسة بومدين الداخلية
معركة التعريب
علاقات الجزائر الدولية
بداية الانهيار
الشاذلي بن جديد البراغماتي الاصلاحي
بروز التيّار الاسلامي
مطالب البربر
الأزمة الاقتصادية
محمد بوضياف المنفي العائد
الاستقلا وبداية الكارثة
الجزائر من الأحادية والى التعددية
شغور الدولة
عودة محمد بوضياف
مشكلة الشرعية في الجزائر
المافيا الجزائرية
الرجل الذي حكم 166 يوما
شريط اغتيال بوضياف
تناقضات واختلافات
لجنة التحقيق
تشريح مؤامرة
علي كافي العقيد الديبلوماسي
اليامين زروال رجل الحوار والنار
وضع الدولة
الانهيار الاقتصادي وتدهورالوضع الأمني
عبد العزيز بوتفليقة رجل الملفات والمناورات
مرشّح الأقوياء
عبد العزيز بوتفليقة والمؤسسة العسكرية

الجزائر نظرة تاريخية
وصل الإسلام إلى الشمال الإفريقي عن طريق عقبة بن نافع وأستقبله سكان هذه المنطقة برحابة صدر, عدا في بعض الأماكن , حيث كان الأمازيغ – وهم السكان الأصليون في المغرب العربي – يعتقدون أن المسلمين الفاتحين لا يختلفون عن غيرهم من الوندال والفنيقيين والرومان الذين تعودّوا على غزو منطقة المغرب العربي وكان الأمازيغ – وتعني هذه العبارة الأحرار- يتصدّون لهذه الغزوات ببسالة . وبعد فترة وجيزة إنقلب هذا الإعتقاد رأسا على عقب حيث أصبح الإسلام هو الدين السائد في منطقة المغرب العربي وأهم مقوّم لحياة المغاربة الذين إنطلقوا في خدمته حيث ساهموا في فتح الأندلس وفي إيصال الإسلام إلى جزء كبير من أوروبا .
وغداة سقوط الأندلس بدأت شواطئ المغرب العربي تتعرض لإعتداءات الإسبان والبرتغاليين بدافع الثأر من المسلمين الذين أشادوا حضارة للإسلام في الأندلس .
و أثناء هذه الحملات الصليبية التي كان يتعرض لها المغرب العربي على مدى مئات السنين إنطلقت الخلافة العثمانية في إسطنبول – دار السلام – وشرعت في توسيع رقعتها بإتجاّه الأقاليم العربية والإسلامية , وأستغاث حينها ولاّة المغرب العربي بالخلافة العثمانية التي أمرت أسطولها البحري في البحر الأبيض المتوسط والذي كان على رأسه خير الدين وبابا عروّج بالتوجه إلى السواحل المغاربية وتوفير الحماية للمسلين في هذه المنطقة , وبموجب هذا أصبحت دول المغرب العربي فعليّا تحت الوصاية العثمانية وذلك بدءا من عام 1515 ميلادي وإلى غاية 1830 تاريخ إحتلال فرنسا للجزائر وبقية الدول المغاربية في وقت لاحق .
وقد إستغلّت فرنسا وقتها ضعف الجزائر التي أرسلت أسطولها البحري للمشاركة مع الأسطول العثماني في معركة –لافارين – سنة 1827 لمواجهة بعض الأساطيل الأوروبية , وكانت النتيجة أن تحطمّ الأسطول الجزائري وأصبحت المياه الإقليمية الجزائرية سهلة المنال أمام القوات الفرنسية التي كانت تخطط قبل ذلك في إحتلال بوابّة إفريقيا –الجزائر-. ولم يمر الإحتلال الفرنسي دون مقاومة عارمة وقوية أبداها الشعب الجزائري بقيادة شيوخ الإصلاح والزوايا وحفظة القرآن الكريم , ومنهم الأمير عبد القادر الجزائري والشيخ بوعمامة والشيخ المقراني وغيرهم من شيوخ المقاومة الذين كان مصيرهم جميعا إماّ الإستشهاد أو السجن ومن ثمّ النفي .ومع هؤلاء أستشهد مئات الآلاف من الجزائريين على يد القوات الفرنسية التي وبمجرد أن بسطت سيطرتها على الأراضي الجزائرية شرعت في تحويل المساجد إلى كنائس ,وشرعت في القضاء على اللغة العربية والتعليم العربي , وترافق هذا المشروع الإستعماري مع مشروع تغريبي ما زالت الجزائر تعاني من أثاره إلى يومنا هذا .
وكانت الإدارة الفرنسية التي تولّت الحكم في الجزائر تطلب المزيد من الجنود والذخيرة الحربية من فرنسا الأمر الذي سهلّ عليها إخماد المقاومة الجزائرية التي كانت تشتعل هنا وهناك في كل القطر الجزائري المترامي الأطراف , و عندما هدأت المقاومة المسلحة بدأت مقاومة من نوع أخر تجسدّت في وضع إستراتيجيّة أخرى للحفاظ على عروبة الجزائر وإسلاميتها , وتأسسّت لهذا الغرض أحزاب وتنظيمات تدعو إلى الوقوف بوجه فرنسا التي تعمل على تذويب الشخصية الجزائرية وسلخ الجزائر عن هويتها العربية والإسلامية . وكانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس من أبرز هذه التيارات التي لعبت أكبر الأدوار في مواجهة الغزو الثقافي الفرنسي , وتمكنت هذه الجمعية من إنشاء مدارس عربية وإسلامية في مناطق عدّة في الجزائر , وكان لها الفضل في الإعداد للثورة الجزائرية التي دحرت فيما بعد الاحتلال الفرنسي عن الجزائر .
وعندما تأكدّ الجزائريون من حقيقة النوايا الفرنسية لدمج الجزائر وبشكل كامل في فرنسا , تشكلّت في الجزائر ما يعرف بلجنة 22 ومهدّت لتفجير الثورة الجزائرية في الأول من نوفمبر –تشرين الثاني من سنة 1954 .
وتميزّت الثورة الجزائرية بكونها شعبية وعربية وإسلامية المنطلق , حيث أقرّ بيان ثورة نوفمبر 1954 و مؤتمر الصومام الذي انعقد في ولاية بجاية لتنظيم شؤون الثورة الجزائرية سنة 1956 أنّه إذا تحررت الجزائر فيجب عندها إقامة دولة في إطار المبادئ الإسلامية وهذا المعنى يؤكده كل أحرار الجزائر الذين عاصروا هذه الحقبة .
وعندما فرضت الثورة الجزائرية نفسها وقوتها ولاحت في الأفق بوادر الإستقلال شرع الجنرال ديغول في إعداد خطته لسرقة الإنتصار الجزائري وطلب من الجنرال لاكوست تسريح الضباط الجزائريين الذين كانوا ضمن القوات الفرنسية والذين وجدوا أنفسهم تلقائيا قبيل الاستقلال وبعيده في صفوف جيش التحرير الشعبي الوطني الجزائري , وبعد إستقلال الجزائر في 05يوليو- تموز 1962 إستمرّت الوصاية الثقافية الفرنسية على الجزائر كما بقيت منابع الطاقة الجزائرية بيد السلطات الفرنسية إلى أن جرى تأميم النفط والغاز في عهد هواري بومدين ,وهذا ما دفع بعض السياسيين الجزائريين إلى القول بأنّ الإستقلال الجزائري كان ناقصا وأن إتفاقيّات إيفيان التي أفضت إلى استقلال الجزائر كانت ملغومة وأعطت حيزا لفرنسا تمكنت من خلاله التسلل إلى مواقع السيادة الجزائرية.
ومثلما كانت رحلة الثورة الجزائرية شاقة , فكذلك كانت رحلة الإستقلال الحبلى بالتطورات والصراعات والخلافات والفتن , ومنذ عهد أحمد بن بلة و إلى عهد عبد العزيز بوتفليقة تحاول الجزائر إستيعاب ما جرى ويجري لها وتحاول في الوقت نفسه رسم طريق المستقبل الصعب .

http://www.arabtimes.com/mixed3/doc75.html

الجزائر في عهد أحمد بن بله
أحمد بن بلّة : الثائر الناصري.

تعتبر الثورة الجزائريّة من أعظم الثورات العربية في القرن العشرين , وقد خرجت هذه الثورة من رقعتها المحليّة المحدودة في قلب المغرب العربي لتصير ثورة لكل العرب وكل الأحرار في العالم الثالث . وبفضل الثورة الجزائرية تمكنت الجزائر أن تصبح ذات سمعة عربيّة وإسلامية محترمة , وكان يكفي ذات يوم ترديد اسم الجزائر لتقشّعر الأبدان .
لقد إندلعت الثورة الجزائرية في غرّة نوفمبر سنة 1954 بإمكانات متواضعة وبسيطة , وفي غضون أشهر وجيزة إلتفّ حولها الشعب الجزائري لتقوده في نهاية المطاف إلى شاطئ الإستقلال في 05يوليو – تموز سنة 1962 , وحاولت فرنسا جاهدة وبمختلف الوسائل السياسية والعسكرية وأد هذه الثورة التي إستعصت على فرنسا وتحققّ بذلك قول شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا : أقسمنا بالدماء أن تحيا الجزائر .
وما كانت الثورة الجزائرية لتقود الجزائر بإتجاه الحرية لو لم يتوفر لها مجموعة من الرجال الذين إجتمعت كلمتهم على ضرورة الثورة كشرط وحيد لإسترجاع الحق المنهوب من قبل فرنسا . وقبل إندلاع الثورة الجزائرية إندلع لغط كبير في الأوساط السياسية والثقافية الجزائرية حول الإندماج في الدائرة الفرنسية أو الإستقلالية عن فرنسا وتحصين الشخصية الجزائرية , وذهب بعض السياسيين الجزائريين بعيدا في ذلك الوقت عندما شككوا في وجود الأمة الجزائرية و قد عرف عن أحد السياسيين الجزائريين قوله : لقد فتشت في القبور عن جذور الأمة الجزائرية فلم أجد شيئا , وكانت النخبة الجزائرية الفرانكفونية والتي درست في المعاهد الكولونيالية تنظر بعين الهازئ والساخر إلى دعوات المنادين بالحفاظ على السيادة الجزائرية والثقافة الجزائرية ذات البعدين العربي والإسلامي .
ووسط هذا الجدل الواسع بين دعاة الإندماج ودعاة الإستقلال قررّت مجموعة من الثائرين الجزائريين تشكيل لجنة واسعة تضمّ إثنين وعشرين عضوا وهدفها الإعداد للثورة الجزائرية,
وقد إقتنعت هذه اللجنة – النواة الأولى للثورة الجزائرية – بأنّه لا يمكن الحصول على الإستقلال بالوسائل السياسية , لأن فرنسا قررت وبشكل نهائي ضمّ الجزائر إلى فرنسا وإعتبار الجزائريين فرنسيين مسلمين , وكانت بطاقات الهويّة التي تمنحها فرنسا للجزائريين فرنسية كتب عليها لدى التعريف بجنسية حاملها عبارة فرنسي مسلم , وقد جاءت هنا المواطنة الفرنسية قبل الإسلام الذي صاغ الشخصية الجزائرية و وقاها من الذوبان في مستنقع التغريب الفرنسي . وشرعت اللجنة المذكورة في الإتصال بالشخصيات الجزائرية الوطنية المؤمنة بحتمية الثورة , وقد كان لمحمد بوضياف ورابح بيطاط وزيغود يوسف ومئات غيرهم دور كبير في تفجير الثورة الجزائرية , ومن الشخصيات الجزائرية التي اإضمت إلى صفوف الثورة الجزائرية منذ إندلاعها أول رئيس للجزائر المستقلة أحمد بن بلة الذي كان يعرف في أوساط إخوانه الثوّار بلقب : سي حميمد .
و يعتبر أحمد بن بلة من روّاد الثورة الجزائرية ومن الساسة الذين قادوا المرحلة بعد إستقلال الجزائر , وقد انضم إلى حزب الشعب الذي كان يتزعمه مصالي الحاج ثمّ إلى جبهة التحرير الوطني التي فجرت الثورة الجزائرية . و سجنته السلطات الفرنسية بعد أن تمكنّ من وضع قنبلة في مركز للبريد بمدينة وهران الواقعة في الغرب الجزائري , وفي السجن الفرنسي خططّ للفرار منه وتمّ له ما يريد , وظلّ مستترا إلى أن تمكن من مغادرة الجزائر إلى المغرب سنة 1956 . وأعتقلته السلطات الفرنسية مجددا وهو في طريقه إلى تونس جوّا , وقد كان على متن الطائرة التي كانت تقله من الرباط إلى تونس قادة الثورة الجزائرية محمد بوضياف ,محمد خيضر , رابح بيطاط , وحسين أيت أحمد , وكانت طريقة اعتقال أحمد بن بلة ورفاقه تعتبر أول عملية قرصنة جوية من نوعها حيث أجبرت الطائرات الحربية الفرنسية الطائرة المدنيّة التي كان على متنها أحمد بن بلة ورفاقه على الهبوط في مطار الجزائر العاصمة . وحتى لا تتكرر عملية الفرار السابقة تمّ اقتياد أحمد بن بلة الى سجن فرنسي يقع على الأراضي الفرنسية وبقيّ معتقلا فيه الى موعد الاستقلال في 05 تموز-يوليو من سنة 1962 فعاد هو ورفاقه الى الجزائر .
وقبيل الاستقلال الجزائري وبعيده اندلعت خلافات واسعة في صفوف الثورة الجزائرية وكادت هذه الخلافات أن تتحول الى حرب أهلية ضروس بين رفاق الأمس , وقد حسمت قيادة الأركان التي كان على رأسها هواري بومدين الخلافات لصالحها وعينّت أحمد بن بلة على رأس الدولة الجزائرية الفتية , وبذلك أصبح أحمد بن بلّة أو سي حميمد كما كان يسميه رفاقه أول رئيس للدولة الفتيّة التي رأت النور بفضل مليونين من الشهداء.

• معالم الدولة الجزائرية في عهد أحمد بن بلّة :

يعترف أحمد بن بلّة بأنّه كان قليل الخبرة السياسية وقليل الثقافة لجهة ما يتعلق بتسيير شؤون الدولة و ادارة شؤون العباد والبلاد , بل لقد ذهب بعيدا عندما قال بأنّ الثورة الجزائرية كانت تفتقد الى أطروحة الدولة , ويعترف بن بلة أيضا أنّه كان من أشدّ المعجبين بالرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان يتمتع تاريخئذ بسمعة جماهيرية عربية واسعة , وقد ناصر جمال عبد الناصر الثورة الجزائرية وكان يمدها بالأسلحة عبر الحدود التونسية , كما منح كل التسهيلات والامكانات لرجال جبهة التحرير الوطني الذين أقاموا في القاهرة ومنها انطلقوا للتعريف بالثورة الجزائرية في العالم العربي والعالم الثالث . ولم يتنكّر الثائر الناصري ابن بلّة لفضل عبد الناصر على الثورة الجزائريّة فقررّ غداة انتصار الثورة الجزائرية التنسيق مع مصر عبد الناصر في كل المستويات وخصوصا فيما يتعلق بقضايا العالم الثالث و القضايا العربية الساخنة وحركات التحرر في العالم .
ويمكن القول أن جزائر أحمد بن بلة أصبحت نموذجا مصغرا للقاهرة في ذروة ريادتها للخط القومي .


بعد خروج فرنسا من الجزائر ورثّت الدولة الجزائرية الفتيّة معضلات أثرّت الى أبعد الحدود في مسار الدولة الجزائرية وأداءها السياسي والاقتصادي , فلقد تركت فرنسا الخزينة الجزائرية خالية وخاوية بعد أن قامت بسلب كل ما فيها و سحبت معها كل الودائع والأموال والسيولة التي كانت موجودة في البنوك , كما أنّ المحتلين الفرنسيين ونكاية بالثورة الجزائرية والجزائريين حطمّوا معظم الجرارات والألات الزراعيّة , الأمر الذي ألحق أكبر الأضرار بالزراعة الجزائرية وأبقى الجزائر تابعة زراعيا لفرنسا والى يومنا هذا , كما أدّى خروج الأساتذة الفرنسيين من الجزائر الى شغور فظيع في القطاع التربوي والتعليمي . وفوق هذا وذاك فقد خلفّت فرنسا في الجزائر مرضا ظلّ ومازال يفتك بالجزائر وهو مرض الأمية التي قدرّت سنة 1962 ب 80 بالمائة .
وكان التحدي الأول الذي واجه الدولة الجزائرية هو قلّة الخبراء والأكفاء الذين لهم القدرة على تسيير دفّة الحكم , فأضطرّت الدولة الجزائرية الفتية الى الاستعانة بالمحسوبين على الثقافة الفرنسية من الجزائريين الذين تلقوا تعليمهم في باريس وكان بعضهم يؤمن بفرنسا أكثر منه بالجزائر . وبدافع سدّ النقص أصبح دعاة الثقافة الفرانكفونيّة هم أصحاب الحل والربط ومن جملتهم المهندس سيد أحمد غزالي الذي تخرج من الجامعات الفرنسية كمهندس في الطاقة وعين لدى عودته الى الجزائر مديرا لقطاع الطاقة الذي كانت تشرف عليه فرنسا في الجزائر .
وهذا لا يعني أنّ أحمد بن بلّة لم يكن قلقا على مصير الثقافة العربية , بل كان يؤمن بعروبة الجزائر ولذلك قام باستدعاء ألاف الأساتذة العرب من مصر والعراق وسوريا للمساهمة في قطاع التعليم , وقد اصطدم هؤلاء التربويون العرب بمجموعة كبيرة من العراقيل البيروقراطية والتي كان يضعها في طريقهم سماسرة الثقافة الفرانكفونية وأختار العديد من هؤلاء المتعاونين العودة الى بلادهم وبذلك تمّ الاجهاز على مشروع التعريب الذي مازال متعثرا الى يومنا هذا .
ورغم ايمانه بعروبة الجزائر الاّ أنّ بلة كان مهووسا بالفكر الاشتراكي اليساري وكان متحمسا لبعض التجارب التي كانت سائدة في البلاد الاشتراكية , وتحمسّه للفكر الاشتراكي واليساري جعله يصطدم بالرجل الثاني في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ البشير الابراهيمي الذي ورث خلافة الجمعية من الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي أدركته المنيّة قبل اندلاع الثورة الجزائرية , وفسرّ البعض ذلك الصدام بأنّه بداية الطلاق بين النظام الجزائري والخط الاسلامي الذي كانت تمثله جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة الشيخ البشير الابراهيمي . وبدأ الطلاق عندما اتهم البشير الابراهيمي الرئيس أحمد بن بلّة بتغييب الاسلام عن معادلات القرار الجزائري وذكّر بن بلة بدور الاسلام في تحرير الجزائر والجزائريين من ربقة الاستعمار الفرنسي , وبسبب هذا التصادم وضع الشيخ البشير الابراهيمي تحت الاقامة الجبرية وقطع عنه الراتب الشهري وبقيّ كذلك بدون راتب وتحت الاقامة الجبرية الى أن وافته المنية في يوم الجمعة من 20 محرّم سنة 1375 هجرية الموافق ل 21 مايو –أيّار سسنة 1965 .
ويقول بعض المؤرخين الجزائريين أنّ التصادم بين أحمد بن بلة والشيخ البشير الابراهيمي سببه البيان الذي أصدره الابراهيمي في 16 أبريل –نيسان سنة 1964 , وهذا نصّ البيان .
باسم الله الرحمان الرحيم
كتب الله لي أن أعيش حتى استقلال الجزائر ويومئذ كنت أستطيع أن أواجه المنيّة مرتاح الضمير , اذ تراءى لي أني سلمت مشعل الجهاد في سبيل الدفاع عن الاسلام الحق والنهوض باللغة- ذلك الجهاد الذي كنت أعيش من أجله – الى الذين أخذوا زمام الحكم في الوطن ولذلك قررت أن ألتزم الصمت . غير أني أشعر أمام خطورة الساعة وفي هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس –رحمه الله – أنّه يجب عليّ أن أقطع الصمت , ان وطننا يتدحرج نحو حرب أهلية طاحنة ويتخبط في أزمة روحية لا نظير لها ويواجه مشاكل اقتصادية عسيرة الحل , ولكنّ المسؤولين فيما يبدو لا يدركون أن شعبنا يطمح قبل كل شيئ الى الوحدة والسلام والرفاهية وأن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم يجب أن تبعث من صميم جذورنا العربية والاسلامية لا من مذاهب أجنبيّة . لقد ان للمسؤولين أن يضربوا المثل في النزاهة وألاّ يقيموا وزنا الاّ للتضحية والكفاءة وأن تكون المصلحة العامة هي أساس الاعتبار عندهم , وقد ان أن يرجع الى كلمة الأخوة التي أبتذلت –معناها الحق – وأن نعود الى الشورى التي حرص عليها النبيّ صلىّ الله عليه وسلم , وقد ان أن يحتشد أبناء الجزائر كي يشيّدوا جميعا مدينة تسودها العدالة والحرية , مدينة تقوم على تقوى من الله ورضوان ..
الجزائر في 16 أبريل – نيسان 1964 . توقيع : محمّد البشير الابراهيمي .
ومثلما دخل أحمد بن بلة في صراع مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين , فقد دخل في صراع أخر مع رفاق دربه بالأمس , حيث شعر العديد من مفجرّي الثورة الجزائرية أن البساط قد سحب من تحتهم وأنهم باتوا بدون أدوار في مرحلة الاستقلال و بدأت الفتنة تطل برأسها بين الأخوة الأعداء وتمّ تدشين أولى الاغتيالات السياسية في الجزائر والتي تواصلت في عهد هواري بومدين و رافقت كل العهود الجزائرية , وقد بلغت هذه الاغتيالات الذروة في عهد محمد بوضياف وعلى كافي واليامين زروال . وفي عهد أحمد بن بلة أعدم العقيد شعباني , كما أغتيل في اسبانيا محمّد خيضر أحد قادة الثورة الجزائرية, أما حسين أيت أحمد الذي كان مغضوبا عليه فقد فرّ الى باريس و أسسّ جبهة القوى الاشتراكية , وتمّ اعتقال محمد بوضياف وحكم عليه بالاعدام وبعد تدخل العديد من الوسطاء خرج من السجن وغادر الجزائر متوجها الى فرنسا ومنها الى مدينة القنيطرة في المغرب حيث قضّى فيها قرابة ثلاثين سنة قبل أن تستغيث به المؤسسة العسكرية في الجزائر ليكون رئيسا خلفا للشاذلي بن جديد الذي أقالته نفس المؤسسة غداة الانتخابات الاشتراعية التي فازت فيها الجبهة الاسلامية للانقاذ في أواخر 1991 .
وفي باريس ألفّ محمد بوضياف كتابا بعنوان :الجزائر الى أين ! عالج فيه مصير الجزائر بعد استقلالها . ووسط هذه الخلافات السياسية ترأس بن بلة الدولة الجزائرية وحاول الاستعانة بدول المحور الاشتراكي في ذلك الوقت لتجاوز مخلفّات الاستعمار , وفي بداية عهده أولى بن بلة القطاع الاقتصادي والتربوي أهمية خاصة , فعلى المستوى الاقتصادي نهجت الجزائر نهج الاقتصاد الموجّه والمسيّر وكانت الحكومة الجزائرية تستعين في هذا المجال بالمساعدات القادمة من الصين ويوغوسلافيا السابقة ومصر وباقي الدول التي ناصرت الثورة الجزائرية .


وكانت هناك معضلة تواجه الاقتصاد الجزائري تمثلت في سيطرة فرنسا على قطاع الطاقة وأستفردت ولسنوات عديدة في الاستفادة من الثروات الطبيعية الجزائرية وكانت الشركات الفرنسية تتولى التنقيب عن النفط وتسويقه , وبدل أن يكون النفط الجزائري في خدمة الشعب الجزائري الذي أنهكته الحقبة الاستعمارية الفرنسية , فقد واصلت فرنسا عملية السلب والنهب الى أن قام الرئيس الجزئري هواري بومدين بتأميم النفط .
وقد وجدت الدولة الفتية صعوبة بالغة في اعادة تأهيل البنى التحتية واعادة الروح الى القطاع الزراعي والاقتصادي ,ورغم أن عدد الشعب الجزائري لم يتجاوز تاريخئذ 12 مليون نسمة الاّ أنّ الحكومة الفتية وجدت صعوبة في ايجاد الحلول للمشاكل العالقة .
وفي العهد الاستعماري كانت السلطات الفرنسية تخصّ بالاهتمام المناطق الأهلة بالسكان الفرنسيين كالجزائر العاصمة ووهران والبليدة وغيرها أما القرى النائية والأرياف فقد كانت محرومة من أبسط أساليب العيش الكريم كالكهرباء والماء والمستوصفات وماالى ذلك من نقائص ,و وجدت الدولة الجزائرية الفتية صعوبات في اعادة تأهيل القرى والمناطق الريفية , وبقيّ وضعها على ماهو عليه الى أن تولىّ الرئيس هواري بومدين الحكم بانقلاب عسكري فأولى الفلاحين المحرومين بعضا من اهتمامه .
وعلى مستوى بنيوية الدولة فقد كانت مفاصلها بيد المؤسسة العسكرية التي كانت متحالفة مع حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان الحزب الوحيد الحاكم الى بداية الانفصال بين السلطة و حزب جبهة التحرير الوطني عقب خريف الغضب الجزائري في 05 أكتوبر –تشرين الأول 1988 , وكانت الدولة أنذاك تفتقد الى المؤسسات الدستورية بل كانت تكتفي بالتلويح دوما بالشرعية الثورية , وعندما شعرت الدولة بحاجتها الى مؤسسة تشريعية قامت بتشكيل مؤسسة شبه اشتراعية تمّ تعيين كل أعضائها وكان يشترط في العضو أن يكون منتمياّ الى حزب جبهة التحرير الوطني .


علاقات الجزائر الدولية :

على الرغم من أن الدولة الجزائرية الفتية قررت اقامة علاقات حسنة ومميزة مع كل الذين وقفوا الى جانب الثورة الجزائرية , الاّ أنّ حكومة بن بلة وجدت نفسها في مهب العاصفة مع المغرب بسبب خلافات حدودية بين الجزائر والمغرب , وفي سنة 1963 نشبت مناوشات على الحدود بين البلدين وقد شكلت هذه المناوشات لبنة الصراع السياسي الحاد بين الرباط والجزائر الذي مافتئ يتفاقم ويتفاعل على امتداد ثلاثة عقود .
وكانت علاقات الجزائر مع كل من ليبيا وموريتانيا وتونس الى حدّ ما جيدة الى أن أصبحت قضية الصحراء الغربية هي معيار التوازن في علاقات الجزائر المغاربية حيث باتت ساعتها خاضعة للمدّ والجزر . وعلى صعيد علاقات الجزائر مع بقية الدول العربية كمصر والعراق وسوريا فقد كانت ايجابية , كما حرص بن بلة على مدّ جسور التواصل مع الدول الاشتراكية بدءا بموسكو ومرورا بهافانا ووصولا الى بلغراد .

السقوط :

كان أحمد بن بلة يثق ثقة عمياء في وزير دفاعه هواري بومدين , فهذا الأخير هو الذي نصبّ بن بلة على رأس الدولة الجزائرية الفتية وهو الذي مهدّ له الطريق باتجاه قمة هرم السلطة , ولم يكن بن بلة يتوقع أن تأتيه طعنة بروتوس من صديقه هواري بومدين .
وبومدين الذي أطاح بأحمد بن بلة بانقلاب كان يعتبر أن بن بلة خرج عن خط الثورة الجزائرية واستأثر بالسلطة و كان يتهمه بالديكتاتورية والشوفينية وكان يأخذ عليه احتكاره لتسعة مناصب حساسة في وقت واحد , وكان بومدين يزعم أنه لجأ الى الانقلاب انقاذا للثورة وتصحيحا للمسار السياسي و حفاظا على مكتسبات الثورة الجزائرية . ومهما كانت مبررات الانقلاب فانّه سنّ سنّة سيئة في الجزائر وأعتبر هذا الانقلاب بداية الانحراف في السياسة الرسمية الجزائرية التي مازالت أزمة الشرعية احدى معالمها . وغداة الانقلاب عليه وضع أحمد بن بلة في فيلا خاصة في منطقة شبه معزولة ولم يسمح لأحد بزيارته , ولم تجد تدخلات جمال عبد الناصر الشخصية في اطلاق سراحه , وذهبت سدى كل المحاولات التي قام بها رؤساء الدول الذين كانت تربطهم بابن بلة علاقات صداقة .
وعن فترة اعتقاله التي استمرّت 15 سنة قال أحمد بن بلة أنّه استفاد من أجواء العزلة واستغلّ أوقاته في المطالعة والقراءة حيث بدأ يتعرف الى الفكر الاسلامي وغيره من الطروحات الفكرية .وقد تزوجّ وهو في السجن من صحافية جزائرية تعرفت عليه عندما كان رئيسا للدولة الجزائرية .
وعندما وصل الشاذلي بن جديد الى السلطة سنة 1980 أصدر عفوا عن أحمد بن بلة حيث غادر الجزائر متوجها الى باريس ومنها الى سويسرا في منفى اختياري , وعندما كان في باريس أسسّ حزبا أطلق عليه اسم الحركة من أجل الديموقراطية , وكانت هذه الحركة تصدر مجلتين هما البديل وبعده منبر أكتوبر تيمنا بانتفاضة أكتوبر الجزائرية سنة 1988 .
وقد عارض نظام الشاذلي بن جديد وحزب جبهة التحرير الوطني والأحادية السياسية , وكان يطالب بحياة سياسية تتسم بالديموقراطية واحترام حقوق الانسان .
وبعد دخول الجزائر مرحلة الديموقراطية التنفيسية عقب خريف الغضب في 05 تشرين الأول – أكتوبر – 1988 عاد أحمد بن بلة الى الجزائر على متن باخرة أقلعت من أسبانيا وكان برفقته مئات الشخصيات الجزائرية والعربية والأجنبية , وواصل في الجزائر معارضته للنظام الجزائري من خلال حركته من أجل الديموقراطية . ولم يحقق حزب أحمد بن بلة أي نجاح يذكر أثناء الانتخابات التشريعية الملغاة والتي جرت في 26 كانون الأول –ديسمبر 1991 وعلى الرغم من ذلك فانّ أحمد بن بلة كان معترضا على الغاء الانتخابات التشريعية وكان يطالب بالعودة الى المسار الانتخابي وكان يعتبر المجلس الأعلى للدولة – رئاسة جماعية – الذي تشكل بعد الغاء الانتخابات واقالة الشاذلي بن جديد سلطة غير شرعية .
وعندما حلّت الجبهة الاسلامية للانقاذ من قبل السلطة الجزائرية اعترض على ذلك وغادر الجزائر مجددا وتوجه الى سويسرا ومافتئ هناك يطالب بالمصالحة الوطنية المؤجلة و عاد الى الجزائر مجددا وقابل عندها رئيس الحكومة بلعيد عبد السلام الذي قال لبن بلة : أن هناك مجموعة من الضباط يقفون ضد الحوار وطلب بلعيد من بن بلة التحرك لقص أجنحة رافضي الحوار , ويبدو أن أجنحة بلعيد عبد السلام هي التي قصّت وأقيل من منصبه .

أراء بن بلة في مختلف القضايا :

عندما سئل بن بلة بعد خروجه من السجن وتوجهه الى فرنسا ومنها الى سويسرا هل أنت لائكي –علماني – أجاب بأنّه ليس لائكيا وليس من دعاة اللائكية ,و هي نتاج غربي محض وجاءت لتحلّ محل الكنيسة ونجم عن ذلك الفصل مابين الدين والدولة ومن يدعو الى اللائكية كما قال بن بلة فهو يريد أن يلبس جلدا غربيا لجسد اسلامي , انّه يريد تغريب مجتمعه ويبعده عن الحضارة الاسلامية الاطار الصحيح لأي منظور سياسي في الحكم . وفي هذا المجال أيضا قال بن بلة أنه يرفض حكم الفقهاء وأنّه ليس خمينيا ولا يلبس عباءة أي شخص , أنّه مجرد مواطن جزائري ومناضل في حزب الشعب ثمّ حركة انتصار الحريات الديموقراطية ثمّ مجاهد في أول نوفمبر وأحد مناضلي جبهة التحرير الوطني كما قال بن بلة عن نفسه .
وقال بن بلة : أنا أفتخر بأنني أحد مناضلي جبهة التحرير الوطني التي كانت تتويجا للنضالات الجزائرية من الأمير عبد القادر الجزائري مرورا بأولاد سيدي الشيخ والمقراني والشيخ الحدّاد وبومعزة بوزيان و الزعاطشة , ومذبحة 08 ماي – أيّار 1945 في قالمة وسطيف وخراطة وهي سلسلة نضالات وانتفاضات شعبية متكاملة نابعة من قيّمنا العربية والاسلامية , أنا أنطلق من هذه القيم مجتمعة .
وسئل بن بلة عن رأيه في الذين قادوا انقلابا عليه ووعدوا الشعب الجزائري بكتاب أبيض فأجاب : ليس من حقي أن أقول للشعب الجزائري ما يعرفه ويحس به يوميا , أنا لن أطالبهم بالكتاب الأبيض لأن الشعب الجزائري يدرك من أعماقه ذلك , أولم يعدوا الشعب الجزائري في 19 جوان – حزيران 1965 –تاريخ الانقلاب على حكم أحمد بن بلة – بانشاء دولة القانون واحترام كل المؤسسات السياسية والتشريعية القائمة !
أين هي الدولة ! أو لم ينهوا مسيرة المجلس الشعبي الوطني ! قال أحمد بن بلة والذي استطرد قائلا : أولم يلغوا اللجنة المركزية والمكتب السياسي !
وسئل بن بلة عن الثقافة في الجزائر فقال : هل توجد ثقافة في الجزائر ! هل يوجد في ذهن مسؤول جزائري تقلدّ وزارة الثقافة مشروع ثقافي ! ألم يهن الكتاب والمفكرون !
وسئل عن الدولة في عهده فقال : أنا الذي كونت الدولة الجزائرية بعد استرجاع السيادة الوطنية , وهذا شرف أفتخر به , ذلك أن اتفاقيات ايفيان –وهي التي أفضت الى استقلال الجزائر – فرضت ضرورة وجود طرف قويّ لتحمل المسؤولية و كان لابدّ لنا من اللجوء الى الانتخابات الشعبية وتأميم أراضي الكولون , ما يقرب من 03ملايين هكتار و أراضي الباشاوات – الجزائريون الذين كانوا يتعاملون مع السلطات الفرنسية وجمعوا ثروات جرّاء هذه العمالة - , وأعتقد أن المشروع الحقيقي للثورة الزراعية بدأ في عهد تأميمنا للأراضي التي لم تكن للجزائر وانما للكولون – المستعمرين – وعملائهم .
وقال بن بلة : وقد لجأت الى التسيير الذاتي وتأميم البنوك و انتهاج سياسة خارجية فعالة لمدّة لم تتجاوز السنتين والنصف , ولم تكن في أيدينا أموال النفط والغاز , ومع ذلك قمنا بحل الكثير من المشاكل الاجتماعية وقضينا على ظواهر عديدة مثل ظاهرة المتسولين وماسحي الأحذية وغيرها .
وقمنا بحملات ضخمة للتشجير ومحاربة التصحّر , وكانت المدينة نظيفة بشوارعها وسكانها ولم تكن هناك أفكار تحقد على الثورة كما هو الأن , كان المواطن الجزائري مستعدا للتضحية في سبيل وطنه , ولم تكن هناك ظاهرة الرشوة كما هو الأن .
وسئل عن موقفه من اللغة العربية والبربرية ! ولماذا لجأ في عهده الى محو الأمية باللغة الفرنسية ! فأجاب : أعتبر أنه من العيب أن نأتي بعد ربع قرن لنسأل عن موقفنا من اللغة العربية , أنا ضدّ من يطرح أي لغة أخرى مهما كانت , فعلى مستوى اللغة العربية فهي لغتنا الوطنية , ولا يمكن التخلي عنها أو تشجييع أي لغة أخرى منافسة لها , أنا بربري في الأصل وتراثي البربري تدعيم لأصالتي العربية والاسلامية ومن ثمّة لا أسمح بوجود لغتين وطنيتين : عربية وبربرية , انّ اللغة الوطنية الوحيدة هي اللغة العربية , أما البربرية فتدخل في حيّز التراث الذي يتطلب منا اثراؤه ودعم الايجابي منه . وردّ على الاتهام بقوله : بدأنا بمحو الأمية بالفرنسية ,و لم يكن عندنا ما يكفي من المعلمين باللغة العربية لتسيير مؤسسة تربوية واحدة وقد لجأنا لاحقا الى التعريب , لقد أحضرنا جيشا من الأساتذة من مختلف الأقطار العربية وشرعنا في اعداد برنامج وطني للتعليم في مختلف مستويات التعليم .و كناّ نعد لاصدار قرار بعد قرار التسيير الذاتي يقضي بتعريب الجامعة , وقام السيد الطاهر الذي كلفته باعداد المشروع القاضي بدراسة مختلف المؤسسات التعليمية واحتياجاتها وبرامجها الاّ أن الانقلاب كان أسبق من الاعلان عن المشروع الوطني للتعريب وكنا ندرك جيدا أهمية تعريب الجامعة وهذا لا يعني أنه لم يكن هناك برنامج للتعليم بل لقد بدأنا بالتعليم الأصلي .
وسئل بن بلة عن وفائه لجمال عبد الناصر فقال :أنا وفيّ لفكر جمال عبد الناصر لأنني أعتبره رجلا عظيما ساهم في دعم الثورة الجزائرية أكثر من أي شخص أخر في الوطن العربي الذي تحكمه أطراف متناقضة ومتباينة مثل عبد الاله في الأردن ونوري السعيد في العراق وعبود السودان وكانت تعيش تابعة للغير ,باستثناء عبد الناصر الذي كان يمثل الوفاء للثورة الجزائرية في مختلف مراحلها , والجزائريون مدينون لهذا الرجل وأظن أنّ خروج الشعب الجزائري الى الشارع يوم وفاته كان دليلا على وجوده في وجدانهم وضمائرهم ولا نستطيع أن نحصي ما قدمّه للثورة الجزائرية في سطور كما قال أحمد بن بلة . وعما يريده من الجزائر بعد ثلاثين سنة من استقلالها قال : ما أطالب به هو تحرير البلاد - أي الجزائر – من التبعية والرجوع الى الأصل العربي والاسلامي ووضع حدّ للهيمنة الرأسمالية الغربية واقامة وحدة بين الدول المغاربية …..

ذلك هو أحمد بن بلة اليوم بعيدا عن السلطة التي يبدي ندمه الكبير على سنوات وجوده في قمة هرمها , بن بلة اليوم غيره البارحة , وبن بلة الثائر غير بن بلة السلطوي وكلاهما غير بن بلة المعارض , ومهما قيل ويقال عن بن بلة ومرحلة حكمه يبقى الرجل من الرموز التي ساهمت في تحرير الجزائر من ربقة الاستعمار الفرنسي ..


http://www.arabtimes.com/mixed3/doc76.html

الجزائر في عهد بومدين
هواري بومدين : رجل الثورة والدولة .

في مساء يوم 28 أيلول –سبتمبر 1962 و عند الساعة الثامنة وخمس دقائق عقد المجلس الوطني التأسيسي – هيئة البرلمان – دورته الثالثة لمنح الثقة لحكومة أحمد بن بلّة رئيس الحكومة , وقد افتتح الجلسة رئيس المجلس الوطني التأسيسي فرحات عبّاس وبعد اجراءات الافتتاح تقدمّ أحمد بن بلة الى المنصة وألقى خطابا , هذه مقدمته :
سيداتي سادتي , بعد فترة سيطرة الاستعمار التي هيمنت على البلاد طيلة 132 سنة , وبعد حرب تحريرية دامت سبع سنوات , أصبح الشعب الجزائري مستقلا وأصبحت الأمة الجزائرية حرّة , و أعلنت الجمهورية الديموقراطية الشعبية . فكل موتانا الذين قدموا أنفسهم فداء للحرية أحياء , وكل من تعذبّ وأتلفت أرزاقه وكل من يحمل على جلده جروح تعذيب المستبدين وكل الضحايا المجهولين أبطال التحرير الوطني وكل من ساعد الشعب الجزائري على الصمود والانتصار كلهم يستحقون اليوم اعتراف الوطن الذي تمكنّ بفضلهم من نيل حقوقه وكرامته .
سيداتي سادتي
انّ هذا الاعتراف بالجميل لا يمكن أن يأخذ عبرته منّا الاّ اذا اتعظنا بما سبق لنا من الدروس في كفاح شعبنا البطل , خصوصا وأنّ ذلك الكفاح قد أعطانا بشائر الأمل الدائم, وجهودنا في سبيل التحرير كانت تتسم بالأخوة والحماس الخالص ويجب علينا اليوم أن نتممّ تلك الجهود بنفس تلك الروح لبناء الوطن وتشييده .
وبعد هذا الخطاب الطويل تمّ الاعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة والتي جاءت كالتالي:
رئيس الحكومة : أحمد بن بلة .
نائب رئيس الحكومة : رابح بيطاط .
وزير العدل : عمّار بن تومي .
وزير الداخلية : أحمد مدغري .
وزير الدفاع الوطني : هواري بومدين .
وزير الخارجية : أحمد خميستي .
وزير المالية : أحمد فرنسيس .
وزير الزراعة: عمّار أوزقان .
وزير الاقتصاد : محمد خبزي .
وزير الطاقة : عروسي خليفة .
وزير البناء : أحمد بومنجل .
وزير العمل : بشير بومعزة .
وزير التربية الوطنية : عبد الرحمان بن حميدة .
وزير الصحة : محمد الصغير نقاش .
وزير البريد : موسى حساني .
وزير المجاهدين : محمدي السعيد .
وزير الشباب : عبد العزيز بوتفليقة .
وزير الأوقاف : توفيق مدني .
وزير الأخبار : محمد حاج حمو .
وكما برز هواري بومدين كقائد عسكري محترف ايّام الثورة الجزائرية , برز أيضا كوزير للدفاع في حكومة أحمد بن بلة , ولقد أمسك بذلك بأهم حقيبة وزارية بعد الاستقلال وسوف يكون لهواري بومدين مستقبلا دورا مركزيا في تاريخ الجزائر المعاصر .
لكن من هو هواري بومدين !

هواري بومدين :

هواري بومدين أو محمد بوخروبة كما هو اسمه الصريح لعب دورا كبيرا في تاريخ الجزائر ايّام ثورتها ضدّ الاستعمار الفرنسي , وبعد الاستقلال عندما تولى الاشراف على المؤسسة العسكرية التي تعرف في الجزائر بالمؤسسة السيدة بدون منازع وبفضل هذا المنصب تمكنّ من الاطاحة بالرئيس أحمد بن بلة في 19 حزيران- جوان 1965 .
ولد هواري بومدين في مدينة قالمة الواقعة في الشرق الجزائري وتعلم في مدارسها ثمّ التحق بمدارس قسنطينة معقل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين , ومعقل دعاة العروبة والاسلام .
رفض هواري بومدين خدمة العلم الفرنسي – كانت السلطات الفرنسية تعتبر الجزائريين فرنسيين ولذلك كانت تفرض عليهم الالتحاق بالثكنات الفرنسية لدى بلوغهم السن الثامنة عشر – وفرّ الى تونس سنة 1949 والتحق في تلك الحقبة بجامع الزيتونة الذي كان يقصده العديد من الطلبة الجزائريين , ومن تونس انتقل الى القاهرة سنة 1950 حيث التحق بجامع الأزهر الشريف .
وعندما اندلعت الثورة الجزائرية في 01 تشرين الثاني –نوفمبر 1954 التحق بجيش التحرير الوطني وكان مسؤولا عسكريّا في منطقة الغرب الجزائري , وتولى قيادة وهران من سنة 1957 والى سنة 1960 ثمّ تولى رئاسة الأركان من 1960 والى تاريخ الاستقلال في 05 تموز –يوليو 1962 , وعيّن بعد الاستقلال وزيرا للدفاع ثم نائبا لرئيس مجلس الوزراء سسنة 1963 دون أن يتخلى عن منصبه كوزير للدفاع .
و في 19 حزيران –جوان 1965 قام هواري بومدين بانقلاب عسكري أطاح بالرئيس أحمد بن بلة ,وأصبح بذلك أول رئيس يصل الى السلطة في الجزائر عن طريق انقلاب عسكري .

علي بوهزيلة ابن خال هواري بومدين عندما طلب منه الحديث عن هواري بومدين قال:
ماذا تريدون معرفته بالضبط ! هناك أمور عديدة لم تذكر عن بومدين !
بومدين كان رجلا عظيما , قضى عمره كاملا من أجل القضية الوطنية , لكن بعد وفاته دفنوا تاريخه و ألغوا اسمه ولولا المطار في الجزائر العاصمة الذي يحمل اسمه لنسيّ الناس من يكون هواري بومدين , والفوضى التي شهدتها الجزائر تعود الى الفراغ الذي خلفّه موت هواري بومدين .
حياة هواري بومدين كطفل وشاب أحفظها عن ظهر قلب , وكنت من أقرب أبناء عمومته اليه و كنا نحكي كل كبيرة وصغيرة , وكان لنا صديق ثالث هو ابن خالته مصطفى صالح الذي استشهد أثناء ثورة التحرير . بومدين ابن فلاح بسيط من عائلة كبيرة العدد ومتواضعة ماديا , ولد سنة 1932 وبالضبط في 23 أب –أوت في دوّار بني عدي مقابل جبل هوارة على بعد بضعة كيلوميترات غرب مدينة قالمة , وسجّل في سجلات الميلاد ببلدية عين أحساينية – كلوزال سابقا -.
في صغره كان والده يحبه كثيرا ويدلّله رغم ظروفه المادية الصعبة قررّ تعليمه و لهذا دخل الكتّاب – المدرسة القرأنية – في القرية التي ولد فيها , وكان عمره أنذاك 4 سنوات , وعندما بلغ سن السادسة دخل مدرسة ألمابير سنة 1938 في مدينة قالمة – وتحمل المدرسة اليوم اسم مدرسة محمد عبده -, وكان والده يقيم في بني عديّ ولهذا أوكل أمره الى عائلة بني اسماعيل وذلك مقابل الفحم أو القمح أو الحطب وهي الأشياء التي كان يحتاجها سكان المدن في ذلك الوقت .
وبعد سنتين قضاهما في دار ابن اسماعيل أوكله والده من جديد لعائلة بامسعود بدار سعيد بن خلوف في حي مقادور والذي كان حياّ لليهود في ذلك الوقت – شارع ديابي حاليا-
وبعد ثماني سنوات من الدراسة بقالمة عاد الى قريته في بني عدي , وطيلة هذه السنوات كان بومدين مشغول البال شارد الفكر لا يفعل ما يفعله الأطفال , لكنّه كان دائما يبادرك بالابتسامة وخفة الروح رغم المحن التي قاساها منذ صغره .
لقد كان بومدين يدرس في المدرسة الفرنسية وفي نفس الوقت يلازم الكتّاب من طلوع الفجر الى الساعة السابعة والنصف صباحا , ثمّ يذهب في الساعة الثامنة الى المدرسة الفرنسية الى غاية الساعة الرابعة وبعدها يتوجّه الى الكتّاب مجددا .
وفي سنة 1948 ختم القرأن الكريم وأصبح يدرّس أبناء قريته القرأن الكريم واللغة العربية , وفي سنة 1949 ترك محمد بوخروبة – هواري بومدين – أهله مجددا وتوجه الى المدرسة الكتانية في مدينة قسنطينة الواقعة في الشرق الجزائري , وكان نظام المدرسة داخليّا وكان الطلبة يقومون بأعباء الطبخ والتنظيف . وفي تلك الأونة كان عمه الحاج الطيب بوخروبة قد عاد من أداء فريضة الحجّ مشيا على الأقدام , وبعد عودته ذهب اليه محمد –هواري بومدين – ليقدمّ له التهاني , وكان هواري يسأل عمه عن كل صغيرة وكبيرة عن سفره الى الديار المقدسة , وكان عمه يخبره عن كل التفاصيل ودقائق الأمور وكيف كان الحجاج يتهربون من الجمارك والشرطة في الحدود وحدثّه عن الطرق التي كان يسلكها الحجّاج , وكان بومدين يسجّل كل صغيرة وكبيرة , وكان بومدين يخطط للسفر حيث أطلع ثلاثة من زملائه في المدرسة الكتانية على نيته في السفر وعرض عليهم مرافقته فرفضوا ذلك لأنهم لا يملكون جواز سفر , فأطلعهم على خريطة الهروب وقال : هذا هو جواز السفر .
وقبل تنفيذ الخطة تمّ استدعاؤه للالتحاق بالجيش الفرنسي لكنّه كان مؤمنا في قرارة نفسه بأنه لا يمكن الالتحاق بجيش العدو ولذلك رأى أنّ المخرج هو في الفرار والسفر,
وعندما تمكن من اقناع رفاقه بالسفر باعوا ثيابهم للسفر برا باتجاه تونس .
ومن تونس توجه بومدين الى مصر عبر الأراضي الليبية ,وفي مصر التحق وصديقه بن شيروف بالأزهر الشريف , وقسّم وقته بين الدراسة والنضال السياسي حيث كان منخرطا في حزب الشعب الجزائري , كما كان يعمل ضمن مكتب المغرب العربي الكبير سنة 1950 , وهذا المكتب أسسّه زعماء جزائريون ومغاربة وتونسيون تعاهدوا فيما بينهم على محاربة فرنسا وأن لا يضعوا السلاح حتى تحرير الشمال الافريقي , ومن مؤسسي هذا المكتب علال الفاسي من المغرب وصالح بن يوسف من تونس وأحمد بن بلة وأية أحمد من الجزائر وكان هذا المكتب يهيكل طلبة المغرب العربي الذين يدرسون في الخارج . وقد أرسل مكتب المغرب العربي هواري بومدين الى بغداد ليدرس في الكلية الحربية وكان الأول في دفعته , وطيلة هذه الفترة كان يراسل والده الذي كان بدوره يبعث لولده ماتيسّر من النقود وذلك عن طريق صديق بومدين عجّابي عبد الله .
وعندما تبيّن للسلطات الفرنسية أن المدعو محمد بوخروبة –هواري بومدين – فرّ من خدمة العلم قامت بحملة بحث عنه ,وأنهكت والده بالبحث والتفتيش والاستدعاءات وتحت وطأة الضغط اعترف والد بومدين بالأمر وأعترف أن ابنه سافر للدراسة في مصر وحصلت السلطات الفرنسية على عنوان بومدين من أبيه وقامت السلطات الفرنسية بارسال مذكرة بهذا الخصوص الى السفارة الفرنسية في القاهرة , وكان الملك فاروق هو صاحب السلطة أنذاك في مصر وتقرر طرد بومدين من مصر واعادته الى الجزائر , لكن ثورة الضباط الأحرار أنقذت هواري بومدين و انتصارها جعل بومدين يبقى في مصر .
وعندما عاد صديق هواري بومدين عبد الله العجابي الى الجزائر ليلتحق بالثورة الجزائرية سنة 1955 ألقيّ عليه القبض في مدينة تبسة الجزائرية وهنا فتح ملف هواري بومدين مجددا , وأدركت السلطات الفرنسية أن محمد بوخروبة أو هواري بومدين كما هو اسمه الحركي خطر على الأمن القومي الفرنسي .


هذا الرصيد الذي كان لهواري بومدين خولّه أن يحتل موقعا متقدما في جيش التحرير الوطني وتدرجّ في رتب الجيش الى أن أصبح قائدا للأركان ثمّ وزيرا للدفاع في حكومة أحمد بن بلّة .
ومثلما أوصل هواري بومدين بن بلّة الى السلطة فقد أطاح به عند أول منعطف ,وقد بررّ بومدين انقلابه بأنّه للحفاظ على الثورة الجزائرية وخطها السياسي والثوري .
وبعد الاطاحة بحكم الرئيس أحمد بن بلة في 19 حزيران – جوان 1965 تولى هواري بومدين رئاسة الدولة الجزائرية بمساعدة رجل المخابرات القوي أنذاك قاصدي مرباح الذي كان يطلق عليه بومدين لقب المستبّد المتنوّر .
وقد شرع هواري بومدين في اعادة بناء الدولة من خلال ثلاثية الثورة الزراعية والثورة الثقافية والثورة الصناعية على غرار بعض التجارب في المحور الاشتراكي التي كان هواري بومدين معجبا بها .
وغداة استلامه السلطة لم يقلّص هواري بومدين من حجم نفوذ حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بل استمرّ هذا الحزب في التحكم في مفاصل الدولة , وكان الأساس الذي بموجبه يعيّن الشخص في أي منصب سياسي أو عسكري هو انتماؤه الى حزب جبهة التحرير الوطني , وبالاضافة الى سيطرة الحزب الواحد قام هواري بومدين بتأسيس مجلس الثورة وهو عبارة عن قيادة جماعية تتخذ قرارات في الاختيارات الكبرى للجزائر الداخلية منها والخارجية ,وفي داخل هذا المجلس أتخذت القرارات المصيرية من قبيل تأميم النفط والمحروقات واسترجاع الثروات الطبيعية والباطنية , ومن قبيل تعميم نظام الثورة الزراعية و انتهاج الاقتصاد الموجه واشراف الدولة على كل القطاعات الانتاجية .
لقد عمل هواري بومدين بعد استلامه الحكم على تكريس هيبة الدولة الجزائرية داخليا وخارجيا , وفي بداية السبعينيات توهجّت صورة الجزائر أقليميا ودوليا وباتت تساند بقوة القضية الفلسيطينية وبقية حركات التحرر في العالم , ولعبت الجزائر في ذلك الوقت أدوارا كبيرة من خلال منظمة الوحدة الافريقية و منظمة دول عدم الانحياز .
وعن مشروع بومدين قال مدير جهاز الاستخبارات العسكرية في ذلك الوقت قاصدي مرباح -الذي قتل أثناء الأحداث الدامية التي عرفتها الجزائر في بداية التسعينيات - :
انّ هواري بومدين كان يهدف الى بناء دولة عصريّة تسعد فيها الشريحة الواسعة من هذا الشعب .

و من الصحافيين الفرنسيين الذين كتبوا عن هواري بومدين بكثير من الموضوعية الصحافي الفرنسي جاك لاكوتور الذي أشتهر خاصة بكتبه عن سيّر عظماء هذا القرن من أمثال
الزعيم الفيتنامي هوشي مينه والزعيم الصيني ماوتسي تونغ والجنرال شارل ديغول .
وقد كتب لاكوتور في جريدة لوموند الفرنسية مقالا عن هواري بومدين يوم 28 كانون الأول –ديسمبر 1978 جاء فيه مايلي :
انّ السلطة لتنحت الأفراد بالتقعير والتحديب , فهناك من تنصب لهم التماثيل وهناك من تنفخهم الريح وهناك من تنثرهم غبارا . ومحمد بوخروبة المدعو هواري بومدين لم يكن من أولئك الذين جعلتهم السلطة يتفسخون وكل من عرفه في ذلك الوقت الذي برز فيه من الجبل – يقصد الجبال التي كان يلوذ بها مفجرو الثورة الجزائرية – فلا شكّ أنّه قد انطبع في ذاكرته بصورة ذئب ضامر ذي نظرة هاربة وهو متدثر معطفه الشبيه بمعاطف المخبرين السريين , نصف مطارد ونصف صائد , منغلقا على صمته العدائ الذي لا تقطعه سوى انفجارات الغضب , شخصية هامشية لاذعة كلها ذؤابات وزوايا حادة ومستويات بين - بين , شخصية نمطية للتمرد والرفض .
بعد احدى عشرة سنة من ذلك وفي يوم 3 أيلول – سبتمبر 1973 كان الرئيس بومدين يستقبل في الجزائر العالم الثالث كزعيم وقائد واثق من نفسه وقوته وفصاحته . التقاطيع بقيت حادة , والذؤابات متمردة والصوت أبّح , لكنّ الرجل كان قد تكثف وأستوى عضلا ويقينا , لقد أصبح من القوة بحيث لم يعد في امكانه أن يخاطر بأن يسير في طريق الاعتدال , لقد اكتشف في غضون ذلك البدلات الأنيقة وربطات العنق وتعلمّ اللغة الفرنسية التي صار مذ ذاك يستعملها بفعالية مثيرة للدهشة بالنسبة لأولئك الذين كانوا يجهدون أنفسهم كثيرا لفهم كلام ذلك العقيد المتمرد في الجبال أثناء الحرب .
وعندما استقبل فاليري جيسكار ديستان في نيسان –أفريل – 1975 لم يكن هواري بومدين كريفي خشن من وراء البحار وانما كجار فخور باظهار ثمراته للاعجاب , وفي تلك الأثناء كانت الجزائر قد انتقلت من وضعيتها كطلل من الأطلال في أمبراطورية خربانة الى دولة كلها ورشات ثمّ الى أمة نموذجية للتنمية السلطوية تحت هيمنة وسلطة ابن الفلاّح ذاك الذي فضّل المنفى عن الاستعمار ثمّ فضلّ المعركة الشرسة و عندما أهلّ الاستقلال في الجزائر كان هواري بومدين أول قائد مقاومة يوقّع على النصوص الانعتاقية باللغة العربية ..وهذه الشهادة لهذا الصحافي الفرنسي لا تختلف عن غيرها من الشهادات لكتاب عرب وغربيين .

في سنة 1964 وجّه صحافي مصري سؤالا الى بن بلة حول ماذا يفكر في بومدين الذي كان حاضرا معهما فأجابه الرئيس بن بلة وهو يقهقه ضاحكا :أنت تعلم أنّه الرجل الذي يقوم باحاكة كل المؤمرات والدسائس ضدّي !
ولم يكن في وسع تلك الدعابة أن تقف في وجه المقدور , فبعد سنة من ذلك اليوم وفي 19 حزيران –جوان – 1965 أختطف أحمد بن بلة ووضع في مكان سري من طرف رجال بومدين نفسه .
وفي مجلس الثورة الذي تشكل مباشرة بعد الانقلاب الذي قاده بومدين ضدّ أحمد بن بلة لم يكن أي عضو يملك القدرة على مزاحمة هواري بومدين .
بدأ بومدين ينتقل شيئا فشيئا من منطق الثورة الى منطق الدولة وأصبح يحيط بكل تفاصيل الدولة وأجهزتها , وحاول بومدين أن يمزج بين كل الأفكار التي سبق له وأن اطلعّ عليها في محاولة لايجاد ايديولوجيا للدولة التي بات سيدها بدون منازع فمزج بين الاشتراكية والاسلام وبين فرانتز فانون وأبوذر الغفاري وكانت النتيجة بومدين الذي عرفه العالم في السبيعينيات ببرنسه الأسود وسيجاره الكوبي وكأن في ذلك اشارة الى قدرة بومدين على الجمع بين الثنائيات وحتى المتناقضات .وفي ايار –مايو- من عام 1972 استقبل هواري بومدين الرئيس الكوبي فيدل كاسترو وبدا واضحا أنّ الجزائر خلقت لها مكانة في محور الجنوب الذي كان ولا يزال يعيش تراكمات وتداعيات الحقبة الاستعمارية .
وفي أيلول –سبتمبر –من سنة 1973 وبمناسبة مؤتمر دول عدم الانحياز , استقبل هواري بومدين أزيد من سبعين من رؤساء الدول وكان جمعا لم يسبق له مثيل في التارييخ من ذلك المستوى .
و في سنة 1974 ترأسّ هواري بومدين في مقر الأمم المتحدة الجمعية الاستثنائية التي انعقدت بطلب منه والتي كرست للعلاقات بين الدول المصنعة وتلك التي تعيل نفسها من خلال بيع مواردها الأولية . وهذه الأدوار الدولية التي اضطلع بها ترافقت مع محاولات حثيثة في الداخل لبناء الدولة الجزائرية التي أرادها أن تكون ذات امتداد جماهيري وحيث تنعم الجماهير بما تقدمه الدولة من خدمات في كل المجالات وفي عهد بومدين تمّ العمل بما يعرف في الجزائر بديموقراطية التعليم والصحة , حيث أصبح في متناول كل الجزائريين أن يبعثوا أولادهم الى المدارس وللأبناء أن يكملوا التعليم الى نهايته دون يتحملوا عبء شيئ على الاطلاق , وكل المستشفيات والمستوصفات كانت في خدمة الجزائريين لتطبيب أنفسهم دون أن يدفعوا شيئا . وهذا ما جعل بومدين يحظى بالتفاف شعبي لامتحفظ ويستهوي القلوب , وهذا لا يعني أن بومدين كان ديموقراطيا منفتحا على معارضيه , بل كان متسلطا الى أبعد الحدود ومادامت الأمة معه ومادام هو مع الأمة العاملة والفلاحة فهذه هي الديموقراطية ,ليس بالضرورة أن تكون الديموقراطية على السياق الغربي في نظره.
وهواري بومدين الذي تزوج متأخرا سنة 1973 من محامية جزائرية السيدة أنيسة كان منهمكا من قبل ذلك في تأسيس الدولة الجزائرية حتى قال البعض أنه كان متزوجا الدولة.
ولا شك على الاطلاق أن الدولة الجزائرية الحديثة فيها الكثير الكثير من لمسات محمد بوخروبة المدعو هواري بومدين .

• سياسة بومدين الداخلية :

بعد أن تمكن هواري بومدين من ترتيب البيت الداخلي , شرع في تقوية الدولة على المستوى الداخلي وكانت أمامه ثلاث تحديات وهي الزراعة والصناعة والثقافة , فعلى مستوى الزراعة قام بومدين بتوزيع ألاف الهكتارات على الفلاحين الذين كان قد وفر لهم المساكن من خلال مشروع ألف قرية سكنية للفلاحين وأجهز على معظم البيوت القصديرية والأكواخ التي كان يقطنها الفلاحون , وأمدّ الفلاحين بكل الوسائل والامكانات التي كانوا يحتاجون اليها .
وقد ازدهر القطاع الزراعي في عهد هواري بومدين واسترجعت حيويتها التي كانت عليها اياّم الاستعمار الفرنسي عندما كانت الجزائر المحتلة تصدّر ثمانين بالمائة من الحبوب الى كل أوروبا . وكانت ثورة بومدين الزراعية خاضعة لاستراتيجية دقيقة بدأت بالحفاظ على الأراضي الزراعية المتوفرة وذلك بوقف التصحر واقامة حواجز كثيفة من الأشجار الخضراء بين المناطق الصحراوية والمناطق الصالحة للزراعة وقد أوكلت هذه المهمة الى الشباب الجزائريين الذين كانوا يقومون بخدمة العلم الجزائري .
وعلى صعيد الصناعات الثقيلة قام هواري بومدين بانشاء مئات المصانع الثقيلة والتي كان خبراء من دول المحور الاشتراكي يساهمون في بنائها , ومن القطاعات التي حظيت باهتمامه قطاع الطاقة , ومعروف أن فرنسا كانت تحتكر انتاج النفط الجزائري وتسويقه الى أن قام هواري بومدين بتأميم المحروقات الأمر الذي انتهى بتوتير العلاقات الفرنسية –الجزائرية , وقد أدى تأميم المحوقات الى توفير سيولة نادرة للجزائر ساهمت في دعم بقية القطاعات الصناعية والزراعية . وفي سنة 1972 كان هواري بومدين يقول أن الجزائر ستخرج بشكل كامل من دائرة التخلف وستصبح يابان العالم العربي .
وبالتوازي مع سياسة التنمية قام هواري بومدين بوضع ركائز الدولة الجزائرية وذلك من خلال وضع دستور وميثاق للدولة وساهمت القواعد الجماهيرية في اثراء الدستور والميثاق اللذين جاء ليكرسّا الخطاب الأحادي الديماغوجي للسلطة الجزائرية .

معركة التعريب :

أعتبرت فرنسا الجزائر مقاطعة فرنسية وراء البحر اعتبارا من عام 1884 طبقا لقرار الجمعية الوطنية الفرنسية –البرلمان – وعليه فانّ سكان الجزائر اعتبروا فرنسيين منذ ذلك التاريخ , ولكن الصحيح أن فرنسا أعتبرت الجزائر فرنسية منذ 1830 تاريخ وصول قواتها الى الشواطئ الجزائرية واحتلالها الجزائر .
وقد قامت السلطة الفرنسية بعملية احصاء واسعة لسكان الجزائر وسجلت أسماءهم وأوجدت للجزائريين أسماء جديدة , وهو ما أعتبر ذروة العمل على مسخ الشخصية الجزائرية ذلك أن بعض الأسماء المحذوفة كانت عربية والجديدة غريبة النكهة والكثير منها مشتق من أسماء الحيوانات وهذا ما يفسّر غرابة بعض الأسماء في الجزائر وكانت فرنسا تختار ماهبّ ودبّ من الألقاب والتي كانت مستهجنة من قبيل التيس والعتروس وغيرها من أسماء الأنعام . وقامت فرنسا بمنح الجزائريين بطاقات هوية تصفهم كفرنسيين مسلمين وذلك تمييزا لهم عن باقي الأوروبيين الذين حصلوا على الجنسية الفرنسية , كما منحت السلطات الفرنسية جنسيتها لليهود الجزائريين الذين كانوا يتعاونون مع السلطات الاستعمارية وكوفئوا بنقلهم الى فرنسا غداة الاستقلال الجزائري .
وبالتوازي مع فرنسة الهوية قامت السلطات الفرنسية بالغاء التعليم الأصلي العربي وفرضت اللغة الفرنسية في المعاهد التعليمية والادارة اتماما لدمج الشعب الجزائري في المنظومة الفرنسية .
ولولا المجهودات التي بذلها الاصلاحيون في الجزائر وبعدهم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في استرجاع الهوية وتكريس عروبة واسلامية الجزائر لأستكملت فرنسا كل خطوات المسخ .
وقد أدركت القيادة الفتية التي تولت زمام الأمور في الجزائر بعد الاستقلال فظاعة تغييب اللغة العربية فتقدم مجموعة من أعضاء المجلس التأسيسي –البرلمان –بمشروع لفرض التعريب و جاء في مذكرتهم مايلي :
منذ تأسيس الحكومة الفتية واجتماع المجلس الوطني التأسيسي وقع الكلام كثيرا عن التعريب , ومع أنّه قد مرّ على ذلك نحو ستة أشهر فاننا لم نشاهد أي أثر للتعريب سوى شيئ ضئيل .
انّ الأغلبية الساحقة من الشعب الجزائري تريد التعريب , لأنّ اللغة العربية هي اللغة القومية ومع ذلك ما تزال تعيش على الهامش كلغة أجنبية في وطنها والشواهد على ذلك كثيرة لا تحصى . فالادارات الحكومية لا تعترف ولا تقبل ما يقدم لها باللغة العربية من طلبات وشكاوى ووثائق , وتجبر المواطنين على تقديمها باللغة الفرنسية ومن الأمثلة على ذلك أن بعض عوائل الشهداء قدموا من شمال قسنطينة للسكن في الجزائر العاصمة وقدموا شهادات مكتوبة باللغة العربية الى بعض الدوائر الرسمية تثبت أنهم من عوائل الشهداء بحق ليتمكنوا من حقهم فما كان من هذه الادارة الاّ أن رفضت معاملتهم ولم تعترف بها, لا لسبب الاّ أنّها مكتوبة باللغة العربية وعليهم أن يقدموها باللغة الفرنسية . وقد كان من واجب البلدية وغيرها من الادارات الرسمية أن توظف من يحسن اللغة العربية لمثل هذه المهمة ليسهل على الشعب قضاء مأربه وتقديم شكاويه بلغته الوطنية والطبيعية , ولا تكلفه مالا يطيق . وحتى لا يشعر الشعب الذي ضحّى من أجل عزته القوية بالنفس والنفيس أنّ لغته ماتزال كشأنها من قبل غريبة وحتى لا يشعر هذا الشعب – من بقاء سيطرة اللغة الفرنسية – أنّ الهيمنة ماتزال ممثلة في سيطرة لغة المستعمر وأن الاعتذار بالصعوبات التي تحول دون تعريب الادارات أو ادخال اللغة العربية اليها غير مقبول .

أولا : لأنّ المسألة قومية ولا يمكن التساهل فيها .

ثانيا : لأننا في عهد الثورة – رغم الظروف الحربية القاسية ورغم فقدان الوسائل من ألات كاتبة ومن كتّاب يحسنون اللغة العربية – كنّا نشاهد أن قادة الثورة يقبلون كل التقارير الواردة اليهم باللغة العربية والفرنسية وتغلبوا على كل الصعوبات التي اعترضتهم بفضل العزيمة الصادقة والارادة الثورية الجبارة , فكيف نعجز في السلم تحقيق ما حققناه وقت الحرب ومن أجل هذا ونظرا لكون الجزائر اليوم دولة مستقلة ذات سيادة , ونظرا لكون الشعب الجزائري شعبا عربيا والوطن الجزائري وطنا عربيا حاول الاستعمار طيلة فترة وجوده بأرضنا مسخ الشعب وفرنسة الوطن تنفيذا لقوانين الحكومة الفرنسية الزاعمة بأن الجزائر ولاية فرنسية , فلم تستطع فرنسا فعل ذلك .
وتنفيذا لارادة الشعب الصارمة التي صارعت الادارة الاستعمارية بالمقاومة السلبية والايجابية وتماشيّا مع تصريحات رئيس الحكومة أحمد بن بلة الذي قال : نحن عرب , نحن عرب , نحن عرب ثلاث مرات ,ونظرا للتصريحات الصادرة عن مختلف الشخصيات الرسمية المسؤولة في الحزب والحكومة واستجابة للرغبات الصادرة عن الشعب كل يوم وبمختلف طبقاته نقترح :

أولا : المبادرة بالاعلان الرسمي من المجلس الوطني بأنّ اللغة العربية هي اللغة القومية الرسمية ذات الدرجة الأولى في الجزائر المستقلة , ويجب أن تحتل مكانها الصحيح وتتمتع بجميع حقوقها وامتيازاتها .
ثانيا : يجب أن يعم تعليمها بأسرع ما يمكن جميع دواليب الدولة الجزائرية التنفيذية والتشريعية والادارية
ثالثا : يجب المبادرة بتعريب كوادر وزارة التربية الوطنية ووضع برنامج سريع لتعريب التعليم وتعميمه , لأنّ التعليم عليه المعوّل في تكوين كوادر المستقبل وعلى وزير التربية أن يقوم بما يلي :

-تأسيس معهد وطني للتعريب في الحال ويقوم هذا المعهد بمايلي :
- وضع مجموع قواعد عملية تستخدمها الادارات .
- وضع كتب مدرسية أساسية لتعليم اللغة العربية في مختلف المراحل التربوبية من التعليم الابتدائ والى الجامعة .
- الحرص على تزكية التعليم التربوي للغة العربية , ونتيجة لذلك يجب أن تصدر الجريدة الرسمية باللغة العربية ويجب تحسين حالة الترجمة وتعميمها ويجب تعريب البريد وكل الوزارات .
وفوق هذا وذاك يجب تعريب الشوارع والأزقّة , اذ مازالت الشوارع تحمل أسماء : بيجو , سانت أرنو , كلوزيل وأورليان وكافينياك ودارمون وغيرها .
توقيع السادة النواب التالية أسماؤهم : عمار قليل , مسعود خليلي , عبد الرحمان زياري , محمد الشريف بوقادوم , عمار رمضان , يوسف بن خروف , بلقاسم بناني , بشير براعي , محمد الصغير قارة , بوعلام بن حمودة , زهرة بيطاط , محمد بونعامة , علي علية , سعيد حشاش , محمد بلاشية , اسماعيل مخناشة , عمار أوعمران , محمد خير الدين , محمد عزيل , عبد الرحمان بن سالم , رابح بلوصيف , عبد الرحمان فارس , أحمد زمرلين , صالح مبروكين , مصطفى قرطاس , الصادق باتل , دراجي رقاعي , محمد عمادة , أحسن محيوز , سليمان بركات , مختار بوبيزم ,ونوّاب أخرون .

وبصراحة فان مطالبة هؤلاء النواب بالتعريب انتهت بالفشل الذريع لأنّ الحكومة الفتية كانت تتذرع بالصعوبات التي تلاقيها في هذا المجال , وابطاء القيمّين على صناعة القرار في عهد أحمد بن بلة في اقرار قانون التعريب ولدّ بداية التصدع في الجزائر بين التيار الفرانكفوني والتيار العروبي .
وقد أدرك هواري بومدين أهمية التعريب فقرر جعله على رأس الثورة الثقافية التي راح يبشر بها بالتوازي مع الثورة الزراعية والصناعية , وقد سمحت له خلفيته العروبية وعداؤه لفرنسا التي كان يقول عنها بيننا وبين فرنسا جبال من الجماجم وأنهار من الدماء , تفهم أهمية التعريب وضرورته خصوصا وقد كان من المتحمسين لعروبة الجزائر .
وشرع قطاع التربية في عهده بمحو الأمية باللغة العربية في مختلف مؤسسات الدولة وقطاعاتها , كما تقررّ تعريب العلوم الانسانية في الجامعة الجزائرية .
لكن عندما بدأ التعريب يأخذ مجراه شيئا فشيئا كانت الجامعة الجزائرية قد خرجت أفواجا من الطلبة الذين درسوا باللغة الفرنسية فقط والذين أصبحوا أساتذة في الجامعات أو تولوا مهمات أخرى في دوائر الدولة وعمل الكثير من هؤلاء على عرقلة التعريب , وكثيرا ماكانت الجامعات الجزائرية تشهد صراعات حادة بين دعاة التعريب ودعاة الفرنسة .
ومازالت قضية التعريب في الجزائر من أهم المسائل الشائكة التي لم يحسم أمرها وكانت نتيجة غضّ النظر عن التعريب لأسباب يطول شرحها أن أنقسم المجتمع الجزائري الى معسكرين معسكر الأغلبية الذي يقف مع التعريب وصيانة الهوية ومعسكر الأقلية الفرانكفوني .

علاقات الجزائر الدولية :

اجمالا كانت علاقة الجزائر بكل الدول وخصوصا دول المحور الاشتراكي حسنة للغاية عدا العلاقة بفرنسا والجار المغربي الذي كان مستاءا من تبنيّ هواري بومدين لجبهة
البوليساريو .
فاقدام هواري بومدين على تأميم قطاع المحروقات أدىّ الى توتر العلاقات الجزائرية –الفرنسية , حيث قاطعت فرنسا شراء النفط الجزائري وكانت تسميه :البترول الأحمر .
والمغرب كان يرى أن الجزائر وبحكم طبيعتها الايديولوجية الثورية وتحالفها مع عبد الناصر قد تشكل خطرا على المغرب وقد تمد يدها للمعارضة الوطنية المغربية وبالتالي قد تهدد العرش العلوي في الرباط , كما أن الثوار الجزائريين كانوا يعتبرون المغرب محسوبا على المحور الغربي , وكان بن بلة يتهم دوائر في الرباط بأنها كانت وراء الوشاية به عندما غادر المغرب متوجها الى تونس عبر طائرة مغربية مدنية وأجبرت الطائرات الحربية الفرنسية الطائرة التي كانت تقله بالهبوط في مطار الجزائر العاصمة وفي عهد بن بلة وهواري بومدين كانت الجزائر في واد والمغرب في واد أخر كما كان يقول العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني .
وأهم ماميزّ العلاقات الجزائرية –المغربية في عهد هواري بومدين هو ظهور جبهة البوليساريو كمنظمة ثورية تريد تحرير الصحراء الغربية من أطماع الحسن الثاني , ومعروف أن الجزائر ساهمت في انشاء جبهة البوليساريو وأمدتها بالسلاح والمال وظلت العلاقات الجزائرية –المغربية متوترة الى أن قام الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد باعادة العلاقة مع المغرب بعد وساطة قام بها العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز في سنة 1986 .

بداية الانهيار :

أصيب هواري بومدين صاحب شعار " بناء دولة لا تزول بزوال الرجال " بمرض استعصى علاجه وقلّ شبيهه , وفي بداية الأمر ظن الأطباء أنّه مصاب بسرطان المثانة , غير أن التحاليل الطبية فندّت هذا الادعّاء وذهب طبيب سويدي الى القول أن هواري بومدين أصيب بمرض " والدن ستروم " وكان هذا الطبيب هو نفسه مكتشف المرض وجاء الى الجزائر خصيصا لمعالجة بومدين , وتأكدّ أنّ بومدين ليس مصابا بهذا الداء الذي من أعراضه تجلط الدم في المخ .
أستمرّ بومدين يهزل ويهزل وتوجه الى الاتحاد السوفياتي سابقا لتلقّي العلاج فعجز الأطباء عن مداوته فعاد الى الجزائر .وقد ذكر مهندس التصنيع في الجزائر في عهد هواري بومدين بلعيد عبد السلام أن هواري بومدين تلقى رسالة من ملك المغرب الحسن الثاني جاء فيها اذا لم نلتق مطلع العام فاننا لن نلتقيّ أبدا , وقد سئل مدير الاستخبارات العسكرية قاصدي مرباح عن هذه الرسالة فأجاب : أنّه يجهل وصولها أساسا باعتباره
-كما قال – كنت أنا الذي يضمن الاتصالات مع المغرب باستثناء مرة واحدة ذهب فيها الدكتور أحمد طالب الابراهيمي الى المغرب في اطار قضية الصحراء الغربية وقد يكون هو الذي جاء بهذه الرسالة .
وقد انتشرت في الجزائر شائعات كثيرة حول موت هواري بومدين وسط غياب الرواية الحقيقية وصمت الذين عاصروا هواري بومدين وكانوا من أقرب الناس اليه , علما أن هواري بومدين لم يعرف له صديق حميم ومقرب عدا صديقه شابو الذي توفي في وقت سابق وبقي بومدين بدون صديق .
ومن الشائعات التي راجت في الجزائر أن هواري بومدين شرب لبنا مسموما , حيث كان يدمن شرب اللبن وهذا السم أستقدم من تل أبيب . وقيل أيضا أنّ العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني كان على علم باختفائه قريبا عن المشهد الدنيوي وقيل أن المخابرات الأمريكية كانت مستاءة منه جملة وتفصيلا وقد ساهمت في اغتياله , وقيل أيضا أنه أصيب برصاصة في رأسه في محاولة اغتيال في ثكنة عسكرية .
و كانت مجلة العالم السياسي الجزائرية والتي توقفت عن الصدور قد نشرت ملفا كاملا بعنوان : الرواية الكاملة لاغتيال هواري بومدين , وقد أفادت هذه الرواية أنه تمّت تصفيته من قبل الموساد عن طريق التسميم , لكن الرواية لم تكشف هوية من أوصل السمّ الى مائدة هواري بومدين في مقر سكنه الرئاسي !!
ومهما كثرت الروايات حول وفاة هواري بومدين فانّ الجزائر خسرت الكثير الكثير بغياب هذا الرجل المفاجئ الذي كان يحلم أن يجعل الجزائر يابان العالم العربي .
وقد مات هواري بومدين في صباح الأربعاء 27 كانون الأول – ديسمبر – 1978 على الساعة الثالثة وثلاثون دقيقة فجرا .
وكانت الفاجعة كبيرة على الجزائريين الذين خرجوا في حشود جماهيرية وهم يرددون:
انّا لله واناّ اليه راجعون , وبموت هواري بومدين كانت الجزائر تتهيأ لدخول مرحلة جديدة تختلف جملة وتفصيلا عن الحقبة البومدينية , وسوف يفتقد الجزائريون في عهد الشاذلي بن جديد الى الكرامة والعزة التي تمتعوا بها في عهد هواري بومدين .
مات الرجل الفلاح ابن الفلاح ولم يترك أي ثروة , فحسابه في البنك كان شاغرا , كما أنّ أقرباءه ظلوا على حالهم يقطنون في نفس بيوتهم في مدينة قالمة .
مات هواري بومدين وماتت معه أحلام الجزائر , وبموته بدأت السفينة الجزائرية تنعطف في غير المسار الذي رسمه للجزائر هواري بومدين .
لقد كان هواري بومدين يقول : الذي يرغب في الثورة عليه أن يترك الثروة , وفي عهد الشاذلي بن جديد العقيد الخجول القادم من مدينة وهران أنتصر أهل الثروة على أهل الثورة فتاهت الجزائر !!


http://www.arabtimes.com/mixed3/doc77.html

الجزائر في عهد الشاذلي بن جديد

الشاذلي بن جديد : البراغماتي الاصلاحي

بعد وفاة هواري بومدين في كانون الأول- ديسمبر- 1978 تولّى رئاسة الدولة رئيس مجلس الشعب –البرلمان – رابح بيطاط , ذلك أنّ الدستور الجزائري نصّ على أنّه في حالة وفاة رئيس الدولة يتولى رئيس البرلمان رئاسة الجمهورية لمدّة خمسة وأربعين يوما , يتم اختيار رئيس للجمهورية . وكان الوصول الى الرئاسة في الجزائر يتمّ بعد تزكية من المؤسسة العسكرية حيث نجح هواري بومدين في بناء مؤسسة عسكرية متينة أصبحت صاحبة الفصل في كل صغيرة وكبيرة , بل يمكن القول أنّ النظام السياسي أصبح هو الجيش والجيش هو النظام السياسي .
و الرئيس هواري بومدين كان رئيسا للدولة ورئيسا لمجلس قيادة الثورة ورئيس الوزراء ووزيرا للدفاع في نفس الوقت , وبالاضافة الى تقوية دور المؤسسة العسكرية فانّ هواري بومدين عمل على تقوية دور المخابرات العسكرية التي كانت ولاتزال من أهم وأبرز الأجهزة النافذة في الجزائر , وفي عهد هواري بومدين كان جهاز المخابرات العسكرية شديد الفعالية وكانت له نشاطات في الجزائر وخارجها . فجهاز المخابرات العسكرية في عهد هواري بومدين تمكنّ من سحق كل المعارضات في المهد , كما تمكنّ هذا الجهاز من الاطاحة بنظام معاوية ولد داده في موريتانيا عندما وقف هذا الأخير الى جانب المغرب في قضية الصحراء الغربية .
وكان المرور الى الرئاسة في الجزائر يقتضي بحصول المرشح على دعم المؤسسة العسكرية وجهاز الاستخبارات العسكرية . وقبل نهاية ولاية رابح بيطاط احتدم الصراع بين شخصيات في جبهة التحرير الوطني والمؤسسة العسكرية حول الرئيس المرتقب .
لكن من يملك مواصفات هواري بومدين !
كان التنافس قائما على أشدّه بين محمد الصالح يحياوي أحد قادة حزب جبهة التحرير الوطني وعبد العزيز بوتفليقة رئيس الديبلوماسية الجزائرية في عهد هواري بومدين , وكلا المتنافسين لم يكونا يملكان أسهما داخل المؤسسة العسكرية , كما لم يكونا من أصحاب البزّات العسكرية .
وبينما كان البعض يضرب أخماسا في أسداس بشأن الرئيس المنتظر , فوجئ الجميع بأنّ الرئيس المنتظر هو العقيد الشاذلي بن جديد مسؤول ناحية الغرب العسكرية , وكان ملايين الجزائريين يسمعون باسم الشاذلي بن جديد لأول مرّة الذي قضّىمعظم وقته داخل الثكنات العسكرية .
وقد ساهمت المؤسسة العسكرية في ترجيح الكفة لصالح الشاذلي بن جديد , كما أن قاصدي مرباح مدير جهاز الاستخبارات العسكرية دعم الشاذلي بن جديد , وكوفئ في وقت لاحق بتعيينه رئيسا للحكومة قبل أن يساهم ذوو النفوذ في المؤسسة العسكرية في الاطاحة به وتأليب الشاذلي عليه في حملة استهدفت العناصر البومدينية في مراكز الجيش والدولة .


لم يسبق للعقيد الشاذلي بن جديد أن مارس عملا سياسيّا , وأقصى ما عرف عنه عقب انتخابه رئيسا أنّه كان ضابطا في جيش التحرير الوطني , ولم يكن له دور كبير أثناء الثورة الجزائرية , وبعد الاستقلال واصل عمله في السلك العسكري الى أن تمت ترقيته الى رتبة عقيد , كما أنّ المعلومات القليلة التي كانت متوفرة عن الشاذلي بن جديد أفادت بأنّه كانت لديه ممتلكات في مدينة وهران احدى مدن الغرب الجزائري .
وقيل ساعتها أنّ أصحاب الحلّ والعقد في الجزائر اختاروا الشاذلي بن جديد شخصيا لاستغلال بساطته وتحريكه في الوجهة التي يريدونها , وقد تميزت بداية عهده بصعود نجم بعض الضبّاط الذين لا يؤمنون كثيرا بالخط البومدييني ويميلون الى المحور الغربي أكثر منه للمحور الاشتراكي الذي كان بومدين حريصا على مدّ جسور التواصل معه .
وفي الاجتماع الاستثنائ لحزب جبهة التحرير الوطني تمّ انتخاب الشاذلي بن جديد بالاجماع , فأصبح بذلك ثالث رئيس للجزائر بعد أحمد بن بلة وهواري بومدين , وبالاضافة الى أنّه أصبح رئيسا فقد كان يتولى وزارة الدفاع والأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني , وهذه المراكز العليا والمناصب الفوقية التي كان يتمتع بها الشاذلي بن جديد لا تعني أنّه كان صاحب السطوة والحل والربط , لأن أصحاب الحل والربط الحقيقيين يكرهون الأضواء ويعتبرون الخروج الى الشمس بمثابة زوال قوتهم ومصالحهم وهم لايريدونها أن تنتهيّ .
وبمجرد تعيينه رئيسا للدولة قال العارفون بالبيت الجزائري أنّه بين البومديينية والشاذلية كبين موسكو وواشنطن أثناء الحرب الباردة , وقد قرر بن جديد و أصحاب النفوذ الجدد الذين كانوا خلفه أن ينعطفوا بسفينة الجزائر بنسبة 180 درجة لتصير في مسار مناقض عما كانت عليه مسار السفينة الجزائرية في عهد هواري بومدين .
وقد كان الشاذلي ضعيفا أمام مراكز القوة و أهل الحل والربط داخل المؤسسة العسكرية , وقد أعترف أنه حاول مرارا الفرار من هذا المنصب الرئاسي الذي لم يخلق له والذي دفع اليه دفعا .
والشاذلي الذي كان بعيدا عن الجزائر العاصمة مركز الثقل في لعبة الحكم , وجد غداة انتقاله الى الجزائر العاصمة ليقود الدولة صعوبة في التأقلم مع الأجواء المشحونة التي خلفها رحيل هواري بومدين . وبحكم خلفيته البورجوازية وقربه من الغرب قررّ وبدعم من اللاعبين الجدد تدشين بداية الطلاق بين الجزائر وايديولوجيتها السابقة .
وكانت خزينة الدولة الجزائرية في بداية عهد الشاذلي بن جديد تضم حوالي ملياري دولار أمريكي والديون لم تكن بحجم 26 مليار دولار والتي تراكمت في عهد الشاذلي بن جديد
فقرر الشاذلي وبطانته صرف الكثير من هذه الأموال على مشروع من أجل حياة أفضل وذلك من خلال استيراد الكماليات والمطربين والمطربات لايهام الشباب الجزائري بأن مرحلة الايديولوجيا ولّت وجاءت حياة مغايرة فيها الكثير من نكهة الغرب , والحقيقة التي
بات يعيها كل الجزائريين أنّ هذا المشروع الذي استهلّ به الشاذلي ولايته عاد بالنفع الكبير على مجموعة من ذوي النفوذ الذين جمعوا مال قارون ودمجوا بين السلطة والمال وهم الذين أطلق عليهم الرئيس المغتال محمد بوضياف اسم المافيا في وقت لاحق وهم الذين افترقوا عن خط الثورة وفضلوا خط الثروة .
ولم يكن هناك أدنى تحسب لطارئ انخفاض أسعار النفط , حيث يشكل النفط والغاز في الجزائر أهم مصدرين للمداخيل الجزائرية بالعملة الصعبة . و غير تبديد خزينة الدولة الجزائرية , فانّ المرحلة الشاذلية شكلّت بداية القطيعة مع المنجزات التي تحققت في عهد هواري بومدين , فمشروع الثورة الزراعية تبددّ ومشروع التصنيع انتهى الى طريق مسدود والثورة الثقافية تمّ الاستعاضة عنها بثورة الراي وثقافة الفن المتعفّن, وخصوصا عندما أصبح أصحاب الثقافة الفرانكفونية في مواقع القرار الذين ألغوا مشروع التعريب بجرّة قلم.
لقد قررّ الشاذلي بن جديد أن يخوض معركة الانفتاح على الغرب , لكنّ ذلك ماكان ليتمّ بدون اعادة ترتيب البيت السياسي والقضاء على الامتداد البومدييني في المؤسسة العسكرية ودوائر القرار , وبهذا الشكل وجد رجالات هواري بومدين أنفسهم على الهامش و أحيلوا الى التقاعد قبل حلول السنّ القانونية كبلعيد عبد السلام وعبد العزيز بوتفليقة وغيرهما . ومثلما قام الشاذلي ومن يخططّ له بتقليم أظافر المحسوبين على هواري بومدين
فقد قام أيضا بالغاء مشاريع بومدين الكبيرة , فقد أرجع الأراضي المؤممة الى أصحابها , وأرخى العنان للقطاع الخاص , وبدل مشروع التصنيع قررّ الشاذلي بن جديد استيراد حاجيات الجزائر من عواصم الغرب وبهذا الشكل تسنى للسماسرة أن يدخلوا على الخط ويحققوا أحلام العمر .
وفي سابقة هي الأولى من نوعها قام الشاذلي بن جديد بزيارة باريس – عاصمة العدو الفرنسي –وخالف بذلك بروتوكولا جزائريا غير مدوّن سنّه أسلافه ويقضي باستحالة قيام رئيس الجزائر بزيارة الى فرنسا التي قال عنها بومدين يوما : بيننا وبين فرنسا جبال من الجبال وأنهار من الدماء .
وقد نقل عن الشاذلي بن جديد لدى قيامه بزيارة الى واشنطن قوله : لقد عرفت أين تكمن مصلحة الجزائر ! وهذه النقلة النوعية في المسار السياسي الجزائري والتي تمّت على يد الشاذلي بن جديد فسّرت على أن موسكو قد خسرت أخر مواقعها في الشمال الافريقي , ذلك أنّ تونس كانت محسوبة على باريس مع وجود الحبيب بورقيبة والمغرب بوجود الحسن الثاني كان لها شهرا عسل الأول مع باريس والثاني مع واشنطن ,و الجزائر التي طلقت المسار الاشتراكي والتي عاد فيها الفرانكفونيون بقوة الى دوائر الحكم بات واضحا أنها اختارت الضفة الشمالية باتجاه الغرب .
وفي وقت قياسي أختفى عن المشهد السياسي الجزائري كل الذين كان يعتمد عليهم بومدين في حكمه من قبيل : بلعيد عبد السلام ومحمد صالح يحياوي وبلعيد عبد السلام وعبد العزيز بوتفليقة وبن شريف وغيرهم .
وعلى صعيد المؤسسة العسكرية أجرى الشاذلي بن جديد سلسلة تغييرات أزاح بموجبها كل المحسوبين على التيار البومدييني وأحالهم الى التقاعد , وتقدمّ الى الواجهة ما يعرف في الجزائر بضبّاط فرنسا وهم الضباط الجزائريون الذين كانوا في صفوف الجيش الفرنسي وألتحقوا بصفوف الثورة الجزائرية في أواخر أيامها كخالد نزار وعبّاس غزيل ومحمد العماري وعبد المالك قنايزية وغيرهم , وكلهم أصبحوا جنرالات في عهد الشاذلي بن جديد . و أحد الذين كانوا محسوبين على ضباط فرنسا اللواء العربي بلخير أصبح في عهد الشاذلي غولا يخشى جانبه كثيرون , كما أصبح أمين الرئاسة الجزائرية أي الباب الموصل الى الشاذلي بن جديد .
وعندما كان الشاذلي يعمل على انهاء الوجود البومدييني , كانت الحركة الاسلامية الجزائرية تتأهبّ للخروج من الكواليس والى الخشبة , وهذا التزامن بين بداية اختفاء تيار وبداية بروز أخر جعل بعض المحللين يشبّهون هذا المشهد بأخر مماثل في مصر عندما عمل الرئيس المصري محمد أنور السادات على انهاء الوجود الناصري مقابل السماح للاخوان المسلمين بالظهور على الخشبة السياسية .
وكانت الحركة الاسلامية الجزائرية ترى في هواري بومدين رجلا يساريّا شيوعيا يتعامل مع عواصم الالحاد , وقد كان شيوخ هذه الحركة من قبيل الشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ أحمد سحنون على خلاف دائم مع هواري بومدين .
وبين 1980والى 1984 كان الشاذلي يعمل على اعادة رسم خارطة سياسية جديدة للجزائر , وأستغلّ العديد من أركان النظام الجديد الواقع الجديد فأثروا ثراءا فاحشا وقد أوجدت هذه الحقبة 6000 ملياردير أغلبهم من أركان النظام والمؤسسة العسكرية .
وبعد اعادة ترميم العلاقات الجزائرية مع الغرب بات شغل الشاذلي الشاغل هو في كيفية التحول الى اللبيرالية في أقرب وقت .
وهذا الاضطراب بين الرأسمالية والاشتراكية , رأسمالية أهل النفوذ واشتراكية الرعية , ونفاذ أموال خزينة الدولة الجزائرية أدى الى بداية تراكم الديون ومستحقاتها , ومع انخفاض سعر النفط بدأت الأزمة الاقتصادية الخانقة تطرق أبواب الجزائر والذي ساهم في تعميقها ترك الانتاج والتعويل فقط على الاستهلاك وترتبّ عن ذلك أزمة تضخم وارتفاع عدد البطالين وافلاس القطاع العام .
وبدأت الحركة الاسلامية تخرج من قمقمها ,كما بدأ التيار البربري يستعد هو الأخر لرفع ألويته , وبدأت العلامات الأولى للزلزال الجزائري ترتسم في الأفق لكن الرسميين في الجزائر كانوا يفضلون أغاني الراي على تحذيرات الاستراتجيين والمحللين !!


بروز التيّار الاسلامي


في 12 تشرين الثاني –نوفمبر- 1982 دعت الحركة الاسلامية الجزائرية الى تجمع ضخم في الجامعة المركزية في الجزائر العاصمة , وضمّ التجمع ألاف المعتصمين من الاسلاميين الذين طالبوا رئيس الدولة الشاذلي بن جديد برفع الظلم عنهم وتحصين المجتمع الجزائري من افرازات الغزو الثقافي الغربي .
وكان أحد الصحافيين الغربيين قد كتب تقريرا سنة 1981 جاء فيه : … قريبا ستصبح المساجد هي الصناعة الأولى في البلاد , وهي تنبت في كل مكان .
وفي تلك الفترة أي في سنة 1982 زار جورج بوش الجزائر عندما كان مديرا للمخابرات المركزية الأمريكية , وألقى محاضرة في كلية الشرطة في منطقة الأبيار جاء فيها أنّ الخطر الذي يهدّد الجزائر يكمن في التيار الأصولي وليبيا .
وقد طالب المجتمعون في الجامعة المركزية والذين كان على رأسهم الشيوخ أحمد سحنون , عبد اللطيف سلطاني , والدكتور عباسي مدني السلطة بوقف الاعتقالات العشوائيّة التي يتعرض لها الطلبة الاسلاميون في الجامعات الجزائرية , كما طالب المجتمعون بالاسراع الفوري في تصحيح المسار السياسي وذلك بالقضاء على نفوذ المحسوبين على الثقافة الفرنسية داخل النظام وردّ الاعتبار للثقافة الاسلامية والعربيّة . وقد نددّ الاسلاميون بصرف أموال الشعب الجزائري في غير ما يعود بالنفع على الشعب الجزائري .
و أصدر سحنون وعبد اللطيف ومدني بيانا جاء فيه :
……. وتداركا لوقوع بلادنا بلاد المليون والنصف شهيد فيما ألت اليه النظم الأخرى كان لابدّ من التصدي لهذه المؤامرة بتطهير أجهزة الدولة من العناصر العميلة وازالة الفساد في البلاد قبل فوات الأوان , ونظرا لخطورة الموقف فانّ التعاون المشترك بين العناصر الطيبة في الأمة أصبح أمرا لابدّ منه و أيّ تهرب من المسؤولية من أي طرف يعّد خيانة كبرى للاسلام والوطن ,و وجود هذا التعاون لا يتوفر في اعتقادنا الاّ في ظلّ العوددة الصادقة الى الاسلام لنلحّ على الاسراع في البتّ في القضايا التاليّة :
1- وجود عناصر في مختلف أجهزة الدولة معادية لديننا متورطة في خدمة عدونا الأساسي وعملية تنفيذ مخططاته الماكرة الأمر الذي ساعد على اشاعة الفاحشة وضياع المهام والمسؤوليات على الدولة وغيرها .
2- تعيين النساء والمشبوهين في سلك القضاء والشرطة وغياب حرية القضاء وعدم المساواة لهو هدم للعدالة ولا أمن ولا استقرار بدونها .
3- تعطيل حكم الله الذي كان نتيجة حتميّة للغزو الاستعماري واحتلاله للبلاد الذي لم يعد له مبررا اليوم بعد عشرين سنة من الاستقلال فلا بدّ من اقامة العدل بين الناس بتطبيق شرع الله , قال تعالى : و أنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط .
4- حرمان المواطن من حريته وتجريده من حقه في الأمن على نفسه ودينه و ماله وعرضه وحرمانه من حريّة التعبير لهو اعتداء على أهم حقوقه ومبررات التزامه بواجباته الشرعية والأخلاقيّة .
5- عدم توجيه تنميتنا الاقتصادية وجهة اسلامية رشيدة بازالة كل المعاملات غير الشرعية وعدم تيسير السبل الشرعية لاكتساب الرزق من زراعة وتجارة وتسوية بين الناس في فرص الاستفادة من خيرات البلاد بدون تمييز .
6- تفكيك الأسرة والعمل على انحلالها وارهاقها بالمعيشة الضنكة كانت سياسة بدأتها فرنسا وبقيت تمارس حتى اليوم بالاضافة الى محاولة وضعها على غير الشريعة الاسلامية تحت شعار نظام الأسرة .
7- الاختلاط المفروض في المؤسسات التربوية والادارية انعكست نتائجه السيئة على المردود التربوي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي .
8- الرشوة والفساد الممارسين في المؤسسات التربوية من المدرسة الى الجامعة والادارة وغيرها مرض بيروقراطي لا أخلاقي خطير لا يسلم مجتمع منه الاّ اذا نفضه عنه .
9- تشويه مفهوم الثقافة وحصره في المهرجانات الماجنة اللاأخلاقية عرقل النظام التربوي , وحال دون توصله الى ابراز المواهب والنبوغ والكفاءات التي تفتقر اليها البلاد للتخلص من الوضعية الثقافية المفروضة علينا .
10- ابعاد التربية الاسلامية وتفريغ الثقافة من المضمون الاسلامي زاد في تعميق الهوّة و استمراريتها .
11- الحملة المسعورة للاعلام الأجنبي والوطني لاستهداء الدولة على الدعوة والصحوة التي تهدد مصالح الدوائر الاستعمارية في بلادنا .
12- اطلاق سراح الذين أعتقلوا دفاعا عن أنفسهم ودينهم و كرامتهم .
13- فتح كل المساجد التي أغلقت في الأحياء الجامعيّة والثانويات والتكميليات والمؤسسات العمالية .
14- عقاب كل من يتعدى على كرامة عقيدتنا وأمتنا وشرعيتها وأخلاقها و الحدود الشرعية الاسلامية .هذه الأمور هزّت مشاعر أمتنا وحركت ضميرها وما وقفتها اليوم الاّ دليل على أنها مازالت تستحق كل اكبار وتقدير واحترام ,وهذه المواقف التي عرفها شعبنا كافية للتعبير عن نضجه الاعلامي ووعيه السياسي وهذه الخصال جديرة بأن تجعله في مستوى مسؤولية أمام الله والرسول والوطن , قال تعالى : باسم الله الرحمان الرحيم . والعصر انّ الانسان لفي خسر . الاّ الذين أمنوا وعملوا الصالحات . وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .
توقيع : أحمد سحنون – عبد اللطيف سلطاني – عباسي مدني .
وكان هذا البيان ايذانا بميلاد الحركة الاسلامية الجزائرية المنظمّة والمهيكلة , والتي ستصير في وقت لاحق أعقد معادلة سياسية في الجزائر .

مطالب البربر :

في بداية الثمانينيات اندلعت في منطقة تيزي وزو البربرية مواجهات عنيفة بين مجموعة من المتظاهرين وقوات الأمن الجزائرية , ولم تكن للمتظاهرين البربر مطالب سياسية , بل طالبوا بأحقيّة الثقافة الأمازيغية – البربرية – في الوجود , وأطلق على هذا الحدث اسم الربيع البربري , فلأول مرة في تاريخ الجزائر تطالب شريحة من المثقفين البربر ومن خلال العنف بردّ الاعتبار للثقافة الأمازيغية واعتبار اللغة الأمازيغية لغة رسميّة في الجزائر .
وكانت النخبة المثقفة البربرية ذات نفس عدائي للعروبة والاسلام , وتدعّي هذه النخبة أنّ الشعب الجزائري بربري له ثقافته الخاصة ولغته الخاصة أيضا والتي يجب تطويرها واحياؤها. ومن رموز الدعوة البربرية الكاتب البربري مولود معمّري الذي عينته فرنسا على رأس الأكاديمية البربرية في باريس , والدكتور سعيد سعدي الذي أصبح في وقت لاحق زعيما للتجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري وهو حزب يقوم على أساس عرقي ولغوي أيضا .
ويذهب الدكتور أحمد بن نعمان في كتابه : فرنسا والأطروحة البربرية في الجزائر , الى القول بأنّ فرنسا رعت الورقة البربرية للقضاء على مشروع التعريب الذي كانت ترى فيه فرنسا أهم هادم للفرانكفونية التي أقامت لها صرحا في الجزائر وبقية الدول المغاربية , وهذا التمكين للثقافة الأمازيغية ليس حبا لها بل لجعلها مجرّد مدخل الى تكريس اللغة الفرنسية .
ومنذ بروز الحركة البربرية والجامعات الجزائرية تعيش حالة صراع بين معسكري العروبة والاسلام ومعسكر الفرانكفونية والأمازيغية . وبعد اندلاع المواجهات في منطقة تيزي وزو التي تعتبر معقل الثقافة الأمازيغية , والورقة البربرية مطروحة بقوّة في دائرة الصراع السياسي والثقافي في الجزائر .

الأزمة الاقتصادية :

الثروة التي تركها هواري بومدين في خزينة الدولة صرفت جميعها في غير الوجهة التي تعود على الاقتصاد الجزائري بالنفع , وقد استفاد الكثير من من ذوي النفوذ من هذه الثروات فأسسوا شركات خاصة وتجمعات اقتصادية جبّارة كتجمع رياض الفتح الشهير الذي أثار بناؤه جدلا واسعا في صفوف الشعب الجزائري .
وفي عهد الشاذلي بن جديد برزت طبقة رأسمالية مزجت بين السلطة والمال , وأستفادت الى أقصى درجة من امتيازات النظام . و بعد أن تفاقمت الأزمة الاقتصادية أخذت السلطة الجزائرية تبحث عن مصادر للديون والقروض , وقد قام الشاذلي بن جديد في نيسان –أبريل – 1985 بأول زيارة الى الولايات المتحدة الأمريكية , فأستقبله الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بحفاوة نظرا لدور الجزائر في حلّ أزمة الرهائن الأمريكان في طهران , وبدأت العلاقات الأمريكية –الجزائرية تعرف طريقها الى التحسن . والأموال التي وصلت الى الجزائر من باريس وواشنطن وطوكيو لم تؤدّ الى انعاش الاقتصاد الجزائري , و وجدت الجزائر نفسها تقوم بايفاء فوائد الديون دون أصولها , وبدأت أزمة المديونية هي الأخرى تعصف بالجزائر الأمر الذي أدى الى افلاس المؤسسات التابعة للقطاع العام فأرتفعت معه حدّة البطالة .
وقبل 05 تشرين الأول – أكتوبر – 1988 تفاقمت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية وكانت النتيجة زلزال أكتوبر الشعبي , حيث تدفقّ الجزائريون الى الشوارع منددين بالنظام وفساده , وغادرت دبابات الجيش الجزائري الثكنات ودخلت في مواجهات مع الكتل البشرية الجائعة .
وقبل حدوث هذا الانفجار الشعبي وقع جدل كبير داخل جبهة التحرير الوطني بين المحافظين والاصلاحيين , وبلغ هذا الصراع ذروته عندما طالب الرئيس الجزائري في أيلول – سبتمبر – 1988 من الشعب الجزائري بالثورة على حاكميه ويبدو أنّه كان يريد التحرر من ضغوط مراكز القوة , ولم يمض أسبوعان حتى انفجر الشعب الجزائري في أعنف مواجهات دموية عرفتها الجزائر بعد الاستقلال !
و بدل أن يلجأ الشاذلي و فريقه من خلف الستار الى معالجة الأزمة من جذورها فقد فضلّ حلا تنفيسيا , ديموقراطية تنفيسية لم تصمد هي الأخرى في وجه المتناقضات الجزائرية .
خريف الغضب الجزائري في 05 تشرين الأول – أكتوبر – 1988 كان انطلاقة نحو مرحلة جديدة سوف يقودها الشاذلي بن جديد الذي تمكنّ من تهدئة الوضع العام بعد أن وعد باصلاحات سياسية جذرية . والى تاريخ خريف الغضب الجزائري كانت الجزائر تعيش في نطاق ديكتاتورية الحزب الواحد – حزب جبهة التحرير الوطني – الذي أصبح ممرا حتميا لكل هواة الثروة والمقاولات , فبالاضافة الى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضررّ منها الشعب الجزائري , كانت الأفواه مكممة والأفكار ملاحقة والمعتقلات حاشدة بأصحاب الرأي الأخر .
وعندما هدأت أحداث أكتوبر وعد الشاذلي بن جديد بتغيير الدستور الجزائري الذي وضعه هواري بومدين عام 1976 .
لكن قبل الاقدام على هذه الخطوة كان لابدّ على الشاذلي أن يقوم بابعاد الراديكاليين داخل حزب جبهة التحرير الوطني وحتى جهاز الاستخبارات العسكرية , ففي 29 تشرين الأول –أكتوبر – 1988 أبعد الشاذلي الرجل العتيد في حزب جبهة التحرير الوطني محمد شريف مساعديّة مسؤول الأمانة العامة في حزب جبهة التحرير الوطني , كما أقال مدير الاستخبارات العسكرية الأكحل عيّاط .
و في شباط –فبراير – 1989 صوتّ الشعب الجزائري لصالح الدستور الجزائري والذي أقرّ مبدأ التعددية السياسية والاعلاميّة . وفور المصادقة على الدستور الجديد والاقرار بمبدأ التعددية السياسية والحزبية , بدأ رموز المعارضة يعودون من الخارج كأحمد بن بلة وحسين أية أحمد , أما محمد بوضياف المقيم منذ ثلاثين سنة في منفاه الاختياري في مدينة القنيطرة في المغرب فقد شككّ في مصداقية الديموقراطية الشاذليّة ورفض العودة الى الجزائر .
أماّ قانون الأحزاب الجديد فقد نصّ على ما يلي :
- يجب على كل حزب أن يسعى للحفاظ على الاستقلال الوطني والوحدة الوطنية والنظام الجمهوري والقيم العربية والاسلامية والامتناع عن الممارسات الطائفية المخالفة للسلوك الجزائري , كما لا يسمح لأفراد الجيش الانخراط في العمل الحزبي , ويجب استخدام اللغة العربية في الممارسات الرسمية للحزب .
- أن يكون العضو المؤسس للحزب لم يسبق له سلوك مضاد لثورة التحرير الوطني ,وأن يكون مقيما بالتراب الوطني .
- لا يتجاوز حجم تبرعات الحزب في مجموعها 20 في المائة من حجم اشتراكات الأعضاء .
- وزير الداخلية له الحق في استصدار أمر قضائي بوقف نشاطات الحزب واغلاق مقاره وذلك اذا خرق الحزب المواد الدستورية وقوانين الجمهورية .


أماّ الدستور الجديد فقد نصّ على أنّ الاسلام هو دين الدولة وأنّ اللغة العربية هي اللغة الرسمية , وقد حددّ مهمة الجيش الجزائري في صون الاستقلال والدفاع عن السيادة .
كما نصّ الدستور على ضرورة الاحتكام الى صناديق الاقتراع كوسيلة محايدة لمعرفة حجم القوى السياسية في الاطار الديموقراطي .
وبعد هذه التغييرات الجذرية بدأت الأحزاب الجزائرية بالتشكّل ومنها الحركة من أجل الديموقراطية والجبهة الاسلامية للانقاذ وجبهة القوى الاشتراكية وقد تكاثرت هذه الأحزاب بشكل مدهش حتى بلغت ستين حزبا .
وفي أول انتخابات بلدية جرت في 12 حزيران –جوان –1990 فازت الجبهة الاسلامية للانقاذ , وكان ذلك ايذانا بميلاد هذه الجبهة التي ستكون الرقم الصعب في المعادلة الجزائرية ..
وبعد الانتخابات البلدية طالبت الجبهة الاسلامية للانقاذ باجراء انتخابات تشريعية وبررت ذلك بأنّه لا يمكن الحديث عن التعددية السياسية في ظل وجود برلمان أحادي حكر على حزب جبهة التحرير الوطني .
وقد وعد الشاذلي بن جديد بايصال الاصلاحات السياسية الى ذروتها , فقررّ أن تجرى انتخابات تشريعية في في 27 حزيران –جوان – 1991 , الاّ أنّ الانتخابات لم تجر في موعدها , بل عادت الجزائر أثناءها الى درجة الصفر أو ماقبله , حيث عادت الدبابات من جديد الى الشوارع الجزائرية و فرضت حالة الحصار العسكري , و أقيلت حكومة مولود حمروش , و أعتقل قادة الجبهة الاسلامية للانقاذ *


• راجع كتاب المؤلف أربعة أيّام ساخنة في الجزائر , وكتاب الحركة الاسلامية المسلحة في الجزائر لنفس المؤلف .
ومرّت العاصفة بسلام , اذ عاد الشاذلي بن جديد وحددّ موعدا أخر للانتخابات التشريعية في 26 كانون الأول –ديسمبر – 1991 , وأستعدّت الجبهة الاسلامية للانقاذ وبقية الأحزاب لخوض غمار المعركة الانتخابيّة .
وأنتصرت الجبهة الاسلامية للانقاذ مجددا و حصلت على 188 مقعدا في البرلمان وحلّ في المرتبة الثانية حزب جبهة التحرير الوطني وفي المرتبة الثالثة جبهة القوى الاشتراكية .
وقد استعدّت المؤسسة العسكرية لمصادرة هذه النتائج وحركّت فيلقها السياسي قبل العسكري , وتحركت جبهات اليسار والبربر والفرانكفونيين وطالبت بالغاء الانتخابات كما طالبوا الجيش الجزائري بالتدخل , وفي الأثناء اعتقد الشارع الجزائري أن الانتخابات ستتواصل وأن الدورة الثانية ستجرى في موعدها في 16 كانون الثاني – جانفي – 1992 , وكانت المفاجأة الكبرى عندما قدمّ الرئيس الجزائري استقالته تاركا الجزائر تغرق في أتون فتنة يشيب لها قلب الحليم وعقله , وقد جاء في استقالته ما يلي :
أيّها الاخوة ,أيّها الأخوات , أيها المواطنون لا شكّ أنكم تعلمون بأنني لم أكن راغبا في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية غداة وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين , وما قبولي بالترشح الاّ نزولا عند رغبة والحاح رفقائي ويومها لم أكن أجهل بأنّها مسؤلية ثقيلة وشرف عظيم في أن واحد . ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول القيام بمهامي بكل ما يمليه علىّ ضميري وواجبي , وكانت قناعتي أنّه يتعين تمكين الشعب الجزائري من الوسيلة التي يعبّر بواسطتها عن كامل ارادته لاسيما وأنّ هذا الشعب سبق له وأن دفع ثمنا باهظا من أجل استرجاع مكانته على الساحة الدولية , لذا فبمجرّد أن تهيأت الظروف عملت على فتح المسار الديموقراطي الضروري لتكملة مكتسبات الثورة التحريرية .
وها نحن اليوم نعيش ممارسة ديموقراطية تعددية تتسم بتجاوزات كثيرة وسط محيط تطبعه
تيارات جدّ متصارعة . وهكذا فانّ الاجراءات المتخذة والمناهج المطالب باستعمالها لتسوية مشاكلنا قد بلغت اليوم حدّا لا يمكن تجاوزه دون المساس الخطير والوشيك بالانسجام الوطني والحفاظ على النظام العام والوحدة الوطنية , و أما حجم هذا الخطر الداهم فانني أعتبر في قرارة نفسي وضميري بأنّ المبادرات المتخذة ليس بامكانها ضمان السلم والوفاق بين المواطنين في الوقت الراهن.
و أمام هذه المستجدات الخطيرة فكرت طويلا في الوضع المتأزّم و الحلول الممكنة وكانت النتيجة الوحيدة التي توصلت اليها هي أنّه لا يمكنني الاستمرار في الممارسة الكليّة لمهامي دون الاخلال بالعهد المقدّس الذي عاهدت به الأمة . ووعيا مني بمسؤولياتي في هذا الظرف التاريخي الذي يجتازه وطننا فانني أعتبر أنّ الحل الوحيد للأزمة الحالية يكمن في ضرورة انسحابي من الساحة السياسية .
و لهذا أيّها الاخوة , أيتها الأخوات , أيها المواطنون , فانني ابتداء من اليوم أتخلى عن مهام رئيس الجمهورية ,و أطلب من كل واحد ومن الجميع اعتبار هذا القرار تضحية مني في سبيل المصلحة العليا للأمة .
تحيا الجزائر والمجد والخلود لشهدائنا .
الشاذلي بن جديد بتاريخ : 11 جانفي – كانون الثاني - 1992 .
وفي ظرف خمس دقائق قبل المجلس الدستوري برئاسة بن حبيلس استقالة أو اقالة الشاذلي بن جديد وبثّ التلفزيون الجزائري نص الاستقالة في الثامنة ليلا .
وبعدها بساعتين وجّه رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي خطابا متلفزا للشعب الجزائري , هذا نصّه :
باسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين , أيّها المواطنون ,أيتها المواطنات , سمعتم جميعا نص الرسالة التي وجهها رئيس الجمهورية الى الأمة مساء هذا اليوم والتي أعلن فيها عن تقديم استقالته , وكما علمتم أيضا فانّ المجلس الدستوري قد عقد اجتماعه القانوني وأثبت رسميا الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية , ونتجت عن ذلك حالة لم يسبق للجزائر أن عرفت لها مثيلا , وهي حالة تقوم المؤسسات الدستورية بمعالجة جوانبها المختلفة حسب ما تنص عليه قوانين البلاد . وفيما يتعلق بالحكومة فانّ الدستور ينصّ على أنّها مطالبة بمواصلة القيام بالمهام العادية المنوطة بها في جميع الميادين المتصلة بتسيير شؤون البلاد . وعليّ في هذا الاطار أن أؤكد أيها المواطنون , أيتها المواطنات أنّ الحكومة تضع في مقدمة أولوياتها الحفاظ على أمن الوطن والمواطنين , لذا فاني مباشرة بعد أن وصلني خبر استقالة رئيس الجمهورية طلبت من الجيش الوطني الشعبي أن يتخذّ بصورة وقائية الاجراءات اللازمة من أجل المساهمة في حماية الأمن العمومي وأمن المواطنين وذلك عملا بالقانون 91\488 .
أيها المواطنون , أيتها المواطنات , تأتي استقالة رئيس الجمهورية في الظروف الحرجة التي تجتازها البلاد واني أتوجه اليكم جميعا طالبا من كل واحد منكم أن يتحلى بروح المسؤولية, وأن يحافظ على الهدوء وأن يؤدي مهامه العادية في الاطار والمنصب حيث يوجد . ولن يفوتني وأنا أتوجه الى الضباط وضباط الصف والجنود في جيشنا الوطني الشعبي أن أؤكد ما سبق لي أن قلته في تصريح يوم 05 حزيران – جوان – 1991 وفي تصريحات أخرى أنّ هذا الجيش قد أثبت بالفعل والممارسة أنّه سليل جيش التحرير الوطني وأنّه يمثل مكسبا عظيما لهذه الأمة , فهو يمناها العتيدة والأمينة في الحفاظ على سيادتها وعلى وحدتها وعلى ثوابتها بما في ذلك دينها الحنيف وعلى حماية أهلها وسلامتهم .
وكذلك أوجّه تحية خاصة ونداءا حثيثا الى رجال الأمن وأسرة الوظيف العمومي والى جميع من يعمل في القطاعات الحيوية في البلاد مناشدا ايّاهم أن يرفعوا مجهوداتهم الى مستوى التحدي الذي لابدّ من مواجهته صفا واحدا وبمنتهى الجدية والصرامة .
وعلينا جميعا أن نتزوّد بما يتطلبه هذا الظرف من يقظة وتبصر ووعي وروح وطنية وتضامن وتسامح .
وفقنا الله جميعا الى ما فيه خير الشعب والوطن .

و ما أراد أن يقوله سيد أحمد غزالي بين السطور أن الانتخابات التي فازت فيها الجبهة الاسلامية للانقاذ قد صارت في خبر كان , حيث أضطر صناع القرار الحقيقيون أن يضحوا بالشاذلي بن جديد ليهدموا البناء من أساسه , ولكي يعيدوا فيما بعد البناء بطريقة لا تؤدي الى تهديد مصالحهم !
أما المواطنون الذين تحدث اليهم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء فقد فهموا أن هناك عملية انقلاب عسكرية مغلفّة وقعت في الجزائر و أطاحت بالشاذلي بن جديد الذي رسم له صناع القرار الفعليون خط البداية والنهاية على السواء .
وبعد الاطاحة بالشاذلي وباللعبة الانتخابية وبالديموقراطية اندلعت الفتنة الكبرى في الجزائر والتي أودت بحياة 150,000جزائري وخسائر قدرت بملايير الدولارات .
وقد تبعت اقالة الشاذلي بن جديد سلسلة من الاجراءات كفرض حالة الطوارئ وحل الجبهة الاسلامية للانقاذ وزجّ الألاف من أنصارها في المعتقلات .
واذا كانت المؤسسة العسكرية قد استعاضت عن شغور رئاسة الجمهورية وبقية المؤسسات بمجلس رئاسي خماسي فانها لم تتمكن من اطفاء البركان الذي اسيقظ قاذفا بلهبه في كل اتجاه .
وقد عينّ على رأس المجلس الأعلى للدولة محمد بوضياف و هو أحد مفجرّي الثورة الجزائرية الذي كان غائبا عن الجزائر لمدّة ثلاثين سنة فرارا من حكم اعدام صدر في حقّه من قبل حكومة أحمد بن بلة وكانت تهمته في سنة 1962 أنّه خطير على الأمن القومي الوطني , وأقنعه العسكر بضرورة العودة الى الجزائر باعتبار أنّ الجزائر التي أحبّها وناضل من أجلها على وشك الغرق , وكان أصحاب اللعبة يريدون في الواقع درء الزلزال بشخصية محورية في ثورة التحرير الجزائرية , وأعتقد مستقدموه أن شرعية بوضياف التارخية سوف تلغي الشرعية الانتخابية و الشرعية الجديدة .
لكنّ المنفي العائد بعد ثلاثين سنة الى وطنه تمت تصفيته وفي الظهر بعد 166 يوما من حكمه , وكان ذلك ايذانا أيضا بأن اللعبة القذرة في الجزائر أصبحت خارج السيطرة .

http://www.arabtimes.com/mixed3/doc78.html

الجزائر في عهد محمد بوضياف



محمّد بوضياف : المنفي العائد

محمّد بوضياف ليس رجلا عاديّا بالنسبة للجزائريين , انّه يمثل أحد أباء الثورة الجزائرية التي خلصّت الجزائريين من نير الاستعمار الفرنسي . و قد بدأ محمد بوضياف نضاله في صفوف حزب الشعب الجزائري منذ عقد الثلاثينات و كان عضوا قياديّا في المنظمة العسكرية الخاصة التي أسسها هذا الحزب في سنة 1947 والتي كانت تهدف الى الاعداد للثورة الجزائرية , وأستمرّ محمد بوضياف مناضلا في هذه المنظمة ككادر وقيادي ومنظّم . وعندما اكتشفت فرنسا أمر هذه المنظمة قامت باعتقال ألف مناضل من مناضلي حزب الشعب الجزائري , وحكمت على محمد بوضياف بالاعدام غيابيا الأمر الذي دعاه الى التخفي .
وقبل تفجير الثورة الجزائرية في 01 تشرين الثاني –نوفمبر – سنة 1954 , ساهم محمد بوضياف في تأسيس جماعة 22 الثورية للوحدة و العمل وبعدها اللجان الست التي فجرّت ثورة التحرير الجزائرية , وتمكنّ بوضياف في ظروف غير طبيعية من تفجير ثورة التحرير مع رفقائه أحمد بن بلة ورابح بيطاط ومحمد خيضر و كريم بلقاسم وحسين أيت أحمد والعربي بن مهيدي وغيرهم . ومعروف أنّ الثورة الجزائرية اندلعت في وضع سياسي جزائري يتسم بالتعددية الشكلية , وكانت بعض الأحزاب الجزائرية أنذاك ترى عبثية الثورة وضرورة الاندماج الكلي في المجتمع الفرنسي أو المجتمع الأم كما كانت تسميه النخبة الفرانكفونية في ذلك الوقت . كما أنّ الثورة الجزائرية انطلقت في ظل ضعف الامكانات المادية حيث كان الثوّار الجزائريون يستخدمون بنادق الصيد والسكاكين وحتى أخشابا منحوتة على شكل بنادق ورشاشات .
ويرى الدكتور يحي بوعزيز المؤرخ الجزائري الشهير أنّ محمد بوضياف أنقذ الجزائر ثلاث مرات الأولى عام 1954 حينما اشتدّت الخصومة بين الأحزاب وأنقسم التيار الاستقلالى على نفسه , فحسم بوضياف ورفاقه الموقف لصالح الحتمية الثورية , والثانية عام 1964 بعد الاستقلال بعامين حينما فضلّ المنفى الاختياري خارج البلاد لمدة ثماني وعشرين سنة حتى لا يشارك في الفوضى والصراع الداخلي الذي نشب بين ثوّار الأمس غداة استعادة الاستقلال في سنة 1964 , والثالثة عام 1993 عندما استجاب للنداء الوطني وعاد الى الجزائر لرئاسة المجلس الأعلى للدولة عقب استقالة أو اقالة الشاذلي بن جديد .
و المقربون من محمد بوضياف يعترفون له بقوة العزيمة والاصرار والعناد أحيانا , و لقد تحدث بوضياف ذات يوم عن يومياته أثناء الثورة الجزائرية قائلا أنّه تحملّ المحن في كل أوقاته وظلّ يفر من رجال المخابرات الفرنسية , وأشار الى جوعه وحرمانه هو و اخوته في النضال . وكثيرا ما كان بوضياف يتنقّل خارج الجزائر لتنظيم شؤون الثورة الجزائرية وتعريف العالم بأهدافها , وما زال العالم شاهدا على غطرسة الاستعمار الفرنسي الذي قام بتحويل الطائرة التي كانت تقلّ بوضياف و بقية رفاقه رابح بيطاط وحسين أيت أحمد وأحمد بن بلة ومحمّد خيضر .
وعندما سئل محمد بوضياف هل كان على علم ببرج المراقبة وطاقم الطائرة التي كانت تقله من المغرب والى تونس وما دور المخبرين والمتعاونين مع السلطات الفرنسية في المغرب, أجاب قائلا : مسألة المراقبة لم نكن نعلم بها ومسألة السفر تقررت بسرعة , وأنا شخصيا كنت مريضا وقد خرجت من المستشفى قبل ثلاثة ايام من موعد السفر وغاية ما هناك بلغنا أنّ الحكومة الاشتراكية في ذلك الوقت حكومة ذي مولي اتصلت بالرئيس التونسي الحبيب بورقيبة والملك المغربي محمد الخامس وطلبت منهما الاجتماع في تونس لايجاد حل للمسألة الجزائرية وهذا سبب ذهابنا الى تونس , وقال بوضياف أنّه لم يكن في حوزتهم أسلحة عدا بن بلّة الذي كان يحمل معه رشاش ايطالى , والقرصنة الجوية التي تعرضنا اليها كانت بعد اقلاعنا من جزيرة مايوركا حيث تزودّت الطائرة بالوقود وبعد أن طارت أجبرت على التوجه الى الجزائر العاصمة وقد حاول الطيّار الاتصال ببرج المراقبة في المغرب لكن لا أحد ردّ عليه .
وعن تجربته النضالية قال بوضياف : خلال وجودنا في السجن في فرنسا كانت هناك بيننا وبين قيادة الثورة الجزائرية اتصالات محدودة , وكان أحمد بن بلة على اتصال بالعربي بن مهيدي أحد رموز الثورة الجزائرية في الداخل الجزائري , وكنت على صلة بكريم بلقاسم بينما كان عبان رمضان على اتصال بحسين أيت أحمد , وكانت هذه المراسلات توضح تطورات الثورة الجزائرية داخل الوطن وخارجه , وكانت بعض الأخبار تصلنا عن طريق المحامين وبعض الأشخاص , لكن كل ذلك لا قيمة له مادمنا في السجن وتحت الحراسة والمراقبة .
ففي السجن الفرنسي يقول محمد بوضياف كنّا على اتصال ببعضنا البعض , لكن دون عمل أو نشاط فعّال ما عدا مناقشة ومتابعة أحداث الثورة الجزائرية وماكان يجري داخل قيادتها من ايجابيات وسلبيات .
وفيما يخص المفاوضات الجزائرية –الفرنسية وخاصة الأخيرة منها جاءنا السيد بن يحي وبن طوبال وكريم بلقاسم لاطلاعنا على مجرياتها , وكان ردّي عليهم أننا بعيدون عن ميدان الأحداث السياسية والعسكرية ولا نعرف ما يجري خارج أسوار السجن , ولا نعرف شيئا عن امكانيات جبهة التحرير الوطني المادية والبشرية وقدرة الشعب الجزائري على الصمود , ولهذا يقول بوضياف كنت ألتزم الحذر دون العاطفة , بينما كان رأي باقي الاخوة وخاصة بن بلة القبول بانهاء الحرب حتى لو كانت بعض بنود اتفاقيّات ايفيان في غير صالح الجزائر مستقبلا .
وعن اتفاقيّات ايفيان التي أفضت الى استقلال الجزائر قال محمد بوضياف : أعترف لبن يحي –وهو أحد الجزائريين المفاوضين – بالذكاء وبعد النظر المستقبلي , وفي الأمور التقنية كانت تنقصنا الخبرة والثقافة ولم يكن الاخوة المفاوضون تقنيين في مجال المفاوضات , لذا نجد رؤساء وملوك الدول في رحلاتهم وزياراتهم العملية مصحوبين بالتقنيين والخبراء في الميادين المختصة لكل اتفاقية أو عقود فيما بين الدولتين أو الدول .
وعن علاقة الثورة الجزائرية بالعالم العربي قال محمد بوضياف : للأمانة التاريخية وحتى نكون منصفين في شهادتنا الثورية وعلى الشعب الجزائري أن يعرف ذلك , أنّ امكانات الثورة الجزائرية كانت ضعيفة في البداية من حيث انعدام الذخيرة الحربية والسلاح , كنّا نملك شعبا قابلا للتضحية والفداء لكن بدون سلاح , وكان اعتمادنا في البداية على أنفسنا وأمكانياتنا الضعيفة , ثمّ اتصلنا باخواننا في الدين والتاريخ والمصير المشترك , فكانت المساعدة الأولى للثورة الجزائرية بل للشعب الجزائري من العالم العربي , فالأخوة المصريون هم الأوائل في المساندة السياسية وتدبير الأسلحة من الدول العربية , وأول مساعدة مالية لشراء الأسلحة كانت من المملكة العربية السعودية .
وعندما ذهب جمال عبد الناصر الى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج تحدثّ مع المسؤولين السعوديين حول متطلبات الجهاد في الجزائر فخصصت المملكة مبلغ 100 مليون دولار لدعم المقاومة في المغرب العربي . فأخذ منها صالح بن يوسف وشوشان نصيبا لتغطية مصاريف المقاومة التونسية , والباقي كان من نصيب الثورة الجزائرية التي اشترت به أسلحة وذخائر عن طريق مصر , أما المقاومة المغربية فلم تأخذ شيئا من هذا المبلغ على حدّ علمي قال محمد بوضياف , كما كانت هناك مساعدات جمّة من نظم وشعوب العالم العربي كالعراق وسوريا وتونس والمغرب وليبيا ولبنان وغيرها , كما لعب العالم الاسلامي دورا كبيرا في مساعدة الثورة الجزائرية في المحافل الدولية .
وتؤكد الوثائق , وشهادات مفجريّ الثورة الجزائرية ومنهم محمد بوضياف أنّ العالم العربي والاسلامي ساند الثورة الجزائرية منذ تفجير الثورة والى الاستقلال . وكان العالم العربي والاسلامي يرى في الثورة الجزائرية ضد فرنسا والحلف الأطلسي ملحمة ومفخرة للعرب والمسلمين , وقد صارت الثورة الجزائرية قدوة لحركات التحرر في وقت لاحق ..


الاستقلال وبداية الكارثة :

كان محمد بوضياف يحلم بجزائر قويّة تعتمد على نفسها , وتعمل على ترجمة الأهداف الكبرى التي سطرتها ثورة التحرير المباركة بدماء مليون ونصف مليون من الشهداء , وكان بوضياف يأمل أن أن يتحد رفاق الأمس الذين ضحّوا بالغالي والنفيس من أجل تحرير الجزائر , الاّ أنّه شاهد بداية تمزق صفوف الثوّار وانحرافا عن خطّ الثورة الأصيلة , وعايش بنفسه ظهور المحاور والتكتلات التي كادت تتسبب في اندلاع حرب أهلية في الجزائر .
وكان متضايقا من تهميش بعض مفجري الثورة الجزائرية , وهاله أن يحتل ضباط فرنسا المواقع الأمامية على حساب الثوّار الحقيقيين .
وتعود قصّة التمزق الى ما قبل الاستقلال الجزائري بقليل عندما فرض بعض عقداء جيش التحرير الشعبي أراءهم على باقي الثوّار وسعوا لخلق تكتلات داخل صفوف الثورة الجزائرية , ويعترف رئيس الحكومة المؤقتة يوسف بن خدّة أنّ الخصام بين ثوّار الأمس قد بلغ الذروة , وهو لذلك فضّل الانسحاب من الساحة السياسية في وقت مبكّر .
ورغم الدعوة المتكررة لاعادة كتابة تاريخ الثورة الجزائرية بسلبياتها وايجابياتها , فانّ العديد في الجزائر ما زال يضع العراقيل في وجه هذه الدعوة , وربما يخشى هذا البعض من رفع الغطاء عن العديد من الذين خانوا الثورة الجزائرية وأسعفهم الحظ على تولّي مناصب حسّاسة في الجزائر .
وهذه المتناقضات بين ثوّار الأمس في عهد الاستقلال كادت تؤدي الى حرب أهلية , ولما تفاقم الصراع خرج الشعب الجزائري متظاهرا في الشوارع رافعا شعار : سبع سنوات تكفينا , في اشارة الى السنوات السبع التي قضّاها الشعب الجزائري في محاربة الاستعمار الفرنسي . وقد حسم الصراع لصالح قيادة الأركان والتي عينّت أحمد بن بلة على رأس الدولة الجزائرية الفتية . وقد اعترف بن بلة أنّه كان ضئيل الثقافة والخبرة ورغم ذلك فقد حاول مع رفاقه أن يبني معالم الدولة الفتية , وكان رفاقه يأخذون عليه استحواذه على ثمانية مناصب حسّاسة في وقت واحد , وهو الأمر الذي أثار حفيظة بعض رفاقه الذين فسروا تصرفه أنّه سلطوي وديكتاتوري .
و كان محمد بوضياف أحد الناس الذين هالهم تحريف الثورة الجزائرية عن مسارها وتغليب الأنا في معالجة الأمور بدل المصلحة الوطنية العليا , ولما كان أحمد بن بلة يخشى جانبه أمر باعتقاله وايداعه السجن ثمّ حكم عليه بالاعدام بتهمة التأمر على أمن الدولة .
وعن هذا الاعتقال قال محمد بوضياف : أنّ اعتقاله تمّ بطربقة بشعة حيث كان يتجول في الشارع وجرى اعتقاله ثمّ أبدى استغرابه لكون الشخص الذي امر باعتقاله البارحة من دعاة الديموقراطية اليوم .
وبعد أن تدخلت أطراف متنفذة ولاعتبارات تتعلق بماضي بوضياف التاريخي أطلق سراحه, ففضّل مغادرة الجزائر وبشكل نهائي , وأقام بشكل مؤقت في باريس حيث أسس حزبا معارضا اشتراكيّ التوجه , كما ألّف كتابه الشهير الجزائر الى أين !
وفي هذا الكتاب تحدث عن مصير الثورة الجزائرية والخلل الذي انتاب مسيرتها , وبعد فترة لم تدم طويلا قام بالغاء حزبه , وفضلّ الاقامة في القنيطرة في المغرب , وقد أقام مصنعا للأجر وظلّ يتابع الأحداث في الجزائر دون أن يدلي بأي تصريح أو تعليق لوسائل الاعلام.
وقد رفض محمد بوضياف جميع الدعوات التي وجهها اليه هواري بومدين بالعودة الى الجزائر غداة اطاحته بأحمد بن بلة في 19 حزيران – جوان –1965 , الاّ أنّه رفض كل هذه الدعوات محبذا المنفى على معايشة مشاهد اغتيال الثورة الجزائرية . وكان محمد بوضياف في المغرب محط رعاية العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني , كما كان محل احترام السكان المجاورين له .
وقد استطاع وهو في المغرب وكما قال هو شخصيا أن يحقق ثروة تكفل له ولأبنائه وزوجته العيش بكرامة , ولذلك لما عيّن على رأس المجلس الأعلى للدولة في مطلع سنة 1992 رفض أن يتقاضى راتبا ليؤكّد على نزاهته , وأنّه يختلف عن الأخرين الذين اختلسوا أموال الجزائر وصيرّوها بعد غنى وثراء فقيرة تستجدي العون من البنوك الدولية..


الجزائر من الأحاديّة والى التعدديّة


بعد خريف الغضب في 05 تشرين اول –نوفمبر – 1988 أضطّر الشاذلي بن جديد ولتجاوز الانتفاضة الشعبية العارمة وأثارها , أن يعلن وعلى مسمع ومرأى الشعب الجزائري عن مشروع للاصلاحات السياسية والاقتصادية , ودعا الشعب الجزائري لابداء رأيه في الدستور الجديد المعدّل الذي تصبح التعددية السياسية بموجبه متاحة وكذا التعددية الاعلامية . وتمّت الموافقة الشعبية على هذا الدستور في شهر شباط –فبراير – 1989 وكان ذلك ايذانا بميلاد التعددية السياسية والاعلامية , وشرع المعارضون التقليديون للنظام الجزائري بالعودة الى الجزائر بدءا بحسين أيت أحمد الذي كان يدير حزبه جبهة القوى الاشتراكية انطلاقا من أوروبا ,ثمّ تلاه أحمد بن بلة الذي كان مقيما في سويسرا وهناك كان يتزعم حزبه الحركة من أجل الديموقراطية .
وبعودة هؤلاء الرموز الذين كانوا وراء تفجير الثورة الجزائرية , تساءل بعض الجزائريين عن موعد عودة محمد بوضياف الى الجزائر !
لم ينتظر السائلون كثيرا اذ جاءهم الجواب من خلال تصريح لبوضياف لبرنامج لقاء الصحافة المتلفز والذي خصص للثورة الجزائرية , وقد سئل بوضياف لماذا لا يعود الى الجزائر ! فأجاب بأنّه لا يؤمن بهذه الديموقراطية ولا بالمشروع الديموقراطي المطروح في الجزائر والذي أملته ظروف معينة - ويقصد أحداث خريف الغضب في شهر أكتوبر –
وأنّه لما يشعر بجديّة التجربة سيعود الى الجزائر أو في حالة وجود ما من شأنه أن يجعل العودة الى الجزائر واجبا وطنيا …
وزاول بوضياف عمله التجاري في منفاه في مدينة القنيطرة في المغرب , حيث كان يتردد عليه بعض الجزائريين الباحثين وغيرهم ويسألونه عن قضايا وملفات تتعلق بالثورة الجزائرية , ونقل عنه بعض زائريه أنّه كان قلقا للغاية على مصير الجزائر , وكثيرا ماكان يسأل الجزائر الى أين ! وهو عنوان كتابه الذي ألفّه في بداية الستينيات أي بعد استقلال الجزائر بسنتين فقط .
و أزداد اهتماما بالجزائر عقب الاضراب الذي دعت اليه الجبهة الاسلامية للانقاذ في 25 أيّار –مايو – 1991 لالغاء القوانين التي سنتها حكومة مولود حمروش بغية تزوير الانتخابات . وقد أدى هذا الاضراب الى اندلاع صراع دموي بين الاسلاميين والسلطة الجزائرية والذي انتهى بتدخل الجيش وفرض حالة الحصار العسكري وحظر التجول واقالة حكومة مولود حمروش وتعيين وزير الخارجية في ذلك الوقت سيد أحمد غزالي على رأس الحكومة .
وجاء اعلان الحصار في الجزائر في 04 حزيران – يونيو – 1991 ليؤكد ماذهب اليه محمد بوضياف من أنّ الديموقراطية الجزائرية شكلية وتدخل في اطار التنفيس عن أحداث دامية كانت تعصف بالدولة الجزائرية .
و أثناء عودة محمد بوضياف الى الجزائر في أواسط كانون الثاني – يناير – 1992 اعتبرت أوساط سياسية جزائرية أنّ عودته في هذا الوقت تحديدا كانت غير مناسبة وغير لائقة و قالت هذه الأوساط أنّ بوضياف تنطبق عليه مقولة الرجل المناسب في الوقت غير المناسب ورأت هذه الأوساط أنّه لو تولىّ الحكم بعد خريف الغضب مباشرة لكان خيرا له وللجزائر .


امتدّت فترة الحصار العسكري أربعة أشهر أعلن الشاذلي بن جديد بعدها أنّ الانتخابات التشريعية ستجرى في 26 كانون الأول – ديسمبر –1991 .
استعدّت القوى السياسية لهذه الانتخابات وعاودت نشاطها السياسي بعد صمت استمرّ أربعة أشهر كان منطق الرصاص والصراع الدموي بين السلطة والاسلاميين هو سيّد الموقف .
وفي اللحظات الأخيرة قررت الجبهة الاسلامية للانقاذ بقيادة المهندس عبد القادر حشّاني المشاركة في الانتخابات .
وكان الشعب الجزائري متحمسا لهذه الانتخابات خصوصا وأنّ الصورة الرسمية التي قدمت له أنّه أصبح صاحب الارادة والقرار يزكّي من يشاء ويختار من يشاء بعد أحادية سياسية ستالينية شلّت طاقته وحتى قدرته على التفكير .
وبعد أيام قليلة من هذه الانتخابات أعلن وزير الداخلية الجنرال العربي بلخير عن النتائج التي جاءت كما يلي :
- 188 مقعدا للجبهة الاسلامية للانقاذ .
- 20 مقعدا للجبهة القوى الاشتراكية .
- 16 مقعدا للحزب جبهة التحرير الوطني .
وبمجرد شعور التيار البربري والفرانكفوني واليساري وتيار في المؤسسة العسكرية برجحان الكفة لصالح الجبهة الاسلامية للانقاذ قامت قيامة الجزائر في أعنف صراع , حيث كان أصحاب الاتجاهات المذكورة يرون أنّه من المستحيل السماح للانقاذ بتكريس مشروعها الاسلامي .
وهاهنا حسم بعض الجنرالات الموقف وذلك باقالة الشاذلي بن جديد وقلب الطاولة من أساسها , والعجيب أن بعض أقطاب التيار الفرانكفوني اعتبر الشعب الجزائري غبيا لا يحسن الاختيار وغير ناضج ديموقراطيا .
وقد أقسم بعض الناس في الجزائر أن لن يتوجهّ أبدا الى صناديق الاقتراع , ما دامت الدبابات تلغي اختيار الشعب بطلقة مدفع واحدة .
وقبل تنحيّة الشاذلي بن جديد , وقبل اجراء الانتخابات التشريعية بأسبوع واحد , قال الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد في ندوة صحفية أنّه سيذهب بالمشروع الديموقراطي الى أبعد حدّ , وسوف يحترم القوة السياسية التي تفرزها ارادة الشعب الجزائري مهما كان لون هذه القوة السياسية . كما أنّ القوى السياسية برمتها أعلنت أنّها ستحترم ارادة الشعب الجزائري و قواعد اللعبة الديموقراطية و سوف تقبل نتائج الانتخابات بروح رياضية , لكن كل هذه الالتزامات تبخرّت مع بروز النتائج الأولية وبدأت عقارب الساعة في الجزائر تتراجع الى الوراء , فسعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري والذي صرحّ قبل اجراء الانتخابات التشريعية أنّ حزبه سيحترم افرازات المشروع الديموقراطي هددّ بأنّه سيعلن الحرب على الأصولية , وأعلن أنّ حزبه لن يقبل بأن تتحول الجزائر الى ايران أو سودان ثانية .
والهاشمي شريف زعيم حزب الطليعة اليساري دعا الجيش الجزائري للتدخل وصرحّ أنّ حزبه يقبل بنظام بينوشي ولا يقبل بنظام اسلامي توليتاري رجعي ظلامي .
والفرانكفونيون واليساريون والبربر والعلمانيون وأصحاب كل المتناقضات الأيديولوجية أسسوا وفي يوم واحد جمعية انقاذ الجزائر , وقد منح وزير الداخلية في ذلك الوقت الجنرال العربي بلخير الاعتماد لهذه الجمعية في ظرف ربع ساعة , في حين تنتظر الجمعيات الأخرى مدّة ستة أشهر للحصول على الاعتماد . والجمعيات النسوية التحررية أقامت مهرجانات للمطالبة بحقوق المرأة كاملة وكل تلك الأمور كانت في الواقع رسائل سياسية من جهة , كما كانت مؤشرا على وجود قوة فاعلة تحرك كل هذه الصور من خلف الكواليس كمدخل لما هو أعظم !
العربي بلخير وزير الداخلية وأحد أكثر المتنفذين داخل المؤسسة العسكرية عقد اجتماعا موسعا صبيحة ظهور نتائج الانتخابات مع القيادات الأمنية استعدادا للمرحلة المقبلة .
سيد أحمد غزالي رئيس الوزراء والذي وعد الأمة الجزائرية عشية تعيينه على رأس الحكومة في 04 حزيران –يونيو –1991 بأنّه سيشرف على انتخابات حرّة ونزيهة ,أعلن أنّ ظنه
في الشعب الجزائري قد خاب لأنّه صوتّ لصالح الجبهة الاسلامية للانقاذ, وكان غزالي قد قدمّ ضمانات للمؤسسة العسكرية بأنّ القوة الثالثة العلمانية هي التي ستستحوذ على البرلمان .
جنرالات الجيش وعلى رأسهم وزير الدفاع الجنرال خالد نزار اجتمعوا ولمدة أسبوع كامل بالشاذلي بن جديد وطالبوه بالغاء الانتخابات التشريعية باعتبار أنّ صلاحياته تخوله ذلك , وقد أدّى رفض الشاذلي لطلبهم الى عزله حيث قدم استقالة رمزية أوضح فيها سبب الاستقالة , وقال أنه سيضحّي من أجل الجزائر , وحتى تكتمل اللعبة أمر بحل البرلمان الجزائري ,وقد أعلن رئيس البرلمان عبد العزيز بلخادم أنّه سمع بأمر حل المجلس الشعبي الوطني – البرلمان – من خلال التلفزيون الرسمي .
وقد توالت الأحداث بسرعة مذهلة لتنتهي الجزائر بلا رئاسة ولا مجلس شعبي منتخب ولا مجلس دستوري ولا بلديات منتخبة .
انّه الفراغ الدستور المركّب , انّه الشغور التام , انّه بداية انهيار الدولة ومؤسساتها .
فما المخرج !!!

شغور الدولة :

بعد انسحاب الشاذلي بن جديد وحلّ المجلس الشعبي الوطني وجدت الجزائر نفسها تعيش فراغا دستوريّا رهيبا .
والدستور الجزائري ينصّ على أنّه في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو موته يتولىّ رئاسة الدولة رئيس المجلس الشعبي الوطني –البرلمان – وذلك لمدّة 45 يوما تجرى بعدها انتخابات رئاسية . الاّ أنّ المجلس الشعبي تمّ حلّه , وعبد العزيز بلخادم رئيس البرلمان والذي كان يفترض أن يتولى الرئاسة في المرحلة الانتقالية أعلن أنه سمع بقرار حلّ البرلمان في التلفزيون الجزائري .
و يبدو أنّ اللعبة كانت محبوكة بدقة لابقاء الجزائر في ظلّ هذا الوضع , وفي قبضة المؤسسة العسكرية , لأنّه وبعد انهيار كل المؤسسات بقيت المؤسسة العسكرية هي الوحيدة التي تدير مقاليد الأمور . ولمعالجة حالة الشغور اجتمع رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي ووزير الخارجية الأخضر الابراهيمي و وزير الداخلية العربي بلخير ووزير الدفاع الجنرال خالد نزار وكان الاجتماع في قصر الحكومة , و أطلق على هذه النواة اسم اللجنة الاستشارية , وللتذكير فانّ الهيئة الاستشارية دستوريّا لا يحق لها اتخاذ القرار , ووظيفتها الدستورية تكمن في اعطاء المشورة لرئيس الجمهورية في مسائل الأمن القومي , ودستوريا يشترط أن تلتئم هذه اللجنة الدستورية بحضور رئيس الجمهورية وهو في هذه الحالة الشاذلي بن جديد الذي أقيل من منصبه , وقد تجاوزت هذه اللجنة كل هذه الاعتبارات الدستورية بحجة أنّ الوضع الأمني لا يسمح بفلسفة الأمور والوقوف عند حرفية النصوص الدستورية .
وقد خرجت اللجنة المذكورة بعد اجتماعها بفكرة الرئاسة الجماعية وهي ما عرف في الجزائر باسم المجلس الأعلى للدولة , ويتكون هذا المجلس من خمسة أعضاء وهم : محمد بوضياف رئيسا وخالد نزار عضوا وعلي كافي عضوا وعلي هارون عضوا وتيجاني هدّام عضوا , وبمجرد الاعلان عن هذا المجلس اعترضت عليه القوى السياسية باعتباره غير شرعي وغير دستوري .
وكان البعض في الجزائر يتوقع أن يتقدم رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي لرئاسة الدولة خصوصا وأنّ بعض المتنفذين في الجيش أوحوا له بذلك , الاّ أنّ الاضطرابات الجماهيرية والاحتجاجات المتواصلة على قرار الغاء الانتخابات التشريعية جعلت صنّاع القرار في المؤسسة العسكرية يستنجدون بشخصية من وزن محمد بوضياف لتغليب شرعيته التاريخية على الشرعية الشعبية الملغاة بقرار علوي .
وكان الجنرال خالد نزار قد أجرى اتصالات بمحمد بوضياف ودعاه الى الجزائر لمدة أربع وعشرين ساعة , وتمّ تكليف علي هارون صديقه القديم بالتوجه اليه حيث يقيم في مدينة القنيطرة بالمغرب , وأوهم علي هارون بوضياف بأنّ الجزائر على وشك الدخول في حرب أهلية يحترق فيها اليابس والأخضر , ومما قاله محمد بوضياف لعلي هارون أنّ السلطة عليها أن تستأنف الانتخابات وتواصل الدورة الثانية من هذه الانتخابات وعليها أن تقبل بنتائج الانتخابات , وحاول هارون اقناعه بأنّ ذلك غير ممكن وأن المشروع الأصولي خطر على الجزائر .
وعندها أمهل بوضياف على هارون فترة وجيزة للتفكير , وبعد مداخلات حثيثة من الجنرال خالد نزار وزير الدفاع قرر أن يعود الى الجزائر رئيسا بعد أن غادرها منفيا .
وبعد عودته الى الجزائر التقى محمد بوضياف وزير الدفاع خالد نزار , حيث سأله بوضياف عن السبب الذي يحول دون استلام الجيش السلطة بشكل مباشر , وردّ عليه خالد نزار بقوله أنّ الدستور يحصر مهمة المؤسسة العسكرية في حماية الدولة ومؤسساتها , والواقع أن المؤسسة العسكرية وصنّاع القرار فيها كانوا على الدوام يحبذون توجيه دفّة الحكم من وراء الستار .
وبعد أن استمع الى وزير الدفاع كل ما أراد أن يقوله , غادر الجزائر عائدا الى المغرب لترتيب وضعه , وليعود الى الجزائر وسط ضجة اعلامية بدأ الرسميون في الجزائر يمهدون لها. وفي القنيطرة في المغرب حاول أهله عن ثنيه لقبول دعوة خالد نزار لتوليّ الرئاسة لأنّ ذلك ينطوي على مخاطر جمّة خصوصا وأنّ التركة ثقيلة ولا يمكن لبوضياف تطويقها أو وضع حدّ للدوامة التي تعصف بالجزائر منذ خريف الغضب سنة 1988 .

عودة محمد بوضياف :

في 15 كانون الثاني – يناير – 1992 وفي الساعة الخامسة مساءا وصل محمد بوضياف الى مطار هواري بومدين في الجزائر العاصمة بعد غياب طويل دام 27 سنة .
وكان في استقباله لدى وصوله وزير الدفاع الجنرال خالد نزار, ووزير الداخلية الجنرال العربي بلخير و رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي , و بقية أعضاء المجلس الأعلى للدولة علي كافي , علي هارون تيجاني هدّام وغيرهم من الرسميين الجزائريين .
توجّه بوضياف الى باحة المطار حيث قال لوسائل الاعلام أنّه جاء الى الجزائر لانقاذها .
ومن المطار توجه مباشرة الى قصر الجمهورية , وأبلغ الشعب الجزائري أنّ محمد بوضياف سيلقي خطابا على الأمة في الساعة الثامنة مساءا . وكانت الأنظار كل الأنظار مشدودة اليه ,ومما جاء في الخطاب أنّه سيعمل على الغاء الفساد والرشوة ومحاربة أهل الفساد في النظام واحقاق العدالة الاجتماعية , ودعا القوى السياسية الى التوحّد لمواجهة التحديّات الجديدة , وطلب من الشعب الجزائري مساعدته في أداء مهامه , وقال : هذه يدي أمدّها الى الجميع بدون استثناء .
أماّ الجبهة الاسلامية للانقاذ التي صودر انتصارها في الانتخابات التشريعية , فقد أبرقت الى محمد بوضياف محذرّة أياه من مغبّة تلويث سمعته التاريخية ودعته لعدم الوقوع فريسة في أيدي ما أسمته الجبهة الاسلامية للانقاذ بالطغمة الحاكمة التي تريد استغلال وتوظيف سمعة محمد بوضياف ورصيده الثوري . وأصرّت الجبهة الاسلامية للانقاذ في مطالبتها السياسية على ضرورة العودة الى المسار الانتخابي وقد قابلت السلطة الجزائرية هذا الطلب بالمجابهة العنيفة .
وعاشت الجزائر عندها أحلك أيامها , فرضت عندها حالة الطوارئ , وقام وزير الداخلية الجنرال العربي بلخير بحلّ الجبهة الاسلامية للانقاذ , و تمّ اعتقال كافة القيادات الانقاذية , والعناصر المتعاطفة مع الجبهة الاسلامية للانقاذ ولأنّ السجون لا تسع عشرات الألاف من الناس فقد تمّ اقامة معتقلات في الصحراء الجزائرية .
وفي 07 شباط – فبراير – 1992 شهدت العديد من المدن الجزائرية انتفاضات عارمة جوبهت بالدبابات وحتى بالصواريخ كما وقع في مدينة باتنة الجزائرية .
وظلّ محمد بوضياف في كل خطبه يتهجم على الجبهة الاسلامية للانقاذ , وأحيانا كان يلجأ الى السخرية والاستهزاء من جبهة الانقاذ الاسلامية , كما شنّ هجوما على حزب جبهة التحرير الوطني وأمينه العام عبد الحميد مهري الذي كان يعترض على الغاء الانتخابات التشريعية , وكان يطالب بردّ الاعتبار للجبهة الاسلامية للانقاذ وكل هذه المواقف لم ترق للسلطة التي وضعت خطة للانقلاب على عبد الحميد مهري ومن داخل جبهة التحرير الوطني ونجحت الخطة في وقت لاحق !
وفي خضّم الفراغ السياسي القاتل الذي شهدته الجزائر بعد الغاء المسار الانتخابي دعا محمد بوضياف الى انشاء التجمع الوطني الديموقراطي الذي أراده الرسميون تيارا ثالثا بديلا عن الجبهةالاسلامية للانقاذ وحزب جبهة التحرير الوطني ورغم أنّ هذا التجمع كان شعاره الجزائر أولا وقبل كل شيئ الاّ أنّ هذا الشعار الجميل والمنمّق لم يثر حماس كثيرين في الجزائر الذين كانوا يرون أنّ الجزائر تعيش حربا شرسة بين شرعية الانقلاب وشرعية الصناديق المقلوبة !
فالمؤسسة العسكرية كانت مصرة على ابقاء الوضع على حاله وعدم الرجوع الى المسار الانتخابي مهما كلفّ الأمر , والجبهة الاسلامية للانقاذ كانت مصرة على التغيير الجذري للنظام وتطهير الجزائر من النظام الذي جرّها الى الهاوية .


مشكلة الشرعية في الجزائر :

مشكلة الشرعية في الجزائر مطروحة بقوة مع بداية الاستقلال الجزائري , ولعلّ عدم ايجاد حل لها هو السبب وراء كل الكوارث السياسية التي حلّت بالجزائر , فمنذ ثلاثين سنة والجزائر تنتقل من محطة الى محطة أخرى بشرعيات متعددة.
فعقب استقلال الجزائر في 05 تموز –يوليو – 1962 حسم الجيش الجزائري الصراع الذي كان دائرا بين ثوّار الأمس لصالحه , وأسند منصب رئاسة الدولة لأحمد بن بلة وكانت مرجعية هذه الدولة وسندها الشرعية الثورية , غير أنّ هذه الشرعية لم تعصم رفاق الثورة من التقاتل والتصفيات الجسديّة , وباسم هذه الشرعية سجن محمد بوضياف في 1963 , وقتل العقيد شعباني ومحمد خيضر وكريم بلقاسم , وباسم الشرعية الثورية أطاح هواري بومدين بحكم الرئيس أحمد بن بلة في 19 حزيران – يونيو – 1965 , وكان قادة الانقلاب يسمون ما حصل تصحيحا ثوريا , وبشرعية هذا التصحيح ظلّ هواري بومدين يحكم الى أن وافته المنيّة في سنة 1978 .
وبعد وفاة هواري بومدين , تمّ ايصال الشاذلي بن جديد الى الحكم من قبل المؤسسة العسكرية وجهاز الاستخبارات العسكرية الذي كان على رأسه أنذاك قاصدي مرباح .
وعلى الرغم من أنّ الشاذلي بن جديد كان يحرص على اجراء انتخابات رئاسية الاّ أنّه كان المرشح الوحيد والفائز الوحيد لثلاث فترات متتالية .
ومثلما دفعت المؤسسة العسكرية الشاذلي بن جديد الى الواجهة فقد أقالته في 11 كانون الثاني – يناير – 1192 . وبتنحية الشاذلي بن جديد دخلت الجزائر مجددا مشكلة الشرعية , وظلّ الصراع قائما بين الجبهة الاسلامية للانقاذ والسلطة الجزائرية وكل منهما يدعّي أنّه صاحب الشرعية المفقودة .


عاد محمد بوضياف الى الجزائر في وقت كانت فيه الجزائر تلتهب وتتهاوى , وسط صراع دموي ومرير بين المؤسسة العسكرية القوة المنظمة الوحيدة بتعبير أحد الصحافيين الجزائريين , والجبهة الاسلامية للانقاذ القوة المنظمة الجديدة .
وقد أدى هذا الصراع الى تفجير الموقف الأمني ودخلت قطاعات واسعة من الناس في مجابهات مع القوى الأمنية والجيش الجزائري , ولم ينحصر الزلزال الأمني في ولاية واحدة بل باتت كل الولايات شرقا وغربا وشمالا وجنوبا عرضة لهذه الاضطرابات و السبب يعود الى أنّ المنضمّين الى الجبهة الاسلامية للانقاذ جاوز عددهم ثلاثة ملايين وقد هالهم جميعا أن يتم الغاء الانتخابات التشريعية التي فازوا فيها , كما هالهم أن تحلّ الجبهة الاسلامية للانقاذ , وأن يزجّ بقادتها في المعتقلات .
ووسط هذه الأجواء بدأ عهد محمد بوضياف الذي بات دون أن يشعر طرفا في اللعبة وخصوصا عندما قام لدى استلامه مهامه بزيارة الى وزارة الدفاع حيث استقبله هناك وزير الدفاع خالد نزار وجنرالات الجيش , وقد أعتبرت هذه الزيارة خطأ بروتوكوليا لأن موجهّي المؤسسة العسكرية هم الذين ينبغي أن يتوجهوا الى قصر الجمهورية لتقديم الولاء لرئيس الدولة خصوصا وأنّ الدستور الجزائري ينص على أنّ صلاحيات رئيس الجمهورية أكثر سعة من صلاحيات المؤسسة العسكرية , لكن يبدو أنّ ذلك على القراطيس فقط !
وأقحم محمد بوضياف في اللعبة , وبعد أن كان يحمل شعار انقاذ الجزائر , بات يتهجم على الأصولية والظلامية وضرورة انقاذ الجزائر من السرطان الانقاذي والأصولي , وكان يعتبر أنّ الغاء الانتخابات التشريعية كان ضرورة وحتمية علما أنّه كان يرى في ذلك مصادرة للديموقراطية .
أمّا الشارع الجزائري الذي كان يرى في بوضياف شخصية ثورية نزيهة فقد بدأ يغير رأيه فيه خصوصا وأنّ السلطة أيّ سلطة كفيلة بتشويه العبّاد والزهاّد فمابالك بالناس العاديين , وبات الشارع الجزائري يردد أنّ بوضياف عاد لانقاذ مجموعة من العسكريين المتورطين في تفجير الفتنة الجزائرية وليس لانقاذ الجزائر , ويبدو أن هناك من أوصل هذه الانطباعات الى محمد بوضياف الذي بدأ يكتشف سلسلة من الحقائق المذهلة وهو داخل دوائر القرار كما بدأ يكتشف المعادلات الصعبة في تركيبة النظام الجزائري كما أسرّ بذلك الى نجله , وهذا ما جعله في وقت لاحق يتهجم على رجالات النظام الفاسدين والمرتشين ومن أسماهم محمد بوضياف بمختلسي أموال الشعب الجزائري , وعندها علقّ الشارع الجزائري مجددا بأنّ بوضياف لن يسلم !
ولمّا صعدّ من تهجمه على المافيا كما سماها المتحكمة في شرايين الدولة الجزائرية بدأ يستشعر بدائرة النار تدنو منه , وقد نقل مخاوفه هذه الى صديقه محمد يزيد مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجزائر وأحد روّاد الثورة الجزائرية , وقد أعلن محمد يزيد عقب اغتيال محمد بوضياف أنّ المافيا الجزائرية هي التي قتلت بوضياف وأنّها تتمتع بنفوذ واسع داخل النظام الجزائري .


عندما عاد محمد بوضياف الى الجزائر التفّت حوله شخصيات جزائرية تنتمي الى ثالوث الفرانكفونية واليسار والبريرية , وعينّ بعض الجزائريين الذين يحملون الجنسية الفرنسية كمستشارين له , وعندما أقدم على تأسيس المجلس الاستشاري البديل للبرلمان الملغى كان كل أعضائه من التيار الفرانكفوني واليساري والبربري وأبرزهم رضا مالك الذي أصبح لاحقا وبعد اغتيال محمد بوضياف عضوا في المجلس الأعلى للدولة .
ويعتبر رضا مالك الذي كان رئيسا للمجلس الاستشاري من أبرز منظري حزب فرنسا في الجزائر ومن الدعاة الى بعث تجربة كمال أتاتورك في الجزائر .
وكان من أعضاء هذا المجلس الاستشاري مصطفى الأعرج الذي كتب سلسلة من المقالات قبل وبعد فوز الاسلاميين في الانتخابات التشريعية الملغاة أعتبر فيها الدين الاسلامي أفيون للشعب الجزائري , وأعتبر أنّ اللغة العربية لغة ميتة والأفضل للشعب الجزائري أن يطرحها جانبا لأنّ هذه اللغة هي في حكم اللغات المنقرضة .
وقد ردّ على مقالاته الأستاذ عثمان سعدي - رئيس جمعية الدفاع عن اللغة العربية في الجزائر وسفير الجزائر سابقا في العاصمة العراقية بغداد – على صفحات جريدة الشعب الناطقة باللغة العربية .
وقد لعبت البطانة الفرانكفونية واليسارية والبربرية دورا كبيرا في تأخير المصالحة كما الحل السياسي في الجزائر , وكلما كانت تلوح في الأفق بادرة للحلحلة السلمية كانت هذه البطانة تفجر الموقف وتصعّد الأزمة وبهذا الشكل بقيت الجزائر تراوح مكانها .
وكان المجلس الاستشاري يضطلع بمهام البرلمان حيث كان يسنّ القوانين , كما كان يوافق على القوانين التي يشرعّها المجلس الأعلى للدولة .
ولما دعا بوضياف الى تشكيل التجمع الوطني الديموقراطي لملء الشغور السياسي الرهيب عقب تجميد التعددية السياسية الحقيقية والجادة , بادر اليسار الجزائري وعلى رأسه الهاشمي شريف والحركة البربرية وعلى رأسها سعيد سعدي بالاستحواذ على توجهات التجمع , وكان بوضياف من خلال مدير ديوانه رشيد كريم يعمل على مد جسور مع حزب الطليعة الاشتراكية اليساري بزعامة الهاشمي الشريف و التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية بزعامة سعيد سعدي .
وكان البعض في دوائر النظام يروّج للفكرة الثالثة أو الاتجاه الثالث بين التيار الاسلامي الذي تمثله الجبهة الاسلامية للانقاذ والتيار الوطني الذي تمثله جبهة التحرير الوطني , وكان رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي أحد الدعاة الى هذا الطرح , وكان قوام الاتجاه الثالث الفرانكوفونيين والتغربيين الذين لفظتهم صناديق الاقتراع وحاولوا التكتل لاسترجاع زمام المبادرة , والمفارقة أنّ سيد حمد غزالي كان يعتبر هذا الاتجاه ديموقراطيا وهو أول من طالب بمصادرة هذه الديموقراطية عندما تعلقّ الأمر بفوز الاسلاميين ,وهذا الاتجاه هوالذي طالب أيضا بزجّ الجيش في المعركة السياسية والغاء المسار الانتخابي .


بعد اقالة مولود حمروش أثناء أحداث حزيران –يونيو –سنة 1991 عين سيد أحمد غزالي على رأس الحكومة , ومنذ تعيينه على رأس الحكومة عمل على تصفية حسابه مع حزب جبهة التحرير الوطني التي همشته الى أبعد الحدود , وعمل على تصفية الجبهة الاسلامية للانقاذ , وكان ذلك في الواقع استجابة لأراء بعض الصقور في المؤسسة العسكرية الذين كان لديهم حساسة من الوطنية العروبية ومن الاسلام السياسي .
وفي كل مؤتمراته الصحفية كان يتهجم على التيار الوطني والتيار الاسلامي , وبموازاة هذا التهجم بدأ يعدّ لتشكيل قوة ثالثة قوامها المجتمع المدني ذو الميول الفرانكفونيّة .
و أستغلّ سيد أحمد غزالي نقمة محمد بوضياف على حزب جبهة التحرير الوطني الذي همشّه وأقصاه من المشهد السياسي الجزائري بشكل كامل على مدى ثلاثة عقود , وتمكنّ
بوضياف – غزالي من تضييق الخناق على حزب جبهة التحرير الوطني وذلك من خلال سنّ قوانين تجرّد جبهة التحرير الوطني من المقرات والممتلكات التابعة لها , كما سحبت منها صلاحية الاشراف على جريدتي الشعب والمجاهد .
و قد أكتشف محمد بوضياف أنّه أصبح بيدقا في يد هذه التيارات والتكتلات ,وأعلن ذات يوم أنّ الجزائر تسير بناءا على أوامر تصل الى الجزائر عن طريق الفاكس من قصر الاليزي في باريس !
وبدأ بوضياف يكتشف بعض المتناقضات حيث أخبر نجله ناصر بوضياف بأنّ الوضع معقّد للغاية في الجزائر , وكان ناصر بوضياف يقوم بزيارة أبيه في الجزائر قادما من المغرب حيث بقي هناك يواصل الاشراف على مصنع الأجر الذي كان أبوه يديره قبل عودته الى الجزائر . وغير المتاعب السياسية والأمنية التي صادفها محمد بوضياف , فقد وجد وضعا اقتصاديّا مزريّا ومديونية بلغت 26 مليار دولار عدا الديون العسكرية , كما فوجئ بوضياف بكساد الزراعة و المؤسسات الانتاجية العاطلة والبطالة المتفاقمة واختلاسات بالجملة الأمر الذي جعل مهمة صندوق النقد الدولي في فرض مزيد من الشروط على الجزائر سهلة للغاية .
و المشروع الوحيد الذي كان بحوزة رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي هو عرض أبار حاسي مسعود النفطية للبيع .
ووسط عجز كامل في مواجهة التحديات , وعندما كانت الدماء تراق في كل أزقّة الجزائر ومساجدها وأحياءها و ساحاتها , طرح بوضياف مشروع التجمع الوطني الديموقراطي الذي كان ناقصا في أطروحته , وكل ما طرحه محمد بوضياف في هذا السياق هو ضرورة أن يعيش الجزائريون من أجل الجزائر وأن يتحدّوا فيما بينهم لتجاوز الأزمات الخانقة التي تعصف بالجزائر . وكان شعار هذا التجمع الجزائر أولا وقبل كل شيئ , وقد ظلّ هذا التجمع يراوح مكانه بسبب عدم اقدام الناس على الانتساب اليه .
ومن جهتها الأحزاب الثقيلة التي فازت في الانتخابات التشريعية أعتبرت التجمع الوطني بمثابة العودة الى الأحادية السياسية , وأنّه مناورة جديدة من السلطة لتجميد التعددية السياسية والغاء المسار الديموقراطي , وقد أعتبرت الجبهة الاسلامية للانقاذ في بياناتها أنّ هذا التجمع يعّد لاغيا وأنه يندرج في سياق مصادرة اختيار الشعب الجزائري , أما عبد الحميد مهري الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني فقد أعتبر أنّ تجمع بوضياف مشروع لم يتضح بعد كامل الوضوح ولم يتبلور بعد بالرغم من بيانات وتصريحات حوله وأعتبر أنّ التعددية في الوقت الراهن ضروريّة وأنّها الضمان الوحيد للانتقال من نظام الحزب الواحد الى النظام الديموقراطي التعددي , أمّا جبهة القوى الاشتراكية بقيادة حسين أية أحمد فكانت ترى أنّ المجلس الأعلى للدولة ومعه التجمع الوطني لا شرعية لهما , وهما تكريس للأحادية السياسية التي رسمت معالم النظام السياسي في الجزائر منذ الاستقلال .
ورفضت بقية الأحزاب الوطنية فكرة التجمع الوطني باعتباره محاولة من السلطة لبناء قاعدة جماهيرية لها , وكان بوضياف ينوي اتخاذ خطوات على غاية من الخطورة ضدّ هذه الأحزاب في 05 تموز – يوليو – 1992 الاّ أنّ اغتياله في دار الثقافة في مدينة عنّابة حال دون تنفيذ العديد من الطروحات .
وكانت السلطة قبل هذا جردّت العديد من الأحزاب من مقراتها وصادرت جرائدها , وفتح محمد بوضياف عليه كل الجبهات ودفعة واحدة كالاعلام والقضاء والأصولية والتيارات السياسية , وحتى المؤسسة العسكرية دخل معها في خصام قبل اغتياله مباشرة وخصوصا عندما قابل العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني في الرباط لدى زيارة خاصة قام بها الى المغرب ووعده بحل قضية الصحراء الغربية بطريقة ترضي المغرب .
وفي كل خطبه ظلّ بوضياف يدعو الى الانضمام الى تجمعه الذي بقي مجرد فكرة حتى بعد اغتياله , كما كان في خطبه يركّز على قوة السلطة الجزائرية وضرورة استرجاع هيبة الدولة المفقودة , هذا بالرغم من أنّ صناع القرار الفعليين في الجزائر يعرفون حق المعرفة أن الجزائر أمام خيارين فامّا المصالحة الوطنية الشاملة , وامّا الزلزال الهائل الذي لا يبقي ولا يذر شيئا من أمر الجزائر , وكان بوضياف قبل اغتياله يدرك أنّ الحل السياسي يكمن في المصالحة الشاملة كما تحدث في بعض خطبه عن عودة وشيكة الى المسار الديموقراطي ويبدو أنّ بوضياف كان يغرّد خارج السرب !
ليس هذا فحسب بل انّ محمد بوضياف كررّ مرارا مصطلح المافيا التي تمسك بمقاليد المال والنفوذ في الجزائر , وكان بوضياف يحملّها أسباب تردي الأوضاع في مجملها في الجزائر .
وأخذ محمد بوضياف يصعّد من هجومه على المافيا المتنفذة في الجزائر بقوله أنّها هي التي نخرت الاقتصاد وفقرّت الشعب وأختلست ملايير الدولارات , وكان في خطبه يطالب الشعب الجزائري بتطهير السلطة من الفيروسات التي نبتت في شرايين الحكم ودوائر القرار.
ولم يجرؤ بوضياف على تسمية عناصر هذه المافيا ولا المناصب التي يشغلها المنتسبون لهذه المجموعة , علما أن الشباب العاطل عن العمل يرددّ في المقاهي أسماء بعض من هذه المافيا والأرصدة التي بحوزتهم في بنوك العواصم الغربية , وكان الشارع الجزائري يتصوّر في البداية أن بوضياف يناور لامتصاص النقمة الشعبية , وبعد أن بدأ في تنفيذ مخططه لتصفية هذه المافيا علقّ الشارع الجزائري بقوله : أيّ مستقبل ينتظر بوضياف!!
أمر محمد بوضياف بايداع الجنرال مصطفى بلوصيف السجن العسكري في مدينة البليدة بسبب اختلاسه أموال طائلة من وزارة الدفاع , وقيل عندها أنّ المسألة لا تعدو عن كونها صراعا خفيّا بين الصقور والحمائم داخل المؤسسة العسكرية .
وقدمّ بوضياف 400 ملفّا لأحد الجنرالات تتعلق بمختلسي ملايير الدولارات والذين سلم جميعهم أما بوضياف فكان مصيره الاغتيال . وكان لسان حال المافيا أنّ بوضياف اذا أراد أن يتعشّى بنا سنتغذى به , واذا أراد الشهادة في عهد الاستعمار سنمنحه اياّها في عهد الاستقلال !!

المافيا الجزائرية :

بات مألوفا في الجزائر أن يتحدث صنّاع القرار عن المافيا الجزائرية التي استطاعت أن تقيم تحالفا قويّا بين المال والنفوذ , بل أنّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي خلف اليامين زروال ذهب الى أبعد من ذلك عندما قال أنّ هناك اثنى عشرة شخصا يتحكمون في الاقتصاد الجزائري وهم من أصحاب النفوذ والسلطة .
وظهور مجموعة من الوصوليين والمختلسين والبراغماتيين الذين استغلوا مواقعهم ومناصبهم على الساحة السياسية الجزائرية ليس وليد العشرية السوداء أو العهد الشاذلي كما يدعّي سياسيون جزائريون , بل أن هذه المعضلة تعود الى ماقبل الاستقلال الجزائري , ويذهب العقيد منجلي وهو أحد روّاد الثورة الجزائرية الى القول بأنّ بعض السياسيين الجزائريين الذين كانوا يعملون خارج الجزائر أثناء الثورة الجزائرية استولوا على جزء كبير من أموال جبهة التحرير الوطني , وقد استغلّ هؤلاء في وقت لاحق الامتيازات والتسهيلات التي كان يتمتع بها رجال النظام في عهد الاستقلال فعملوا على تنمية هذه الأموال , كما كانوا يتقاضون عمولات ورشاوى بالجملة من الشركات الأجنبية .
وحتى أحمد بن بلة لم يسلم من الاتهام بأنّه أستولى على ما كان في صناديق التضامن الوطني , وهي عبارة عن تبرعات بالأموال والحليّ قدمها الشعب الجزائري برمته للحكومة الفتية حتى تتمكن من اعادة البناء أثناء الاستقلال , وقد ردّ أحمد بن بلة على هذا الاتهام بقوله أنّه حوّل هذه الصناديق الى وزارة الدفاع ولايدري مصيرها بعد ذلك .
كما اتهمّ زيتوني وهو أحد السياسيين الجزائريين بن بلة بتحويل أموال تبرعت بها الصين للجزائر الى حساب خاص به .
وكانت جريدة المنقذ لسان حال الجبهة الاسلامية للانقاذ قد نشرت ملفا كاملا كان قد أعدّه مجلس المحاسبة الرسمي المشرف على ملفات الاختلاسات , وقد أثار الملف المنشور زوبعة من ردود الفعل , وكانت شخصية سياسية هي التي سربت الملف الى جريدة المنقذ,
وفي الملف اتهامات تطاول كبار المسؤولين الجزائريين وخصوصا بعض الذين كانوا يشرفون على قطاع الطاقة الجزائرية , كما أنّ أصابع الاتهام وجهت الى رئيس الحكومة في ذلك الوقت سيد أحمد غزالي الذي كان مديرا عاما لشركة سوناطراك المشرفة على تسويق النفط والغاز الجزائريين , وقيل أنّه تلقى عمولة كبيرة من شركة البازو التى كانت تربطها عقود طويلة المدى مع شركة سوناطراك .
وفي ذلك الوقت كان حزب جبهة التحرير الوطني هو الحزب الحاكم المسيطر على مفاصل الدولة , وكان الانضمام الى هذا الحزب والتسلق الى مراكزه العليا يعني مجدا غير منقطع , باعتبار أنّ المسؤولين في جبهة التحرير الوطني كانوا يمنحون كل التسهيلات في الحصول على شقق وسيارات وفيلات وعملات صعبة .
وقد وضعت الحكومة في عهد الشاذلي بن جديد قانونا يقضي بالتخلي عن أملاك الدولة , فأشترى رجال الدولة ممتلكات دولتهم بأبخس الأثمان , وعلى سبيل المثال فقد اشترى البعض الفيلات التي كانوا يسكنونها بأسعار رمزية وأعادوا بيعها بملايير السنيمات الجزائرية , وأنّ أحد الوزراء اشترى الفيلا التي كان يقطنها من الدولة بعشرة ملايين سنتيم وهو سعر رمزي وباعها بملياريي سنتيم ,وكذلك الوضع بالنسبة للأراضي الزراعية الواسعة . وأستغلّت شخصيات سياسية مناصبها الراقية وجمعت ثروات مذهلة . وقد استشرى الفساد في كل مفاصل الدولة الجزائرية , فعلى مستوى البلديات كان رؤساء البلدية يبيعون أراضي الدولة الجزائرية للشخصيات السياسية المتنفذة بأثمان رمزية .
وعندما نجحت الجبهة الاسلامية للانقاذ في الانتخابات البلدية , عقد بعض رؤساء البلديات التابعة لجبهة الانقاذ الاسلامية ندوة صحفية في الجزائر العاصمة وكشفوا ملفات ثقيلة تطاول كبار المسؤولين الجزائريين الذين حصلوا على أراضي شاسعة وبأسعار رمزية, وكان هناك ملف يطاول رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد الذي اشترى قطعة أرض كبيرة مساحتها ألاف الهكتارات بمائة مليون سنتيم فقط وهو ثمن بخس للغاية , وكان الولاة رمزا للفساد في الجزائر فقد كان العديد منهم متواطئا مع رجال النظام والمؤسسة العسكرية , وكان بعض الولاة وعندما تنتهي الشركات المعنية من تشييد عمارة لكي يسكن فيها المواطنون المقهورون , يقومون بتوزيع العقود على رجال النفوذ و المكانة في الدولة , وبات الكبار يملكون عشرات الشقق فيما المواطنون الجزائريون يتناوبون على النوم في بيوتهم .
وكانت زوجات بعض كبار المسؤولين يتوجهن صباحا الى باريس للتبضع ويرجعن مساءا ومعهن أخر الصيحات و الصرعات , وكانت الحاجيات المجلوبة لا تخضع للتفتيش من قبل رجال الجمارك , ويذكر عمّال الميناء الجزائري كيف كانت صناديق مغلقة تصل الى بعض المتنفذين ولا يقدر أحد أن يمدّ يده اليها بالتفتيش .
وكان بعض المدراء الكبار يتقاضون عمولات كبيرة من شركات فرنسية وغيرها مقابل احتكار هذه الشركات للسوق الجزائرية لجهة توفير ما تحتاجه الجزائر من حاجيات غذائية وغيرها . وكانت النتيجة ظهور طبقة رأسمالية متوحشة معادلتها السلطة هي المال والمال هو السلطة , وأصبح في الجزائر نتيجة ذلك ستة ألاف ملياردير , الذين كان لهم دور كبير في تسيير شؤون الحكم , وقد سمع الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد عشية اقالته
كلاما من أحد المتنفذين مفاده : أنت هربت أموالك الى الخارج وتريد أن تبقينا هاهنا لمواجهة المحاكمات الشعبية !!


الرجل الذي حكم 166 يوما :

166 يوما من تولّي محمد بوضياف رئاسة المجلس الأعلى للدولة لم تساهم ولو بقسط قليل في حلّ الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي كانت تفتك بالجزائر , فالوضع الأمني ازداد تدهورا وتحولت الفوهة الأمنية الى براكين حقيقية أقضّت مضجع الجزائر , وبات القتل والقتل المضاد هو السمة الغالبة , ولم يقدر رصيد بوضياف التاريخي أن يطفئ لهب الفتنة الذي امتدّ الى محمد بوضياف نفسه ليجهز عليه بطريقة لا نراها الاّ في الأفلام الأمريكية المحكمة الاخراج .
حاول محمد بوضياف أن يجندّ الجزائريين حول مشروع وطني موحّد , فوجد نفسيّة جزائرية يائسة من النظام ورجالاته , حاول بعث الاقتصاد فأكتشف أنّه بيد مجموعة من المافيا . وطالب بصلاحيات واسعة من المؤسسة العسكرية فرسمت له الخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها , وأقحم في لعبة لم يساهم في رسم معالمها .
166 يوما لم يحقق فيها محمد بوضياف شيئا , وعلى حدّ تعبير أحمد بن بلة فانّ الرئيس محمد بوضياف تجاوزه الزمن الجزائري . لقد عاد محمد بوضياف الى الجزائر بعقلية ثوّار نوفمبر متناسيا أنّ الثورة الجزائرية نفسها قد ذبحت في الصميم , وأصبحت الثورة الجزائرية تأكل أبناءها وأباءها معا .
حاول تذكير الجزائريين بثورة نوفمبر فوجد أنّ الشعب الجزائري قد أرقّه ما شاهده من تحوّل رجال الثورة الى رجال ثروة , لقد أقسم بعض الجزائريين بأغلظ الايمان أن لا يثقوا فيما تقوله لهم السلطة الجزائرية , لقد أوهمتهم هذه السلطة أنّهم أصبحوا راشدين وبالغين وقادرين على اختيار من يرونه مناسبا وصالحا لتسيير شؤون الحكم , ولكن قرار الدبّابة كان هو الفصل والحكم !
لقد محت صور الدبّابات ودوريات الجيش والمواجهات الدامية التي كانت تتم بشكل يومي كل ما أرتسم في ذاكرة الجزائريين عن الثورة الجزائرية , وكيف يثق الشعب الجزائري بمحمد بوضياف والذين دمرّوا الجزائر ما زالوا يحيطون بمحمد بوضياف ويقررون تفاصيل التفاصيل , وقد صعب على الشارع الجزائري أن يقبل هذه الصورة المتناقضة صورة بوضياف رمز الثورة الجزائرية وأحد مفجريّها و صورة الذين قتلوا الشعب الجزائري وسفكوا دمه وأستباحوا حرماته , كيف يصدقّ الشعب الجزائري دعوة بوضياف الى محاربة الفساد , وأرباب الفساد مازالوا في كل المواقع في قصر الرئاسة والادارة والوزارات والمؤسسة العسكرية , ومن الصعوبة بمكان أن يتمكن بوضياف من تغيير الصورة .
وحتى لما حاول محمد بوضياف البقاء في الساحة وحيدا والشروع في عملية التطهير المعقدّة والصعبة , أزيح عن الساحة برصاصة في ظهره !
لقد كان بوضياف في أخر أيامه يصف النظام بأنّه وسخ ومعقّد وصعب , وحتى لما طرح مشروع محاسبة الشخصيات الكبيرة , تساءل المواطن الجزائري من يحاسب من في الجزائر!
والمافيا التي تحدث عنها بوضياف ليست معادلة سهلة يمكن النيل منها بسهولة , انّها تشكلت مع بدايات تشكّل النظام الجزائري وأزدادت تعقدّا والتواءا مع مرور الزمن .
لقد كان واضحا للجميع أنّ الغاء المشروع الديموقراطي والانتخابات التشريعية لم يكن الغرض منه حماية الديموقراطية والتعددية , بقدر ما كانت هذه العملية تهدف الى حماية المافيا و امتيازاتها خصوصا وأنّ جبهة الانقاذ كانت تهدد بالاقتصاص من المختلسين الذين تسببّوا في افلاس الجزائر .
ولم تبال هذه المافيا بالاعتبارات الدولية وسمعة الجزائر عربيا ودوليّا , ولما أستشعرت الخطر حاولت الاستنجاد بمحمد بوضياف الذي لم يسلم حتى من غدرهم , وهؤلاء الذين استقدموا محمد بوضياف وتذكروه أخر لحظة ,لم يخطر في بالهم أن يعيدوه الى وطنه قبل سنوات .

فور عودة محمد بوضياف صرحّ أنّه عاد الى الجزائر بعد الفراغ الدستوري الذي نجم عن اقالة الشاذلي بن جديد , وبعد فترة من هذا التصريح أدلى بتصريح لمجلة روز اليوسف قال فيه أنّ السلطة العسكرية هي التي أطاحت بالشاذلي بن جديد , وأنّ ما وقع في الجزائر هو انقلاب عسكري . وفي ندوة صحفيّة عقدها في الجزائر العاصمة صرحّ أنّ بعض القوى السياسية تقول أنّ ما وقع في الجزائر هو انقلاب عسكري وهي حرّة في اتخاذ هذه المواقف. وهذه التصريحات الخطيرة من رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد بوضياف أحرجت كثيرا المؤسسة العسكرية كثيرا والتي أعلنت مرارا أنّ الشاذلي بن جديد استقال ولم يزح من المنصب .
وقد رأى عندها مدير جريدة الصح أفة الناقدة حبيب راشدين في هذه التصريحات بداية الطلاق بين المؤسسة العسكرية ومحمد بوضياف , اذ لا يعقل أن يبادر رئيس المجلس الأعلى للدولة الى اطلاق هذه التصريحات الخطيرة . وقد تمّ تحريك وزير الثقافة والاعلام أبي بكر بلقايد ليدلي بتصريح مفاده أنّ الانتخابات الرئاسية ستجرى قريبا وفي غضون 1992 , وقد تضايق بوضياف من هذا التصريح وكذبّه تكذيبا قاطعا . كما أنّ وزير الداخلية الجنرال العربي بلخير كان يناور في هذا الاتجاه , و تصريحه لجريدة صوت الكويت بأنّ الكرة في ملعب السياسيين فهم منه بأنّ بوضياف لم يعد على مستوى الطموح , وقيل في وقت لاحق أنّ العربي بلخير كانت له يد في اغتيال محمد بوضياف في مدينة عنابة و كانت للعربي بلخير طموحات كبيرة , الى درجة أنّ الاعلام الجزائري وعندما أشار الى قرب ابعاد سيد أحمد غزالي من رئاسة الحكومة , أورد اسم العربي بلخير كبديل لغزالي , وبعض هذه التسريبات كانت في الواقع بالونات اختبار .
و الخلاف الأخر بين بوضياف والمؤسسة العسكرية كان حول بقاء سيد أحمد غزالي رئيسا للوزراء , وقد أعترف مقربون من محمد بوضياف أنّ هذا الأخير كان مستاءا من سيد أحمد غزالي , أماّ المؤسسة العسكرية فقد كانت متمسكة بسيد أحمد غزالي على اعتبار أنّه كان أحد المساهمين في اخراج سيناريو الاطاحة بالشاذلي بن جديد و اقامة المجلس الأعلى للدولة .
والعجيب أنّ هناك من كان يريد أن يصبح سعيد سعدي زعيم الحركة من أجل الثقافة والديموقراطية البربري رئيسا للوزراء , وكانت خطوة من هذا القبيل كفيلة بتأجيج الحرب الأهلية في الجزائر , بحكم تحكّم التوجهات المناطقية والجهوية في بنية النظام الجزائري .
ومن الخلافات بين بوضياف والمؤسسة العسكرية أنّ بوضياف أراد الاتصال بالدكتور عباسي مدني زعيم الجبهة الاسلامية للانقاذ في محاولة لايجاد تسوية سياسية للأزمة القائمة في الجزائر .
و اقدام محمد بوضياف على ايداع الجنرال مصطفى بلوصيف رهن السجن العسكري في البليدة لم يرض أطرافا داخل المؤسسة العسكرية والتي كانت ترى ضرورة ابقاء رجال المؤسسة خارج المحاكمات والملاحقات القضائية , لئلا تفقد المؤسسة العسكرية صدقيتها .
والواقع أن بوضياف كان يعيش في خضم المتناقضات بين الأجهزة القديمة والجديدة التابعة لهذا الفريق أوالموالية للفريق الأخر , وقد دخل بعضها على خط الصراع الدموي بين السلطة والاسلاميين و نفدّ العديد من عمليات الاغتيال وحتى التفجيرات , وبلغ الصراع أوجه عندما أعلن العربي بلخير وزير الداخلية لجريدة صوت الكويت أنّ تمردا وقع على مستوى بعض القوات الخاصة والتي التحقت بأمير الحركة الاسلامية المسلحة في ذلك الوقت عبد القادر شبوطي.
وهذا التصريح لم يرض المؤسسة العسكرية التي أخرجت بلخير من دوائر الضوء ورغم ذلك ظلّ على علاقة بمراكز القوة ونسقّ معها في كثير من القضايا *.



• راجع كتاب المؤلف الحركة الاسلامية المسلحة في الجزائر , وكتاب أربعة أيّام ساخنة في الجزائر ليحي أبوزكريا أيضا .


شريط اغتيال محمد بوضياف :

بعد دعوته المتكررة لتأسيس التجمع الوطني , استجاب له بعض المواطنين في مدينة عين تموشنت ومدينة عنابة شرقي الجزائر , وقررّ بوضياف التوجه الى هذه المناطق وتوضيح أفكاره في هذا المجال , وعلى الرغم من أنّ الجزائر كانت تشهد انزلاقات أمنية خطيرة فانّ أحدا لم ينصح محمد بوضياف بالغاء رحلته الى منطقة الشرق الجزائري , والأكثر من ذلك فانّ المسؤولين الكبار في الجزائر لم يرافقوا بوضياف في رحلة الموت , فقد كان غائبا عن الموكب الرئاسي رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي ووزير الداخلية الجنرال العربي بلخير و لا أحد من أعضاء المجلس الأعلى للدولة صحب بوضياف وكأنّ الكل كان على علم بما دبّر لبوضياف الاّ هو !
رفيق بوضياف في رحلة الموت هذه كان وزير الصناعات الخفيفة السيد كريمان وبعض المسؤولين الصغار بالاضافة الى أحد أقرباء محمد بوضياف .
وقبل رحلته الى مدينة عنابة أسرّ بوضياف لصديقه محمد يزيد أنّ الوضع معقّد وأنّ بعض الأطراف في النظام لن تسكت عن عزمه على تطهير النظام الجزائري من المرتشين و المختلسين .
وصل محمد بوضياف الى مطار مدينة عنابة يوم 29 حزيران –جوان – 1992 في الساعة الثامنة والنصف صباحا وكان في استقباله والي مدينة عنابة والمسؤولون العسكريون عن هذه الناحية . وفي الساعة العاشرة والنصف افتتح محمد بوضياف معرضا للشباب وتنقلّ بين أجنحته .
وفي حدود الساعة 11 وصل محمد بوضياف الى المركز الثقافي في مدينة عنابة , حيث شرع في القاء محاضرة ركزّ فيها على الشباب ودورهم في بناء المجتمع , كما تحدث عن الفساد وضرورة القضاء على الفساد الذي ينخر جسم النظام الجزائري , وحثّ الشباب على ضرورة الاعتماد على النفس للخروج من الأزمة الحالكة , وأسترسل في الحديث عن الجزائر والعواصف التي تعصف بها , وحملّ النظام القديم تبعات ما ألت اليه الأوضاع في الجزائر , وعندما وصل الى عبارة أنّ الاسلام يحث على العلم انفجرت قنبلة يدوية من الجهة الشمالية للمنصة التي كان عليها محمد بوضياف , وهاهنا شاهد الحضور ستارة المسرح خلف محمد بوضياف تتحرك وسرعان ماخرج من وراء الستارة رجل يرتدي زيّ القوات الخاصة ومعه رشاش , حيث اقترب من محمد بوضياف وأفرغ محتواه في جسده وقع بعدها بوضياف أرضا و مباشرة .
دبّ الخوف والهلع وسط الحضور الذي انبطح كثير منهم على الأرض , وقد قيل أنّ هدف تفجير القنبلة اليدوية هو جعل الناس تتراجع عن المنصة وتنبطح أرضا وأثناءها سمعت طلقات نارية داخل القاعة وخارجها , فيما كان بوضياف جاثما على الأرض وقد غطّاه البعض بالعلم الجزائري , وبعد عشرين دقيقة من الحادث وصلت سيارة اسعاف الى المركز الثقافي وأقلّت محمد بوضياف الى مستشفى ابن رشد في مدينة عنابة .
و عبثا حاول الأطبّاء انعاشه الأمر الذي استدعى نقل محمد بوضياف الى مستشفى عين النعجة العسكري في الجزائر العاصمة , ولم يتأخر المستشفى كثيرا في الاعلان عن وفاة المناضل محمد بوضياف .
وفي حدود الساعة الثانية عشر ظهرا بدأ التلفزيون الجزائري الرسمي يبث الأيات القرأنية وقد فهم المواطنون أنّ كارثة حلّت بالجزائر خصوصا وأنّ التلفزيون الجزائري كان قد تعودّ على بث الأغاني في مثل هذا الوقت !
وفي الساعة الواحدة ظهرا أعلن التلفزيون الجزائري عن وفاة محمد بوضياف وكان قارئ الخبر الصحفي الجزائري المعتز بالله جيلالي .
ومساءا بثّ التلفزيون الجزائري شريطا مسجلا عن مسلسل الاغتيال , لكنّ مقص الأجهزة كان قد حذف مشهد خروج الملازم العسكري مبارك بومعراف قاتل بوضياف والمنتمي الى القوات الخاصة من وراء الستار والطريقة التي أجهز بها على بوضياف .
وقد تسربّت بعض الأخبار من مبنى التلفزيون تفيد أنّ رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي ووزير الاعلام والثقافة كانا هناك وأمر بحذف هذه المشاهد .
وكانت الصدمة عنيفة للغاية على الشعب الجزائري الذي توالت عليه الصدمات الأمنية بشكل متسارع , وخرجت بعض الجماهير للمشاركة في جنازة محمد بوضياف والتي كانت يتيمة للأسف الشديد , لا لأنّ محمد بوضياف الرمز لا يستحق ردّ الجميل من قبل شعبه الذي مازال يتذكر جهاد بوضياف ودوره في تفجير الثورة الجزائرية , بل لأنّ بوضياف تورطّ مع من ألغوا اختيار الشعب الجزائري وحولوا الصحراء الجزائرية - التي كانت تستخدمها السلطات الفرنسية أثناء استعمارها للجزائر حقلا لتجاربها المتعلقة بالتفجيرات النووية – الى معتقلات ضمّت عشرات الألاف من المعتقلين . وحتى الذين خرجوا لتشييع جثمان محمد بوضياف رددوا شعارات سياسية , وأغتنموا الفرصة في ظل حالة الطوارئ المفروضة منذ 1992 والتي بموجبها يحظر التجمهر والتظاهر وما الى ذلك من الأفعال الديموقراطية .
ومن الشعارات التي رفعها المشيعّون هي من قبيل :
-لا اله الاّ الله عليها نحيا وعليها نموت وبها نلقى الله .
-يا عليّ , يا عبّاس الجبهة راهي لا بأس - أي أنّ جبهة الانقاذ ما زالت بخير رغم وجود كل قيادييها في السجن - .
-الشاذليّ قاتل .
-جلبوه لكي يقتلوه .- أي أحضروا بوضياف الى الجزائر لكي يقتلوه - .
-دولة دولة اسلامية .
ولا شك أنّ المتتبع للحدث الجزائري يعرف أنّ معظم هذه الشعارات كان يرددها أنصار الجبهة الاسلامية للانقاذ .
وقد حضر جنازة محمد بوضياف رئيس الوزراء سيد أحمد غزالي , ووزير الدفاع خالد نزار , و اعضاء المجلس الأعلى للدولة علي كافي الذي خلف محمد بوضياف في منصبه , وعلي هارون , وتيجاني هدّام , كما حضر تشييع الجنازة شخصيات عربية وأجنبية كياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية , و رولان دوما وزير خارجية فرنسا .
وقد أعلن أقرب المقربين الى بوضياف نجله ناصر بوضياف أن المافيا الجزائرية هي التي اغتالت محمد بوضياف , في حين طالبت زوجته بضرورة الكشف عن منفذّي العملية الحقيقيين .
ولتفادي الشغور الرئاسي مرة أخرى تمّ الاعلان عن اسم رئيس المجلس الأعلى للدولة وهو العقيد علي كافي وتمّ ضمّ رضا مالك كعضو في المجلس الأعلى ليكتمل النصاب ….


تناقضات واختلافات :

بعد الاعلان عن اغتيال محمد بوضياف في نشرة الأخبار في التلفزيون الجزائري في الساعة الواحدة ظهرا , ورد في سياق النشرة اسم القاتل وهو الملازم العسكري مبارك بومعراف ,
وفي نشرة الثامنة مساءا لم يتم التطرق اطلاقا الى هوية القاتل , لكن ذكرت الأنباء أنّ القاتل تمّ القاء القبض عليه .
ومن جهة أخرى ذكرت مصادر رسمية عندها أنّ منفّذ العملية مبارك بومعراف ينتمي الى دائرة مكافحة التجسس وقد أغتال بوضياف وتمكنّ من مغادرة قصر الثقافة , و في أحد شوارع مدينة عنابة رأته عجوز من شرفتها وبلغّت عنه الشرطة ,عندها تمّ القاء القبض عليه.
فكيف غادر الملازم مبارك بومعراف قصر الثقافة وهو محاط بعشرات العناصر الأمنية !
وكيف تعرفّت عليه هذه العجوز و هل سبق لها وأن رأته سابقا !
ولماذا لم يفر من مكانه عندما رأته العجوز وبقيّ في مكانه الى أن جاءت الشرطة !
ولماذا تأخرّت سيارة الاسعاف في الوصول الى مكان الحادث الاّ بعد عشرين دقيقة من وقوع الحادث !
كل هذه المتناقضات والقرائن جعلت الحديث عن وجود مؤامرة محكمة الاخراج واردا وخصوصا في سياق ما كانت تعيشه الجزائر من تداعيات على الصعيد الأمني والسياسي .
وبعد اتهام الملازم مبارك بومعراف رسميا باغتيال محمد بوضياف تمّت احالته الى المحكمة المدنية في مدينة عنابة والتي أعلن نائبها العام أنّ القضية سياسية والقاتل عسكري فيجب احالة القضية الى محكمة عسكرية , و القضاء العسكري من جهته رفض النظر في القضية , وقد رفض حتى النظر الى الملف ودخل القضاء المدني في خلاف مع القضاء العسكري , الأمر الذي أعطى انطباعا بأنّ هناك من يريد تضييع خيوط المؤامرة . ونجح القضاء العسكري في تجنيب نفسه النظر في قضية اغتيال محمد بوضياف , والتي أصبحت من صلاحيات القضاء المدني و كأنّ الجناية عادية في بعدها و هدفها .
وكانت المؤسسة العسكرية لا تريد أن تتورط مع شخصيات كبيرة قد يكونون من نفس المؤسسة العسكرية .
وقد أعلن النائب العام لمدينة عنابة السيد محمد تيغرامت أمام الصحافيين أنّ القرار الصادر عن هيئته القضائية لجهة عدم الاختصاص واضح ولا يشوبه أيّ غموض , وهذا الأمر كما قال النائب العام مستوحى من نصوص وروح قوانين الجمهورية , وأستدلّ على ذلك بقوله أنّ الجاني عسكري و قام بارتكاب جريمته أثناء وجوده في الخدمة , وهو ما تعاقب عليه المادة 25 من قانون الاجراءات القضائية العسكرية , و أستطرد النائب العام في مدينة عنابة قائلا أنّه انطلاقا من هذا كنّا نتوقع من السلطات القضائية العسكرية التكفل قانونيا بهذه القضية الاّ أنّ الرفض القاطع واللامشروط لهذه السلطات أدّى الى احداث شلل في الاجراءات , وأنّ هذا الشلل سيوقف مسار البحث عن الحقيقة التي ينتظرها المجتمع !
وهو اعتراف ضمني من نائب مدينة عنابة بأنّ المؤسسة العسكرية تعمد الى اخفاء الحقيقة وتبديدها . ولم يقدم النائب العام معلومات عن القاتل الملازم العسكري مبارك بومعراف,
والمعلومات السطحية التي قدمت للشعب الجزائري من أجل اسكاته أنّ الملازم العسكري مبارك بومعراف ينتمي الى مكافحة التجسس وهو من مواليد 1966 وتلقى تدريبه في بلجيكا وبعض الدول العربية وهو ذو ميول دينية , وكان علي جدّي أحد قادة الجبهة الاسلامية للانقاذ أستاذه في المرحلة الثانوية . ونفس المعلومات قدمها رزّاق بارة عضو لجنة التحقيق في اغتيال محمد بوضياف والذي قال أنّ بومعراف كان يقرأ الكتب الدينية وليست له ميول حزبية . وقد رأى المراقبون في ذلك الوقت أنّ هذه التصريحات تهدف الى زجّ الجبهة الاسلامية للانقاذ في قضية اغتيال محمد بوضياف . وللتذكير فانّ قادة الجبهة الاسلامية للانقاذ الدكتور عباسي مدني وعلي بلحاج وغيرهما مدنيون ورؤساء حزب سياسي مدني ومع ذلك فقد جرت محاكمتهم في محكمة عسكرية , أما قاتل الرئيس الجزائري محمد بوضياف وهو عسكري فقد جرت محاكمته في محكمة مدنية !
وفي الوقت الذي نشب فيه خلاف بين القضاء العسكري والقضاء المدني , نشب خلاف مماثل بين أركان النظام الجزائري وأستعرت حرب الأجهزة من جديد في الجزائر . فجريدة الخبر الناطقة باللغة العربية نشرت في الصفحة الأولى أنّ وزير الداخلية الجنرال العربي بلخير قد أقيل من منصبه وتمّ تعيين أحد الجنرالات المتقاعدين مكانه , وقد سارع العربي بلخير الى تكذيب الخبر وأستدعى مسؤولي جريدة الخبر وهددهم بنسف جريدتهم , و أسمعهم كلاما بذيئا , و حقيقة ما جرى أنّ جهات في الجزائر سربت الخبر على اعتبار أنّ الجنرال العربي بلخير أحد أركان نظام الشاذلي بن جديد , وأحد المحسوبين على اللوبي الفرانكفوني في الجزائر وكان متهما بالضلوع في لعبة تصفية بوضياف .
ولما لم يقدر أحد على ازاحته تمّت التضحية بحكومة سيد أحمد غزالي , وعندما أقيلت حكومة سيد أحمد غزالي صرحّ هذا الأخير أنّ الأشرار كثيرون في الدائرة النظامية وهؤلاء يعرقلون كل الايجابيات , وعيّن سيد أحمد غزالي سفيرا للجزائر في باريس و كان يراد منه المساهمة في ترطيب العلاقات الفرنسية –الجزائرية لكون غزالي صديقا حميما لفرنسا فهو منذ تخرجّ كمهندس من المعاهد الفرنسية قبيل الاستقلال الجزائري بقليل والعلاقة بينه وبين باريس ايجابية , ثمّ انّ الجزائر كانت في حاجة الى ترطيب الأجواء خصوصا وأنّ الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران أحتجّ على تنحية صديقه الحميم الشاذلي بن جديد - متيران هو الذي أختار عبارة الصديق الحميم ولا دخل للمؤلف في انتقائها - .
وقبل تنحية سيد أحمد غزالي التقى وزير الدفاع الجنرال خالد نزار ببعض الشخصيات السياسية الجزائرية كعبد الحميد مهري الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني , وحسين أية أحمد زعيم جبهة القوى الاشتراكية , ومحفوظ نحناح زعيم حركة حماس , وأحمد طالب الابراهيمي عضو اللجنة المركزية في حزب جبهة التحرير الوطني ووزير الخارجية الأسبق , وكان ذلك مؤشرا على أنّ دوائر القرار تريد الاستنجاد بالطبقة السياسية .

لجنة التحقيق :

لالهاء الشعب الجزائري و تعمّد عدم الكشف عن الحقيقة قام المجلس الأعلى للدولة بتعيين لجنة تحققّ في اغتيال محمد بوضياف يرأسها أحد أصدقاء محمد بوضياف أحمد بوشعيب , والعجيب أنّ هذه اللجنة طلبت من المواطنين الجزائريين أن يمدوها بما لديهم من معطيات , ومساعدة هذه اللجنة , ولم تمر هذه النكتة على الشارع الجزائري الذي علقّ بقوله كيف يطلب ممن يطالب بكشف الحقيقة أن يمدّ هذه اللجنة بمعلومات !
وقدمت هذه اللجنة أرقاما هاتفية ليتصل بها من يوّد أن يقدمّ معلومات بشأن الحادث . أحد المواطنين كما ذكر حينها اتصل بهذه اللجنة وأبلغها أنّ مبارك بومعراف زميله وقد مات في سنة 1982 في تدريبات خاصة !!
هذا الأمر وغيره جعل المواطنين الجزائريين يشكّون في حقيقة الجاني والمعلومات المقدمة اليهم بشأنه . وقد أعطى المجلس الأعلى للدولة مهلة عشرين يوما لهذه اللجنة حتى تكشف عن الحقائق كاملة .
وتوجهت هذه اللجنة الى مدينة عنابة , وأحاطت تنقلاتها وتحركاتها بسرية فائقة , وقد أحتجّ الصحافيون في مدينة عنابة على هذا التكتّم المبالغ فيه وطالبوا بتفسيرات بشأن بعض المعلومات المتناقضة , فلجنة التحقيق تقول أنّ الملازم العسكري مبارك بومعراف نفذّ العملية بمفرده , في حين أنّ النائب العام لمدينة عنابة قال أنّ العملية نفذّت بطريقة ذكية ودقيقة بحيث يستحيل أن تكون من فعل شخص واحد , وقد غادر هذا الشخص الجاني مكان الحادث سليما معافى . وقد ذكر بعض الصحفيين أنّ مبارك بومعراف عقب خروجه من قصر الثقافة لجأ الى شقّة , وقال لبعض المواطنين أنّه من رجال الأمن المكلفين بحماية محمد بوضياف , وأنّ أناسا يريدون قتله وطلب منهم استدعاء الشرطة .
مراسل جريدة لاناسيون في مدينة عنابة أفاد بأنّ سيارة من نوع جيتا كانت مرابضة قرب قصر الثقافة مكان حدوث الاغتيال رفقة سيارة أخرى تمّ توقيفها في مدينة عزابة بعد مطاردتها بطائرة مروحية ودراجات نارية تابعة للدرك الوطني الجزائري .
وكانت محكمة عنابة تناقض نفسها فحينا تقول أنّ مبارك بومعراف أعتقل وحده , ثمّ أعلنت أنّه تمّ اعتقال اثني عشرة شخصا متورطين مع مبارك بومعراف , وربما لأجل ذلك قالت جريدة لوناسيون أنّ بومعراف تلقى أمرا باغتيال محمد بوضياف . لكن من أمره بذلك !
و ذكر في مدينة عنابة أنّ مبارك بومعراف طلب من قاضي المحكمة حضور أحد المسؤولين الكبار كشرط للادلاء باعترافاته . أما نجل الرئيس محمد بوضياف ناصر بوضياف فقد أعلن أنّ الجريمة لها أطراف في الداخل والخارج .
وبعد عشرين يوما على التحقيق في اغتيال محمد بوضياف صرحّ أحد أعضاء لجنة التحقيق رزّاق بارة بأنّ القاتل يدعى مبارك بومعراف ,وقد نفذّ الجريمة بملء ارادته , وأنّ تقصيرا لوحظ في فريق الحماية , وهكذا فسرّت لجنة التحقيق الماء بالماء بعد جهد وعناء .
وبناءا عليه وضع ضابطان كانا ضمن فريق حماية محمد بوضياف هما هجرس والسائح, رهن الحبس الاحتياطي , و غاية ما قامت به لجنة التحقيق أنها أكدت أنّ القاتل هو الملازم العسكري مبارك بومعراف . وحتى لما أستأنفت هذه اللجنة أعمالها الى أواخر تشرين الثاني – نوفمبر – 1992 رددت نفس النتيجة التي سبق لها وأن أذاعتها على الملأ...


تشريح مؤامرة :

يتضح جليّا ومن خلال قراءة كاملة ومستوعبة وموضوعية لملف اغتيال محمد بوضياف أنّ هناك خمسة احتمالات في قضية اغتيال رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد بوضياف وهي :
1- أن يكون اغتيال محمد بوضياف داخلا فيما يسمى بمقتضيات أمن الدولة , وأنّ صناع القرار في أعلى المستويات الأمنية أكتشفوا فجأة أنّ محمد بوضياف خطر على الأمن القومي الجزائري ومن تمّ قاموا بتصفيته .
2- أن يكون محمد بوضياف ضحيّة صراع الأجنحة في المؤسسة العسكرية ودوائر القرار , وأنّ بوضياف قد يكون أضرّ بطرف أو مركز قوة معيّن , أو كاد جناح من الأجنحة أن يفقد مصالحه فأجهز على محمد بوضياف قبل أن يفقد امتيازاته .
3- أن يكون اغتيال محمد بوضياف من تدبير الجبهة الاسلامية للانقاذ أو الجماعات الاسلامية الأخرى .
4- أن يكون الملازم العسكري مبارك بومعراف قد تصرفّ بملء ارادته ونفذّ عملية الاغتيال .
5- أن تكون جهات أجنبية أمريكية أو فرنسية على وجه التحديد وراء اغتيال محمد بوضياف .

تحليل الاحتمال الأول :

عندما قام الرئيس محمد بوضياف بزيارة خاصة لمتابعة أعماله في المغرب التقى الملك المغربي الراحل الحسن الثاني ووعده بحل وشيك لقضية الصحراء الغربية يرضي المغرب . كما أن معلومات ترددت في الجزائر تفيد أنّ بوضياف كان يريد تكليف سعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري بتشكيل الحكومة خلفا لسيد أحمد غزالي , وخطوة من هذا القبيل من شأنها أن تضرّ كثيرا بالوحدة الترابية والجغرافية للجزائر .
وكان سعيد سعدي هددّ بحمل السلاح واشعال النار في منطقة القبائل اذا وصل الاسلاميون الى السلطة . وكان من الدعاة الأوائل الى ضرورة تدخّل الجيش لالغاء الانتخابات التشريعية .
وما جئنا على ذكره لم يرق الى مستوى تهديد الأمن القومي الجزائري حتى يقال أنّ بوضياف يجب أن يقتل , والمؤسسة العسكرية مثلما أقالت الشاذلي بن جديد كان في مقدورها أن تقيل محمد بوضياف .

تحليل الاحتمال الثاني :

أدّى الخلل في بنية النظام الجزائري ومنذ تأسيسه الى تشكّل مراكز قوة وأجنحة , وكانت المصالح والامتيازات هي التي توحّد بين مراكز القوة التي كبرت وكبرت معها مصالحها أيضا . وعمل كل مركز قوة على حماية نفسه بقوة أمنية و عسكرية الى درجة أنّ محمد بوضياف صرح في يوم من الأيام قائلا أنّ الجزائر لا تقبل لا بانقلاب عسكري ولا بانقلاب بوليسي في اشارة الى المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية , وقد تكاثرت الأجنحة الأمنية مع تكاثر الحكومات ومراكز النفوذ , وهناك أجهزة فعلية وأجهزة قديمة تريد استرجاع ماكان لديها من امتيازات , وعندما تبنىّ محمد بوضياف مشروع تطهير النظام الجزائري من المافيا كان يعي خطورة القيام بمثل هذه الخطوة . وقد يكون بوضياف ضحية أحد مراكز القوة الذي بات مقتنعا بأنّ بوضياف بات يشكل خطرا عليه .

تحليل الاحتمال الثالث :

الملازم العسكري مبارك بومعراف الضالع في اغتيال الرئيس محمد بوضياف اعترف كما تقول لجنة التحقيق بأنّه اضطّلع بعملية الاغتيال وحده , وأنّه كان يحلم أن يطهرّ الجزائر من الطغاة كما قالت لجنة التحقيق في بيان لها . وهو قد قام بهذه الخطوة لتخليص الجزائر من الخوف الذي يسيطر على شعبها منذ فرض حالة الطوارئ .

تحليل الاحتمال الرابع :

في تحقيق خاص لجهاز الأمن العسكري الجزائري تبينّ أنّ عشرين بالمائة من الجنود في الجيش متعاطفون مع الجبهة الاسلامية للانقاذ , وقد أتهمّ الملازم مبارك بومعراف قاتل محمد بوضياف بأنّه متأثر بالأفكار الدينية . وكان جهاز أمني قد حذرّ بوضياف من عناصر مسلحة قد تقدم على اغتيال رموز في السلطة الجزائرية وأنّ عدد هذه العناصر هو بين 1500 و3000 عنصرا .


تحليل الاحتمال الخامس :

قال الجنرال شارل ديغول مباشرة بعد استقلال الجزائر في 05 تموز –يوليو- 1962 أنّ فرنسا ستعمل ما في وسعها حتى تنتهي الجزائر بالضربة القاضية بعد ثلاثين سنة .
لقد كانت باريس على الدوام تتربص بالجزائر الدوائر وكان لديها عقدة من الوطنيين الجزائريين , وحاولت عبر وسائلها الكثيرة والمتنوعة في الجزائر نسف التيار الوطني وبعده التيار الاسلامي الذي لا ينسجم وطموحاتها الفرانكفونيّة في المغرب العربي , وربما تكون قد أوحت الى بعض الأجنحة التابعة لها القيام باغتيال بوضياف , وقد علقّت الصحف الفرنسية عشية اغتياله قائلة أنّ الجزائر تقتل رموزها , مما يعني في نظر باريس أنّ الشعب الجزائري قد تنكرّ لثورته ورموزه بعض ثلاثين سنة من الاستقلال !


من قتل محمد بوضياف ! :

كل هذه الاحتمالات واردة , وفي ظل نظام يمارس فرض الحصار على المعلومات حتى في أبسط الأشياء يصبح كل شيئ ممكنا , لكن القرائن السابقة و اللاحقة والتي تجلّت بعد سنوات من اغتيال بوضياف ترجّح الاحتمال الثاني وهو أنّ بوضياف كان ضحية الصراع بين الأجنحة ومراكز القوة , والجناح الذي نفذّ العملية مرتبط عضويا بالمشروع التغريبي الفرنسي مما ينشئ علاقة مباشرة أو غير مباشرة بين الاحتمال الثاني والاحتمال الخامس .
والفريق الأمني الذي رافق محمد بوضياف كان يتلقى أوامره من خليّة تسيير حالة الطوارئ في وزارة الداخية التي كان على رأسها الجنرال العربي بلخير والذي تربطه علاقات قوية بكبار الجنرالات في المؤسسة العسكرية .
والأكيد أنّ محمد بوضياف كان عازما على تغيير هيكلية النظام الجزائري , وكان ماضيا باتجاه اقصاء كل الذين عملوا على وضع الجزائر على فوهات البركان , كما كان مصرّا على كشف كل المختلسين والسارقين الذين نهبوا مليارات الدولارات وفقرّوا الشعب الجزائري , وأعدّ ملفات تطاول كبار الشخصيات الجزائرية تمهيدا لمحاكمتهم , ودائما كان يردد قائلا : نحن أسرى وضع مزري وسيئ وورثنا تركة ثقيلة وسوداء .
لقد سبق لرئيس الحكومة السابق سيد أحمد غزالي أن قال أنّ مصيبة الجزائر الكبرى تكمن في فتنة الكرسي المستعصيّة .


لقد كان لاغتيال محمد بوضياف صدى كبير في نفوس الجزائريين الذين شاهدوا لأوّل مرة في حياتهم رئيسهم وهو يتعرّض للاغتيال من الظهر , ولا ينسى الجزائريون منظر رئيسهم وهو مسجّى على الأرض تحيط به دماؤه المنهمرة وعلى صدره علم الجزائر الذي ثار لأجله ذات يوم محمد بوضياف , لقد كانت نهاية هذا الرجل غير سعيدة , فالجزائريون يعترفون له بفضل تفجير الثورة الجزائرية التي أفضت الى تحقيق كرامة الجزائريين وعزتهم ,
ولذلك خرج كثيرون الى الشوارع للبكاء على أحد رموز الثورة الجزائرية , والجزائريون الذين شاركوا في تشييع جنازة محمد بوضياف كانوا في الواقع يبكون الجزائر أيضا .
لم تتمكن شرعية بوضياف التاريخية أن تسكت نقمة الشعب الجزائري على ممارسات ومسلكيات أضرّت بالثورة الجزائرية و الدولة الجزائرية وسمعة الجزائر , ولم يتمكن بوضياف من رأب الصدع بين السلطة والجماهير , لقد كان بوضياف بالفعل الرجل المناسب في الوقت غير المناسب , لقد عاد من المغرب الى الجزائر بغية انقاذها , فذهب هو والجزائر باتجاه الهاوية .

وبعد اغتياله مباشرة تمّ تعيين العقيد علي كافي على رأس المجلس الأعلى للدولة , وأنتخب رضا مالك رئيس المجلس الاستشاري عضوا خامسا في المجلس الأعلى للدولة , ولم تسكّن صدمة اغتيال محمد بوضياف الايقاع السياسي والأمني الذي استمرّ متهيجاّ وحادّا .
وبعد أسبوعين من اغتيال محمد بوضياف بالضبط وفي 12 تموز –يوليو – 1992 شرعت المحكمة العسكرية في محاكمة قادة الجبهة الاسلامية للانقاذ في المحكمة العسكرية في مدينة البليدة , وكان ذلك مؤشرا على أنّ هناك من يريد أن يصرف نظر الشعب الجزائري عن ملف اغتيال محمد بوضياف , وفي نفس الوقت أقيلت حكومة سيد أحمد غزالي , وتمّ تعيين بلعيد عبد السلام على رأس الحكومة الجديدة .
وكانت حركة المتغيرات السياسية متزامنة مع حركة المواجهات الدموية التي ازدادت كارثية ودموية بعد اغتيال محمد بوضياف .
وعلي كافي كسابقه ورث وضعا صعبا ومعقدّا وظلّت الجزائر في عهده تراوح مكانها , بل انّ وقع الرصاص والاغتيالات ازداد حدّة , وبلغت المواجهات الذروة في عهد علي كافي, وبات عهده يعرف بعهد الدماء , ولم تتمكن قوانين مكافحة الارهاب والاجراءات الصارمة من وضع حدّ للزلزال الجزائري !!!

http://www.arabtimes.com/mixed3/doc79.html

علي كافي : العقيد الديبلوماسي .

العقيد علي كافي عسكريّ محترف انضمّ الى الثورة الجزائرية منذ اندلاعها , وكان من كوادرها في منطقة الغرب الجزائري وقد أوكلت اليه مهمات عسكرية كثيرة أثناء الثورة الجزائرية , وكثيرا ما كان يتنقّل بين الجزائر وتونس الى تاريخ استقلال الجزائر .
وبعد الاستقلال مباشرة عمل في وزارة الخارجية , وعيّن سفيرا للجزائر في أكثر من عاصمة عربية كبيروت ودمشق و القاهرة وتونس . وكانت تربطه علاقات جيدة ببعض الرؤساء العرب من أمثال جمال عبد الناصر و الحبيب بورقيبة , الى درجة أنّ التيار الفرانكفوني في الجزائر كان يعتبره قوميا عربيّا , وقد تعودّ الفرانكفونيون في الجزائر على اتهام كل من يحبّ الثقافة العربية ويميل الى اللغة العربية بأنّه قومي أو بعثي وما الى ذلك من المسميات , و في وقت لاحق باتوا يتهمون المعرّب بأنّه أصولي أو سليل الأصولية , وكأنّهم الأصل في الجزائر وغيرهم الدخيل .
و قد قضى علي كافي حياته متنقلا بين العواصم العربية , وأعتبره البعض في الجزائر بأنّه كان خارج اللعبة السياسية . وأثناء تعيينه على رأس المجلس الأعلى للدولة عقب اغتيال محمد بوضياف , قيل ساعتها أنّ السلطة تريد أن تعالج أزمة الثقة بين السلطة والرعيّة , لكن هذه الخطوة لم تفلح في ردّ الاعتبار للنظام , لأنّ الأزمة السياسية التي اندلعت في الجزائر كانت أكبر من كافي ونظرائه .
أنهيت مهام علي كافي الديبلوماسية في عهد الشاذلي بن جديد , حيث جرى تعيينه أمينا عاما لمنظمة المجاهدين التي ترعى شؤون المجاهدين الجزائريين الذين شاركوا في الثورة الجزائرية , وكانت هذه المنظمة محل انتقاد العديد من السياسيين باعتبار أنّ هذه المنظمة أهملت حقوق المجاهدين الفعليين , وبات المجاهدون المزيفون -وهم الذين زورّوا أوراقا ووثائق لاثبات أنهّم شاركوا في الثورة الجزائرية وحازوا على العديد من الامتيازات – في الواجهة يستفيدون من كافة الامتيازات التي حظيّ بها الذين شاركوا في الثورة الجزائرية فيما بعد . وللاشارة فانّ أيّ جزائري كانت تكفيه شهادة شخصين معروفين بدورهما أثناء ثورة التحرير للدلالة على أنّه شارك في ثورة التحرير , ومعظم هذه الشهادات كانت تتم بعد الاستقلال , وفي الوقت الذي حصل فيه الثوّار المزيفون أو الذين يسمّيهم الشارع الجزائري بثوّار 1962 أي تاريخ استقلال الجزائر , على امتيازات واسعة , فانّ المجاهدين الحقيقيين وعوائلهم مازالت ملفاتهم قيد الدرس , وكان العديد من أرامل الشهداء يقمنّ في الأكواخ القصديرية , ومازلن يطالبن بحقوقهن من خلال بعض المنظمات الحقوقية الجزائرية .
ولم يلعب علي كافي أي دور في المرحلة الشاذلية , وبرز اسمه عندما أطيح بالشاذلي بن جديد وعند تشكيل المجلس الأعلى للدولة , حيث أصبح علي كافي ضمن تشكيلة هذا المجلس الذي كان يضم محمد بوضياف رئيسا , وخالد نزار عضوا , وعلي كافي عضوا , وتيجاني هدّام عضوا , وعلي هارون عضوا .
وعندما كان علي كافي عضوا في المجلس الأعلى للدولة لم يكن له أيّ دور يذكر , فوجود كافي وهارون وهداّم كان رمزيّا تقريبا لأنّ القرارات الخطيرة والمصيرية كانت تتخّذ في مكان أخر , ويمكن القول أنّ الشخصيّة البارزة والمحورية في هذا المجلس كان اللواء خالد نزار وزير الدفاع في ذلك الوقت .
و كانت تركيبة المجلس الأعلى للدولة تركيبة هجينة غير متاجنسة بتاتا , فمحمد بوضياف كان ناقما على جبهة التحرير الوطني والذي على حسب رأيه أساءت الى تاريخه وسحبت من تحته البساط ولذلك شنّ عليها ومعه سيد أحمد غزالي حملة شعواء , الى درجة أنّ محمد بوضياف كان يتهكم على الأمين العام لحزب جببهة التحرير الوطني عبد الحميد مهري وذلك في مهرجان عام أقامه الاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي كان يتزعمه عبد الحق بن حمودة .
وعلي كافي الذي كانت له نفس المواقف من حزب جبهة التحرير الوطني , كان يعتبر نفسه أحد أبنائها , وكان غير مرتاح لزمرة المستشارين الفرانكفونيين الذين كانوا يحيطون ببوضياف , وكان كافي شخصيا يتهجّم على ما كان يسميه حزب فرنسا في الجزائر , وهددّ ذات يوم بفتح ملف هذا الحزب , لكنّه كان مجردّ تهديد ولم يفتحه أبدا .
أمّا تيجاني هدّام وعلي هارون فهما متناقضان بل ضدّان لا يلتقيان , فهدّام محسوب على الاسلام المستنير وكان قبل أن يصبح عضوا في المجلس الأعلى للدولة اماما لمسجد باريس في فرنسا , أمّا علي هارون فأبعد ما يكون عن قناعات هدّام وهو رجل فرانكفوني ومحسوب على التيار التغريبي , ويمكن ادراج علي هارون ورضا مالك في نفس السياق الفكري والتغريبي . أمّا خالد نزار وزير الدفاع فقد كان يمثل سلطة الجيش التي لا يعلو عليها أحد في الجزائر و قد كان يمثل الأقلية الاستئصالية في المؤسسة العسكري .
ونظرا لانعدام التجانس بين أعضاء المجلس الأعلى للدولة – الرئاسة الجماعية - , وفقدان هذا المجلس لمركزية القرار فقد بقيّ أشبه بالمتفرج على الأحداث التي عصفت بالجزائر ,
وفي كل الأوقات كان دوره يكمن في المصادقة على قرارات المواجهة مع الاسلاميين و قوانين مكافحة الارهاب . وعندما تولى علي كافي رئاسة المجلس الأعلى للدولة كان الوضع الأمني في الجزائر قد بلغ ذروته .


المهندس سيد أحمد غزالي رئيس الحكومة في عهد محمد بوضياف , وفي المرحلة الأخيرة من عهد الرئيس الشاذلي بن جديد كان من أكبر المتورطين في تنفيذ الصيغة الانقلابية على الشاذلي بن جديد , فالرجل الذي وعد بانتخابات حرة ونزيهة لعن الساعة التي أعلن فيها أنّ الجزائر ستعيش عرسا ديموقراطيا عند اجراء الانتخابات التشريعية الملغاة , وحتى على الصعيد الاقتصادي فلم يتمكن برنامج سيد أحمد غزالي من انعاش الاقتصاد الجزائري , وغاية ما فعله أنّه زاد من ربط الجزائر بصندوق النقد الدولي وفي عهده تضاعفت الاتصالات بين صندوق النقد الدولي والجزائر والتي انتهت في أخر عهد حكومة رضا مالك بالرضوخ الكامل لشروط ميشال كامديسو مدير صندوق النقد الدولي, وعرض أبار النفط في حاسي مسعود للبيع, و أعتبر سيد أحمد غزالي نفسه مخفقا على الصعيدين السياسي والاقتصادي , فسياسيّا و بعد أن وعد باجراء انتخابات حرّة ونزيهة لم يف بوعده وكان من أوائل المرتدين عن الديموقراطية , واقتصاديا لم ينجح في تحريك عجلة الاقتصاد .
كما أنّ الذين أوحوا له أنّ مستقبله السياسي سيكون زاهرا لم يقفوا معه الى الأخير , وكان لزاما عليه بعد كل هذا أن ينسحب من رئاسة الحكومة , وخصوصا في ظلّ غياب الانسجام بينه وبين رئيس المجلس الأعلى للدولة المعيّن حديثا علي كافي .
وبعد استقالة حكومته تمّ تعيين بلعيد عبد السلام رئيسا للحكومة الجديدة , وقيل عندها أنّ البومدينيين قد عادوا الى الواجهة باعتبار أنّ علي كافي وبلعيد عبد السلام كانا محظوظين في عهد هواري بومدين , وتحديدا بلعيد عبد السلام صاحب فكرة التصنيع في العهد البومدييني .
ورئيس الحكومة المعيّن من قبل المجلس الأعلى للدولة بلعيد عبد السلام شارك في الثورة الجزائرية منذ اندلاعها , وكان يعتبر من الشخصيات الوطنية المعروفة ببغضها لفرنسا كما عبرّ عن ذلك شخصيّا أكثر من مرة , وبعد الاستقلال مباشرة وجد نفسه مسؤولا عن قطاع الطاقة والمحروقات وساهم مع هواري بومدين في تأميم النفط الجزائري , وانهاء احتكار فرنسا لتنقيب وتسويق النفط الجزائري . وعندما قاطعت فرنسا النفط الجزائري انفتح على الشركات الأمريكية و خصوصا شركة البازو الأمريكية التي وقعّت اتفاقا مع الجزائر بموجبه تشتري هذه الشركة النفط الجزائري ولمدّة 25 سنة .
وبسبب خبرته في مجال التصنيع أوكل اليه هواري بومدين مهمة تطوير الصناعة الجزائرية , وكان عندها وزيرا للطاقة والصناعات الثقيلة , وقد اتبعّ بلعيد عبد السلام نفس الخطط التنموية التي كانت سائدة في دول المحور الاشتراكي سابقا .
وعندما وصل الشاذلي بن جديد الى سدّة صنع القرار بعد وفاة هواري بومدين قام بتطهير النظام الجزائري من أركان البومديينية , ووجد بلعيد عبد السلام نفسه على الهامش , ولم توكل اليه أيّ مهمة رسمية عدا استمراره كعضو بارز في حزب جبهة التحرير الوطني , هذا الحزب الذي سحبت منه صلاحيات الحكم بعد ثلاثين سنة من الأحادية السياسية , لم تعرف فيها الجزائر غير جبهة التحرير الوطني حكما وسلطة وايديولوجيا ونهجا سياسيا.
وبسبب تهميشه من قبل الشاذلي بن جديد , وتضاؤل حجم جبهة التحرير التي كان ينتمي اليها انسحب فيما بعد من العمل السياسي كليّة .
و أثناء الانتخابات التشريعية الملغاة والتي جرت في أواخر كانون الأول – ديسمبر – 1991 رشحّ بلعيد عبد السلام نفسه في قائمة المستقلين محتجا بذلك على حزب جبهة التحرير الوطني التي باتت لا تزكي الاّ أقرب الناس اليها , ولم يحالفه الحظ في الفوز , ولم يتمكن من الحصول الاّ على صوته .
وعقب تعيينه رئيسا للحكومة خلفا لسيد أحمد غزالي قال : أنّ البعض يعيب عليه سقوطه في الانتخابات , وفجأة وجد نفسه في الواجهة !
وبالرغم من أنّ علي كافي وبلعيد عبد السلام عملا لفترة طويلة مع هواري بومدين , الاّ أنّ المستجدات الجزائرية فرقّت بينهما وتفاقمت بينهما الخلافات الى درجة أنّ رئيس المجلس الأعلى للدولة علي كافي وعندما كان في القاهرة للمشاركة في أعمال مؤتمر الوحدة الأفريقية قال : امّا هو أو أنا , وكان يقصد بلعيد عبد السلام .


بوصول علي كافي الى رئاسة المجلس الأعلى للدولة كانت المواجهات الدامية بين القوات النظامية والجيش الاسلامي للانقاذ الذراع العسكرية للجبهة الاسلامية قد اتسعّت رقعتها
وقبل ذلك كانت هناك الحركة الاسلامية المسلحة بقيادة عبد القادر شبوطي , وبرزت الى الوجود الجماعة الاسلامية المسلحة التي أعلنت عن نفسها كجماعة اسلامية مسلحة مستقلة عن الجبهة الاسلامية للانقاذ , والتي تزعمّها في البداية عبد الحق العايدية الذي اعتقلته السلطات المغربية في مدينة وجدة المغربية وقامت بتسليمه الى الأجهزة الأمنية الجزائرية , وتولّى قيادة هذه الجماعة بعده مراد سي أحمد الملقّب بجعفر الأفغاني وبعد مقتله من قبل قوات الأمن الجزائرية في منطقة بوزريعة وسط الجزائر العاصمة , تمّ تعيين صياح عطية أميرا لهذه الجماعة , وظلّت هذه الجماعة تفقد زعماءها الى أن تولىّ زعامتها عنتر الزوابري .
وقد أتخذّ المجلس الأعلى للدولة مواقف متشددة تجاه هذه الجماعات , وكان خطاب علي كافي يتسم بالتصعيد والمواجهة والحرب التي لا هوادة فيها مع الجماعات الاسلامية المسلحة , كما أنّ علي كافي صادق على تشكيل المحاكم الخاصة الاستثنائية التي تنظر في قضايا العنف السياسي وقد أصدرت هذه المحاكم عشرات الأحكام بالاعدام .
كما وضع المجلس الأعلى للدولة في عهد علي كافي قوانين مكافحة الارهاب التي جاءت مكمّلة للأحكام العرفية وقوانين حالة الطوارئ , وكان المجلس الأعلى للدولة في كل تحركاته و تصريحاته وقراراته يعكس رؤية الصقور داخل المؤسسة العسكرية , وفي الوقت الذي انصرف فيه المجلس الأعلى للدولة الى صياغة خطاب المواجهة وتوسيع رقعتها , كانت حكومة بلعيد عبد السلام تحاول اخراج الاقتصاد الجزائري من عنق الزجاجة ,
لكنّ بلعيد عبد السلام الذي استطاع في حقبة الحرب الباردة والظروف الدولية المعروفة أنذاك من تطوير الاقتصاد الجزائري , وجد نفسه في وضع محلي يتسم بالغليان والانفجار , وفي وضع عالمي ودولي مغاير كل المغايرة لما كان عليه واقع العالم في السبعينيات .
وبسبب خلفيته الاشتراكية والبومديينية , لم تكن باريس وواشنطن راغبتين فيه , بل انّ الادارة الأمريكية برئاسة بيل كلينتون أبدت انزعاجها لوجود بلعيد عبد السلام على رأس الحكومة الجزائرية . وعندما تأكدّ لبلعيد عبد السلام استحالة النهوض بالاقتصاد , لأن ذلك لا يتم بدون الوصول الى حلّ سياسي للأزمة القائمة , بدأ يخرج عن قواعد اللعبة ويدلي بتصريحات أزعجت المؤسسة العسكرية ورئيس المجلس الأعلى للدولة علي كافي , وقد أعلن بلعيد عبد السلام عن استعداده للتحاور مع المعتدلين في الجبهة الاسلامية للانقاذ مما أزعج الجيش , كما أنّه دخل في صراع مع الاعلام الجزائري المستقل بعد قيامه باغلاق بعض العناوين الصحفية .
وعندما عاد الرئيس السابق أحمد بن بلة من سويسرا التقى ببلعيد عبد السلام , وعندها طلب بلعيد من بن بلة أن يقنع الجنرال خالد نزار بضرورة اقالة الجنرالات المتشددين داخل المؤسسة العسكرية , وبعدها بأسبوع واحد وجد بلعيد عبد السلام نفسه مبعدا , وجرى تعيين رضا مالك رئيسا جديدا للحكومة .

وكثيرا ما كان بلعيد عبد السلام يطمح أن يكون الرجل الأول في الجزائر , وأثناء وجود علي كافي في القاهرة للمشاركة في أعمال منظمة الوحدة الافريقية , ألقى بلعيد عبد السلام خطابا مطولا بثّه التلفزيون الجزائري قال فيه : أنّ المؤسسة العسكرية هي التي جاءت به , وأنّه حائز على دعمها . وقد فسّر هذا الخطاب بأنّه تملق للمؤسسة العسكرية وتطلعّ الى الرئاسة . وعندما بدأ بلعيد عبد السلام يتحدث عن ضرورة الحوار والمصالحة الوطنية , وجد نفسه مقالا من رئاسة الحكومة ليحلّ محله رضا مالك الذي كان يعتبر من
الاستئصاليين الذين يؤمنون بضرورة الغاء كامل للتيار الاسلامي من المشهد السياسي الجزائري , كما تبنىّ مشروع استرجاع هيبة الدولة وتصعيد المواجهات ونقل معسكر الخوف من السلطة والى الأصوليين .
ورضا مالك الذي ينتمي الى منطقة باتنة مسقط رأس الجنرال خالد نزار أيضا , كان على علاقة وطيدة بالحزب الشيوعي الفرنسي , ثمّ بالحزب الشيوعي الجزائري الذي تأسسّ أثناء استعمار فرنسا للجزائر . وبعد الاستقلال انضمّ رضا مالك الى الخارجية الجزائرية حيث عيّن سفيرا للجزائر في بعض العواصم منها : موسكو , باريس , واشنطن و هي عواصم مهمة وكانت تهتم بالملف الجزائري وكل لغاية معينة .
وبعد الاطاحة بالشاذلي بن جديد عيّن رضا مالك رئيسا للمجلس الاستشاري وهو هيئة أقيمت مقابل البرلمان الملغى , وكان هذا المجلس يقوم بالمصادقة على القوانين التي يصدرها المجلس الأعلى للدولة , وكان هذا المجلس يضمّ 60 عضوا أغلبهم من اليسار والفرانكفونيين والبربر .
ومن القرارات الخطيرة التي اتخذها رضا مالك هو الغاء قانون التعريب الذي صادق عليه البرلمان الجزائري قبل حلّه من قبل الرئيس الشاذلي بن جديد , وكان قانون التعريب ينصّ على تعريب الدولة وادارتها وكل المفاصل الحيوية السياسية والتربوية , وكان يفترض أن يتمّ تنفيذ القانون في 05 تموز –يوليو – 1992 .
وبررّ رضا مالك موقفه من الغاء قانون التعريب بقوله أنّ الظروف الدولية لا تسمح بتعميم قانون التعريب !
كما أنّ لرضا مالك موقفا من الاستعمار الفرنسي , ففي كتابه – التقليد والثورة – يدعو الى نسيان الماضي والانفتاح على فرنسا والغرب عموما .
ووجود علي كافي على رأس المجلس الأعلى للدولة , ورضا مالك على رأس الحكومة أعطى انطباعا بأنّ الازدواجية باتت سيدّة الموقف في الجزائر , وأنّ التناقضات قد بلغت ذروتها , فكافي هددّ بفضح حزب فرنسا , ورضا مالك يعتبر أحد منظرّي هذا الحزب في الجزائر , وقد شهدت الجزائر عندما تولى رضا مالك رئاسة الحكومة ارتفاعا مضطردا للاعدامات والتصفيّات الجماعية التي كانت تقوم بها فرق الموت النظاميّة .

الوعود التي تقدمّ بها المجلس الأعلى للدولة بقيت حبرا على ورق , فلا هيبة الدولة أسترجعت , ولا الانعاش الاقتصادي تحققّ , ولا المعارضة الأصولية المسلحة تمّ القضاء عليها .
وبات واضحا أنّ الجزائر اتجهّت نحو عزلة خانقة وانكفاء كامل عن ممارسة دورها على مستوى محيطها المغاربي ومحيطها العربي والاسلامي , والجزائر التي كانت حاضرة في كل المحافل الدولية والتي كانت تستقبل العالم الثالث في عهد هواري بومدين , أصبحت فعليّا تعيش هاجس السقوط ومخاوف الانهيار .
وعندما تبنى المجلس الأعلى للدولة برئاسة علي كافي فكرة الحوار والاتصال بالأحزاب السياسية التي وضع نشاطها في ثلاجة , انقسمت الأحزاب الجزائرية على نفسها , فالأحزاب الوطنية والاسلامية كانت تعتبر من جهة أنّ الحوار ملغوم , وأنّ السلطة لديها مشروع معين تريد أن تمررّه , ومن جهة أخرى طالبت هذه الأحزاب باشراك الجبهة الاسلامية للانقاذ في أيّ حوار محتمل بين السلطة والمعارضة , أمّا التيارات الفرانكفونية واليسارية و البربرية – والمقصود هاهنا التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية بزعامة سعيد سعدي الذي كان يطالب بابادة جبهة الانقاذ الاسلامية , أما التيار البربري الأخر وهو جبهة القوى الاشتراكية بزعامة حسين أيت أحمد فكان على الدوام يطالب باشراك الجبهة الاسلامية للانقاذ في أي حلّ سياسي للأزمة القائمة في الجزائر – فقد كانت تطالب بالعنف المضاد والدخول في مواجهة شاملة مع الاسلاميين .
وقد اتهمّت الأحزاب الوطنية والاسلامية المجلس الأعلى للدولة بأنّه يناور لكسب الأحزاب الى صفه خصوصا و أنّ ساعة انتهاء مهامه قد حانت .
ومع تعددّ مراكز القوة , وصراع الحمائم والصقور داخل المؤسسة العسكرية ودوائر القرار أصبح الحوار مجردّ لعبة سياسية , ومجردّ نغمة جميلة .
ولكن مجرد طرح فكرة الحوار من قبل المجلس الأعلى للدولة كان مؤشرا على أنّ سياسة الحلول الأمنية و الاستئصالية قد وصلت الى طريق مسدود , وأنّ الاجراءات الصارمة والاستثنائية قد فاقمت الوضع الأمني و صعدّت الموقف وقد سقطت جرّاء ذلك كل المحاذير بل وسقطت لغة العقل و الحوار , وبات القتل والقتل المضاد هما السمتان الطاغيتان على الحالة الجزائرية . و لم يتمكن دعاة المواجهة الشاملة الذين وضعوا ثقلهم ومقدرات الجزائر في خدمة خطّ المواجهة من اعادة الاستقرار والهدوء الى الجزائر , وكاد الخراب يتسلل الى المؤسسة العسكرية التي ظلّت المؤسسة الوحيدة المحافظة على تماسكها حيث فرّ مئات الجنود من الثكنات وألتحقوا بقوافل الجماعات الاسلامية المسلحة في الجبال , وبدأت هذه المؤسسة تستشعر الخطر , ثمّ حدثت المفاجأة باستقالة الرجل الأقوى في الجزائر الجنرال خالد نزار من وزارة الدفاع .

يعتبر الجنرال خالد نزار وزير الدفاع من الشخصيات القوية التي أمسكت بخيوط اللعبة الجزائرية منذ انتفاضة خريف الغضب في 05 تشرين الأول – أكتوبر – 1988 والى تارخ استقالته , وكان خالد نزار وراء العديد من التطورات التي عرفتها الجزائر بعد أحداث أكتوبر .
وينتمي خالد نزار الى منطقة باتنة , وألتحق بصفوف الثورة الجزائرية في أواخر أيامها , وبعد الاستقلال أصبح خالد نزار رائدا في الجيش الجزائري وأتمّ تكوينه العسكري في المعاهد العسكرية في الاتحاد السوفياتي السابق ثمّ في فرنسا , وعندما وصل الشاذلي بن جديد الى الحكم , رقيّ خالد نزار الى رتبة لواء , وتمّ تعيينه رئيسا لهيئة الأركان , وعندما تخلى الشاذلي بن جديد عن وزارة الدفاع أصبح الجنرال خالد نزار وزيرا للدفاع حيث تمكنّ من تحديث المؤسسة العسكرية والامساك بخيوطها ومفاصلها . وقد عينّ نزار الموالين له داخل المؤسسة العسكرية في المناصب الحسّاسة ليضمن ولاء الجميع له وليجنبّ نفسه المفاجأت , وشهدت الجزائر بعد سطوع نجمه داخل المؤسسة العسكرية العديد من الأحداث منها :
- فرض حالة الحصار العسكري في 06 تشرين الأول – أكتوبر – 1988 .
- تعيين مدير المخابرات العسكرية الأسبق قاصدي مرباح رئيسا للحكومة الجزائرية بعد أحداث أكتوبر مباشرة .
- اقالة قاصدي مرباح وتعيين مولود حمروش خلفا له .
- اقالة مولود حمروش وتعيين سيد أحمد غزالي خلفا له .
- فرض حالة الحصار العسكري في 05 حزيران –يونيو- 1991 واعتقال قادة الجبهة الاسلامية للانقاذ عباسي مدني وعلي بلحاج وغيرهما .
- الانقلاب على الشاذلي بن جديد وفرض حالة الطوارئ وحلّ الجبهة الاسلامية للانقاذ في 09 شبّاط – فبراير – 1992 .
- تأسيس المجلس الأعلى للدولة واستقدام محمد بوضياف الى الجزائر .


وبعد اقالة الشاذلي بن جديد أصبح الجنرال خالد نزار الرجل الأقوى بلا منازع , خصوصا في ظلّ تجذّر المعادلة التي مفادها أنّ الجيش هو النظام السياسي والنظام السياسي هو الجيش في الجزائر . وبالاضافة الى الجنرال خالد نزار فقد كان معه مجموعة من الجنرالات الذين كانوا يشكلّون مراكز القوة في ذلك الوقت ومنهم اللواء محمد العماري واللواء عباس الغزيل واللواء عبد المالك قنايزية الذي كان رئيسا لهيئة الأركان وأحيل الى التقاعد بعدها , والذي حلّ محله اللواء محمد العماري الذي أصبح ذا شأن كبير في المؤسسة العسكرية بعد خروج خالد نزار منها . و يعتبر الكثير في الجزائر اللواء محمد العماري بأنّه من أبرز الصقور داخل المؤسسة العسكرية , وهو ينتمي الى المنطقة القبائلية , وكان من الضبّاط الذين التحقوا بصفوف الثورة الجزائرية في أواخر أيامها , ويعرف هو وكثير من الجنرالات بأنهّم من ضباط فرنسا أي الضباط الجزائريين الذين عملوا في صفوف الجيش الفرنسي وألتحقوا بالثورة الجزائرية في أواخر أيامها و قبيل الاستقلال بقليل ,وقد سطع نجم محمد العماري في عهد علي كافي .
وفي عهد علي كافي شهد الوضع الأمني تصعيدا خطيرا , وبات واضحا أنّ السياسة الفولاذية لم تؤد الى أيّ نتيجة تذكر , فالجماعات الاسلامية المسلحة بدأت تكبر وتشكل خطرا حقيقيا على مصالح كثيرين في الجزائر , وبدأت دائرة الصراع تتسع , والاغتيال أصبح يطاول الأجانب والمثقفين والصحفيين ورؤساء الأحزاب , و قد تشكلت عندها فرق الموت ويقال أنّ الذي كان يشرف عليها هو الجنرال محمد العماري .

وكانت المؤسسة العسكرية في ذلك الوقت قد أعادت ترتيب نفسها , وتفاديا للخروقات تشكلت ثمانية أجهزة محصنّة . وتتوزع هذه الأجهزة كالتالي :

1- جهاز الأمن العسكري بقيادة الجنرال محمد مدين وأسمه الحركي الجنرال توفيق , وهو شخصية أمنية من الدرجة الأولى , ويدير أهم ثكنة في الجزائر وهي ثكنة بني مسوس الاستخباراتية .
2- جهاز مكافحة التجسس وكان يشرف عليه اللواء العماري اسماعيل المتخصص في اختراق الجماعات الاسلامية المسلحة , وهو الذي اكتشف أحد الوزراء الجزائريين وهو يسلّم بعض الملفات للسفارة الايرانية وعلى اثره قطعت العلاقات الجزائرية –الايرانية .
3- الأمن الخاص وكان يشرف عليه محمد طلبة الوزير المكلف بالأمن , ورئيس الدرك الوطني عباس غزيّل .
4- الأمن الخارجي وكانت وظيفته ملاحقة المعارضين في الخارج من اسلاميين وغيرهم , وهذا الجهاز شديد الصلة بمعظم أجهزة الاستخبارات العربية والعالمية .
5- جهاز الطوارئ وكان يشرف عليه اللواء محمد العماري قائد قوات مكافحة الارهاب والوحدات الخاصة .والذي كان يسميه الأصوليون الجنرال ماسو , هذا الجنرال الفرنسي الذي أرسله الجنرال شارل ديغول الى الجزائر لذبح الثورة الجزائرية و الثوّار الجزائريين عندما أصبحت الثورة الجزائرية تؤرّق المضجع الفرنسي والاليزيه على حدّ سواء .
6- البوليس السري وهو جهاز يلاحق أشخاصا من دائرة النظام يهددون الأمن القومي .
7- جهاز التنسيق ويقوم بالتنسيق مع بقية الأجهزة .
8- الأمن العام وفروعه المتشعبة .

وكثيرا ما كان عدم التوافق بين مراكز القوة يؤدي الى فشل الحوار أو المصالحة كما حدث فيما بعد , في عهد اليامين زروال .
وفي الوقت الذي اشتدّت فيه الخلافات بين دعاة الحوار ودعاة المواجهة , فاجأ رجل التوازن ومركز الثقل في لعبة التوازنات الجنرال خالد نزار الجميع باستقالته .
وقدمّ المراقبون داخل الجزائر أنذاك ثلاثة تفسيرات لهذه الاستقالة , فمنهم من أرجعها الى أزمة خالد نزار الصحية والمتدهورة , ولذلك فهو لا يقدر على الاستمرارية في ادارة اللعبة ومنهم من أرجع الاستقالة الى كونها انقلابا على الانقلاب , وبمعنى أخر هي لعبة جديدة من ألاعيب الصقور , ومنهم من أرجع الاستقالة الىكونها تندرج في سياق اعادة ترتيب بيت المؤسسة العسكرية , تمهيدا لاعادة ترتيب البيت السياسي , فخالد نزار وان كان قد أزاح بدنه عن البيت العسكري الاّ أنّ روحه و فكره وعلاقاته بمواليه ظلّت في شرايين المؤسسة العسكرية وهذا ما يفسّر بقاؤه محل احترام الجنرالات الذين أستلموا الراية من بعده .
وبقدر ماكانت استقالة خالد نزار مفاجئة لكثيرين , كان تعيين الجنرال المتقاعد اليامين زروال على رأس وزارة الدفاع مفاجأة أخرى . فالجنرال اليامين زروال كان أول جنرال في تاريخ المؤسسة العسكرية يقدّم استقالته للرئيس الشاذلي بن جديد , وقيل عن الاستقالة يومها أنّها اعتراض على مشروع رئيس قيادة الأركان خالد نزار القاضية بتحديث الجيش الجزائر ومعنى ذلك التعامل مع مصادر التسليح في الغرب , وبعد انسحابه من المؤسسة العسكرية تمّ تعيينه سفيرا للجزائر في رومانيا والتي كانت جبهتها الداخلية ملتهبة وأفضت الى اعدام رئيس رومانيا شاوشيسكو , وأنقطع عن العمل الديبلوماسي , وعن أي عمل سياسي مفضلاّ الاهتمام بأعماله الخاصة , وتشاء الظروف أو يشاء عرّاب الانقلابات داخل المؤسسة العسكرية الجنرال خالد نزار أن يصبح اللواء اليامين زروال وزيرا للدفاع ثمّ رئيسا للجزائر بعد انتهاء مهام المجلس الأعلى للدولة .
وبعد تعيين اللواء اليامين زروال على رأس وزارة الدفاع توجه هذا الأخير الى زعماء الجبهة الاسلامية للانقاذ في سجن البليدة العسكري و تحدث معهم بشأن الحوار و طلب منهم مساعدته في اخراج الجزائر من مأزقها الأمني .
وكلما كان الحوار يخطو خطوة الى الأمام كان دعاة المواجهة يفجرّون الموقف , فوجود اللواء محمد العماري واللواء محمد تواتي داخل المؤسسة العسكرية ورضا مالك على رأس الحكومة حال دون أن ينجح الحوار . وحتى لمّا تبنى بعض هؤلاء الحوار كان الهدف من ورائه تكريس وجودهم في دوائر القرار والنفوذ .
وأوشكت مهام المجلس الأعلى للدولة على الانتهاء في أواخر 1993 والجزائر تعيش على وقع المواجهات والاغتيالات والتفجيرات والتمشيطات والاشتبكات وبعبارة أخرى الانهيار الكامل …
والحوار الذي فتحه المجلس الأعلى للدولة مع الطبقة السياسية الجزائرية انتهى الى طريق مسدود ولجوءه الى الحوار في أخر عهده كان الهدف منه اشراك الأحزاب الجزائرية في تكريس سيناريو السلطة المقبل , خصوصا وأنّ المجلس الأعلى للدولة سينسحب من المشهد السياسي ولا يمكن تمديد ولايته لمرحلة انتقالية ثانية , فأعضاء المجلس الأعلى للدولة تعهدّوا أمام الشعب الجزائري بأنهّم سوف ينسحبون من الحياة السياسية في نهاية 1993 .
لكن ماهو البديل !
أفكار عديدة وبدائل كثيرة طرحها صنّاع القرار داخل المؤسسة العسكرية بشأن مواجهة الاستحقاق المقبل .وقد كثر اللغط حول هذه المسألة عندما فشلت لجنة الحوار التي شكلها المجلس الأعلى للدولة والتي كان يرأسها يوسف الخطيب وعضوية سبعة أشخاص , ثلاثة منهم جنرالات وهم الجنرال دراجي وصنهاجي وتاغيت .
وكانت لجنة الحوار قد اتصلت بحزب جبهة التحرير الوطني وجبهة القوى الاشتراكية فسمعت هذه اللجنة من هذه الأحزاب شرطا واحدا للتعاطي الجدّي مع السلطة وهو اشراك الجبهة الاسلامية للانقاذ في أي حوار جدي , وأي حوار بدونها سيكون حوار طرشان , أما حزب التحدي الشيوعي والتجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري فقد كانا يعتبران الحوار مع الجبهة الاسلامية للانقاذ خيانة .
و أتصلت لجنة الحوار بقادة الانقاذ في سجن البليدة العسكري وسمعت الى شروط الانقاذ للدخول في أي حوار مع السلطة يكسبها شرعية ومن هذه الشروط : اطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين بما في ذلك قادة الجبهة الاسلامية للانقاذ , محاسبة المتورطين في الجرائم السياسية , عودة الجبهة الاسلامية للانقاذ الى العمل السياسي والعودة الى المسار الانتخابي الملغى .
لكن الذين أوعزوا للجنة الحوار بالتحرك لم يستسيغوا هذه الشروط , وعملوا على تقديم بديلهم حتى لو كان من طرف واحد , وعندما حانت الساعة لانسحاب المجلس الأعلى للدولة في 31 كانون الثاني –يناير – 1993 وتفاديّا للدخول في شغور الدولة مجددا كما حدث عقب اقالة الشاذلي بن جديد , طالبت لجنة الحوار من هيئة الأمن العليا بتمديد فترة المجلس الأعلى للدولة الى نهاية كانون الثاني – يناير – 1994 , وبالفعل تمّ تمديد فترة المجلس الأعلى للدولة الى التاريخ المذكور , كما حددّت لجنة الحوار موعد 25 و26 كانون الثاني – يناير –1994 موعدا لانعقاد ندوة الوفاق الوطني .

رفضت الأحزاب الجزائرية الوطنية والاسلامية المشاركة في ندوة الوفاق , وتحديدا الأحزاب الفائزة في الانتخابات التشريعية الملغاة الجبهة الاسلامية للانقاذ , وجبهة القوى الاشتراكية و حزب جبهة التحرير الوطني , و حضر ندوة الوفاق الوطني رجالات النظام والمؤسسة العسكرية , ومن الأحزاب التي شاركت في ندوة الوفاق الوطني وأنسحبت في نفس اليوم حركة المجتمع الاسلامي –حماس – بزعامة محفوظ نحناح .
وندوة الوفاق الوطني كانت في الواقع ندوة للسلطة التي كانت تبحث عن مخرج للمأزق الذي كانت تتخبط فيه , وقبل انعقاد هذه الندوة وجه وزير الدفاع الجنرال اليامين زروال خطابا موجها الى الشعب الجزائري جاء فيه : أنّ الجيش الجزائري لن يبقى مكتوف الأيدي متفرجا على انهيار الجزائر .
وكانت المؤسسة العسكرية قبل انعقاد ندوة الوفاق الوطني اتصلت بعبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية في عهد هواري بومدين , والذي غادر الجزائر بعد اقصائه من أيّ مهام في عهد الشاذلي بن جديد , وكان اسمه قد ورد في لجنة المحاسبة التي شكلها الشاذلي بن جديد لمحاسبة أصحاب النفوذ الذين جمعوا ثروات هائلة من خلال مناصبهم ومواقعهم ,
وقد حاولت المؤسسة العسكرية اقناع عبد العزيز بوتفليقة بتولّي منصب الرئاسة , فطالب بصلاحيات واسعة , فما كان من المؤسسة السيدة الاّ أن قالت له عد من حيث جئت .
وجرى ايهام الرأي العام الجزائري بأنّ عبد العزيز بوتفليقة سيكون الرئيس المقبل , وحصلت المفاجأة أثناء انعقاد ندوة الوفاق الوطني , عندما أعلن الناطق باسم لجنة الحوار أنّ عبد العزيز بوتفليقة قد سحب ترشيحه , وعندها لم يجد مجلس الأمن الأعلى حلاّ غير تسمية الجنرال اليامين زروال رئيسا للدولة الجزائرية بالتعيين .


وبهذا التعيين تقررّ انهاء مهام المجلس الأعلى للدولة الذي حكم لفترة انتقالية بدءا من 16 كانون الثاني –يناير –1992 والى 31 كانون الثاني – يناير –1994 .
و محمد بوضياف الذي حكم الجزائر 166 يوما لم يتمكن من اخراج الجزائر من عنق الزجاجة , وكذلك علي كافي الذي انصبّ المجلس الأعلى للدولة في عهده على تقنين منطق المواجهة والاستئصال . لقد كان وجود علي كافي على رأس السلطة في الجزائر للتأكيد فقط على أنّ الدولة مازالت مستمرة , وأنّ الجمهورية مازالت قائمة , ولم يشفع له تمرسّه الديبلوماسي في اعادة جسور التواصل بين الجزائر والدول الأخرى , بل أزدادت الجزائر في عهده عزلة وانطواءا ,وقفز الصراع المغربي –الجزائري الى الواجهة باعتبار أنّ علي كافي ينتمي الى العهد الذي شهد بداية تصدع العلاقات بين الجزائر والمغرب .
لقد عجز علي كافي عجزا كاملا في ايجاد مخرج للأزمة الجزائرية , ربما بسبب كونه لم يحكم أصلا , بل كان صدى لأصحاب اللعبة الحقيقيين .
ومن بوضياف الى كافي تعمقّت أزمة الشرعية في الجزائر , وتأكدّ للجميع في الجزائر أنّ الحل لا يكمن في ذهاب هذا ومجيئ ذاك , بل انّ الحل يكمن في اعادة الاعتبار لارادة الشعب الجزائري و اعادة صياغة النظام صياغة سياسية بعيدة عن الأوصياء في مواقع الحل والربط وفي مواقع القوة .
وكان الجنرال اليامين زروال ينوي اعادة ترميم النظام من الداخل ولكن من زاوية حادة وليس من زاوية منفرجة !

http://www.arabtimes.com/mixed3/doc80.html

الجزائر في عهد اليامين زروال


اليامين زروال : رجل الحوار والنار .

في أواخر كانون الثاني –يناير –1994 تسلمّ اللواء اليامين زروال رسميّا رئاسة الدولة الجزائرية , وبذلك تكون المؤسسة العسكرية قد وضعت يدها وبشكل مباشر على مقاليد الحكم بعدما كانت تقوم بتوجيه الدولة من خلف الكواليس وبشخصيات مدنية في أغلب الأحيان .
و كانت المؤسسة العسكرية قد أخذت على عاتقها مسألة تعيين الرئيس فكان الجنرال المتقاعد اليامين زروال وأخذت على عاتقها وضع خطة لتفادي الانزلاق الى الهاوية , فكان منهج الحوار والنار تحت سقف واحد , ولمزيد من التفصيل لابدّ من التعرّف على الوضع العام في الجزائر عشيّة استلام اليامين زروال مهامه كرئيس للدولة الجزائرية .

وضع الدولة :

لقد بدأت الدولة الجزائرية بالانهيار بعد اقالة الشاذلي بن جديد والغاء المسار الانتخابي وقد تمثلّ هذا الانهيار في اختفاء كل المؤسسات الدستورية , فالرئاسة بات أمرها بيد المؤسسة العسكرية التي تقوم بنفسها بتعيين من يتولاها دون الرجوع الى الارادة الشعبية , ومجلس النوّاب أو البرلمان تمّ حلّه بقرار فوقي وتمّ تعيين هيئة تشريعية يجري تعيين كل أعضائها , والمجلس الدستوري كانت أخر مهمّة أوكلت له تتمثل في الموافقة الدستورية على سيناريو انسحاب الشاذلي بن جديد من رئاسة الدولة , وحتى البلديات التي كانت تابعة للجبهة الاسلامية للانقاذ وبقية الأحزاب جرى تسليمها لرؤساء بلديات معينين من قبل الجهات العليا ودون المرور بالانتخابات .
والمؤسسة الوحيدة التي ظلّت محافظة على تماسكها هي المؤسسة العسكرية , التي أصبحت صاحبة الحل والربط , والتي كبرت على حساب المؤسسات الأخرى , وقبل استلام زروال مهامه كرئيس للدولة الجزائرية كان الصراع بين الصقور والحمائم , وبين مراكز القوة في دوائر القرار قد بلغ أوجه , وكان الصقور داخل المؤسسة العسكرية يوفرّون الغطاء السياسي لكل دعاة المواجهة والاستئصال ان في الحكومة وعلى رأسها رئيسها رضا مالك , وان في الطبقة السياسية والمنظومة الاعلامية الفرانكفونية على وجه التحديد .
أمّا الجنرال اليامين زروال العائد الى السلطة بعد طول تقاعد فقد أحتار من أين يبدأ , فهو يلوّح تارة بالنار وتارة بالحوار , وكان ينتظر أن ينتهي رئيس حكومته رضا مالك من التفاوض مع صندوق النقد الدولي ليقوم بتنحيته , وبالفعل تمّت تنحية رضا مالك ليقال أنّ اليامين زروال مع الحوار والمصالحة الوطنية . وكان التحدّي الأول الذي واجه اليامين زروال هو في كيفية القضاء على مراكز القوة وتوحيد الخطاب السياسي , خصوصا في ظلّ تصعيد حكومة رضا مالك من لهجة خطابها ضدّ التيارات الاسلامية , وأستمرّ في توفير الغطاء السياسي لأمثال الدكتور سعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية الذي كان يطالب بتسليح منطقة القبائل لمواجهة الجماعات الاسلامية المسلحة . كما أنّ وزير الداخلية في حكومة رضا مالك العقيد سليم سعدي كان يدعو الى استدعاء احتياطي الجيش الجزائري لمواجهة الحركات الأصولية المسلحة , وفوق هذا وذاك فانّ هناك من أوعز الى الصحافة الفرانكفونية بشنّ حرب على زروال , وأشاع حلفاء رضا مالك بأنّ زروال مجرّد بيدق في اللعبة الجزائرية , وأنّه لا يملك فعل أي شيئ تجاه الصقور الذين وضعوه أمام الأمر الواقع , وفوق هذا وذاك فانّ الجمعيات النسوية التابعة لتحالف البربر واليسار والفرانكفونية خرجت في تظاهرة الى الشوارع في الجزائر العاصمة وأخذت ترددّ شعارات من قبيل : زروال لا تخلع السروال . أي ايّاك أن تتخلى عن رجولتك وتتحاور مع الأصوليين .
ويبدو أنّ اللواء اليامين زروال كان يتعامل مع هذه المناورات بكثير من الصمت , ومعروف عن زروال أنّه كثيرا ما كان يتخذ قراراته بعيدا عن الضجيج الاعلامي , وقبل توجهه للعاصمة التونسية للمشاركة في أعمال القمة المغاربية , اتصلّ بمقداد سيفي وزير التجهيز في حكومة رضا مالك وأمره بالتهيؤ لاستلام رئاسة الحكومة خلفا لرضا مالك الذي كان يتوقّع أن يدعمه الصقور الى النهاية أو أقلا ريثما ينتهي من تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي , الاّ أنّ الازمة الجزائرية مثلما أزهقت أرواح عشرات الألاف من الجزائريين , فقد أجهزت على العديد من كباش المحرقة والفداء , وهذه من قواعد السياسة خصوصا في عالمنا العربي !

ولد مقداد سيفي في عام 1940 في ولاية تبسة الواقعة على الحدود الجزائرية – التونسية , ويحمل اجازة في الفيزياء من جامعة الجزائر ثمّ أكمل تعليمه في فرنسا حيث حصل على شهادة في الهندسة الالكتروميكانيكية , وفور عودته من الجزائر عمل في شركة الغاز ثمّ شغل مناصب في وزارة الصناعة الى أن عينّه بلعيد عبد السلام رئيس الحكومة الأسبق وزيرا للتجهيزات والأشغال العموميّة , وبقيّ في نفس المنصب عندما عينّ رضا مالك رئيسا للحكومة خلفا لبلعيد عبد السلام .
ومقداد سيفي رجل تكنوقراطي , وعرف عنه أنّه رجل حوار موال للرئيس اليامين زروال, وعندما شكلّ حكومته اختار لها تقنيين وتكنوقراطيين , وأقصى الصقور الذين كانوا في حكومة رضا مالك كالعقيد سليم سعدي ,وكانت حكومته على الشكل التالي :
مقداد سيفي رئيسا , اليامين زروال وزيرا للدفاع مع وجوده على رأس الدولة الجزائرية , محمد الصالح دمبري وزيرا للخارجية , عبد الرحمان مزيان شريف وزيرا للداخلية , ومحمد تقيّة وزيرا للعدل , وأحمد بن بيتور وزيرا للخزينة , ومراد بن أشنهو وزيرا لاعادة التنظيم الصناعي , وعمر مخلوفي وزيرا للصناعة الثقيلة , ومحمد السعيد عبّادو وزيرا للمجاهدين ومحمد بن عمّار زرهوني وزيرا للاتصال , وأبوبكر بن بوزيد وزيرا منتدبا للجامعات والبحث العلمي , ونورالدين بحبوح وزيرا للفلاحة , وشريف الرحماني وزيرا للتجهيز , ومحمد مقلاوي وزيرا للسكن , ويحي قيدوم وزيرا للصحة والسكان , وسيد علي لبيب وزيرا للشباب والرياضة , وحسّان العسكري وزيرا للتكوين المهني , وسليمان الشيخ وزيرا للثقافة , وساسي العموري وزيرا للشؤون الدينية , ومحمد العيشوبي وزيرا للعمل والحماية الاجتماعية , والطاهر علاّن وزيرا للبريد والمواصلات , ومحمد أرزقي ايسلي وزيرا للنقل , وساسي عزيزة وزيرا للتجارة ورضا حمياني وزيرا مندبا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة , ومحمد بن سالم وزيرا للسياحة والصناعات التقليدية وعلي ابراهيتي وزيرا منتدبا لدى وزير الخزينة , ونورالدين قصد علي وزيرا منتدبا للجماعات المحلية , وأحمد عطّاف كاتب دولة لدى وزير الخارجية , وليلى عسلاوي كاتبة دولة لدى رئيس الحكومة مكلفّة بالتضامن الوطني وشؤون الأسرة , وسعيد بوشعير أمينا عاما لدى الحكومة .
وقد وصفت هذه الحكومة بأنها تكنوقراطية وسوف تضطلع بالمهام الاقتصادية , فيما ستكون مهمة الرئاسة اعادة النظر في الملفات السياسية والأمنية والتي ستكون على غاية من التعقيد بسبب التراكمات عبر عقود من الزمن !

الانهيار الاقتصادي :

عندما استلم اللواء اليامين زروال مهام رئاسة الدولة الجزائرية , كانت الجزائر تعيش وضعا اقتصاديا خانقا للغاية , فهي لم تعد قادرة لا على تسديد ديونها ولا على توفير الحنطة للشعب الجزائري , وكانت خزينة الدولة خالية من العملة الصعبة باعتراف كبار المسؤولين , كما أنّ المؤسسات التي كانت تابعة للقطاع العام كان قد انتابها الشلل بشكل كامل . فالدولة الجزائرية التي أنهكتها الاختلاسات – تجدر الاشارة الى أنّ رئيس الوزراء الأسبق عبد الحميد الابراهيمي كان قد فجرّ قنبلة اختلاس الرسميين من عسكريين ومسؤولين سياسيين مبلغ 26 مليار دولار أمريكي – وسوء التخطيط والمديونية والتذبذب بين اقتصاد السوق والاقتصاد الموجّه , وجدت نفسها في بداية 1994 على حافة الهاوية والافلاس .
وبعد انخفاض أسعار النفط حلّت الكارثة بالاقتصاد الجزائري , و قد أستغلّ صندوق النقد الدولي الفرصة وراح يزيد في طرح شروطه والتي زادت كلها في تأزيم الوضع الاجتماعي, على اعتبار أنّ صندوق النقد الدولي لا تعنيه أوضاع الناس الاجتماعية كثيرا والذي يهمّه مصالح الكبار الذين يديرون هذا الصندوق من وراء الستار , ومن الشروط التي طرحها صندوق النقد الدولي على الجزائر تخفيض قيمة الدينار بنسبة 50 بالمائة وتحرير الأسعار ورفع الدعم عن المواد الاستهلاكية الضرورية والمدعومة من قبل الحكومة والشروع في خصخصة القطاع العام , علما أنّ هذا الشرط الأخير عرضّ عشرات الألاف من العمال للبطالة والذين انتحر الكثير منهم بسبب الأزمة المعيشية .
وقد ترافق هذا الانهيار الاقتصادي مع تصعيد أمني خطير والذي شمل كافة المناطق و في كل ولايات القطر الجزائري .

تدهور الوضع الأمني :

في بداية 1994 كان الجيش الاسلامي للانقاذ الذراع العسكرية للجبهة الاسلامية للانقاذ وبقية الجماعات الاسلامية المسلحة وتحديدا الجماعة الاسلامية المسلحة قد أنهت سنتين من صراعها العسكري مع القوات النظامية , وقد ألحقت هذه الجماعات أضرارا فظيعة بمقدرّات الجزائر , كما تمكنّت من اقامة شبكات عسكرية في كل ولايات القطر الجزائري, وأصبح لكل منطقة قائد عسكري الى درجة أنّ الجزائر في ذلك الوقت كان يحكمها صباحا القوات النظامية وليلا عناصر الجماعات الاسلامية المسلحة .
ولم تفلح القوات الخاصة التي عرفت باسم –النينجا- والتي كان يشرف عليها الجنرال محمد العماري في وضع حدّ لفوضى القتل والعنف الأعمى , وغالبا ما تحولّت هذه القوات الى قوات انتقامية وتصفية حسابات . وفشل سياسة الحلول الأمنية جعلت الجنرال اليامين زروال يعلن أنّ الحل الأمني وصل الى طريق مسدود ولابدّ من اللجوء الى الحوار , وكان بنفسه قد التقى زعماء الجبهة الاسلامية للانقاذ عندما كان على رأس وزارة الدفاع, وأفضت هذه الاتصالات في وقت لاحق الى اطلاق سراح اثنين من قادة الجبهة الاسلامية للانقاذ هما علي جدي وعبد القادر بوخمخم .
و عندما بدأ الرئيس اليامين زروال يتحدث عن الحوار في خطاباته السياسية , اتهمه بعض السياسيين بأنّه يناور ليس الاّ , والهدف من وراء ذلك هو اعادة الروح للدولة الجزائرية التي ألمّت بها سكرات الموت , وفي الوقت الذي كانت فيه الرئاسة تتحدث عن الحوار , كانت الأجهزة الأمنية تضرب بيد من حديد وتتحرك من منطلق الاستئصال الأمر الذي أوجد تشويشا لدى الشارع الجزائري الذي لم يستسغ فكرة الجمع بين منطق النار ومنطق الحوار . وقد تعجبّ الناس اتباع رئيسهم لهذه المسلكية السياسية وهو المعروف عنه بالصرامة وعدم الالتواء .


التحق اليامين زروال المولود في عاصمة الأوراس باتنة بالثورة الجزائرية وعمره لم يتجاوز 16 سنة , وقد عرف عن الرعيل الأول للثورة الجزائرية أنّه مسكون بحبّ الوطن والغيرة على مقدساته , وعلى عروبة الجزائر واسلاميتها والرفض المطلق لمحاولات ادماج الجزائر في فرنسا .
وعرف عن زروال وفاؤه لخطّ الثورة الجزائرية ومبادئ ثورة نوفمبر ولم يحد زروال عن هذا الخط بعد الاستقلال , وزاول عمله داخل المؤسسة العسكرية الى أن رقيّ الى رتبة لواء, ويختلف زروال عماّ يسمى في الجزائر بضبّاط فرنسا الذين كانوا ضمن الجيش الفرنسي والتحقوا بصفوف الثورة الجزائرية في أواخر أيامها ومنهم اللواء خالد نزار واللواء محمد العماري واللواء عبّاس غزيل واللواء عبد المالك قنايزية وعشرات أخرون , وعندما لم يستسغ تصرفات البعض داخل المؤسسة العسكرية قدمّ استقالته للشاذلي بن جديد الذي عينّه بعدها سفيرا للجزائر في العاصمة الرومانية بوخارست .
وترددّ اسم اللواء المتقاعد اليامين زروال بعد اغتيال محمد بوضياف مباشرة , حيث نشرت جريدة الخبر الجزائرية خبرا مفاده أنّه جرت اقالة وزير الداخلية الجنرال العربي بلخير والذي سيحلّ محلّه الجنرال المتقاعد اليامين زروال , الاّ أنّ وزير الداخلية العربي بلخير كذبّ الخبر, وأختفى بعد ذلك اسم اليامين زروال الى أن طرح اسمه مجددا في تموز –يوليو – 1993 كوزير للدفاع هذه المرة خلفا للجنرال خالد نزار .
والجنرال خالد نزار الذي خططّ لانسحابه من وزارة الدفاع مع رفقائه في اللعبة الجزائرية كان يعي وكانوا يعون معه أهميّة تعيين شخص على رأس وزارة الدفاع لم يتورّط في الانقلاب على الشاذلي بن جديد ولا في الاختلاسات التي زكمّت الأنوف .
ولم تكن مهمة اليامين زروال سهلة , ذلك أنّ أنصار الحلول الأمنية داخل المؤسسة العسكرية ودوائر القرار كانوا مستعدين لكل الاحتمالات . وحتى لما أبعد زروال رئيس الحكومة رضا مالك فانّ الأمور لم تتغير كثيرا باعتبار أنّ الرئاسة الجزائرية كانت قد فقدت صلاحياتها منذ زمن بعيد .
والجبهة الاسلامية للانقاذ التي رحبّ قادتها عباسي مدني وعلي بلحاج بالنوايا الحسنة لزروال كانت تنتظر منه أن يبادر الى اطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين بما في ذلك جميع قادة الجبهة الاسلامية للانقاذ المعتقلين , ورفع حالة الطوارئ والاجراءات الاستثنائية,
وكان قادة الانقاذ يطالبون زروال بالسماح لهم بعقد اجتماع موسّع يضمّ كافة أعضاء مجلس الشورى في جبهة الانقاذ الاسلامية , كما طالبوا بأن يسمح لهم الالتقاء بالقادة الميدانيين للجيش الاسلامي للانقاذ حتى يتمكنّوا من تقييم الوضع واتخاذ القرار المناسب
ومن جهته كان زروال يطالب قادة الانقاذ باصدار بيان يدينون فيه العنف الأعمى التي تشهده الجزائر , وتشاء الظروف أن لا تفضي هذه الاتصالات الى نتائج ملموسة وتمكنّ الطابور الخامس من قلب الطاولة مجددا , وعاد زروال مجددا الى منطق النار وسياسة الوعد والوعيد .
وكانت هذه العودة الى سياسة العصا الفولاذية تعكس في الواقع التجاذبات بين مراكز القوة ولو كانت هذه المراكز متوافقة على سياسة المصالحة والحوار لنجح الحوار , لكن كثيرا ماكان الصقور يعتبرون الحوار مجرد مناورة في محطة سياسية معينة , وساعة يتم الانتقال الى المحطة الأخرى تترك مناورة الحوار جانبا .


من الأشخاص البارزين الذين كان يعتمد عليهم الجنرال اليامين زروال الجنرال محمد بتشين الذي كان مستشارا للرئيس زروال وكان يعتبر العقل المدبر ورجل النظام القوي منذ تولّي الرئيس اليامين , وأصبح بتشين أقرب معاوني زروال وموضع ثقته الكاملة .
لكن من يكون محمد بتشين !
تلقى محمد بتشين المولود في مدينة قسنطينة والمناضل السابق في جبهة التحرير الوطني وصفوف جيش التحرير الوطني علومه العسكرية في الاتحاد السوفياتي السابق , وكان عضوا في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني, واستقال بعدها من حزب جبهة التحرير الوطني كما فعل معظم العسكريين , وتولىّ بين عامي 1982 – 1984 قيادة القطاع العسكري في منطقة تندوف في الجنوب الجزائري على مقربة من الحدود مع المغرب , ورقيّ بتشين الى رتبة عقيد عام 1984 ليصبح قائدا للناحية العسكرية الرابعة التي مقرّها مدينة ورقلة الصحراوية , واعتبارا من 1978 تولى قيادة الناحية العسكرية الثالثة التي مقرها ولاية بشّار , و دعيّ بعدها لرئاسة الأمن العسكري حيث أصبح يشرف على معظم الأجهزة الأمنية ورقيّ الى رتبة جنرال , وقد قدم استقالته في أيلول –سبتمبر- 1990 . وأنصرف بعدها الى مشاريعه التجارية الى أن طلبه اليامين زروال ليكون مستشارا له وأحد أقرب المقربين اليه .
وتتهم مراكز القوة في الجزائر محمد بتشين بأنّه كان يتطلع للرئاسة وأنّ زروال كان يمهّد له الطريق ليكون خلفا له , وكان على رأس المعارضين للجنرال محمد بتشين الجنرال محمد العماري وحلفاؤه في المؤسسة العسكرية . ولأنّ الصقور كانوا يلجأون الى الصحافة الفرانكفونية لتصفية حساباتهم فقد شنّت هذه الأخيرة حملة على اللواء محمد بتشين وفتحت العديد من ملفاته المالية وحتى الأمنية , وجاء هذا الصراع الخفي بين مراكز القوة قبل فترة وجيزة من انتهاء ولاية الرئيس اليامين زروال , حيث كان الرئيس الجزائري قد فاجأ الجميع في 11 أيول –سبتمبر –1998 بأنّه سيختصر ولايته الرئاسية التي كان يفترض أن تنتهي في سنة 2000 , وأعلن أيضا أنّه سيجري انتخابات رئاسية مبكرة .
ووسط الاستعداد للاستحقاق المقبل فتح ملف محمد بتشين الذي نجح في بسط نفوذه على التجمع الوطني الديموقراطي ونجح في فتح قناة تفاوض مع الجبهة الاسلامية للانقاذ , وكانت الصحف الفرانكفونية تسميه الاسلامي المتحفّظ , وحتى لا يستغلّ قدراته الأمنية وعلاقته القوية بزروال ليكون الرئيس المقبل , بادر الأخرون في المعسكر الفرانكفوني الى تحريك لعبتهم والتي سرعان ما نجحت وقدمّ محمد بتشين استقالته , حيث بقيّ اليامين زروال وحيدا رغم أنّه عمل المستحيل حتى يبقيه جانبه ولما لم يتمكّن من مواجهة المعسكر الأخر قبل استقالة مستشاره على مضض ونسب الى زروال قوله لمحمد بتشين : يا محمد جئنا سويّة ونذهب سويّة ..
و كانت العاصفة الكبرى التي أطاحت بمحمد بتشين وأجبرت زروال على قبول استقالته هي شهادات قدمها ضابط المخابرات السابق هشام عبّود الذي كان مدير مكتب محمد بتشين عندما كان هذا الأخير مديرا للمخابرات العسكرية , ويقيم عبّود حاليّا في العاصمة الفرنسية باريس وقد نشرت شهادته جريدة الوطن الفرانكفونية وجريدة الخبر الناطقة باللغة العربية وجاء في الشهادة أنّ بتشين قام شخصيّا بتعذيب سياسيين جزائريين في ثكنة سيدي فرج بالاشتراك مع المدعو قدور لحول صهر الرئيس الشاذلي بن جديد ووالي ولاية مدينة تيبازة في ذلك الوقت , وجاء في الشهادة أنّ بتشين جمع ثروات هائلة وحصل على فيلات فخمة مملوكة للدولة الجزائرية , والأخطر من ذلك فانّ هذا الضابط اعترف أنّ رجالات من السلطة قاموا بتصفية خصومهم واتهام اسلاميين مسلحين بقتلهم .


غادر الرئيس اليامين زروال قصر المرادية وهو يبلغ من العمر 58 سنة , ولم يتمكن من انهاء الفتنة الجزائرية العمياء التي أرقتّه كما أرقّت سابقيه , ولم يتحدث زروال عن صراع مراكز القوة والخلافات الحادة التي كانت تعصف بين أركان الحكم وجعلته يضحّي بأقرب الناس اليه , والقاعدة الجزائرية التي يحفظها الرسميون في الجزائر عن ظهر قلب تنص على عدم الحديث عما يسمونه أسرار الدولة لا تصريحا ولا تلميحا والخروج عن هذا المبدأ معناه القتل تماما كما هي قاعدة المافيا التي أجهزت على محمد بوضياف وهو لم يحكم سوى 166يوما .
وقد حاول زروال الدفاع عن عهده بقوله أنّه استطاع أن يمهّد لانتخابات رئاسية شفافة ونزيهة ويكرّس مبدأ التداول على السلطة , لكنّ منتقدي زروال أعتبروا أنّه كان طرفا في تنفيذ سيناريو ايصال عبد العزيز بوتفليقة الى قصر المرادية ليصبح بذلك سابع رئيس للدولة الجزائرية والذي ظلّ خارج اللعبة السياسية منذ وفاة هواري بومدين وتشاء الظروف أن يعود الى الواجهة من خلال انتخابات رئاسية كان فيها المرشح الوحيد بعد انسحاب منافسيه الستة الذين أكدوّا أنّ بوتفليقة هو رجل العسكر بلا منازع …

http://www.arabtimes.com/mixed3/doc81.html


الجزائر في عهد عبد العزيز بوتفليقة


عبد العزيز بوتفليقة : رجل الملفات والمناورات .


أزيد من 100ألف قتيل وخسائر مادية قدرّت بملايير الدولارات تلك هي الحصيلة المبدئية للفتنة الجزائرية التي اندلعت بعد الغاء المسار الانتخابي واقالة الشاذلي بن جديد , ولم يجد صنّاع القرار وسيلة لحلحلة الأزمة القائمة غير الاكثار من الانتخابات والاستفتاءات وتغييرات بالجملة للدساتير , و محاولات الحلّ هذه كانت في مجملها ترقيعية لم تخرج من الاطار الشكلي , و الانتخابات الرئاسية المبكرة التي دعا اليها اليامين زروال والتي جرت في 15 أبريل – نيسان – 1999 تندرج في هذا السيّاق الأمر الذي لم يؤد الى تجاوز المحنة بشكل كامل . وعلى الرغم من أنّ الرئيس اليامين زروال قد عاد الى مسقط رأسه في باتنة بعد أن سلمّ المهام للرئيس الجديد عبد العزيز بوتفليقة , الاّ أنّ الكل في الجزائر يجمع على أنّ عهده كان عهد المجازر والمذابح الجماعية التي لم تعرف لها الجزائر مثيلا , وحتى الهدنة التي كان قد أعلنها الجيش الاسلامي للانقاذ من طرف واحد لم يعمل على استثمارها بل فضلّ أن يتولى الملف من يأتي بعده ويبدو أنّ كل الأمور كانت مرتبّة وأنّ فكرة الانتخابات كانت لزركشة الديكور .
وبمجرّد الاعلان عن فتح باب الترشح للرئاسة قدمّ أكثرمن 28 مرشحا ملفاتهم الى الدوائر المعنية ليبثّ فيها لاحقا المجلس الدستوري الذي كان يملك صلاحية تحديد ما اذا كان هذا المرشح للانتخابات الرئاسية أو ذاك يستوفي الشروط أو لا .
ومن الذين أقصاهم المجلس الدستوري عن الانتخابات ولم يقبل ترشيحه الشيخ محفوظ نحناح زعيم حركة مجتمع السلم – حمس -التي كانت تحمل اسم حركة المجتمع الاسلامي –حماس - قبل اقرار الدستور المعدّل في عهد اليامين زروال , هذا الدستور الذي منع قيام أحزاب على أساس ديني أو عرقي أو لغوي , والسبب الذي جعل المجلس الدستوري يرفض ترشّح محفوظ نحناح هو كونه لم يشارك في الثورة الجزائرية , وكان من شروط ترشّح الشخص للانتخابات الرئاسية أن يكون المرشّح قد شارك في ثورة التحرير الجزائرية. وقد احتجّ محفوظ نحناح وحركته على قرار المجلس الدستوري و حاول التأكيد على أنّه شارك في حرب التحرير وأنّ لديه شهادات بهذا الخصوص , الاّ أنّ المجلس الدستوري كان مصرّا على قراره ووجد نحناح نفسه خارج اللعبة , لكنّ نحناح لم يتوقف عند هذا بل راح يدعم مرشّح السلطة عبد العزيز بوتفليقة .
وبعد فرز كامل للملفات من قبل المجلس الدستوري أصدر هذا الأخير قراره بشأن من يحق لهم الترشح و مزاولة الحملة الانتخابيّة في وقتها و كانت القائمة تضمّ التالية أسماؤهم :

1- عبد العزيز بوتفليقة .
2- أحمد طالب الابراهيمي .
3- مولود حمروش .
4- عبد الله جاب الله .
5- حسين أيت أحمد .
6- مقداد سيفي .
7- يوسف الخطيب .


وقبل 15 نيسان – أبريل – 1999 موعد الانتخابات الرئاسية بثلاثة أسابيع انطلقت الحملة الانتخابية التي شارك فيها كل المرشحين بقوة ونشاط وحماس مما أوحى أن لا لعبة في الأفق , و أنّ الانتخابات ستأخذ مجراها الى الأخير بنفس الحماس . ودخل المرشحون حسين أيت أحمد ومولود حمروش وأحمد طالب الابراهيمي وعبد العزيز بوتفليقة ويوسف الخطيب وعبد الله جاب الله و مقداد سيفي في سباق ضدّ الساعة حتى يتمكنوا من زيارة كل ولايات القطر الجزائري التي تبلغ 48 ولاية . وركزّ كل المرشحين على موضوع المصالحة الوطنية وضرورة انقاذ البلاد والعباد واخراج الجزائر من أزمتها , وفي الوقت الذي اختار فيه كل مرشح ولاية معينة , فقد اختار عبد العزيز بوتفليقة ولاية قالمة مسقط رأس الرئيس الجزائري هواري بومدين الذي كان بوتفليقة في عهده في أوج تألقه .
وكانت وزارة الداخلية الجزائرية قد خصصّت مبلغ 2,410مليار دينار للتكفل بحملة المرشحين , كما حددت الأطر النظامية لسير الحملة الانتخابية داعية كل المرشحين الى منافسة سياسية سليمة , وحثت المرشحين السبعة على تفادي استعمال اللغات الأجنبية أو تقديم برنامج غير البرنامج الذي تمّ ايداعه لدى مصالح وزارة الداخلية .
وكان لافتا أثناء الحملة الانتخابية وقوف كافة الجمعيات والأحزاب والمؤسسات القريبة من السلطة أو التي تسبح في فلكها الى جانب عبد العزيز بوتفليقة الأمر الذي أثار حفيظة المرشحين الباقين والذين اتهموا السلطة بأنهّا وضعت ثقلها كل ثقلها لانجاح عبد العزيز بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية المقبلة ..
ورغم هذه المخاوف استمرّت الحملة الانتخابية ساخنة فاتحة كل ملفات الفتنة الجزائرية وأليات معالجتها , وقد أجمع كل المرشحين على ضرورة طيّ صفحة الماضي وتكريس مشروع المصالحة الوطنية , ووعد أحمد طالب الابراهيمي باطلاق سراح قادة الجبهة الاسلامية للانقاذ والسماح لهم بمعاودة العمل السياسي , ونفس الوعد تبنّاه عبد الله جاب الله علما أنّ مثل هذا الطرح من شأنه أن يغضب العسكر الذين يملكون وحدهم منح تأشيرة المرور باتجاه قصر المرادية – قصر الرئاسة الجزائرية - .
أمّا المرشح القبائلي حسين أيت أحمد فقد طالب السلطة الجزائرية باستحضار مراقبين دوليين لمراقبة الانتخابات درءا للشبهات و لقطع الطريق عن تزوير هذه الانتخابات خصوصا و أنّ هناك جو عام بدأ يتبلور ويدلّ على أنّ هناك لعبة في الأفق .
وكان ردّ السلطة على حسين أيت أحمد بأنّه لا داعي للمراقبين الدوليين مادامت الحكومة قد شكلّت مايسمى بلجنة مراقبة الانتخابات وعهدت رئاستها الى القاضي الجزائري الدولي محمد بجاوي أحد أعضاء محكمة لاهاي الدولية .
وكانت الطبقة السياسية تتخوّف من التلاعب في أصوات الجاليّة الجزائرية في الخارج والذي يقدّر عددها بمليوني صوت , حيث بقيت الصناديق الانتخابية ثلاثة ايّام في مقّار القنصليات الجزائرية في الخارج قبل فرزها , وكذلك الأمر بالنسبة لأصوات الجنود و رجال الأمن والعاملين في هذه الدوائر .


وبعد أن تأكدّ للمرشحين أحمد طالب الابراهيمي ومولود حمروش وعبد الله جاب الله و مقداد سيفي ويوسف الخطيب وحسي أيت أحمد أنّ هناك قرارا من صقور المؤسسة العسكرية بايصال عبد العزيز بوتفليقة الى سدّة الرئاسة قرروا وبشكل جماعي الانسحاب من الحلبة بحجة أنّ الانتخابات المبدئية التي جرت في المراكز الانتخابية التي خصصت لافراد الجيش والقوى الأمنية وكذلك المكاتب المتنقلة في المناطق البعيدة وفي السفارات الجزائرية في الخارج قد وقع فيها تزوير فاضح وأنّ ممثلي المرشحين معوا من الاشراف ومراقبة عملية الاقتراع في هذه الأماكن .
وشكلّ انسحاب الستة المرشحين صدمة كبيرة على المؤسسة العسكرية وعلى الرئيس اليامين زروال الذي وعد باجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفّافة و كانت أول ردّة فعل لزروال أنّه ألقى خطابا موجها الى الشعب الجزائري بثّه التلفزيون الجزائري جاء فيه أنّ الانتخابات ستتواصل , ولا يمكن لأيّ كان أن يعرقلها أو يؤدي بالبلاد الى طريق مسدود. وردّ المرشحون المنسحبون بقولهم أنّهم لن يعترفوا بشرعية هذه الانتخابات المزورّة لصالح مرشح السلطة عبد العزيز بوتفليقة . وكان الرئيس زروال قد رفض استقبال المرشحين الستة قبل اتخاذهم لقرار الانسحاب , كما رفض السماع لهم بوجود اختراقات خطيرة في صيرورة العملية الانتخابية .
وكان الرئيس اليامين زروال رفض استقبال المنسحبين من الانتخابات الرئاسية لعلمه بل لتأكدّه أنّه لن يكون في وسعه أن يفعل شيئا لهم لأنّ السيناريو المرسوم يجب أن يأخذ مجراه الى الأخير ,وبناءا عليه اتهمّ المنسحبون الرئيس زروال ورئيس هيئة الأركان محمد العماري بعدم احترام تعهداتهم باجراء انتخابات نزيهة .
أمّا عبد العزيز بوتفليقة الذي كان أكبر المحرجين فقد تهجمّ على المنسحبين وأعتبرهم خارجين عن القانون وخصوصا عندما توالت تصريحات المنسحبين ضدّ عبد العزيز بوتفليقة , فيوسف الخطيب أحد المرشحين المنسحبين كان يعتبر بوتفليقة مرشح العسكر , ووقف ضدّ اختيار قيادة الجيش لبوتفليقة ليكون رئيسا للجزائر عام 1994 خلفا للمجلس الأعلى للدولة .
وقد أصدر المنسحبون الستة من الانتخابات الرئاسية وهم : مولود حمروش وأحمد طالب الابراهيمي و عبد الله جاب الله ويوسف الخطيب وحسين أيت أحمد ومقداد سيفي بيانا جاء فيه : بعد تجاهل رئاسة الجمهورية لمسعانا المشترك الوارد في بيان 13 أبريل نسجل :
1- نسجل اصرار السلطة على نكران حقّ المواطنين والمواطنات في تقرير مصيرهم واختيار رئيسهم وتحملها المسؤولية المترتبة عن ذلك .
2- نؤكّد أنّ الالتزامات التي تعهدّ بها كل من رئيس الجمهورية وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي لضمان تنظيم انتخابات حرّة وشفافة لم تجسّد ميدانيا .
3- نقررّ انسحابنا الجماعي من الانتخابات الرئاسية الجارية وعدم الاعتراف بشرعية نتائجها وندعو ممثلينا الى الانسحاب من مكاتب ومراكز التصويت وجميع لجان المراقبة في كل المستويات .
4- نقررّ الاستمرار في تجنيد وتعبئة حركة المواطنين والمواطنات لفرض احترام حقهم في القرار والاختيار الحر .
5- نقررّ استمرار العمل التنسيقي فيما بيننا لمواجهة كل المستجدات .

وأبدى بعض الرسميين استغرابهم من الخطوة الخطيرة التي أقدم عليها المرشحون الستة وقد أكدّ هؤلاء الرسميون أنّ هؤلاء المرشحين كانوا قد قدمّوا وعودا للجيش بعدم اعادة الجبهة الاسلامية للانقاذ الى العمل السياسي وعدم فتح ملفات الرشوة وألتزموا أيضا بابقاء أساليب تسيير عائدات النفط على ما هي عليه .
أمّا بوتفليقة الذي بقيّ وحده في السباق فقد قررّ أن يواصل اللعبة , وأستمرّ في كيل المديح والثناء للمؤسسة العسكرية ولطالما كان يرددّ بأنّه مدين للجيش لأنّه أنقذ الدولة ومابقيّ من سمعة الدولة ولأنّه أي الجيش كان محرك الديموقراطية .
ولم تكثرت مؤسسات الدولة الجزائرية بانسحاب المرشحين الستة , فالمؤسسة العسكرية لم تعبأ بأحد , واليامين زروال الذي جاءت به المؤسسة العسكرية تبرأّ من المرشحين الستة وأعلن الذهاب بالانتخابات الى أخرها , ووزارة الداخلية أعتبرت أنّ ما أقدم عليه المرشحون الستة يندرج في سياق زرع الشك حول نزاهة الدولة .

مرشح الأقوياء :

كل الأحزاب والجمعيات والحركات النسوية وغيرها التي كان تسبح في فلك السلطة وقفت الى جانب عبد العزيز بوتفليقة , فالتجمع الوطني الديموقراطي الذي عينّ على رأسه رئيس الحكومة في عهد اليامين زروال أحمد أويحي خلفا لابن بعيبش الذي عارض وقوف حزبه الذي كان يعرف باسم حزب السلطة الى جانب عبد العزيز بوتفليقة وقد تحدثّ بن بعيبش عن ضغوط من قادة الجيش للوقوف مع عبد العزيز بوتفليقة , وكانت النتيجة الاطاحة به وتعيين أحمد أويحي على رأس التجمع الوطني الديموقراطي , وتجدر الاشارة الى أنّ الحزب الديموقراطي الوطني الذي خلقته السلطة ليكون بديلا عن الجبهة الاسلامية للانقاذ وحزب جبهة التحرير الوطني يحتل 156 مقعدا في البرلمان والذي هو من أصل 380 مقعدا , كما يحتل معظم المقاعد الوزارية . وبالاضافة الى هذا الحزب فانّ التعليمات صدرت الى الجنود والعاملين في الأجهزة الأمنية باختيار بوتفليقة , واستطاع بوتفليقة أن يجمع تحت مظلته كل المتناقضات من حركة مجتمع السلم وحركة النهضة التي نجحت السلطة في الاطاحة بزعيمها عبد الله جاب الله الذي أسسّ حركة الاصلاح الوطني , والاتحاد العام للعمّال الجزائريين و جمعية عائلات ضحايا الارهاب و الجمعيات التجارية .
وكان بوتفليقة عندما يتوجه الى ولاية معينة في سياق حملته الانتخابية كانت الدوائر الرسمية تعطّل ليتسنى للجميع حضور مهرجانه الخطابي وهذا ما لم يحدث مع أيّ من المرشحين الباقين .وحتى وسائل الاعلام العمومية المرئية والمسموعة والمكتوبة وقفت وقفة غير طبيعية مع عبد العزيز بوتفليقة , وكل هذه المؤشرات وغيرها كشفت عن وجود لعبة مدروسة ودقيقة والهدف منها ايصال بوتفليقة الى قصر المرادية .
ووسط هذه الأجواء المفعمة بالشكوك انطلقت الانتخابات الرئاسية يوم الخميس 15 نيسان – أبريل – 1999 , وكان المنضمّون الى المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية وسكان المناطق الصحراوية النائية قد أدلوا بأصواتهم قبل ثلاثة أيام من التاريخ المذكور . ولم تتأخر وزارة الداخلية في الاعلان عن نتائج الانتخابات كما لم يتأخر المجلس الدستوري في الاقرار بنزاهتها وقد جاءت على الشكل التالي :

1- عبد العزيز بوتفليقة 7.442.139 صوتا أي 73.79 بالمائة من الأصوات المعبّر عنها .
2- أحمد طالب الابراهيمي 1.264.094 صوتا أي 12,53 بالمائة من الأصوات المعبّر عنها .
3- عبد الله جاب الله 398.416 صوتا أي 3.95 بالمائة من الأصوات .
4- حسين أيت أحمد 319,523 صوتا أي 3.17 بالمائة من الأصوات .
6- مولود حمروش 311.908 صوتا أي 3.09 بالمائة من الأصوات .
7- مقداد سيفي 122.826 صوتا أي 1.22بالمائة من الأصوات .
8- يوسف الخطيب 122.826 صوتا أي 1.22 بالمائة من الأصوات .

وكان عدد الناخبين المسجلين يقدّر ب : 17.494,136 , و قدرّ عدد المصوتين ب: 10.536.751 , وقد بلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات ودائما حسب تقديرات السلطة 60.25 بالمائة .
وكان أول الفرحين بنتائئج الانتخابات عبد العزيز بوتفليقة الذي أعلن عن قبوله لنتائج الانتخابات واستعداده ليكون رئيسا لكل الجزائريين , وكان وزير الداخلية عبد المالك سلال قد أعلن أن سبعة ملايين جزائري قد أختاروا المرشح الوحيد عبد العزيز بوتفليقة .
وفي الوقت الذي حولّت فيه السلطة الجزائرية يوم فوز بوتفليقة الى يوم وطني شبيه بذكرى استقلال الجزائر , فانّ المنسحبين الستة دعوا الى تنظيم مسيرة احتجاجية وسط الجزائر العاصمة , وقد منعت قوات الأمن الجزائرية التظاهر وقطعت كل الطرق التي كان المتظاهرون ينوون التجمهر فيه .
ورغم ذلك لم يتأخر عبد العزيز بوتفليقة في استلام مهامه التي بدأت باجراء مراسيم تسليم وتسلّم من زروال في قصر الشعب ودام اللقاء بين زروال وبوتفليقة عشرين دقيقة , وأعقبها بعد ذلك أداء القسم الدستوري في قصر الأمم بحضور وطني ودولي مكثّف , وفي أثنائها ألقى الرئيس الجديد عبد العزيز بوتفليقة خطابا اتسمّ باعادة التذكير أنّ الدولة الجزائرية مازالت قائمة وسوف تسخّر هذه الدولة كل ماتملكه من وسائل لدحر العنف وقطع دابره والاقتصاص من مسببيه طبقا لقوانين الجمهورية أو كما قال الرئيس الجديد .
وركزّ في خطابه على أمرين بالغي الأهمية وهما الأمن وكيفية تحقيقه والاقتصاد الجزائري وكيفية انعاشه .
لكنّ السلطة التي أرادت أن تصنع من عبد العزيز بوتفليقة الرجل المنقذ و الحلّ الضروري للجزائر لم تستطع أن تقرن الفعل بالقول , وبدأ بوتفليقة يتنصل من كثير من وعوده وأقواله أيضا .


لم يدر في خلد عبد العزيز بوتفليقة وهو يؤبّن صديقه الرئيس الراحل هواري بومدين في مقبرة العالية عشية وفاة هواري بومدين أنّه يؤبّن مسيرته السياسية أيضا . فلقد تنكرّ له العهد الجديد ولم يكلفّه بأي مهمة على الاطلاق رغم تجربته الواسعة في مجال السياسة الخارجية وقد فهم بما يملكه من حنكة ودهاء أنّ الذين بدأوا يحتلون المواقع الأمامية في المؤسسة العسكرية ودوائر القرار لا يرغبون فيه , وأنّه لا ينسجم معهم بل لا ينسجم بتاتا مع المرحلة العالمية الجديدة التي بدأت تتسم ببدايات زوال الحرب الباردة , ويبدو أنّ بوتفليقة كان يشعر أنّه أخذ حقّه وزيادة من المسؤولية ,ومعروف أنّه قال غداة فوزه في الانتخابات الرئاسية : كنت أصغر ضابط في جيش التحرير الوطني , وأصغر وزير خارجية في العالم ورأست الجمعية العامة للأمم المتحدة وأقمت علاقات مع عظماء العالم .
وبعد وفاة هواري بومدين فتح ملف عبد العزيز بوتفليقة المالي فأختار مغادرة الجزائر الى بعض الدول الخليجية على المكوث في الجزائر ومواجهة المجهول , ولأنّه أثر الصمت فقد ظلّ ملفه مغلقا تفتح صفحة منه أو صفحتان بين الحين والأخر دون فتح السجلات كلها بالتفاصيل .
وبعد خريف الغضب تشرين الأول – أكتوبر –1988 عاد الى الجزائر ووقعّ مع بعض السياسيين الجزائريين بيانا دعيّ ببيان السبعة عشر وفيه طالب هؤلاء السياسيون الشاذلي بن جديد بفتح الباب أمام الديموقراطية ولو بشكل محدود , وفي سنة 1994 عرضت عليه المؤسسة العسكرية رئاسة الدولة فأدىّ الاختلاف بين بوتفليقة وبعض الجنرالات الى اقصائه منها وتعيين الجنرال اليامين زروال رئيسا للدولة .
وبعد 15 نيسان – أبريل – 1999 وجد نفسه رئيسا بنفس شروط المؤسسة العسكرية ولكن بسيناريو مختلف غير الذي كان مقررا في سنة 1994 …

عبد العزيز بوتفليقة و المؤسسة العسكرية

منذ استقلال الجزائر في الخامس من تموز | يوليو 1962 و الاشكال المعقد القائم في الجزائر هو حول التداخل الكبير بين النظام السياسي والمؤسسة العسكرية , حتى نتجت المعادلة التي نصها أن الجيش في الجزائر هو النظام السياسي والنظام السياسي هو الجيش .و هذه المعادلة كانت وراء عدم قيام مؤسسات فعلية وحقيقية تمارس لعبة الحكم من خلال قواعد ديموقراطية , بل ان غياب المؤسسات الدستورية الحقيقية أدى الى تضخم دور المؤسسة العسكرية والتي كبرت على حساب المؤسسات الاخرى, وترامت أطرافها في الحياة السياسية والاقتصادية و الاجتماعية و الامنية و من رحم هذه المؤسسة خرج كافة صناع القرار الذين كانوا في الواجهة وكان وجودهم في قصر المرادية- قصر الرئاسة الجزائرية –هو في الواقع امتداد لقوة المؤسسة العسكرية.
ولم تتمتع مؤسسة الرئاسة في يوم من الايام بدورها الحقيقي بل كانت أشبه بسلطة تنفيذية لما تراه المؤسسة العسكرية صوابا و صحيحا وما هو من مقتضيات مصلحة الدولة التي باتت هي الاخرى في شكل من الاشكال مصالح لكبار الضباط شبكوا بين ما هو سياسي و اقتصادي وأمني و عسكري ,وكلما كبر دورهم العسكري انعكس ذلك طرديا على دورهم السياسي و الاقتصادي وتوابع كل ذلك.
و هذا الامتداد الواسع والكبير للمؤسسة العسكرية جعل كل الرؤساء في الجزائر من أحمد بن بلة و الى عبد العزيز بوتفليقة في حرج شديد ,و بدءا من أحمد بن بلة ,فهواري بومدين ثم الشاذلي بن جديد ومحمد بوضياف والى علي كافي واليامين زروال,فكلهم خرجوا من الرئاسة بطريقة دراماتيكية و مأساوية أحيانا.
و اذا كان الفصل المتعلق بالرؤساء السابقين قد بات مكشوفا ,فان ما يمكن الحديث عنه هو حقيقة العلاقة بين المؤسسة العسكرية وعبد العزيز بوتفليقة.
ويأخذ بعض المتنفذين في المؤسسة العسكرية على عبد العزيز بوتفليقة سعيه لتكبير دور الرئاسة و اعطائه اياها الدور الدستوري و ارجاع زمام المبادرة اليها وذلك من خلال اتخاذ المبادرات والقرارات . وحسب المراقبين في العاصمة الجزائرية فان بوتفليقة الذي بدأ متحمسا اكثر مما ينبغي و مدفوعا الى ابعد الحدود بدأ يفرمل الان ,بحيث تبخرت العديد من الاحلام والوعود الجميلة.
و من الخطوط الحمراء التي أعاد المتنفذون في المؤسسة العسكرية طرحها و التذكير بها ضرورة ضبط العلاقة مع المغرب و عدم الذهاب بعيدا مع الملك محمد السادس و ارجاع الامور الى ماكانت عليه ايام التدهور الديبلوماسي , وقد فضل بوتفليقة فرملة مسعاه على اعادة المياه الى مجاريها بين الجزائر والرباط .
كما ان موضوع حالة الطواريء واطلاق سراح قادة الانقاذ مازال بيد المؤسسة العسكرية ,و الاشكال ان بوتفليقة وضع على المحك , فبدون هذه المواضيع لايمكن لبوتفليقة ان يتقدم الى الامام .
وقد تجلى الخلاف بين المؤسسة العسكرية و مؤسسة الرئاسة قبل تشكيل الحكومة الأخيرة حيث كان لبعض الضباط وجهة نظر مغايرة لوجهة بوتفليقة.
والعواصم الغربية التي ترصد الحدث الجزائري بمجهر خاص و تحديدا واشنطن وباريس تتوقع بروز احتمالات من هذا القبيل ,وقد فهمت مصادر جزائرية من قيام الاسطول السادس الامريكي الى الجزائر انه يندرج في سياق الدعم الامريكي الخفي لبوتفليقة, رغم ان الرئيس الامريكي رفض استقبال الرئيس الجزائري على هامش اعمال الجمعية العامة للامم المتحدة وكان البيت الابيض يفضل التريث لمعرفة صيرورة الاوضاع في الجزائر قبل ان يستقبل بوتفليقة في البيت الابيض.
و لا تستبعد بعض الدوائر الغربية حدوث اصطدام بين الرئاسة و المؤسسة العسكرية خصوصا بعد توزيع مناشير سرية تهاجم الرئيس المغربي أي عبد العزيز بوتفليقة وذلك في اشارة على انه ولد في مدينة وجدة المغربية ,و يتخوف البعض من انطلاق حملة تشهير ضد بوتفليقة و تستهدف الملف المالي لعبد العزيز بوتفليقة,حيث سبق لمجلس المحاسبة الذي تشكل في عهد الشاذلي بن جديد ان جمع ملفا يتعلق بالملف المالي لبوتفليقة وتحويله اموال الدولة لصالحه عندما كان وزيرا للخارجية , وجاء في الملف ان جزءا من ميزانيات السفارات الجزائرية في الخارج كان يحول لحساب بوتفليقة في سويسرا.
ويبدو بوتفليقة محتارا بين الرضوخ للمؤسسة العسكرية بالكامل و تنفيذ ما وعد به الشعب الجزائري , ويخشى البعض ان يؤدي تطور الخلاف بين المؤسستين ان لايكمل بوتفليقة ولايته الرئاسية وهو على الدوام يهدد بالانسحاب.
ومن جهته الشعب الجزائري الذي يتابع بصمت فصول هذه المعركة الدائمة والمستديمة والصامتة ايضا بين المؤسسة العسكرية و الرئاسة فيرى ان بوتفليقة روضته كواليس السياسة ونقطة قوته جملة امور منها معرفته التفصيلية والدقيقة بطريقة تفكير العسكر ولعبة التوازنات داخل المؤسسة العسكرية, وتعويله على رصيده من العلاقات الدولية ,و تفهمّ
الجزائريين له ولما يدور وراء الستار والكواليس .ولكن وبتعبير أحد العارفين بالبيت الجزائري فانّ كل هذا لا يكفي اطلاقا في تحصين موقع الرئيس لان الرئيس في الجزائر لا يملك مواقع القوة و قوته الوحيدة في الدستور وهذا الاخير هو مجرد كتاب جميل سطرت فيه قوانين الدولة النظرية التي بينها وبين الواقع بون شاسع.
والسلاح الوحيد الذي بدأ يلجأ اليه بوتفليقة هو الصمت ومحاولة التكتم على ماينوي فعله حتى لا يصبح مكشوفا و بالتالي يسهل فهم خطواته و من تم الانقضاض عليه, وقد تلقى عبد العزيز بوتفليقة في المدة الاخيرة رسالة شفهية من قبل بعض المتنفذين في المؤسسة العسكرية مفادها ان لا أحد يعلو على المؤسسة السيدة و مثلما صنعت هذه المؤسسة
بوتفليقة فهي قادرة على قلب الطاولة بما في ذلك اوراق اللعبة من أساسها .
وصراع الأضداد هذا بين مؤسسة الرئاسة و مؤسسة العسكر اذا تفاقم سيبدد الآمال التي عقدت على قانون الوئام المدني ,و يتخوف البعض أن يؤدي صراع الاضداد الى معاودة دعاة العنف من الطرفين مناوراتهم و عنفهم أيضا.
و يرى العارفون بالبيت الجزائري ان الصراع هذه المرة بين مؤسسة الرئاسة و مؤسسة العسكر ليس هينا و يختلف عن اشكال الصراع السابقة و ذلك لأسباب عدة اهمها ؛
1 –انّ لعبة العسكر قد باتت مكشوفة و أي محاولة لاغراق السفينة هذه المرة ستكون لغير صالحهم.
2-يملك بوتفليقة أكثر من ورقة للمناورة و قد يكون أخر سياسي يدخل في لعبة العسكر حيث قد يصعب أن يجد العسكر لاعبا سياسيا أخر.
3- انّ فشل أي مسعى سياسي سيحرق هذه المرة الأخضر واليابس و قد يحصد هذا الفشل رؤوس الجميع.
4-من خلال تحركاته في الخارج أراد بوتفليقة التأسيس لمعادلة مفادها ( اتغذى بكم قبل ان تتعشوا بي) أي اعادة تعويم الجزائر دوليا لان ذلك يعني ايضا اعادة تعويم بوتفليقة وهذه ورقة لصالحه ضد العسكر .
ويبقى القول ان نجاح المسعى السياسي الجزائري رهن بعودة المؤسسة العسكرية الى دورها الطبيعي وممارسة وظيفتها الدستورية وذلك عبر تخليها الكامل عن اقحام أصابعها في مجريات اللعبة السياسية ,وبدون ذلك ستراوح الجزائر مكانها و لن يستفيد من هذا الوضع الا اعداء الجزائر !



http://www.arabtimes.com/mixed3/doc82.html

karimilia
22-04-2009, 16:35
الى الاخت منى نور الهدى
المبادئ الأساسية للفكر الكلاسيكي :

يستند النموذج الكلاسيكي إلى مجموعة من المبادئ يرتكز عليها في تحليلاته للنماذج أو للنمذجة القياسية لمختلف الدراسات فيرى أن :
1 – كل الأسواق (سوق السلع و العمل ) يسودها المنافسة الكاملة , حيث تسعى كل المشروعات إلى تعظيم أرباحها الكلية في ظل هذه المنافسة بتخفيض التكلفة إلى أقل حد ممكن مقارنة مع زيادة قيمة الناتج الحدي .
2 – لا يخضع أصحاب الأعمال والعمال إلى الخداع النقدي بمعنى أنهم يبنون قراراتهم ليس على أساس المستوى المطلق للأسعار , و على أساس المعدل الأجر النقدي ولكن تبنى هذه القرارات على أساس الأسعار النسبية لكل من السلع و عوامل الإنتاج , وعندما يقرر العمال كمية العمل التي يعرضونها ,إنما يتأسس هذا القرار على الأجر الحقيقي و ليس على المستوى المطلق للأجر و الأجر الحقيقي هو عبارة عن معدل الأجر النقدي على المستوى العام للأسعار و يساوي W / P.
3 – المرونة الكاملة لكل من الأجور النقدية و أسعار السلع سواء كان ذلك بالزيادة أو النقصان.
4 – قانون ساي للأسواق مضمونه أن كل عرض يخلق الطلب عليه , فكل فرد يقوم بإنتاج سلعة و يعرضها ليتمكن من شراء سلعة أخرى , إذن العرض يمثل القوة الشرائية للسلعة و عليه يعني حدوث توازن بين حاجات الأفراد , وبالتالي تحقيق الإشباع الذي عندما نصل إليه يحدث التوازن عند مستوى التوظيف الكامل أي كل الطاقات و الموارد و عوامل الإنتاج موظفة توظيفا تاما بإنتاجية 100%.
5 – يعتمد التحليل الكلاسيكي على تحقيق المصلحة الخاصة التي تعد من بين اللبنات الأساسية المكونة للمصلحة العامة , كما يرى آدم سميث بأن اليد الخفية التي تعتمد عليها في تحليلاته هي عبارة عن تلك القوى الوهمية التي تربط بين المصلحة العامة و الخاصة إذ على أساسها يتحقق التكامل الإقتصادي .
6- يرى الفكر الكلاسيكي بأن البطالة هي إرادية من طرف العمال , لأن الإقتصاد في مرحلة التشغيل الكامل , وعليه يتحمل العمال مسؤولياتهم إزاء الإنتقال من وظيفة لأخرى التي يطلق عليها بالبطالة المؤقتة . إلا أنهم يرجعونها في بعض الأحيان إلى عدم مرونة الأجور و هو السبب الرئيسي لإنتقال العمال .

2 – قانون ساي للمنافذ :
يلخص ساي قانونه في عبارة هي :" العرض يخلق الطلب الخاص " , ترتكز هذه العبارة العامية على الإستدلال التالي :
يرى الكلاسيك أن الناس يعرضون خدماتهم من أجل الحصول على أكبر دخل ممكن الذي يسمح لهم بإقتناء أكبر كمية ممكنة من السلع و الخدمات , وعليه يندرج سلوك الإفتراض ضمن فكرتين أساسيتين هما :
1 – يبحثون دائما عن تعظيم المنفعة .
-2 المنفعة المباشرة للنقد معدومة .
فيرى ساي كما هو الحال بالنسبة لكل الكلاسيك أن النقد حيادي , أي لا يؤثر بأي شكل من الأشكال على المتغيرات الإقتصادية الحقيقية بالإضافة إلى ذلك , فهو عديم المنفعة أي أن النقد لا يحتفظ به لذاته , و أن الدور الوحيد في الإقتصاد هو ذو طابع تقني ألا وهو تسهيل المعاملات , فالوظيفة الوحيدة المعترف بها للنقد هي وظيفة الوسيط في المبادلات و الإحتفاظ بجزء من الدخل في شكل نقد سائل , وهو سلوك غير عقلاني فالدخل في الحقيقة يتوجب دائما إلى تحويله إلى طلب الذي يتوجه بدوره إلى مقابل العرض , وهو ما يحققه قانون ساي .
ويجب أن نلاحظ أن تحقيق قانون ساي لا يعني أن كل الأسواق متوازنة , فقد يوجد هناك نقص في الطلب على سلعة أو خدمة , كما قد يوجد نقص في عرض سلعة أو خدمة , إلا أنه لا يمكن أن يوجد عجز في الطلب على المستوى الكلي أي لا يمكن أن توجد أزمة في الإنتاج على المستوى الكلي .




-3 التحليل المزدوج :
-1-3 توتزن القطاع الحقيقي :
يقسم الكلاسيك عادة الإقتصاد إلى قسمين :القطاع الحقيقي و القطاع النقدي , ويرتكز هذا الإنقسام الثنائي على فرضية كون النقد حياديا , إذ أنه لا يؤثر على ما يحدث في القطاع الحقيقي , كما يتعلق هذا الأخير بفعل القوى الحقيقية من تكنولوجية إنتاجية للعمل و رأس المال المنفعة الموجبة للدخل و الراحة (أو الإستهلاك ) و السالبة للعمل 0
و لتحديد التوازن يمكن وضع المتغيرات الحقيقية التالية :
حجم العمل L* حجم الدخل الحقيقي Y*
معدل الأجر الحقيقي W* معدل الفائدة i*
حجم الإستثمارات I* الإدخارS* الإستهلاكC*
لدينا العلاقة التالية لسوق العمل :
دالة الإنتاج: Y= y(L)
عرض العمل : Ls (w) Ls =
الطلب على العمل :Ld = Ld (w) = dy / dL
شروط توازن سوق العمل :Ld (w)= Ls (w)
عرض الإدخارS = S(i)
الطلب على الإستثمار I = I(i)
شروط توازن سوق الخدمات I(i) = S(i)
وهذا يعني أن الإدّخار يستثمر أي لا يوجد تبذير .
الإستهلاك C = Y – S
نلاحظ أن الإقتصاد عند الكلاسيك ينقسم إلى قسمين : سوق السلع و سوق السلع و الخدمات .
ولا يتحقق التوازن الكلي عندهم إلا بتوازن السوقان في آن واحد , هذا الأخير يمكننا من إيجاد التوازن للقطاع الحقيقي , إلا أن التوازن الإقتصادي الكلي لا يمكن تحديده لأنه مرتبط بتوازن السوق النقديكذالك . إذن لابد من دراسة هاته الأخيرة للوصول إلى توازن الإقتصاد الكلي .


2 – توازن سوق النقود :
تعتبر النظرية الكلاسيكية أقدم النظريات النقدية في دراسة توازن سوق النقود , فتعد حجر الأساس في بتاء هذه الدراسات , حيث مرت هذه الأخيرة بعدة مراحل :
أ‌- معادلة التبادل :
MV = PT حيث يمثل
M :كمية النقود المتداولة في وقت :Vسرعة دوران النقود
:Pالمستوى العام للأسعار T:حجم المعاملات
هذه العلاقة تبين مدى الإرتباط بين المستوى العام للأسعار و كمية النقود .P=P(M)
إذن مستوى العام للأسعار هي دالة لكمية النقود متزايدة في M PM= dp / dm>0
إنتقل التحليل الكلاسيكي من إعتماده على حجم المعاملات T إلى الدخل Y , وذلك على يد "مارشال و بيجو" , حيث يعتبر PY=MV وفي نفس الوقت صيغت هذه المعادلة في شكل دالة للطلب على النقود KPY = MD و تسمى بمعادلة "كمبردج" حيث 1/v = K الذي يعتبر ثابتا في المدى القصير , و إذ كان MD= 1/V(PY) يمثل الطلب على النقد فإن :
Ms = 1/v (PY) يمثل عرض النقد عليه , فإن MS= MD , وعليه نقول بأن التوازن النقدي يتحقق عندما يتساوى عرض النقود MS وطلب النقود MD ويمكن تمثيل ذلك بيانيا كما يلي :
Md Ms
Md = Ms = M0
لنقل الآن كلمة عن النظرية الكمية ز مستوى العام للأسعار بإظهار العلاقة بين كمية النقود و المستوى العام للأسعار , يكفي أن نعود إلى العلاقة الكمية لمعادلة التبادل , و نفرض بأن حجم الدخل الحقيقي Y ثابت و هو أمر يمكن قبوله نظرا لفرضية الفترة القصيرة الأجل , بما أن K ثابت , تصبح العلاقة كما يلي : P = P(m) بحيث PM =dp/dm >0 0
وفي معادلة كمبردج يصبح المستوى العام للأسعار كما يلي : P = M / (KY)
بما أن المقدار KY ثابت فإن P يرتبط مباشرة و بشكل ملزم بكمية النقود M , و العلاقة بينهما طردية و تناسبية



نلاحظ أنه إذا كان K ثابت هو MS فإن الإحتفاظ بالتوازن النقدي يفترض ما يلي :
كل زيادة في الدخل الحقيقي يفترض إنخفاض متناسب لمستوى الأسعار P , أي أن العلاقة بين الحجم الحقيقي و المستوى العام للأسعار علاقة عكسية , وإذا كان Y* يمثل حجم الإنتاج أو الدخل الحقيقي عند الإستخدام الكامل و MS1 عرض النقود فإن المستوى العام للأسعار P1 .
و لنفترض أن كمية النقود المعروضة قد تغيرت لسبب أو لأخر و أصبحت MS2 , بينما الدخل يوجد في مستواه الأقصى Y* فإن المستوى العام للأسعار ينتقل إلى P2 , وذلك بنفس النسبة التي ارتفعت بها كمية النقود , وعليه يتحقق التوازن الإقتصادي الكلي بقطاغين حقيقي و نقدي .

تحليل فالراس :
بالنسبة لفالراس , وعلى غرار باقي مفكري المدرسة الكلاسيكية و على رأسهم ساي , فإن النقود تشمل المبادلات و تعكس نسب القيمة ما بين المنتجات , لكنها غير مرغوب فيها لذاتها , فإذا تضاعفت كمية النقود مثلا سيكون هناك تضاعف في أسعار السلع , لكن القيمة النسبية للمنتجات تبقى نفسها , وبالتالي فسوف يعود التوازن بين الطلب على النقود وعرضها .
لإظهار هذا يبين فالراس تحليلها على مجموعة من الفروض نذكر منها :
• المنافسة الحرة في تبادل السلع و الخدمات .
• يفضل فالراس ثلاثة عناصر وهي :
1 – المعيار numeraire : و هو إتخاذ سلعة ما كأساس لتقييم السلع الأخرى .
2 – النقود المتداولة : وهي الأعوان التي يستعملها الأعوان الإقتصادية لقضاء حاجتهم , فالمؤسسات تبيع منتجاتها للعمال و تتحصل على النقود المتداولة التي تشتري بها خدمات العمال و تتحصل على النقود المتداولة التي تشتري بها خدمات العمال .
3 – النقود الإدخارية : وهي ذلك الفائض التي تحققه المؤسسة بين إيراداتها ة إستهلكاتها , إن هذا الفائض يستخدم في شراء معدات الإنتاج أو كرائها (الإستثمار) .
فحسب فالراس سواء كانت النقود متداولة أو إدخارية فهي تتميز بالحركية لا بالجمود , أي لا تقوم بوظيفة مخزن للقيمة .
- كما يفترض فالراس ثبات كل من أسعار السلع و الخدمات , تاريخ شرائها و بيعها لمدة معينة. أي أن الطلب على النقود يكون ثابتا .
السؤال المطروح في هذه الحالة : هو كيف يتم تحديد الطلب على النقود ؟
يفترض فالراس سلعة ما A , تقوم بدورها كأداة لقياس القيم و كسلعة , يتم تقييم السلع الأخرى على أساسها بإعتبار سعر هذه السلعة A هو الوحدة , و أسعار السلع الأخرى d,c,b مثلا يعبر عنها بكميات من السلع A .
(سعر 1 غ من الذهب هو 1 , و سعر الفضة مثلا هو 1/2 إذا كانت قيمة الذهب من ضعف قيمة الفضة )
- إن الكميات q1 من السلعة A المتوفرة في الإقتصاد هي الكميات الموافقة للطلب على A كسلعة , وبإعتبار السلعة A كمقياس للقيمة أي كنقد , فإن الطلب عليها كنقود (encaisse) سيضاف إلى الطلب عليها كسلعة .
أي إذا كانت الكميات المطلوبة من السلع d,c,b;a هي و أسعارها هي : Pd,Pc,Pb,1 على الترتيب و يوضع الطلب على A كنقد هو Ha (encaisse) يمكننا كتابة المعادلة التالية :
Ha = + Pb+ Pc+ Pd
و منه فإن الطلب الكلي على السلعة A هو Qa + Ha
إلا أن في الواقع الكميات المتوفرة من السلع A (العرض) هي Qa (الكميات الموافقة للطلب عليها كسلعة) , وبالتالي فسوف تكون في حالة عدم توازن .
فإذا كانت الكمية (Qa +Ha) أكبر من الكمية Qa ب n مرة فسنحتاج إلى مضاعفة الكمية Qa ب n مرة للعودة إلى حالة توازن (العرض = الطلب ).
يفترض فالراس تخفيض الإستهلاك من السلعة A ب n مرة أي تخفيض الطلب عليها كسلعة ب n مرة Qa = Qa /n .
كما يفترض تخفيض الأسعار ب nمرة , أي تخفيض الطلب على السلعة A كنقد ب n مرة
Ha /n = Qa (encaisse ) .

من هذا نقول فالراس أن توازن المبادلات يدوم مادامت الأسعار دائما مساوية لنسبة العرض
أي حسب فالراس يكفينا أن نخفض الأسعار ب n مرة لنتحصل على التوازن مع كمية السلعة النقدية n مرة نافرة , والعكس بالعكس . وهذا ما يبين العلاقة الطردية بين كمكية السلعة النقدية و الأسعار .

قيمة النقود في الفكر الكلاسيكي :
في كلمة وجيزة يمكن تحليل قيمة النقود عند الكلاسيك من خلال تفاعل قوى العرض و الطلب .
إن القيمة الإقتصادية لأي سلعة أو خدمة تتوقف على تفاعل العوامل المتصلة بعرض السلعة أو الخدمة مع العوامل المتصلة بطلبها و الجديد الذي نريدان تصنيفه هنا هو أن قيمة النقود هي الأخرى كسلعة أو كخدمة في الإقتصاد تخضع لنفس المفهوم التقليدي السابق , ومن ثم فإن قيمة النقود تتحدد بعوامل قوى عرض و طلب النقود .
1 – عرض النقود :
يمكن تقسيم النقود إلى ثلاثة أنواع :
- أوراق البنكنوت .
- النقود المساعدة (أوراق النقد الحكومية و المصكوكات الرمزية )
- النقود المصرفية .
يطلق على النوعبن الأولين من النقود باصطلاح النقود القانونية , ويختص النوع الثالث للنقود باصطلاح النقود الغير قانونية , ومع ذلك فإن هذه المناقشة إنما تشدنا إلى حتمية التفرقة بين عرض النقود في لحظة معينة و عرض النقود في فترة زمنية .
إن عرض النقود في لحظة واحدة إنما يتألف من ثلاثة أنزاع سابقة الذكر , ومن ثم ينصرف النظر إلى كمية النقود الموجودة تحت تصرف المجتمع في لحظة زمنية معينة بالنسبة إلى كل الأنواع الثلاث السابقة الذكر . وعليه , فإن تحديد قيمة النقود في الوقت الحالي لا يجد نفعا , و إنما ينبغي دراسة قيمة النقود خلال فترة زمنية ممتدة , وذلك لأخذ بعين الإعتبار عدد مرات إنتقال هذه الكتلة النقدية بين المتعاملين الإقتصاديين , و قد أصطلح بتسميته بسرعة تداول النقود والتي تمثل حجم المعاملات التي تمت داخل المجتمع خلال فترة الدراسة , وعليه نقول أن حتمية النقود المتداولة إنما تتألف من متوسط كمية النقود مضروبة في متوسط عدد مرات الإنتقال وحدة النقد.
فإذا رمزنا لمتوسط كمية النقود M و لسرعة تداول النقود V , فإن عرض النقود خلال أي فترة ممتدة من الزمن Ms إنما يتحدد بالعلاقة التالية : Ms =Vm .
2 – طلب النقود :
من البديهي أن يتحدد الطلب في العرض الإقتصادي وبالنسبة لأي سلعة أو خدمة بما يحققه من منافع مقررة , أي لما لها من مزايا و وظائف , منطقيا أن لا يشد الطلب على النقود على هذه البديهية , وفي الحقيقة أن الفكر الكلاسيكي لا يعطي للنقود إلا وظيفة واحدة ألا وهي تسوية المبادلات , ذلك أن النقود ليست في نظرهم سوى مجرد عربة لنقل القيم , وهذا من مضمون حيادية النقود .
فاكلاسيك لا يرون للإكتناز مكانا في النظام الإقتصادي , ولا يسيمون للنقود بوظيفة مخزون القيمة , ذلك أن كل ما يدخر يستثمر , فالتساوي حتمي و دائم بين الإدخار و الإستثمار , وبالتالي فإن النقود لا تطلب لذاتها , وإنما لإجراء و تسهيل عمليات التبادل , ذلك أن القاعدة العامة هي كما يقرر ساي " أن العرض يخلق الطلب عليه" و أن المنتجات تتبادل مع المنتجات , وأ، النقود ليست سوى ستارا يخفي المظاهر دون أن يغير من حقائق الأسياد .
وإذا ما سايرنا هذا المنطق ,فإن النقود لا تطلب إلا لدافع واحد هو تسوية المبادلات ة التي تحدد الطلب عليها بحجم المبادلات التي يراد إبرامها في النظام الإقتصادي خلال فترة معينة
3 – تحديد قيمة النقود
تتحدد القوة الشرائية للنقود طبعا للعرض و الطلب بالعلاقة بين الحجم الحقيقي للصفقات الذي يراد إستخدام النقود لتسويتها و بين عرض النقود خلال فترة المبادلات .



النظرية الكمية للنقود :
الفرضيات :تستند هذه النظرية إلى مجموعة من الفرضيات خلال دراستها لوظيفة النقود في الإقتصاد :
1 – ثبات حجم التبادلات الإقتصادية أو حجم الإنتاج إرتباطا بالقدرة الإنتاجية للإقتصاد القومي و مستوى تشغبل عوامل الإنتاج , وحجم الطلب على السلع و الخدمات , استنادا على المنطق الإقتصادي الذي يفترض حالة التوازن المستمرة في الإقتصاد القومي و الذي يتحقق مستوى التوظيف الكامل للموارد الإنتاجية , وأن الإقتصاد القومي لديه القدرة التلقائية لبلوغ هذه الحالة , حيث أن ذلك لا يتغير خلال فترة زمنية قصيرة .
2 – ثبات سرعة دوران النقود : أرتباطا بدرجة نمو الأسواق الإقتصادية و المالية ووسائل تسوية المدفوعات وسرعة الإتصال و النقل و الكثافة السكانية هي متغيرات تبقى مستقرة خلال فترة زمنية قصيرة .
3 – نسبة المستوى العام للأسعار للتغيرات الحاصلة في كمية النقود من خلال العلاقة الطردية الرابطة بينهما , أي أن المتغير المستقل هو كمية النقود , وأن المستوى العام للأسعار هو المتغير التابع وتتحدد حركة الإثنين في إتجاه واحد أي : م = د (ن)
كما أن زيادة كمية النقود تعني زيادة وسائل الدفع و أن ثبات حجم السلع و الخدمات و زيادة وسائل الدفع سيدفع بالأسعار إلى الإرتفاع و ذلك لتوجيه هذه الزيادة النقدية للحصول على السلع و الخدمات يكون مدها هيكل الإنتاج القومي غير قادر على تلبيتها .
ومن ذلك نقول هناك تناسب بين مستوى الأسعار و كمية النقود بعلاقة ثابتة و محددة بإستمرار

متمور
23-04-2009, 20:10
بحث لمذهب جيني:(

متمور
23-04-2009, 20:11
ساعدني من فضلك

spisos
23-04-2009, 20:20
رد إلى عزوز زيان:


السياسة الإقتصادية:


- خطة البحث -

الفصل الأول : الدولة و السياسات الاقتصادية
المبحث الأول : السيلسة الاقتصادية
المطلب الأول : مفهوم السياسة الاقتصادية
المطلب الثاني : أنواع السياسة الاقتصادية
المطلب الثالث : أدوات السياسة الاقتصادية
المبحث الثاني : السلطات الاقتصادية
المطلب الأول : السلطة النقدية
المطلب الثاني : السلطة المالية
الفصل الثاني : العولمة والسياسات الاقتصادية
المبحث الأول : العولمة الاقتصادية و تداعياتها
المطلب الأول : مفهوم العولمة الاقتصادية
المطلب الثاني : العولمة و التنمية الاقتصادية
المبحث الثاني : مظاهر العولمة
المطلب الأول : ظهور المعلوماتية
المطلب الثاني : تزايد دور المنظمات الدولية
المطلب الثالث : تزايد التكتلات الاقتصادية
الفصل الثالث : تأثير العولمة على السياسات الاقتصادية
المبحث الأول : التأثير على السياسة النقدية
المبحث الثاني : التأثير على سياسة الميزانية
المبحث الثالث : التأثير على سعر الصرف
الخاتمة

.الفصل الأول : الدولة و السياسة الاقتصادية

المبحث الأول : السياسة الاقتصادية

المطلب الأول : مفهوم السياسة الاقتصادية

إن مفهوم السياسة الاقتصادية تعني المنهج المتبع لدى بلد معين في التعامل داخل مجال نشاط السلع و الخدمات, وفي هذا الصدد إما تعتمد الدولة سياسة أو نظام الأنشطة الحرة أي سياسة السوق المفتوح ،
وإما تعتمد نظام أو سياسة الاقتصاد الموجه0
أ – نظام النشاط الحر :( الاقتصاد المفتوح )
وهو النظام الذي ترفع فيه الدولة القيود على بعض السلع و الخدمات ضمن دائرة التعامل بين الأفراد أو المؤسسات داخل البلد الواحد و خارج الحدود0
ب – نظام النشاط الموجه :
وهو النظام الاقتصادي الذي تكون فيه سلطة الدولة هي المسيطرة و الموجهة لسياسة النشاط الاقتصادي في سوق السلع و الخدمات , بحيث تحدد الأسعار للسلع وتدعم الأسعار في حالة وجود فارق بين السعر الحقيقي للسلعة و السعر المعروض في الشوق مع وجود تدني لدخول الأفراد

المطلب الثاني : أنواع السياسات الاقتصادية

تتمثل أنواع السياسات الاقتصادية في سعر الصرف و السياسة النقدية , وهما نوعان أساسيان في التعامل 0
أ – سياسة سعر الصرف :
إن الدولة في سياستها الاقتصادية المتبعة تتحكم في نشاط معين للحد منه أو تشجيعه فتستخدم سياسة سعر الصرف حيث يمكنها أن تقوم بتخفيض في قيمة العملة للحد من تسرب العملة للخارج, و قد تلجأ إلى هذه الطريقة إذا أرادت أن تشجع الاستثمار بالأموال في مشاريع داخلية , و المحافظة على كمية النقود داخل الحدود0
ب – السياسة النقدية :
إن سياسة النقود عملية تلجأ إليها الدولة في عدة حالات منها :
- الحد من إصدار النقود 0
- التحكم في الكتلة النقدية بضمان ثبات معدل الدوران للمخزون النقدي0
ومن خلال ذلك يمكن للدولة أن تقلل من نسبة القروض و التسهيلات المصرفية الممنوحة للقطاعات, لأن من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ضعف الأسواق الأولية و غرق الشركات عن طرح أسهمها للاكتتاب العام هو محدودبة الوعي المالي لدى المستثمرين 0
المطلب الثالث : أدوات السياسة الاقتصادية

إن الهدف من دراسة أي سياسة اقتصادية هو تحقيق التوازن بين المداخيل و المنتجات لسوق السلع و الخدمات و الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة و الحد من الفقر 0
و من بين الأدوات الممكن استغلالها لتحقيق هذا الهدف , و تتخذها الدولة كإصلاحات هيكلية تتمثل فيما يلي:
- تحرير الرقابة على الأسعار و إلغاء بعض احتكارات القطاع العام0
- خوصصة العديد من المؤسسات الحكومية 0
- إلغاء الحواجز غير الجمركية و خفض رسوم الإستيراد0
و هناك من الدول من يلجأ إلى أبعد من ذلك و هو تحرير أسعار الصرف و إلغاء الرقابة المباشرة على الائتمان المصرفي 0

المبحث الثاني : السلطات الاقتصادية

إن السلطة الاقتصادية تشمل جانبين : جانب السلطة المالية ، و جانب السلطة النقدية 0

المطلب الأول : السلطة النقدية

إن الجانب النقدي له أهمية و أثر كبير في السياسة الاقتصادية داخل النشاط الاقتصادي 0
و لهذا فإنه قبل الشروع في أي سياسة اقتصادية يجب التفكير و التأكد من قدرات السلطات النقدية أو المؤسسات المصرفية و النقدية للبلد ومدى تحملها لمواكبة النظام الاقتصادي المزعوم انتهاجه من قبل الدولة مع مراعاة أسعار الصرف لأي نظام سعر. الصرف المتغير يتحدد من خلال القوة الشرائية لكمية النقود إضافة إلى عوامل أخرى منها العرض و الطلب و معدلات الفوائد , و التضخم و التطور الاقتصادي و القوة الاقتصادية 0

المطلب الثاني : السلطة المالية

إن عملية التمويل عنصر أساسي في تمرير السياسة الاقتصادية , و على هذا الأساس يجب توفر أدواته و المتمثلة في التمويل الذاتي , تمويل طويل الأجل الأقراض , تسهيل الإيداع 0
و هذه العناصر أساسها البنوك المحلية للبلد المعني و مدى قدرتها على توفير الأموال لإدارة المشاريع , و يساهم في ذلك أيضا إلى جانب البنوك المحلية البنوك الخارجية في ظل نظام الشراكة. حيث تساهم هذه البنوك أو المؤسسات المصرفية بإعطاء قروض لأجل أو قروض في شكل مساهمات في رأس المال 0



الفصل الثاني : العولمة و السياسات الاقتصادية الدولية

المبحث الأول : العولمة الاقتصادية و تداعياتها

المطلب الأول : مفهوم العولمة الاقتصادية

العولمة هي ظاهرة متعددة الأوجه , و تتضمن عدة جوانب منها جوانب سياسية , اقتصادية و ثقافية و بيئية 0 ولذا يمكن القول أن العولمة الاقتصادية هي نظام يشير إلى إزالة العوائق الوطنية الاقتصادية و نشر التكنولوجيا و التجارة و أنشطة الإنتاج و زيادة قوة الشركات عابرة الحدود الوطنية و المؤسسات المالية الدولية و تحرير الأسواق , و إلغاء القيود عليها و خصخصة الأصول و زيادة التعاملات في النقد الأجنبي , و تكامل أسواق رأس المال , و استحداث أدوات مالية جديدة , وينتج عن ذلك زيادة اعتماد الأسواق 0

المطلب الثاني : العولمة و التنمية الاقتصادية

إن من أبرز العناصر المساهمة في التنمية الاقتصادية في ظل العولمة هي منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية (OCDE) الشبكة الممثل دورها للدولة الغنية حيث أطلق عليها تسمية نادي الأقوياء إقتصاديا
ينمثل دورها في كونها تعتمد على البحث و الدراسات و متابعة التطورات الاقتصادية , في كل دولة عضو
في هذه المنظمة و مقابلة كل هذا بما يجري في بقية دول العالم لمدة 25 سنة القادمة , ومن ثم نقترح الحلول المناسبة إذ أنها لا تصدر قرارات و لا تتبنى إجراءات عملية0
و من أهم نشاطات المنظمة أنها أعد ت مشروع بحث سنة 1995 بعنوان INTERFUTURS قصد تصور نمو اقتصاديات أعضاؤها و علاقة هذا النمو بما يحدث في الدول النامية حتى نهاية القرن0
و في نفس السنة أجرت دراسة أخرى تمتد إلى سنة 2020 اسمها INTERDEPNCE أو الاعتماد المتبادل
ومن خلال هذه الدراسات خرجت بفرضية أولى تتمثل في أن نمو إقتصاد أعضاء المنظمة بمعدل ثابت
3 %سنويا طول هذه الفترة, و معدل نمو الدول غير الأعضاء يبلغ 6.7% على أساس نجاح الإصلاحات الاقتصادية و السياسية التي توفر الحرية الكاملة لحركة المبادلات و الاستثمار بين الدول0
أما الفرضية الثانية فتقوم على أساس أن معدل نمو 3 % في دول المنظمة و 4.8 % في الدول الأخرى على أساس تأخر عدد من الدول عن إجراء التحرير الكامل للتجارة الدولية و الاستثمار الدولي 0
و توصلت الدراسة إلى خمس دول كبرى جديدة ( روسيا , الصين , أندونيسيا , الهند و البرازيل ) التي ستأخذ نصيبا وفر من مجموع الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم و حجم التجارة الدولية 0



المبحث الثاني :مظاهر العولمة


المطلب الأول : التدويل

إن ظاهرة التدويل تعبر في حقيقة وقعنا المعاش عن تدويل القوى المنتجة على المستوى العالمي , ويقصد بالقوى المنتجة جميع الوسائل والقدرات التي هي في متناول المجتمع البشري لأجل الإنتاج0
وقوى الإنتاج تتضمن وسائل الإنتاج و قوى العمل التي تستخدمها هذه المجتمعات البشرية و بالتالي فهي تتضمن أساليب الإنتاج و تنظيم هذا الإنتاج وكذا مستوى العلوم و التكنولوجيا 0

المطلب الثاني : الثورة العلمية والتكنولوجية

لقد شاهد العالم ثورة في عدد من القطاعات المرتبطة أساسا بلإلكترونيك و الإعلام الآلي و الاتصال
و الكيمياء و البيولوجيا , الشيء الذي جعل البعض يتحدث عن رأسمالية إلكترونية .
هذه الثورة سوف تغير ترتيب القطاعات الاقتصادية أين تصبح قطاع الخدمات المرتبطة بهذه القطاعات تحتل نصيبا أكبر في النشاط الاقتصادي و الإنساني ككل, كما تغير هذه الثورة من أنماط الإنتاج و التشغيل و كذا طرق التسيير0
لقد عرف العالم في نهاية القرن الثامن عشر الثورة الصناعية التي نظمت التقسيم التقني و الاجتماعي للعمل حيث أصبحت الصناعة هي القطاع المحرك لكل النشاط الاقتصادي , هذا التقسيم كان قائما على أساس علاقة تبعية بين الإنسان و الآلة و كذا الفصل بين العمل اليدوي و الذهني , وبين التصميم و الإدارة و التنفيذ0
ولقد تميزت الثورة العلمية و التكنولوجيا بمجموعة من الخصائص يمكن أن نذكر منها النقاط التالية :
أ‌- أعطى مكانة للعلم والبحث العلمي لم يشهدها العالم من قبل0
ب‌- إلزامية قيام علاقة جديدة بين الإنسان و الآلة و فالعامل الإنساني يصبح أولى من العالم التقني , لهذا سوف تعطى الثورة التكنولوجية مكانة أكبر للإنسان الحامل للعلم , فهذا الأخير هو كائن اجتماعي و ليس عاملا من عوامل الإنتاج الأخرى مما يستلزم قيام أساليب عمل و تنظيم جديد0
ج- ظهور إنقلابا جذريا و نوعيا في الإنتاج أساسه الإلكترونيك و الإعلام الآلي و الإتصال وهذا مما يؤدي إلى نمو سريع في للقوى المنتجة0
د – التطور المذهل والسريع لقطاع المعلومات و الاتصال وانعكاسه على مختلف جوانب النشاط الإنساني , و هذا ما سيحدث انقلابا في عدة مجالات من النشاط الاقتصادي أولها مجال الإنتاج و أساسا أنماط العمل و التشغيل , حيث سينشر تشغيل اليد العاملة الماهرة و الرخيصة عن بعد و كذا إدارة الأعمال عبر الإعلام الآلي 0

التحولات على مستوى البنية الفوقية العالمية :
عندما لاحت بوادر فوز الحلفاء , و بعد تلك الحرب العالمية الثانية و بعد الفوضى السياسية و الاقتصادية التي عرفها العالم , سعت مجموعة من الدول لوضع مؤسسات دولية و جهوية لإعادة تنظيم شؤون العالم الاقتصادية و الاجتماعية و توفير شروط الإنطلاقة الاقتصادية و الاجتماعية و إزالة كل العقاب التي تعيق عملية تمركز الإنتاج و الرأسمال على المستوى العالمي و خلق شروط اقتصادية و سياسية جديدة لإعادة اقتسام مناطق النفوذ0
ومن خلال ما سبق يمكن أن نلاحظ الآن تغيرات هامة على مستوى الخريطة الاقتصادية و السياسية للعالم خاصة مع انهيار البلدان الإشتراكية سابقا و و تراجع حركات التحرر الوطني في البلدان النامية , حيث شاهد ميلاد قطبي اقتصادي وسياسي أحادي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية 0

الفصل الثالث : تأثير العولمة على السياسات الاقتصادية


المبحث الأول : التأثير على السياسة النقدية

بالنسبة لهذا الجانب نلاحظ أن البنك العالمي هو ثاني مؤسسة ذات اعتبار كوني بعد صندوق النقد الدولي , حيث يقوم بمنح قروض طويلة الأجل همها قروض التكيف الهيكلي بهدف دفع تيار العولمة و دوره يتكامل مع دور صندوق النقد الدولي الذي حد دته لهما اتفاقيات " بريتون وودز" , التي كلفت الصندوق بالسهر على ضمان قواعد الاستقرار النقدي الدولي , و تنمية العلاقات النقدية المتعددة الأطراف و البنك العالمي يقوم بتقديم العون المالي الضروري لتمويل التنمية طويلة الأجل , و إزداد هذا التكامل مع إستفحال المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية في البلدان النامية و إظطراب العلاقات النقدية و تدهور العلاقات التجارية و المالية بين مختلف الدول , بحيث كيف الصندوق و البنك شيئا فشيئا سياستهما و برامجهما لإعانة الدول النامية و سعيها للقضاء أو الحد من إشكاليتها النقدية و المالية و الهيكلية , و تتضح لنا الرؤية أكثر إذا علمنا أن العضوية في البنك العالمي مشروطة بالعضوية في الصندوق 0
و في ظل النظام الجديد يعتبر البنك العالمي هو أقوى وكالات التنمية و التمويل الدولية , حيث يستعمل أمواله لأغراض شتى أهمها :
- تمويل المشاريع للبنية الأساسية
- تشجيع رأس المال الدوالي الخاص 0
- تسريع وتيرة الخوصصة 0




المبحث الثاني : التأثير على سياسة الميزانية

إن تحقق المنافع المحتملة في ظل النظام العالمي بتوفير البنية الأساسية تحقيقا كاملا من عدمه مسألة تعتمد على الكيفية التي تقوم الحكومة بتوزيع المخاطر , فيمكن للحكومة أن تزيد المنافع بواسطة تحمل المخاطر التي تستطيع السيطرة عليها , و لكن ينبغي لها أن تتجنب تحمل المخاطر الأخرى 0
و بهذه الطريقة يواجه المستثمرون بخواطر قوية لإختيار المشاريع بعناية و إدارتها بكفاءة , فهي تستطيع أن تقلل المخاطر التي يتعرض لها المستثمرون بواسطة إتباع سياسات إقتصادية كلية وطيدة , و الإفصاح عن المعلومات , و تنفيذ قوانين و لوائح تنظيمية جيدة , و تدعيم سلطتها القضائية و و تستطيع أن تقيس بها الضمانات التي تقدمها وتوازنها و تحسبها , بحيث تكون التكاليف و المخاطر واضحة وقت إصدار الضمانات و ليس فبما بعد عندما يتعين على الحكومة أن تسدد ، لأن من المعلوم في إطار توازن الميزانية أن الدولة عليها تكافأ بين إلتزاماتها و إيراداتها لتقييم الضمانات و الإلتزامات المحتملة كما يمكنها إستخدام قيمة الضمانات لحساب خسارة متوقعة 0
و عندما تقيم الضمانات , يكون من الأكثر إحتمالا أن تتخذ القرارات على أساس التكاليف و المنافع الحقيقية و ليس الظاهرة 0
و من وجهة النظر الاقتصادية فإن التمييز بين الخسائر المحتملة وغير المحتملة ليس مفيدا على الدوام ,
إن وجود فرصة بنسبة 10 % بخسارة 10 ملايين من الدولارات أسوأ من وجود فرصة بنسبة 90 %
لخسارة مليون دولار , و الأفيد من ذلك هو تقدير القيمة الحالية للخسارة المتوقعة الناجمة عن إلتزام محتمل
و من شأن وجود نظام مثالي للمحاسبة و الموازنة أن يسجل القيمة الحالية المتوقعة لجميع العقود التي تبرمها الحكومة 0



المبحث الثالث : التأثير على سعر الصرف

نظرا لأن الكثير من استثمارات البنية الأساسية تمول بواسطة قروض مقومة بالنقد الأجنبي و تعقد بأسعار فائدة معومة , فإن الأرباح تكون حساسة بشكل مرتفع للتغيرات في أسعار الصرف و أسعار الفائدة .
و يتبين أنه للوهلة الأولى أنه ينبغي للحكومة أن تتحمل بتعبئة المخاطر المرتبطة بهذا الخطر , لأن لها بعض السيطرة على أسعار الصرف و الفائدة , و سيكون لديها إذا ما تحملت هذه المخاطر حافز لإتباع سياسات اقتصادية كلية مستقرة.
و في ظل نظام العولمة ثمة عدد من الأسباب تجعل من الضروري للمستثمرين أن يتحملوا بمخاطر سعر الصرف و الفائدة :
- فأولا يمكن أن تشجع الضمانات الحكومية للمستثمرين على التعرض لحدود كبيرة من مخاطر أسعار الصرف , و عندئذ يستطيعون إذا ما حدث إنخفاض قيمة العملة أن يلقوا باللوم على الحكومة لما تعرضوا عنه من خسائر بدلا من الإعتراف بخطر الإفراط في الإقتراض بعملات أجنبية 0
- ثانيا : يمكن أن يكون لضمانات سعر الصرف تأثير معاكس على سلوك الحكومة , وعلى سبيل المثال فقد تغري الحكومة بدم إجراء التخفيض الذي يكون مطلوبا في قيمة العملة المحلية في أعقاب صدمة في معدلات التبادل التجاري 0
- ثالثا : قد تكون الكثير من الحكومات قد إننكشفت بالفعل هي و دافعو الضرائب الذين يدعمونها للمخاطر المرتبطة بصدمات سعر الصرف والفائدة .
وقد تفضي صدمة معدل تبادل تجاري معاكس مثلا : تخفيض في قيمة العملة و إنخفاض في الدخول على حد سواء , مما يجبر الحكومة على تعيض المستثمرين في نفس الوقت التي تتقلص فيها قاعدتها الضريبية .
إى أنه قد يكون لدى القطاع الخاص في حالة عدم وجود ضمان حكومي , حوافز أكبر على إدارة مخاطر سعر الصرف .




المراجع :

1 – أحمد فريد مصطفى - سمير محمد السيد حسن ،السياسات النقدية و البعد الدولي للأورو
مؤسسة شهاب الجامعية - الإسكندرية –

2 – مروان عطوان ،الأسواق النقدية و المالية،ديوان م – ج

3 – باشوندة رفيق - رسالة ماجيستر - عوامل التحكم في المردودية المالية 96 .1997/

4 – التمويل و التنمية -مجلة تصدر كل ثلاثة أشهر عن صندوق النقد الدولي و البنك الدولي للإنشاء-المجلد 39 , العدد 01 - مارس 1999 –

5 – العولمة و إدارة الاقتصادات الوطنية - وقائع الندوة المنعقدة في 18 و 19 نوفمبر 2000 .

sihamrahab
23-04-2009, 21:05
أرجوكم ان تفيدوني بمراجع في الحق في التعبير فانا احضر لماجيستر في الحق في التعبير في شعبة العلوم السياسية أرجوكم افيدوني وإن يكن بمواقع إلكترونية و جزاكم اله خير

منى نور هدى
23-04-2009, 21:22
موقع لمكتبة قانونية
http://www.4shared.com/dir/3606424/ec958298/sharing.html
موقع وزارة العدل
http://arabic.mjustice.dz/?p=vdroits_eco
أرجوا أن تفيدك

منى نور هدى
23-04-2009, 21:29
الفهرس
الصفحة الموضوع
المقدمة
المبحث الأول: الحقوق و الحريات العامة
المطلب الأول: تعريف الحقوق و الحريات
- تعرف الحقوق و الحريات
- أنواع الحقوق و الحريات
- التطور التاريخي لحقوق و الحريات الإنسان
المطلب الثاني: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
- تعريف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
- بعض الحقوق وحريات الإنسان المتضمنة في وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
- أهمية الإعلان العالمي
- الكفاح المستمر من أجل حماية حقوق و
حريات الإنسان.
المبحث الثاني: الحقوق و الحريات الإنسان و المواطن الجزائري في ظل دستور 1996
المطلب الأول: الدستور الجزائري
- تعريف الدستور
- تاريخ الدستور الجزائري
- دستور 1996
المطلب الثاني: الحقوق و الحريات الواردة في دستور 1996
- الحقوق الإقتصادية
- الحقوق الإجتماعية و الثقافية و التنماوية

الخاتمة
المراجع




المقدمة
إن لموضوع الحقوق و الحريات العامة أهمية بالغة تتمثل في أنها من بين الركائز التي يقوم عليها النظام الديمقراطي في العصر الحالي حيث أن هذه الأخيرة تطورت بتطور الأزمان و الأذهان بسبب ثورة الشعوب على إستبداد الحكام. فاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية و حقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية و السلام في العالم الذي لا يكون إلا بإعتراف و ضمان شيء واحد هو "الحقوق و الحريات" حيث كان للإسلام فضل سابق في إعلان و إظهار الحقوق و الحريات بصفة عامة و إعلان مبدأ المساوات في الحقوق و التكاليف العامة في القرن السابع الميلادي أي منذ أكثر من 14 قرن من الزمن ثم نادت إعلانات و دساتير عدة في أنحاء العالم بالحقوق والحريات و دعت إلى ضمانها و إقرارها حيث أصبحت هذه الأخيرة من أهم موضوعات التي تتناولها دراسات القانون الدستوري .
و قد أولى الدستور الجزائري إهتماما خاصا لضمان الحقوق الإنسان حيث خصص لها في جل الدساتير التي عرفتها الجزائر فصلا خاصا بها في الباب الأول منها, وبالخصوص دستور 1989 إذ خصص الفصل الرابع بكامله تحث عنوان الحقوق و الحريات, و دستور 1996 المعدل بموجب إستفتاء 28/11/1996حيث كرس ما تضمنه دستور 1989 حول الموضوع الحقوق والحريات حيث أصبح يتضمن 31 مادة دستورية وذلك بإدماج حرية التجارة و الصناعة.
و من هنا يمكن طرح الإشكالية التي تعتبر العمود الفقري لمعالجة موضوع هذا البحث و المتمثلة في :
الإشكالية:
- ما هي أهم حقوق و حريات الإنسان الواردة في دستور1996؟
- ما مدى ترقية حقوق الإنسان في ظل دستور 1996؟
الفرضيات:
- أهم الحقوق و الحريات الواردة في دستور 1996.
- يمكن أن ترتقي حقوق الإنسان في ظل دستور 1996.
المنهج المتبع: لقد قمنا باستعمال المنهج التحليل من أجل لأنه يمكننا من إعطاء وجوه نظر مختلفة و بالتالي نحاول نحلل الموضوع إلى مكوناته و علاقات, كما