المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لطلب مذكرات او بحوث في المجال الاقتصادي يرجى الدخول هنا



الصفحات : [1] 2 3 4

moh.2000
08-04-2009, 20:03
السلام عليكم اخواني الطلبة اخواتي الطالبات.............
من يريد بحث او مذكرة في المجال الاقتصادي فليترك طلبه هنا..........فنحن هنا من اجل المساعدة بما نستطيع.
تحياتي لكل الاعضاء....................

rafikalger16
09-04-2009, 10:38
السلام عليكم
من فضلكم اريد بحث حول
**المعلوماتية و المؤسسة**
وشكرا

moh.2000
09-04-2009, 12:24
السلام عليكم اهلا بك اخي يوجد لدي بحث عن نظام المعلومات في المؤسسة
لكان تسحقو يرجى الاتصال بالياهو لاتتردد نحن في الخدمة.

oumnia
09-04-2009, 12:39
السلام عليكم ... أريد بحث أو مذكرة تخرج بعنوان " وسائل الدفع الإلكترونية" ... لم أجد المعلومات الكافية حول هذا الموضوع ... إن أمكن أريده قبل يوم السبت ... تحياتي سلام

moh.2000
09-04-2009, 16:18
السلام عليكم
الاخت امنية راني شفتلك ولكن للاسف مالقيتش لقيت التجارة الالكترونية صح.
عذرا على عدم تلبية طلبك.....
ممكن نسقسيك سؤال الاخت امنية من اي منطقة انت.

moh.2000
09-04-2009, 22:05
السلام عليكم الاخت امنية راني لقيت مذكرة تحت عنوان وسائل الدفع الالكترونية يرجى الاتصال بالياهو او السكايب للحصول عليها
لا تترددي نحن في الخدمة ..............

MANEL.M
10-04-2009, 11:31
السلام عليكم من فضلك أريد بحث حول المدرسة ما بعد الكينيزية ارجوووووو المساعدة

MANEL.M
10-04-2009, 11:32
السلام عليكم من فضلك أريد بحث حول المدرسة ما بعد الكينيزية ارجوووووو المساعدة

moh.2000
10-04-2009, 12:11
السلام عليكم
الاخت هل تقصدين الكينزيون الجدد.

MANEL.M
10-04-2009, 13:12
نعم هم الكينزيون الجدد وشكرا لك

moh.2000
10-04-2009, 13:42
السلام عليكم
الاخت حاليا ماعنديش بصح نحاول نشوفلك لكان لقيت والله نجيبلك........
تقبلي تحياتي...........

MANEL.M
10-04-2009, 13:48
شكرا لك ................

moh.2000
10-04-2009, 22:32
السلام عليكم
اختي الفاضلة لقد وجدت لك البحث تحت عنوان مدرسة التحديث
يرجى الاتصال بالياهو او السكايب للحصول عليه........
تقبلي تحياتي...

سمية دمبري
12-04-2009, 09:39
اريد معلومات حول الضرائب

moh.2000
12-04-2009, 11:13
السلام عليكم اهلا اخناه
راه عندي بحثين عن الضرائب يرجى الاتصال بالياهو او السكايب للحصول عليهما
تقبلي تحياتي..........

البور عبدالحميد
12-04-2009, 14:57
السلام عليكم
أخوكم عبد الحميد يبحث عن مدكرة في طرق إختيار الإستثمارات

otmani abdallah
12-04-2009, 15:35
السلام عليكم ورحمة الله ويركاته الرجاء مساعدتي في مذكرة تخرج يعنوان دور إدارة الموارد البشرية في رفع أداء المؤسسة ويمكن أن تراسلني عبر abdallah (تم حذف الإيميل لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى) وجزاك الله خيرا

اريج الجزائرية
12-04-2009, 16:15
السلام عليكم اخي الكريم اريد المساعدة حول موضوع بحث بعبوان التكتلات النقدية ادا امكن دلك و شكرا.

zidan+1987
12-04-2009, 19:06
رغم طرح هذه المساعدة مرار إلا أنني لم افقد الأمل و أرجوا أن تساعدني في إيجاد هذا البحث الذي لم أجد عنه شيأ لا في الكتب ولا في النت و لك جزيل الشكر و أجركم على الله و أرجو أن أتلقى إجابة في أقرب وقت لأنه لم يبقى لي وقت

moh.2000
12-04-2009, 19:34
السلام عليكم جميعا اهلا بكم جميعا
الاخ عبد الحميد لقد وجدت لك بحث تحت عنوان :تقييم و مقارنة المشاريع الاستثمارية
الاخ عثمان لقد وجدت لك مدكرة تحت عنوان:دور الموارد البشرية في تحسين القدرة
التنافسية للمؤسسة الاقتصادية
الاخت اريج الجزائرية للاسف مالقيتش بصح نحاول نشوفلك ولكان لقيت والله نجيبلك

فاتح العمر
12-04-2009, 20:37
اريد بحث حول الازدهار الاقتصادي
وارجوا ان تسرعو البحث اقدمه غدا

moh.2000
12-04-2009, 20:57
السلام عليكم
اخي الكريم للاسف مالقيتلكش ...............

wisam
12-04-2009, 21:51
السلام عليكم اريد بحث في الاصلاح الاقتصادي من فضلك

wisam
12-04-2009, 21:56
السلام عليكم

wisam
12-04-2009, 22:00
اتمنى الاجابة بسرعة البحث غدا ارجو المساعدة pliiiiiiiiiz:)

moh.2000
12-04-2009, 22:03
السلام عليكم اهلا بك اختاه لقد وجدت لك مدكرة تحت عنوان: الاقتصاد الجزائري الإصلاح النمو و الإنعاش
يرجى الاتصال بالسكايب او الياهو للحصول عليها..........

wisam
12-04-2009, 22:10
pliiiiiiiiiz:)

moh.2000
12-04-2009, 22:19
ازرابي راني رايح نرقد .راني نستنا فيك

moh.2000
12-04-2009, 22:21
ولا اعطيني السكايب ولا الياهو نتاعك نبعثهملك

MANEL.M
14-04-2009, 21:43
السلام عليكم أرجو ان تبعث لي البحث في بريد المحادثة msnوشكرا لك

yezou
14-04-2009, 21:54
السلام عليكم من فضلك احتاج الى بحث حول مدرسة الأنظمة الاجتماعية

moh.2000
15-04-2009, 11:28
السلام عليكم الاخت منال حاليا msn ماعنديش لكان درتو راني نبعثلك واش تسحقي
تقبلي تحياتي...........

moh.2000
15-04-2009, 11:34
السلام عليكم
الاخ ليحوس على مدرسة الانظمة الاجتماعية راني نحوس لكان لقيتلك و الله نجيبولك
تقبل تحياتي.................

moh.2000
15-04-2009, 16:12
مدرسة التحديث
لا تنسو الدعاء لنا بكل خير
المبحث الأول : تعريف مدرسة التحديث .
قبل تطرقنا لتعريف مدرسة التحديث نتطرق أولا لتعريف التحديث والحداثة :
التحديث : يعرفه" ولبرت مور "يشير إلى ذلك التحول الشامل للمجتمع التقليدي والانتقال إلى أنماط التكنولوجية التنظيم الاجتماعي الذي يميز الاقتصاديات المتطورة
الحداثة : تعني الإحاطة بكل الأشكال القديمة من التنظيم الاجتماعي وتولد هذا الإشكال بزوال الوحدة تلوى الأخرى أما فيما يخص نظرية جاءت لدراسة المجتمعات العالم الثالث منطلقة من إشكالية واضحة مفرقة من خلالها بين مجتمعين مختلفين تماما مجتمع متقدم حديث ومجتمع متخلف تقليدي فهو العالم الثالث الذي يجب أن يسير في نفس الخط الذي سار فيه العالم الغربي نحو التقدم والتطور متباينا قيمه وثقافته الحديثة حيث قامت هذه النظرية تشخيص العالمي لواقعة التخلف.
التي تعيشها مجتمعات العالم الثالث وتطورها لأسلوب التنمية الذي يمكن أن تتبعه هذه المجتمعات وقد اختلف مفكرو هذه المدرسة في رواؤهم للسمات التي تشير إلى التقدم وفي كيفية انتقالها إلى المجتمع التقليدي (أي المتخلف ) فمنهم من نظر إلى تلك السمات على أنها مؤشرات كمية أو كيفية وآخرون رأوها أنماط سلوكية أو عناصر ثقافية أو خصائص نفسية وأيا كانت نظرة هؤلاء لتلك السمات نحو هذه الفكرة هو أن التحديث للخروج من التخلف هو بالضرورة يعني إتباع النهج الذي سارة عليه الأمم الغربية في العصر الحديث والذي تم من خلاله تغيير نظمها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية و السياسية ومن هنا يمكننا استخلاص عدد من الملاحظات على هذا ....
أولا: يعكس مفهوم التحديث الذي يسود تلك الأعمال نزعة غربية (أروبية – أمريكية ) متمركزة حول الذات إذ يشير في الغالب إلى أن التحديث حالة غربية استثنائية في التاريخ برويتها الغرب ووجهتها أي المجتمع يريد أو يراد له التحديث
ثانيا : من هذا المفهوم للتحديث تم الإيحاء للدول المتخلفة بان طريقها إلى التنمية ينبغي أن يتجه صوب الغرب باعتباره المثال النموذج لعملية التحديث وبالتالي صارت الغربية هي الوصفة الشافية من كل أدران التخلف ومشاكله

ثالثا: ترتبت على هذه الوصفة يعتبرها أي مجتمع متخلف أو بدائيا كله كان بعيدا عن النموذج الغربي ولكنه يصبح ناميا أو في طريق النمو يقدر اجتهاده في اكتساب خصائص ذلك النموذج وتخلصه من كل ما هو مخالف له .

المبحث الثاني : نشأة المدرسة التحديث .

يمكن العثور على الجذور الفكرية لتيار التحديث في التصورات الثنائية للمجتمع التي قدمها علماء الاجتماع و الانتروبولوجيا في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في إطار محاولا تهم لتنميط المجتمعات فالتفرقة التي أقامها العلماء بين مجتمع يستند إلى (المركز) وآخر يستند إلى (العقد)(هنري مين) أو بين (المجتمع الصناعي) و(المجتمع العسكري)(هربرت ستيسد)او بين مجتمع ينهض على (التضامن العضوي)وآخر ينهض على (التضامن الآلي)(أميل دور كايم)أو بين (المجتمع)و(المجتمع المحلي )(فردينا ندتونير)كانت تستهدف التميز بين نمطين من المجتمعات يتسم كل منهما بمجموعة من الخصائص التي تختلف عن أو هي على النقيض من تلك التي يتسم بها النمط الآخر وكان هذا التميز ينطوي في الحقيقة على المقابلة بين نموذج المجتمعات الغربية الحديثة الصناعية وبين بقية المجتمعات الأخرى التقليدية (1)
رأسمالي وأخرى ذات نظام اشتراكي ودول تعرف بالعالم الثالث وجدت نفسها في مواجهة أساليب جديدة من استغلال ومواجهة التحدي الأكبر هو الخروج من حالة التخلف والسير نحو التنمية ومن هذا نجد أنفسنا أمام حقيقة أن الدول الغربية الرأسمالية في إطار جهودها المتواصلة من اجل ضمان استمرار بسط هيمنتها على هذه البلدان.





وتكريس التخلف فيها والاحتفاظ بها تابعة لها أخذت تطورا من خلال دوائرها الثقافية والإعلامية والعلمية والأكاديمية العديد من الأفكار والنظريات والمناهج التي تدور حول الأساليب التي ينبغي على الشعوب وحكومات دول العالم الثالث المتخلفة التي أطلق عليها كثير من كتابات الغرب اسم البلدان الأخذة بالتنمية آدا أرادت التخلص من حالة التخلف وتحقيق التنمية ومن هنا بدا يتطور ميدان جديد في الدراسات الاجتماعية في الغرب وميدان التحديث و التنمية لتقديم المساعدات الفكرية والمنهجية لباحثي الدول المتخلفة وصانعي القرار فيها

المبحث الثالث : المنطلقات والفرضيات العامة لمدرسة التحديث .

يمكن تلخيص أهم المنطلقات والفرضيات العامة للمدرسة في النقاط التالية :
1- تمر بلدان العالم الثالث بمرحلة من التطور الاقتصادي والاجتماعي تشبه تلك المرحلة التي مرت بها المجتمعات المتقدمة في القرن الماضي وإذا ما تغيرت هذه المجتمعات فانه يجب أن تسير في نفس الخط التطور الذي سارت فيه المجتمعات الغربية المتقدمة بمعنى أخر تم تصور العالم الغربي كنموذج مثالي وعلى دول العالم أن تسير نحو هذا النموذج وفق سياسته وأفكاره
2- يرجع السبب الرئيسي في تخلف هذه المجتمعات إلى عوامل داخلية كامنة في البناء الاجتماعي والثقافي لهذه الدول هذا البناء المتميز بعدم التجانس حيث تتدخل فيه العناصر الحديثة مع التقليدية وهذه الأخيرة تعمل على كبح واقف عملية التحديث الذي لا يمكن أن يحدث إلا بإقصاء تلك العناصر التقليدية الكامنة في البناء الاجتماعي والثقافي للمجتمع المتخلف.


3ويترتب عن النقطة الثالثة أن التغيير يأتي من الخارج متمثلا في تيارات الثقافية الحديثة القادمة من المجتمعات الغربية تقوم نظرية التغير هذه على فكرة محورية هي أن الإنسان التقليدي غير قادر على صنع التغيير بنفسه انه بحاجة إلى من يعينه على تحقيق هذا التغيير والثقافة الغربية هي التي تقدم له العون
4- لا يحدث هذا التغيير بين يوم وليلة ولكنه يحدث بشكل تدريجي خطي بمعنى أن التغيير يسير في خط واحد مستهدفا الوصول إلى النمط المثالي المتمثل في صورة المجتمع الغربي الحديث فيختفي تأثير الروابط القبلية و الغربية على تشكيل الأمور السياسية ويبدأ النظام السياسي في اكتساب الشرعية إن التغيير الاجتماعي هذا يسير في عملية تباين وظيفي بحيث تكون غايته النهائية هي أن يتجاوز المجتمع الإطار التقليدي
5- إن عملية التغيير هذه لا تتم دون مشكلات فمثل هذا المجتمع النامي المتغير سوف يواجه كل مشكلات التغيير الاجتماعي طالما هناك عملية نمو فاعلة فيه ، ومن بين هذه المشكلات ظهور التناقض بين القوى التقليدية والقوى الحديثة ولعل وجود هذه المشكلات هي التي تدفع أنصار هذا الاتجاه لوصف مجتمعات العالم الثالث بأنها متحولة وغير مستقرة من هنا يطالب ممثلوها العالم الثالث إلى تكثيف علاقاته مع الدول المتقدمة لان في هذه العلاقات مزيدا من التقدم









أهم نظريات التحديث
لقد راحت مجموعة من نظريات التحديث التي تبناها علماء اجتماعيون من العالم الثالث وآخذو يطبقونها في دراساتهم لقضايا التنمية والتخلف وفي بحوثهم حول المشكلات الاجتماعية في مجتمعاتهم ومن بين هذه النظريات مايلي :
• نظرية المجتمع الانتقالي:
القائلة بان المجتمعات المتخلفة تحقق التقدم أو التحديث كلما تحقق فيها قدر اكبر من انتشار القيم والعناصر الحديثة أي الوافدة من خارج المجتمع المتخلف أساسا وعلى وجه التحديد من الغرب لتحل محل القيم والعناصر التقليدية والمحلية ويرى دانيال ليرنر الذي يعد ممثل أول لهذه النظرية إن عملية التحديث عبارة عن سلسلة من العمليات التي تؤدي كل منها إلى الأخرى بدا من التصنيع مرورا بالتحضير واتساع التعليم ثم المشاركة للسياسة التي تقضي في النهاية إلى تطوير الشخصية التقليدية التي تجعل الشخص قادرا على مراجعة قيمة ومقبلا على التجديد ومتطلعا إلى المزيد من المشاركة.
• نظرية المجتمع المنجز:
والتي بدأت تروج منذ أن نشر دافيد ماكليلا ند كتابا بنفس الاسم في بداية الستينات ومؤدى هذه النظرية أن القوة تؤدي إلى التنمية الاقتصادية السريعة تكمن في الإنسان نفسه في دوافعه الأساسية والطريقة التي ينظم بها علاقاته مع رفاقه أما أهم تلك الدوافع المحركة للتاريخ والتنمية عنده فهو الدافع إلى الانجاز الذي يفي ميل الشخص إلى تحسين أفعاله باستمرار وأداء العمل على نحو أكمل







• نظرية مراحل النمو الاقتصادي:
والتي تزامن ظهورها والترويج لها مع ظهور نظرية المجتمع المنجز أي أوائل الستينات أراد والت روستو وهو صاحب هذه النظرية أن تكون النظرية بديلا للفكر الماركسي الذي كان يزداد تأثيره في فترة كان الصراع الإيديولوجي والفكري فيها محتدما فأعطى روستو كتابه الذي عرض فيه لنظرية عنوانا فرعيا هو " بيان غير شيوعي " وفي الصفحات الأولى منه هذا الكتاب ينصب روستو إلا أن المجتمعات مرت وتمر بمراحل خمس من التطور الاقتصادي هي:
1. مرحلة المجتمع التقليدي القديم
2. مرحلة التهيؤ للانطلاق
3. مرحلة الانطلاق الفعلي
4. مرحلة السير نحو النضج
5. مرحلة الاستهلاك الجماعي الواسع











المبحث الأول : الاتجاه الكلاسيكي واتجاه الأنماط المثالية للمؤشرات
1- الاتجاه الكلاسيكي : يرى أصحاب هذا الاتجاهان هناك علاقة تبادلية بين الظواهر الدينية والظواهر الاقتصادية ،ويترتب على هذه العلاقة ارتباط الرأسمالية الحديثة بالأخلاق البروتستانتية التي تقدس العمل وتعقلن التنشئة الاجتماعية.
وقد أولى "فيبر " الخصائص النموذجية للرأسمالية الغربية الحديثة وروح العقيدة البروتستانتية بما تتضمنه من سلوك وأخلاقيات عملية أهمية خاصة في تفسير نشأة النظام الرأسمالي يوصفه نموذج التنمية الذي حققه المجتمع الغربي ولقد دعم فيبر تصوره هذا بالشواهد التاريخية التي تؤكد أن الأخلاق البروتستانتية ترتبط بالنجاح وبنمو الرأسمالية .
2- اتجاه الأنماط المثالية للمؤشرات : تكشف النظرة المدققة في تراث التنمية عن وجود اهتمام معين بدراسة المؤشرات الكمية والكيفية ومن بين الكتاب الذين عبروا عن وجود هذا الاتجاه الفكري "ليست LIPSET " و"هو سيلتز HOSELITZ " و " جالتونج GALTUNG " وبارسونز PARSONS " وليفي LEVY "وغيرهم يقوم هذا الاتجاه الفكري على الاسس التالية
أولا:تحديد السمات والخصائص الأساسية للمجتمعات الغربية باعتبارها نماذج مثالية
ثانيا: تحديد السمات والخصائص الأساسية المقابلة لها في مجتمعات البلدان النامية
ثالثا:تصنيف هذه الخصائص وترتيبها تبيعا للنموذجين يحتوي كل منهما على عدد من المؤثرات الكمية والكيفية (النموذج للتقدم وآخر للتخلف).








ربعا : صيغة نموذج يعبر عن تحول المجتمع من حالة التخلف إلى حالة التقدم إن اتجاه الأنماط المثالية المؤشرات يهتم باختزال تنمية الدول النامية والتعبير عنها في صورة كمية (متوسط الدخل الفردي ،درجة التعلم ، التحضر، عدد الأطباء والمستشفيات ، توزيع الصحف ....الخ ) ذات أنواع مختلفة بمقتضاها تتحول الدولة من حالة التخلف إلى الحالة العكسية التي تعني التقدم بالتركيز فقط على المجالات المتأخرة عن نظراتها
تم تحول " برت هو سيلتز " و " تاكلوت وبارسونز" وغيرهما بعد ذلك إلى مناقشة المؤشرات الكيفية فأوضحوا ان التحديث هو مجرد عملية اكتساب ( او ققدان ) خصائص أو سمات معينة يعتقد أنها خصائص التنمية أو التخلف .وفي هذا السياق يقوم " برت هو سيلتزم " تصور يحاول من خلاله تفسير التخلف والتنمية وفق متغيرات نمط محددة وهو بالتالي يمثل امتداد للتقليد السوسيولوجي الذي يميل إلى تصنيف المجتمعات إلى ثنائيات تعكس ازدواجية التقليد التحديث
وتجد أيضا أن تصور بارسونز أثر تأثير كبيرا على الدراسات الاجتماعية المختلفة حيث طرح في هذا السياق فكرة " متغيرات النمط " التي تعد بمثابة أداة تحليلية يتم من خلالها توضيح اختلاف الأفعال الملموسة عن هذه المتغيرات كما يتم من خلالها أيضا مقارنة أنماط مختلفة منه الأفعال وأنماط مختلفة من المجتمعات وفقا للشروط الذي قطعه كل منها في سلم التطور






المبحث الثاني : الاتجاه التطوري المحدث والاتجاه الانتشار الثقافي الحضري
1- الاتجاه التطوري المحدث : يضم هذا الاتجاه إسهامات متنوعة تقوم أساسا على إعادة إحياء النظرية التطورية الكلاسيكية والإفادة منها في دراسة البلدان النامية والمثال الكلاسيكي الذي يعبر عن هذا الاتجاه هي محاولة بارسونز تحديد العملية التطورية ومكوناتها ومحاولة " والت روستو " عن مراحل النمو
حيث انطلق بارسونز من تحديد العملية التطورية على أنها زيادة أو تدعيم القدرة التكيفية للنسق والتي تعني مزيدا من التحكم المجتمعي في البيئة بحث يتمكن النسق (المجتمع ) باستمرار من التكيف مع مواقف جديدة ووظائف جديدة ولكي يزيد المجتمع من هذه القدرة الكيفية لا بد أن يخبر ثلاث عمليات أطلق عليها : " دائرة التطور " الستباين –التكامل – التعميم .
أما محاولة" والت روستو " فتمثل بدلا للنظرية الماركسية من حيث كونها تدعم البديل الرأسمالي وتصنف جميع المجتمعات من الناحية الاقتصادية وتؤكد في نفس الوقت أن المجتمع لا يتجه نحو الاشتراكية و إنما نحو الاستهلاك الواسع
2- والاتجاه الانتشار الثقافي الحضري : انطلق هذا الاتجاه من النقطة أساسية هي أن التنمية شكل من أشكال التغير الاجتماعي تتم بواسطة الانتشار الثقافي من المركز بمعنى أن حل مشكلة التخلف التي تعاني منها البلدان النامية يمكن أساسا في الانتشار بمعنى انتشار الصفقات النموذجية المثالية من المركز نحو الأطراف ضمن وضع حساب أتباع هذا الاتجاه (معظمهم من التقنيين والخبراء والمستشارين والمختصين بالتنمية ) إن متطلبات التنمية تنطلق من المركز (الو،م، أخصوصا ) نحو محيط .وهذه المتطلبات تتمثل النواحي المادية (التكنولوجيا أو الرأسمال مثلما تشمل كذلك النواحي المثالية كالقيم والمواقف المواتية
وهنا نجد هذا الاتجاه من انتقال العناصر المادية والثقافية من المركز إلى المعاش نقطة بداية تحاول بعدها الكشف عن دور التكنولوجيا والصناعة والى البلدان النامية وما يصحب ذلك من تغيرات في البناء الاجتماعي .
على أن أهم ما يميز هذا الاتجاه عن غيره من الاتجاهان الأخرى في دراسة التنمية والتخلف هو أبرازه المعوقات التي تحول دون تمثل التجديدات وترتبط هذه المعوقات بالبناء الاجتماعي السياسي وبالقيم السائدة في البلدان النامية
ولعل ابرز إسهام قدمه هذا الاتجاه هو أن التغير الاجتماعي في البلدان النامية يتوقف على حجم مقومات التقدم " المنقولة " من البلدان المتقدمة (المعرفة العلمية ، رأس مال،المهارات والقيم الغربية ...الخ )

المبحث الثالث : الاتجاه السلوكي واتجاه مراحل النمو
الاتجاه السلوكي : قدم أصحاب الاتجاه السلوكي إسهاما في نظرية التنمية يكشف عن تأثر بالغ بالاتجاه البنائي الوظيفي (عموما فقد اهتموا بتوضيح قضية أساسية هي إن عملية ويؤكد مؤيدو هذا الاتجاه على دور الأبعاد السيكولوجية السلوكية في عملية التنمية وارتباطها إلى حد كبير بتغير أفراد المجتمع وهذا السبب الذي دفعهم إلى القول إن درجة الدافعية الفردية أو الحاجة إلى الانجاز هي الدعامة الأساسية للتنمية الاقتصادية ويعتبر " ماكليلاند " من أهم منظري هذا الاتجاه فلقد أشار إلى أن الدفعية الفردية أو الحاجة إلى الانجاز هي من أهم دعائم التنمية وتسند على :
1- تطوير دافعية الانجاز
2- تحديد القيم والدوافع في رفع معدل التنمية الاقتصادية ولاجتماعية
3- الاهتمام بشؤون الآخرين
4- حشد مصادر الانجاز العالية السائدة في المجتمعات المتقدمة (في المقابل وصف الدول المتخلفة بالكسولة )
5- هناك علاقة ايجابية بين البروتستانتية والحاجة إلى الانجاز وهنا يتضح التأكيد على القيم الذاتية. ويتفق كل من " ماكليلاند "و "هيجن " في نقطة أساسية هي أن المستوى العالي من الإبداع وتخلق هو الشرط الأساسي لإحداث التنمية الاقتصادية وهكذا يبدو جليا إن هذين الباحثين قد اهتما بدراسة مشكلة سوسيولوجي مقعدة هي التجديد في المجتمع
2- اتجاه مراحل النمو:
ذهب دانيل ليرنر إلى أن التحديث الاقتصادي والاجتماعي يعني القضاء على الأمية وارتفاع مستوى التعليم وانتشار وسائل الإعلام, مما يؤدي إلى اكتساب الناس نظرة أوسع تسامحاً تجاه الآخرين وانفتاحاً على الحياة العامة وانشغالاً بالنشاط السياسي, كنتيجة للتدفق المتنوع للمعلومات وإمكانية الحصول عليها وفق ما أسهب في شرحه في كتابه "تجاوز المجتمع التقليدي" الذي يعد أحد معالم نظرية التحديث التي آمن بها كثير من المثقفين العرب.
فالتقدم الاقتصادي والاجتماعي, وفقاً لهذه النظرية, يوسع مدارك الناس, ويدعم اتجاه التسامح عندهم, ويحول دون اقتناعهم بالمذاهب المتطرفة, ومن ثم يزيد من قدرتهم على الاختيار العقلاني وفقا ليسمون مارتن ليبست في كتابه "الإنسان السياسي: الأسس الاجتماعية للسياسة".
وقد عبر رواد التحديث عن التقدم الاقتصادي والاجتماعي باستخدام مجموعة كبيرة من المؤشرات, أهمها معدل الدخل القومي الإجمالي, ومستوى التصنيع, والتحضر (التمدين) والتعليم, ووسائل الإعلام. وطالما أنه من الممكن تحقيق كل ذلك, كما اعتقدوا, كان من الطبيعي أن يتوقعوا حصول تقدم سريع نحو التحديث, ونمو طبقة وسطى عصرية تحل محل النخب التقليدية من ملاك أرض وشيوخ عشائر ومساجد وقادة محليين. وتصوروا أنه في مثل هذا السياق يمكن أن توجد فرص أفضل لإشباع حاجات مختلف الجماعات, ولحل مشكلات توزيع الدخل, مما يدعم الاتجاه إلى التسامح والتعاون والمواءمة السياسية. كما أنه عندما يستطيع الناس تجاوز بيئاتهم التقليدية المغلقة والتعامل مع غيرهم, ستزداد الاتجاهات الديمقراطية المنفتحة حسب ما اعتقده وليام كارنهاوزر في كتابه "سياسات المجتمع الجماهيري".




المبحث الأول : الايجابيات مدرسة التحديث.

1. إنها قامت بتجديد عالميين احدهما حديث متقدم وأخر تقليدي متخلف وهذا التقسيم يبين لنا الدول المتقدمة والدول المتخلفة إن التحديث يمر عبر مراحل إلى تطور دولة ما لا يكون بسهولة وفي مدة أمنية قصيرة بل يجب أن يقطع عدة مراحل وصولا إلى التقدم والتطور
3.حاولت مدرسة التحديث معالجة مشكلة التخلف في عدة بلدان من العالم الثالث من خلال محاولة التنمية فيها

















المبحث الثاني : السلبيات مدرسة التحديث .
إن التراث التحديث في جمله يعاني من خلل جسيم ولعل أهم جوانب ذلك الخلل هو أن الأعمال التي تنتمي إلى هذا التراث تشخيص حالة التخلف في بلدان العالم الثالث من منظور جزئي ضيق يستبعد تماما تاريخ الحالة ولهذه النظرة عدة نتائج أهمها طمس تاريخ الدول المتخلفة الذي لم يقل قدمه وعراقته عن تاريخ المتقدمة وإخفاء دور الاستعمار الذي هيمن على مناطق عديدة في العالم ونهب مواردها واقتحم أسواقها في عملية استغلال تاريخية لعبت الدور الأكبر في تخلف الدول المتخلفة وتقدم الدول المتقدمة
- ان تاريخ الشخصي لبعض منظري تيار التحديث وما يدركه القارئ لا عمالهم من مقاصد يجعل المرء يذهب إلى تلك الأعمال في أحسن الأحوال ليس فوق الشبهات فقد كشف فرانك عن علاقة عدد من العلماء الاجتماعيين بالخطط التي كانت تضعها الإدارة الأمريكية لشن الحروب على شعوب العالم الثالث مثل فيتنام وكوبا .
أم الأمر الأخر فيتعلق بمدى الفعالية التطبيقية لنظريات التيار التحديثي واعني ذلك قدرة هده النظريات على توجيه سياسة فعالية تمكن دول العالم الثالث من تخلص منحلة التخلف وما يتبعها من مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وربما كان الواقع الراهن في تلك الدول اكبر دليل على أن تلك النظريات التي اخذ العديد من مثقفي وقادة العالم الثالث يوظفونها لم تسفر عن تنمية حقيقية بل على العكس أفضت العمليات التحديثية الجزئية في أوضاع العالم الثالث ونظامه الراهن إلى مزيد من تخلف بلدان العالم الثالث وتشينه هياكله .
أنها تعتبر النموذج الغربي هو النموذج المثالي الذي هو صالح كل المجتمعات وهذا في الحقيقة طرح غير موضعي فقد ثبت النموذج الياباني الذي تحدى نظرية التحديث إن هناك نماذج مغايرة يمكن لها إحداث عملية التطور والنمو متخذة مسلكا مخالفا للغرب
-إنها لا تعترف بالخصوصية النظم الاجتماعية وتعتبر بصورة شبه كاملة عن الذات الأوروبية ورؤيتها للمجتمعات الأخرى من زاوية تجريدها الخاص .

إسماعيل يونس
15-04-2009, 16:56
السلام عليكم أريد بحث في " الهيئات الرقابية لدى البنك المركزي "
شكرا

houssam42
15-04-2009, 17:03
من فضلك أريد بحث حول منظمة الاوبك

meriem omar
15-04-2009, 17:18
ارجو تزويدي بمعلومات خول التدقيق الاستراتيجي

moh.2000
15-04-2009, 20:55
السلام عليكم اهلا بكم جميعا الاخ حسام و الاخ اسماعيل للاسف مالقيتش ..
بالنسبة للاخ ليحوس على التدقيق راني لقيتلك مدكرة حول المراجعة ......المراجعة الداخلية...الخ لكان تسحقها يرجى الاتصال بالياهو

nina-
15-04-2009, 21:40
أرجوك أريد بحت حول الرقابة شكرا

moh.2000
15-04-2009, 23:00
السلام عليكم
اهلا اختاه راني لقيت شوية على الرقابة يرجى الاتصال بالياهو او السكايب للحصول عليها ..........تقبلي تحياتي.

alilou198508
16-04-2009, 09:56
اريد بحث بعنوان واقع وافاق السياسات الاقتصادية من فضلكم

moh.2000
16-04-2009, 19:59
السلام عليكم اهلا بك اخي لقد وجدت لك عدة بحوث عن السياسة الاقتصادية يرجى الاتصال بالياهو او السكايب للحصول عليها...تقبل تحياتي.

lakhdarayachi
16-04-2009, 20:08
المعلوماتية


بسم الله الرحمان الرحيم


كلية العلوم الإقتصادية وعلوم التسيير

الجمعية العلمية
نادي الدراسات الإقتصادية

021 47 75 15 هاتف/فاكس:
رقم الحساب البنكي: N° 16-287/60-200 badr bank
الموقع : www.clubnada.jeeran.com
البريد الإلكتروني: (تم حذف الإيميل لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى)
المقر: ملحقة الخروبة الطابق الأول


















علم ـ عمل ـ إخلاص



- خطة البحث:
المقدمـة
-I بعض التعاريف و المفاهيم عن المعلومات و عن السياسة المعلوماتية 01
-1-I مفهوم المعلومات 01
-2-I ماهية السياسة المعلوماتية 02
-II ماهية تسيير المخزون 04
-1-II خدمات إدارة المخازن 04
-2-II مسؤوليات وظيفة التخزين و اختصاصاتها 05
-3-II علاقة إدارة المخازن بإدارة المشتريات 07
-III الرقابة على المخزون 08
-IV السجلات و المستندات المخزنية 09
-V استخدامات ترميز الأعمدة في التسيير المعلوماتي للمخزون 12
-1-V كيفية عمل رموز الأعمدة 12
-2-V مزايا ترميز الأعمدة 12
-3-V تطبيقات ترميز الأعمدة في المخازن 13
الخاتمة 14
المراجع


















مقدمة:
في العصر الحديث أصبح المجتمع يعتمد بالدرجة الأولى على المد المعلوماتي (بالبيانات والمعطيات), لاسيما بعد اتساع دائرة المعرفة و البحث في شتى الميادين, و ظهور الأجهزة الالكترونية المستخدمة في تكنولوجيا المعلومات من حيث طرق تجميعها و معالجتها و حفظها و استرجاعها بالسرعة و الوقت المناسبين, و بذلك أصبحت المعلومات وسيلة ذات أهمية بالغة في المساعدة على اتخاذ القرارات و المتابعة و التنظيم, من أجل الوصول إلى الهدف المنشود.
ميدان تسيير الطلبيات (المشتريات) و المخزونات يعرف هو كذلك اختلاف كبير في المنتوجات ومصادر التموين, وكذلك حجم معتبر للحركات (دخول – خروج), و تعدد الوثائق المستعملة (طلبيات الشراء, مستندات الطلب و الاستلام, الزبائن و الموردين ...), و كذا تنقل الأسواق (منتوجات جديدة, تذبذب الأسعار...), و كل هذا يؤدي عموماً إلى تشكيل حجم معتبر من المعطيات مما يستلزم في أغلب الأحيان عمليات معالجة و استحداث هامة و متكررة: حجز, مراقبة, حسابات, تجديد,...إلخ.
لكن انخفاض تكاليف المعلوماتية (من أجهزة و برمجيات) تسمح اليوم لأغلبية المؤسسات بحل هذه المشاكل من خلال الاستفادة من الحلول المعلوماتية لتخفيض تكاليف التشغيل, و تحسين كفاءة وفعالية أوقات الاستجابة و مصداقية النتائج.
أهمية الموضوع:
يستمد الموضوع أهميته من أهمية المعلوماتية في تسيير المخزونات لتنظيم التموين و تصريف المنتجات, فهي أشبه بنظام توازني يوازن بين حركة تدفق البضائع من المحيط إلى داخل المنشأة إلى المحيط من خلال مراقبة مستوى التدفقات و الكمية المتواجدة بالمخازن.
أهداف البحث:
إن الهدف الأساسي لهذا البحث هو التحسيس بأهمية التطور الذي حدث في القواعد التي تساعد في اتخاذ القرار, فمن قواعد البيانات إلى قواعد المعلومات إلى قواعد المعرفة, إذ أنها أصبحت معارف برمتها في هذا المجال بفضل مساهمة تكنولوجيا المعلومات و الاتصال في إدارة دورة حياة المعلومات بما تتضمنه من تخطيط و إنتاج و جمع و إتاحة و بث و استرجاع.

أسباب اختيار البحث:
جاء اختيارنا لهذا البحث رغبة في الإطلاع على هذا الموضوع كونه له علاقة بموضوع بحثنا في رسالة الماجستير التي نحن بصددها. كذلك بسبب وجود علاقة بين الموضوع و ما يسمى الآن بثورة المعلومات التي أصبحت ميداناً للدراسات و الأبحاث المعاصرة, إذ أصبح الحديث الآن عن الرجل المعلوماتي بدل الرجل الاقتصادي.
طرح الإشكالية:
مع تعقد البيئة التي تنشط فيها المؤسسة و كبر حجم هذه الأخيرة تعقدت المعلومات و كثرت وتشعبت و أصبح من الصعب التعامل م ذلك الحجم الهائل من المعلومات كماً و نوعاً دون استعمال الوسائل المعلوماتية الملائمة (من حواسب, برمجيات, شبكات الاتصال الداخلية و الخارجية...). وهنا يجدر بنا طرح السؤال الجوهري التالي:
كيف يمكن لميدان تسيير المخزونات الاستفادة من التطور التكنولوجي (الذي يعرفه ميدان المعلومات) من أجل سياسة التخزين و تحسين الأداء ؟
إن هذه الأفكار بعثت فينا روح الاهتمام ببعض القضايا, إرتأينا أن تشكل المحاور الأساسية لهذا البحث المتواضع, حيث تم تقسيم محتوى هذا البحث كما يلي:
- أولاً: تقديم بعض التعاريف و المفاهيم عن المعلومات و عن السياسة المعلوماتية؛
- ثانياً: ماهية تسيير المخزون؛
- ثالثاً: الرقابة على المخزون ووظائفها؛
- رابعاً: أهم السجلات و المستندات المخزنية؛
- خامساً: استخدام ترميز الأعمدة في التسيير المعلوماتي للمخزون.







-I بعض التعاريف و المفاهيم عن المعلومات و السياسة المعلوماتية:
-1-I عن المعلومات:
هناك بعض الباحثين الذين يميزون بين البيانات و المعلومة و المعرفة و الحكمة, و منهم من يرى استخدام المعلومات كبديل مرادف للمصطلحات الأخرى.
و مشكلة المصطلحات هذه تظهر في الوثائق الخاصة بالسياسات المعلوماتية, ذلك لأن مصطلح المعلومات مثلا قد يعني في هذه الوثائق "الاتصـال" و قد يعني أحياناً أخرى "الحاسبات" و"تكنولوجيا المعلومات".
و يتساءل "دافيد باودن" عن الذي نعنيه بكلمة "معلومات" ضمن مصطلح "السياسة المعلوماتية" ويجيب بأنها تعني ذلك الجزء من الطيف المعلوماتي الذي توجد فيه كلمة "معرفـة", ذلك لأن المعلومات من مستوياته الأدنى في التركيب كالبيانات الخام يمكن إدارتها بالنظم و الإجراءات, أما المعرفة فلا تتم إدارتها إلا بالسياسات ذلك حسب الطيف التالي:
البيانـات المعلومـات المعرفـة الحكمـة
و إن كان هناك بعض التحفظات عن هذا الاتجاه و خصوصا بالنسبة للبيانات الخام, و لعل فكرة طيف المعرفة موجودة أيضاً في دراسات ديبونز و زملائه (ديبونز أنتزني 1988), إذ يرى البيانات في الحروف و الأرقام و الرموز ... إلخ, و يرى المعلومات كحالة معرفية للإحاطة و الإدراك, و يرى المعرفة كحالة معرفية أعلى من الإحاطة و الإدراك, ثم هو وزملاؤه يرون الحكمة في تطبيق المعرفة في الرأي و الحكم الإنساني, هذا و هناك عدة مداخل في تعريف المعلومات, أولها المدخل الموضوعي العريض الذي يرى المعلومات في التعبير الحقيقي أو الملموس للعمليات المعرفية و التي تحدث في العقل الإنساني, و بالتالي فالمعلومات هي منتجات أو مخرجات العملية المعرفية التي تتمثل في شكل كيان مادي.
و بهذا المفهوم فالمعلومات توجد مستقلة عن العقل الإنساني الذي أوجدها, وهذه المعلومات توجد في أشكال مختلفة يمكن تحديدها و تحريكها و اختزانها...إلخ. أما المدخل الثاني للمعلومات فيرى أنه مادامت المعلومات توجد في العقل الإنساني فيمكن فهمها فقط بالنسبة لتأثيرها أو بالنسبة لكيفية تغييرها للمواقف المعرفية للناس... و هذا المدخل يطلق عليه المدخل الذاتي (بالمقابلة بالمدخل الموضوعي الأول). و في هذا فليس للمعلومات وجود أو حقيقة في ذاتها و إنما هي تتشكل حسب مستخدم أو مستقبل المعلومات و طبقاً لخبراته.
و قد حاول الباحث (Braman. S. 1989) التوفيق بين المدخلين السابقين الموضوعي و الذاتي في تعريف المعلومات بالنسبة لحقل دراسة السياسة المعلوماتية... و اقتراح برامان أربعة تعريفات رئيسية للمعلومات, و التي يمكن أخذها في الاعتبار عند وضع السياسة المعلوماتية أو عند تحليلها.. و هذه التعريفات هـي:
• المعلومات كمورد Ressource: و هذه الفكرة كلاسيكية عن المعلومات, حيث يعتبر المنشئون والمعالجون للمعلومات, و كذلك المستفيدون منها ككيانات معزولة عن بعضها البعض.
• المعلومة كسلعـة Commodity: مع ما يصحب ذلك من تطبيق المفاهيم الاقتصادية المتصلة بالبيع والشراء و المتصلة بسلسلة الإنتاج؛
• المعلومات كإدراك حسي Perception: و هنا يضيف الباحث برامان نموذج السياق Context وعند هذا المستوى تعالج المعلومات كتقليل للشك (Reduction of Uncertainty) و المعلومات هنا كذلك تختلف بين فرد و آخر, أي أنها نسبية بالنسبة للإفادة منها.
• المعلومات كقوة تشكل المجتمع: و هنا ترى المعلومات كقوة في ذاتها و كقوة لصياغة و تشكيل السياق, و بالتالي يعتقد الباحث "برامان" أن فكرة المعلومات هذه يجب أن تكون نقطة الانطلاق لجميع القائمين بوضع السياسة المعلوماتية.
-2-I ماهية السياسة المعلوماتيـة:
إذا كان مصطلح المعلومات مفهوماً غامضا و مراوغاً, كما يستخدم مصطلح "سياسة" لوصف العديد من الإمكانات و الحقائق المختلفة .. فإن ذلك يعكس ضلاله على مصطلح السياسة المعلوماتية.. و إذا كان البعض يرى أن هذه السياسة المعلوماتية هي جزء من السياسة العامة فإن الباحثين سافج و أندرسون و روبنز (Savage, S.P et al, 1994), قد درسوا المجالات العشرة للسياسة العامة و لكنهم لم يذكروا من بينها السياسة المعلوماتية.
• أما إيان رولاند (Rolands) فيقتبس التعريف التالي:" تحتوي السياسة المعلوماتية على مجموعة القوانين العامة و القواعد و السياسات التي تشجع أو تنظم إنشاء و استخدام و اختزان وتوصيل المعلومات.
• و يعرف كوشرين (Cochrane et al, 1993) السياسة المعلوماتية بأنها الطريق المقصود الذي تتبعه هيئة حكومية للوصول إلى قضية ذات اهتمام عام, كما أن صناعة هذه السياسة تتطلب الاختيار بين عدة أهداف و بدائل.
• هذا و تعرف موسوعة علة المكتبات و المعلومات (ELIS, 1991) سياسة المعلومات بأنها مجال يضم كلا من علم المعلومات و السياسة العامة, و ينظر فيه على أنه سلعة مرتبطة بحقوق الملكية الفكرية, و أنها مورد ينبغي اقتناؤها و حمايتها و تقاسمها و معالجتها و إدارتها مع الآخرين.. كما تشير تلك الموسوعة إلى أنه لا توجد في الواقع سياسة واحدة شاملة للمعلومات, بل سياسات تتعامل مع قضايا معينة, و تكون تلك السياسات متداخلة في تغطيتها أحياناً و متعارضة أحياناً أخرى.
و هناك باحثون آخرون يضعون مفهوم دورة حياة المعلومات في قلب المجال, وهذا يعني أن السياسات العامة ذات ارتباط بإنتاج و تجميع وتوزيع و بث و استرجاع و اختزان المعلومات. وهناك من يرون السياسة المعلوماتية معبرة عن الاتصالات عن بعد أو عن الالكترونات الدقيقة أو عن الشبكات. و منهم من يرون السياسة المعلوماتية متضمنة للمشكلات الاجتماعية و التي تتمحور حول العمالة و خصوصاً رفض المهارات القديمة في سوق العمل الجديد.
أما الباحثة أيز تشيتز (Eisenchitz . T, 1993) فترى أن فكرة عمليات نقل المعلومات تقع في بؤرة السياسة المعلوماتية و لكنها لا تحضر هذه العمليات بالتفصيل.
أي أن السياسة المعلوماتية تشمل مجموعة من القوانين و القواعد و التوجيهات التي تدير دورة حياة المعلومات بما تتضمنه من تخطيط و إنتاج و جمع و إتاحة و بث و استرجاع, ذلك بناءاً على التطور الاقتصادي المحلي و العالمي.
و بالتالي فإن السياسة المعلوماتية تتضمن مجموعة واسعة من العناصر المترابطة مثل اتصالات المعلومات, تكنولوجيا المعلومات, اقتصاديات المعلومات, نظم المعلومات, علم المعلومات, شبكات المعلومات و إدارة المعلومات و غيرها.

-II ماهيـة تسيير المخـزون:
تسيير المخزون يعني الاحتفاظ و المحافظة على المخزون و تخطيط و تنظيم و تنفيذ و رقابة إجراءات التخزين وصرف المخزون حسب الكميات و النوعيات المقررة للوحدات أو الأقسام أو الإدارات الطالبة لمواد هذا المخزون.
و من هذا التعريف نجد أنه بالإضافة إلى ما يتعلق بالعملية الإدارية المتعلقة بالمخازن من تخطيط وتنظيم و توجيه ورقابة, فإنه يشمل عنصرين رئيسين و هما:
• الاحتفـاظ: و هي عملية التخزين نفسها بحيث يتم وضع و ترتيب المواد في المخازن من لحظة وصولها إلى المخازن و حتى لحظة خروجها من المخازن.
• المحافظـة: و هي عملية تتضمن إجراءات التأكيد من سلامة المخزون و العمل على إبقاء هذا المخزون صالحا ومطابقاً إلى حدّ كبير للحالة أو الطريقة التي تم استلامه بها, فيكون بعيداً عن مخاطر التلف و الحريق و السرقة...
-1-II خدمات إدارة المخازن:
تقدم إدارة المخازن مجموعة من الخدمات للمنشأة بشكل عام و للإدارات الأخرى و من أهم هذه الخدمات:
1- التوازن في تدفق المواد الأولية و الأجزاء, و المعدات و المهمات الضرورية للوفاء بالاحتياجات التشغيلية و التوازن يشمل ما يلي:
• المواد الداخلة إلى المخازن؛
• المواد المخزنة في المخازن؛
• المواد المصروفة من المخازن.
2- التزويد بالمستلزمات الأخرى: كالصيانة و قطع الغيار و اللوازم الصناعية للمحافظة على الطاقة الإنتاجية, و ضمان استمرار العمليات الإنتاجية.
3- استقبال و إصدار السلع الجاهزة: من المصنع أو من الخارج حسب الطلب, و هي عملية تتعلق بالسلع الجاهزة سواءاً كانت من المواد الأولية التي يتم تجميعها و تحويلها إلى سلع نهائية جاهزة تامة الصنع تستقبلها من المصنع و تخزينها. أو كانت سلع مشتراة من الخارج فتقوم بتخزينها ثم صرفها مرة أخرى أي إعادة بيعها بربح أو إرسالها إلى المعارض و بيعها لمحلات البيع.
4- استلام و تخزين مخلفات الإنتاج و بواقي الصناعة: و تخزينها لحين التخلص منها, وذلك بالاشتراك مع إدارة الشراء حيث أن التخلص من مخلفات الإنتاج و بواقي الصناعة يتم إما من خلال استقبالها و تخزينها ووضعها في أماكن تضم عدم تأثيرها على المخزون الجديد و السليم ثم استخدامها لغايات أخرى, و هي من مسؤوليات و خدمات إدارة المخازن. أو العمل على بيعها كخردة لمحلات متخصصة بشراء مخلفات الإنتاج و بواقي الصناعة وبذلك تتخلص المنشأة منها.
-2-II مسؤوليات وظيفة التخزين و اختصاصاتها:
-1 العمل على تحقيق الوفرات:
إدارة المخازن ليست من الإدارات الجالبة للأموال للمنشأة بل هي من الإدارات المستخدمة للأموال, و بالتالي فإن دورها هو تحقيق أكبر قدر من الوفورات في نفقات كثيرة و يكون ذلك من خلال:
1- تخفيض تكلفة الأموال المجمـدة: عن طريق عدم تخزين كميات كبيرة, و العمل على صرف الكميات المناسبة في الأوقات المناسبة و المحافظة على مستويات مخزون ملائمة؛
2- تخفيض تكلفة التخزيـن: وهو من صميم عمل إدارة المخازن و يتم ذلك عن طريق عدة وسائل أهمها: تخفيض الإجراءات الإدارية في عمليات الصرف و الاستلام و عدم المبالغة في استخدام القوى البشرية بأعداد كثيرة, و العمل على استخدام أساليب التخزين و طرق حديثة و سليمة و ملائمة لعملية التخزين أو للمخزون بشكل عام, وكلها وسائل تؤدي إلى تخفيض تكلفة التخزين؛
3- تخفيض احتمالات التلف للمواد المخزنـة: و المحافظة على هذه المواد من التلف و التقادم والضياع و هي من صلب مسؤوليات إدارة المخازن؛
4- المساهمة مع إدارة المشتريات في تخفيض تكاليف الشـراء: إن تخفيض تكاليف الشراء في الأساس هو من مسؤوليات وظيفة إدارة المشتريات, لكن إدارة المخازن لها دور كبير في هذه المسؤولية لأنها تساهم في تحديد كميات المواد المشتراة و في توصيف و تحديد خصائص هذه المواد و في تقديم طلبات الشراء في الوقت المناسب.
-2 التوصيف و التصنيف و التمييز للمواد المخزنة:
يقصد بالتوصيف وضع تفصيل شامل للمادة و تحديد دقيق للخصائص المميزة لها عن باقي المواد الأخرى, بطريقة يسهل الوصول إليها و تساعد في تسهيل عمليات الحفظ و الصرف لهذه المواد.
أما تصنيف المواد: فهو عملية فرز و حصر الأنواع المتشابهة و المتقاربة من المواد في فئات أو مجموعات ثم تقسيم كل مجموعة من هذه المجموعات إلى أخرى ثانوية على أساس التشابه أو التقارب أو الترابط أو التجانس أو التماثل. و يستخدم هذا الأسلوب لسهولة التعرف على الأصناف ووضعها تحت تصرف الجهة التي تحتاجها, بالإضافة إلى فوائده التي نذكر منها:
- تسهيل عملية جرد و تنظيم حساب مجاميع المخزون؛
- تسهيل عملية التنظيم داخل المخزن؛
- التعرف على موجود المواد لمنع تكرار الشراء و بالتالي سهولة تقييم المخزون؛
- زيادة التخلص في الأعمال إذ يتم إفراد كل قسم بمجموعة من المواد و تحديد عدد و نوع العاملين فيها؛
- معرفة المواد الخطرة و عزلها كما في تخزين السموم و المواد القابلة للاشتعال.
تمييـز المـواد: يتم بالترميز بالأحرف و الأرقام أو بالألوان أو برموز (علامات) خاصة بالمنشأة, وفوائد الترميز تكمن في سرعة الوصول إلى المواد داخل المخازن و التعرفة على المواد المطلوبة و تحديد أماكن تخزينها بدقة و متابعة رصيد المواد داخل المخازن (الحدّ الأدنى, الحد الأقصى, نقطة إعادة الطلب), و هذا يزيد فعالية الرقابة على المواد و جردها.






-3-II علاقة إدارة المخازن بإدارة المشتريات:
تقدم إدارة المخازن مجموعة من المعلومات و الخدمات لإدارة المشتريات و خاصة ما يتعلق:
- بموجودات المخازن من المواد و الوقت المتوقع لنفاذ هذه المواد؛
- تقديم تفاصيل عن المواد المطلوبة من حيث الكمية و النوعية و توقيت و احتياجات هذه المواد؛
- تقديم تفاصيل عن المواد المرفوضة وعن المواد المردودة و عن المواد الراكدة؛
- تقديم معلومات عن أي تغيير في مستويات صرف المواد و عن الطلبات العاجلة التي ترد من الوحدات أو الأقسام لتغطية احتياجاتها؛
أما إدارة المشتريات فتقدم مجموعة من الخدمات لإدارة المخازن و هـي:
- متابعة تسليم المواد حيث أن هذه الخدمة تتعلق بأمور متعلقة مباشرة بالمواد المشتراة و هي متابعة المواد و المعدات حيث أن هذه الخدمة تتعلق بأمور متعلقة مباشرة بالمواد المشتراة و هي متابعة المواد و المعدات و المهمات ذات صلة مباشرة بعملية التشغيل و الإنتاج؛
- الاتصال بالموردين بخصوص المواد المطلوبة: وذلك لإدامة و استمرار التشغيل, لأن هذه المواد تشمل كل ما يتعلق باحتياجات التشغيل و الإنتاج كي تستمر العملية الإنتاجية؛
- متابعة التغييرات التي تحدث في الأسعار و الخصومات و المصاريف المتعلقة بنقل المواد أو مصاريف الشحن و مصاريف التأمين و غيرها من المصاريف, و تمريرها إلى إدارة المخازن كي يكون لديها صورة عن هذه المتغيرات؛
- تشترك إدارة المخازن مع إدارة المشتريات بتدقيق الفواتير و معالجة الطلبات الطارئة و التصرف بالمواد الراكدة أو الفائضة.






-III الرقـابة على المخـزون:
يتصل مفهوم الرقابة على المخزون كوظيفة إدارية, بالتخطيط للمخزون, لأنهما يسعيان إلى تحقيق نفس الهدف تقريباً, فكلاهما يهدف إلى تنظيم حركة المخزون و المحافظة عليه و ضبط تدفق المواد من و إلى المخازن بالكمية المناسبة, و الوقت المناسب دون نقص أو تأخير, و يقصد بالرقابة على المخزون: الوقوف على مدى تطبيق الخطط الموضوعة, و التحقق من الإجراءات المتبعة لمراحل دخول المواد و خروجها من المخازن, و التأكد من أن الإجراءات الفعلية هي الإجراءات المخطط لها, واكتشاف القصور و معرفة الأخطاء و الانحرافات و التجاوزات المرتكبة أثناء الإنجاز, و من ثم العمل على تحديد أسبابها ووضع الحلول لتفاديها مستقبلاً, و تتم عملية الرقابة على المخزون من خلال عمليات الفحص و التفتيش و المتابعة المستمرة, و جمع المعلومات لقياس و تدقيق جميع العمليات التخزينية بأوقات مختلفة, للتأكد من وجود الكميات المطلوبة حسب الخطط الموضوعة, و التدقيق على استلام وصرف المواد إلى المخازن, و التأكد من صلاحيتها, و من سلامة إجراءات الفحص و التفتيش عليها.
وظائف الرقابة على المخـزون:
• ضمان توفير الكميات المناسبة من المواد المطلوبة حسب الخطط الموضوعة و تفادي النقص في هذه المواد و خاصة المواد سريعة الحركة؛
• ضبط حركة المخزون, و تنظيم حركة دوران المواد و تجديدها لتفادي الإزدواجية في خزن المواد؛
• التأكد من سلامة المواد المخزنة, و من تطبيق إجراءات السلامة عليها؛
• تخفيض تكاليف و نفقات و مصاريف التخزين إلى أقل ما يمكن؛
• تخفيض قيمة الاستثمار في المواد بطيئة الحركة لتخفيض قيمة الاستثمار في المخزون إلى أقل ما يمكن؛
• قياس و تصحيح آداء العاملين في المخازن؛
• ضبط استلام و تسليم المواد في المواعيد المحددة لمنع تأخير العمليات الإنتاجية؛
• جدولة و فحص المواد للتأكد من أنها مطابقة للمواصفات و الكميات و التقليل من خسائر التلف والسرقـة...
IV- السجلات و المستندات المخزنيـة:
يقصد بها الأوراق و النماذج و المستندات التي يقيد بها مضمون المخازن و التي تتمكن من خلالها إدارة المخازن من متابعة حركة المخزون, و السيطرة عليه, فمن خلالها تتم معرفة الكميات الواردة و مقدار المصروف و المتبقي من المواد, و تختلف هذه السجلات و النماذج باختلاف المنشآت, و تباين أحجامها, و طبيعة عملها و سرعة دوران المخزون لديها و عموما تهدف المنشأة من وراء استخدام السجلات و المستندات المخزنية إلى:
• معرفة كمية المواد للمخازن, تاريخ وصولها, و الجهة الواردة منها؛
• معرفة كميات المواد التي تم تجهيزها من المخازن, و الجهة الطالبة لها؛
• تبين السجلات الكميات المخزنة من كل صنف دون الحاجة إلى القيام بجردها؛
• يمكن استخدامها كأداة تخطيط و رقابة للمخزون؛
• تسهيل عملية الحصول على الأصناف المختلفة من خلال تأثير مواقع الخزن على مستندات الصرف؛
• تمكن من حصر مقدار التلف أو السرقة أو الاختلاس من خلال معرفة مقدار النقص بمقارنة الرصيد الموجود فعليا مع الأرصدة التي تبينها السجلات المخزنيـة.
كما توجد مجموعة من السجلات و المستندات و الوثائق الأخرى المستخدمة في المخازن و من نماذجها:
• سجل السلـع الـواردة: و يبين مقدار الكميات الواردة إلى المنشأة, إذ يتم تقييد جميع الشحنات الواردة يوميا, بيان وصولها و كمياتها و اسم المجهز أو المصدر ورقم أمر الشراء؛
• تقريـر لجنـة الاستلام و الفحـص: حال وصول المواد و البضائع إلى المنشأة, يتولى قسم الفحص عملية فحص و تفتيش هذه المواد و ينظم هذا التقرير, إذ يبين معلومات عن المواد مثل اسم المورد, و التاريخ و مواصفات المواد و مقدار التلف منها؛
• مستنـد الرفـض: ينظم هذا المستند في حال رفض جميع المواد الواردة, أو جزء منها و إعادتها إلى المورد لمخالفتها للمواصفات؛
• مستند استلامي مخزني: و تقوم بإعداد إدارة المخازن اعترافاً باستلام المواد بعد نتائج عملية الفحص؛
• مستنـد الصـرف: يستعمل هذا المستند عندما تقوم إدارة المخازن بتجهيز المواد إلى الجهات والإدارات التي تطلبها, و يكون هذا المستند على عدة نسخ ترسل نسخة منه إلى قسم الحسابات و نسخة إلى قسم الرقابة المخزنية, و ترسل نسخة إلى الجهة التي جهزت لها المواد و تحفظ النسخة الأخيرة لدى إدارة المخازن؛
• مستند الإرجاع: وهو مستند إرجاع أو إعادة مواد من الأقسام أو الإدارات أو من قبل العملاء إلى مخازن المنشأة لأي سبب كان؛
• إذن تحويـل المـواد: أو سلع فائضة عن حاجة عملية إنتاجية إلى عملية أخرى, وكذلك في حالة تحويل مواد من مخزن إلى آخر داخل المنشأة؛
• تصريـح خروج مواد يستخدم للسماح بخروج المواد أو البضائع من المخازن؛
• سجل أستاذ المخازن: و يحتوي بيانات عن كل صنف من المواد المستخدمة في المنشأة, حيث تخصص صفحة أو أكثر لصنف معين لبيان كميات الواردة و المتبقية و المصروفة, و يساعد هذا في التخطيط المالي و الإنتاجي؛
• أمـر الشـراء: و يبين تاريخ الطلب و رقمه و إسم و عنوان المورد أو البائع و طريقة الشحن ومواصفات و كمية المواد, ويساعد هذا المستند في عملية استلام و فحص المواد, إذ تتم مقارنة المواد الواردة بالمعلومات والمواصفات الموجودة فيه؛
• طلب الشـراء: وهو النموذج الذي نطلب فيه إحدى الإدارات في المنشأة من الجهة المسؤولة عن الشراء, اتخاذ الخطرات اللازمة نحو شراء مواد أو إمدادات تشغيل, و يحتوي هذا الطلب معلومات خاصة بالنوع و الجودة و الكمية و التاريخ المطلوب توفير المواد فيه, و الغرض الذي تستخدم فيه المواد, كما يظهر اسم الشخص الذي أصدره ورمز المادة و تاريخ طلب الشراء؛
• تقرير الوحدات التالفة أو الناقصة: ويعد هذا التقرير إذا وصلت البضاعة تالفة أو ناقصة عن المتفق عليه أو لم تصل في الوقت المعقول, أي الفترة بين الشحن و الاستلام؛
• إخطـار المورد: ويتم من قبل المورد و يتضمن معلومات عن إسم و عنوان المورد و الشاحن, وتوصيف المواد و البضاعة المشحونة و عدد العبوات و العلامات المثبتة عليها, ويراعى أن تتم إرسال هذا الإخطار عند وروده مباشرة إلى إدارة المخازن, لتتخذ الإجراءات اللازمة باستقبال المواد؛
• بطاقـة الصـنف: و تحتوي معلومات عن المادة, إسمها, مواصفاتها, رقمها الرمزي, و الكمية الواردة و الصادرة, وقد يثبت عليها كمية الحدّ الأدنى و الأعلى, و مستوى إعادة الطلب, وتفيد هذه البطاقة في سرعة معرفة الكميات المتبقية من المادة أو الطلبية و تسهل الوصول إلى الأصناف و المواد المطلوبة, و تساعد على ضبط كمية المخزون من الأصناف بمقارنتها مع سجلات المخازن, و تؤدي إلى تحاشي الأخطاء التي قد يقع موظفو المخازن بإصدار أصناف غير الأصناف المطلوبة, بمقارنة الرموز الموجودة على إذن الإصدار بالرمز الموجود عليها, و من عيوب استخدامها أنها لا تضمن دقة المعلومات المدونة بها من الرصيد الفعلي لإمكانية الخطأ أو النسيان, ولابد من حفظ سجلات أخرى إلى جانبها, لأنه لا يمكن عدّها سجلاً دقيقاً كما أنها قد تؤخر عملية تنفيذ الطلبات نتيجة لعملية القيد اليدوي, وقد يتعذر قراءة الكتابة المدونة عليها بعد مرور مدة من الزمن لتعرضها للتلف و العوامل الجوية و الغبار كما أن معلوماتها تعد تكرارً لما تتضمنه البطاقة المخزنية؛
• البطاقة المخزنيـة: تعد هذه البطاقة لكل صنف أو مادة موجودة في المخازن, إذ يتولى أمين المخزن ترحيل جميع مستندات المخزون إليها و لذا فهي تحتوي معلومات أشمل من بطاقة الصنف و من فوائدها:
- تساهم في توفير المعلومات عن حركة الأصناف و المواد و الكميات المتبقية منها بعد كل عملية استلام؛
- تسهيل عملية الرقابة على المواد و عملية الجرد؛
- تبيين مستويات المخزن لضمان عدم انخفاضه عن الرصيد المطلوب و بالتالي تساعد على ضمان تدفق الإنتاج.







-V استخدامات ترميز الأعمدة في التسيير المعلوماتي للمخزون:
-1-V كيفية عمل رموز الأعمدة:
رمز أو جفرة الأعمدة هو لغة آلة ثنائية تتكون من أعمدة معتمة و فراغات بيضاء, وهو يرسل إشارات إلى آلة عادة ما تكون حاسباً آلياً بواسطة نبضات من الضوء العاكس الذي يتم توليده بتحريك شعاع ضيق مستمر من الضوء عبر مجموعة من الأعمدة و الفراغات ذات المعنى, يتكون نظام رمز الأعمدة من المكونات التالية:
- رمـز: نسق ذو معنى من أعمدة معتمة و فراغات بيضاء؛
- طابعـة: وسيلة لطبع الرمز أو الشيفرة بطريقة يمكن قراءتها بشكل يعتمد عليه,
- قارئـة: وسيلة لقراءة الرمز بشكل يعول عليه و تحويل الاختلافات في الكثافة الضوئية العاكسة إلى نبضات كهربائية ذات معنى؛
- آلة الكترونيـة: وسيلة لتحويل الدفعات الكهروبائية التي تم استلامها من القراءة إلى شكل أو ذاكرة أو أداء مفيد.
-2-V مزايــا ترميز الأعمـدة:
إن ترميز الأعمدة أصبح شيئاً لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للتشغيل الآلي و الحوسبة المخزنيـة, فالكثير من تكاليف العمليات المخزنية مرتبطة بالأعمال المكتبية المتعلقة بالكميات الهائلة للمحزونات و بيانات توزيع العمل.
و ترميز الأعمدة هو الجزء أو العنصر الخاص الذي جعل من الممكن تنظيم هذا العمل و انسيابه, مضافاً إلى ذلك الكثير من الأعمال المتكررة الأخرى الخاصة بالعمل الورقي الذي يستغرق وقتاً, فلم يتم تخفيض تكاليف إدخال البيانات بشكل أكبر فحسب, بل أمكن إدخال المعلومات بشكل أسرع و بدقة أكبر.
و بالإمكان الآن توفير معلومات قيمة عن الأصناف في المخزن و جدولة العمل المخزني, فمع الترميز المغلف للأعمدة يصبح القيام بالجرد الفعلي أقل مشقة, كما أن هذه التقنية عادت بالنفع و الفائدة على أنظمة سجل موقع المخزون, و أنظمة توزيع العمل و مراقبة التكاليف, و موجز القول أن مزايا نظام ترميز الأعمدة مقارنو بالأنظمة اليدوية هي:
• دقة أكبر؛
• إدخال و نقل أسرع؛
• عمل تشغيلي و كتابي أقل؛
• تداخل أقل في العمل؛
• ملاءمة مع أنظمة التشغيل الآلي و الحاسوب.
-3-V تطبيقات ترميز الأعمدة في المخازن:
يجب على إدارة المخازن لكي تؤدي عملها بشكل جيد أن تكون لديها معلومات أساسية معينة و متوفرة من أجل الطلب الفوري و المعروفة عادة بـ"البيانات الثابتـة", و هي مجموعة ما يسمى بـ"قـاعدة البيانات", يتم تجميع هذه البيانات الأساسية حسب الحاجة و يتم إرجاعها حتى يكون هناك حاجة لها ثانية, مثل عنوان الشخص الخاص بالعميل, فهذه البيانات لا يجب البحث عنها كل مرة يتم استعمالها فيها, فهي يتم تحديدها في البداية ثم يتم تدقيقها مضاعفا و تبقى نفسها حتى يتم تغييرها رسمياً.
و فيما يلي مجموعة ملفات البيانات الثابتة التي تحتفظ بها معظم المخازن أو من قبل الإدارات الأخرى التي تقوم بتغذية البيانات إلى المخازن و حسب الحاجة:
• البيانات الثابتة للمخزون؛
• البيانات الثابتة للمعدات؛
• بيانات الموظفين الثابتة؛
• معايير إجراءات و أوقات التشغيل و الاستفادة من الحيز أو المساحة و أعمال السلامة,
• بيانات المنتج الثابتة؛
• بيانات موردي المخزون أو بائعو الإمدادات و التموينات المخزنية؛
• بيانات موقع المخزون الثابتة.

الخاتمة:
إن استخدام المدّ المعلوماتي (بالبيانات و المعطيات) في إدارة المخزونات يمكن من معرفة تطورات المخزون و متابعة توزيع الزبائن و الممونين و طبيعته, هذه المعلومات المحصل عليها من معالجة ملفات المخزون و الطلبيات و الزبائن و الممونين و غيرها.. تمكن المنشأة من استخلاص النتائج المساعدة في رسم سياسة التخزين المتمحورة في:
• متابعة حركة دخول و خروج السلع من المخازن و رصدها (الجرد)؛
• تحديد الكمية المثلى للتموين و تحديد نقطة إعادة الطلب؛
• متابعة و مراقبة الطلبيات و الفاتورات؛
• تقديم حجم الطلب المحتمل باستخدام المعطيات التاريخية؛
• كشف الانحرافات في توزيع المخزون مادياً ز محاسبياً.
لكن ستضل العمليات التخزينية الحديثة معاقة كما كان حالها في الماضي, إذ لم تحدث تغييرات رئيسية في الاتصالات, و سيكون لازماً عليها الاستمرار في بذل الجهود الجادة للحصول على المعلومات التي تؤثر تأثيراً مباشراً على فعاليتها و كفاءتها و جودة عملياتها و خدماته.
ولا تعاني العمليات التخزينية بمفردها من مشكلة الاتصالات الرديئة و غير الكفؤة, فهي مشكلة متفشية في جميع أعمال المنظمة, و قد تعاني أقسام التخزين أكثر من غيرها من أقسام المنظمة, لأنها غالباً ما تكون في موقع غير ملائم أو مريح, حيث أن هذا القسم خاضع للمتطلبات الحقيقية أو غير الحقيقية للعرض و الطلب..
فالعرض متمثل في الإنتاج و الشراء, و الطلب متمثل في المبيعات أو العملاء و تمثل النقاط التالية استفسارات شخصية حول تسيير المخزونات:
 هل التسيير المعلوماتي للمخزون هو نفسه التسيير الآلي للمخزون ؟
 ما لفرق بين الاحتفاظ بالمخزون و المحافظة على المخزون ؟
 ما لمقصود بالاسترجاع الآلي للمخزون ؟
 ما هي العوامل المؤثرة على تحديد مكان التخزين الأمثل ؟
 هل تطبق ضريبة على عمليات التخزين ؟
 من أهداف القيام بالجرد الفعلي هو كشف الأخطاء و تصحيحها لمنع حدوثها مرة أخرى, لكن هل هذا ما يتم فعلاً ؟
 على أي أساس تحدد ميزانية إدارة المخزونات ؟
 من الذي يقوم بمعاينة المخزون و مكان التخزين ؟
 كيف يقاس حسن آداء عمال المخازن ؟
المراجع:

1- أحمد بدر, السياسة المعلوماتية و استراتيجية التنمية, دار غريب للنشر و التوزيع, القاهرة, 2001.
2- هيثم الزغبي, محمد العدوان, إدارة المواد "مدخل حديث للشراء و التخزين", دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع, عمان, الأردن, الطبعة الأولى, 2000.
3- حمد راشد الغدير, إدارة الشراء و التخزين, دار زهران للنشر, عمان, الأردن, 1997.
4- سيف عبد العزيز السيف, الدليل الشامل في إدارة المخازن الحديثة, معهد الإدارة العامة, الريـاض, 1996.

dahgal
17-04-2009, 11:41
أريد بحث حول:" البطالة والكساد الاقتصادى والسياسات اللازمة لمواجهتهما"
من فضلكم .

dahgal
17-04-2009, 11:58
أريد بحث حول:" البطالة والكساد الاقتصادي والسياسات اللازمة لمواجهتهما"

zahra26
17-04-2009, 15:18
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته قرأت هذا الموضوع و أرجو أن تساعدوني في مذكرتي تحت عنوان التوحيد المحاسبي الدولي فلم أجد مراجع كثيرة ، فأي معلومة لديكم أتمنى أن تفيدونني بها . جزاكم الله خيرا .

moh.2000
17-04-2009, 17:35
[B]السلام عليكم هذا بحث حول البطالة و لا تنسونا بخالص الدعاء..
المقدمة
تعتبر التنمية القضية الأولى لجميع الشعوب المختلفة التي تتطلع الى التحديث و التطوير و
النمو ، و معركة التنمية هي بحق معركة حياة أو موت بالنسبة للأمة العربية بالدات التي
يواجه و جودها أكبر تحد عرفته في تاريخها ، و هده التنمية حدث فيها أزمة و أزمة التنمية
العربية الراهنة تتلخص في حدوث نمو في الناتج القومي الاجمالي دون أن يصحب دلك تطور
في القاعدة الانتاجية المادية ، بحيث يصبح النمو في هده القاعدة دا طبيعة متجددة داتيا ، و
نشير الى أن المصادر التي اضطلغت بدور في حدوث استمرارية هده الأزمة : مفهوم التنمية
التقليدي و النمودج المرتبط به ، و كسار المتغير النفطي و العلاقة غير المتكافئة مع مراكز
النظام العالمي ، و ضعف خاصئص القاعدة البشرية العربية ، و تقوم هده المصادر فرادى و
مجتمعة بأدوار متداخلة في هده الأزمة و في استعصائها على الحل .
و نقوم في هدا البحث بتوضيح بعض جوانب هده الأزمة و مصادرها و ابراز اطار نظري
لتجاوز هده الأزمة يقوم على مفهوم شمولي للتنمية على أنها تشير الى مشروع حضاري
عربي يحقق نموا اقتصاديا متجددا في كل قطر عربي يؤدي الى تزايد فرص التضامن العربي
بما يضمن الوصول الى التعديل التدريجي في مكانة العلاب داخل النظام العالمي الجديد . و
يستهدف هدا المشروع الوفاء بالحاجات الأساسية للمواطنين العرب ماديا و معنويا ، بما يقود
الى تحسن مستمر في نوعية الحياة لهؤلاء المواطنين ، و تحقيق العدالة الاجتماعية في اطار
من الديموقراطية و المشاركة الشعبية الواسعة و التكامل الحقيقي بين الأقطار العربية و كيف
أن الفهم الخاطىء و التكيز على جوانب دون أخرى يؤدي الى حدوث انقسامات فكرية و
سياسية و اقتصادية و أهم مشكلة نجمت عن هده الازمة هي البطالة حيث نعرفها و نبين
أسبابها و أنواعها و أسباب عجز الدول عن امتصاصها و أهم الآراء المقترحة بما يكفل
القضاء على مشكلة البطالة ، كما سنبين طريقة التنمية الداتية و التي نقصر الحديث فيها على
أهم وسيلة و رغم أنها للآن غير متحققة ألا وهي بنوك شعبية بلا فوائد ثم نتطرق للحديث عن
الدخول و تنظيمها و تعبئة المدخرات الفردية و سوف نشير الى نمودج مقترح يتمثل ببنوك
محلية بلا فوائد و نقوم بعد دلك بعملية تقييم لهدا النمودج المقترح ، و أخيرا سوف نعود
للحديث عن أبرز عدو للدخل و هي ضريبة الدخل و الأفراد المشمولين بها ثم نأتي على
بعض الاعفاءات و التسهيلات .
هدا فيما يتعلق بموضوعات البحث و كنت قد ختمت هدا البحث بآراء لمجموعة من
الاقتصاديين الأردنيين يعرضون خلاصة خبراتهم النظرية و العملية في مجال اختصاصاتهم ،
اقتص
انها وثيقة كبيرة تضم نمادج من التفكير الاقتصادي في الاردن سواء ممن تولى مناصب من
مواقع المسؤولية أو غيرهم من الاقتصاديين و يتم دلك عن طريق اجاباتهم و عن تساؤلات
طرحت حول قضايا مستجدة و مشاكل و الحلول المناسبة لها .
البطالة :
تعتبر البطالة من المظاهر العالمية غير أن حجمها يتفاوت من بلد لآخر كما تتفاوت درجة
المعاملة الانسانية التي يتلقاها الفرد العاطل من مجتمعه و نسبة العاطلين في أي مجتمع تعتبر
مقياس هام لمستوى الصحة النفسية التي يعيشها السكان و قد عرفت البطالة بأنها " حالة خلو
العامل من العمل مع قدرته عليه بسبب خارج عن ارادته " ، أما منظمة العمل الدولية فقد
عرفت المتعطلين عن العمل بأنهم " الأشخاص الدين هم في سن العمل و الراغبون فيه و
الباحثون عنه لكنهم لا يجدونه في فترة الاسناد " .
أسباب البطالة :
١. ثقافة العيب .
٢. أزمة الخليج .
٣. العمالة الوافدة .
٤. ضعف الاستثمار .
٥. ندرة رأس المال .
٦. الركود الاقتصادي .
٧. ضعف المبادرة الفردية .
٨. سوء التخطيط التعليمي .
٩. ارتفاع تكاليف الجهاز الاداري .
١٠ . تزايد خريجي النظام التعليمي .
١١ . ازدياد النمو السكاني بتسارع .
١٢ . عدم تنظيم و تنسيق سوق العمل .
١٣ . التباطؤ التنموي في النشاط الاقتصادي .
البطالة في الدول التي تعتمد على نظام السوق
يقصد بالبطالة عادة في المفهوم الاقتصادي عدم استيعاب أو استخدام الطاقات أو الخدمات
البشرية المعروضة في سوق العمل ، و يقصد بسوق العمل المكان الدي ينعكس فيه آراء
الأفراد التي تتخد بحرية فيما يتعلق بوضع خدماتهم تحت تصرف آخرين بمقابل أي أجر ، و
في سوق العمل تتلاقى هده القرارات مع قرارات هؤلاء الدينفي حاجة الى خدمات الأفراد .
فالبطالة بهدا المفهوم تعني عدم استخدام القوى البشرية التي تعتمد في حياتها المعيشية اعتمادا
كليا على الأجر أي على تقييم الغير لها بالرغم من حريتها القانونية .
أنواع البطالة حسب مسبباتها
المجموعة الأولى
١. بطالة ترجع الى عدم القدرة على العمل نتيجة عجز جسماني أو عقلي مثلا .
٢. بطالة ترجع الى عدم الرغبة في العمل نتيجة أسباب نفسية أو اضطرابات .
المجموعة الثانية
١. بطالة بالرغم من وجود مجالات عمل و لكن ترجع الى ضعف أو سوء تنظيم سوق العمل
.
٢.بطالة ترجع الى عدم وجود مجالات عمل أي عدم قدرة رجال الأعمال على منح مجال
للعمل و قد يكون دلك لأسباب عديدة تتصل بأوضاع اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو
نفسية .
ان البطالة سمة من سمات نظام السوق و مرتبطة بهيكله و يتوقف حجمها على مدى فاعلية
الدول و سياستها في القضاء على مظاهرها و التقليل من آثارها في الوقت المناسب . و لدلك
فان معظم الاقتصاديون في هده الأنظمة يقرون أن البطالة هي الثمن الدي تدفعه هده النظم
للابقاء على العامل حرا . . . فالعطالة هي ثمن الحرية و التخلص من الرق و الاستعباد .
البطالة في الدول النامية
عند الحديث عن البطالة فاننا نشمل الأردن معها ، و نلاحظ أن وضع مشكلة العطالة في
الدول النامية عن الدول الصناعية فقد سبق أن أوضحنا أن مشكلة العطالة كمشكلة اقتصادية لم
تظهر أهميتها الا في خلال القرن الأحير و خاصة في الدول التي عاصرت الثورة الصناعية
و بداية النظام الرأسمالي أي في الدول التي استطاعت الاستفادة من تطور التكنولوجيا ، هدا
في حين كانت الدول النامية في مرحلة الثورة الصناعية و ما بعدها جاثمة تحت سيطرة
الاستعمار بحيث لم يتسن لها بالتالي الاستفادة من نتائج الثورة الصناعية و ما أعقبها من
تطور سريع متلاحق في التكنولوجيا .
الملامح الاقتصادية المميزة لاقتصاديات الدول النامية
١.ان أهم ما يميز الدول النامية عموما هو ازدواج الهيكل الاقتصادي أي وجود قطاعين
أساسيين كل منهما بجوار الآخر و لكنهما يختلفان تماما في التنظيم و في وسائل الانتاج .
٢. ثاني الملامح المميزة لاقتصاديات الدول النامية هو الاعتماد الكبير على التجارة الخارجية
. فكل أو معظم السلع الصناعية سواء الاستثمارية أو الاستهلاكية دات مرجع خارجي .
٣. آخر الملامح و أهمها هو انخفاض الدخل القومي للفرد ، حيث أن الدخل القومي يمثل
الناتج الناشىء من تفاعل و نشاط جميع القوى الاقتصادية في المجتمع مع ملاحظة الحرص
التام في استخدام هدا المؤثر عند عمل المقارنات الدولية .
أسباب عجز القطاع الحديث عن امتصاص البطالة في الدول النامية
١. ادا كان الانتاج للتصدير ، فان مقابلة احتياجات السوق العالمي من حيث نوع السلع
المنتجة و كميتها يفرض بالضرورة استخدام التكنولوجيا الحديثة التي تتصف بكثافة عالية
لرأس المال ، سواء كان دلك في قطاع الصناعات الانتاجية أو في قطاع السلع الاستهلاكية .
٢.ادا كان الانتاج للسوق الداخلي :
• فان معظم حكومات الدول النامية تفرض حدا أدنى للأجور ، فارتفاع الأجور سيؤدي
لتوسيع قاعدة العمل و استبدال رأس المال بالعمل حتى و لو كان دلك ممكنا .
• ان تشجيع انتاج السلع التي تحل محل السلع المستوردة يتطلب اللجوء الى كثافة رأسمال
في أسلوب الانتاج .
• انخفاض المستوى الفني و التعليمي للعمال يحول دون احلال الآلات بالعمال .
أهم الآراء الخاصة بالتنمية الاقتصادية بما يكفل القضاء على مشكلة البطالة
١. زيادة حجم الاستثمارات و رفع معدلاتها مع الاهتمام بامكانيات رفع نسب العمالة ( عمال
) و دلك بتعديل أساليب الانتاج و تغيير مكزنات الناتج بما يتناسب مع الأسعار النسبية لكل
من رأس المال و العمل . . أو بمعنى آخر مراعاة التكلفة الاجتماعية الخاصة باكتشاف وسائل
انتاج مناسبة لظروف المجتمع .
٢. وضع برامج محددة و واضحة على المستوى المحلي و القومي لتشغيل العاطلين و زيادة
الانتاج و تكوين رأس المال بتوجيه العاطلين الى العمل في مجالات انتاج لا تحتاج سوى
أدوات مساعدة يمكن أيضا ايجادها مثل حفر الترع و القنوات و المصارف .
٣. زيادة انتاجية الموارد التي تتصف بندرة نسبية في المجتمع حتى يتسنى زيادة المعروض
من السلع المنتجة سواء سلع استهلاكية أو انتاجية لتدعيم عمليات تشغيل العاطلين . و لدلك
يجب أن تهتم الحكومات و رجال الأعمال بوسائل تدريب المديرين و المشرفين و اشعارهم
بأهمية وسائل الكفاية و رفع الانتاجية .
٤. اتخاد الاجراءات المناسبة لتسهيل حركة انتقال الأيدي العاملة من مهنة الى أخرى ، و
ازالة ما يعترض هده الحركة من صعوبات تتعلق باعتبارات اجتماعية أو نفسية معينة أو
ادارية ، و تحقيق نمو متوازن في نسب العمالة في جميع المناطق باتباع سياسة مناسبة
لتوطين الصناعة وفق ظروف كل منطقة .
٥. اتخاد الاجراءات و الوسائل لزيادة عائد الصادرات و تجنب التقلبات العنيفة في هدا العائد
و تشجيع الاستعانة برأس المال الأجنبي حتى لا تتعرض سياسات العمالة الى صعوبات تؤدي
الى فشلها نتيجة اختلال في ميزان المدفوعات في الدولة .
٦. و أخيرا فان مستوى حجم الاستثمارات و بالتالي مدى سرعة التغلب على العطالة أو مدى
امتصاص العاطلين يتوقف على مدى كفاية رأس المال اللازم لحجم الاستثمارات المطلوبة و
اتخاد الوسائل الكفيلة بتقييد الاستهلاك و اعادة توزيعه بحيث تتجه كل زيادة ممكنة من الناتج
القومي الى الاستثمار ، و في مقدمة هده الوسائل اتباع سياسة مالية فعالة و سياسة هادفة
للأجور و سياسة ادارية حازمة .
طريقة التنمية الداتية في الدول النامية
بنوك شعبية بلا فوائد
لقد كثر الحديث عن مشاكل المناطق النامية و الصعوبات التي تعترضخطط التنمية ، لا سيما
مشاكل التمويل بصفة خاصة باعتبارها الأساس اللازم لمواجهة المتطلبات الاستثمارية
المتنوعة في كافة المجالات ، و تختلف وجهات النظر بشأن التوصيات و المقترحات التي
ينبغي على الدول النامية الأخد بها للتغلب على مشكلة التمويل و الطريق الدي ينبغي سلوكه
لتحقيق التنمية ، و لن يتسع المجال هنا لمناقشة مختلف الآراء و تباين فاعلية كل وسيلة
بالمقارنة بالوسائل الأخرى . و لكن نكتفي بملاحظتين :
• ان المدخرات الفردية الاختيارية كوسيلة تمويل لم تحظ حتى الآن بالاهتمام أو البحث الدي
حظيت به جميع وسائل التمويل الداخلية الأخرى و خاصة الاجبارية ، و لعل دلك يعود
أساسا لعاملين :
١. التأثر الكبير الدي أحدثته الآراء الاقتصادية ، و النظريات الاقتصادية الحديثة التي ظهرت
بالدول المتقدمة صناعيا ، و التي تربط الدخل بالادخار ، و اعتبار الميل الحدي للاستهلاك
مع كل زيادة في الدخل في الدول النامية مسلمة .
٢. الدور الدي قامت و لا تزال تقوم به أجهزة التمويل في هده الدول سواء الغربية منها أو
الشرقية ، فمن الثابت أن معظم الدول الغربية اعتمدت في مرحلة تكوين رأس المال مالها –
بالاضافة الى المدخرات المغتصبة من المستعمرات – على المنظمين و أصحاب الدخول
الكبيرة الدين يتميزون بارتفاع الوعي المصرفي بينهم و يكونون قاعدة كبيرة نسبيا مند بدء
النهضة الصناعية و تطورها ، و من الثابت أيضا أن دول المعسكرالشرقي كونت رأس مالها
عن طريق المدخرات الاجبارية .
• عدم التعرض لبحث و تبيان آثار نشاط أجهزة التمويل و المؤسسات التمويلية على النواحي
الخلقية و الاجتماعية في المجتمعات النامية و التي تمثل مشاكلها العقبة الكؤود في مواجهة
التنمية .
ان مناقشة هاتين الملاحظتين يتم بتحليل المدخرات الفردية الاختيارية كمصدر تمويل أولا ثم
معرفة آثار هدا المصدر على النواحي التربوية و الاجتماعية ، ثم نبحث في كيفية الاستفادة
من هدا المصدر و وسيلة تفجيره بأسلوب يتفق مع مثلنا و مبادئنا و معتقداتنا ( أي بدون سعر
فائدة و الدي يمثل السلاح الرئيسي الدي تعتمد عليه أجهزة الدول الأخرى في جدب المدخرات
الفردية ) ، و سنخص الحديث هنا عن الآثار على المجتمع و عن النمودج المقترح للاسفادة
من هدا المصدر .
متطلبات تعبئة المدخرات الفردية أو تنظيم الدخول الفردية
١. وجود وعي مصرفي بين الأفراد بمعنى احساسهم بوجود أجهزة التمويل و نشاطها و
اقتناعهم بالتعامل معها ، مما يتطلب استخدام وسائل كسب ثقة الأفراد و تدريب العاملين في
الجهاز على معاملة الجماهير و كسب صداقتهم و اتقان وسائل الجدب .
٢. وجود وعي ادخاري بمعنى احساس الأفراد بأهمية الادخار كأحد مستلزمات الحياة أي
وجود دوافع ادخاريةقوية و يتطلب دلك اثارة مستمرة للدوافع الادخارية مع جدب الأفراد عن
طريق أداء خدمات لازمة لهم في سهولة و يسر .
٣. وجود مزايا بالجهاز تدعم تحقيق الدوافع الادخارية و تنحصر في ثلاث دوافع رئيسية :
دوافع الطمأنينة و الأمن ، و دوافع الربحية ، و دوافع رفع مستوى المعيشة
٤. عدم وجود صعوبات تعترض استمرار السلوك الادخاري و هده الصعوبات قد تكون بعد
المسافة و مشقة الانتقال أو المعاملة و الخوف و للتغلب على هده الصعوبات يجب اتباع
الوسائل المناسبة و السريعة و التي يجب بالضرورة أن تتميز بركيزتين هامتين هما الأسلوب
و الطابع المحلي .
و سنعرض فيما يلي اقتراحات لنمودج يمثل شكل الأجهزة المحلية اللازمة و نظامها مع تحليل
لفلسفة نظامه و الاسس الاقتصادية التي تحكم نشاطه مع افتراض تحقيق الاعتبارات الخاصة
ب الأسلوب الواجب اتباعه سواء في خلق الوعي المصرفي الادخاري أو تدليل الصعوبات
التي تعترض استمرار السلوك مع العلم بأن النظم الخاصة بالنمودج المقترح تساهم بدورها
كما سترى في هده العمليات .
بنوك محلية بلا فوائد كنمودج مقترح
و يتضمن نمودج الجهاز المقتح ( و نسميه هنا بنكا
محليا أو بنكا للتمويل المحلي ) ثلاثة أنواع من
الحسابات نوجزها فيما يلي :
أولا - حساب الادخار و الاقراض
في هدا الحساب يقبل البنك المحلي مدخرات الأفراد كبيرها و صغيرها مهما قلت قيمتها ابتداء
من خمسة قروش بدون فوائد و يكفل البنك حرية الايداع و السحب في أي وقت لأي مبلغ و
للمودع في هدا الحساب الحق في الاقتراض لغرض انتاجي يعود عليه و على المنطقة المحلية
بالنفع على أن يكون تسديد هدا القرض بدون فائدة ادا كان القرض صغيرا و بمشاركة في
عائد استخدام القرض ادا كان القرض كبيرا على أن يراعى وجوب استثمار القرض داخل
المنطقة المحلية و أن تثبت الدراسة التي يقوم بها البنك ارادته و كدلك المدخرين الفقراء الدين
يتعرضون لصعوبات أو مصائب مفاجئة فان لهم الحق في الاستفادة من أموال الخدمة
الاجتماعية و الزكاة التي سيأتي الكلام عنها و من المزايا الواضحة في هدا الحساب عدم
التعامل بالفائدة و تقديم المشورة الفنية للعملاء دون مقابل و سرعة و سهولة السحب و الايداع
و استخدام وسائل تجميع المدخرات الصغيرة كالطوابع و الحصالات و دواليب الادخارات و
المندوبين و المحافظة على مدخرات و أداء الخدمات المتنوعة للعملاء كدفع
الالتزامات الدورية نيابة عنهم .
ثانيا – حساب الاستثمار أو المشاركة
يودع الأفراد أموالهم في هدا الحساب مساهمين
في المشروعات الانتاجية الانتاجية التي بقوم بها
البنك منفردا أو مشاركة مع أفراد أو مع السلطات المحلية في المنطقة و يعتبر المودعون
شركاء في عائد استثمارات البنك كل حسب قيمة ودائعه و مدة ايداعها و يعتبر استخدامات
الأموال المودعة في هدا الحساب أهم مصدر لتغطية المصاريف الادارية و تغدية حساب
الخدمة الاجتماعية و يتم توزيع الارباح على المودعين بغد اعلان الميزانية مباشرة ، و يجوز
للعميل سحب ما يستحق له في نهاية العام بعد اخطار البنك بمدة كافية ،
و يراعى عند قيام البنك بالمشروعات الانتاجية عدة اعتبارات أهمها :
١. أن تثبت الدراسة الاقتصادية حاجة المنطقة المحلية الى قيام المشروع
٢. أن تثبت الدراسة الفنية توافر عوامل نجاح المشروع و ربحيته .
٣. ألا يزيد المستثمر في كل مشروع عن نسبة معينة من مجموع الايداعات و لتكن مثلا ١٥
% مراعاةلتوزيع المخاطر .
٤. أن يراعى في المشروع اعتبارات الصالح العام و عدم منافاته للمبادىء الأخلاقية في
المجتمع .
ثالثا – حساب الزكاة و الخدمة الاجتماعية
تودع في هدا الحساب أموال الزكاة و الصدقات و التبرعات و الهبات التي تجمع من أهالي
المنطقة بالاضافة الى جزء من عائد استثمارات البنك ، و تستخدم أموال هدا الحساب في
مجموعها للوقوف بجانب المدخرين الدين يتعرضون لأزمات و الغارمين في عمليات
الاقراض و في تنفيد بعض مشاريع الخدمات المساعدة التي قد تكون لتدعيم النهوض بالمنطقة
و يتوقف دلك على طبيعة مصادر الأموال المتجمعة فأموال الزكاة تنفق في مصارفها وفق
الشروط التي حددتها الشريعة و الأموال الأخرى لتدعيم البنك في مجالات الاقراض و
الاستثمارات و المحافظة على سيولة البنك و تدعيم تحقيق أهدافه و خاصة كفالة الطمأنينة
للمدخرين باعتبارهم يمثلون الفئات المكافحة التي تعتمد على نفسها دون أن تكون عالة على
الغير أو المجتمع و معاونة المحتاجين بالمنطقة ليصبحوا قادرين على الكسب بمجهودهم و
غير دلك من معالجة المشاكل الاجتماعية .
تقييم النمودج المقترح
تتوقف أهمية أي جهاز تمويل على
مدى قدرته في تجميع الودائع أو
المدخرات من ناحية و على قدرته على توظيف الأموال مع المحافظة على القاعدة الدهبية (
السيولة ، الربحية ، الضمان ) من ناحية أخرى و الأهم على قدرته في المساهمة لعلاج
مشاكل المجتمع من ناحية ثالثة .
١. تجميع المدخرات و الودائع ، حيث انفرد النظام المقترح بقدرته على جدب مدخرات جميع
الفئات مهما اختلفت دوافعهم من خلال التفرقة الواضحة بين المدخرين الدين يدخرون أساسا
بغرض الطمأنينة و الأمن و المدخرين الدين يدخرون بدافع رفع مستوى معيشتهم باقتناع سلع
معمرة أو القيام بمشروعات انتاجية ، و المدخرين الدين يدخرون بدافع الربح ( المستثمرين )
، كما أن قيام البنك بتنفيد مشروعاته الاستثمارية تحت سمع و بصر المواطنين وفق مبدأ
المحلية كفيل ببث الطمأنينة لديهم و اثارة التعصب و الحماس المحلي مما يدفعهم بالتالي الى
ائتمان مدخراتهم لدى البنك ، و هناك عامل جدب آخر للمدخرين بدافع الربح أتاحه النمودج
المقترح بالسماح للمودعين في حساب الاستثمار بسحب ودائعهم بعد اعلان الميزانية ، اضافة
الى الحدمات التي يقدمها الجهاز لعملائه بدون مقابل ، و يضاف لدلك أن وجود حساب الزكاة
و الخدمة الاجتماعية يشكل خط دفاع رئيسي لمواجهة أي مخاطر جسيمة يتعرض لها ربحية
الاستثمارات . كما أن توزيع المخاطر و قدرة البنك على الاستعانة بدوي الخبرة و الكفاءة و
خبرته بظروف المجتمع المحلي و الظروف الاقتصادية السائدة يساهم الى حد كبير في تحقيق
معدلات ربحية للاستثمارات لمنطقتهم و المنفعة التي تعود على أهالي المنطقة يدفعهم الى
الاخلاص في العمل و السعي لانجاح المشروعات و تقليل التكاليف مما يشكل عاملا هاما
لتحقيق الربحية و جدب الايداعات لدى البنك ، أضف لدلك أن تعلق المواطنين بالدين و
تحرجهم من التعامل بسعر الفائدة يشكل قوة دفع هائلة لجدب المدخرات و الودائع في جميع
حسابات البنك .
٢. توظيف الأموال مع المحافظة على القاعدة الدهبية ، ان اعتماد الجهاز على المدخرات
الفردية الاختيارية تجعله قادرا على الجمع بين الاستثمارات القصيرة الأجل و المتوسطة و
الطويلة الأجل على السواء ، و يرجع دلك الى أن قدرة البنك على جدب كافة الفئات بدوافعهم
الادخارية تمكنه من الاستفادة من مدخرات الفئات الدين يدخرون بدافع الطمأنينة و طبيعة هده
المدخرات طويلة الأجل مما يمكن البنك من توظيف جزء كبير منها في استثمارات أو قروض
طويلة الأجل نسبيا ، و الاستفادة كدلك من مدخرات الفئات الدين يدخرون بدافع رفع مستوى
المعيشة و لو أن طبيعة هده المدخرات و خاصة بالنسبة للمدخرين بغرض اقتناء سلع و
خدمات آجلة تعتبر قصيرة الأجل ، الا أن الرغبات لرفع مستوى المعيشة ى تقف عند حد
معين فهي رغبات متجددة و متنوعة و مستمرة طالما أن الفرد يحصل على دخل مما يكفل
تدفقا مستمرا لها الأمر الدي يمكن البنوك من توظيف جزء كبير منها في استثمارات قصيرة و
متوسطة و طويلة الاجل .
٣. الآثار بالنسبة للمجتمع ، بنفرد النمودج المقترح بتشعب الآثار التي يحدثها نشاطه السابق
ايضاحه في المجتمع في مختلف المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و لا يتسع المجال في هدا
البحث لتفصيل هده الآثار و لكن يجدر الاشارة الى أن هده هي التي تميز النمودج المقترح
عن الأجهزة الأخرى التي تعتمد في نشاطها أساسا على سعر الفائدة الثابت سواء في عرض
رأس المال أو طلبه ، و لا شك أن أجهزة التمويل بقدر ما يعكس نشاطها الى حد كبير
أخلاقيات المجتمع و سنكتفي في ختام هدا الموضوع بتلخيص لبعض هده الآثار:
الناحية التربوية و الاجتماعية
• ان اعتماد البنك المحلي على المدخرات الفردية و خلق السلوك الادخاري و تنميته ، انما
يعتمد على فكرة التغيير الداخلي للفرد بما يسهم في تكوين المواطن الصالح الدي يقدر
المؤولية و بما يسهم في القضاء على كثير من العادات المردولة الشائعة في المجتمع .
• أن اقتصار الاقراض على الدخرين اشعار للمواطنين بأن الانتفاع من رأس المال الدي هو
حق المجتمع ، مقصور على من يعمل و يساهم في تكوين رأس المال ، و المواطن النتج الدي
يعمل لبناء نفسه و مجتمعه و هكدا يسهم الجزء في تكوين الكل و يدعمه الكل بمعاونة الجزء
و بدعمه .
• ان ربط حساب الزكاة و الخدمة الاجتماعية بنشاط البنك يعتبر انتصارا للقيم و العلاقات
الانسانية و خطوة في تحقيق التجانس الاجتماعي و تنمية الشعور بالمسؤولية المشتركة و
تدعيم للتكامل الاجتماعي بما يحقق التوازن بين المادة و العلاقات الانسانية و القضاء على
ظاهرة الاستجداء و التواكل .
• ان نشاط البنك ككل يعتبر قدوة لما يجب أن يكون عليه السلوك الفردي العام بالبعد عن أن
يكون السعي فقط وراء المادة و بأي وسيلة .
الناحية الاقتصادية
• ان البنك المحلي بتركيز نشاطه في المحليات يحقق نموا متوازنا و يعمل على التوزيع
السليم للموارد و الطاقات البشرية التي تتجه عادة ااتركز في العاصمة و البلدان الكبيرة سعيا
وراء العمل حيث يساهم في تنشيط الحرف و الصناعات الصغيرة منها و المتوسطة و يخلق
بدلك مجالات جديدة للعمل و موارد اضافية للرزق فيرتفع مستوى الدخول و تنتعش مما يدعم
المجهودات التي تبدل في المشاريع الكبيرة و بما يخفف العبء على موارد الدولة المركزية .
• ان ودائع البنك المحلي من المدخرات الفردية يمكن أن تتخد كعلامات للطريق أو المؤشر
بالنسبة للسياسة التخطيطية و الاقتصادية ( بشرط أن يكون السلوك شاملا و منتشرا بين
المواطنين ) حيث يتسنى الوقوف على تصرفات الأفراد في قوتهم الشرائية بالنسبة للسلع بما
يكفل المحافظة على جهاز الائتمان و تجنب حدوث اختناقات في سلع دون أخرى .
• ان القروض الصغيرة بدون مشاركة تساهم في النشاط الاقتصادي و زيادة الانتاجية ، و
بالنالي في توسيع السوق الدي يعتبر ضيقه من أهم عقبات الاستثمار الكبيرة من أجل التنمية
في الدول النامية ، و خاصة لأن عدم استخدام سعر الفائدة يمثل القضاء على عبء يثقل كاهل
الفئات الشعبية في اقتراضها لأغراض انتاجية ، و تلك الفئات تمثل أهم الطاقات الانتاجية
المامنة في الدول النامية .
الخلاصة
و هكدا يمكن أن يوجد نمودج لأجهزة تمويل تصلح سلاحا فعالا من أسلحة الهجوم على معاقل
مشاكل الدول النامية الاقتصادية و الاجتماعية . . أجهزة قادرة على تغيير الواقع الاجتماعي و
اعادة صياغة الحياة في مختلف جوانبها شكلا و مضمونا من جديد و احداث التغيير الجدري
للأفراد ، و هده الاجهزة تتميز بأربعة خصائص أساسية :
١. وضوح أهدافها و قوة جادبيتها للجماهير و قدرتها على استقطابهم .
٢. نشاطها و أهدافها ملائمة لاتجاهات العصر ، و مسايرة لمنطلق التطور و العلم .
٣. التعبير بصدق و عمق عن الحاجات للأفراد و مصالحهم .الحيوية .
٤. الاستعانة بالوسائل العلمية المتكافئة مع الأهداف المنشود تحقيقها .
ضريبة

moh.2000
17-04-2009, 17:50
السلام عليكم الاخت زهرة هدا موضوع جديد شوية لكشما لقيت راني نجيبلك.......
تقبلي تحياتي.

خير الدين جمال
17-04-2009, 18:39
السلام عليكم اخواني الطلبة اخواتي الطالبات.............
من يريد بحث او مذكرة في المجال الاقتصادي فليترك طلبه هنا..........فنحن هنا من اجل المساعدة بما نستطيع.
تحياتي لكل الاعضاء....................
تقييم اداء العاملين في المؤسسات الاقتصادية
ممكن في اقرب وقت

ai13
17-04-2009, 19:48
أريك بحث حول تقييم الأوراق المالية

bilal 212
17-04-2009, 21:20
السلام عليكم

أريد بحث حول النقود والإنتاج بحث في الإقتصاد النقدي
وبارك الله فيك

khaledtv
18-04-2009, 12:41
كل مايتعلق با البطالة وتشغيل ووسائل معالجة البطالة في الجزائر

moh.2000
18-04-2009, 15:21
السلام عليكم بحث النقود 1
الفصل الخامس النقود والبنوك


النتائج التي تترتب على اكتشاف الإنسان للنقود:
 اكتشاف الإنسان للنقود من الخطوات الأساسية في تطور الحضارة الإنسانية مثل. [اللغة، الكتابة، النقود]
 اكتشاف الإنسان للنقود ساعد في ترشيد الإنسان لسلوكه الاقتصادي إلى حد كبير مما كان له الأثر على التقدم الاقتصادي.

المقايضــة

هي مبادلة شيء مقابل شيء آخر وهو الصورة الطبيعية والبسيطة للتبادل وكانت نافعة ومفيدة في المجتمعات البدائية لأن عدد السلع قليل وحاجة الأفراد بسيطة حيث كان يسود الاقتصاد المعيشي وفق مبدأ من اليد إلي الفم

وظهرت عيوب المقايضة في العصور الحديثة بسبب تعدد السلع وتعدد حاجات الأفراد وتطور المجتمعات وسيادة التخصص وتقسيم العمل.


عيوب المقايضة

1. التوافق المتزامن و المزدوج في الرغبات تفرض المقايضة توافق متزامن في رغبات المتعاملين في نفس الوقت وبنفس المقدار
2. لا تقدم وسيلة واضحة لتقييم السلع
لا يساعد نظام المقايضة على إيجاد نظام واضح للمقارنة بين قيم السلع خاصة عند تعددها
3. تعجز عن تقديم وسيلة صالحة لاختزان القيم ( علل)؟
لأنه إذا زاد إنتاج الفرد يضطر إلى اختزان ثروته في شكل سلعة وإذا كانت قابلة للتلف يضطر إلى إتباع أسلوب غير رشيد
1- الإسراع في الاستهلاك دون حاجة إليها،
2-التنازل عنها دون مقابل مناسب.



ظهور النقود

 لقد مهدت عيوب المقايضة إلي ظهور نظام النقود التي قدم مجموعة من الخدمات للمتعاملين حيث كانت المقايضة تعجز عن تقديمها.
 وظهور النقود نشا عن طريق انقسام المقايضة إلى عمليتين جزئيتين
( البيع- الشراء).
أولاً: عملية البيع:- هي التنازل عن السلعة التي يحتاجها الفرد مقابل النقود.
ثانياً:- عملية الشراء:- التنازل عن النقود للحصول على السلع
 ظهور النقود لم يتم فجأة وبشكل مباشر وإنما خضع لتطور طويل حتى ظهرت النقود. ليس من السهل التعرف علي تاريخ محدد للنقود



النقود السلعية

1 - بسبب التخلص من عيوب المقايضة لجأ المتعاملون إلى استخدام سلعة لها أهمية خاصة لدى الجماعة كمقياس للقيمة
 اختارت بعض الجماعات أنواع من الماشية ( الماعز) كوحدات قياس.
 واختارت بعض الجماعات القواقع والمحار حيث تتمتع بقيمة مقدسة .
 اقتصر دور النقود السلعية في هذه المرحلة على القيام بوظيفة مقياس للقيمة دون أن تستخدم فعلاً في عمليات المقايضة .
مثال:- إذا كانت السلعة ( الماعز) فقد تتم المبادلة بين مزارع عنده فائض من القمح مقابل فأس من أحد الصناع. يتم تقييم القمح والفأس بالماعز كمقياس ومعيار مشترك دون أن تدخل في عملية التبادل.
يقال هنا إن الماعز نوع من النقود المحاسبية أو مقياس للقيمة.

2 عندما انقسمت المقايضة بعد ذلك إلى ( البيع- الشراء) أصبحت الماعز وسيط في التبادل ودخلت بالفعل في عملية التبادل .
مثال:- بيع السلع مقابل الماعز ثم شراء سلعة أخرى بهذا الماعز.

3 ومع استمرار التطور اكتسبت النقود السلعية الوظيفة الثالثة كمخزن للقيمة.
وهكذا ...... اكتملت وظائف النقود السلعية.

4- عيوب النقود السلعية
1- القابلية للسرقة 2- القابلية للتلف أو الحريق
3- القابلية للموت مثل الحيوانات 4- ضعف القابلية للتخزين مدة طويلة

النقود المعدنية
- بسبب- عيوب النقود السلعية - ظهرت المعادن (الذهب والفضة) كنقود لأنها تتميز بالآتي:
1- الاحتفاظ بالقيمة وعدم التعرض للتلف. 2-قابل للتجزئة.

النقود الو رقية ( البنكنوت)
 ظهرت النقود الو رقية كنوع من التيسير علي المتعاملين في ظل النقود المعدنية
 هي أوراق نقدية تصدرها السلطات المختصة وملزمة للجميع في التعامل وهي نهائية ويقوم البنك المركزي في مصر بإصدار النقود الو رقية.

1- قام التجار بإيداع الذهب والفضة في خزائن آمنة لدى الصياغ والبنوك مقابل إيصالات أو أوراق تجارية.
2-مع مرور الزمن وجد التجار أنه من الأيسر نقل ملكية الإيصالات حيث
يستطيع حاملها الحصول على قيمتها ذهب أو فضة من البنك الذي أصدرها.
3-وبذلك بدأت تظهر أوراق نقدية قابلة للتحويل في الحال لدى البنوك إلى
ذهب أو فضة
4- أصبحت هذه الأوراق تداول في الأسواق وتقبل في التعامل بدلا من الذهب والفضة
 أصبحت النقود الو رقية حالياً إلزامية(جميع الأفراد ملزمون بالتعامل بها )
ونهائية.(لا يمكن تحويلها إلى ذهب )

النقود الائتمانية ( نقود الودائع).
 نتيجة توسع البنوك في نشاطها وثقة الأفراد الكاملة في البنك.
 بدأ الأفراد يودعون نقودهم الو رقية في البنوك في شكل حساب أو وديعة ويتعاملون بالشيكات.
 وترتبط النقود الائتمانية بفكرة الدين أو الالتزام على البنوك يتم تداولها عن طريق الشيك
 وهي غير إلزامية (جميع الأفراد غير ملزمون بالتعامل بها )
وغير نهائية. . ( يمكن تحويلها إلى نقود ورقية )


العلاقة بين النقود الائتمانية والنقود الورقية تشبه العلاقة بي ن النقود الو رقية والنقود المعدنية
ففي كلتا الحالتين تصدر البنوك نقود جديدة بناء علي الاحتفاظ بالنقود القديمة في خزائنها مع التوسع في إصدار هذه النقود الجديدة


المدفوعات الالكترونية E - Payments
ظهرت للوجود الوسائل الالكترونية للمدفوعات وكذلك ما يعرف بالنقود الالكترونية جنبا إلى جنب مع المدفوعات التقليدية , باستخدام النقدية (النقدية الحاضرة ) والشيكات الورقية .

الوسائل الالكترونية للمدفوعات النقود الالكترونية
بطاقات الائتمان بطاقات الحسم بطاقات الصرف الآلي البطاقات المدفوعة القيمة مقدما البطاقات الذكية النقود الرقمية



أولا- الوسائل الالكترونية للمدفوعات :
تستخدم هذه الوسائل لتسوية المدفوعات المترتبة على التعاملات , التي تتم بين الأفراد بعضهم البعض أو بينهم المؤسسات الاقتصادية والتجارية أو فيما بين هذه الأخيرة . ولعل من أكثر هذه الوسائل انتشارا وأهمية البطاقات البلاستيكية .

ونستعرض ألان أهم أنواع واهم خصائص هذه البطاقات البلاستيكية على النحو التالي:



1 - بطاقات الائتمان Credit - Cards
 وتصدر عن جهات عديدة بعضها مصرفي , والبعض الأخر غير مصرفي . ومن أشهر أنواع هذه البطاقات : الفيزا (VISA) , الماستر كارد
 تمنح هذه البطاقات حاملها ائتمانا لمدة معينة – وفقا للشروط المتفق عليها بحيث يستطيع أن يستخدمها لشراء ما يشاء من سلع وخدمات من السوق فى الداخل او الخارج .
 وتلجأ الجهات المصدرة لهذه البطاقات الى منح مزايا لحامليها مثل
1- إعفائهم من دفع فوائد لمدة محددة قد تصل الى قرابة شهرين , اذا ما
سددوا قيمة الائتمان كاملة خلالها ,
2- لا يلتزم العميل بالسداد الكامل لقيمة الائتمان بعد انتهاء المدة السابقة ,
بل وقد يسدد نسبة معينة تحددها الجهة المصدرة كأن تكون 10% او 5%
3- يستطيع العميل ان يستعملها في الشراء في الأسواق الخارجية أيا كانت
العملة المستخدمة ويسوى قيمة معاملاته في النهاية بالعملة الوطنية التي
تصدر على أساسه البطاقة , اى لا يلتزم بان يسدد بالنقد الاجنبى




2- بطاقات الحسم (الخصم)الفوري DEB
وتختلف هذه البطاقات عن سابقتها في أنها لا تمنح حاملها ائتمانا بل يتم خصم قيمة الصفقة من حساب العميل في البنك علي الفور كما يحدث بالنسبة لبطاقات الصرف الالي



3- بطاقات الصرف الآلي amt cards

وهي بطاقات تعطي لصاحبها ميزة صرف النقود من شبابيك الكترونية معدة خصيصا لهذا الغرض في كثير من البنوك وفروعها وتتميز هذه البطاقات
1- أن حاملها يستطيع أن يحصل علي مقدار النقدية المتفق عليه من البنك الذي يصدرها في أي وقت حتى بعد الإغلاق البنوك لأبوابها
2- أصبحت منتشرة كثيرا وبالقرب من الأسواق خاصة المركزية منها وهو ما ييسر التعاملات كثيرا
3-من أهم مزاياها أيضا إعطاء ميزة الصرف من شبابيك بعض البنوك في خارج أسواق الدولة المصدرة لها كما هو الحال في دول الاتحاد الأوربي.

4- البطاقات المدفوعة القيمة مقدما

 وهي بطاقات تم دفع قيمتها مقدما عند شرائها وتخزن فيها قيمتها والتي تكون من فئات مختلفة مثل :البطاقات التي تستخدم في التليفونات ووسائل النقل وآلات التصوير الفوتوغرافي الاتوماتيكية الخ ,
 وقد تستخدم هذه البطاقات لمرة واحدة او عدة مرات حسب القيمة المخزنة فيها والغرض من الاستخدام ومدته.
=========================================
من الملاحظ ان هذه البطاقات الأربعة أصبحت تنتشر علي نطاق واسع سواء في الدول المتقدمة او في النامية ويوجد من هذه البطاقات ما مغلق أي مخصص لنوع واحد من الاستعمال كالتليفونات مثلا.ومنها ما هو متعدد الأغراض أي مفتوح
الا انه يجب تدوين الملاحظان آلاتية
* 1- ان استخدام هذه البطاقات في تزايد مستمر وبمعدلات مرتفعة خاصة بطاقات الائتمان والصرف الالي لدرجة ان البعض يزعم اننا الان نشهد ما يعرف بالمجتمعات غير النقدية Cashless Societies
* 2- ان هذه البطاقات في ذاتها ليست نقودا وانما هي وسائل الكترونية للتعامل في النقود اذا تعتمد التسوية النهائية للتعاملات علي النقود الورقية ومن ثم فهي لا تتمتع بخاصتي النهائية والإلزام.


ثانيا النقود الالكترونية e-money
وتضم هذه النقود –حتى الآن – نوعين :

الأولي :البطاقات الذكية smart cards
 وهي بطاقات يثبت عليها شريط ممغنط ومثبت عليه شريحة الكترونية اواكثر تمثل حاسبا صغيرا مزود بذاكرة ويكون قادرا علي تخزين واسترجاع ومعالجة البيانات المسجلة عليه
 يتم تحميل هذه البطاقة بقيمة معينة من حساب العميل وكذلك كافة البيانات الشخصية الخاصة به لذلك فانه عند التعامل يتم تمريره علي اله قارئة له , ويتم خصم قيمة التعاملات دون حاجة قيام المشتري بالتوقيع او حمل ما يثبت شخصيته ...........الخ
 وتتميز هذه البطاقات بأنها ليست في حاجة الي استعمال النقدية وتوفير الجهد ومن ثم تيسير لتعاملات كثيرة ,ويطلق عليها المحفظة الرقمية حيث تحمل قيما رمزية تعبر عنها أرقام معينة.


الثانية :النقود الرقمية
وهي النقود التي تأخذ صورة نبضات كهرومغناطيسية ,ويحملها كارت ذكي علي النحو السابق او علي الهارد درا يف للحاسب الشخصي وكل ما يفعله العميل هو الضغط علي الأرقام المعينة لتسوية المعاملات او الإضافة إلي الحساب او النقل من حساب لاخر.
وهذه تعرف بالنقود الرقمية او النقود القيمية للتعبير عنها في صورة أرقام رمزية ذات قيم معينة.
=========================================
والواقع أن انتشار مثل هذه التطورات يحتاج إلي
1- بنية أساسية في الجهاز المصرفي أي يحتاج إلي بنوك متطورة تتوافر لها الوسائل الالكترونية المجهزة لاستخدام هذا النوع من النقود
2-تتطلب شبكات الالكترونية للتعاملات بين البنوك بعضها البعض والبنوك والمحلات التجارية
3-تتطلب أيضا قبولا عاما لدي العملاء وان يكو ن لديهم وعي وإدراك بأهمية هذه النقود والوظائف التي تؤديها
وهو ما يحتاج إلي بعض الوقت حتى في أكثر الدول تقدما .
وتوافقا مع هذا التطور
بدأت البنوك التقليدية تطور اسالبيها في العمل والأداء لتستطيع استخدام الوسائل الالكترونية
ظهرت الي وجود أنواع جديدة من البنوك تعرف بالبنوك الالكترونية او البنوك الافتراضية.








وظائف النقود
هناك خاصية أساسية للنقود هي أن لها قوة شرائية عامة.
ماذا يقصد بالقوة الشرائية العامة للنقود؟
أن من يحوز النقود يستطيع أن يحصل على ما يشاء من سلع وخدمات معروضة للبيع. وكل فرد يعرض سلعة أو خدمة يقبل التخلي عنها مقابل الحصول على النقود. و ترتبط القوة الشرائية العامة بتمتع النقود بالقبول العام

وسيط في التبادل ( الوظيفة الأساسية للنقود).
- يترتب على هذه الوظيفة مباشرة تمتع النقود بالقبول العام.
- تنقسم عملية المقايضة إلى عمليتين هما البيع والشراء.
- وظيفة النقود كوسيلة للتبادل تتضمن تدخل النقود بالفعل في عملية المبادلة.
النتائج التي ترتبت على وظيفة النقود كوسيلة للتبادل:-
1-اتساع حجم المبادلات وتنوعها.
2- وجود قدر من المرونة
3-تيسير التعامل أدي إلي سرعة المعاملات مما ساعد علي
تعميق وانتشار مبدئي التخصص وتقسيم العمل ومالهما
من تأثيرات ايجابية علي الاقتصاد

مقياس للقيمة
 يتم التبادل في الاقتصاد بين عديد من السلع والخدمات التي تعرض في الأسواق وهي غير متجانسة.ولذلك لابد من استخدام وحدة قياس واحدة و إلا تعقدت الأمور. ومن هنا....تقوم النقود بوظيفة المقياس العام للقيمة.
 يتم تقدير السلع والخدمات بعدد ما تساويه من وحدات نقدية
 النقود كمقياس للقيمة يجب أن تتمتع بالاستقرار النسبي في قيمتها والا تخلي عنها المتعاملون وبحثو عن بديل آخر

مخزن للقيمة
النقود هي القنطرة التي تربط الحاضر بالمستقبل......
لأنها تمكن صاحبها من الحصول على السلع والخدمات المعروضة للبيع. وأيضاً الحصول على ما يشاء من السلع والخدمات المعروضة في المستقبل وشرط هذه الوظيفة تمتع النقود بالاستقرار النسبي في قيمتها وبدن هذا الشرط يتعرض الاقتصاد القومي والمبادلات والادخار للتدهور والاهتزاز
هناك عناصر أخرى تستخدم كمخزن للقيمة.... ما هي؟
مثل الأراضي- المجوهرات- المعادن النفيسة- بعض الأصول ذات القيمة الكبيرة مثل التحف تستخدم في حالة تدهور قيمة النقود( التضخم). و فقد النقود ثباتها النسبي.
عرف التضخم؟ هو تدهور قيمة النقود وارتفاع الأسعار.



النقود والقبول العام
تعريف النقود:- كل شيء يتمتع بالقبول العام من أفراد المجتمع ويقوم بالوظائف التالية( كوسيط في التبادل- مقياس للقيمة- مخزن للقيمة).

أنواع القبول العام أساس القبول العام
1-قبول اختياري – يجد أساسه في أهمية السلعة المستخدمة كنقود مثل النقود المعدنية
2-قبول مصدره القانون – حينما يلزم القانون المجتمع ككل بقبول شيء ما كنقد في التعامل وتعرف بالنقود القانونية الإلزامية والنهائية مثل النقود الورقية



البنوك والمصارف

البنوك:- هي مؤسسات مالية وسيطة تقوم بتجميع مدخرات الأفراد
والوحدات الاقتصادية التي تحقق فائضاً وتستخدمها في إقراض الأفراد
والمشروعات ذات العجز.
مؤسسات مالية: لأنها تتعامل في الأموال أي تقوم بالإقراض والاقتراض. مؤسسات وسيطة: لأنها تقوم بالوساطة بين جمهور المدخرين والمستثمرين.

( فائدة الوساطة المالية)
1-تقوم بتجميع مدخرات الأفراد والوحدات الاقتصادية التي تحقق فائضاً وتستخدمها في إقراض الأفراد والمشروعات ذات العجز.
2-تحقق منفعة كبيرة للاقتصاد وفائدة مباشرة للمدخرين والمستثمرين حيث يتم تجميع أحجام كبيرة من المدخرات من صغار المدخرين وتوظيف هذه المدخرات
3-تسهيل الاتصال بين المدخرين والمستثمرين ( كيف).
يكفي أن يضع المدخر مدخراته في البنوك دون البحث عن مستثمر.و صاحب المشروع إذا احتاج إلى الاقتراض فإنه يتوجه إلى البنوك دون البحث عن مدخر.
4-تساعد على تقليل المخاطر التي يتعرض لها المدخرين نتيجة إقراض أموالهم للمستثمر النهائي حيث تكون المخاطر كبيرة إذا تخلف المستثمر عن سداد الدين.

أنواع البنوك
تطورت البنوك بدورها فظهرت البنوك التجارية ثم البنوك المتخصصة وبنوك الاستثمار والأعمال ثم ظهر البنك المركزي
البنوك التجارية  البنك التجاري هو بنك عام النشاط وغير متخصص حيث يتلقى الإيداعات ويمنح القروض لكافة الأفراد والمؤسسات مختلفة الأنشطة الاقتصادية و التجارية
 ويقوم نشاط البنك في الأساس علي التمويل قصير الأجل .
 وتشهد البنوك التجارية مرونة كبيرة في هذا المجال اذا لم تعد وظائفها تقف عند حد الوظائف النقدية او التمويلية التقليدية. بل تقوم بعديد من الأنشطة التي تدر عليها عائدا كبيرا
البنوك المركزية  راس الجهاز المصرفي في الدول المختلفة
 يقوم بوظائف ذات أهمية حيوية مثل
1-إصدار النقود 2- بنك الحكومة 3– بنك البنوك
4-يقوم بوضع وإدارة السياسة النقدية في الدولة بما لديه من
وسائل الرقابة الكمية والنوعية.
البنوك الاستثمارية  وهي مؤسسات مالية وسيطة تقوم بتجميع الأموال , من المساهمين أومن خلال طرح السندات في السوق المالية ووضعها تحت تصرف المستثمرين
 يقوم البنك في الأساس علي التمويل طويل الأجل ,
 وتنتشر هذه البنوك في الدول المتقدمة خاصة الولايات المتحدة وانجلترا وهي تشبه بنوك الأعمال في فرنسا ...... إلا أن هذه الأخيرة تتميز بأنها قد تشارك مباشرة في بعض المشروعات.
بنوك التجار وهي البنوك التي تقدم خدمات عديدة مثل 1- قبول الكمبيالات 2- وإصدار الأوراق المالية 3- وإدارة محافظ الأوراق المالية 4- تقديم الاستشارات للمشروعات والمصارف المختلفة في المجال النقدي والاقتصادي والاندماج
البنوك المتخصصة  وهي البنوك المتخصصة في منح الائتمان لنوع محدود من النشاط بحيث يقتصر عملها علي هذا النشاط دون غيره
 مثل :- البنوك العقارية /الزراعية/ الصناعية ......الخ ,
 نشاط هذه البنوك شهد توسعا في السنوات الأخيرة في مصر بحيث أصبح يشبه البنوك التجارية إلي حد كبير.
ولقد أدي التطور الاقتصادي إلي ظهور نوعين جديدين من البنوك هما
البنوك الشاملة
وهي البنوك التي لم تعد تتقيد بالتعامل مع نشاط معين أو في منطقة أو إقليم معين وأصبحت تحصل علي الأموال من مصادر متعددة وتوجهها إلي مختلف الأنشطة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتتميز هذه البنوك بما يلي :
1-الشمول مقابل التخصص المحدود 2- التنوع
3-الديناميكية 4- الابتكار 5- التكامل والتواصل
البنوك الالكترونية وهي بنوك تعمل بالكامل من خلال الانترنت حيث تتم المعاملات والعلاقات فيها من خلال الوسائل الالكترونية وليس اللقاء المباشر وتعرف هذه البنوك باسم البنوك الافتراضية.




المؤسسات المالية الوسيطة غير المصرفية

شركات التأمين شركات توظيف الأموال صناديق الادخار

فائدتها
1-تقوم بتجميع مدخرات الأفراد والوحدات الاقتصادية التي تحقق فائضاً وتستخدمها في إقراض الأفراد والمشروعات ذات العجز.
2- زيادة إمكانيات الادخار والاستثمار في المجتمع
3-تسهيل الاتصال بين المدخرين والمستثمرين
4-تخفيض أعباء الاقتراض في المجتمع مما يساعد على زيادة حجم الاستثمارات و زيادة قدرته على الإنتاج.
5-تساعد على تقليل المخاطر التي يتعرض لها المدخرين نتيجة إقراض أموالهم للمستثمر النهائي حيث تكون المخاطر كبيرة إذا تخلف المستثمر عن سداد الدين.

الغطاء النقدي أحد القيود التي وضعتها الحكومة على إصدار النقود الورقية. وهو.... توافر نسبة من الذهب وأنواع معينة من السندات والأوراق ذات القيمة المستقرة مقابل إصدار النقود الورقية من جانب البنك المركزي.

دور البنوك في إصدار النقود
- قامت البنوك بالدور الرئيسي في إصدار النقود الورقية والائتمانية.
-إذا كانت النقود الورقية قد غيرت من شكل النقود المعدنية بإصدار أوراق البنكنوت باعتبارها بديل عن الذهب والفضة الموجودة في خزائن البنك.فإن النقود الائتمانية قد فعلت نفس الشيء للنقود الورقية.
الشيك: وسيلة انتقال مديونية البنك من عميل لآخر.

الشيك وسيلة انتقال مديونية البنك من عميل لآخر. علل
أصبح الفرد غير مضطر أن يذهب كل مرة إلى البنك لسحب جزء من حسابه والحصول على النقود لاستخدامها في معاملاته التجارية وإنما يمكنه عن طريق الشيك أن يعطي أمر إلى البنك بأن يدفع إلى حامل الشيك جزء من حسابه أو وديعته.

البنوك لا تسرف في خلق المديونية عليها" النقود الائتمانية"؟
لأنه يجب أن تكون دائماً على استعداد للدفع نقداً للمستفيد من الشيك الذي يطلب صرفه في شكل نقود ورقية.
تضع الدولة عن طريق البنك المركزي قيود على البنوك التجارية في التوسع في منح الائتمان وتراقب عملياتها بصفة عامة.


علل النقود الائتمانية لم تصل بعد إلى مرحلة النقود الورقية.
النقود الورقية
إلزامية: أي جميع الأفراد ملزمون بالتعامل بها.
نهائية: أي لا يتم تحويلها إلى نقود معدنية أي إلى ذهب.
النقود الائتمانية
غير إلزامية: الفرد له الحرية في تسوية معاملاته بالشيك أو النقود الورقية.
غير نهائية: يمكن تحويله إلى نقود ورقية.


ماذا يحدث إذا : أسرفت البنوك في إصدار النقود الورقية؟
1- إفلاس البنوك. 2- ضياع حقوق الأفراد.
3- عدم ثقة الأفراد في البنوك. 4- تدهور الاقتصاد القومي.
5- ارتفاع الأسعار. 6- انخفاض مستوى المعيشة.
لذلك : عمدت الحكومات. قصر إصدار النقود الورقية على أحد البنوك فقط,
وضع بعض القيود على إصدار النقود الورقية.

النقود الورقية في مصر
 ارتبط إصدار النقود الورقية في مصر بإنشاء البنك الأهلي المصري سنة1898وكانت اختيارية في أول الأمر.
 مع قيام الحرب العالمية الأولى صدر أمر أن يكون لأوراق البنكنوت من البنك الأعلى المصري نفس القيمة للنقود الذهبية.
 أصبحت النقود الورقية إلزامية ونهائية في نفس الوقت بمعنى أن الأفراد ملزمون بقبول النقود الورقية وإنه لم يعد يمكن تحويلها إلى ذهب.
 1957أطلق اسم البنك المركزي رسمياً على البنك الأهلي وتأكد إشراف الحكومة عليه.
 1961أنشيء البنك المركزي المصري واستقل بذلك عن البنك الأهلي وأصبح له وحده منذ ذلك التاريخ الحق في إصدار النقود الورقية في مصر.


س: ماذا يحدث إذا غابت الرقابة المحكمة على أنشطة البنوك؟
1. إسراف البنوك في إصدار النقود.
2. تعرض البنوك إلى الإفلاس.
3. ضياع حقوق الأفراد.
4. يفقد الأفراد ثقتهم في البنوك.
5. ارتفاع الأسعار وانخفاض مستوى المعيشة.
6. مديونية البنك لا تخصه وحده فهي مديونية على الاقتصاد القومي في مجموعه. ولذلك يجب الرقابة على البنوك من قبل البنك المركزي


البورصة او سوق تداول الأوراق المالية

1. يتوقف معدل النمو في أي اقتصاد معاصر علي حجم الاستثمارات الجديدة التي يتم تنفيذها ويحتاج هذا الي توفير الموارد المالية اللازمة
2. هذه الموراد قد تكون
 متوافرة ذاتيا فنستخدمها مباشرة في تمويل استثماراتها الجديدة
 أما إذا لم تتوافر هذه الموراد الذاتية تلجأ للغير لمدها بالتمويل اللازم
وهنا نفرق بين حالتين :
1. دعوة الغير للمشاركة معها في التمويل باعتبارهم مساهمين في المشروع المطلوب تنفيذه .
2. دعوة الغير لإقراضها المال ,الذي تحتاجه لتمويل الاستثمار المرغوب تنفيذه باعتبارهم دائنين فقط وليسوا مساهمين
وهنا قد تلجا الجهة للاقتراض من
-احدي وحدات الجهاز المصرفي كوسيط مالي
-او بالاقتراض مباشرة من الجمهور(أفراد أو مؤسسات )من خلال إصدار صكوك مديونية علي نفسها (أوراق مالية) قد تكون بدورها في صورة أذون قصيرة الأجل (اقل من عام عادة)او في صورة سندات طويلة الأجل
 أصبحت الأسهم والسندات من أهم واشهر الصور المعاصرة لتوفير التمويل للاستثمارات الجديدة وغيرها.




- تعريف الأسهم والسندات والفارق بينهم :
السهم السند
هو الصك أو الورقة المالية التي تمثل حصة الشريك في راس مال الشركة المساهمة
أي انه يمثل حقا للشريك في الشركة ويمثل في الوقت ذاته الورقة المثبتة لهذا الحق
- فهو الصك او الورقة المالية التي تمثل دينا لصاحبها تجاه الشركة المصدرة لها
- ويعتبر السند بصفة عامة بمثابة قرض طويل الأجل تحصل عليه الشركة من خلال الاكتتاب العام ,
- ويصدر في شكل شهادات متساوية القيمة وقابلة للتداول
قد تكون هذه الشهادات
- اسمية أي يحدد فيهل اسم صاحبها
- أو لحاملها دون تحدي لاسم صاحب الشهادة

وتتمثل أهم الفروق بين السهم والسند فيما يلي :-
1- يحق لحامل السهم الاشتراك في إدارة الشركة او الرقابة عليها ,بينما
ليس لحامل السند هذا الحق .
2- يحق لحامل السهم الحصول علي أرباح اذا حققت الشركة أرباحا فإذا لم
تحقق فلا يحصل علي شيء اما حامل السند فله الحق في الحصول علي
فائدة ثابتة سنويا بصرف النظر عن تحقيق الشركة ارباح من عدمه .
3- لا يحق لحامل السهم كأصل عام استرداد قيمة أسهمه طالما ظلت الشركة
باقية ويظل شريكا فيها بينما يحق لحامل السند استيفاء قيمة سنده في
الميعاد المحدد وبعدها تنقطع صلته بالشركة.
4- لا يحق لحملة الأسهم في حالة حل الشركة وتصفيتها استرداد قيمتها الا
بعد حصول حملة السندات علي قيمة سنداتهم والفوائد

=========================================
سوق الأوراق المالية:قطاع عام مالي متطور ينظم عملية إصدار وتداول الأوراق المالية من الأسهم والسندات وغيرها من الأوراق المالية

وينقسم سوق الأوراق المالية إلي سوقين رئيسين هما :

أ –سوق الإصدار او السوق الأولية
وهو السوق الذي يتم فيه إصدار الأوراق المالية لأول مرة من خلال العملية المعروفة باسم عملية الاكتتاب والتي تتمثل في طرح الأوراق المالية للبيع وعرضها علي الراغبين في الشراء ووفقا لإجراءات التي حددها القانون وبالنسبة للأسهم فقد يتعلق الاكتتاب بالأسهم الممثلة لراس مال الشركة المساهمة عند تأسيسها اوعند زيادة رأسمالها بعد التأسيس .
وبالنسبة للسندات فقد يتعلق الاكتتاب بسندات صادرة عن شركة اوعن شخص من الأشخاص الاعتبارية العامة التي يحق لها اصدار مثل هذه السندات .

ب- سوق التداول أو البورصة :
وهى السوق المنظمة التي يتجمع فيها العارضون والطالبون للأوراق المالية التي سبق إصدارها فى سوق الإصدار . وذلك في أوقات وأما كن محددة,وأثناء فترة عمل البورصة لبيع وشراء الأوراق المالية .
والقاعدة ان الأوراق المالية التي تسمح بتداولها فى "إطار البورصة " هي الأوراق التي استوفت الشروط المقررة , لقيدها فى البورصة , ويقصر التعامل داخل قاعة التداول على وسطاء السوق المصرح لهم بالتعامل فيها طبقا للقواعد المقررة وتحت إشراف الهيئة القائمة على إدارة "البورصة"
• ولكن الى جانب هذة السوق النظامية هناك أيضا سوق غير نظامية خارج البورصة حيث يتم تداول الأوراق المالية غير المستوفاة بشروط القيد فى البورصة ولحين إتمام إجراءات قيدها.

العلاقة بين" سوق الإصدار" وسوق التبادل أو البورصة
• فوجود بورصة نشطة وحركة تعامل قوية يؤدى إلى تشجيع المستثمرين الراغبين فى إنشاء شركات جديدة او التوسع في شركاتهم القائمة على الحصول على التمويل اللازم من خلال طرح أسهم جديدة للاكتتاب .
• ومن الناحية الأخرى يؤدى نشاط سوق الإصدار الى ضخ مزيد من الأوراق المالية فى البورصة على النحو الذي يوفر أدوات إضافية للراغبين فى توظيف مدخراتهم باستثمارها فى شراء الأوراق المالية .


أهم وظائف البورصة :
تلعب البورصة دورا رئيسيا في الاقتصاديات المعاصرة وتتمثل اهم وظائف التى تؤديها فيما يلى :
1- تعبئة المدخرات وتوجيهها الى الاستثمار فى قنوات شرعية منظمة تخدم الاقتصاد الوطني .
2- توفير سوق دائمة ومستقرة ومفتوحة للتعامل تيسيرا على المدخرين والمستثمرين .
3-توفير السيولة لحائزي الأوراق المالية اذا ما رغبوا فى بيع ما فى حوزتهم من اوراق لاحتياجهم الى النقد السائل , اما لاستخدامه فى الاستهلاك او فى الاستثمار او في اوجة اخرى .
4- توفير الضمانات اللازمة لاتمام الصفقات وفقا لقواعد محددة مبسطة وشفافة .
5- توفير مؤشرات عن حقيقة حجم النشاط ومستوى أداء الاقتصاد القومي والتى تعكسها حركة اسعار اسهم الوحدات الانتاجية المتداولة فى البورصة

البحث 2

النقود أصل في حافظة الثروة
يتحدد الطلب عليها بمدى الرغبة في ألاحتفاظ بها بالنسبة للأصول ألأخرى كالذهب
منفعة النقود تتناسب عكسيا مع كمية الأرصدة النقدية المحتفظ بها
باعتبارها سلعة معمرة و يرى أن الفرد يسعى لتحقيق اقصى منفعة ممكنة نتيجة الأحتفاظ بالنقود
كما يعتبرها أداة في المعاملات وذلك بتوفيرها للسيولة => معالجة النقود فلسفة انتاجية تساهم في العملية الأنتاجية وتشبه رأس المال
بتحديد الطلب على النقود بصورة مشابهة لطلب على أي سلعة استهلاكية وذلك من خلال 3 مجاميع :
المجموعة الأولى: قيد الميزانية ويتمثل في الثروة أو الدخل.
مفهوم الثروة عند فريدمان:
الآمكانيات البشرية المحققة للدخل من العمل و الموارد غير البشرية محققة لفوائد دخلية نتيجة الآحتفاظ بها استخدم فريدمان فعدل الثروة البشرية بالنسبة لثروة الغير بشرية بسبب صعوبة تحويلها الى نقود ،كمتغير منفصل في الدالة يرجح وجود علاقة طردية بينه وبين الطلب على النقود .
الدخل الدائم يساوي حجم الثروة مضروب في سعر الفائدة يتم ادخاله كمتغير مفسر في دالة الطلب على النقود وهو يمثل الأمكانيات المتاحة للفرد
المجموعة الثانية: وتضم معدلات الفائدة التي يمكن الحصول عليها من الأصول الأخرى وهي النقود السندات الأسهم السلع رأسالمال البشري
العملة لاتعطي عائد نقدي في حين تحققالودائع لأجل عائدا موجبا و قد تحقق الحسابات الجارية عائدا سالبا وذلك في حالة حصولالبنك على عمولة مقابل تقديمه هذه الخدمة للعميل ، اضافة الى اللأسمي تقدم الأصول النقدية عائدا ضمنيا يتمثل للقيام بلمعاملات الأمان في مواجهة الألتزامات النقدية الطارئة وهذه في قوتها الشرائية العامة ، ويعد العائد الحقيقي لكل وحدة نقدية دالة في المستوى العام للأسعار حيث يؤثر في العائد الحقيقي الممكن للحصول عليه منكل اشكال الثروة .
السندات : تعطي معدل عائد ثابت بالنسبة لقيمتها الأسمية وعادة ما يواجه المحتفظ بمكاسب أو بخسائر رأس مالية ناشئة عن ارتفاع أوانخفاض من سعر السند على التوالي و نظرا لوجود علاقة عكسية بين السعر السوقي لسند و سعر الفائدة فانه يمكن قبول نسبة التغير في سعر الفائدة مقياس مقبول للمكاسب أو للخسائر الرأس مالية و يصبح معدل العائد على السندات هو
الأسهم : تعطي عائدا حقيقيا يكون ثابت في حالة تغير العائد الأسمي ليحافظ على القيمة الحقيقية لهاذا العائد ولذلك يتكون معدل العائد على ألأسهم من معدل أسمى ثابت صاحب السهم في حالة غياب التضخم أو الكساديشار اليه بالرمز على ان يضاف اليه مقدار تعويضي يشار اليه بالمعدل وذلك في حالة ارتفاع المستوى العام للأسعار و يخصم هذا المعدل في حالة انخفاض المستوى العام للأسعار هذا علاوة على المكاسب أو الخسائر الرأس مالية المتوقعة نتيجة لتغير في سعر الرسم وبذلك يصبح معدل العائد على السهم شاملا لمجموع البنود السابقة .
السلع تعطي عائد ضمني تعتمد قيمته السمية علة ما يطرأ هذه السلع من تغير ويمكن التفسير عن معدل التغير في هذا العائد بمعدل التضخم
تغيرات نوعية وتضم أوراق وتفصيلات الفرد ومعالجته للنقود اجملها في المتغير
اذن يمكن التعبير عن دالة الطلب على النقود كالتالي


ونظرا للأن معدل الفائدة العام يوجد ضمنيا في كل من و فانه يمكن اسقاطه في الدالة و بافتراض استقرار المعدلين و فان التغير فيهما يكون يساوي لصفر و بالتالي تصبح

فاذا افترضنا أن الدالة متجانسة من الدرجة الأولى في كل منالمستوى العام للأسعار و الدخل الأسمي مرونة الطلب على النقود بالنسبة و تساوي 1 اذن المعادلة السابقة تصبح






البحث3
} نبيل نايف*
أدت الصعوبات التي اكتنفت نظام المقايضة
إلى بروز محاولات جادة للبحث عن وسيلة
مناسبة تُستعمل في التبادل بعد أن أخذ هذا
الأخير أبعادا أوسع بين المجتمعات المختلفة،
بسبب التزايد السكاني وتطور نظم الحياة
وتعقدها. فظهرت النقود وتم بذلك القضاء
على نظام المقايضة بصعوباته ومشاكله، غير
أن ظهور النقود تزامن معه طرح أسئلة عديدة،
منها: ما هي وظائف هذه النقود؟ ومم تصنع؟
ونلحظ اهتمامًا بهذا الأمر منذ عهد الإغريق
حيث إن أفلاطون قد ذكر خاصية كون النقود
ولم ،( Medium of Exchange) وسيطًا للتبادل
يشترط معدنا خاصا تسك منه النقود، لأنه كان
Intrinsic) يرى أن النقود ليست لها قيمة ذاتية
بل ذهب إلى حد مهاجمة استعمال ،(Value
الذهب والفضة في سك النقود على أساس
أن استخدامهما كنقود يؤدي إلى نتائج غير
محمودة من الناحيتين الأخلاقية والاجتماعية،
ثم تبعه أرسطو الذي كانت نظريته تختلف في
بعض الجوانب عن تلك التي اعتنقها أفلاطون،
وهي تتلخص فيما يلي:
١ - بالرغم من أن النقود لها وظائف عديدة
إلا أن الوظيفة الأساسية لها هي وساطتها في
عمليات التبادل.
٢ - النقود لا بد أن تكون ذات قيمة سلعية
في حد ذاتها وذلك لكي تؤدي الوظيفة الأولى
كوسيط للتبادل، ويعني هذا الفرض أن النقود
لا بد أن تكون شيئًا له منفعته الذاتية وله قيمته
التبادلية المستقلة عن الوظيفة النقدية.
وقد أضاف علماء الاقتصاد بعد ذلك على
مر الأزمنة إلى خاصية التبادل هذه خصائص
أخرى هي:
١ - النقود مقياس للقيم
٢ - النقود أداة لاختزان القيم
٣ - النقود أداة لقياس المدفوعات المؤجلة
النقود هي أي وسيط للتبادل ذو قابلية
عامة يتم دفعه في مقابل السلع والخدمات وفي
تسوية الديون.
كما أن النقود تعمل كمقياس للقيمة فيمكن
المقارنة في القيمة النسبية لمختلف السلع
والخدمات كما أنها تعمل كخازن للقيمة؛ فإذا
أراد شخص أن يشتري طعاما على سبيل المثال
يكفيه لمدة عام فإن أنواعاً كثيرة من هذا الطعام
ستفسد وتكون غير صالحة للاستخدام قبل
انقضاء مدة العام، ولكن إذا ما وفر هذا الشخص
النقود المطلوبة لشراء هذه الأنواع وقام بشرائها
حسب حاجته على مدار العام، فإن ما يوازي
قيمة هذا الطعام نقودًا لن يتعرض للتلف حتى
يتم استخدامها.
وعدد الوحدات النقدية التي يتطلبها شراء
سلعة ما تُسمى سعر السلعة. ودون استخدام
النقود، تهبط التجارة لما يسمى المقايضة، أي
تبادل سلعة مقابل سلعة أخرى.
في عالم المقايضة الشخص الذي يملك
ما يتاجر به يجب أن يبحث عن شخص آخر
يريد هذا الشيء. وعنده شيء مقبول يعرضه
في المقابل. أما في عالم النقود، فهناك الدور
الذي تلعبه "القابلية العامة"، أي أن مالك السلعة
يبيعها في مقابل النقود والتي سيتقبلها منه أي
شخص آخر في مقابل شرائه لسلعة يحتاجها،
وبذلك يتجنب الوقت والجهد الذي كان سيبذل
ليصل لشخص عنده المقايضة المطلوبة.
والقيمة الحقيقية للنقود تتمثل في قدرتها
الشرائية والتي هي بدورها تعتمد على مستوى
سعر السلع (علاقة عكسية).
وأهم نوعين للنقود
نقود سلعية: قيمتها تقريبا تساوي قيمة
المادة المحتوية عليها، عادة ما تكون ذهباً فضة
أو نحاساً.
نقود ائتمانية: وهي أوراق مدعمة بوعود
ممن أصدرها سواء أكان حكومة أو بنكاً لسداد
ما يساوي قيمتها نقدا.
لم يكن سكان العالم القديم يعرفون النقود
قبل ( ٥٠٠٠ ) عام، بل كان الشخص يحصل على ما
يريد بالتبادل… إما حاجة لقاء حاجة أو خدمة
لقاء حاجة أو خدمة لقاء خدمة.
وفي القرن السابع ق.م ظهرت أولى القطع
النقدية في مدينة ليديا في آسيا الصغرى
(الواقعة على الطريق بين اليونان والشرق) وقد
ارتأى سكان ليديا تسهيل عمليات
بيع وتبادل البضائع المختلفة
بقطع نقدية تحمل شعار المدينة.
وفي حوالي نفس الوقت
ظهرت النقود الإغريقية
(اليونانية) وكانت تسمى (دراهم)
كل درهم على شكل سلحفاة وزن
الواحد منها ستة غرامات. وقد
ظهرت أولى الكتابات على النقود
الإغريقية في القرن السادس ق.م.
إن الحاجة للسلعة بالإضافة
إلى توفر الفائض منها هو الذي
يحدد قيمة هذه السلعة بشكل
أساسي، فكأس الماء بالنسبة
لرجل مشرف على الموت
عطشاً له قيمة أكبر من مليون
لتر لرجل لديه نهر ماء.
إن تحديد القيمة
النقدية لأي شيء تابع للجهة
التي تقوم بهذا التحديد،
بالإضافة إلى طبيعة
وخصائص هذا الشيء،
وتحديد قيمة سلعتين
بالنسبة لبعضهما غير
ممكن إذا لم تحدد الجهة
المرجع لهذا التحديد،
لذلك تتغير قيمة
السلع أو الأشياء
تبعاً لتغير مرجع
القياس. فالذهب
والدولار لهما
قيمة عالية لأغلب
الناس ولكن
ليس بالنسبة
لرجل غابات
ا لأ ما ز و ن
البدائي. وقد قال
أرسطو أن التبادل
لا يمكن أن يجري دون القياس
المشترك للأشياء التي يتم التبادل بها، وهذا هام
جداً. فالقياس المشترك أو تحديد القيم للأشياء
التي يتم التبادل بها هو الذي يسمح بالمقارنة
والقياس بينها، وبالتالي تحديد قيمة كل منها
بالنسبة للأخرى، وقد كان للنقود - وهي وحدات
القيمة الموحدة والعامة بين الجماعة- دوراً
في تسهيل القياس المشترك للسلع التي يجري
تبادلها.
يمكن اعتبار دور سيالات النقود في
المجتمع البشري كدور سيالات الدماء في الكائن
الحي، فهناك تشابه في بعض النواحي، وهناك
فرق أساسي فسيالات النقود لا تغذي البنيات
الاجتماعية أو الأفراد مباشرةً، فهي تقوم بهذا
بطريق غير مباشر كوسيط أو مساعد. فدور
النقود الأساسي هو تسهيل وتنظيم وتسريع
الصفقات والتبادلات، بالإضافة إلى المساعدة
والتشجيع على الإنتاج والنمو. فالنقود يمكن
اعتبارها سلعاً وهمية أو سلعاً وسيطة تقوم
بإنتاج أو المساعدة على إنتاج السلع الحقيقية.
􀃗 لنقو 􀃏 بنية
هناك البنيات الفيزيائية والبنيات
الحية والبنيات الفكرية والبنيات الاجتماعية
والبنيات التكنولوجية ......الخ، وخصائص
البنيات الفيزيائية تشمل البنيات الكيميائية
والفزيولوجية والعصبية، ولكنها لا تشمل
البنيات الشعورية أو النفسية أو الفكرية فهذه
البنيات لها خصائصها المميزة والتي تختلف
عن خصائص البنيات الفيزيائية، فالبنيات
الفكرية لا تخضع للكثير من القوانين والآليات
التي تخضع لها البنيات الفيزيائية.
وبنية النقود هي أيضاً بنية مختلفة عن
البنيات الفيزيائية بالإضافة لاختلافها عن البنيات
الفكرية، فهي لها خصائصها الخاصة بها، فهي
تتشابه
مع
البنيات الفكرية
في بعض الخصائص،
وتتشابه أيضاً مع البنيات
الفيزيائية في بعض الخصائص،
ولكن يظل لها خصائصها المميزة
والخاصة بها وحدها.
ومن أهم خصائص بنية النقود قدرتها على
التحول إلى الكثير من البنيات الأخرى إن كانت
مادية أو حسية وفكرية أو تكنولوجية، وكذلك
تسمح للكثير من أنواع البنيات الأخرى بالتحول
إلى نقود. وآليات نشوء وتكون النقود ونموها
وتطورها وموتها تختلف في بعض النواحي عن
باقي البنيات.
وقد كانت النقود في تفاعلها مع بعضها
ومع باقي أنواع البنيات الأخرى، مثل الأفراد
والبنيات الاجتماعية والتكنولوجية، قد أنشأت
البنيات التجارية والاقتصادية المتطورة مثل
البنوك والشركات والأسواق والبورصات وكل
ما يشمل الاقتصاد الدولي والسياسي.
إن بنية النقود وباقي البنيات الاقتصادية
لا يمكن أن تنشأ دون البنيات المادية، والبشر
وباقي البنيات الاجتماعية الأخرى، أي أن البشر
هم بنيات تحتية لبنية النقود.
فيمكن للنقود أن تكون بديلاً للكثير من
أنواع البنيات وهذه أهم خصائص بنية النقود.
والخاصية المميزة الأخرى للنقود هي
طريقة نشوئها أو خلقها فيمكن أن يتم ذلك
بطرق متنوعة و غريبة ومختلفة عن خلق أو
تكون البنيات الفيزيائية، فيمكن خلق النقود من
العدم. ويمكن أن تتكاثر وتنمو أو تموت بطرق
مختلفة.
وإن نشوء عملية إقراض النقود أو
استئجارها لفترة زمنية سمح بتشكل الكثير من
أنواع البنيات الاقتصادية المعتمدة على النقود
كأساس.
والتحكم بالنقود وإدارتها بتحريكها
وتحويلها إلى بنيات أخرى وبالعكس
خلق أغلب البنيات الاقتصادية، وكذلك
نماها وطورها. فعمل التاجر والرأسمالي
والمدراء.... هو إدارة النقود والموارد
الأخرى ومفاعلتها مع البنيات الأخرى،
لبناء أو تطوير أو نمو البنيات والمشاريع
بكافة أشكالها.
إن نمو وتكاثر النقود لا يمكن أن يتم
دون جهد بشري، يعمل على نمو البنيات
التي تتحول إليها النقود، أي الإنتاج
الزراعي أو الصناعي أو الفكري .. وإلا
تحول إلى نمو رقمي فارغ - تضخم
نقدي.
إن أهمية النقود والبنيات
الاقتصادية الأخرى بالنسبة لنا هي
مساهمتها الفعالة في رفع القدرات
البشرية وتنظيمها. فهي تعمل على
إدارة العجلات الاقتصادية، وذلك
من خلال التنافس على الربح
والنمو الذاتي والجماعي،
وتنمية البنيات المادية
والاجتماعية والفكرية.
كما ذكرنا، فإن أهم
خصائص النقود هي
قدرتها على التحول
إلى أنواع كثيرة
من البنيات المختلفة،
فتستطيع النقود أن
تتحول إلى بيت أو
سيارة أو طعام أو أي
شيء إذا كانت الأوضاع
والعناصر مناسبة
وتسمح بذلك.
وكذلك تستطيع
أنواع كثيرة من
البنيات أن تتحول
إلى نقود, فالبنيات
المادية والتكنولوجية
والزراعية والحيوانية والفكرية
يمكن أن تتحول إلى نقود أو العكس.
فبواسطة النقود وقدرتها على التحول
إلى بنيات أخرى نستطيع أن نختصر الزمن
ونقوم بالحصول على البنيات التي نريد
بسرعة. يقولون "شراء العبد ولا تربيته" إي
يمكننا بواسطة النقود شراء العبد فوراً ولا
ننتظر تربيته سنين طويلة، وكذلك شراء المزرعة
أو المصنع أو المنزل. ونستطيع الآن شراء
المعرفة والخبرة، ونحقق نقطة انطلاق متقدمة
لنا لتحقيق أهدافنا، وكل ذلك بالاعتماد على
خصائص النقود. يمكن اعتبار النقود- الآن-
سلعاً وهمية لأنها خلقت من العدم، ويمكن
تشبيهها بالقيم السالبة.
إن مفهوم الدَيْن هو الذي خلق النقود،
وبإصدارها فهي تكون على شكل دين على الذي
يصدرها، فعندما نخلق نقوداً (أي نصدرها)
نعطيها قيمة. إنها دين يجب تسديده، ففي
النهاية يجب أن تعود هذه النقود وتتحول إلى
سلع أو خدمات، أي يسدد مقابلها. طبعاً هذا
وضع النقود في الوقت الحالي أما في الماضي
فكانت النقود تحمل قيمتها معها، فهي كانت
المادة العينية سلع أو ذهباً أو فضة....الخ ولم
تكن ديناً.
والنقود إذا لم يتم الاعتراف بها من قبل
الجماعة التي تتداولها، ووجود ضمان إمكانية
تسديد قيمتها، تفقد قيمتها ويتوقف تداولها.
فالنقود خلقت من العدم والذي سمح بذلك هو
وجود فائض في الموارد و الإمكانيات، بالإضافة
إلى توفر المعارف المستقبلية الدقيقة ووجود
ضمان قوي للصفقات المؤجلة، وإذا لم يتوفر
كل ذلك تفشل عملية خلق النقود فتعود وتموت.
وعملية خلق النقود هي عملية دين، ودور الدين
هام جداً في تسهيل وتسريع عمليات التبادل في
الصفقات غير المنجزة.
فالنقود هي مرجع موحد أساسي للتقييم
لدى الجماعة التي تتداولها. لقد أصبحت
غالبية الأشياء تقيم بالنقود، فالعمل والجهد
الجسمي والفكري المبذول يقيم بالنقود، وكذلك
الأحاسيس والمشاعر وكافة الفنون يمكن أن
تقيم بالنقود. فالنقود أصبحت مرجع أغلب
التقييمات البشرية، وصار يقال لكل شيء ثمن
ويقاس بالنقود. ولكن تبقى بعض الأشياء خارج
هذا التقييم مثل بعض السلع والخدمات الفردية
والجماعية، وكذلك بعض المشاعر والأفكار
والفنون.
إن التجارة وكافة أشكال الاقتصاد هي
حركات لتحولات النقود إلى بنيات أخرى
والعكس، وهذه الحركات والتحولات مقيدة
بآليات أو قوانين معينة. فالرأسمال في الوقت
الحاضر يمكن أن يتحول إلى معرفة وإعلام،
ويمكن أن يتحول إلى تكنولوجيا.
والذي يملك القدرة على التحكم بالرأسمال
الكبير يستطيع التعامل والتحكم بخيارات
كثيرة، فهو يستطيع حتى شراء الخيارات
والقدرات (يجب أن نلاحظ أن الذي يقود التحكم
بالرأسمال هو في النهاية المعرفة وبالتالي
الإدارة) وهذا يعقد الوضع فهناك حلقات من
التأثيرات المتبادلة- تغذية عكسية- حاصلة بين
المعرفة والتحكم والإدارة من جهة، والقدرات
والخيارات من جهة أخرى.
إن التحكم بالرأسمال ليس تابعاً لإرادة
الأفراد فقط، فهو تابع أيضاً لأنظمة وقوانين
وتأثير الكثير من البنيات الأخرى مثل البنيات
الاجتماعية والسياسية والقانونية والعقائدية،
فإذا كان لديك المال الكثير فأنك لا تستطيع
أن تفعل به ما تشاء، فهناك الكثير من الموانع
والكثير من الالتزامات التي تفرض عليك، فإن
جريان سيالات النقود ونموها وتطورها تابع
أيضاً لآليات وقوى خارجة عن قدرات الأفراد.
لقد شاركت بنية النقود وباقي البنيات
الاقتصادية في التفاعلات التي تشكل البنيات
الاجتماعية، فلم يعد إنتاج السلعة واستهلاكها
هو المؤثر الأساسي في البنيات الاجتماعية فقد
دخلت تأثيرات النقود وباقي البنيات الاقتصادية
في التفاعلات التي تشكل وتطور وتنمي البنيات
الاجتماعية, فالتجارة والأسواق والاستثمار
والبنوك والشركات والبورصات.... صارت تؤثر
على البنيات الاجتماعية بالإضافة لتأثيرها على
الأفراد.
وهذا ولد بنيات وعلاقات اجتماعية
واقتصادية جديدة، وكذلك ولدت أو تشكلت بنيات
اقتصادية جديدة متطورة ومعقدة، ثم عادت كل
هذه البنيات ودخلت في التفاعل، لتشكل بنيات
جديدة, ومازال هذا التفاعل جارياً.
لقد كان يفسر نشوء الرأسمالية بالنسبة
الكثير من الغربيين أنه راجع لأخلاق وأسلوب
ومنهج حياة المسيحيين البروتستانت المعتمدة
على الادخار والعمل، وأن الحضارة الغربية
مميزة وفريدة. هذه وجهة نظر.
ويمكن اعتماد وجهة نظر أخرى وهي أن
الرأسمالية هي بنية معقدة ومتطورة نشأت
بشكل أساسي من تفاعل بنية النقود التي تملك
الخاصية المميزة وهي القدرة على التحول إلى
أغلب الأشياء، مع البنيات الاقتصادية المتطورة
مثل البنوك والمصانع والشركات، التي كانت قد
نشأت نتيجة وجود النقود.
فالرأسمالية كانت ستنشأ حتماً، فهي نتيجة
تطور بنية النقود. وهي مثلاً لم تنشأ في الصين
مع أن حضارتها متطورة بشكل كبير ومتقدمة
على الحضارة الغربية في نواحي كثيرة، وذلك
بسبب اختلاف نوع وكمية الصفقات التي تجري
في كل منهما. فالصفقات غير المنجزة الكثيرة
والمتنوعة التي وجدت في الغرب والتي لم تكن
موجودة في الصين هي التي طورت البنيات
الاقتصادية المتطورة- البنوك وغيرها- اللازمة
لنشوء الرأسمالية.
فالصفقات التي كانت تجري في الكثير
من المدن والمراكز الغربية في مجال التجارة
والصناعة، كانت أغلبها صفقات غير منجزة،
وكانت مع أطراف متنوعة كثيرة وعبر بلدان
كثيرة، وهذا لم يوجد في الصين. فهذا أدى
لنشوء وتطور البنيات الاقتصادية اللازمة
لنشوء الرأسمالية.
* كاتب سوري في العلوم الانسانية
Saturday 2007/9/ السبت 1 OÉ°üàbG 8
من المقايضة الى المال

moh.2000
18-04-2009, 15:53
السلام عليكم
بحث حول البطالة
المقدمة
تعتبر التنمية القضية الأولى لجميع الشعوب المختلفة التي تتطلع الى التحديث و التطوير و
النمو ، و معركة التنمية هي بحق معركة حياة أو موت بالنسبة للأمة العربية بالدات التي
يواجه و جودها أكبر تحد عرفته في تاريخها ، و هده التنمية حدث فيها أزمة و أزمة التنمية
العربية الراهنة تتلخص في حدوث نمو في الناتج القومي الاجمالي دون أن يصحب دلك تطور
في القاعدة الانتاجية المادية ، بحيث يصبح النمو في هده القاعدة دا طبيعة متجددة داتيا ، و
نشير الى أن المصادر التي اضطلغت بدور في حدوث استمرارية هده الأزمة : مفهوم التنمية
التقليدي و النمودج المرتبط به ، و كسار المتغير النفطي و العلاقة غير المتكافئة مع مراكز
النظام العالمي ، و ضعف خاصئص القاعدة البشرية العربية ، و تقوم هده المصادر فرادى و
مجتمعة بأدوار متداخلة في هده الأزمة و في استعصائها على الحل .
و نقوم في هدا البحث بتوضيح بعض جوانب هده الأزمة و مصادرها و ابراز اطار نظري
لتجاوز هده الأزمة يقوم على مفهوم شمولي للتنمية على أنها تشير الى مشروع حضاري
عربي يحقق نموا اقتصاديا متجددا في كل قطر عربي يؤدي الى تزايد فرص التضامن العربي
بما يضمن الوصول الى التعديل التدريجي في مكانة العلاب داخل النظام العالمي الجديد . و
يستهدف هدا المشروع الوفاء بالحاجات الأساسية للمواطنين العرب ماديا و معنويا ، بما يقود
الى تحسن مستمر في نوعية الحياة لهؤلاء المواطنين ، و تحقيق العدالة الاجتماعية في اطار
من الديموقراطية و المشاركة الشعبية الواسعة و التكامل الحقيقي بين الأقطار العربية و كيف
أن الفهم الخاطىء و التكيز على جوانب دون أخرى يؤدي الى حدوث انقسامات فكرية و
سياسية و اقتصادية و أهم مشكلة نجمت عن هده الازمة هي البطالة حيث نعرفها و نبين
أسبابها و أنواعها و أسباب عجز الدول عن امتصاصها و أهم الآراء المقترحة بما يكفل
القضاء على مشكلة البطالة ، كما سنبين طريقة التنمية الداتية و التي نقصر الحديث فيها على
أهم وسيلة و رغم أنها للآن غير متحققة ألا وهي بنوك شعبية بلا فوائد ثم نتطرق للحديث عن
الدخول و تنظيمها و تعبئة المدخرات الفردية و سوف نشير الى نمودج مقترح يتمثل ببنوك
محلية بلا فوائد و نقوم بعد دلك بعملية تقييم لهدا النمودج المقترح ، و أخيرا سوف نعود
للحديث عن أبرز عدو للدخل و هي ضريبة الدخل و الأفراد المشمولين بها ثم نأتي على
بعض الاعفاءات و التسهيلات .
هدا فيما يتعلق بموضوعات البحث و كنت قد ختمت هدا البحث بآراء لمجموعة من
الاقتصاديين الأردنيين يعرضون خلاصة خبراتهم النظرية و العملية في مجال اختصاصاتهم ،
اقتص
انها وثيقة كبيرة تضم نمادج من التفكير الاقتصادي في الاردن سواء ممن تولى مناصب من
مواقع المسؤولية أو غيرهم من الاقتصاديين و يتم دلك عن طريق اجاباتهم و عن تساؤلات
طرحت حول قضايا مستجدة و مشاكل و الحلول المناسبة لها .
البطالة :
تعتبر البطالة من المظاهر العالمية غير أن حجمها يتفاوت من بلد لآخر كما تتفاوت درجة
المعاملة الانسانية التي يتلقاها الفرد العاطل من مجتمعه و نسبة العاطلين في أي مجتمع تعتبر
مقياس هام لمستوى الصحة النفسية التي يعيشها السكان و قد عرفت البطالة بأنها " حالة خلو
العامل من العمل مع قدرته عليه بسبب خارج عن ارادته " ، أما منظمة العمل الدولية فقد
عرفت المتعطلين عن العمل بأنهم " الأشخاص الدين هم في سن العمل و الراغبون فيه و
الباحثون عنه لكنهم لا يجدونه في فترة الاسناد " .
أسباب البطالة :
١. ثقافة العيب .
٢. أزمة الخليج .
٣. العمالة الوافدة .
٤. ضعف الاستثمار .
٥. ندرة رأس المال .
٦. الركود الاقتصادي .
٧. ضعف المبادرة الفردية .
٨. سوء التخطيط التعليمي .
٩. ارتفاع تكاليف الجهاز الاداري .
١٠ . تزايد خريجي النظام التعليمي .
١١ . ازدياد النمو السكاني بتسارع .
١٢ . عدم تنظيم و تنسيق سوق العمل .
١٣ . التباطؤ التنموي في النشاط الاقتصادي .
البطالة في الدول التي تعتمد على نظام السوق
يقصد بالبطالة عادة في المفهوم الاقتصادي عدم استيعاب أو استخدام الطاقات أو الخدمات
البشرية المعروضة في سوق العمل ، و يقصد بسوق العمل المكان الدي ينعكس فيه آراء
الأفراد التي تتخد بحرية فيما يتعلق بوضع خدماتهم تحت تصرف آخرين بمقابل أي أجر ، و
في سوق العمل تتلاقى هده القرارات مع قرارات هؤلاء الدينفي حاجة الى خدمات الأفراد .
فالبطالة بهدا المفهوم تعني عدم استخدام القوى البشرية التي تعتمد في حياتها المعيشية اعتمادا
كليا على الأجر أي على تقييم الغير لها بالرغم من حريتها القانونية .
أنواع البطالة حسب مسبباتها
المجموعة الأولى
١. بطالة ترجع الى عدم القدرة على العمل نتيجة عجز جسماني أو عقلي مثلا .
٢. بطالة ترجع الى عدم الرغبة في العمل نتيجة أسباب نفسية أو اضطرابات .
المجموعة الثانية
١. بطالة بالرغم من وجود مجالات عمل و لكن ترجع الى ضعف أو سوء تنظيم سوق العمل
.
٢.بطالة ترجع الى عدم وجود مجالات عمل أي عدم قدرة رجال الأعمال على منح مجال
للعمل و قد يكون دلك لأسباب عديدة تتصل بأوضاع اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو
نفسية .
ان البطالة سمة من سمات نظام السوق و مرتبطة بهيكله و يتوقف حجمها على مدى فاعلية
الدول و سياستها في القضاء على مظاهرها و التقليل من آثارها في الوقت المناسب . و لدلك
فان معظم الاقتصاديون في هده الأنظمة يقرون أن البطالة هي الثمن الدي تدفعه هده النظم
للابقاء على العامل حرا . . . فالعطالة هي ثمن الحرية و التخلص من الرق و الاستعباد .
البطالة في الدول النامية
عند الحديث عن البطالة فاننا نشمل الأردن معها ، و نلاحظ أن وضع مشكلة العطالة في
الدول النامية عن الدول الصناعية فقد سبق أن أوضحنا أن مشكلة العطالة كمشكلة اقتصادية لم
تظهر أهميتها الا في خلال القرن الأحير و خاصة في الدول التي عاصرت الثورة الصناعية
و بداية النظام الرأسمالي أي في الدول التي استطاعت الاستفادة من تطور التكنولوجيا ، هدا
في حين كانت الدول النامية في مرحلة الثورة الصناعية و ما بعدها جاثمة تحت سيطرة
الاستعمار بحيث لم يتسن لها بالتالي الاستفادة من نتائج الثورة الصناعية و ما أعقبها من
تطور سريع متلاحق في التكنولوجيا .
الملامح الاقتصادية المميزة لاقتصاديات الدول النامية
١.ان أهم ما يميز الدول النامية عموما هو ازدواج الهيكل الاقتصادي أي وجود قطاعين
أساسيين كل منهما بجوار الآخر و لكنهما يختلفان تماما في التنظيم و في وسائل الانتاج .
٢. ثاني الملامح المميزة لاقتصاديات الدول النامية هو الاعتماد الكبير على التجارة الخارجية
. فكل أو معظم السلع الصناعية سواء الاستثمارية أو الاستهلاكية دات مرجع خارجي .
٣. آخر الملامح و أهمها هو انخفاض الدخل القومي للفرد ، حيث أن الدخل القومي يمثل
الناتج الناشىء من تفاعل و نشاط جميع القوى الاقتصادية في المجتمع مع ملاحظة الحرص
التام في استخدام هدا المؤثر عند عمل المقارنات الدولية .
أسباب عجز القطاع الحديث عن امتصاص البطالة في الدول النامية
١. ادا كان الانتاج للتصدير ، فان مقابلة احتياجات السوق العالمي من حيث نوع السلع
المنتجة و كميتها يفرض بالضرورة استخدام التكنولوجيا الحديثة التي تتصف بكثافة عالية
لرأس المال ، سواء كان دلك في قطاع الصناعات الانتاجية أو في قطاع السلع الاستهلاكية .
٢.ادا كان الانتاج للسوق الداخلي :
• فان معظم حكومات الدول النامية تفرض حدا أدنى للأجور ، فارتفاع الأجور سيؤدي
لتوسيع قاعدة العمل و استبدال رأس المال بالعمل حتى و لو كان دلك ممكنا .
• ان تشجيع انتاج السلع التي تحل محل السلع المستوردة يتطلب اللجوء الى كثافة رأسمال
في أسلوب الانتاج .
• انخفاض المستوى الفني و التعليمي للعمال يحول دون احلال الآلات بالعمال .
أهم الآراء الخاصة بالتنمية الاقتصادية بما يكفل القضاء على مشكلة البطالة
١. زيادة حجم الاستثمارات و رفع معدلاتها مع الاهتمام بامكانيات رفع نسب العمالة ( عمال
) و دلك بتعديل أساليب الانتاج و تغيير مكزنات الناتج بما يتناسب مع الأسعار النسبية لكل
من رأس المال و العمل . . أو بمعنى آخر مراعاة التكلفة الاجتماعية الخاصة باكتشاف وسائل
انتاج مناسبة لظروف المجتمع .
٢. وضع برامج محددة و واضحة على المستوى المحلي و القومي لتشغيل العاطلين و زيادة
الانتاج و تكوين رأس المال بتوجيه العاطلين الى العمل في مجالات انتاج لا تحتاج سوى
أدوات مساعدة يمكن أيضا ايجادها مثل حفر الترع و القنوات و المصارف .
٣. زيادة انتاجية الموارد التي تتصف بندرة نسبية في المجتمع حتى يتسنى زيادة المعروض
من السلع المنتجة سواء سلع استهلاكية أو انتاجية لتدعيم عمليات تشغيل العاطلين . و لدلك
يجب أن تهتم الحكومات و رجال الأعمال بوسائل تدريب المديرين و المشرفين و اشعارهم
بأهمية وسائل الكفاية و رفع الانتاجية .
٤. اتخاد الاجراءات المناسبة لتسهيل حركة انتقال الأيدي العاملة من مهنة الى أخرى ، و
ازالة ما يعترض هده الحركة من صعوبات تتعلق باعتبارات اجتماعية أو نفسية معينة أو
ادارية ، و تحقيق نمو متوازن في نسب العمالة في جميع المناطق باتباع سياسة مناسبة
لتوطين الصناعة وفق ظروف كل منطقة .
٥. اتخاد الاجراءات و الوسائل لزيادة عائد الصادرات و تجنب التقلبات العنيفة في هدا العائد
و تشجيع الاستعانة برأس المال الأجنبي حتى لا تتعرض سياسات العمالة الى صعوبات تؤدي
الى فشلها نتيجة اختلال في ميزان المدفوعات في الدولة .
٦. و أخيرا فان مستوى حجم الاستثمارات و بالتالي مدى سرعة التغلب على العطالة أو مدى
امتصاص العاطلين يتوقف على مدى كفاية رأس المال اللازم لحجم الاستثمارات المطلوبة و
اتخاد الوسائل الكفيلة بتقييد الاستهلاك و اعادة توزيعه بحيث تتجه كل زيادة ممكنة من الناتج
القومي الى الاستثمار ، و في مقدمة هده الوسائل اتباع سياسة مالية فعالة و سياسة هادفة
للأجور و سياسة ادارية حازمة .
طريقة التنمية الداتية في الدول النامية
بنوك شعبية بلا فوائد
لقد كثر الحديث عن مشاكل المناطق النامية و الصعوبات التي تعترضخطط التنمية ، لا سيما
مشاكل التمويل بصفة خاصة باعتبارها الأساس اللازم لمواجهة المتطلبات الاستثمارية
المتنوعة في كافة المجالات ، و تختلف وجهات النظر بشأن التوصيات و المقترحات التي
ينبغي على الدول النامية الأخد بها للتغلب على مشكلة التمويل و الطريق الدي ينبغي سلوكه
لتحقيق التنمية ، و لن يتسع المجال هنا لمناقشة مختلف الآراء و تباين فاعلية كل وسيلة
بالمقارنة بالوسائل الأخرى . و لكن نكتفي بملاحظتين :
• ان المدخرات الفردية الاختيارية كوسيلة تمويل لم تحظ حتى الآن بالاهتمام أو البحث الدي
حظيت به جميع وسائل التمويل الداخلية الأخرى و خاصة الاجبارية ، و لعل دلك يعود
أساسا لعاملين :
١. التأثر الكبير الدي أحدثته الآراء الاقتصادية ، و النظريات الاقتصادية الحديثة التي ظهرت
بالدول المتقدمة صناعيا ، و التي تربط الدخل بالادخار ، و اعتبار الميل الحدي للاستهلاك
مع كل زيادة في الدخل في الدول النامية مسلمة .
٢. الدور الدي قامت و لا تزال تقوم به أجهزة التمويل في هده الدول سواء الغربية منها أو
الشرقية ، فمن الثابت أن معظم الدول الغربية اعتمدت في مرحلة تكوين رأس المال مالها –
بالاضافة الى المدخرات المغتصبة من المستعمرات – على المنظمين و أصحاب الدخول
الكبيرة الدين يتميزون بارتفاع الوعي المصرفي بينهم و يكونون قاعدة كبيرة نسبيا مند بدء
النهضة الصناعية و تطورها ، و من الثابت أيضا أن دول المعسكرالشرقي كونت رأس مالها
عن طريق المدخرات الاجبارية .
• عدم التعرض لبحث و تبيان آثار نشاط أجهزة التمويل و المؤسسات التمويلية على النواحي
الخلقية و الاجتماعية في المجتمعات النامية و التي تمثل مشاكلها العقبة الكؤود في مواجهة
التنمية .
ان مناقشة هاتين الملاحظتين يتم بتحليل المدخرات الفردية الاختيارية كمصدر تمويل أولا ثم
معرفة آثار هدا المصدر على النواحي التربوية و الاجتماعية ، ثم نبحث في كيفية الاستفادة
من هدا المصدر و وسيلة تفجيره بأسلوب يتفق مع مثلنا و مبادئنا و معتقداتنا ( أي بدون سعر
فائدة و الدي يمثل السلاح الرئيسي الدي تعتمد عليه أجهزة الدول الأخرى في جدب المدخرات
الفردية ) ، و سنخص الحديث هنا عن الآثار على المجتمع و عن النمودج المقترح للاسفادة
من هدا المصدر .
متطلبات تعبئة المدخرات الفردية أو تنظيم الدخول الفردية
١. وجود وعي مصرفي بين الأفراد بمعنى احساسهم بوجود أجهزة التمويل و نشاطها و
اقتناعهم بالتعامل معها ، مما يتطلب استخدام وسائل كسب ثقة الأفراد و تدريب العاملين في
الجهاز على معاملة الجماهير و كسب صداقتهم و اتقان وسائل الجدب .
٢. وجود وعي ادخاري بمعنى احساس الأفراد بأهمية الادخار كأحد مستلزمات الحياة أي
وجود دوافع ادخاريةقوية و يتطلب دلك اثارة مستمرة للدوافع الادخارية مع جدب الأفراد عن
طريق أداء خدمات لازمة لهم في سهولة و يسر .
٣. وجود مزايا بالجهاز تدعم تحقيق الدوافع الادخارية و تنحصر في ثلاث دوافع رئيسية :
دوافع الطمأنينة و الأمن ، و دوافع الربحية ، و دوافع رفع مستوى المعيشة
٤. عدم وجود صعوبات تعترض استمرار السلوك الادخاري و هده الصعوبات قد تكون بعد
المسافة و مشقة الانتقال أو المعاملة و الخوف و للتغلب على هده الصعوبات يجب اتباع
الوسائل المناسبة و السريعة و التي يجب بالضرورة أن تتميز بركيزتين هامتين هما الأسلوب
و الطابع المحلي .
و سنعرض فيما يلي اقتراحات لنمودج يمثل شكل الأجهزة المحلية اللازمة و نظامها مع تحليل
لفلسفة نظامه و الاسس الاقتصادية التي تحكم نشاطه مع افتراض تحقيق الاعتبارات الخاصة
ب الأسلوب الواجب اتباعه سواء في خلق الوعي المصرفي الادخاري أو تدليل الصعوبات
التي تعترض استمرار السلوك مع العلم بأن النظم الخاصة بالنمودج المقترح تساهم بدورها
كما سترى في هده العمليات .
بنوك محلية بلا فوائد كنمودج مقترح
و يتضمن نمودج الجهاز المقتح ( و نسميه هنا بنكا
محليا أو بنكا للتمويل المحلي ) ثلاثة أنواع من
الحسابات نوجزها فيما يلي :
أولا - حساب الادخار و الاقراض
في هدا الحساب يقبل البنك المحلي مدخرات الأفراد كبيرها و صغيرها مهما قلت قيمتها ابتداء
من خمسة قروش بدون فوائد و يكفل البنك حرية الايداع و السحب في أي وقت لأي مبلغ و
للمودع في هدا الحساب الحق في الاقتراض لغرض انتاجي يعود عليه و على المنطقة المحلية
بالنفع على أن يكون تسديد هدا القرض بدون فائدة ادا كان القرض صغيرا و بمشاركة في
عائد استخدام القرض ادا كان القرض كبيرا على أن يراعى وجوب استثمار القرض داخل
المنطقة المحلية و أن تثبت الدراسة التي يقوم بها البنك ارادته و كدلك المدخرين الفقراء الدين
يتعرضون لصعوبات أو مصائب مفاجئة فان لهم الحق في الاستفادة من أموال الخدمة
الاجتماعية و الزكاة التي سيأتي الكلام عنها و من المزايا الواضحة في هدا الحساب عدم
التعامل بالفائدة و تقديم المشورة الفنية للعملاء دون مقابل و سرعة و سهولة السحب و الايداع
و استخدام وسائل تجميع المدخرات الصغيرة كالطوابع و الحصالات و دواليب الادخارات و
المندوبين و المحافظة على مدخرات و أداء الخدمات المتنوعة للعملاء كدفع
الالتزامات الدورية نيابة عنهم .
ثانيا – حساب الاستثمار أو المشاركة
يودع الأفراد أموالهم في هدا الحساب مساهمين
في المشروعات الانتاجية الانتاجية التي بقوم بها
البنك منفردا أو مشاركة مع أفراد أو مع السلطات المحلية في المنطقة و يعتبر المودعون
شركاء في عائد استثمارات البنك كل حسب قيمة ودائعه و مدة ايداعها و يعتبر استخدامات
الأموال المودعة في هدا الحساب أهم مصدر لتغطية المصاريف الادارية و تغدية حساب
الخدمة الاجتماعية و يتم توزيع الارباح على المودعين بغد اعلان الميزانية مباشرة ، و يجوز
للعميل سحب ما يستحق له في نهاية العام بعد اخطار البنك بمدة كافية ،
و يراعى عند قيام البنك بالمشروعات الانتاجية عدة اعتبارات أهمها :
١. أن تثبت الدراسة الاقتصادية حاجة المنطقة المحلية الى قيام المشروع
٢. أن تثبت الدراسة الفنية توافر عوامل نجاح المشروع و ربحيته .
٣. ألا يزيد المستثمر في كل مشروع عن نسبة معينة من مجموع الايداعات و لتكن مثلا ١٥
% مراعاةلتوزيع المخاطر .
٤. أن يراعى في المشروع اعتبارات الصالح العام و عدم منافاته للمبادىء الأخلاقية في
المجتمع .
ثالثا – حساب الزكاة و الخدمة الاجتماعية
تودع في هدا الحساب أموال الزكاة و الصدقات و التبرعات و الهبات التي تجمع من أهالي
المنطقة بالاضافة الى جزء من عائد استثمارات البنك ، و تستخدم أموال هدا الحساب في
مجموعها للوقوف بجانب المدخرين الدين يتعرضون لأزمات و الغارمين في عمليات
الاقراض و في تنفيد بعض مشاريع الخدمات المساعدة التي قد تكون لتدعيم النهوض بالمنطقة
و يتوقف دلك على طبيعة مصادر الأموال المتجمعة فأموال الزكاة تنفق في مصارفها وفق
الشروط التي حددتها الشريعة و الأموال الأخرى لتدعيم البنك في مجالات الاقراض و
الاستثمارات و المحافظة على سيولة البنك و تدعيم تحقيق أهدافه و خاصة كفالة الطمأنينة
للمدخرين باعتبارهم يمثلون الفئات المكافحة التي تعتمد على نفسها دون أن تكون عالة على
الغير أو المجتمع و معاونة المحتاجين بالمنطقة ليصبحوا قادرين على الكسب بمجهودهم و
غير دلك من معالجة المشاكل الاجتماعية .
تقييم النمودج المقترح
تتوقف أهمية أي جهاز تمويل على
مدى قدرته في تجميع الودائع أو
المدخرات من ناحية و على قدرته على توظيف الأموال مع المحافظة على القاعدة الدهبية (
السيولة ، الربحية ، الضمان ) من ناحية أخرى و الأهم على قدرته في المساهمة لعلاج
مشاكل المجتمع من ناحية ثالثة .
١. تجميع المدخرات و الودائع ، حيث انفرد النظام المقترح بقدرته على جدب مدخرات جميع
الفئات مهما اختلفت دوافعهم من خلال التفرقة الواضحة بين المدخرين الدين يدخرون أساسا
بغرض الطمأنينة و الأمن و المدخرين الدين يدخرون بدافع رفع مستوى معيشتهم باقتناع سلع
معمرة أو القيام بمشروعات انتاجية ، و المدخرين الدين يدخرون بدافع الربح ( المستثمرين )
، كما أن قيام البنك بتنفيد مشروعاته الاستثمارية تحت سمع و بصر المواطنين وفق مبدأ
المحلية كفيل ببث الطمأنينة لديهم و اثارة التعصب و الحماس المحلي مما يدفعهم بالتالي الى
ائتمان مدخراتهم لدى البنك ، و هناك عامل جدب آخر للمدخرين بدافع الربح أتاحه النمودج
المقترح بالسماح للمودعين في حساب الاستثمار بسحب ودائعهم بعد اعلان الميزانية ، اضافة
الى الحدمات التي يقدمها الجهاز لعملائه بدون مقابل ، و يضاف لدلك أن وجود حساب الزكاة
و الخدمة الاجتماعية يشكل خط دفاع رئيسي لمواجهة أي مخاطر جسيمة يتعرض لها ربحية
الاستثمارات . كما أن توزيع المخاطر و قدرة البنك على الاستعانة بدوي الخبرة و الكفاءة و
خبرته بظروف المجتمع المحلي و الظروف الاقتصادية السائدة يساهم الى حد كبير في تحقيق
معدلات ربحية للاستثمارات لمنطقتهم و المنفعة التي تعود على أهالي المنطقة يدفعهم الى
الاخلاص في العمل و السعي لانجاح المشروعات و تقليل التكاليف مما يشكل عاملا هاما
لتحقيق الربحية و جدب الايداعات لدى البنك ، أضف لدلك أن تعلق المواطنين بالدين و
تحرجهم من التعامل بسعر الفائدة يشكل قوة دفع هائلة لجدب المدخرات و الودائع في جميع
حسابات البنك .
٢. توظيف الأموال مع المحافظة على القاعدة الدهبية ، ان اعتماد الجهاز على المدخرات
الفردية الاختيارية تجعله قادرا على الجمع بين الاستثمارات القصيرة الأجل و المتوسطة و
الطويلة الأجل على السواء ، و يرجع دلك الى أن قدرة البنك على جدب كافة الفئات بدوافعهم
الادخارية تمكنه من الاستفادة من مدخرات الفئات الدين يدخرون بدافع الطمأنينة و طبيعة هده
المدخرات طويلة الأجل مما يمكن البنك من توظيف جزء كبير منها في استثمارات أو قروض
طويلة الأجل نسبيا ، و الاستفادة كدلك من مدخرات الفئات الدين يدخرون بدافع رفع مستوى
المعيشة و لو أن طبيعة هده المدخرات و خاصة بالنسبة للمدخرين بغرض اقتناء سلع و
خدمات آجلة تعتبر قصيرة الأجل ، الا أن الرغبات لرفع مستوى المعيشة ى تقف عند حد
معين فهي رغبات متجددة و متنوعة و مستمرة طالما أن الفرد يحصل على دخل مما يكفل
تدفقا مستمرا لها الأمر الدي يمكن البنوك من توظيف جزء كبير منها في استثمارات قصيرة و
متوسطة و طويلة الاجل .
٣. الآثار بالنسبة للمجتمع ، بنفرد النمودج المقترح بتشعب الآثار التي يحدثها نشاطه السابق
ايضاحه في المجتمع في مختلف المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و لا يتسع المجال في هدا
البحث لتفصيل هده الآثار و لكن يجدر الاشارة الى أن هده هي التي تميز النمودج المقترح
عن الأجهزة الأخرى التي تعتمد في نشاطها أساسا على سعر الفائدة الثابت سواء في عرض
رأس المال أو طلبه ، و لا شك أن أجهزة التمويل بقدر ما يعكس نشاطها الى حد كبير
أخلاقيات المجتمع و سنكتفي في ختام هدا الموضوع بتلخيص لبعض هده الآثار:
الناحية التربوية و الاجتماعية
• ان اعتماد البنك المحلي على المدخرات الفردية و خلق السلوك الادخاري و تنميته ، انما
يعتمد على فكرة التغيير الداخلي للفرد بما يسهم في تكوين المواطن الصالح الدي يقدر
المؤولية و بما يسهم في القضاء على كثير من العادات المردولة الشائعة في المجتمع .
• أن اقتصار الاقراض على الدخرين اشعار للمواطنين بأن الانتفاع من رأس المال الدي هو
حق المجتمع ، مقصور على من يعمل و يساهم في تكوين رأس المال ، و المواطن النتج الدي
يعمل لبناء نفسه و مجتمعه و هكدا يسهم الجزء في تكوين الكل و يدعمه الكل بمعاونة الجزء
و بدعمه .
• ان ربط حساب الزكاة و الخدمة الاجتماعية بنشاط البنك يعتبر انتصارا للقيم و العلاقات
الانسانية و خطوة في تحقيق التجانس الاجتماعي و تنمية الشعور بالمسؤولية المشتركة و
تدعيم للتكامل الاجتماعي بما يحقق التوازن بين المادة و العلاقات الانسانية و القضاء على
ظاهرة الاستجداء و التواكل .
• ان نشاط البنك ككل يعتبر قدوة لما يجب أن يكون عليه السلوك الفردي العام بالبعد عن أن
يكون السعي فقط وراء المادة و بأي وسيلة .
الناحية الاقتصادية
• ان البنك المحلي بتركيز نشاطه في المحليات يحقق نموا متوازنا و يعمل على التوزيع
السليم للموارد و الطاقات البشرية التي تتجه عادة ااتركز في العاصمة و البلدان الكبيرة سعيا
وراء العمل حيث يساهم في تنشيط الحرف و الصناعات الصغيرة منها و المتوسطة و يخلق
بدلك مجالات جديدة للعمل و موارد اضافية للرزق فيرتفع مستوى الدخول و تنتعش مما يدعم
المجهودات التي تبدل في المشاريع الكبيرة و بما يخفف العبء على موارد الدولة المركزية .
• ان ودائع البنك المحلي من المدخرات الفردية يمكن أن تتخد كعلامات للطريق أو المؤشر
بالنسبة للسياسة التخطيطية و الاقتصادية ( بشرط أن يكون السلوك شاملا و منتشرا بين
المواطنين ) حيث يتسنى الوقوف على تصرفات الأفراد في قوتهم الشرائية بالنسبة للسلع بما
يكفل المحافظة على جهاز الائتمان و تجنب حدوث اختناقات في سلع دون أخرى .
• ان القروض الصغيرة بدون مشاركة تساهم في النشاط الاقتصادي و زيادة الانتاجية ، و
بالنالي في توسيع السوق الدي يعتبر ضيقه من أهم عقبات الاستثمار الكبيرة من أجل التنمية
في الدول النامية ، و خاصة لأن عدم استخدام سعر الفائدة يمثل القضاء على عبء يثقل كاهل
الفئات الشعبية في اقتراضها لأغراض انتاجية ، و تلك الفئات تمثل أهم الطاقات الانتاجية
المامنة في الدول النامية .
الخلاصة
و هكدا يمكن أن يوجد نمودج لأجهزة تمويل تصلح سلاحا فعالا من أسلحة الهجوم على معاقل
مشاكل الدول النامية الاقتصادية و الاجتماعية . . أجهزة قادرة على تغيير الواقع الاجتماعي و
اعادة صياغة الحياة في مختلف جوانبها شكلا و مضمونا من جديد و احداث التغيير الجدري
للأفراد ، و هده الاجهزة تتميز بأربعة خصائص أساسية :
١. وضوح أهدافها و قوة جادبيتها للجماهير و قدرتها على استقطابهم .
٢. نشاطها و أهدافها ملائمة لاتجاهات العصر ، و مسايرة لمنطلق التطور و العلم .
٣. التعبير بصدق و عمق عن الحاجات للأفراد و مصالحهم .الحيوية .
٤. الاستعانة بالوسائل العلمية المتكافئة مع الأهداف المنشود تحقيقها .
ضريبة الدخل
من التعاريف

moh.2000
18-04-2009, 15:59
ولا تنسونا بخالص الدعاء............

R_99
18-04-2009, 17:19
السلام عليكم
من فضلكم اريد بحث حول
"مخططات إعادة الإنتاج لماركس" مع المراجع و شكرا

abdou.cesar
18-04-2009, 19:42
أريد بحث على الإندماج المصرفي
و كذلك بحث حول المحاسبة الوطنية كأداة للسياسة الاقتصادية

moh.2000
18-04-2009, 21:08
السلام عليكم
بحث الاندماج المصرفي
لتحقيق هدف النمو والتوسع تلجأ بعض البنوك الكبيرة خاصة في الدول المتقدمة إلى الاندماج مع بعضها لتكوين مجموعات بنكية تقدم سلسلة من الخدمات المصرفية المتكاملة وتحقيق تغطية شاملة للبلد المعين، هذا بالإضافة إلى غزو لأسواق الخدمة المصرفية في خارج الدولة.

تعريف الاندماج:

يمكن تعريف مفهوم الاندماج بوجه عام على *الحالة التي يتم فيها الجمع بين شركتين وبحيث أن أحداهما فقط هي التي تستمر، وبمعنى آخر أن إحدى هاتين الشركتين هي التي تحتفظ بأهليتها القانونية كمنظمة أعمال، وعلى ذلك فإن الشركة المدمجة تزول عنها الشخصية القانونية وتصبح كما لو كانت غير موجودة، وبالتالي فإن أصول الشركة المدمجة وكذلك التزاماتها تؤول إلى الشركة الدامجة *.

كما يمكن تعريف الاندماج: *بأنه شراء وحدة إنتاجية عاملة مثال ذلك قيام المنشأة بشراء منشأة أخرى أو بعض وحداتها الإنتاجية *

موقف البنوك من التغيرات في الاقتصاد العالمي:
كثيرة هي التغيرات التي مرت بعالم البنوك منذ نشأته حتى الآن ما بين ازدهار وانهيار وخصخصة وتأميم واندماجات وانكماشات فبسبب طبيعة عملها تتعرض البنوك لكثير من مصادر الخطر نتيجة لأي اضطرا بات أو ضغوط في الاقتصاد.
ومع التغيرات التي جرت في الاقتصاد العالمي في الفترة الحالية فإن السؤال المطروح هو أين تقف البنوك الآن؟ وهل هي في حالة ازدهار أم أنها على مشارف الانهيار ؟
ولكي نحدد وضع البنوك الآن يجب أولا أن نوضح الأدوار التي تقوم بها فللبنوك أدوار رئيسية تقوم بها في الدول، وإن تعددت النشاطات التي تتبناها للقيام بهذه الأدوار وهى:
1) دور الوسيط:
حيث أن البنوك تحول الودائع التي تحصل عليها من راغب الادخار إلى شركات الأعمال في شكل قروض للاستثمار، كما أنها تقوم بدفع المستحقات المطلوبة من عملائها نيابة عنهم.
2) دور الضامن:
حيث تعطي خطابات ضمان وائتمانات لعملائها حتى يتمكنوا من دفع ما عليهم من مستحقات.
3) دور الوكيل:
حيث تقوم نيابة عن عملائها بإدارة ممتلكاتهم الخاصة والمحافظة عليها.
4) دور المنفذ للسياسات الحكومية:
وأخيرا فإن للبنوك دورا أساسيا في تنفيذ السياسات الحكومية في محاولتها لضبط النمو الاقتصادي وتحقيق الأهداف الاجتماعية وبالطبع فإن غياب إحدى هذه الأدوار أو التقصير في أدائه يؤثر تأثيرا جذريا في اقتصاديات الدول، وبالتالي في الاقتصاد العالمي.

التحديات التي تواجه البنوك:
1) المنافسة:
من أهم التحديات التي تؤثر على البنوك هي المنافسة المتصاعدة من المؤسسات المالية البنكية وغير البنكية مما جعل البنوك مضطرة إلى التنوع والتوسع في الخدمات التي تقدمها وتأتي هذه المنافسة نتيجة لتحقيق القيود الحكومية على عمل البنوك وغيرها من المؤسسات العاملة في مجال الاستثمارات المالية.
2) الثورة التكنولوجية:
حيث لجأت البنوك إلى الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة واستخدام الآلات المتطورة حتى تستطيع خدمة عملائها لزمن أطول وفي وقت أقل، ولكن ما صاحب ذلك من استغناء عن عدد كبير من العمالة البشرية جعل منه عملا يصب سلبا في خانة التوظيف وفرص العمل.

3) عولمة البنوك:
ونتيجة لعولمة البنوك لن يكون هناك مجال للبنوك الصغيرة، فالاتفاقيات مثل اتفاقية الجات التي تطورت الى منظمة التجارة العالمية WTO ستزيل الحدود بين الدول، وسينتقل رأس المال بين البلدان ولن تكون خدمات البنوك محددة على أماكن معينة.
لذلك ظهر اتجاه واضح نحو الاندماج والتحاف لخلق مؤسسات مالية ضخمة تستطيع مواجهة تحديات العولمة ونتيجة لكل المؤثرات السابقة فإن البنوك تواجه مأزقا كبيرا حيث أن عليها أن تزيد من كفاءتها ومن ضمانتها ومن سعر الفائدة التي تعطيه لعملائها إلا أنها في حالة الخسارة تتحملها وحدها.

ورغم ما يجري من تحالفات واندماجات في عالم يخلق مؤسسات مالية اكبر وأقوى، إلا أنه مؤشر على أن البنوك في حالة احتضار وعدم قدرة على مواجهة التحديات التي تقف أمامها، لذلك فإن إسهام البنوك في سوق الخدمات المالية قد بدأ في الهبوط بينما شركات التأمين، وشركات توظيف الأموال ينمو إسهامها في ذلك السوق.

أزمات تعرض لها النظام المصرفي:
في عقد الثمانيات ومطلع التسعينيات تعرض النظام المصرفي لعدة أزمات، كان أهمها مشكلة الديون العالمية التي أدت إلى إضعاف النظام المصرفي العالمي، وكشفت للجميع وضع المصارف الداعي للقلق، إذ اتضح أن البنوك التجارية العالمية التي لعبت دورا هاما في النظام المصرفي تعاني من ضعف في رأس مالها وقلة أصولها وارتفاع نسبة الديون المشكوك فيها، ومن أشهر الانهيارات التي حدثت في عالم البنوك انهيار بنك التجارة والاعتماد الدولي( B.C.C.I ) وما نتج عنه من مناخ سلبي لعموم البنوك.

التوجه نحو الاندماج:
شهد قطاع المصارف والبنوك الكثير من عمليات الاندماج في الأعوام القليلة الماضية تميزت بتجميع أصول مالية لبنوك عملاقة تعدت في جملتها 5 تريليون دولار، فقد شهد العالم منذ مطلع 1995 وحتى نهاية العام الماضي اندماج ما يقرب من 5400 منشأة مالية، بلغ الولايات المتحدة وحدها ما يعادل 56% من هذه الاندماجات المصرفية.
كما أن الاندماجات بين البنوك تزيد بشكل ملحوظ أعقاب الأزمات الاقتصادية العالمية، ليس بدافع زيادة الإنتاج وإنما بدافع الخوف من ظهور خسائرها الناتجة عن تفاقم هذه الأزمات، حتى إن اندفاع بعض المؤسسات السريع نحو الاندماجات قد يتسبب في بعض الأحيان في فشل وخسارة وانهيار الشركة الجديدة.

بعض الأسباب التي أدت إلى إحداث الاندماجات بين البنوك:
أولا: الوصول إلى مستوى الحجم الأمثل وهذا بالتالي يحقق ما يأتي:
1. زيادة الكفاية الإنتاجية وتقليل تكاليف الخدمات المصرفية باستخدام المتخصصين.
2. تخفيض في المصروفات الإدارية نتيجة الاستغناء عن رؤساء مجلس الإدارة.
3. زيادة الثقة التي يوليها الرأي العام للبنوك الكبيرة.

ثانيا: تقديم أكبر قدر ممكن من الخدمات المصرفية المتكاملة للاقتصاد القومي في كثير من المناطق الجغرافية المتعددة وحتى وإن تعارض هذا مؤقتا مع الربحية.

ثالثاُ: سهولة عملية التخطيط المالي والنقدي للمشروعات وبالتالي سهولة تحقيق الرقابة المصرفية باعتبارها جزء منن الرقابة على تنفيذ الخطة القومية.

رابعا: ملكية الدولة لشركات القطاع العام للبنوك يحتم بالضرورة احداث تعديلات في هيكل البنوك وعلاقتها بالشركات طالما أن هناك خطة قومية متكاملة الجميع ملتزمون بتحقيقها فلا داع لترك الحرية للبنوك كما لم يكن هناك خطة.

خامسا: عملية الإندماجات ليست نهاية في ذاتها وإنما كخطة للتخصص المصرفي وهو ما يجعل التخطيط المالي والرقابة المالية على الشركات أسهل وأفضل.

معاذ عبد الجليل
18-04-2009, 21:46
اريد بحث حول استراتجية التموين في المنظمة

abdoue.01
20-04-2009, 10:49
اريد بحث بعنوان قروض الاستثمار في البنوك الاسلامية
وشكرا

bilal 212
20-04-2009, 11:05
السلام عليكم

أريد بحث حول الإنتاج (دراسة حالة الجزائر)

imane ammari
20-04-2009, 18:37
من فضلك اريد بحث حول العمليات على السلع والخدمات في اسرع وقت ممكن ان امكن

معاذ عبد الجليل
20-04-2009, 18:50
السلام عليكم ارجو ا منكم مساعدتي في بحث حول استراتجية التموين من فضلكم بأسرع وقت ممكن عاجل.

زوزو2000
20-04-2009, 18:58
شكرا جزيلا على هذاالعرض المغرى رجائى معلومات عن االمؤسسات المتعددة الجنسيات

lila12
20-04-2009, 18:59
السلام عليكم..اريد المساعدة في بحث حول المنظمة العالمية للتجارة..merci d avance

زوزو2000
20-04-2009, 19:06
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته اما بعد من لديه قدرات في تحليل سلوك المستهلك فلا يبخل على اخوانه فى الدين وبارك الله فى كل من يساعد لوجهه تعالى

moh.2000
20-04-2009, 20:04
السلام عليكم
بحث الشركات المتعددة الجنسيات
ولا تنسونا بخالص الدعاء

الفصل الثاني: الشركات المتعددة الجنسيات :
أن اهتمامنا الخالي يتركز على تحليل ظاهرة الشركات المتعددة الجنسيات باعتبارها إحدى المؤسسات الاقتصادية و الاجتماعية في نفس الوقت ، و التي من أهدافها متعددة في الدول التي تعمل فيها ودراسة الوظائف الأساسية التي تقوم بها ، و مدى تأثيرها على التنمية بصورة عامة، لا سيما في مجتمعات العالم الثالث و خاصة في ضوء التغيرات الحديثة التي ظهرت فيما يعرف بالنظام الاقتصاد
العالمي الجديد.
المبحث الأول: ماهية الشركات المتعددة الجنسيات
-Iتعريف الشركات المتعددة الجنسيات:
يصعب جدا إعطاء تعريف دقيق الشركات المتعددة الجنسيات نظرا للتعقد أهداف الدراسة لارتباطها بالعديد من العلوم الاجتماعية من ناحية و لاهتمامات المنشغلين بها.
و استخداماتها للمفاهيم و التصورات التي ترتبط بها من ناحية أخرى ، و نذكر فيما يلي أهم التعاريف:
تعريف 1 : الشركة هي ذلك المشروع الاحتكاري الدولي النشاط الذي يملك و يسيطر على وحدات إنتاجية في بلدين اثنين على الأقل و هو يركز على طابع الملكية.
تعريف 2 : هي الشركة التي تملك وتسيطر و تقوم بالإنتاج في الكثير من المجالات مثل الصناعة و المناجم و تكرير البترول و التوزيع و الخدمات في أكثر من دولة واحدة.
تعريف 3 : هي التي تملك جزء أو كل إنتاجها ، و تتحكم و تدير أسهم لها في أكثر من دولة ،كما أنها تعتبر الشركة الأم perente company التي تسيطر على مجموعة كبيرة من الشركات في عدد من القوميات المختلفة.

II – المظاهر الحديثة للشركات المتعددة الجنسيات:
‌أ) الشركات العالمية لدول العالم الثالث:
ظهرت بصورة ملحوظة خلال قد السبعينات، ولا سيما أن كثيرًا من الدول النامية وضقت العديد من السياسات لجدب الاستثمار الأجنبي المباشر أو عن طريق ما يعرف بنظام الاستثمار المشترك AJOINT IENTURE SYSTEME، وذلك أن النظام الذي يشجع الكثير من دول العلم الثالث ذات الدخل المرتفع لتحقيق أعلى عائد من الاستثمارات المالية والاقتصادية وأن خطو خطوات من مراحل التحويل نحو العالمية Internationalisation هذا التحول الذي يكشف بوضوح عن التأثيرات المتعددة للنظام الاقتصادي العالمي.
ويمكن تصنيف هذه الشركات إلى نوعين:
أولا: الدول النامية الاستثمارية الكبرى: وتتميز هذه الشركات بالمنافسة الشديدة سواء مع الدول النامية أو المتقدمة، والتي على رأسها هونغ كونغ - البرازيل وسنغافورا بدرجة أقل.
ثانيًا: الدول النامية ذات الدخل المتوسط: ومن أهمها كوريا الجنوبية تايوان- الأرجنتين- المكسيك- فنزويلا.
‌ب) الشركات العالمية "الحمراء":
يطلق على هذا النوع من الشركات نسبة إلى الشركات الاشتراكية، سواء التي ظهرت في الاتحاد االسوفياتي سابقًا أو غيرها من الدول الاشتراكية التي تحولت إلى الاقتصاد الحر خلال عقد الثمانينات.
ومع نهاية عقد السبعينيات قدرت مجموعة الشركات الحمراء العاملة في الدول النامية أو الاشتراكية بحوالي 544 شركة. تعمل في الخارج بعيدًا عن موطنها الأصلي وتركز ثلثا هذا العدد من الشركات في الدول الاشتراكية والغربية وعددها 359 منها 307 في أوروبا و5 في اليابان و39 في أمريكا الشمالية، و8 في استراليا أما بقية الشركات البالغ عددها 186 وزعت على الدول النامية.
المبحث الثاني: نظريات الشركات المتعددة الجنسيات
يصعب علينا أن نثير نظريات الشركات المتعددة الجنسيات بصورة مستفيضة في إطار تحليلنا لهذه الظاهرة، إلا أننا سنحاول فيما يلي أن نوجه أهم النظريات ومدافعها المختلفة قدر الامكان وهي:
1. نظرية المصنع: ترتكز هذه النظرية على تحليل أهم الأنشطة الاقتصادية والعمليات التنظيمية والإدارية التي ترتبط بالشركات المتعددة الجنسيات مثل: تخفيض الموارد الاقتصادية أو المواد الخام ومدي توافرها. كما تعالج هذه النظرية ما يعرف بالنمو الصناعي International Gouth أو الاستثماري عامة كما يندرج تحت هذه النظرية مجموعة من المداخيل والنظريات الفرعية الأخرى وهي بإيجاز:
1S-1.نظريات تحقيق الحد الأمثال الاستاتيكية: taic Optimising Theory : وتركيز عمومًا على ضرورة تحقيق النمو الصناعي والاستثماري حيث طرح أصحاب هذه النظرية مجموعة من النماذج الإدارية الأمثل لتحقيق معدلات أعلى من الأرباح والاستثمار، وكيفية زيادة حجم الشركات وتوسيعات المراحل المستقبلية.
1-2.نظريات تحقيق الحد الأمثل الديناميكية Dynamic optimising theory: تركز على أهمية النمو التنظيمي والصناعي ولاستثماري عن طريق كيفية تبني أساليب جديدة للإنتاج وتنويع الإنتاج والسياسات التخطيطية ولاستراتجيات العامة للسوق والتوزيع بالإضافة إلى تحقيق مستويات القدرات الإدارية الموجودة بالشركات، كما يؤكد أصحاب هذه النظرية على ضرورة تطوير أساليب البحث والتنمية أو ما يعرف بـResearch and Development وتحديث المستويات التكنولوجية وتطوير الإنتاج وتوسيع الأسواق والقدرة على المنافسة.
1-3. النظريات التنظيمية والسلوكية: Bechvioural and organizationnal theory: عمومًا يتصور أصحاب هذه النظريات أن دراسة الشركات المتعددة الجنسيات يجب أن يركز على العوامل التنظيمية الداخلية وكيفية صنع القرارات التي تتعلق بالاستثمار الخارجي بالإضافة إلى العوامل الخارجية مثل البيئة الاستثمارية والسياسات والخلفيات السوسيولجية والثقافية في الدول المضيفة وحجم ومستويات الأسواق الداخلية والخارجية، وتبني أساليب العمل والانتاج والتكنولوجيا، وسلوك العمل والنقابات ومستويات الأجور والإنتاجية تلك العمليات التي تميز الشركات العالمية عن الشركات الصناعية التقليدية بصورة عامة.
2. نظرية الإستدماج Internalization theory :تتضمن بصورة أساسية على المتغيرات الاقتصادية مثل المنافسة التامة وغير التامة للأسواق وتنويع الإنتاج والتدريب والمهارة وتحسين القدرات التكنولوجية والبحث العلمي، ويقصد بالإستدماج كيفية جعل السوق داخل مراكز الإنتاج نفسها أو كيفية استغلال الأسواق المحلية التي توجد بها عمليات وأنشطة الإستثمار المختلفة فهي تهدف أساسًا إلى كسب الأسواق الخارجية لتسويق المنتجات. بالإضافة إلى ذلك تركز هذه النظرية على أهمية الاستراتيجيات العامة للشركات المتعددة الجنسيات ذات طابع عالمي Global من أجل السيطرة على الأسواق العالمية وفتح أسواق جديدة بصورة مستمرة أمام المنتوجات التي يتم استحداثها. وتستخدم هذه النظرية فكرة الأسواق المتوسطة Intermediate Markets من أجل تطوير القدرة التنافسية لمنتوجاتها كما تؤكد هذه النظرية على أن عملية السعي وراء الأسواق هي التي تخلق أو تنشأ الشركات العالمية وتزيد من حجمها واستثماراتها وأرباحها.
3. نظرية سياسة التنمية Development Policy Theory :
مضمون هذه النظرية هو تحليل العلاقة بين الشركات المتعددة الجنسيات وكل من الدول الأصلية Home Countries والدول المضيفة Host Countries ،وطبيعة السياسات المتبادلة بين الأطراف الثلاثة. كما نجد أن هذه النظرية استقطبت عدد من علماء الإقتصاد والاجتماع والتنمية والسياسة ولا سيما في دول العالم الثالث، لدراسة حقيقة أبعاد السياسات الإستثمارية والشركات متعددة الجنسيات خاصة وأن هناك مجموعة من الانتقادات التي توجه إلى هذه الشركات منذ بداية ظهورها أو انتشارها السريع في السنوات الأخيرة. ولقد طور بعض العلماء نوعية السياسات التي يجب الاهتمام بها بواسطة صانعي القرارات والسياسات الإستثمارية.
ومن هذه السياسات المقدمة كما تصورها Duning بإيجاز:
- ضرورة التعرف على المشكلات التي تواجه الإستثمار عامة.
- تحديد أسباب هذه المشكلات وتقييمها من ناحية التكاليف و المنافع.
- فهم العوامل المؤثرة في سلوكيات وقرارات الاستثمار المختلفة.
- تقييم مظاهر التكاليف والمنافع بصورة مستمرة لإتخاذ السياسات البديلة.
- أهمية اختيار وتحديد أهداف السياسة في الدول المضيفة.

4. نظرية التبعية Dependent-theory:
وتركز على أن طبيعة النظام الاقتصادي الجديد طرح بعض المتغيرات والمظاهر الجديدة، التي تعزز من فرص الاستغلال والإمبريالية الحديثة، ولا سيما في دول العالم الثالث، تلك الدول التي تنعم بالكثير من الموارد الطبيعية والثروات، وتسعي الدول الرأسمالية الإستعمارية بعد رحيلها نتيجة للإستقلال السياسي إلى العودة مرة أخرى إلى الإستعلال الإقتصادي والثقافي والإجتماعي وجعل الدول النامية في تبعية مستمرة لها عن طريق الشركات متعددة الجنسيات التي تعتبر وكالات لهذا الإستعمار الإقتصادي الجديد والذي وجد شرعيته في إطار ما يعرف بالنظام العالمي لتقسيم العمل.
كما تركز على مجموعة من الانتقادات الهامة إلى الشركات متعددة الجنسيات خاصة وأنها تملك القوة الإقتصادية التفاوضية لإستغلال أكبر قدر ممكن من عوائد الإستثمار الأجنبي ولا تترك إلا النذر القليل للبلاد المضيفة لها وخاصة النامية. كما تؤدي هذه الشركات إلى تدمير الإقتصاد المحلي والقومي ووضع تكنولوجيا وأساليب للإنتاج غير ملائمة، تؤدي إلى زيادة التمايز الطبقي والأنماط الاستهلاكية واللامساواة في الدخل كما أنها تزيد من مظاهر الفساد للقوى السياسية وتبعيتها للدول الغربية.
المبحث الثالث: أهم الانتقادات الموجهة للشركات المتعددة الجنسيات
سنحاول هنا أن نطرح بعض الانتقادات التي توجه لهذه الشركات وهي بإيجاز:
- أولاً: إن إسهامات هذه الشركات ضئيلة جدًا في عمليات التنمية، خاصة أن هذه الشركات تعمل على استمرارية وجود الاقتصاد المزدوج Dualist Economy، وخلق نوع من اللامساواة في توزيع الدخل في المناطق الجغرافية في الدول النامية. كما أن هذه الشركات تعمل زيادة دخول قطاع صغير من العاملين وتعمل على توسيع الهوة بين مستويات الدخل والأجور داخل البلد الواحد. كما تركز هذه الشركات معظم إنتاجها في تلبية احتياجات الصفوة الإقتصادية في المجتمع دون مراعاة الحاجات الأساسية الضرورية للطبقات الفقيرة. كما تركز معظم أنشطتها في المناطق الحضرية مما يؤثر على زيادة فقر المناطق الريفية وزيادة نتائج مشكلات الهجرة السكانية في الدول النامية.
-ثانيًا: تهدف هذه الشركات إلى زيادة أرباحها عن طريق إنتاج السلع غير الضرورية للطبقات الفقيرة. وتركز على إنتاج السلع الكمالية لتلبية حاجات الطبقات الغنية، وتستخدم في ذلك أساليب الدعاية والإعلام الحديثة التي تؤثر عمومًا على أنماط الاستهلاك وزيادة قوة احتكارها للأسواق المحلية علاوة على استخدامها تكنولوجيا غير ملائمة لطبيعة المجتمع من ناحية المواد الخام، العمالة، الطاقة وغيرها... .
-ثالثًا: تعمل هذه الشركات بواسطة قوتها الاقتصادية على تغيير السياسات الحكومية وتوجيهها بعيدًا عن مسار التنمية الحقيقية أو تحقيق الأهداف القومية. حيث تستطيع هذه الشركات ممارسة الكثير من الضغوط الإقتصادية والسياسية لتعديل السياسات التنموية بما يخدم أغرضها الإستثمارية من الدرجة الاولي. كما تستطيع أن تقلل من حجم الضرائب والأرباح الاستثمارية، في حين تحصل على خدمات العمل والطاقة بأقل الأسعار.وهذا يؤثر أيضا على العائد الاجتماعي Social Benefits من وجود هذه الشركات والاستثمار الأجنبي عن طريق زيادة معدلات التضخم Inflation، وارتفاع الأسعار، وزيادة أنماط الإستهلاك.
-رابعًا: تؤدي هذه الشركات عن طريق المنافسة غير المتوازنة مع الشركات الوطنية على إجبار الأخيرة بعيدًا عن القطاعات والأنشطة الاقتصادية، وتركها تعمل في الصناعات الصغيرة والمتوسطة دون دخولها في القطاعات الإنتاجية الكبرى. كما تعمل أحيانًا على تصفية الشركات الوطنية ولا سيما التي تعمل في نفس القطاعات الاستثمارية خشية من زيادة قوتها في المراحل المستقبلية.
المبحث الرابع: إدارة الشركات المتعددة الجنسيات
سنسعى لتوضيح بعض الأساليب التي طرحت لتحديد سلوك وإدارة وضبط أنشطة الشركات المتعددة الجنسيات، والاستثمار الأجنبي خاصة في الدول النامية:
1) الإدارة الوطنية: تسعى الدول النامية أو المضيفة للشركات متعددة الجنسيات بالرقابة وإدارة عمليات الاستثمار التي تجرى في بلادها، ومن أهم هذه الرقابة تنظيم حركة الإستيراد والتصدير لرأس المال الإستثماري والتحكم في السوق الداخلية وحجم الضرائب المفروضة على المنتوجات، والمنافسة مع الشركات المحلية الوطنية وإستغلال المواد الخام والبيئة الداخلية وحمايتها، واستخدام القوى العاملة وتحديد أجورها وظروف العمل، وتسعى الدول المضيفة إلى وضع التشريعات والقوانين التي تحدد علاقاتها مع هذه الشركات عامة.
2) الإدارة الإقليمية: يلاحظ أن معظم أنماط الرقابة الإقليمية خلال السنوات الأخيرة على الشركات متعددة الجنسيات تأخد الجانب التفاوضي المباشر وغير المباشر من ناحية أو فرض بعض القيود على هذه الشركات وهذا ما حدث في مجال استغلال الطاقة وحماية البيئة من التلوث ولا سيما بعد أن ظهرت الكثير من المخاوف والآثار السلبية التي تهدد البيئة الإقليمية والعالمية.
3) الإدارة العالمية: بصورة موجزة هدفت هذه المراكز والمنظمات (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التابعة للأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي وكذا مركز الشركات العالمية... )، والجان الدولية خلال السبيعنات والثمانينات إلى تطوير النظام العالمي للسلوك الخاص بالشركات متعددة الجنسيات مع التنسيق بين هذه المؤسسات والشركات في نفس الوقت، وعقد العديد من المؤتمرات العالمية التي تهتم بمعالجة عمليات وآثار الشركات على المستوى العالمي لا سيما في مجال نقل التكنولوجيا وغيرها من المجالات الاستثمارية والاقتصادية المختلفة.
المبحث الخامس: الصعوبات التي تواجه الشركات المتعددة الجنسيات
يظهر تحليل تراث الشركات متعددة الجنسيات والاستثمار الأجنبي مجموعة من الصعوبات التي تواجه أنشطة هذه الشركات وتعرقل من عملياتها الاستثمارية ولا سيما بعد تزايد الإتجاهات القومية والإقليمية والعالمية ومحاولتها وضع نوع من القيود المباشرة وغير المباشرة وأحكام الرقابة بقدر الامكان على عمليات الاستثمار بصورة عامة. ويمكن حاليًا أن نوجز أهم الصعوبات والقيود التي تواجه الشركات متعددة الجنسيات وهي(1):
- أولاً: قيود الدول المضيفة: ومن أهمها ما يعرف بالقيود الملكية الأجنبية. حتى لا يحدث نوع من الاحتكارات على البناءات والموارد الاقتصادية والمالية واستعمالها بصورة سلبية في الدول المضيفة لها ولا سيما أن غالبية دول العالم الثالث عانت بالفعل من أنماط الاستغلال الاقتصادي في الماضي. ولذا حددت هذه الدول حجم مشاركة الشركات متعددة الجنسيات بنسبة 49% في المشروعات الاستثمارية.
- ثانيًا: قيود الدولة الأم (الأصلية): تفرض الدول الأم نوع من القيود المالية والجمركية والضرائب على حجم الأرباح وعوائد الاستثمارات، مما يؤثر على حجم رأس المال الاستثماري لهذه الشركات والتقليل من حجم الآثار السلبية على ميزان مدفوعاتها وإجبارها لاستثمار جزء من رأس المال بهدف التقليل من حجم ومعدلات البطالة ولاكتساب التأييد السياسي من الفئات العاملة والنقابات وعموما يعتبر فرض الضرائب المزدوجة من الدول الأم المضيفة إحدى القيود التي تعاني منها الشركات متعددة الجنسيات.

moh.2000
20-04-2009, 20:41
السلام عليكم الاخت لتحوس على المنظمة العالمية للتجارة يرجى الاتصال بالياهو او السكايب راه عندي عدة مواضيع عنها
اما باقي البحوث لحد الان مالقيتش كي نلقا والله نجيبلكم
اسمحولي اخواني .....

moh.2000
20-04-2009, 21:52
السلام عليكم
تفضلو اخواني بحث حول الانتاج ولا تنسونا بالدعاء
وظيفة الانتاج

خطة البحث:
مـقـدمــة
-I وظيفـة الإنتـــاج 01
-1-I مفهـوم الإنتـــاج 01
-2-I النشـاط الإنتـاجـي 02
-3-I نظـام الإنتـــاج 02
-1-3-I مفهوم نظـام الإنتـاج 02
-2-3-I مهمات نظـام الإنتـاج 03
-4-I أسـاليب الإنتـاج 03
-1-4-I الإنتـاج المستمــر 03
-2-4-I الإنتـاج المتقطــع 04
-II نظام المعلومات لوظيفة الإنتـاج 06
-1-II مفاهيم عامـة 06
-2-II وظائف نظام معلومات الإنتـاج 09
-3-II مكونات نظام معلومات الإنتـاج 10
-1-3-II تخطيط الإحتياجات من المـواد 10
-2-3-II العمليـات التحـويليـــة 12
-3-3-II الهنـدسـة الصنـاعيـــة 13
-4-3-II الشحــن و الاستـــلام 14
-5-3-II المشتــــريــــات 15
-6-3-II رقـابــة الجــــودة 16
الـخـاتـمـة






مقدمة:
يعد الإنتاج بشقيه المادي و الخدمي أساس و محور النشاط الإنساني الفردي و الجماعي, ونظراً لأهمية هذا العنصر "الإنتـاج" في حياة الفرد و الجماعة و كذلك في استمرار نمو اقتصاديات الدول وتقدم المجتمعات اهتم الإنسان فرداً و جماعة بتنظيم و إدارة موارده المحدودة في وحدات إنتاجية مختلفة الأحجام المهمات للحصول على الإنتاج المطلوب لإشباع حاجاته المتنامية, و مع تعقد و تشابك العلاقـات الاجتماعية و الاقتصادية ظهرت الحاجة لمزيد من الجهـود لتنظيم وإدارة الموارد و كذلك عمل الوحـدات الإنتاجيـة المختلفة للحصول على الإنتاج بكفاية اقتصـادية عاليـة.
و بهذا أصبح نشاط الإنتاج الأساس الذي تقوم عليه التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و المؤشر الذي يستخدم لقياس التقدم و الرقي للمجتمع, و ازداد الاهتمام بهذا القطاع حتى أصبح مجال البحث ودراسة للمهندسين الاقتصاديين و الإداريين و كل بدلوه في هذا المجال لزيادة الكفاية فيه.ومن المعروف أن لوظيفة الإنتاج علاقة وطيدة بوظيفة التخزين نظراً لتأثر مستوى المخزون بالكمية المنتجة و العكس.
و انطلاقاً من هذه الحقيقة الثابتة, كيف يمكن لنا أن نسيـر وظيفة الإنتاج معلوماتيـاً بحيث نسهل تدفق المعلومات بين الوظيفتين من جهة, و نضمن بقاء عملية الإنتاج مستمرة من جهة أخرى.
و لمعالجة هذه الإشكالية قسمنا البحث إلى فصلين:
- يتناول الفصل الأول وظيفة الإنتاج أو نظام الإنتاج؛
- أمـا الفصل الثاني فنستعرض فيه التسيير المعلوماتي أو نظام المعلومات الإنتاج مبرزين علاقة هذا الأخير بوظيفة التخزين.





-I وظيفـة الإنتـاج:
-1-I مفهـوم الإنتـاج:
يرى الفكر الاقتصادي الحديث إن الإنتاج ليس خلق المادة و إنما هو خلق المنفعة, أو إضافة منفعة جديدة, بمعنى إيجاد استعمالات جديدة لم تكن معروفة من قبل, و بهذا فإن اصطلاح يمكن أن يطلق على ما يلي:
1- تلك العمليات التي تغير من شكل المادة فتجعلها صالحة لإشباع حاجة ما (المنفعة الشكلية)؛
2- عمليات النقل من مكان تقل فيه منفعة الشيء إلى مكان تزيد فيه المنفعة دون تغير شكله (المنفعة المكانية)؛
3- عمليات التخزين, حيث يضيف التخزين منفعة إلى السلعة (المنفعة الزمنية)؛
4- كل صور الإنتاج "غيـر المادي" التي يطلق عليها اسم الخدمات.
نخلص من ذلك إن الإنتاج يتمثل بجانبين و هما الجانب السلعي (السلـع) و الحساب الخدمي (الخدمات).
كما يعرفـه الأستاذ كساب الإنتاج كذلك على أنه:
" إعداد و ملائمة للموارد المتاحة بتغيير شكلها أو طبيعتها الفيزيائية و الكيماوية حتى تصبح قابلة للاستهلاك الوسيط أو النهائي (إيجاد منفعة).
و من الإنتاج التغيير الزماني أي التخزين (الاستمرارية في الزمن), و هو إضافة منفعة أو تحسينها وكذلك التغيير المكاني أي النقل.
يتم هذا الإنتاج بموارد عملية (آلات و معدات), و موارد مادية, بشريـة, وموارد ماليـة ضمن قيود هيكلية هي الطاقة الإنتاجيـة, و التخزينيـة و الطاقة المالية و الطاقة التوزيعيـة.



-2-I النشـاط الإنتـاجي:
يعد النشاط الإنتاجي النشاط الأساسي في المنظمات الاقتصادية بشكل عام و في المنظمات الصناعية بشكل خاص, و هو من أهم الموضوعات التي تتناولها الإدارة اليوم بالإضافة إلى نشاط التسويق.
و يعرف النشاط الإنتاجي بأنه :" النشاط المنظم و الموجه لاستخدام الموارد المتاحة و توجيهها لإنتاج منتجات و خدمات جديدة تشبع حاجات الإنسـان".
و هذا التعريف للنشاط الإنتاجي يحمل مفاهيم مختلفة و هي اقتصادية و اجتماعية و تشغيلية:
- المفهوم الاقتصادي: يقوم بتوظيف عناصر الإنتاج في مكان و زمان ما بهدف الحصول على الإنتاج؛
- المفهوم الاجتماعي: أساس من أسس التنمية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية.
- المفهوم التشغيلي:أساس عملية فنية يهدف إلى تحويل المواد الأولية إلى سلع و خدمات من خلال إخضاعها لعمليات مختلفة و طرائق و أساليب عملية.
-3-I نظام الإنتـاج:
-1-3-I مفهوم نظام الإنتاج:
النظام الإنتاجي هو الصيغة التي تجمع بها عناصر النشاط الإنتاجي من أجل إنتاج السلع والخدمات.
و أنظمة الإنتاج عديدة و متنوعة, فهناك أنظمة الإنتاج لمنظمة صناعية و أنظمة إنتاج لمنظمة خدمية وذلك كما يلي:
- النظـام الإنتاجي الصناعي: في مجال الصناعة فإن النظام الإنتاجي الصناعي هـو الصيغة التنظيمية لإدارة الإنتاج و يتألف من ثلاثة أجزاء رئيسية و هي المدخلات, والعمليات, المخرجـات.
- النظام الإنتـاجي الخدمـي و هو الصيغة التنظيمية لإدارة العمليات.
-2-3-I مهمات النظام الإنتاجي:
و يختلف النظام الإنتاجي لاختلاف طبيعة العناصر المستخدمة و بسبب حجم هذه العناصر, أو بسبب صعوبة تحديد معايير قياس الأداء أو بسبب طبيعة النشاط و تقوم النظام الإنتاجي بالعديد من المهمات منها على سبيل المثال:
• تحديد مواقع العمل
• مزج عوامل الإنتاج (العمل و الآلات و المواد) و تصميم العمليات بطرائق علمية اقتصادية.
• تطوير و تصميم المنتجات بشكل يتلاءم مع رغبات الزبائن و متطلبات العمليات الصناعية و طبيعة المواد و العمليات الإنتاجية
• تخطيط الإنتاج و وضع السياسات الإنتاجية الكفيلة بتنفيذ الخطط ا|لإنتاجية و الرقابة على الإنتاج من ناحية التكاليف و الجودة و الوقت.
• ضمان تنظيم العمل العلمي و أنظمة المناولة و التخزين في الوحدة الإنتاجية.
-4-I أساليب الإنتـاج:
يوجد نوعان من أساليب الإنتاج : الإنتاج المستمر و الإنتاج المتقطع.
-1-4-I الإنتاج المستمـر:
هو إنتاج نمطي في مخرجاته, و قـد يكون نمطياً في مدخلاته, يتم على آلات متخصصة أو في خطوط إنتاج.
و نقصد بالإنتاج النمطي أنّ له نفس الأبعاد و الخواص خلال الفترة الإنتاجية, أي نفس المقاييس ونفس النوعية, و نفس الشكل و كذا نفس الاختصاص. و قد يكون نمطياً في المدخلات أي مدخلات مختلفة, مثل الجلد الحقيقي, الجلد المصطنع لصناعة أحذية متجانسة, أي نفس الشكل ونفس المقاييس و لكن ليس نفس النوعية؛ كما أنه إذا توقفت مرحلة من مراحل الإنتاج أدى إلى توقف العملية الإنتاجية. و ينقسم الإنتـاج المستمر إلى نوعيـن:

أولاً: إنتـاج مستمـر وظيفـي:
هو إنتاج مستمر موجود كحلقة ضمن سلسلة إنتاجية داخل المؤسسة, أو كمرحلة بين مجموعة المؤسسات يعمل كل منها دور المنبع و المصب. و الخاصية المميزة أنه يستعمل في وظيفة معينة.
ثانيـاً إنتـاج غير وظيفي ومستمـر:
هو إنتاج يوجه إلى الاستهلاك مباشرة و يخضع لمحددات الطلب من سعر السلعة, أسعار السلع المنافسة, أذواق المستهلكين, سلوكاتهم, ... مثل الصناعة الغذائية, صناعة الجلود ...الخ.
-2-4-I الإنتـاج المتقطـع:
هو إنتاج غير نمطي في مخرجاته, و لا يتم إنتاجه إلا بعد تحديد المواصفات من طرف العميل أو المستهلك المباشر؛ وقد يكون نمطياً في مدخلاته.
و المقصود بأنه غير نمطي في مخرجاته, أنّ مخرجاته تختلف من حيث الشكل و النوع و التخصص وذلك حسب أذواق المستهلكين و حسب طلبهم. و يتقسم بدوره إلى قسمين:
أولاً: إنتاج دفعات متكررة للطلب:
هو إنتاج متقطع, نمطيا في مدخلاته, و غير نمطي في مخرجاته, يخضع للمواصفات التي يقدمها العميل, و الميزة الخاصة أنها تنتج دفعات حسب الخصائص المطلوبة أو المواصفات التي يطلبها العميل.
و الشرط الرئيسي لاستعماله هو تغيير المواصفات من عميل لآخر, و وه شرط موضوعي و ضروري, وقد يكون غير ضروري مثل الآلات التي تنتج إنتاج متقطع فهي آلات غير متخصصة, و السبب في التغيير لا يكمن في المواصفات و إنما عدد الآلات.
و الحل هو تقليل عدد المنتجات أو زيادة عدد الآلات و يمكن أن المؤسسة تعدد منتجاتها و محدودة في المخازن فتبدأ في تغيير الإنتاج, و السبب الموضوعي الوحيد هو تغيير المواصفات و الحل يكمن في إنتاج دفعات متكررة للتخزين.



ثانيـاً: إنتاج دفعات متكررة للتخزين:
فإذا كان السبب الذي جعل المؤسسة تنتج إنتاج دفعات متكررة للطلب غير موضوعي (ليس تغيير المواصفات) تحول المؤسسة الإنتاج إلى إنتاج دفعات متكررة للتخزين.
و عليه إما أن نخصص الوقت أو الآلات أو المخازن لإنتاج دفعات متكررة للتخزين, مثل صناعة الألبسة (حسب الفصول), فنستعمل الإنتاج المستمر خلال الفصل, و الإنتاج المتقطع خلال السنة, وهذا لتفادي مشاكل التخزين و ضيع الوقت.
الفرق بين الإنتاج المستمر و المتقطع:
و عليه يمكن توضيح الفرق بين الإنتاج المستمر و الإنتاج المتقطع في الجدول التالي:

الإنتـاج المستمـر الإنتـاج المتقطـع
• متخصص الآلات
• نمطي المخرجات
• لا يخضع لمواصفات العميل • غير متخصص الآلات
• غير نمطي المخرجات
• يخضع لمواصفات العميل.











-II نظام المعلومات لوظيفة الإنتاج:
-1-I مفاهيم عامة:
ماهية نظام المعلومات:
يمكن تعريف نظام المعلومات في إطاره الضيق هو كل نظام للتسجيل و الاسترجاع, بينما في إطاره الواسع و الشامل فهو يعتبر :" مجموعة من الأفراد و التجهيزات و الإجراءات و البرمجيات, وقواعد البيانات تعمل يدويا أو أوتوماتيكياً أو آلياً على جمع المعلومات, و تخزينها و معالجتها, و من ثم بثها إلى المستفيد".
يمكن اعتباره كصورة مبسطة للمنظمة و محيطها, (Système Organisationnel), هذه الصورة يجب أن تبين:
- هيكلة النظام؛
- تطور النظام (من خلال الأنشطة)؛
- أنشطة النظام.
يكون دوران المعلومات في إطار نظام المعلومات حسب عدة قنوات, قد تكون قنوات رسمية تظهر من خلال الهيكل التنظيمي للنظام, أو غير رسمية لا تظهر في الهيكل التنظيمي للنظام, دوران المعلومات يعبر عنه كمخطط للمعلومات (Diagrammes d’Information).
يضم نظام المعلومات حول التدفقات (منتوج مخزن, منتوج مباع,...), العالم الخارجي (زبائن, موردين, تنظيم المؤسسة, القيود القانونية, قوانين, تنظيمات,...).
- نظام المعلومات الإداري:
لقد أطلق الباحثون في ميدان أنظمة المعلومات مصطلحات مختلفة على نظام المعلومات الإداري, مثل: " نظام معالجة المعلومات", أو "نظام معالجة البيانات", أو "إدارة موارد المعلومات" أو بكل اختصار "نظام المعلومات". و لكن هذه المصطلحات برغم اختلاف تسمياتها إلا أنه تتقارب في مفاهيمها و معانيه, بل و تكاد تتطابق عند بعض المؤلفين, و هذا ما يمكن التماسه من خلال التعاريف التالية:
• نظام المعلومات هو مجموعة من الإجراءات التي يتم من خلالها تجميع (أو استرجاع), تشغيل, تخزين, و نشر المعلومات بغرض دعم صنع القرار و تحقيق الرقابة في المنظمة.
• نظام المعلومات عبارة عن تجمع للأفراد, أدوات و معدات تشغيل البيانات, ووسائل الإدخال والإخراج, و معدلات الإتصال, و ذلك لإمداد الإدارة و العاملين من خارج الهيئة الإدارية بالمعلومات الدقيقة و الشاملة المرتبطة باحتياجات هذه الفئات, و في التوقيت المناسب لتخطيط و تشغيل و مراقبة عمليات المنظمة.
• نظام المعلومات هو النظام الذي يستخدم الأفراد و إجراءات التشغيل, و نظم المعالجة المختلفة لتجميع و تشغيل البيانات و توزيع المعلومات في المنشأة حيث احتياجات المستفيدين.
• نظم المعلومات الإدارية هي نوع من أنواع أنظمة المعلومات المصممة لتزويد إدارتي المنظمة بالمعلومات اللازمة للتخطيط و التنظيم و الرقابة على نشاط المنظمة, أو لمساعدتهم على اتخاذ القرارات.
• نظم المعلومات الإدارية هي النظم الرسمية و غير الرسمية التي تمدّ الإدارة بمعلومات سابقة وحالية و تنبيهه في صورة شفوية أو مكتوبة أو مرئية للعمليات الداخلية للمؤسسة الدقيقة والواضحة, و في إطار الوقت المناسب لمساعدتهم على إنجاز العمل, و الإدارة و اتخاذ القرارات.
إن تحليل التعاريف السابقة، يمكن أن نستخلص أن نظام المعلومات الإداري يمكن أن يكون نظاماً رسميا يجمع و يوزع المعلومات وفق برامج و قنوات محددة (الاجتماعات الرسمية, الخطابات...), أو نظاماً غير رسمي يجمع و يوزع المعلومات عبر قنوات غير رسمية (مثل الاتصال الشخصي غير الرسمي...).
كما يجب أن تكون هناك أهداف يسعى نظام المعلومات الإداري إلى تحقيقا, و ذلك باستعمال وسائل يدوية (القلم و الورق) أو آلية (الحاسوب و ملحقاته), أو أنظمة تحليل و برمجيات حديثة, وهذه الأهداف تتمثل أساسا في مساعدة الإداريين في أداء أعمالهم (مثل المراقبة, المتابعة, والتنسيق...), و مساعدة المديرين في اتخاذ قراراتهم.

و يمكن أن نقدم نموذجا مبسطاً لنظام المعلومات الإداري في الشكل التالي:
شكل 01: نموذج مبسط لنظام المعلومات الإداري

المصدر: سليم الحسنية, مرجع سبق ذكره, ص 61.

إن هذا النموذج يوضح بدقة موارد النظام المعلومات الإداري, المتمثلة في البيئة الخارجية و نظام المنظمة الطبيعي, هذه الموارد تمده بمدخلات (البيانات) يعالجها و يبعثها على شكل مخرجات (معلومات) تساعد الإدارة في أداء أعمالها و اتخاذ قراراتها.




-2-II نظام المعلومات الإنتاجي:
تعريفه:
يجب أن نفرق بين نظام الإنتاج و نظام المعلومات الإنتاجي, فنظام الإنتاج هو النظام الطبيعي المسؤول عن تحويل عناصر الإنتاج الرئيسية (المواد الأولية, رأس المال, اليد العاملة, الأرض) إلة منتجات (سلع مادية) ذات قيمة منفعية و اقتصادية أعلى مما كانت عليه قبل التصنيع.
أما نظام المعلومات الإنتاجي, فهو ذلك النظام الذي يزود إدارة الإنتاج و الإدارة العليا و غيرها من الأنظمة المرتبطة بها, بالبيانات و المعلومات و الحقائق المتنوعة, وذلك من أجل المساعدة على اتخاذ القرارات المتعلقة بنشاطاتهم المختلفة مثل:
- تصميم المنتج
- تخطيط و تنفيذ العمليات الإنتاجية
- مراقبة عمليات الإنتاج
- مراقبة الجودة.
-2-II وظائف نظام المعلومات الإنتاجي:
إن مخرجات نظام معلومات الإنتاج هي المعلومات التي تلبي حاجات إدارة الإنتاج في اتخاذ قراراتها المتعلقة بمجالات التصنيع الرئيسية, و هي تصميم المنتج, عمليات الإنتاج و الرقابة على الجودة, بالإضافة إلى المعلومات تشكل مدخلات لنظم المعلومات الأخرى.
- على مستوى تصميم المنتج: يعد تصميم المنتج نقطة الانطلاق الأولى في مراحل عملية التصنيع, حيث تحدد هذه المرحلة المواصفات الفنية و الجمالية و النهائية للسلعة. و نظراً للتطور الهائل في حوسبة هذه المرحلة فإن عمليات التصميم أصبحت في معظمها محوسبة, و ظهر جيل جديد من البرمجيات يدعى: التصميم بمساعدة الحاسوب.
- على مستوى الإنتاج: و هي المرحلة التي يتم فيها تحويل المواد الأولية إلى سلع نهائية قابلة للاستهلاك, أو سلع نصف مصنعة, و ذلك من خلال إجراءات و عمليات تحويلية في مراحل وخطوات متتابعة, و هنا تتجلى أهمية نظام معلومات الإنتاج من خلال ضبط جدولة الإنتاج (كماً و نوعاً), و كذلك الرقابة على المخزون من مواد أولية أو مواد مصنعة, و تحديد مستويات المخزون التي يجب إعادة الطلب عندها.
- على مستوى رقابة الجودة: تعتبر اليوم القرارات المتعلقة بالجودة من أهم قرارات الإنتاج, وخاصة مع انتشار مفاهيم الجودة الشاملة, و الإيزو و غيرها, و تبدأ عمليات الرقابة على الجودة من لحظة إعداد شروط توريد المواد الأولية و استلامها و تخزينها, و لا تنتهي إلا بعد الحصول على تقارير مخرجات نظم معلومات التسويق عن مدى مقابلة السلع لحاجات الزبائن.
- على مستوى التكلفة:تعد الجودة و التكاليف توأمة العملية الإنتاجية, فالعلاقة بينهما عادة ما تكون عكسية (تخفيض التكاليف مع تحسين الجودة), و هذا ما يسعى نظام المعلومات الإنتاجي إلى تحقيقه عن طريق إلغاء الوقت الضائع, و الجدولة الدقيقة للإنتاج.
-3-II مكونات نظام معلومات الإنتاج:
-1-3-II تخطيط الاحتياجات من الموارد:
يتكون نظام تخطيط الإحتياجات من الموارد من نشاطين رئيسين في العمليات التصنيفية: إدارة المخزون و الجدولة, و الغرض الرئيسي من إدارة المخزون هو التأكد من المخزون من الخامات متاح في الوقت المطلوب للإنتاج.
و إن المخزون من المنتجات النهائية متاح لمقابلة احتياجات المستهلكين و أن تكلفة أمر الشراء وتكلفة الاحتفاظ بالمخزون تكون في الحدّ الأدنى لها. و الجدولة تكمل إدارة المخزون فهي تحدد بالإضافة إلى المخزون من المنتجات النهائية, كفاءة استخدام الإمكانيات الإنتاجية و تقلل من الوقت العاطل وتسمح بصيانة المعدات.
أ – مدخلات تخطيط الاحتياجات من المواد
هناك ثلاث مدخلات أساسية لتخطيط الاحتياجات من المواد, جدول الإنتاج و تقرير المخزون و قائمة الموارد المطلوبة. جدول الإنتاج الرئيسي يحدد ما هي المنتجات النهائية المحتاج إليها ومتى تنشأ الحاجة إليها و هي مبنية على الأوامر و التنبؤ من النظام التسويقي الفرعي؛ قائمة المواد يتم إعدادها من الهندسة بناء على مواصفات المنتج و من مبادئ التنظيم الهندسي, و مركز المخزون (من المواد) يعكس استلام المواد خلال العمليات كما يتم أيضاً الاحتفاظ بمعلومات التخزين عن المنتجات النهائية.
و كل مدخل من هذه المدخلات له مورد محدد في بعض النظم الفرعية الوظيفية, و عادة البرنامج الذي يستخدم في تخطيط الاحتياجات من المواد يحصل على المعلومات مباشرة من قاعدة البيانات حيث يتم تخزينهم كنتائج للعمليات التحويلية أو كمخرجات لنظم فرعية أخرى. هذه البيانات قد تستخدم في تطبيقات أخرى و تظهر في تقارير أخرى, و لكن نظام إدارة قاعدة البيانات يجعلهم متاحين في نموذج تخطيط الاحتياجات من المواد كما لو أنهم تم جمعهم خصيصاً لهذا الغرض.
ب- مخرجات نظام تخطيط الاحتياج من المواد:
لعرض هذا النموذج البسيط هناك ثلاث مخرجات أولية, تقرير بالأوامر الصادرة و تقرير بالأوامر المخططة و التغيرات الناتجة من إعادة جدولة الأوامر. تقرير الأوامر الصادرة عبارة عن تعليمات لإدارة المشتريات لطلب خامات, و تقرير الأوامر المخططة تخدم كإشارة لضرورة طلب الخامات المطلوبة و أي تغير في الأوامر المفتوحة عن طريق الإسراع أو الإبطاء ممكن أن يحدث عن طريق إعادة جدولة الأوامر.
ج- عمليات التشغيل و المعالجة لنظام تخطيط الاحتياجات من المواد:
يفترض أنّ كل نموذج يبنى على النماذج المحتفظ بها في بنك المعلومات للحصول على البرامج التطبيقية, و في حالة نموذج تخطيط الاحتياجات من المواد فإن بيانات المخزون مثل الكمية المتاحة للاستخدام و الكمية المطلوبة في الأوامر ووقت الإنتاج كلها تجمع مع الاحتياجات المجدولة لحساب كمية الخامات التي يتم طلبها و توقيت هذه الأوامر, و النموذج النمطي للتخزين يمكن أن يستخدم لتحديد كمية أمر الشراء.


-2-3-II العمليـات التحويليـة:
تتطلب عمليات التحويل الفعلي للموارد إلى منتجات و خدمات, و بالرغم من أن العمليات هي حيث تتم الأنشطة من الإنتاج فهي بالفعل أحد النماذج البسيطة في نظام الإنتاج الفرعي لنظام المعلومات الإدارية, و بالطبع هناك الكثير من العمليات الإنتاجية مميكنة بالكامل أو مميكنة جزئيا. كما تستخدم أجهزة الرقابة الآلية أو أجهزة الإنسان الآلي, و عادة ما تكون العمليات التي تتم بالحاسب الآلي ليست سهلة و غير متعلقة بإنتاج نظم المعلومات الإدارية, و بالتالي لن تأخذ في اعتبارنا دور الحاسب الآلي في عملية الميكنة الكاملة.
أ- مدخلات العمليات:
يتسلم نظام العمليات الفرعي الأوامر و التنبؤ بالطلب من نظام التسويق الفرعي و يتسلم معلومات الميزانية من النظام الفرعي للتمويل و معلومات تقيم المنتج من الهندسة الصناعية, و يتسلم نموذج النظام الفرعي للإنتاج معلومات تغذية مرتدة هامة كمدخلات من نموذج الرقابة على الجودة في شكل تقارير للجودة.
و بالرغم من أن هذه التقارير تظهر كوثائق في شكل نموذج الإنتاج الفرعي, إلا أنه تعتبر معلومات مرتدة الجودة تغذي مباشرة للنظام من خلال وحدات طرفية و أيضا التقارير الشفهية, وبالطبع عملية التصنيع لا يمكن السماح بتشغيلها بدون رقابة خلال الوقت المستنفذ لإعداد و تسليم التقارير المطبوعة بل يجب أن تصحح فوراً اكتشاف الانحرافات من معايير الجودة.
ب- مخرجات العمليات:
يعتبر جدول الإنتاج الرئيسي أهم مخرجات المعلومات الناتجة عن نظام العمليات, و الذي وصف كمدخل لنظام الإنتاج الفرعي, و مخرج آخر من نموذج الإنتاج يتضمن تقارير عن عدد المنتجات النهائية و المستهلك من الموارد خلال إنتاج المنتجات. هذه المخرجات هي بيانات فعلية تتم مقارنتها مع المعايير أو البيانات التقديرية للرقابة الإدارية, بينما كل هذه المخرجات تخزن في قاعدة البيانات أو تستخدم من النماذج الأخرى و النظم الفرعية الأخرى كما إنها يتم تضمينها في التقارير المطبوعة للمديرين المستخدمين لها.
ج- تشغيل العمليات:
البرامج الخاصة بإنشاء تقارير الإنتاج و المحافظة على سجلات الإنتاج تعتبر برامج بسيطة, كما أن الخاصية غير العادية في تشغيل العمليات هي تنوع وسائل المدخلات التي تؤخذ في الاعتبار, فالوقت الخاص بتشغيل الآلات قد يكون مدخل مباشر من سجل متصل مباشر بتشغيل الآلات والمواد المستخدمة يمكن الحصول عليها بملاحظة المعلومات المكتوبة على المواد ووقت العمال يمكن تسجيله بواسطة العمال على وحدات طرفية في موقع العمل, تحويل هذه الوحدات المختلفة التي يتم بواسطتها قياس الاستهلاك في شكل نقدي ممكن أن يتم بواسطة عامل نمطي للتكلفة.
-3-3-II الهندسة الصناعية:
قسم الهندسة سواء تم تصنيفه في إدارة الإنتاج كما هو متبع في هذا النموذج أو سواءاً تم تنظيمه في إدارة خاصة كما هو متبع في كثير من التنظيمات الصناعية الكبيرة يعتبر مسئولا بصفة رئيسية عن تصميم المنتج و التسهيلات الإنتاجية.
الهندسة الصناعية تعمل على اتصال وثيق مع التسويق عند التصميم المنتج و مع تخطيط الاحتياجات من المواد هي و غيرها عند تصميم التسهيلات الإنتاجية.
أ- مدخلات الهندسة الصناعية:
الهندسة تتضمن وظيفة البحوث و التطوير و التي قد تعتبر باهضة التكاليف إن لم يحسن الرقابة عليها, كما أن الميزانية تعتبر كمدخل آخر يحصل عليه من نظام التسويق الفرعي فإن الهندسة سوف تحصل على مدخلات بيئية متعددة في شكل التطويرات الحديثة في المواد و العمليات التصنيفية ومعايير الجودة و الأمان و غيرها من نتائج الأبحاث.
ب- مخرجات الهندسة الصناعية:
نجد أن معظم المعلومات التي يتم معالجتها في الهندسة للأغراض الداخلية و الاستخدام الهندسي إلا أن هناك عدة مخرجات أخرى لها فوائد هامة لباقي التنظيم, بيانات التكلفة توضع في تقارير لتسهيل الرقابة الإدارية. و المخرجات ذات العلاقة بالمنتجات متضمنة التصميم الذي يجب إتباعه في العمليات الإنتاجية و قائمة المواد التي يحتاج إليها نظام تخطيط الاحتياجات من المواد و معايير الجودة التي يتم استخدامها في الرقابة على الجودة.
ج- عمليات التشغيل في الهندسة الصناعية:
من المعتاد أن الهندسة خصوصاً إذا كانت منظمة في إدارات خاصة بها سوف يكون لديها تسهيلات الحاسب, كما أنها تكون متضمنة في نموذج المعلومات الإدارية, كحد أدنى من الممكن توقع أن أفراد الهندسة يكون لديهم إمكانية الدخول لأجهزة الحاسب الصغيرة لإجراء الحسابات الهندسية و الحسابات المتخصصة.و عندما يتطلب التقيين عرض لرسوم جغرافية معقدة و بعض عمليات التشغيل الفريدة من الضروري وجود أجهزة خاصة, و من خلال اتصالات البيانات يمكن الهندسة استخدام قاعدة بيانات نظم المعلومات الإدارية و نماذج البنوك للتطبيقات الروتينية مثل التكاليف و لكن قد يؤدي لدى الهندسة قاعدة البيانات و نماذج البنك للتطبيقات الهندسية الخاصة.
-4-3-II الشحن و الاستلام:
نموذج الشحن و الاستلام متعلق مبدئياً بمعالجة التحويلات و مع هذا فهي مهمة و تتداخل مع عنصرين هامين من البيئة وهي العملاء و الموردين.
أ- مدخلات الشحن و الاستلام:
في هذا النموذج المبسط سوف نأخذ في الاعتبار نوعين فقط من المعلومات كمدخلات للشحن و الاستلام, و هي تعليمات الشحن من نظام معلومات التمويل الفرعي, و الفواتير من الموردين, هذا بالإضافة إلى المدخلات المادية و هي المواد المستعملة من الموردين.
ب- مخرجات الشحن و الاستلام:
المعلومات المتعلقة باستلام المواد الخام و شحن منتجات النهائية ترسل من خلال قاعدة البيانات إلى تخطيط الاحتياجات من المواد لإدارة المخزون, فالعملاء يرسلوا الفواتير لتعكس شحن المنتجات أو ملاحظات عن مواعيد الشحن المتأخرة.

ج- عمليات الشحن و الاستلام:
إن عمليات التشغيل في الشحن و الاستلام كما هو متوقع عبارة عن أنشطة لمعالجة التحويلات تتكون إلى حدّ كبير من صيانة السجلات, و خاصة سجلات الأوامر غير المكتملة و التي ترسل فيها ملاحظات عن التأخير عن الموعد و التي يجب متابعتها للتأكد من عمليات الشحن لإحلال المخزون, كما أن هناك تطبيقات روتينية لمعالجة البيانات و التي يمكن تشغيلها من خلال اتخاذ أو اشتراك مختلف أجهزة التخزين و أجهزة المعالجة.
-5-3-II المشتريات:
وظيفة المشتريات تعتبر امتداد لنظام تخطيط الاحتياجات من المواد و من الممكن تضمينها في هذا النظام ما لم تكن هناك ضغوط تنظيمية للاحتفاظ بقسم مستقل للمشتريات, و كما هو واضح في النموذج فإن كل المدخلات لمشتريات الظاهرة في النموذج هي مخرجات لنظام تخطيط الاحتياجات المواد و تعليمات الأوامر المصدرة و الأوامر المخططة و الأوامر المعاد جدولتها و التي يتم معالجتها في أوامر المشتريات المصدرة لموردين للمواد الخام.
و يعتبر التداخل بين البيئة و الموردين سبب آخر للمحافظة على نموذج المشتريات مستقل, كما أنّ نموذج تخطيط الاحتياجات من المواد يعتبر نموذج داخلي و لكن المشتريات تتطلب معلومات خارجية كثيرة عن نوع و جوده و أسعار و جدولة التسليم و مدى توافر المواد الخام التي يتم الحصول عليها من موردين المنظمة.
إن المشتريات تعتبر على درجة الخصوص تطبيق جيد لقاعدة البيانات و قد تحتاج إلى قاعدة بيانات خاصة للمشتريات في نظم المعلومات الإدارية.





-6-3-II رقابة الجودة:
كما أن المشتريات متصلة بتخطيط الاحتياجات من المواد فإن رقابة الجودة على صلة وثيقة بالهندسة, و في بعض التنظيمات تكون جزء من الإدارات الهندسية, و السبب في وضعها منفصلة في هذا النموذج لتعكس طبيعة التنظيم الذي يسعى لتجنب أي تعارض بين إنشاء ومعايير الجودة (بواسطة الهندسة) و مسؤولية الجودة (العمليات) و مسؤولية قياس الجودة (بواسطة مراقبة الجودة).
و نموذج رقابة الجودة يستخدم مجموعة من النماذج الإحصائية لتحدد خطة العينات و تنشئ حدود الرقابة لاختبار صفات المنتجات المختلفة, و طبقاً لنوع المنتج والصفات التي يراد اختبارها و قياسها قد يتم بطريقة أتوماتيكية بواسطة أجهزة تحكم آلية أو بطريقة يدوية, و نظراً لأن الاختبار قد يكون مدمر للعينة فإن استخدام التدخل الإحصائي مهم بالنسبة لرقابة الجودة.















الخاتمة

في الأخير نشير إلى أن النشاط الإنتاجي هو أساس في المنظمات الاقتصادية بشكل عام, و في المنظمات الصناعية بشكل خاص, و للإنتاج أسلوبين أساسيين: الإنتاج المستمر, و الإنتاج المتقطع, والإنتاج كغيره من الأنظمة تسير معلوماتياً عن طريق مجموعة من الأفراد و التجهيزات و الإجراءات و البرمجيات وقواعد البيانات, تعمل يدويا أو أوتوماتيكياً أو آلياً على جمع المعلومات و تخزينها ومعالجتها و من ثم بثها إلى المستفيد.
و يعمل نظام المعلومات الإنتاجي على عدة مستويات, على مستوى تصميم المنتج و على مستوى الإنتاج, و على مستوى رقابة الجودة و على مستوى التكلفة. و يتكون نظام معلومات الإنتاج من تخطيط الاحتياجات من الموارد و العمليات التحويلية و الهندسية الصناعية و الشحن و الاستلام والمشتريات و رقابة الجودة.

















مراجع البحث:
الكتب العربية:

1- سليم الحسنية, مبادئ نظم المعلومات الإدارية, مؤسسة الوراق للنسر و التوزيع, الأردن, 1998.
2- سونيا محمد البكري, نظم المعلومات الإدارية " المفاهيم الأساسية", الدار الجامعية للطباعة و النشر و التوزيع, الإسكندرية, 1998.
3- كاسر نصر المنصور, إدارة الإنتاج و العمليات, دار حامد للنشر و التوزيع, عمان, 2000.
4- محمد علي منصور, مبادئ الإدارة "أسس و مفاهيم" , مجموعة الخيل العربية, القاهرة, 1999.

مذكرات الماجستير:
1- نوي طه جسين, نظم المعلومات الإدارية و تطويرها في المؤسسة الإقتصادية , رسالة ماجستير, جامعة الجزائر, 2001.

مراجع أخرى:
1- دروس و محاضرات الأستاذ " كساب علي", في مقياس "تسيير المخزون", للسنة الجامعية 2001/2000.

imane ammari
21-04-2009, 15:45
السلام عليكم اريد المساعدة من فضلكم بحث حول العمليات على السلع والخدمات

moukito
21-04-2009, 16:15
السلام عليكم أريد بحث حول التموين

toutou1235
21-04-2009, 17:49
السلام عليكم أريد بحث حول ادارة الأهداف أو ادارة المشاركة و شكرررررا :)

براوي الحبيب
21-04-2009, 17:59
سؤال أين نحن من اقتصاد في العالم

moh.2000
21-04-2009, 20:14
السلام عليكم
بحث التموين ولا تنسو الدعاء لنا بكل خير


الفصل الثاني: مدخل إلى وظيفة التموين
المبحث الأول: ماهية التموين
المطلب الأول: تعريف التموين، أنواعه، أهميته
المطلب الثاني: مكانة التموين بالمؤسسة
المبحث الثاني: وظائف التموين وعلاقته بالمصالح الأخرى
المطلب الأول: وظائف التموين
أولا: وظيفة الشراء
1- مفهوم وأهمية وظيفة الشراء.
2- أهداف الشراء.
3- العوامل المؤثرة في الشراء.
4- علاقة الشراء بالدوائر الأخرى.
ثانيا: وظيفة تسيير المخزون
1- تعريف المخزون وأهميته
2- أنواع المخزونات
3- تنظيم عمليات الخزن.
4- علاقة المخزون بالوظائف الأخرى.
المطلب الثاني: علاقة التموين بالمصالح الأخرى.










تمهيد:
تعتبر وظيفة التموين من بين الوظائف الأساسية التي لها علاقة مباشرة بالعملية الإنتاجية، نظرا لما تقوم به من التنفيذ اللازم للبرنامج الإنتاجي، هذا ما يجعلها تمثل مكانة بارزة وهامة بالنسبة لنشاط المؤسسة عموما، وإدارة الإنتاج والتسويق خصوصا.
إذن فهي تمثل عصب الحياة الاقتصادية التي تعتمد على مجموعة من الإجراءات والتقنيات والأساليب المتطورة والتخطيط المحكم، ووضع السياسات العلمية للبرامج اللازمة لتنفيذ وتنظيم ثم متابعة ومراقبة هذه الوظيفة ضمانا لاستمرارية تدفق الموارد والسلع الواردة للمنشأة أي تامين وتدبير احتياجات ومستلزمات الإنتاج وذلك بغرض تحقيق الهدف النهائي للمشروع الإنتاجي، فإن جميع الباحثين الاقتصاديين اتفقوا على أن التموين لم يحض بمفهوم واحد بل حضي بعدة مفاهيم.

















المبحث الأول: ماهية التموين
المطلب الأول: تعريف التموين، أنواعه، أهميته
أولا: تعريف التموين
للتموين عدة تعاريف تختلف باختلاف وجهات النظر لمتناوليها.
1- عرف P. COLONERI التموين على أنه: "ضمان إمداد المؤسسة بمادة مؤهلة لتأدية أية خدمة وذلك بالنوعية المطلوبة وفي الوقت المحدد، وبأدنى تكلفة ممكنة".
2- أما ROTARO فقد عرف التموين بأنه: "كل عملية يكون هدفها الحصول على منتوجات وخدمات ضرورية لسير عادي لعملية الإنتاج العادية".
3- أما تاروند ويعرف التموين على أنه الوظيفة التي تسير تدفقات مجموعة اللوازم الضرورية (منتوج، وسائل الإنتاج)، إلى جانب التدفقات اللامادية (إعلام) أو المالية.
4- في حين نجد تعريف الدكتور مصطفى زهير يفرق بين نوعين من التموين:
أ- التموين في المؤسسات التجارية: هو الشراء من أجل البيع حيث يبحث المشتري عادة على السلع التي يرغبها العملاء ودون وصف دقيق ومحدد لمواصفاتها، ثم يقوم بتوفيرها لمواجهة طلباتهم، وذلك بسعر يحقق الربح المناسب ويضمن في نفس الوقت قناعة العملاء.
ب- التموين في المؤسسات الصناعية: أين نجده يرتكز على المعايير المحددة والمواصفات لما لها من أهمية بالغة في مزاولة هذا النشاط .
5- بينما الدكتور محمد السعيد عبد الفتاح فيعرفه بأنه البحث عما يطلبه المستهلكون ثم شراء السلع بأنواعها المختلفة بأسعار مناسبة تمكنها من الحصول على عائدهم المناسب، ثم يقدم إلى المستهلكين على أمل أنها تتقابل مع رغباتهم في تحقيق إشباعهم من حيث الوجود والخدمة.
من خلال هذه التعاريف يمكننا القول بأن التموين هو مجموعة الإجراءات التي تسمح بوضع تحت تصرف المؤسسة في الوقت المناسب، والكمية المناسبة والجودة المناسبة، لكل المواد اللازمة لاستمرار عملياتها الإنتاجية وذلك بأقل تكلفة ممكنة.

ثانيا: أنواع التموين
يضيف التموين حسب طبيعة ونشاط المؤسسة إلى نوعين:
1- التموين الصناعي: وهو إمداد المؤسسة بالمواد الأولية والعتاد للقيام بالعملية الإنتاجية وضمان السير العادي لها وينقسم إلى نوعين:
أ- خارجي: وتسعى المؤسسة من خلاله الحصول على المواد الأولية والعتاد للقيام بالعملية الإنتاجية.
ب- داخلي: تهتم بتصنيع أو إنتاج مواد نصف مصنعة بالنسبة للمنتوج الرئيسي أو كمادة أولية بالنسبة للمنتوج النهائي أي أنه تموين ذاتي.
2- التموين التجاري: وهو الحصول على منتوجات معينة قصد إعادة بيعها ويعتبر تموينا خارجيا وعلى المؤسسة أن تجد الموردين (المموين) والمقارنة بين أسعارهم وشروطهم مع مراعاة الكمية المخزنة التي تظهر خلال الجرد في بطاقة المخزون.
ثالثا: أهمية التموين
أ‌- في المؤسسة الصناعية: تتمثل أهمية النشاط التموين الصناعي في:
- استمرارية عملية الإنتاج بحيث تزيد المواد الممونة في نجاح العملية الإنتاجية خاصة في المشروعات التي تتطلب مواد مرتفعة القيمة.
- إدخال التقدم التقني في المؤسسة.
- رفع إنتاجية العمل وتخفيض تكاليف الإنتاج.
- تحسين الوضعية المالية والاقتصادية للمؤسسة.
ب- في المؤسسة التجارية: تتمثل أهمية التموين التجارية فيما يلي:
- ضمان استمرار نشاطك التسويق في الوحدة التجارية والمساهمة في رفع إنتاجية العمل.
- المساهمة في تحسين نوعية الخدمات والوضعية المالية والاقتصادية وكذا تخفيض تكاليف التسويق.
المطلب الثاني: مكانة التموين
لا يقوم أي نشاط اقتصادي في المؤسسة دون أن تكون هناك عمليات تموين مسبقة لمختلف المواد ومستلزمات الإنتاج الضرورية، برنامجها وإتمامه بالشكل السليم وكل ذلك يستلزم وضع سياسة تموينية محكمة، من أجل ضمان تموين الوحدات الإنتاجية بشكل منتظم ومستمر، فإن أي انقطاع أو تأخر في التموين يؤثر سلبا على العملية الإنتاجية وبالتالي على حالة المالية المؤسسة، فكلما كانت أغلب مصادر التموين خارجة تتطلب سيولة مالية كبيرة كلما ازدادت مكانة التموين.
وهذا ما تعاني منه المؤسسة لهذا يجب وضع خطة استراتيجية قصيرة أو متوسطة المدى، في كيفيات تموينها، علما أن حصة المشتريات تمثل نسبة كبيرة ومهمة من إجمالي التكاليف التي تتحملها المؤسسة.
ويمتد ذلك ليؤثر على الاقتصاد الوطني، لذا فعلى المؤسسة أن تسير عمليات تموينها بأسلوب عقلاني وعلمي.
المطلب الثالث: أهداف التموين
إن الهدف الرئيسي لإدارة التموين هو توفير الاستمرارية لعمليات التموين، ويتحقق ذلك من خلال شراء المواد والمستلزمات عندما يحتاج إليها المشروع بأسلوب اقتصادي وهذا يتطلب تعامل وتكامل جميع أنشطة التموين (النقل، التخزين، الاستلام، الاتصال بالموردين...)، وبالتالي فإن إدارة التموين ترمي إلى تحقيق الأهداف التالية :
- ضمان لمداد المؤسسة بكل ما تحتاج إليه من مختلف المدخلات وذلك بالكمية المطلوبة والجودة والسعر المناسبين، ومن مصدر التموين الملائم وهذا بأقل تكلفة ممكنة.
- البحث عن الأنواع والبدائل الجديدة من مواد وغيرها من الأساليب الفنية التي يمكن أن تستخدمها المؤسسة.
- محاولة تخفيض رأس المال المستثمر في المخزون وبأسلوب لا يتعارض مع هامش الأمان والاعتبارات الاقتصادية الأخرى.
المبحث الثاني: وظائف التموين وعلاقته بالمصالح الأخرى
المطلب الأول: وظائف التموين
من الضروري الاهتمام بهذه الوظيفة، لما لها من أهمية في تحقيق الكفاءة الإنتاجية والتأثير البالغ في إدارة بقية الوظائف التي تحتاج إليها المشروع من أجل تحقيق أهداف المسطرة، وتتفرع وظيفة التموين إلى فرعين هما:
الشراء والتخزين

أولا: وظيفة الشراء
أ- مفهوم وظيفة الشراء:
في الماضي كان ينظر إلى وظيفة الشراء على أنها إدارة خدمات وهذا صحيح إلى حد ما، لأن الشراء ليس هدفا في حد ذاته فالمواد تشتري لمواجهة احتياجات المؤسسة، ولكن مع تطور الفكر الإنساني والاقتصاد العالمي وظهور شركات ضخمة تغير هذا المفهوم حيث أصبحت مرتبطة مع باقي الإدارات وذلك لكي يحقق الأهداف المسطرة، وعليه اتخذت وظيفة الشراء عدة تعاريف:
1- هي عملية القيام بالتدفقات المستمرة والفعالة للمواد الضرورية واللازمة حسب الحالة والمرحلة المطلوبة، وقد يكون الشراء بقصد الاستهلاك الشخصي أو بقصد البيع أو توفير المستلزمات الصناعية.
2- وهناك تعريف يرى بأن وظيفة الشراء هي الوظيفة المسؤولة عن دورة المواد من الوقت الذي يطلب فيه صنف ما إلى الوقت الذي يتم فيه تسليمه إلى الجهة التي تستعمله.
3- ويميز COLTON بين اصطلاحين الشراء والتوريد: "فيقول بأن الشراء هو الحصول على السلع والخدمات ودفع الائتمان المتفق عليها، ولذلك يتضمن الشراء إعادة المواصفات واختيار الموردين وإجراء المفاوضات وإبرام العقود وضمانات التسليم".
أما فالتوريد فيتضمن الشراء وما يتصل به من وظائف الاستلام، والفحص والرقابة على المخزون السلعي، والتخزين والتخلص من الفائض.
4-أما HODGE فيميز بين ثلاثة أنواع (اصطلاحات) وهي: البيع، الشراء، والتوريد فيرى أن اصطلاح البيع يشير إلى التبادل البسيط لسلعة أو شيء مقابل سعر متفق عليه سواء أكان هذا السعر معبر عنه بنقود أو أي سلعة أخرى.
أما اصطلاح الشراء فيشير إلى التفاوض والشراء والدفع.
في حين اصطلاح التوريد فهو حديث وله مفهوم أشمل، إذ كان نتيجة لتطور علم الإدارة حيث أضيفت خطوات هامة للشراء قبل وبعد إصدار الطلبية إلى المورد.
5- تعريف وظيفة الشراء على أنها: "الوظيفة المسؤولة عن توفير وتدبير احتياجات المشروع من المواد والتجهيزات المختلفة وفق سياسة محددة وواضحة بما يخدم نشاطات المشروع المختلفة للوصول إلى الأهداف المرسومة" .
ما تتضمنه وظيفة الشراء وهو إدارة الشراء بأسلوب منظم ومحكم فهي الإدارة المسؤولة عن تخطيط وتنظيم وتنفيذ ومراقبة الأعمال والمهام والأنشطة التي تهدف إلى تحقيق التدفق المستثمر للمواد والسلع بالكميات والنوعيات والأسعار والأوقات المناسبة، لإشباع حاجات الإدارات المختلفة في المشروع من مصادر الشراء الملائمة" .
ب- أهمية الشراء:
يتوقف نجاح المؤسسة بدرجة كبيرة على قدرتها في توفير ما تحتاج إليه من مواد أولية وتجهيزات بالكمية والجودة والأسعار المناسبة والوقت المناسب، وتتجلى أهمية وظيفة الشراء في:
- زيادة المنافسة بين المشروعات الصناعية لتقليل نفقات الإنتاج والاهتمام المتزايد بعنصر التكلفة.
- الندرة النسبية لكثير من المواد بسبب زيادة الطلب عليها، الأمر الذي أدى إلى زيادة إهتمام إدارة الإنتاج بضرورة توفير هذه المواد لضمان عدم توقعها.
- إنفاق نسبة كبيرة من إرادات المشروع وعلى المواد الداخلة في العمليات الصناعية.
- التوزيع السليم للاستثمار وعدم تجميده في المخزون.
- تنمية إدارة الشراء وترقيتها بنفس المستوى الذي تعمل به الإدارات المختلفة (المبيعات، الإنتاج).
- التقدم في أساليب البيع والإعلام وإدارة المشتريات والتناسق بين إدارة الإنتاج وإدارة المبيعات والإدارة الهندسية تحدد فرص النجاح.
2- أهداف الشراء :
يهتم قسم الشراء بتحقيق الكفاية وضمان استمرارية ونجاح المشروع، وبما أن مسؤوليته تتمثل في الحصول على المواد والسلع بالجودة والكمية والسعر والزمن المناسب والمصدر المناسب، واستلامها في المكان المناسب فاستقلالية إدارة المشتريات تكون ذات:
- تحقيق التدفق المستثمر للمشتريات أمر ضروري لاستمرارية العملية الإنتاجية بالمؤسسة، أما في حالة العجز بالوفاء بالاحتياجات نتيجة نفاذ المواد أو التأخير، يؤدي ذلك إلى توقف العمليات الإنتاجية.
- تحديد مستوى العناصر المشتراة وتتم بضمان جودة المواد التي تتناسب مع جودة المنتوج النهائي وتفادي حالة التلف والكساد.
- تخفيض المبالغ المستثمرة في المخزون إلى أقل ما يمكن، فالاحتفاظ بكميات كبيرة في المخزون من المواد يسفر عنه تجميد جزء كبير من رأس المال ويخلق منه مشاكل خاصة بالسيولة النقدية، علاوة على ما يتطلبه المخزون من نفقات الاحتفاظ به وما يتعرض له من مخاطر التقادم والاحتفاظ في القيمة، فلا يكفي الشراء فقط لاستمرار العمليات، بل يجب أن يكون بأقل استثمار ممكن في المخزون.
- الوصول إلى أنسب مصادر التوريد واستخدام عنصر المنافسة، لاختيار مصدر التوريد المناسب وإبرام العقود والاتفاقيات مع الموردين وتنمية العلاقات مع مصادر التوريد.
- تحقيق الشراء الاقتصادي بمراعاة قوى العرض والطلب المنظمة من أجل تحقيق أفضل اعتبارات السعر والجودة.
- توفير التكامل بين إدارة الشراء وغيرها من الإدارات في المشروع.
- دعم النشاط المشروع بنفقات مستثمرة من المواد والخدمات.
- إجراء الدراسات والأبحاث التي من شأنها رفع مستوى أداء وظيفة الشراء.
- دعم المركز التنافسي للمشروع وقدراته على تحقيق الأرباح، وذلك تأسيسا على تكلفة المشتريات التي تعتبر مؤشرا رئيسيا في نتائج الأعمال.
- تتبع عملية تسليم البضاعة في المواعيد المقررة بالأصناف والكميات المحددة.
3- العوامل المؤثرة في عملية الشراء:
أ- طبيعة الأسواق المنافسة: تحتاج المؤسسة إلى تنظيم الشراء بطريقة توفر الصلاحيات اللازمة في أسواق ترتفع بها المنافسة.
ب- طبيعة المواد: تتميز بعض السلع بالمواصفات الفنية المتميزة التي تجعل وظيفة الشراء باختيار أفضل المواد.
ج- تكلفة الشراء: ارتفاع تكلفة الشراء المواد مقارنة بالمؤسسات الأخرى، يدفع بالمؤسسة إلى وضع إدارة الشراء بمستوى إداري وتنظيمي يتناسب مع أهميتها والدور الذي تضطلع إليه.
د- حجم نشاط الشراء: يمثل عاملا أساسيا ومهما في وضع التنظيم المناسب لإدارة الشراء.
هـ- القدرة المالية للمنشأة: استقلالية وظيفة الشراء تجعلها دوما بحاجة إلى قدرات مالية تكفي لممارسة هذا النشاط بمعدل عن باقي الأنشطة فنقص المخصصات المالية يؤدي
إلى جمع أكثر من نشاط أو وظيفة.
شكل رقم 4: تنظيم إدارة الشراء في مشروع صغير الحجم


























4- علاقة وظيفة الشراء بالوظائف الأخرى :
من المؤشرات الدالة على أهمية نشاط تلك الصلات الهامة التي ترتبط بعدد من الوظائف الرئيسية بالمشروع وأهمها:
أ- علاقة وظيفة الشراء بالإنتاج:
تتعاون كلتا الوظيفتين (الإدارتين) في وضع المواصفات بالمواد المطلوبة للإنتاج، حيث تقدم إدارة أو وظيفة الشراء معلومات تتعلق بأنواع المواد المتوفرة في الأسواق، كذلك إبلاغ إدارة الإنتاج بمواعيد تسليم المواد والكميات.
فيما إدارة الإنتاج تقدم معلومات من خططها وبرامجها الإنتاجية المستقبلية.
ب- علاقة وظيفة (إدارة) الشراء بالتصميم والهندسة:
تختص إدارة الهندسة عادة بشؤون التصميم وتحديد المواصفات الفنية لاحتياجات المؤسسة، من المعدات والمواد وتعمد إدارة الشراء إلى إدارة الهندسة بالعمل على تبسيط التصاميم المطلوبة التي قامت بوضعها لتسهيل عملية الحصول على المواد.
ج- علاقة إدارة الشراء بالمبيعات:
تتمثل مجالات التعامل بين نشاط الشراء ونشاط البيع في عدة جوانب منها: تقديم المعلومات المتعلقة بأسعار المنافسين في الأسواق، وأسعار المواد البديلة لوضع سياسات التسعير المناسبة، حيث تستفيد إدارة الشراء من ذ1لك في تخطيط احتياجات المشروع من المواد.
د- علاقة الشراء بالمالية:
ارتباط الشراء بأموال المشروع ولكون الجزء الأكبر من دخل المؤسسة يذهب عادة في سبيل المشتريات، فإن العلاقة بين الشراء والمالية قوية، تتوضح خاصة فيما يتعلق بإعداد الموازنة التقديرية ومتابعة النفقات والارتباطات واعتماد تجاوزات الميزانية للاستفادة من فرص شراء أخرى.
هـ- علاقة إدارة الشراء بإدارة المراقبة:
تلعب إدارة المراقبة دورا كبيرا في عملية الشراء السليمة، حيث تكون هذه الإدارة على معرفة مسبقة بأساليب مراقبة الجحودة للموردين، أي للمواد المقدمة من طرف الموردين وبفحص وتحليل هذه المواد عند الاستلام ثم مقارنة المواصفات الواردة بالمواصفات المتفق عليها، ثم تعطي النتائج لإدارة الشراء.
و- علاقة إدارة الشراء بإدارة التخزين:
أهم ما يوضح قوة الصلة بين الشراء والتخوين يتجلى فيما يلي:
- تعطي إدارة الشراء للمخازن معلومات وافية ومفصلة حول خطط وبرامج الشراء المتوقعة.
- تقدم لها النصح والإرشاد فيما يتعلق بأساليب وأنظمة التخزين السليمة وطرائق الرقابة على المخازن.
- إعطاء معلومات حول طرق صيانة المواد بين التقادم والتلف.
- تقدم جداول مستمرة بين مواعيد تسليم المواد إلى المخازن.
- تقدم إدارة المخازن لإدارة الشراء معلومات تتعلق بالحد الأقصى والأدنى ونقطة إعادة الطلب للمواد.
- تبلغ إدارة المخازن عن المواد بطيئة الحركة والراكدة والمواد التي فقدت قيمتها.
- يجري تنسيق بين الإدارتين لتخفيض حجم الاستثمار في المخزون.
- تتعاون إدارة الشراء مع المخازن في تحديد الإجراءات وطرائق فحص وتفتيش المواد.
ثانيا: وظيفة تسيير المخزون:
التخزين و الاحتفاظ بالواد لحين الحاجة إليها، وعلى المؤسسة تخصيص إطارات التسيير المخزونات بهدف إيجاد مستوى أمثل من المخزون، بحيث يكون تكاليف في حدها الأدنى، وعليه فالمخزون عدة تعاريف:
1- تعريف المخزون وأهميته:
أ- تعريف المخزون:
هناك عدة تعاريف أعطيت من طريف متخصصين في هذا المجال منها:
- المخزونات هي "أصول مكونة من سلع خاصة بالمؤسسة وهي مخصصة إما للبيع مستقبلا أو من أجل استعمالها في الإنتاج الموجه للبيع" .
- المخزونات هي مؤونة منتجات في انتظار الاستهلاك لما يشمله من بضائع ومواد ولوازم، منتجات نصف مصنعة، أو أشغال قيد التنفيذ، منتجات تامة الصنع، أو فضلات ومهملات.
- ويعرف المخزون على أنه: "خزين السلع والمواد والأصول المختلفة الذي يجري إدامة خدمته لأغراض الشركة المختلفة كإعادة البيع والاستخدام في العمليات الإنتاجية المختلفة أو قطع غيار ومواد احتياطية، لأعمال الصيانة أو مواد وأصول لإدامة العمليات التشغيلية" .
- كما يعرفه pierre zermati أنه: "عبارة عن كمية متغيرة من المنتجات التي تزداد عن طريق المدخلات وتتناقص عن طريق المخرجات، حيث أن المدخلات هي كل المشتريات والمنتجات المصنعة، أما المخرجات فتشمل البيع أو التسليم" .
- ويعرفه أيضا: "يشمل جميع العناصر التي تحصلت عليها المؤسسة وأنتجتها والتي توجه للبيع أو الاستهلاك لغرض إشباع التصنيع والاستغلال" .
- وله تعريف آخر: "يتمثل في مجموع الكميات المحتفظ بها من المواد الأولية والمواد الوسيطية، والأجزاء والأدوات الاحتياطية وكذلك الأجزاء نصف المصنعة والسلع النهائية (تامة الصنع) التي قامت المؤسسة بإنتاجها أو شرائها" .
- كما يمكن أن نعرف المخزون: "يمثل احتياطي موجه لضمان وظيفة تقابل فيما بين التدفقات".







ونستطيع أن نوضح هذا من خلال الشكل الآتي يبين فيه دور المخزون المنظم بين التموين والاستهلاك.
الشكل رقم 6: المخزون كمنظم بين التموين والاستهلاك.









المصدر: مهملي الوزناجي، مرجع سابق، ص 26.
ومن خلال هذه التعاريف يمكن تعريف المخزون بصورة مختصرة وشاملة بأنه: "مجموعة من المواد والسلع في انتظار الاستهلاك أو البيع".
ب- أهمية المخزون:
تؤدي المخزونات دورا هاما وأساسيا في المؤسسة سواء أكانت صناعية أو تجارية لذا فإن التخزين يتم بكفاءة عالية، وبكيفية تؤثر على ربحية المشروع، ومنه نجد أن أهمية التخزين تكمن في:
- ضمان استمرار عجلة الإنتاج بتوفير السلع والاحتياج منها.
- المساعدة على إتباع أسلوب الإنتاج الكبيرة من خلال العمل على تخفيض تكلفة الوحدة المنتجة وذلك بالتوفير للمواد وحفظ منتجات تامة الصنع.
- يضمن للصناعات المستمرة الحصول على احتياجاتها بشكل مستمر طيلة العام عن طريق التخزين.
- تحقيق وفرات لا يستهان بها، مثل خصم الكمية والمناولة العلمية وتخفيض رأس المال المجمد في المخزون، والحد من الخسائر الناجمة عن التلف والضياع والسرقة...الخ.
- رفع مستوى جودة السلع.
- يقوم باستلام وتخزين النفايات وغيرها من الفضلات، كلما كان ذلك ضروريا.
- يضمن للصناعات الموسمية الحصول على احتياجاتها وتخزينها إلى حين دخول الموسم.
2- أنواع المخزونات: .
تصنف المخزونات إلى ما تحتويه من مواد إلى:
أ- مخزونات مواد أولية:
وتتمثل في المواد الأولية بشكل أساسي والتي تدخل في العملية الإنتاجية، وهذا من اجل جعل الإنتاج يسير دون توقف.
إذن يجب تخزين الكميات اللازمة من المواد الأولية لتحويلها إلى سلع جاهزة، شريطة ألا يزيد هذه الكميات عن حاجة الإنتاج، وكل زيادة تعني تجميد قيم دون مبرر، إذ يمكن توظيفها في استثمارات أخرى مما يعود على المؤسسة بفوائد إضافية.
ب- مخزونات نصف مصنعة:
تتمثل في المواد التي لا زالت تتطلب مزيد من العمل، وإنفاق المصاريف حتى تصبح سلعا جاهزة.
ج- مخزونات المواد التامة الصنع:
تنتظر البيع أو إعادة التوزيع وهذا النوع من المخزونات يرتبط مباشرة بظروف التسويق، حيث أن وجود منافسين كبار يلزم المؤسسة إلى التخفيض من أسعار البيع بهدف تسويق منتجاتها، أو اللجوء إلى التخزين الذي تنجر عنه الزيادة في أعباء وتكاليف التخزين، كما أن التنبؤ بارتفاع الأسعار مستقبلا يدفع بالمؤسسة إلى انتهاج هذه السياسة حتى تعمل على تحقيق رقم أعمال أمثل.
د- مخزونات تحت التشغيل:
في هذه الحالة تكون المفردات غير جاهزة وبحاجة إلى استكمال العمليات الصناعية عليها، قيم الاحتفاظ بها حتى تجهيزها.
هـ- المخلفات والفضلات:
وهي المواد المتبقية بعد القيام بالعملية الإنتاجية مثل زوائد الجلد، والحديد، أو السلع المعطوبة والآلات المتقادمة.

و- مواد التغليف:
وتشمل جميع المواد التي تستخدم في تغليف وحزم السلع سواء أكانت خشبية أو حديدية، أو زجاجية، كالأقفاص والبراميل والصناديق.
ومن مواد التغليف: المواد العازلة كالشمع والبلاستيك والبولسترين.
ي- العدد وقطع الغيار:
وتتضمن اليدوية كالمطارق والكهربائية، وقطع غيار اللازمة لماكينات، ويبرز هذا النوع بشكل خاص في الصناعات التحويلية والزراعية.
ن- التجهيزات الخاصة: بالتوازن والقياس والتثبيت والحمل.
ح- ودائع العملاء: وهي تلك السلع التي تحتاج لعمليات صناعية عليها مثل تركيب إضافات جديدة، أو وفقا لنظام الكفالة.
خ- مواد متنوعة أخرى: وتشمل الكثير من المفردات لم يتم ذكرها مثل: الملابس، أدوات السلامة وأدوات التنظيف وغيرها.
3- تنظيم عمليات التخزين:
المخازن هي الأماكن الموضوعة التي توضع فيها المواد المشتراة (مواد أولية)، أو المنتجات تامة الصنع، أو نصف مصنعة، والموجهة للعملية الإنتاجية، أو لإعادة بيعها أو لاستهلاك مباشر، حيث يتطلب تنظيمها اتخاذ التدابير اللازمة لتحديد مكان كل صنف بالمخزن، والوصول إليه بسهولة، في أقل وقت ممكن ذلك يساعد على استلام وترتيب وتخزين ومناولة وصرف الأصناف بأقل تكلفة ممكنة، وأيضا يسهل عمليات الجرد الفعلي وضبط عهدة المخازن.
ولعل أهم عمل يدخل في نظام تنظيم عمليات المخزن هو دقة اختيار موقعه وذلك بهدف حماية المخزن من المخاطر المختلفة كالتلف والفساد...الخ.
وكذلك سهولة عملية النقل التي تتم داخل المستودع من استخدام الناقلات الكهربائية والرافعات المتحركة، وعلب ورفوف المخزن والمصاغة الفردية والجماعية ومصاعد نقل المواد ويهتم تنظيم عمليات الخزن بإيجاد أفضل أسلوب تأمين احتياجات الإنتاج عند الطلب دون ضياع الوقت، وأن اتساع المخزن وعدد طوابقه وإمكانيات دخول وسائل النقل الكبيرة والصغيرة إليه، وطرق رفع الرفوف وإيجاد باب الدخول والخروج وشروط الخزن الداخلية بغية توفير درجات الحرارة الملائمة لنوعية السلع، ينبغي أن تضمن حفظ المخزونات وسرعة إدخالها وإخراجها من المخزن.
4- العلاقة بين التخزين والوظائف الأخرى:
أ- العلاقة بين المخازن والمشتريات:
تعتبر العلاقة بين المخازن والمشتريات علاقة وطيدة، ويتضح ذلك في عدم التعارض أو التكرار في الأداء، ويوجد الأعمال المشتركة بينهما كحفظ السجلات والأعمال الكتابية، كما يؤدي إلى تطوير نشاط الشراء، وتسهيل عملية إعداد وتدريب العاملين المختصين بأداء نشاطات الشراء والتخزين.
ب- العلاقة بين المخازن والإنتاج:
بعد تحديد مواصفات المواد المطلوبة للمؤسسة من طرف قسم الهندسة والتصميم، يتولى قسم الفحص لدى إدارة المخازن استلام وفحص هذه المواد، تبعا للمواصفات المحددة مسبقا.
ويحتاج قسم المخازن دائما إلى رأي المختصين في إدارة التصميم حول كيفية معالجة المواد التالفة والمتقادمة وإعادة تقييم هذه المواد.
د- العلاقة بين المخازن والإدارة المالية:
تقوم إدارة المخازن بالاحتفاظ بحسابات المخازن وكتابة التقارير التي ترفعها إلى الإدارة المالية، التي تزودها بالأسعار والتكاليف والصرف.
وتهتم الإدارة المالية بالإشراف على حسابات تكاليف التخزين وخدمة المخازن.
هـ- العلاقة بين المخازن والفحص:
يهتم قسم الفحص لدى إدارة المخازن باختيار وفحص المواد بعد استلامها لتقرير مطابقتها للمواصفات والمقاييس بعدها يتم تخزين هذه المواد إن كانت مطابقة وعكس ذلك يطلب من إدارة الشراء التدخل لتحديد الإجراء الذي يتوجب اتخاذه في التعامل مع هذه المواد المخالفة.
2- العلاقة بين المخازن والنقل:
يقوم قسم المخازن بتوفير المعلومات التفصيلية عن الشخص ومواقع التحميل ومناطق التفريغ ويتحمل مسؤولية توفير المعدات اللازمة لشحن وتفريغ البضائع بسهولة وسرعة، ويقع على عاتق إدارة النقل مسؤولية توفير السيارات وتقديم المعلومات الخاصة بالظروف المحيطة بعملية النقل.
المطلب الثاني: علاقة التموين بالوظائف الأخرى
تعد وظيفة التموين نشاطا مكملا لباقي النشاطات الأخرى، حيث ترتبط ارتباطا وثيقا بها لما لها من دور كبير وفعال في توفير مستلزمات هذه النشاطات من قطع الغيار ومواد أولية وتجهيزات لكونها قائمة على أسس ومبادئ خاصة بها وبالتالي لا نستطيع الاستغناء عن هذه الوظيفة الهامة مهما كان التغير الهيكلي في المؤسسة.
1- علاقة وظيفة التموين بإدارة الإنتاج:
إن المسؤولية الأولى لإدارة التموين هي خدمة إدارة الإنتاج التي يهمها الحصول على أقصى ما يمكن من المواد بأعلى درجة من الجودة في حين تعمل إدارة التموين إلى توفير هذه المواد بالكميات المناسبة والجودة الملائمة مما يستوجب على كليهما تبادل الآراء والمعلومات من أجل تحقيق التناسق بينهما لذا تعد إدارة الإنتاج مخطط إنتاجي وتسلمه إلى إدارة التموين لكي تقوم بالدراسة اللازمة للحصول على الأصناف المطلوبة، ولإدارة المشتريات الحق من مناقشة إدارة الإنتاج فيما يخص طلبات شرائها لكميات المواد ونوعيتها نظرا لدراستها بظروف السوق والتطورات المتوقعة في اتجاهات الأسعار.
2- علاقة وظيفة التموين بوظيفة الإدارة والمالية:
تهتم إدارة المالية بتحقيق التوازن المالي بين مجموع الواردات المتوفرة ومجموع الالتزامات المترتبة على المشروع، وتظهر هذه العلاقة بوضوح بين وظيفة التموين ووظيفة الإدارة والمالية في إعداد الموازنة التقديرية للمواد المشتراة، لكون عملية الشراء تترتب عليها التزامات مالية تتحملها المؤسسة.
3- علاقة وظيفة التموين بوظيفة المبيعات:
تساهم إدارة المشتريات في نجاح إدارة المبيعات وذلك عن طريق توفير المواد المطلوبة بأقل تكاليف ممكنة، كما يمكن لمصلحة المبيعات مساعدة مصلحة التموين في وضع تخطيط لمشترياتها مما يتوجب على إدارة المبيعات أن تخبر إدارة التموين بحصص البيع.
أ- إعلام إدارة المبيعات إدارة التموين بالتنبؤات المتعلقة بالمبيعات.
ب- ضبط مواعيد الاستلام التي عليها إدارة المبيعات مع العملاء ويتم بناء على قدرة إدارة التموين على توفير الاحتياجات من المواد المستلزمة.
ج- تقدير إدارة التموين لتكلفة المواد لاستخدامها في تكوين روض البيع
4- علاقة إدارة التموين بوظيفة الصيانة والمخازن:
تعمل إدارة التموين على توفير قطع الغيار اللازمة لمصلحة الصيانة، لتمكنها من استمرارية عمل الآلة الإنتاجية، وتساعد مصلحة الصيانة إدارة التموين على وضع مخطط لمشترياتها.
تحتوي إدارة المخازن على بيانات هامة تفيد مصلحة التموين للقيام بوظيفتها . كما أن وظيفة التموين تزود مصلحة المخازن بمعلومات تتعلق بالحد الأدنى والأعلى للأصناف المختلفة لكي تتمكن من إعادة المخزون إلى مستواه المطلوب، وبتخصيص مخازن جديدة في حالة الزيادة في كيفية المواد نتيجة انخفاض الأسعار في السوق للمواد الأولية وقطع الغيار.














خلاصة الفصل:
مما سبق ذكره خلصنا إلى أن التموين هو مجموعة الإجراءات التي تسمح بوضع تحت تصرف المؤسسة كل المواد اللازمة لاستمرار عملياتها الإنتاجية وذلك في الوقت المناسب والكمية المناسبة وبأقل تكلفة ممكنة ويصنف التموين حسب طبيعة ونشاط المؤسسة إلى نوعين (تموين صناعي، تموين تجاري)، وتكمن أهميته في كونه يحسن الوضعية المالية والاقتصادية للمؤسسة ويرفع من إنتاجية العمل...الخ.
كما يهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف كالبحث عن الأنواع والبدائل الجديدة من المراد وغيرها، ومحاولة تخفيض رأس المال المستثمر في المخزون...الخ.
يعتبر الشراء والتخزين وظيفتان أساسيتان لوظيفة التموين لما لها من أهمية بالغة في تحقيق الكفاءة الإنتاجية والتأثير البالغ في إدارة بقية الوظائف.
ووظيفة التموين لا تستطيع أن تتحقق بمعزل عن باقي النشاطات الأخرى، فهي وظيفة مكملة لها وذلك لدورها الفعال في توفير مستلزمات هذه النشاطات من مواد أولية قطع غيار، تجهيزات...الخ.

moh.2000
21-04-2009, 20:21
السلام عليكم
باقي البحوث راني مالقيتش للاسف...
تحياتي لجميع الاعضاء

نبيل عزيز
22-04-2009, 11:33
يا اخي انا ابحث عن بحث حول البطالة في الجزائر من فضلك

H_كريمة_H
22-04-2009, 11:40
السلام عليكم ، اريد مذكرة عن اعمال نهاية الدورة ، باسرع وقت ممكن ، جزاكم الله كل خير

moh.2000
22-04-2009, 17:30
السلام عليكم
اهلا اخواني للاسف مالقيتش البطالة عن الجزائر و اعمال نهاية الدورة
تقبلو تحياتي.......

imane ammari
22-04-2009, 20:36
من فضلكم اريد بحث حول العمليات على السلع والخدمات

imane ammari
22-04-2009, 20:38
السلام عليكم اريد بحث حول العمليات التوزيعية

انجيلا
22-04-2009, 20:55
مساء النور اريد بحث حول البنوك الاسلامية و علاقتها بالبنك المركزي الجزائري بلييييييييييييييييز

moh.2000
22-04-2009, 21:01
السلام عليكم
الاخت البحث نتاع العمليات على السلع و الخدمات مالقيتش للاسف...
بينما بحث التوزيع راني لقيت ومازال عندي مذكرة على التوزيع لكان تسحقيها يرجى الاتصال بالياهو او السكايب للحصول عليه لا تنسي الدعاء لنا بكل خير


المقدمة


بعد أن كنا في البحوث السابقة تعرضنا بالدراسة لعناصر المزيج التسويقي الثلاث الأولى و التي هي : المنتج ، التسعير ، الترويج ، ها نحن نصل من خلال بحثنا هذا إلى رابع عناصر المزيج التسويقي ، و الذي هو التوزيع و الذي يعد من الوظائف الأساسية للتسويق ، حيث يتم من خلاله نقل السلع من مصادر إنتاجها إلى أماكن الطلب عليها في الوقت المناسب .

من هنا يستمد التوزيع أهميته ، خصوصا مع تضاعف حدة المنافسة على السوق بين المنتجين الذين يحاول كل منهم التأثير على قرار المستهلك بالشراء ، من خلال توفير السلع بالحجم اللازم في المكان اللائق بالنسبة للمستهلك ، و في الوقت المناسب كذلك ، إذ لا يكفي أن يكون المنتج ذو جودة عالية ، و سعر مناسب مرفوق بترويج لائق و غير قادر على تلبية الرغبة من خلال عدم تمكن المستهلك من شراءه ، نظرا لعدم تواجده بالحجم المطلوب في المكان اللائق و في الوقت المناسب .

سنحاول من خلال هذا البحث الإجابة على بعض الأسئلة مثل مفهوم التوزيع و القناة التوزيعية ، و ما هي سياسات التوزيع و ما هي أشكال القناة التوزيعية ، و ما هي أشكال الوسطاء ، ماذا يقدمون من وظائفهم و ما هي معايير إختيارهم .

و ذلك من خلال المباحث التالية :
المبحث الأول : تعريف التوزيع و القناة التوزيعية .
المبحث الثاني :ما هي أشكال قنوات التوزيع .
وصولا إلى الوسطاء المستخدمين من قبل المنتج ، ماهي وظائفهم و كيف يتم إختيارهم .









المبحث الأول : تعريف التوزيع و القناة التوزيعية

سنحاول من خلال هذا المبحث ، تقديم تعريف للتوزيع و مكانته بين عناصر المزيج التسويقي و تقديم تعريف القناة التوزيعية .

المطلب الأول : تعريف التوزيع

هو تلك العملية التي تعنى بصرف أو نقل المنتج من مصادر إنتاجه إلى أماكن إستهلاكه و ذلك في المكان الذي يريده المستهلك ، و في الوقت الذي يرغب فيه قصد تحقيق المنفعة و إتباع الرغبة للمستهلكين ، فليس يكفي أن يكون المنتج ذو جودة عالية ، و سعر مناسب ، و مرفوق بترويج لائق ما لم يكن متوافرا بالحجم اللازم في المكان الذي يريده المستهلك ، و الوقت كذلك .
و حسب ميركل و أبوم Mircal and Abaum بغض النظر عن درجة جودة المنتج أو طريقة أدائه فإنه لا يمكن إتمام العملية البيعية ما لم يتوافر المنتج في السوق للمشتري المحتمل الذي يرغب في شرائه و هذا يعني ضرورة توفير المنشأة للمنتج في الوقت و المكان المناسب (1)
فهناك من الباحثين من ذهب إلى إعتبار أن التوزيع يمثل نصف التسويق ، و ذلك نظرا لمكانته بين عناصر المزيج التسويقي.

الفرع الأول : مكانة التوزيع وسط عناصر المزيج التسويقي

بالرجوع إلى التعريف السابق ، يمكن أن نلمس شيئا من أهمية التوزيع و مكانته الحساسة وسط عناصر المزيج التسويقي ، إذ لا يمكن أن تتم عملية البيع إن لم يتم إتخاذ الإجراءات اللازمة لجعل المنتج متوافرا في الوقت و المكان المناسب للمستهلك حتى لو كان المنتج الذي تقدمه المنظمة يتميز بخصائص متميزة من حيث الجودة أو السعر أو طريقة ترويجه ، فتوافر المنتج وفق الثلاث عناصر السابقة لا يعني تحقيق لعملية البيع إلا بتوفر رابع هذه العناصر الذي هو التوزيع .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1) د.توفيق محمد عبد المحسن – التسويق و تدعيم القدرة التنافسية –دار الفكر العربي – القاهرة – 2003 . ص 276

الفرع الثاني : سياسات التوزيع حسب درجة الشمولية

إذا جئنا إلى تقسيم سياسات التوزيع حسب درجة الشمولية نجدها ثلاثة أقسام ، سياسة التوزيع الشامل ، سياسة التوزيع الإنتقائي ، سياسة التوزيع الوحيد .

1سياسة التوزيع الشامل :
نستخدم سياسة التوزيع الشامل في حالة بيع السلع الإستهلاكية الميسرة ، فالمستهلك يطلب هذه السلعة ليحقق إشباع مؤقت و بالتالي فهو يسعى للحصول عليها من أقرب مكان و بأقل مجهود ممكن و تتيح هذه السياسة للمنتج التغطية الشاملة للسوق و إن كانت تحتاج إلى تكلفة مرتفعة حيث تقع مسؤولية الإعلان و الترويج على كاهل المنتج (1) أي توزيع السلعة في أكبر عدد من المتاجر التي يتردد عليها المستهلكون و يناسب ذلك السلع ذات الإستهلاك الواسع (2)

2 سياسة التوزيع الإنتقائي :

و تقوم هذه السياسة على أساس عرض السلعة في عدد محدود من متاجر الجملة أو التجزئة التي يتم إختيارها في سوق معينة و تناسب هذه السياسة السلع الإستهلاكية المعمرة ، و التي يكون المستهلك على إستعداد لبذل جهود خاصة في شرائها .

كما قد تقرر المنشأة الإعتماد على التوزيع الإنتقائي بعد التجربة العملية لسياسة التوزيع الشامل ، و قد يأتي هذا التغيير لتكلفة التوزيع الشامل أو لسوء أداء الوسطاء بالإضافة إلى إرتفاع درجة المخاطر ، و تمكن سياسة التوزيع الإنتقائي المنتج من إحكام الرقابة على مبيعاته بالإضافة إلى تقليل التكلفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) د.توفيق محمد عبد المحسن، المرجع السابق .
(2) د. هناء عبد الحميد سعيد : " إدارة التسويق " جامعة القاهرة ، سنة 1993 . ص217






3 سياسة التوزيع الوحيد :

طبقا لهذه السياسة يقوم المورد ببيع منتجاته إلى تاجر الجملة أو التجزئة في سوق معينة ، و طبقا لهذه السياسة أيضا قد يمنع تاجر الجملة أو تاجر التجزئة من التعامل مع منتجات منافسة
تستخدم هذه السياسة في سوق المستهلك النهائي خاصة بالنسبة لبعض المنتجات غالية الثمن ، كالملابس الفاخرة ، و قد يفضل المنتج أيضا سياسة التوزيع الوحيد عندما يكون تاجر التجزئة لديه القدرة على القيام بوظيفة التخزين كما أن هذه السياسة يكون مرغوب فيها في حالة قيام الموزع بأداء خدمات التركيب و الإصلاح بعد إتمام عملية البيع (3) ، أي مكان واحد ( بالنسبة للسلع الخاصة ) ، بحيث يقوم المنتج بتوزيع السلعة لدى موزع واحد يقوم بتوزيع الإنتاج الكلي في منطقة بيعية واحدة(4)

























ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(3) د.توفيق محمد عبد المحسن، المرجع السابق .
(4) د. هناء عبد الحميد سعيد ، مرجع سابق . . ص217





المطلب الثاني : مفهوم قناة التوزيع .

يعرف كوتلر القناة التوزيعية : " نسمي القناة التوزيعية مجموعة المتدخلين الذين يتحملون أنشطة التوزيع ، بمعنى الأنشطة التي تقوم بتمرير منتوج من مرحلته الإنتاجية إلى مرحلته الإستهلاكية " (1) مع الأخذ بعين الإعتبار أن إختيار قناة توزيعية يعتبر من أهم القرارات التسويقية .

و كتعريف ثاني ، يمكن أن نقول أن " القناة التوزيعية هي الطريق الذي تسلكه السلعة من المنتج إلى المستهلك النهائي أو المشتري الصناعي من خلال مجموعة من الأجهزة التسويقية المتخصصة التي تكون تابعة للمنتج أو مستقلة "
و عندما تكون مستقلة فهذا يعني أن يتم التوزيع عن طريق منشآت تسويقية متخصصة حيث قد تقوم هذه المنشآت إما بإمتلاك السلعة و من ثم توزيعها كما في متجر الجملة و متاجر التجزئة ، و إما أن لا تمتلك السلعة و لكن تقوم بتسهيل توزيعها مقابل عمولة تحصل عليها كما في حالة الوكلاء و السماسرة عن طريق إيجاد مشترين للسلعة(2)

فمن خلال التعريفين السابقين يمكن إستنتاج بعض الملاحظات الأساسية:
 أن طول القناة التوزيعية يمتد ما بين المنتج إلى مشتري السلعة بنية إستهلاكها مع شرط أن تحافظ السلعة على كافة خصائصها
 أن القناة التوزيعية تحوي على عديد من المتعاملين ، المنتج ، المستهلك ، الوسطاء ، أو الوكلاء .
و بناءا على هاتين الملاحظتين يمكن تقديم تعريف للقناة التوزيعية على أنها المسلك الذي تنتقل من خلاله السلعة من المنتج إلى آخر مشتري قصد إستهلاكها مع المحافظة على جميع خصائصها .




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) KOTLER et susois . publi.union.edition.paris.France.2000

(2) د.محمد وصفي عقيلي و آخرون ، " مبادئ التسويق " دار زهران للنشر و التوزيع عمان 1996 ص 278 .


الفرع الأول : الإعتبارات المؤثرة في إختيار قنوات التوزيع .

هناك أربع عوامل مؤثرة في إختيار قناة التوزيع و هي :
/1إعتبارات السوق
/2نوع المنتج
/3نوع الوسطاء
/4ظروف المنظمة

سنتعرض لكل إعتبار منها بنوع من التفصيل .
/1إعتبارات متعلقة بالسوق : هنا يجب تحديد لمن ستبيع المنظمة للمستهلك النهائي أم للمشتري الصناعي ، حيث توجد بعض المتغيرات في كلتا الحالتين :

1.1 – عدد المستهلكين المتوقعين : فمثلا لبيع آلات الحفر إلى الشركات البترولية ، تتصل الشركة مباشرة بالمستهلك ، أما إذا كانت تبيع الأوراق فعليها إستخدام الموزعين بدرجة مكثفة للوصول إلى الصناعات المختلفة التي تتعامل معها
2.1 – الإعتبارات الجغرافية : فالبيع المباشر قد يكون سهلا بالنسبة للمستهلك الذي يتركز في مناطق جغرافية محددة ، و في حالة ما إن كان السوق المستهدف هو سوق كلي لدولة ما ، نجد المنتج يفضل إنشاء فروع متخصصة لإتمام عمليات البيع دون الإعتماد على الوسطاء .
3.1 –حجم الطلبية : فمنتج المواد يعتمد البيع المباشر إلى محلات البقالة الكبيرة و المتخصصة في الطلبات ذات الحجم الكير و على الرغم من أن تاجر الجملة يقوم ببيع منتجاته من خلال متاجر التجزئة من أجل الوصول إلى محلات البقالة ذات الحجم الصغير .




































الفرع الثاني : تكامل قنوات التوزيع:

-1التكامل العمودي : يحدث التكامل العمودي عندما يكون هناك نوع من الإرتباط بين مشروع و بعض المشروعات الأخرى التي تكمل نوع النشاط الذي يقوم به المشروع كأن هذا التكامل بين المنتج و بين منشأة تقوم بتجارة الجملة في نفس النشاط و منشأة أخرى تقوم بتجارة التجزئة و بذلك يحدث التكامل الرأسي بين الإنتاج و التوزيع ، و لهذا التكامل الكثير من المزايا للمنتج هي :
 التناسق بين العملية الإنتاجية و بين العملية التسويقية.
 ضمان توفر السلع في الأسواق في الوقت المناسب .
 الرقابة بشكل فعال على الأنشطة التسويقية .
 الإنخفاض في تكلفة الإنتاج و التسويق و بالتالي توفير السلع للمستهلك بسعر مناسب.(2)












ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) د.توفيق محمد عبد المحسن ، التسويق و تدعيم القدرة التنافسية ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، مصر 2003 .
(2) مرجع سابق ص 280 .



المبحث الثاني : أشكال قنوات التوزيع .
بعد تطرقنا في المبحث السابق إلى تقديم تعريف للتوزيع و القناة التوزيعية ، و مكانة التوزيع وسط باقي عناصر المزيعج التسويقي ، و الإعتبارات المؤثرة في إختيار القناة التوزيعية و التي هي إعتبارات متعلقة بالسوق ، و أخرى متعلقة بالمنتج ، و أخرى متعلقة بالوسطاء ، و كذلك فيم يتعلق بظروف المنظمة ، سنحاول من خلال هذا المبحث التعرض بالدراسة لأشكال قنوات التوزيع ، و ذلك مع تبيان
خصائص كل قناة حيث نجد قناة توزيع مباشرة و أخرى غير مباشرة.

المطلب الأول : قنوات التوزيع المباشرة .
التوزيع المباشر هو قيام المنتج بتوزيع منتجاته دون الإعتماد على منشآت التوزيع المتاحة في السوق و هذا ما يعني إلا قيام المنتج بتوزيع سلعة إلى المستهلك النهائي من خلال الإتصال المباشر بينهما
و ذلك راجع للأسباب التالية :
-1 ضمان البيع بسعر أقل من حالة الإعتماد على الوسطاء ، أو زيادة هامش الربح .
-2 رغبة المنتج في الوصول إلى مستوى عالي من الرقابة على السوق .
-3 في حالة عدم وجود تجانس بين المنتج و الوسطاء ، بمعنى عدم تعاونهم .
-4 التقليل من المخزون .
-5 معرفة رد فعل المستهلك حول السلعة بشكل أسرع .
و لا يفوتني الذكر بأن التوزيع المباشر نجده شائعا في قطاع الخدمات مثل الخدمات الصحية ، البنوك ، الحلاقة ، فالمنتج يتصل بالمستهلك سواء كان مستهلكا نهائيا أو مستهلكا صناعيا (1)

الفرع الأول : بالنسبة للسلع الإستهلاكية
في حالة السلع الإستهلاكية ، نجد المنتج الذي هو نقطة إنطلاق السلعة يمكنه الإعتماد على خمسة طرق ، إما من خلال متاجر تعود ملكيتها له و إما الباعة المتجولين ، عن طريق البريد ، عن طريق الهاتف ، و خامسا البيع الآلي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) محمد فريد الصحن ، التسويق ، المفاهيم و الإستراتيجيات ، الإسكندرية ، مصر ، 1998 ص 362
(2) د.عمر وصفي عقيلي و آخرون ، مبادئ التسويق ، دار زهران للنشر و التوزيع 1996 ص281















الشكل (1) قنوات التوزيع المباشر – حالة السلع الإستهلاكية –






-1 متاجر ممتلكها المنتجون : نجدها شائعة في حالة قيام المنتج بتوزيع سلع سريعة التلف كالحليب و مشتقاته بالنسبة للسلع التي تتميز بالتغير المستمر تماشيا مع الموضة أو المجوهرات التي تتطلب جهدا خاصا ، إلا أن هذه الطريقة تعتبر مكلفة بالنسبة للمنظمة حيث عليها شراء عقارات أو كراءها و كذا تحمل أعباء رجال البيع من خلال الأجر ، إلا أنها أي هذه الطريقة تسمح بتدفق هائل للمعلومات من خلال الإشراف المباشر .
-2 الباعة المتجولون : إن هذه الطريقة تعتبر قديمة نوعا ما ، فهي لا تتطلب فتح متاجر و إنما تتطلب توافر رجال بيع أكفاء ، لهم قدرة الإقناع من خلال الإتصال المباشر مع المستهلك ، حيث يقوم رجل البيع بتجريب المنتج أمام المستهلك مقدما له مزاياه و خصائصه ، لكن يعاب على هذه الطريقة أن تتم الزيارات في وقت غير مناسب أو تخوف المستهلك من إتخاذ قرار الشراء بشكل سريع ، و شعوره بأنه تحت ضغط رجل البيع ، و حتى إنعدام الثقة لدى المستهلك و تخوفه من الوقوع في الغش .

-3 البيع عن طريق الهاتف : تستخدم هذه الطريقة من طرف بعض متاجر التجزئة ، حيث يقوم المستهلك بالإتصال هاتفيا بالمتجر و طلب بعض السلع الإستهلاكية ، مع تكفل المتجر بنقل هذه السلع إلى المستهلك .
إن هذه الطريقة تشبه طريقة البيع بالبريد ، حيث يتلقى المستهلك قائمة بالسلع التي ينتجها المنتج ، حيث يقوم المستهلك بالإطلاع عليها و إختيار ما هو مقبل على شرائه ، فيقوم بالإتصال بالبائع بالهاتف الذي يتكلف بإيصال السلعة إلى المستهلك إما عن طريق البريد إن كان بعيدا و إما أن تصله السلعة في نفس يومها إن كان قريبا .

-4 البيع بالبريد : يتم من خلال هذه الطريقة طلب المستهلك للسلعة عن طريق البريد بعد إطلاعه على كاتالوجات يعدها المنتج تحوي على صور المنتوجات شرط أن تكون بالألوان ، مدعمة بقائمة خصائص هذه المنتوجات فيقوم المنتج بإرسال السلعة عن طريق البريد كذلك ، و لكن لضمان نجاح هذه الطريقة لا بد من وجود نظام بريدي كفن يتميز بالسرعة و الإئتمان .

-5 البيع الآلي : تنتشر هذه الطريقة في الأماكن العامة ، كالجامعات و محطات القطارات و المدارس العسكرية ، حيث يقوم المستهلك بوضع قطعة نقدية للحصول على السلعة التي قد تكون سجائر أو مياه غازية قهوة ، شاي ، و لكن يستلزم إختيار المواقع المناسبة ، و الإشراف المستمر عليها لجمع النقود و تزويد الماكنات بالسلع (1) .

الفرع الثاني : بالنسبة للسلع الصناعية :
بالنسبة لقنوات التوزيع المباشرة للسلع الصناعية يمكن تصنيفها إلى صنفين هما ، المعارض المتخصصة و مندوبي البيع .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) المرجع السابق ص 285 .

















































(2 شكل)
قنوات التوزيع المباشر للسلع الصناعية
































-1 الفروع و المكاتب : يقوم بعض المنتجين بتأسيس فروع لهم بهدف القيام بعملية توزيع سلعهم إلى المشترين الصناعيين و تحتفظ هذه الفروع بمخزون سلعي ، حيث يتوفر فيها الفنيون المتخصصون في السلعة و الذين لهم القدرة على مساعدة المشترين في التعرف على مواصفات السلعة و خدماتها و طرق إستخدامها ، كما يوفرون خدمات الصيانة و التصليح لمن يريدها من هؤلاء العملاء .
فالمنظمات التي تنتج سلعها وفقا لطلبيات المستهلكين الصناعيين تكون في غنى عن إنشاء الفروع و المكاتب ، لإمكانية شحن السلع مباشرة إلى المستهلكين الصناعيين ، و هو ما أدى إلى تراجع عدد المنظمات التي تستخدم الفروع و المكاتب في توزيع سلعها (1)

-2 المعارض المتخصصة : و تكون إما على المستوى المحلي ، أو على المستوى الدولي ، إذ يقوم المنتجون الصناعيون من خلالها بعرض سواء المنتجات أو قطع غيارها أو عرضهما معا ، حيث يقوم المستهلكون الصناعيون بزيارة هذه المعارض للإطلاع عن قرب عن المنتجات و خصائصها ، فتتم عملية عقد صفقات الشراء عن طريق هذه المعارض .

-3 مندوبو البيع : حيث وفق هذه الطريقة ينوب مندوبو البيع عن المنتج الصناعي من خلال قيامهم بالطواف على أسواق المشتري الصناعي ، و طرح نماذج من السلع التي يقوم بانتاجها المنتج الصناعي ، لكن هذه الطريقة في حاجة إلى مندوبي بيع يتصفون بكفاءة عالية المستوى ، محيطين بكل مميزات المنتج الذي يوزعونه فإتصافهم بالقدرة على الإقناع و التفاوض ، بالإضافة إلى جودة المنتج كفيل بإبرام صفقات لصالح المنتج الصناعي ، لكن عيب هذه الطريقة هو العمولات الضخمة التي يتلقاها المندوبون نظير قيامهم بعملية التوزيع (2).








ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) د.أحمد شاكر العسكري، التسويق مدخل إستراتيجي ، دار الشروق ، عمان ، الأردن ، 2000 ص161
(2) د.عمر وصفي عقيلي و آخرون ، مبادئ التسويق ، دار زهران للنشر و التوزيع عمان الأردن 1996 ص 286


المطلب الثاني : قنوات التوزيع الغير مباشر :

بعد تعرضنا في المطلب السابق لقنوات التوزيع المباشرة على شكليها ، نأتي من خلال هذا المطلب لدراسة قنوات التوزيع الغير مباشرة و التي تنقسم هي الأخرى لقسمين هما قناة غير مباشرة لتوزيع السلع الإستهلاكية و قناة توزيعية غير مباشرة للسلع الصناعية ، حيث سنأتي لدراسة كل قناة على حدى من خلال تخصيص فرع لكل قناة .

إن هذه الطريقة أدت إلى إعتمادها بعض الظروف التي يمكن أن نوجزها في :
-1 البعد الجغرافي : فبعد المنظمة عن مكان تواجد المستهلكين يؤدي إلى إعتماد وسطاء لتمام عملية التوزيع خصوصا في حالة المنظمات الضخمة ذات الصيت الدولي الواسع
-2 يعمل الوسطاء على توفير السلعة في المكان المناسب و في الوقت المناسب لتحقيق الإشباع المطلوب .


-3 يعمل الوسطاء على نقل المعلومات الخاصة بتفضيلات المستهلكين قصد الوصول إلى مستوى تلبية حاجاتهم و مطالبهم المختلفة (1)

الفرع الأول : قناة التوزيع غير المباشرة للسلع الإستهلاكية :

للسلع الإستهلاكية مجموعة من القنوات التوزيعية الغير مباشرة ، تتلائم و السلع المرغوب في توزيعها.
فهي تختلف باختلاف طبيعة السلعة و الحجم المرغوب في توزيعه ، إذ نميز بين ثلاث قنوات هي :

أولا : من المنتج إلى تاجر التجزئة إلى المستهلك ، يشترط لإعتماد هذه القناة أن تكون القدرة لتجار التجزئة للشراء بكميات ضخمة ، إذ تصل السلعة إلى المستهلك النهائي من المنتج بمرورها عن وسيط واحد هو تاجر التجزئة .

ثانيا : من المنتج إلى تاجر الجملة إلى تاجر التجزئة إلى المستهلك : و هي قناة تقليدية بعض الشئ يتم إعتمادها في حالة عدم قدرة تجار التجزئة على الشراء بكميات كبيرة ، فيمكن إعتبارها كبديل للقناة الأولى .

ثالثا : من المنتج – إلى الوكيل – إلى تاجر الجملة ، إلى تاجر التجزئة إلى المستهلك ، تعتمد هذه القناة من طرف المنظمات الضخمة ، ذات الإنتاج الكبير (2)

و الشكل التالي من شأنه إيضاح فكرة القنوات الغير مباشرة للتوزيع .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) محمد فريد الصحن ، المفاهيم و الإستراتيجيات الإسكندرية مصر 1998 ص 363
(2) د.عمر وصفي عقيلي و آخرون – مبادئ التسويق – دار زهران للنشر و التوزيع ، عمان ، الأردن ، 1996 ص 289 .






























الفرع الثاني : قنوات التوزيع الغير مباشرة للسلع الصناعية:

هنا يمكن تقسيم القناة إلى صنفين هما :

أولا : من المنتج الصناعي إلى الوكيل إلى المشتري الصناعي ، بحيث يقوم الوكيل بدور الوسيط بين المنتج الصناعي و المستهلك الصناعي .

ثانيا : من المنتج الصناعي – إلى الوكيل الصناعي ، إلى الموزع الصناعي ، إلى المشتري الصناعي فتمر السلعة بوسيطين قبل وصولها إلى المشتري الصناعي .

المطلب الثالث : أشكال الوسطاء المختلفة و مردوديتهم :

هنا يمكن تقسيمهم لصنفين : وسطاء يمتلكون السلعة ، و وسطاء لا يمتلكون السلعة بمعنى إمتلاك السلعة من عدمه و هي في طريقها إلى المستهلك النهائي.

أولا : وسطاء لا يملكون السلعة و هم من لا تصبح السلعة تحت ذمتهم أثناء إنتقالها من مناطق إنتاجها إلى مناطق إستهلاكها .

1. الوكلاء : هم الذين يقومون ببيع السلعة نيابة عن المنتج مقابل عمولة و هناك عدة أنواع من الوكلاء هي:
1.1 السمسار : ليست له حرية تحديد السعر و لا شروط البيع ، تنتهي علاقته بالعملاء بإنعقاد الصفقة أو نهايتها يظهر في العقارات و الأوراق المالية
2.1 وكيل الشراء : و هو يمثل المشتري ، علاقته مع زبائنه تكون طويلة .
3.1 وكيل البيع: يسمح وكيل البيع للمنتج بالتفرغ للعملية الإنتاجية ، و يتحمل هو العمليات المتعلقة بالبيع حيث تكون له صلاحية تحديد السعر مع التحديد في العقد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) المرجع السابق ص 290

4.1 وكيل المنتج : و هو يمثل منتجا واحدا أو عدد من المنتجين بشرط أن يكونوا متنافسين ، لكن صلاحياته تكون قليلة إذا ما قارناها مع صلاحيات وكيل البيع .

5.1 بائعي المزاد العلني : حيث يتم إعلام المستهلكين بطبيعة السلع و وقت و مكان البيع بالمزايدة و ذلك نيابة عن مالك السلعة فمهمتهم تكمن في التوفيق بين البائع و المشتري (1)

ثانيا : وسطاء يمتلكون السلعة : هنا تصبح السلعة تحت تصرف المكلف أي عند إنتقالها من المنتج إلى المستهلك تكون ملكيتها عائدة للمكلف بنقلها ( الموزع ) حيث نميز بين ثلاثة أصناف .

-1 تجار التجزئة : و هم يمثلون الخط الأمامي مع المستهلك ، فتجارة التجزئة تمثل حلقة هامة بين المنتج و المستهلك حيث تبرز أهميتها في النقاط التالية :

1.1 يعني تاجر التجزئة بعرض تشكيلات كثيرة و متنوعة أمام المستهلك بعد القيام بتجميعها من مصادر متعددة .

2.1 يقدم تاجر التجزئة خدمة البيع بالتقسيط و الإئتمان خصوصا في حالة السلع المعمرة.

3.1 إمكانية تلبية حاجات و رغبات المستهلكين بسرعة نتيجة الإتصال المباشر بهم و نشوء علاقات شخصية بين صاحب المتجر و المستهلكين

4.1 يعمل تاجر التجزئة على بذل جهد أكبر و ذلك نظرا لوجود المصلحة الشخصية و حافز تحقيق
الربح (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) محمد فريد الصحن ، التسويق المفاهيم و الإستراتيجيات ، الإسكندرية ، مصر 998 ص 374
(2) د.عمر وصفي عقيلي و آخرون ، مبادئ التسويق ، دار زهران للنشر و التوزيع عمان ، الأردن ، 1996 ص294

-2 تجار الجملة : و هم الذين يعنون بعملية الربط بين تجار التجزئة و المنتجين ، و لا ينوط بهم البيع المباشر للمستهلك النهائي ، فتاجر الجملة هو كل شخص طبيعي أو معنوي يقوم بالبيع إلى أولئك الأشخاص الذين يشترون السلع لأحد الغرضين :
• إما إعادة بيع السلع التي يقومون بشرائها للمستهلك النهائي .
• إستعمال السلع التي يشترونها في عملية الإنتاج .
فهو يعمل على مساعدة المنتج في تصريف إنتاجه حيث يقسمها إلى وحدات صغيرة تتناسب و حاجة تاجر التجزئة ، كما يتحمل جزءا من تكاليف التخزين عن المنتج .
فمن خلال ما سبق يمكن الإشارة إلى الوظائف التي يقدمها الوسطاء للمنتج و المستهلك على حد سواء .

الفرع الأول : الوظائف التي يؤدونها :

فقد لخص " كوتلر " هذه الوظائف في النقاط التالية :
- البحوث إذ يعتبر جمع المعلومات ضروري لتخطيط و تسهيل عملية التبادل ، و تفيد المنتج في تخطيط و تنفيذ الوظائف التسويقية .
- المفاوضة فالوسيط يقوم نيابة عن المنتج بالإتفاق النهائي سواء مع المستهلك النهائي أو المشتري الصناعي حول السعر و بعض الشروط الأخرى حتى يتم نقل ملكية السلعة إلى المستهلك .
- تحمل المخاطر مثل انخفاض السعر ، تغير أذواق المستهلكين ، التلف ، خصوصا عند شراء السلع و تخزينها مع إنتظار حلول الطلب عليها .
- الإتصال فهم الأقرب إلى المستهلك مما يمكنهم من الحصول على ردود فعله .
- التمويل ، حيث يقوم بعض الوسطاء بالدفع مقدما للمنتجين ، و ذلك لشراء منتوجهم لفترة معينة.
- الترويج من خلال التأثير على المستهلكين لشراء السلع و ترويج منتجات الشركات ، و حتى إشتراكهم في بعض الأحيان ببرامج الترويج التي يقوم بها المنتجون (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) محمد فريد الصحن ، التسويق المفاهيم و الإستراتيجيات ، الإسكندرية ، مصر 998 ص67 .

الفرع الثاني : معايير إختيار الوسطاء

أولا : معيار تغطية السوق : فحجم السوق المستهدف خدمته فكلما طالت منافذ التوزيع كلما سهل تغطية السوق بشكل أفضل .

ثانيا : الرقابة : فنجد المنتج يحاول التأكد من حين لآخر أن سلعته معروضة بشكل جيد و في المكان الملائم ، حيث أن بعض السلع تحتاج إلى طريق معينة للبيع و مهارات بيعية عالية ، مما يستوجب اختيار الوسطاء الذين يستطيعون القيام بهذه المهام .

ثالثا :التكلفة : فكلما كان عدد الوسطاء قليلا كان سعر المنتج منخفضا و بالتالي يكسب ميزة تنافسية في السوق من حيث السعر .

رابعا : القدرة على الملائمة و التكيف و تعني مرونة المنتج في تغيير منافذ التوزيع عند الرغبة في ذلك ، فإعتماد الوكلاء كوسطاء يترتب عليه إلتزام طويل (1)

من خلال الأربع معايير السابقة نلمس بعض التناقض فمن جهة معيار تغطية السوق يتطلب الكثير من التكاليف و تقلل من الرقابة التي يفرضها المنتج على الوسطاء لكثرتهم ، بينما نجد أن الإعتماد على عدد قليل من الوسطاء يزيد من درجة الرقابة و يعمل على إنقاص قيمة التكاليف لكنه لا يسمح التغطية المطلوبة للسوق .

فيبقى على مسؤول التسويق في الشركة العمل على تحقيق شئ من التوازن بين هذه المعايير للوصول إلى إختيار بديل أكثر جاذبية و الذي يحقق أهداف المنظمة .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) د.فريد الصحن ، التسويق ، المفاهيم و الإستراتيجيات ، الإسكندرية ، مصر ، 1998 ، ص 387 .




الشكل التالي يوضح كيف يقلل الوسطاء من المعاملات في نظام التوزيع .


































الخاتمة :

بوصولنا إلى خاتمة هذا البحث نكون قد وصلنا للحصول على إجابات لبعض التساؤلات ، فأدركنا أن كل منتج يجب أن يتوصل لبناء إستراتيجية تتلائم و طبيعة منتوجه و إمكانياته و كذا أهدافه التي يرغب في تحقيقها من خلال هذا المنتج .

إذ يكون عليه إختيار قناة توزيع تتلائم و أهدافه ، وذلك وفق إعتبارات كنا وصلنا إليها من خلال بحثنا هذا ، فالوصول لإعتماد تصميم قناة توزيعية يتوجب على المنتج المفاضلة بين عديد من المعايير و محاولة المزج للوصول إلى تغطية عيب كل معيار بمحاسن معيار آخر .

و يبقى هو موضوع التوزيع بمثابة الموضوع الواسع من حيث مجالات الدراسة و البحث و ذلك من خلال التشخيص لبيئة المجتمع موضوع الهدف.
































قائمة المراجع

اللغة العربية :

-1 د.توفيق محمد عبد المحسن ، التسويق و تدعيم القدرة التنافسية ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، مصر 2003
-2 د.أحمد شاكر العسكري ، التسويق مدخل إستراتيجي ، دار الشروق ، عمان ، الأردن ، 2000
-3 د.محمد فريد الصحن ، التسويق ، المفاهيم و الإستراتيجيات ، الإسكندرية ، مصر ، 1998
-4 د.عمر وصفي عقيلي و آخرون ، مبادئ التسويق ، دار زهران للنشر و التوزيع ، عمان ، الأردن ،
1996
-5 د.هناء عبد الحميد سعيد ، إدارة التسويق ، جامعة القاهرة ، ، مصر ، 1996

اللغة الفرنسية :
- KOTLER et DUBOIS , MARKETING MANAGEMENT , UNION ,Edition Paris,France,2000.

moh.2000
22-04-2009, 21:05
الاشكال البيانية ماخرجوش للاسف

انجيلا
22-04-2009, 21:08
احتاج لبحت عن البنوك الاسلامية و علاقتها بالبنك المركزي الجزائري تحديدا بليييييييييييييييييييييييييز اريد مساعدة:o

lakhdarayachi
22-04-2009, 21:14
__________________________________________________ __________________________________________________ ___ تجربة البنوك الاسلامية في الجزائر – الواقع والآفاق

د/ سليمان ناصر – جامعة ورقلة
ملخص : تتناول هذه الدراسة تقييم تجربة جديدة في النظام
المصرفي الجزائري، وهي تجربة البنوك الإسلامية ممثلة في بنك
البركة الجزائري. وإذا كانت هذه الدراسة تقييميه مختصرة، فمن
الناحية المنهجية اعتمدنا على التحليل بواسطة المؤشرات الأكثر
دلالة للوقوف على واقع هذه التجربة، ولنصل من خلالها إلى
تصور لآفاقها المستقبلية.
الكلمات المفتاح : النظام المصرفي الإسلامي ، البنوك الإسلامية ،
بنك البركة الجزائري .
Résumé : L’objet de cette étude est d’évaluer
une nouvelle expérience dans le système
bancaire algérien, qui est celle des banques
islamiques. Sur le plan méthodologique, nous
avons utilisé les indices les plus indicatifs tout en
mettant en évidence les pérspéctives de cette
expérience.
Les mots clés : Système Bancaire Islamique ,
Banques Islamiques , Banque Al Baraka
d’Algerie.
مقدمة : تعتبر تجربة البنوك الإسلامية في الجزائر حديثة العهد
نسبيًا، حيث دخلت عامها العاشر وسجلت عقدًا من الزمن مع
منتصف عام 2001 ، و بما أن هذه التجربة تعتبر جزءًا من النظام
المصرفي الجزائري الذي يعيش تحولات و إصلاحات تتماشى و
ظروف العصر ومتغيرات العولمة، فقد حاولنا رصد هذه التجربة و
تقييمها للوقوف على آفاقها من خلال هذه الدراسة المختصرة.
و بما أن تجربة البنوك الإسلامية في الجزائر تتمثل أساسًا في تجربة
فإن Banque Al Baraka d’Algerie بنك البركة الجزائري
هذا البحث المختصر سوف يكون حول هذا البنك كدراسة
تقييمية لهذه التجربة القصيرة، و رصد ما حققته من إنجازات أو ما
سجلته من إخفاقات، و ذلك بالاعتماد على بعض الأرقام
والمؤشرات التي وردت في تقارير هذا البنك، أو بعض النسب التي
تنتج عن تحليل هذه الأرقام.
و بالنظر إلى قصر لتجربة التي عاشها بنك البركة الجزائري؛ فإن
دراسة بعض الأرقام أو النسب سوف تكون خاصة بالفترة
2000 ) كدراسة تقييميه مختصرة على أساس أن – 1993)
بداية هذه الفترة تعتبر الانطلاقة الحقيقية للبنك كما سنرى لاحقًا،
كما أن هذه الدراسة سوف تقتصر على جانب الأنشطة
المالية دون الجانب البشري، وذلك بغرض الوصول إلى
بعض الحقائق والاستنتاجات العلمية و لو من خلال هذه
الدراسة المركزة بما يفيد البحث العلمي و بما ينير الطريق
أمام المسؤولين عن هذه التجربة الفتية.
- 1 النظام المصرفي الإسلامي، المفهوم و الأدوات
1 – مفهوم النظام المصرفي الإسلامي و نشأته : – 1
النظام المصرفي الإسلامي هو آلية لتطبيق العمل المصرفي
على أسس تتلاءم مع مبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء،
وبطريقة لا يتم التعامل فيها بنظام الفائدة أخذًا أو عطاءًا
لأن ذلك يعتبر ربِا محرما في الإسلام. و إذا كان النظام
المصرفي التقليدي يعتمد على نظام القرض بفائدة و بالتالي
فإن العلاقة التي تربط البنك بمودعيه وعملائه هي علاقة
دائن و مدين، فإننا نجد بالمقابل أن النظام المصرفي
الإسلامي يعتمد على نظام المشاركة في الربح و الخسارة و
بالتالي فإن علاقة البنك بمودعيه هي علاقة شريك
بشريكه.
تعتبر تجربة النظام المصرفي الإسلامي حديثة العهد نسبيًا،
حيث بدأت لأول مرة في ريف مصر سنة 1963 من
طرف الدكتور أحمد النجار الذي أسس ما يسمى ببنوك
الإدخار المحلية للتعامل مع صغار الفلاحين بجمع مدخرام
ثم تمويل مشاريعهم الفلاحية وفق أسس إسلامية، لكن
الفكرة ُأجهضت سنة 1967 ، لتنتقل بعدها إلى دول
الخليج حيث ُأنشئ أول بنك إسلامي بالشكل الحديث في
جدة بالمملكة العربية السعودية سنة 1975 وهو البنك
الإسلامي للتنمية حيث كانت ملكيته وتعامله أساسًا مع
الدول و الحكومات خاصة منها الأعضاء في منظمة المؤتمر
الإسلامي، وفي نفس السنة ُأنشئ أول بنك إسلامي خاص
يتعامل مع الأفراد و هو بنك دبي الإسلامي.
__________________________________________________ __________________________________________________ _________________ 2006 / مجلة الباحث - عدد 04
24
- 2 أدوات النظام المصرفي الإسلامي : – 1
يمكن التمييز بين نوعين من أدوات النظام المصرفي الإسلامي
حيث منها ما يتعلق التمويل والإستثمار و منها ما يتعلق
بالخدمات المصرفية.
أولا - أدوات التمويل و الاستثمار : و تمثل الصيغ التمويلية
التي يمكن أن يشارك ا البنك الإسلامي عمي ً لا من عملائه، و هي
مستنبطة في معظمها من كتب الفقه الإسلامي و منها :
-1 المضاربة : يعرفها ابن رشد كما يلي : " أن يعطي الرج ُ ل
الرج َ ل المال على أن يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من
. ربح المال، أ  ي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثًا أو ربعًا أو نصفًا" 1
أي أا تقديم المال من طرف و العمل من طرف آخر على أن يتم
الإتفاق على كيفية تقسيم الربح، والخسارة على صاحب المال، و
يتلقى البنك الإسلامي الأموال من المودعين بصفته مضاربًا بينما
يدفعها إلى المستثمرين بصفته ربًا للمال.
2 – المشاركة : و هي اشتراك طرفين أو أكثر في المال أو العمل
على أن يتم الإتفاق على كيفية تقسيم الربح، أما الخسارة فيجب
أن تكون حسب نسب المشاركة في رأس المال، و يطبق البنك
الإسلامي هذه الصيغة بالدخول بأمواله شريكًا مع طرف أو
مجموعة أطراف في تمويل المشاريع مع اشتراكه في إدارا
ومتابعتها.
- 3 المرابحة : و هي أن يقوم البنك الإسلامي بشراء بضاعة أو
تجهيزات للعميل بطلب منه، ثم يعيد بيعها له مع هامش ربح معين
يتفقان عليه، و يعتبر الدكتور الباحث سامي حمود أول من ط ور
و  هذه الصيغة بعد أن أخذها عن كتاب "الأم" للإمام الشافعي
أدخلها إلى النظام المصرفي الإسلامي 2 . لقد أصبحت هذه الصيغة
تمثل أهم أنشطة البنوك الإسلامية بل أصبحت مشكلتها الأولى،
حيث يطبقها بعض هذه البنوك بنسبة قد تصل إلى 90 % من
إجمالي تمويلاته، وذلك نظرا لربحها المضمون من جهة ولقصر
أجلها من جهة أخرى.
- 4 الإجارة : و هو الاسم الذي  عرفت به في كتب الفقه
الإسلامي، أما البنوك الإسلامية فتطبقه نحت إسم التأجير، و هو لا
يختلف كثيرا عن الصيغة التي تطبقها البنوك الأخرى تحت اسم
و بالإنجليزية Crédit-Bail الإيجار أو ما يسمى بالفرنسية
و في هذه العملية يشتري البنك الإسلامي تجهيزات أو .Leasing
معدات و يقوم بإيجارها للعملاء لمدة معينة مقابل أقساط إيجار
شهرية أو نصف سنوية أو سنوية مع بقاء ملكيتها للبنك، أما
صيانتها فتكون على المستأجر مع إمكانية بيعها له في اية المدة.
- 5 الإستصناع : و هو أن يطلب العميل من البنك
الإسلامي صناعة شيء معين غير متوفر في السوق، وأفضل
مجال يطبق فيه البنك هذه الصيغة هو بناء العقارات، حيث
يقوم بإنجاز مسكن يصفه العميل ثم يبيعه إياه بالتقسيط
عادة مقابل ضمانات تدفع مسبقًا.
- 6 ال  سَلم : و هو يشبه المرابحة في مجال تطبيقه من
طرف البنك الإسلامي، لكنه يختلف عنها في تقديم ثمن
السلعة عند طلبها من البنك على أن يتم التسليم لاحقًا، و
قد  شرع أساسًا في مجال الزراعة قديمًا، لكنه أصبح حاليًا
يطبق في مجالات أخرى كالتجارة و الصناعة. هذا و
توجد صيغ تمويلية أخرى كالمزراعة والمساقاة و المغارسة،
إلا أن تطبيقها من طرف البنوك الإسلامية يبقى ضعيفًا
بالمقارنة مع الصيغ الأخرى.
ب - الخدمات المصرفية : وهي الخدمات التي تطبقها
البنوك التجارية الأخرى و ذلك لعدم وجود شبهة الربا
فيها أو عدم تعارضها مع مبادئ الشريعة الإسلامية و أهم
هذه الخدمات :
- فتح الحسابات الجارية و ما يتعلق ا من إصدارات
الشيكات و البطاقات الإئتمائية، أو الحسابات
الادخارية والاستثمارية.
- تحصيل الأوراق التجارية .
- التحويلات الداخلية و الخارجية .
- بيع و شراء العملات الأجنبية و المعادن الثمينة .
- عمليات الأوراق المالية (الأسهم دون السندات)
- تأجير الخزائن الحديدية .
- إصدار خطابات الضمان .
- فتح الاعتمادات المستندية .
- تقديم الاستشارات و دراسات الجدوى الاقتصادية
…إلخ.
- 2 تقديم لبنك البركة الجزائري كأول تجربة
للبنوك الإسلامية في الجزائر :
- 1 نشأة البنك : – 2
بنك البركة الجزائري هو أول بنك إسلامي
مشترك (بين القطاع العام و الخاص) يفتح أبوابه في
الجزائر، أنشئ بتاريخ : 20 مايو 1991 كشركة
مساهمة في إطار قانون النقد و القرض (القانون رقم 10
__________________________________________________ __________________________________________________ ___ تجربة البنوك الاسلامية في الجزائر – الواقع والآفاق
25
لسنة 1990 ) الذي صدر مع الدخول في مرحلة الإصلاحات
الإقتصادية في الجزائر، و مقره الرئيسي هو مدينة الجزائر العاصمة.
- 2 رأس المال : – 2
500 دينار جزائري 000 يبلغ رأس المال الإجتماعي للبنك 000
500 سهم، قيمة كل سهم 1000 دينار مقسمة إلى 000
جزائري، و يشترك فيه مناصفة ك ّ ل من :
بنك حكومي ) B.A.D.R - بنك الفلاحة و التنمية الريفية
. % جزائري) بنسبة 50
- شركة دّلة البركة القابضة الدولية (ومقراا بين جدة –
. % السعودية والبحرين) بنسبة 50
- 3 الودائع : – 2
يتلقى البنك الودائع من الأفراد و المؤسسات ويفتح ثلاثة أنواع
من الحسابات بالدينار الجزائري أو بالعملة الصعبة و هي :
- حساب الشيكات : لتسهيل معاملات الأفراد و المؤسسات.
- حساب التوفير : لتشجيع صغار المدخرين حيث الحد الأدنى
للرصيد هو 2000 دج.
- حساب الاستثمار غير المخصص : لاستثمار الأموال الكبيرة
10 دج. حيث الحد الأدنى للرصيد هو 000
و الحسابين الأخيرين يدخلان في الإستثمار بنسب معينة تتناسب
طرديًا مع طول الفترة الزمنية، ويتحصلان على معدلات للربح
تتناسب مع الزمن بنفس الطريقة. و تفكر إدارة البنك في فتح نوع
جديد من الحسابات هو: حساب الإستثمار المخصص والذي
تو  جه فيه الوديعة إلى الإستثمار في مشروع معين.
- 4 إدارة البنك : – 2
يدير البنك مجلس إدارة يتكون من 7 أعضاء تحت رئاسة رئيس
و نائب له، كما أن للبنك مديرًا عامًا و أربعة مدراء مساعدين،
وللبنك لجنة تنفيذية تتشكل من أربعة أعضاء بما فيهم المدير العام،
ويوجد أيضا للبنك مراقبين للحسابات، و ثلاثة مراقبين شرعيين،
وجمعية عامة للمساهمين.
- 5 معلومات عامة : – 2
يقع المقر الرئيسي للبنك بالجزائر العاصمة، و له فروع
في كل من : الجزائر العاصمة (وكالتين)، البليدة، وهران،
تلمسان، غرداية، قسنطينة، سطيف، باتنة، عنابة، رويبة. وهناك
فروع أخرى كمشروع للإنشاء. السنة المالية للبنك هي السنة
الميلادية.
3 – دراسة تقييمية مختصرة لمسيرة بنك البركة الجزائري من
خلال بعض الأرقام و المؤشرات :
شهد بنك البركة الجزائري فترة صعبة عند بداية نشاطه
سنة 1991 بسبب سوء التسيير، ومع بداية سنة 1993
عرف البنك تحسنًا في الأداء مع الإدارة الجديدة، وبالنظر
إلى الأرباح التي حققها البنك سنة 1994 ، ومقارنتها مع
الأرباح المحققة لدى البنوك الأخرى في نفس السنة و من
معيار نسبة مردودية الأموال الخاصة فإن بنك البركة
. الجزائري يعتبر البنك الأكثر ربحية في الجزائر 3
- 1 تطورات حجم الميزانية : – 3
2 : كان إجمالي حجم الميزانية (الأصول) سنة 1993
32 525 : 176 دج و بلغ سنة 3200 679 872
589 دج، أي تضاعف بحوالي 15 مرة، والجدول 139
التالي يبين هذه الزيادات السنوية مع نسبها المئوية خلال
هذه الفترة :
السنوات حجم الميزانية ( الأصول ) ب دج نسبة الزيادة
السنوية %
2 176 679 872,00 1993
60,19 3 486 878 392,00 1994
30 4 532 680 027,00 1995
16,39 5 275 860 698,66 1996
51,72 8 004 716 197,04 1997
24,07 9 931 953 456,47 1998
19 11 817 141 697,10 1999
27,86 15 110 139 357,00 2000
26,43 19 104 747 628,00 2001
34,64 25 723 583 476,00 2002
26,44 32 525 589 139,00 2003
المصدز : من إعداد الباحث بالإعتماد على وثائق البنك.
ويمكن تمثيل هذا الجدول بيانيًا كما يلي:
تطور حجم الميزانية ( بالمليون دج)
المبالغ
0
5000
10000
15000
20000
25000
30000
35000
1993
1994
1995
1996
1997
1998
1999
2000
2001
2002
2003
نلاحظ إذن أن الميزانية سجلت زيادات معتبرة خاصة
سنوات 1994 بنسبة 60 %، و 1997 بنسبة
% 51,72 ، وعمومًا كان معدل الزيادة السنوية خلال
هذه الفترة هو 32,74 % وهي نسبة ج  د معتبرة، كما
__________________________________________________ __________________________________________________ _________________ 2006 / مجلة الباحث - عدد 04
26
أن نسبة الزيادة العامة بين سنتي 1993 و 2003 بلغت حوالي
.% 1400
- 2 تطورات حجم رأس المال الخاص : – 3
نقصد برأس المال الخاص ما يسمى بحقوق الملكية و التي تضم :
(رأس المال المدفوع + الإحتياطيات بجميع أنواعها + الأرباح غير
500 000 : موزعة)، و قد كان هذا الرأسمال سنة 1993
000 دج متمث ً لا فقط في رأس المال الإجتماعي، ثم بلغ سنة
1 دج أي أنه أصبح يمثل مرتين 278 301 565 : 3200
ونصف المبلغ الذي بدأ به البنك. و الجدول التالي يبين هذه
الزيادات السنوية مع نسبها المئوية :
السنوات حقوق الملكية ب دج نسبة الزيادة%
500 000 000,00 1993
0,008 500 039 390,00 1994
51,2 756 023 312,00 1995
11,86 845 752 642,00 1996
28,45 - 605 197 407,24 1997
18,73 718 604 838,49 1998
18,74 853 274 222,27 1999
21,04 1 032 804 450,00 2000
9,80 1 133 994 646,00 2001
1 133 994 646,00 2002
12,72 1 278 301 565,00 2003
المصدر : من إعداد الباحث بالاعتماد على وثائق البنك، مع ملاحظة أن
رأس المال الخاص للبنك أدرجنا فيه العناصر الثلاثة السابقة فقط، أي ما أسمته
لجنة بازل بالرأسمال الأساسي للبنك.
يمكن تمثيل هذا الجدول بيانيًا كما يلي :
تطور حقوق الملكية (بالألف دج)
المبالغ
0
200000
400000
600000
800000
1000000
1200000
1400000
1993
1994
1995
1996
1997
1998
1999
2000
2001
2002
2003
نلاحظ من خلال هذا الجدول أن الزيادة كانت ضئيلة جدًا خلال
سنة 1994 ثم سجلت نسبة 51,2 % في السنة الموالية و هي
نسبة ج  د معتبرة، ثم انخفضت بشكل كبير سنة 1997 ، وذلك
بسبب أن سنتي 1995 و 1996 ظهر مع الخصوم نوع في
الإحتياطي يدعى احتياطي إعادة التمويل، و هو النوع الذي لم
يظهر قبل أو بعد هاتين السنتين مع الخصوم، أما سنة 2000 فقد
ُأضبف مع الأموال الخاصة بند : ترحيل من جديد
وقد كانت الزيادات بعد سنة ، Report à nouveau.
1997 متقاربة باستثناء سنة 2001 التي سجلت زيادة
ضئيلة، وسنة 2002 التي كانت زيادا معدومة.
- 3 تطورات مردودية الأصول و الأموال – 3
الخاصة :
حتى تكون الدراسة أكثر علمية و تكون المقارنة موضوعية
–إذا ما تمت مع البنوك الأخرى- فلا بد من مقارنة
النتيجة السنوية مع المؤشرات التي قد تتغير من بنك لآخر،
مثل الأموال الخاصة (حقوق الملكية) و إجمالي الموارد و
التي يعبر عنها أحيانًا بمردودية الأصول لأا مساوية لها. و
الجدول التالي يبين تطورات هذين النوعين من المردودية
خلال فترة الدراسة :
السنوات النتيجة ب دج النتيجة
الأموال الخاصة
النتيجة
إجمالي الأصول
% 0,036 % 0,15 787 793,00 1993
% 1,4 % 9,72 48 596 874,00 1994
% 2 % 12 90 024 060,00 1995
% 2,04 % 12,74 107 796 313,51 1996
% 1,74 % 23,05 139 539 613,64 1997
% 1,66 % 23 165 011 967,64 1998
% 1,72 % 23,83 203 395 764,85 1999
% 1,08 % 15,82 163 453 485,00 2000
% 0,66 % 11,13 126 275 559,00 2001
% 1,13 % 25,57 289 955 513,00 2002
% 0,77 % 19,60 250 416 740,00 2003
المصدر : من إعداد الباحث بالاعتماد على وثائق البنك.
– بالنسبة لمردودية الأموال الخاصة نلاحظ أا بدأت
بنسبة ضعيفة جدًا سنة 1993 ، ثم تزايدت بشكل
ملحوظ مع نوع من الإستقرار خلال بعض السنوات
المتقاربة، إلا أا تراجعت بنسبة كبيرة سنة 2000 ثم
2001 ، لتعاود الإرتفاع من جديد سنة 2002 وهي
السنة التي حقق فيها البنك أحسن مردودية مقارنة
بالسنوات الماضية.
- بالنسبة لمردودية الأصول فقد بدأت أيضا بنسبة ضعيفة
سنة 1993 ، ثم تراوحت بين الزيادة والإنخفاض لكن
بفارق صغير، و قد  سجلت أحسن النسب سنتي 1995
. و 1996
- 4 تطورات أنشطة البنك حسب الأجل – 3
والصيغة و القطاع :
أ - حسب الأجل : من الملاحظ عمليًا أن معظم البنوك
الإسلامية تعتمد في تمويلاا على الأجل القصير لتقليل
حجم المخاطرة و تفادي تجميد الأموال، و بالنسبة لبنك
البركة الجزائري يمكننا ملاحظة ذلك من خلال دراسة
__________________________________________________ __________________________________________________ ___ تجربة البنوك الاسلامية في الجزائر – الواقع والآفاق
27
حجم الديون قصيرة الأجل في ميزانية البنك و مقارنتها مع إجمالي
حجم الديون على الزبائن، و ذلك من خلال ثلاث سنوات
متباعدة من الفترة ذاا حسب الجدول التالي :
السنوا
ت
د.ق.أ ب دج نسبة د.ق.أ / إجمالي
الديون القائمة
% 84,23 529 910 000,00 1993
% 83 2 312 389 846,41 1996
% 97,68 8 323 054 627,00 2000
المصدر : من إعداد الباحث بالإعتماد على وثائق البنك.
نلاحظ أن نسبة التمويل قصير الأجل مرتفعة جدًا إذ تراوحت
خلال هذه السنوات المختارة بين 83 و 97 % و باقي النسبة
يضم التمويلين المتوسط و الطويل الأجل.
أما بالنسبة لسنة 2003 وإذا قارنا نسبة التمويل قصير الأجل مع
إجمالي الديون بما في ذلك المشكوك فيها (بعد إنقاص المؤونات)
نجدها تمثل نسبة 55 % من تلك الديون، وهي نسبة جيدة لأا
تمثل انخفاضًا في اعتماد البنك على التمويل قصير الأجل، مقابل
نسبة 41 % للتمويل المتوسط والطويل الأجل خلال نفس
.. السنة 4
ب - حسب الصيغة : إذا درسنا صيغ التمويل في الإقتصاد
الإسلامي وكيفية تطبيقها حسب الأجل لوجدنا أن صيغة المرابحة
تطبق خاصة في الأجل القصير، لذلك وبالإعتماد على النتيجة
السابقة نجد أن البنك يعتمد على تطبيق صيغة المرابحة في تمويلاته
أكثر من غيرها من الصيغ و هي مشكلة معظم البنوك الإسلامية
أيضا، و ذلك لقصر آجل هذه الصيغة من جهة و دخلها المضمون
من جهة أخرى، و بالنسبة لبنك البركة الجزائري يمكننا ملاحظة
: هذه الظاهرة من خلال الأرقام التالية 5
- بلغ مجموع التمويل بصيغة المرابحة سنة 1994
حوالي 44 % من مجموع التمويلات.
- في سنة 1996 بلغ مجموع الديون بصيغة المرابحة
60 % من مجموع الديون قصيرة الأجل القائمة، و 54 % من
مجموع الديون على العملاء بما فيها المشكوك فيه،و 24 % من
إجمالي الإستخدامات (الميزانية).
- في سنة 2000 بلغ مجموع الديون بصيغة المرابحة
% 66 % من مجموع الديون قصيرة الأجل و القائمة فعلا، و 65
من مجموع الديون على العملاء بما فيها المشكوك فيه، و %
40,7 من إجمالي الإستخدامات (الميزانية).
أما بالنسبة لصيغ التمويل الأخرى فإن البنك يطبق المشاركة و
التأجير و ال  سلم والإستصناع بنسب ضعيفة، و تشير المطبوعات
الإعلامية للبنك أنه يقدم تمويلات بالمضاربة أيضا بينما لا نجد لها
أثرا في الحسابات الختامية له. إلا أن تقرير الإتحاد الدولي للبنوك
الإسلامية لسنة 1996 يشير إلى أن البنك يطبق صيغة المضاربة
. بنسبة 8 % من إجمالي تمويلاته 6
ولم ترد في التقارير السنوية للبنك لسنتي 2002 و
2003 معلومات عن كيفية توزيع البنك لتمويلاته
حسب الصيغة، إلا أن التمويل قصير الأجل المشار إليه
سابقًا إتضح أنه يتمثل أساسًا في صيغة المرابحة.
ج حسب القطاع : لم ترد أيضًا في تقارير البنك
ووثائقه المعلومات الكافية عن كيفية توزيع التمويلات
على القطاعات الإقتصادية، لكن بالاعتماد على النتيجتين
السابقتين أي التمويل قصير الأجل و المرابحة فإننا نستنتج
أن البنك يعتمد في نسبة كبيرة من تمويلاته على قطاع
التجارة، و ما يؤكد ذلك هي الأرقام الواردة في تقرير
الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية لسنة 1996 حيث جاء
: التوزيع كالأتي 7
% الزراعة 0,7
% التجارة 72
% الصناعة 20,2
% الخدمات 5,7
% إنجاز العقارات 1,4
% اموع 100
يلا  حظ إذن من خلال هذه الأرقام أن البنك يعتمد في
تمويلاته على قطاع التجارة وبدرجة أقل قطاع الصناعة
بينما يكاد يهمل قطاعًا حيويًا و هو الزراعة، وهو بذلك
لا يختلف عن معظم البنوك الإسلامية بإستثناء السودانية
منها.
- 5 مدى التزام البنك بقواعد الحيطة والحذر : – 3
هناك قواعد معروفة في تسيير البنوك يجب
احترامها على سبيل الحيطة والحذر وهو ما يسمى أيضًا
وأهم ، Les régles prudetielles بالقواعد الإحترازية
هذه القواعد تلك المتعلقة بكفاية رأس المال وهو المعدل
الذي يتمثل أساسًا في نسبة بال أو كوك كمعيار عالمي،
والذي يفرض على البنوك تحقيق نسبة بين أموالها الخاصة
إلى مجموع أصولها بطريقة مرجحة الخطر تساوي أو
.% تتجاوز 8
% وقد حّقق البنك نسبة ملاءة تساوي 19,3
سنة 2002 ، ونسبة 21,7 % سنة 8 2003 ، وهي
معدلات جيدة تبين القوة المالية للبنك و تفيد باحترامه لهذا
المعيار العالمي.
- 4 واقع و آفاق تجربة البنوك الإسلامية في الجزائر في
ظل المتغيرات الدولية و العولمة :
من غير الممكن عمليًا تقييم تجربة بنك البركة
الجزائري لمدة عقد من الزمن من خلال بحث مختصر، لكن
من خلال دراسة الأرقام السابقة، و بفضل التعامل المستمر
__________________________________________________ __________________________________________________ _________________ 2006 / مجلة الباحث - عدد 04
28
للباحث مع هذا البنك، وأيضا بعد إنجازه لدراسات حول عدد من
البنوك الإسلامية، فإنه يمكن الوقوف على واقع تجربة هذا البنك و
تقييمها في النقاط التالية :
- 1 واقع تجربة البنوك الإسلامية (بنك البركة الجزائري) – 4
في الجزائر :
أو ً لا - إن بنك البركة الجزائري لا يختلف كثيرًا عن بقية البنوك
الإسلامية من حيث اعتماده على التمويل قصير الأجل و خاصة
بصيغة المرابحة، كما يلاحظ عنه تمويله الكبير لقطاع التجارة
وإهماله لقطاعات حيوية أخرى، وهو ما يقّلل من الدور التنموي
الكبير و المنوط بالبنوك الإسلامية عند إنشائها مثل الاستثمار في
المشاريع الإنتاجية و رفع معدلات النمو الإقتصادي وتشغيل اليد
العاملة، وإذا كانت البنوك الإسلامية في الخليج مث ً لا تعمل في بيئة
تعتمد أساسًا على الإستيراد لضيق مجالات الإستثمار الإنتاجي ا،
فإن بنك البركة الجزائري يعمل في بلد يتميز باتساع مجالات
الإستثمار لوفرة الموارد الطبيعية و البشرية و ربما كان السبب
الآخر في هذه المشكلة هو الوضع الأمني الغير مستقر والذي تزامن
مع العشرية الأولى من عمر البنك.
ثانيًا - نتيجة لما سبق فإن اُلملاحظ أن بنك البركة الجزائري كغيره
من البنوك الإسلامية لم يتحرر بعد من نظرية القروض التجارية
التي تأثرت بالتقاليد الأنجلوسكسونية و التي ترى بأن البنوك يجب
أن تقتصر على القروض قصيرة الأجل للحفاظ على السيولة، إذ
من المعروف تاريخيًا أن البنوك التجارية تطورت بعد هذه النظرية
إلى نظرية التبديل ثم نظرية الدخل المتوقع ثم أخيرًا النظرية الحديثة
أو نظرية إدارة الخصوم، والتي جعلت من هذه البنوك الأخيرة
بنوكًا شاملة تمارس نشاطها لمختلف الآجال، و لا تخشى نقصًا في
، السيولة للجوئها عند الضرورة إلى الإقتراض من السوق النقدية 9
وهو ما لا يتوفر للبنوك الإسلامية لعدم تعاملها بالفائدة.
ثالثًا - عدم الإهتمام الكافي بالجانب البشري في بنك البركة
الجزائري، حيث يلاحِظ المتعامل مع هذا البنك أن معظم الموظفين
و حتى إطارات البنك غير مل  مة بالمعلومات الكافية حول النظام
المصرفي الإسلامي و المعاملات المالية الإسلامية، إذ أن العدد
الأكبر من اليد العاملة بالبنك تم جلبها من البنوك التقليدية
الأخرى، إضافة إلى عدم إقامة دورات تكوينية لها كما هو الشأن
في البنوك الإسلامية العاملة بالمشرق أو الخليج.
رابعًا - عدم تفهم طبيعة عمل البنوك الإسلامية بالشكل الكافي
من طرف المتعاملين معها في اتمع الجزائري والذين يرون في
بعض إيرادات البنك دخ ً لا ربويًا، كما أن المودعين يطالبون البنك
بمعدل أرباح لا يقل عن معدل الفائدة السائد في السوق.
خامسًا - يجد بنك البركة الجزائري إشكالية في التعامل مع البنك
المركزي (بنك الجزائر)، إذ من المعلوم أنه يوجد ثلاثة نماذج من
البيئات التي تعمل فيها البنوك الإسلامية في العالم من الناحية
القانونية و هي:
أ - نموذج نظام مصرفي إسلامي كامل : و هي حالة
إيران، باكستان، و السودان.
ب – نموذج نظام ذو قوانين خاصة لمراقبة أعمال البنوك
الإسلامية : مثل ماليزيا، تركيا، الإمارات، اليمن،
الكويت، لبنان.
ج نموذج نظام تخضع فيه البنوك الإسلامية للقوانين
المن ّ ظمة للبنوك الأخرى : و هي حالة بقية البلدان
الإسلامية و الغربية.
و الجزائر تدخل ضمن النموذج الأخير حيث أن قانون
90 ) وتعديلاته ينظم / النقد و الإئتمان (القانون رقم : 10
عمليات جميع البنوك العاملة في الدولة، وذلك رغم
الإختلاف في طبيعة العمل بين البنوك الإسلامية (ممثلة في
بنك البركة الجزائري) والبنوك التقليدية الأخرى.
- 2 آفاق تجربة البنوك الإسلامية في الجزائر : – 4
إن آفاق تجربة البنوك الإسلامية في الجزائر يمكننا
تصورها في ظل المتغيرات الدولية و العولمة كما يلي:
أو ً لا - إن النجاح المنقطع النظير و التوسع الهائل الذي
شهدته البنوك الإسلامية على المستوى العالمي والتي يتجاوز
عددها 270 حاليًا تجعل الجزائر مر  شحة لدخول المزيد
من هذه البنوك إليها، خاصة منها الشركات الدولية
القابضة على غرار مجموعة البركة الدولية، و ذلك لما تحمله
هذه الشركات من خبرة واسعة في الميدان، و لعل أقرا
إلى هذا التوقع هي مجموعة دار المال الإسلامي الدولية،
بينما المبادرات الداخلية يبقى قيامها ضعيف الإحتمال
لإفتقارها للخبرة الكافية، و ما يشجع ذلك هو اتساع
مجالات الإستثمار بالجزائر كما ذكرنا سابقًا، و النتيجة
هي قيام منافسة حقيقية في هذا اال، و المستفيد الأخير
من هذه التجربة هما المواطن و الإقتصاد الجزائري.
ثانيًا - إذا تزايد عدد البنوك الإسلامية في الجزائر سواء
كأسماء جديدة أو كفروع فسوف تطرح إشكالية التعامل
مع البنك المركزي بحدة أكبر، و هنا يمكن أن تس  ن قوانين
خاصة ذه البنوك على غرار ما حدث في بعض البلدان
ذات الإزدواجية في القوانين المصرفية.
ثالثًا - يمكن أن تستغل البنوك الدولية العاملة بالجزائر
ذلك الوعي الشعبي و الرغبة في التعامل مع البنوك
الإسلامية في فتح فروع لها خاصة بالمعاملات المالية
CITI الإسلامية، على غرار ما قام به سيتي بنك
الأمريكي في مصر، أو البحرين (كفرع BANK
مستقل)، خاصة و أن هذا البنك موجود فع ً لا في الجزائر.
رابعًا - إن التطور الهائل و المستمر في تقنيات العمل
المصرفي يفرض على البنوك الإسلامية مواكبة هذا التطور
بما يتماشى و أحكام الشريعة الإسلامية، و هذا بالاعتماد
__________________________________________________ __________________________________________________ ___ تجربة البنوك الاسلامية في الجزائر – الواقع والآفاق
29
على إطارات مؤهلة بتكوين عالٍ في الاقتصاد و المالية والشريعة، و
هو الشيء الذي لم يتأت بعد لبنك البركة الجزائري وبالشكل
الكافي، إذ من غير المعقول أ ّ لا يتمكن البنك لحد الآن من إصدار
أو VISA إحدى البطاقات البنكية الدولية مثل بطاقة
لتسهيل معاملات زبائته خاصة في خارج MasterCard
الوطن، إ ّ لا أن كون البنك فرعًا من مجموعة دولية يجعله قاب ً لا
لمواكبة الكثير من التطورات مستقب ً لا.
الخاتمة : إن تجربة البنوك الإسلامية في الجزائر ممثلة في بنك
البركة الجزائري على قصر مدا تع  د تجربة ناجحة وبكل المقاييس،
و يمكن الإعتماد عليها و تقييمها بما يخدم هذه التجربة، وذلك
بالعمل على معالجة السلبيات والنقائص و تدعيم كل ما
هو إيجابي فيها، خاصة و أن تجربة البنوك الإسلامية في
العالم تعتبر قصيرة نسبيًا إذ أكملت مؤخرًا عقدها الثالث.
و لعل أفضل وسيلة لترشيد هذه التجربة هي الإحتكاك
المستمر بين المسؤولين على بنك البركة الجزائري و
مسؤولين من بنوك إسلامية أخرى خاصة العريقة منها، و
ذلك من خلال الندوات و المؤتمرات الدورية، إضافة إلى
التكوين المستمر لموظفي البنك على مبادئ وأسس النظام
المصرفي الإسلامي وعلى التطورات التي يشهدها في آليات
عمله، و هو الشيء الذي لم يهتم به بنك البركة الجزائري
بالشكل الكافي لحد الأن.
الهوامش :
. - 1 إبن رشد: بداية اتهد و اية المقتصد، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1371 ه – 1952 م، ج 2، ص 234
. - 2 أنظر : د. سامي حمود: تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق و الشريعة الإسلامية، ط 3، دار التراث، القاهرة، 1411 ه – 1991 م، ص 431
3 – Mohamed séddik HAFID ( D.G de la banque Al Baraka d’Algerie), Entretien avec le quotidien EL OUMA, N° 45
du 17/01/1995.
. 4– التقرير السنوي لبنك البركة الجزائري لسنة 2003 ، ص : 19
-5 المصدر : وثائق ومطبوعات بنك البركة الجزائري.
6 - -Directory of Islamic Banks and Financial Institution : International Association of Islamic Banks, Jeddah/ K.S.A,
1996, p29.
-7 المرجع السابق ، نفس الصفحة.
. -8 التقرير السنوي للبنك لسنة 2003 ، ص : 10
. -9 د. مصطفى رشدي شيحة : الاقتصاد النقدي و المصرفي، ط 5، الدار الجامعية، بيروت، 1985 ، ص 197
المراجع :
-1 إبن رشد: بداية اتهد و اية المقتصد، مطبعة الإستقامة، القاهرة، 1371 ه – 1952 م .
-2 د. سامي حمود: تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق و الشريعة الإسلامية، ط 3، دار التراث، القاهرة، 1411 ه – 1991 م،
. -3 د. مصطفى رشدي شيحة: الإقتصاد النقدي و المصرفي، ط: 5 ، الدار الجامعية، بيروت، 1985
.(2003 – -4 تقارير سنوية (منشورة و غير منشورة) ومطبوعات إعلامية خاصة ببنك البركة الجزائري خلال الفترة ( 1993
5- EL OUMA , ( Quotidien algérien Suspendu ), N° 45 du 17/01/1995.
6- Directory of Islamic Banks and Financial Institution : International Association of Islamic Banks, Jeddah/
K.S.A, 1996.

lakhdarayachi
22-04-2009, 21:20
المقدمة

الفصل الأول: ماهية البنوك الإسلامية.

المبحث الأول : تعريف البنك الإسلامي
المبحث الثاني : مراحل إنشاء البنك الإسلامي
المبحث الثالث : أهداف البنك الإسلامي.
المبحث الرابع : خصائص البنك الإسلامي
المبحث الخامس : أنواع البنوك الإسلامية .
المطلب 1 : وفق النطاق الجغرافي.
المطلب 2 : وفق المجال الوظيفي له.
المطلب 3 : وفق حجم النشاط.
المطلب 4 : وفق الإستراتيجية المستخدمة.
المطلب 5 : وفق العملاء المتعاملين مع البنك .

الفصل الثاني: عمل البنوك الإسلامية .
المبحث الأول :القواعد التي تتبعها في نشاطها.
المطلب 1 : القواعد العقائدية.
المطلب 2 : القواعد الإقتصادية.
المطلب 3 : القواعد الإجتماعية و الثقافية.

المبحث الثاني : إدارة النشاط في البنوك الإسلامية.
المبحث الثالث : أسس عمليات توظيف الأموال فيها.
المطلب 1 : المضاربة الإسلامية.
المطلب 2 : المرابحة.
المطلب 3 : المشاركة الإسلامية.
المطلب 4 : الإستثمار المباشر.

المبحث الرابع : الخدمات التي يقدمها المصرف الإسلامي.
المطلب 1 :الخدمات الإقتصادية.
المطلب2 : الخدمات الإجتماعية.

الفصل الثالث :تقييم البنوك اللا ريوية .

المبحث الأول : البنوك اللاربوية على النطاق ا لدولي.
المبحث الثاني : أمثلة عن أهم البنوك الإسلامية في العالم.
المبحث الثالث: ملاحظات حول تجربة البنوك بدون فوائد.
المبحث الرابع : مستقبل البنوك الإسلامية.

الخاتمة .



المقدمة :
تلعب الفوائد دورا هاما و أساسيا في أعمال البنوك التجارية و يشكل الجانب الأكبر من دخلها , لكن الإسلام و كافة الديانات السماوية حرمت الربا بكافة صوره ومن البديهي للجميع أن الفائدة ربا لقوله تعالى " و أحل الله البيع و حرم الربا " (1) و قوله صلى الله عليه و سلم " الذهب بالذهب وزنا بوزن, مثلا بمثل و الفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد و إستزاد فهو محرم" وهذا ما قاله الشيخ محمد أبو زهرة " السندات و القروض بفائدة على أساس الزيادة في الدين نظيرالأجل ينطبقعليها التحريم الديني القاطع"(2) ومن هنا كانت الحاجة إلى الجهازالمصرفي الإسلامي,باعتباره الركيزة الأساسية التي يرتكز عليها النظام الإقتصادي الإسلامي.
و بالرغم أن الربع الأخير من ق 20 قد شهد بعث حركة و تطور البنوك الإسلامية, إلاّ أنها واجهت تيارا عاصفا أضعف بعضها و عرقل بعضها الآخر و إذا كان قد أكسبها جميعها صلابة التحدي(3).
كل هذه الأشياء تدفعنا إلى الإستفسار و التساؤل ماهي البنوك الإسلامية ماهي طبيعة و نظام العمل فيها ؟ ما الذي حققته وما الذي تحققه.
نفترض أن البنوك الإسلامية هي مؤسسات تمويلية ذات رسالة و منهج رسالته تتعدى كمّ التمويل إلى نوعية هذا التمويل و مجالاته و أهدافه ولها منهج تعمل في إطاره يستمد قواعده من أدات و قيم و أخلاق و قواعد الشريعة الإسلامية لمعرفة صحة هذه الفرضية سنستعمل منهجا إستقرائيا لأن طبيعة عناصر البحث تتطلب هذا النوع من المناهج
في بحثنا هذا نتطرق إلى ماهية البنوك الإسلامية في الفصل الأول ملمين في ذلك بتعريفها و كيفية إنشائها و أهدافها و خصائصها و أنواعها أما في الفصل الثاني ندرس طريقة عمل البنوك الإسلامية و في الفصل الأخير نقوم بتقييم تجربة البنوك بدون فوائد.


--------------------------------------------------------------------------------

) 1) سورة البقرة الآية 275 .
(2) محمد أبو زهرة – مقال- مجلة العربي-الكويت: العدد رقم49 .
(3) محسن أحمد الخضيري-البنوك الإسلامية إشتراك للنشر و التوزيع,مصر:1995 , ص6 –طبعة2.


الفصل الأول : ماهية البنوك الإسلامية :

أصبحت المصاريف الإسلامية واقعا ملموسا فعالا تجاوز حدود العالم الإسلامي إلى العالم أجمع بما فيها الدول المتقدمة و المتخلفة على حد السواء, هذا ما يستلزم التعرف عليها عن قرب
المبحث الأول : تعريف البنك الإسلامي :
هو مؤسسة نقدية مالية تعمل على جذب الموارد النقدية من أفراد المجتمع و توظيفها توظيفا فعالا يكفل تعظيمها و نموها في إطار القواعد المسطرة اللشريعة الإسلامية و بما يخدم شعوب المة و يعمل على تنمية إقتصادياتها(1)
البنك الإسلامي هي مؤسسة مصرفية لتجميع الأموال و توظيفها في نطاق الشريعة الإسلامية بما يخدم بناء مجتمع التكافل الإسلامي, و تحقيق عدالة التوزيع ووضع المال في المسار الإسلامي(2) وهي بنوك حديثة النشأة تسعى إلى التخلي عن سعر الفائدة و إتباع قواعد الشريعة الإسلامية كأساس للتعامل بينها و بين عملائها(3).

المبحث الثاني : مراحل إنشاء البنك الإسلامي .
لم يعد إنشاء البنوك الإسلامية مقتصرا على الدول الإسلامية فقط, هذا ما شجع الكثيرمن الدول على إنشاءبنوك إسلامية أو فروع لها على أراضيها و إتبعت المراحل التالية
• ترويج الفكرة : وجود جماعة من الأفراد لديهم القدرة المالية و الرغبة في إنشاء البنك يتبنون الفكرة و يقومون بإعداد دراسة إستثمارية لها و تقييم مصارفها و تقديم التقرير للحكومة.
• مخاطبة السلطات المحلية للحصول على موافقتها: بعد الدراسة الإستثمارية للمشروع يتم الإتصال بسلطات الحكومة المصرفية للحصول على موافقفتها و لمعرفة شروطها في إطار القوانين المنظمة لإنشاء البنوك بشكل عام و البنوك الإسلامية بشكل خاص.
• إستفاء الشروط و البيانات المطلوبة و إستصدار المرسوم أو القانون الأساسي في الجريدة الرسمية للدولة : أي إكتساب البنك الكيان القانوني و الإعتراف به.










(1) د. محسن أحمد الخضيري- مرجع سابق- ص 17 .
(2) (2) تقرير الحلقة العلمية لخبراء التنظيم في البنوك الإسلامية –العددرقم5 مارس 1979 ص 39 .
(3) (3) صبحي تادرس قريصة .د. محمود يونس ,مقدمة في الإقتصاد, دار النهضة العربية لبنان: 1984 ص 373 .
* طرح أسهم البنك الإضافية لللإكتتاب العام : و ذلك للحصول على موارد كافية و على الرغم من أن رأسمال البنك الإسلامي لا يمثل الجانب الأكبر من موارده إلاّ أن لموارده طابعا خاصا لأن معظمها تأتي في إطار المشاركات و المرابحات و المضاربات و الوكالة الإستثمارية فضلا عن حسابات الأمانة و الإبداع الجاري ذي الطبيعة الخاصة
* إعداد الهيكل التنظيمي للبنك و توظيف الوظائف الخاصة بهذا الهيكل : يجب أن يكون للبنك الإسلامي هيكل تنظيمي مناسب يسمح بهبوط الأوامر من الأعلى إلى الأسفل و صعود التقارير و المعلومات من أسفل إلى الأعلى وهذا المنع أي تضارب أو إزدواج أو إختناق .
* وضع نظام العمل و اللوائح الفنية و التنفيذية و المهام الخاصة بكل وظيفة : وهذا لتحقيق التناسق في الأداء الوظيفي للوظائف المتوفرة في البنك الإسلامي.
* الإعلان عن القوى البشرية التي يحتاج إليها البنك للقيام بالمهام الوظيفية و إختبارها و تدريجها و إعدادها في الوظائف المحددة لها.
* القيام بحملات الترويج المناسبة و المصاحبة لعملية الإفتتاح.
* إفتتاح البنك و ممارسة العمل التنفيذي الفعلي وهي أهم المراحل.حيث يتم القيام بافتتاح الرسمي للبنكبدعوة شخصيات إقتصادية مرموقة و سياسية إسلامية و بعدها.ممارسة العمل التنفيذي الفعلي.

المبحث الثالث : أهداف البنك الإسلامي :

من أهم أهداف البنك الإسلامي هو تحريك الطاقات الكامنة في المجتمع للوصول بها إلى أقصى إنتاجية ممكنة(1)

الهدف التنموي للبنك الإسلامي :
تساهم البنوك الإسلامية في تحقيق تنمية إجتماعية إقتصاديةإنسانية في إطار القواعد الشرعية الإسلامية و يتمثل أهدافها في المجال التنموي إلى :
1- إيجاد المناخ المناسب لجلب الرأسمال الإسلامي الجماعي وهذا لتحقيق إنعتاق الدول الإسلامية من أسر التبعية الخارجية التي تستترف موردها.
2- تسعى البنوك الإسلامية إلى إعادة توظيف الأرصدة الإسلامية داخل الوطن و تحقيق الإكتفاء .
3- تنمية الصناعات الحرفية و البيئية و الصناعات الصغيرة و التعاونيات لأنها أساس لتطوير البنية الإقتصادية و الصناعية في الدول الإسلامية.
4- توسيع قاعدة التشغيل و القضاء على البطالة و توظيف الفعال لموارد البنك الإسلامي .
5- تأسيس و ترويج المشاريع الإستثمارية و بهذا توسيع قاعدة الإستثمار و تطويرها و تحقيق تنمية مشارعة في التراكم الرأسمالي الذي يضمن الأمن الإقتصادي للمجتمع.




(1) د. عبد الحميد محمود البعلي- مدخل الفقه البنوك الإسلامية , المعهد الدولي للبنوك و الإقتصاد الإسلامي مصر : 1973 ص 153.



الهدف الإستثماري للبنك الإسلامي : تعمل البنوك الإسلامية على نشر و تنمية الوعي الإدخاري للأفراد. و ترشيد الإنفاق للقاعدة العريضة من المواطنين وهذا بهدف تشغيل رؤوس الأموال العاطلة في الإستثمارلأنه جزء من رسالة البنك الإسلامي ,و من هنا فإن الدور الإستثماري لهذه البنك يأخذ الأبعاد الممثلة في المخطط التالي :



الشكل (1)



وقد إتخذ الدور الإستثماري لها. هذه الأبعاد و من أجل تحقيق الأهداف التالية
1- تحقيق الزيارات المتناسبة في معدل النمو الإقتصادي لفهم التخلف.
2- إنماء الإستثمار في مختلف الأنشطة الإقتصادية.
3- توفير خدمات الإستثمارات و للحفاظ على أموال المستثمرين
4- تحسين الأداء الإقتصادي للمؤسسات المختلفة للقضاء على آفة الإسراف.
5- تحقيق العدالة في توزيع الناتج التشغيلي للإستثمار
و يرتبط بالهدف الإستثماري للبنك الإسلامي هدف آخر وهو محاربة الإحتكار.












الشكل 1 محسن أحمد ا

الهدف الإجتماعي : و يتمثل فيمايلي :
1- العمل على تعظيم ثقة المواطنين بالنظام الإقتصادي الإسلامي .
2- حصر كل المستحقين للزكاة و ترتيب تلقيهم للأموال و إخراجهم من حالة الفقر.
3- العمل على إنشاء دور العلم المجانية و المستشفيات و المعاهد العلمية.
4- ربط البعد الإجتماعي للبنوك الإسلامية إرتباطا شديدا بالبعد الإقتصادي التنموي الإرتقائي لها.

الهدف الإرتقائي و الإشباعي للبنك الإسلامي: تعمل البنوك الإسلامية على إستحداث أدوات مصرفية إسلامية جديدة من أجل تغطية و ترقية حاجات الأفراد وهذا عن طريق دراسات علمية معمقة.
- نشر الثقافة و المعرفة المصرفية الإسلامية و إحياء بعث التراث في المعاملات المالية و التجارية و المصرفية.
- تحقيق التكامل الإقتصادي بين الدول الإسلامية: يمكن للبنوك الإسلامية أن تمارس دورا هاما من أجل التكامل الإقتصادي الفعال بين الدول الإسلامية و توجيه قوى الفعل الإقتصادي فيها بفعالية.

المبحث الرابع : خصائص البنك الإسلامي

ياتزم البنك الإسلامي بالقاعد المستقرة للشريعة الإسلامية و هذا من خلال :
1- إستعباد و عدم التعامل بالفائدة لأنها تمثل دخلا ربويا.
2- توجيه الجهد نحو التنمية عن طريق الإستثمارات
3- حسن إختيار القائمين على إدارة الأموال لقوله تعالى" ولا توءتوا السفهاءأموالكم"(1)
4- عدم أكل أموال الناس بالباطل لقوله تعالى " ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"(2)
5- الصراحة و الصدق و الوضوع في المعاملات لقوله تعالى" ولا تلبسوا الحق بالباطل و تكتموا الحق و أنتم تعلمون(3)
6- عدم حبس الأموال و إكتنازها لقوله تعالى " و الذين يكتنزون الذهب و الفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" (1)
7- خضوع المعاملات المصرفية للرقابة الإسلامية الذاتية و الخارجية.
8- أداة الزكاة شرعا على كافة معاملات البنك و نتائج الأعمال لقوله تعالى" خذ من اموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم(2)
9- تحقيق التوزان بين مجالات التوظيف المختلفة.









(1) القرآن الكريم- سورة النساء- الآية 5.
(2) القرآن الكريم- سورة البقرة-الآية 188
(3) القرآن الكريم- سورة البقرة

المبحث الخامس : أنواع البنوك الإسلامية
المطلب 1: تصنيفها وفق النطاق الجغرافي : تصنف إلى:

1- بنوك إسلامية محلية وهي التي يقتصر نشاطها على الدول التي تحمل جنسيتها و تمارس فيها نشاطها.
2- بنوك إسلامية دولية : هي التي تتعدى فروعها حدود الدولة التي تحتوي على الفرع الأصلي.

المطلب2 : تصنيفها وفق المجال التوظيفي : يمكن تقسيمها كالتالي
- بنوك إسلامية صناعية : بنوك إسلامية متخصصة في تمويل المشاريع الصناعية .
- بنوك إسلامية زراعية : التخصص في تمويل القطاع الزراعي.
- بنوك الإدخار و الإستثمار الإسلامية : هذا الصنف الذي تفتقر إليه الدول الإسلامية و هي تقوم بدورين توفير صناديق الإدخار و إقراض المستثمرين لتمويل مشاريعهم.
- البنوك التجارية الإسلامية : هي تلك التي تختص في النشاطات التجارية فقط .

المطلب 3: تصنيفها وفق حجم النشاط

- بنوك إسلامية صغيرة الحجم :بنوك محدودة النشاط , يقتصر نشاطها على الجانب المحلي و تقل فائض مواردها إلى البنوك الإسلامية الكبرى و التي تستثمره.
- بنوك إسلامية متوسطة الحجم : ذات طابع قومي تتفرع على مستوى الدولة.
- بنوك كبيرة الحجم : هي بنوك الدرجة الأولى يمكنها التأثير على السوقين المصرفي و النقدي الداخلي و الخارجي و تملك فروعا كثيرة خارج و داخل الدولة.










(1) القرآن الكريم سورة التوبة- الآية 94.
(2) القرآن الكريم سورة التوبة –الآية 103.








المطلب 4: تصنيفها حسب الإستراتيجية المستخدمة :

- بنوك إسلامية قائمة ورائدة : تعتمد على إستراتيجية التوسيع و التطوير و الإبتكار و تطبيق أحدث ما
وصلت إليه المعاملات المصرفية خاصة
- بنوك إسلامية مقلدة و تابعة : تعتمد على إستراتيجية التقليد و المحاكاة و إتباع الطرق التي ثبت نجاحها
بعد إستخدامها من طرف البنوكالفائدة و الرائدة
- بنوك إسلامية حذرة ممدودة النشاط : تعتمد على إستراتجية التكميش أي الرشادة المصرفية و تعني
الخدمات المصرفية التي ثبتت ربحيتها فعلا و عدم تقديم خدمات تكاليفها مرتقعة و لا تقدم على تمويل
النشاطات التي تحتمل مخاطر مرتفعة مهما كانت ربحيتها.

المطلب 5 : وفقا للعملاء المتعاملين مع البنك : هناك نوعان أساسيان :

- بنوك إسلامية عادية تتعامل مع الأفراد مباشرة .
- بنوك إسلامية غير عادية تقدم خدماتها للدول و للبنوك الإسلامية العادية .


الفصل الثاني : عمل البنوك الإسلامية :

المبحث الأول : القواعد التي نتبعها في نشاطها.

مثل أي صنف من المصاريف الأخرى ترتكز البنوك الإسلامية على عدة قواعد يمكن تلخيصها
كما يلي :

المطلب 1 : القواعد العقائدية : الكثيرون يعتقدون أن عدم التعامل بالربا فقط يجعل من البنك بنكا إسلاميا , لكن الحقيقة ان البنك الإسلامي هو بنك عقائدي لان الشريعة الإسلامية تضع قيود على سلوك
البنك الإسلامي والتي تتمثل في العبادات, والمعاملات والاخلاق بحيث لا يمكن فصلها عن بعضها البعض وهده القواعد تتمثل فيما يلي:

- اداء الزكاة المفروضة شرعا على الاموال .
- الانفاق في سبيل الله لرفعة شان الدين الإسلامي .
- جعل البنك ونشاطه منبرا للتدليل على صدق المبادئ الإسلامية .
- اتباع البنوك الإسلامية في جميع معاملاتها العدل والانصاف .
- عدم تمكين السفهاء من اموال المسلمين .
- الالتزام بقواعد الميراث .
- الموازنة بين احتياجات الفرد المسلم و حاجات المجتمع الاسلامي .
- عدم الاسراف في استخدام عوامل الانتاج


المطلب2 : القواعد الإقتصادية : المتمثلة في :

- مراعاة أولويات الإستثمار للأمة العربية
- إستغلال فرص التوظيف الإستثماري المتاحة
- أن تكون مؤشرات الإقتصاديات النشاط المرغوب التوظيف فيه يدل على تحقيق ربحية
- أن يتأكد البنك من درجة المخاطرة في النشاط الذي يموله
- إظهار الموارد و الإلتزامات الخارجية و تحليل المركز المالي للعميل

المطلب 3 : القواعدالإجتماعية و الثقافية :

1- الشمول : وهذا بإستهداف خدمة المجتمع و ليس الفرد.
2- التوازن: العدل هو أساس التوازن بين الأفراد في المجتمع و بين عوامل الإنتاج
3- الواقعية: في محاربة الفقر.
4- المسؤولية: من أهم الجوانب الخاصة بالمجتمع الإسلامي و علاقته بالبنك متمثلة في مسؤولية المجتمع أمام البنك الإسلامي و مسؤولية هذا الأخير أمام المجتمع و هذا لقوله صلى الله عليه و سلم " كلكم راع و كل راع مسؤول عن رعيته" .
5 - الكفاية : لقد وصف عمر بن عبد العزيز –رضي الله عنه-حد الكفاية إلى أحد ولاته كما يلي :"
أنه لا بد للمرء من مسكن يسكنه و خادم يكفيه مهنته و فرس يجاهد عليه عدوه وأن يكون له اثاث
في بيته". و منه وظيفة البنك هي القضاء على كافة أشكال الفقر في المجتمع و تحقيق الكفاية و
العدل.
6- الأمن و الإستقرار : بتوفر هذين العنصرين يتحقق إزدهار أعمال البنوك و زاد إقبال الأفراد على الإدخار و الإستثمار. لكن بعض الدول الإسلامية تعاني من اللاأمن و اللاإستقرار . مما دفع إلى إحتفاء فروع البنوك الإسلامية وهذا خوفا من السطور المصادرة, لذا تعمل البنوك الإسلامية جاهدة على نشر جو من الإستقرار و الأمن الإقتصادي.

المبحث الثاني : إدارة النشاط في البنوك الإسلامية .

مثل أي بنك آخر يتم إدارة النشاط في البنوك الإسلامية وفق المراحل التالية :

أولا : التخطيط : في البنوك الإسلامية يقدم التخطيط على جمع كل الإمكانيات اللا زمة للتعامل مع المستقبل و لتحقيق أهداف البنك تم التخطيط وفق مايلي :
1- وضع الأهداف التي تحبط بالكليات و الجزئيات الخاصة بالعمل.
2- ترجمة الأهداف إلى برامج عمل ووضع معايير سليمة للتنفيذ.
3- وضع نظام فعال لتدفق البيانات و المعلومات صعودا و نزولا على نفس المستوى.
4-الإشراف على التنفيذ الفعلي و قياس حجم الأداء المحقق.
5- تحديد الإنحرافات ووجه القصور و القيام بالإجراءات التصحيحية اللازمة.
6- مراعاة و معالجة الإنحرافات في الخطط المستقبلية حتى لا يحدث مرة أخرى





ثانيا : التنظيم : تهتم هذه المرحلة بتصميم الهيكل التنظيمي للبنك الإسلامي شكلا و مضمونا و يتصف التنظيم في هذه البنوك ب :

1 - وحدة الهدف و تناسقه لكل جزء من أجزاء البنك .
2 - التخصص و تقسيم العمل لكل قسم من أقسام البنك.
3- وحدة القيادة و الإشراف و التنسيق الفعال لجهود الأفراد لتحقيق الهدف العام للبنك.
4 - تحديد نطاق السلطة و المسؤولية الخاصة بكل وظيفة من وظائف البنك
5 - تدرج الساطة الوظيفية في البنك
6 -المركزية في السلطة التخطيطية و الإشرافية و اللامركزية في التنفيذالأدائي.
7- تحقيق التوازن و المرونة الفعالة بين الوظائف.


ثالثا: التوجيه : تعتمد البنوك الإسلامية في توجيه سياستها على لأسس العقيدة الإسلامية التي من بينها , الشورى - الطاقة- وحدة الأمر, الحفاظ على الدين و المال و العقل ....الخ .

رابعا: الرقابة : هي متعددة و متطورةمن و على البنك أي رقابته على العمليات و سير العمل و الرقابة عليه من الهيئات المصرفية, و فوق ذلك رقابة الله تعالى عليه, تستمر الرقابة لعدة إعتبارات أهمها أن البنك لا يتعامل في ماله فقط بل في أموال الناس و كبر البنوك . و تأثير البنوك المباشر على القطاعات الإقتصادية الأخرى , و الرقابة ثلاثةأنواع : ذاتية ., إشرافية ذاتية , شرعية .

المبحث الثالث : أسس عمليات توظيف الأموال فيها
- لإن التضارب بين الإقراض بالفائدة و الشريعة الإسلامية دفع الفقهاء- و الباحثين في مجال الإقتضاء و الشرع لوضع البديل الشرعي لهذا النظام ( الفائدة) وهذا الأخير يضمن إستمرارية المصارف لتحقيق الأهداف المرجوة منها و يتمثل هذا البديل في : المضاربة , المشاركة , المرابحة.

المطلب :1 المضاربة الشرعية : إحدى البدائل الشرعية لنظام التمويل عن طريق القرض بفائدة و صورتها أن يقدم صاحب المال " رأس المال" و يقدم شخص آخر " العمل" و يسمىالمضاربة وقد يتعدد صاحب رأسمال كما قد يتعدد العامل , و المضاربة جائزة بالإ جماع, وهي من العقود الدائرة بين النفع و الضرر , وقد عرفها الفقهاء بأنها عقد بالإشتراك في الربح على أن يكون رأس مال من طرفه و العمل من طرف آخر(1)






(1) جمال لعمارة, المصاريف الإسلامية , دار النبأ , الجزائر : 1996 ص 28 .





و تشترط المضاربة مايلي :
1- أن يكون رأس مال نقدا و معلوم المقدار و أن يكون عينا لا دينا في ذمة المضارب .
2- أن يسلم رأس مال للمضارب لأن بقاؤه في يد المالك يفسد المضاربة.
3- العمل في المضاربة من إختصاص العامل المضارب وحدة أما صاحب رأس المال فعليه رأس المال فقط و ليس عليه عمل ( بكل أشكاله : الزراعة , التجارة , الصناعة......الخ















ال



شكل (1)


التمويل بالمضاربة يتم بالمراحل التالية :
1- يملأ العميل نموذج طلب التمويل بالمضاربة و يقوم المصرف بدراسة هذا الطلب .
2- بعدإنتهاء هذه الدراسة ترفع مذكرة بالأمر للسلطة المفوضة بإتخاذ القرار داخل المصرف و ذلك حسب طبيعة العملية و شروطها .
3- بعد تقديم العميل المستندات المطلوبة في حالةالموافقة تجهز عقد المضاربة لتوقيعه من طرف المتعامل و ممثل البنك الإسلامي ثم تبدأ عملية التنفيذ في ضوء الشروط الموضوعة في العقد .
4- بعد كل هذه الإجراءات تتابع عملية المضاربة ميدانيا و مكتبيا للتأكد من سير العمليات وفق البرنامج المسطر في نهاية المضاربة و ضرورة توزيع الخسائر أو الأرباح.
المطلب 2 : المرابحة : هو بيع السلعة بثمن التكلفة مع زيادة ربح يحقق عليه بيع البائع المشتري و من شروط هذا البيع معرفةثمن السلعة للمشتري ,وكذلك التكاليف الإضافية التي يتحملها المشتري الأولي في الحصول على السلعة محل المرابحة , و يصبح أن يتم المرابحة نقدا أو بالأجل (2)
================================================== الشكل (1) جمال لعمارة مرجع سابق –ص(118-119)
(2) جمال لعمارة –مرجع سابق-ص28 .
يشترط البيع بالمرابحة مايلي :

1- أن يكون العقد صحيح فإن كان فاسدا لم يجز البيع.
2- أن يكون الثمن الأول معلوما بما في ذلك النفقات التي إستفاد ت بها السلعة منذ شرائها حتى بيعها.
3- أن يكون الربح معلوما وقد يكون مقدارا محددا أو نسبة من الثمن.
4- أن يكون الثمن من حبس السلعة المباعة لأن الزيادة حينئذ تكون ربا .
5- أن يمتلك المصرف الإسلامي لسلعة قبل بيعها للعميل .
6- أن يكون عقد الشراء للمصرف الإسلامي منفصلا عن عقد البيع للعميل.
7- أن تكون مواصفات السلعة محددة و معلومة.
8- أن يتحمل البنك الإسلامي الخسائر اللاحقة بالسلعة قبل تسليمها للعميل .
9- أن يرجع المشتري للمصرف السلعة إذا ظهر بها عيب .
10- ألا يزيد المصرف أي مبلغ في حالة تأخر المشتري على السداد بعذر.
11- أن يكون البيع نقدا أو بالتقسيط.

و يتم البيع بالمرابحة وفق المراحل التالية :

1- تقديم للمصرف طلب شراء سلعة بمواصفات معينة من قبل العميل.
2- دراسة الملف المقدم لتقرير قبوله أو رفضه من طرف المصرف.
3- إتفاق الطرفان على شروط البيع في حالة الموافقة.
4- يسجل الإتفاق كتابة " وعد بالشراء" موضح فيه كل الإجراءات المتعلقة بالمعاملة.
5- توفير السلعة من طرف المصرف بعد العقد بكل مواصفاتها و إلزام العميل بشرائها.
6- بعد تملك السلعة يتم توقيع عقد المرابحة بين المصرف و المشتري الذي يستلم بصناعته و يتم التسديد بالأسلوب المتفق عليه.
المطلب3- المشاركة الإسلامية: هو عقد بين إثنين أو أكثر على إستثمار رأس مال مشترك بينهما في مشروعات عقاريةاو صناعية أو تجارية ....الخ على أن يكون الربح بينهما حسب الإتفاق , أما الخسارة فنسبية مشاركة كل شريك(1)
التمويل بالمشاركة هو من أفضل الأساليب التمويلية التي طرحتها المصاريف الإسلامية, لذا يجب على المصرف التوسع فيه بمقدار ما تسمح به موارده المشاركة , تتطلب مشاركة العميل بجزء من رأس المال , و المصرف يتكفل بالجزء الباقي , يتم توزيع الأرباح في حالة تحققها كما يلى :
1- حصة الشريك كعائد عمل , تمثل نسبة من صافي الربح المحقق.
2- أن يوزع الباقي بين المصرف و الشريك و بنسبة ما ساهم به كل منهما في رأس المال و تأخذ المشاركة عدة طرق لتنفيذها تتمثل في الآتي :
* المشاركة الثابتة : هي مساهمة دائمة في رأس مال المشروع و يشارك فيها المصرف بما لايقل عن %15
من راس المال و بذلك يصبح شريك في ملكية هذا المشروع و تسييره و لإدارته ,و في كل ما ينتج عنه من ربح أو خسارة بالنسب المتفق عليها ومنه تبقى لكل طرف من الطراف حصته الثانية.
* المشاركة على أساس الصفقة المعنية : تمثل فضاءا واسعا امام البنك للإستثمار أمواله فيه وهذا عن طريق المضاربين له على أساس افنتشار داخل قطاعات الإقتصادية بما يضمن له توزيع مخاطر المشروع و يمكن أن يمول المصرف بمفرده الصفقة المطلوبة أو نصفها أو ثلثها حسب قدرة الشريك , و مقدار الأموال المتاحة للمصرف , وعادة ما يساهم البنك في صفقاته بنسبة تتراوح بين 40 %25 %

(2) جمال لعمارة –مرجع سابق- ص 29

وتشبه عملة الصفقة المعنية عملية التمويل المؤقت لبعض المشاريع القائمة , أو لجزء من نشاط مشاريه جديدة لفترة معينة .
*المشاركة المتناقصة و المنتهية بالتمليك في هذا الصنف من المشاركة توزع الأسهم التي تمثل قيمة المشروع المصرف و شريكه , و يتم توزيع الأرباح بين الطرفين حسب الإنفاق السابق مع وعد المصرف بالتنازل عن أسهمه عن طريق البيع إلى الشريك دفعة واحدة أو عدة دفعات , و بهذا تكون المشاركة متناقصة من جانب المصرف و متزايدة من جهة الشريك .
* المساهمة المتناقصة : التمويل هنا هي صيغة بديلة عن التمويل بالقروض المتوسطة و طويلة الأجل في المصاريف الريبوية , ذلك أن المساهمة تعني الإستمرارية المشاركة بين المصرف و العميل لمدة أطول منه في حالة المشاركة المتناقصة التي توحي بأن المصرف سيخرج بعد مدة معينة بشكل تدريجي في إطار ترتيب منظم متفق عليه, و على ذلك تمثل المساهمة المتناقصة وسيلة لتمويل الإستثمارات المتوسطة و طويلة الأجل في جميع مجالات الإستثمار و التنمية(1)
المطلب 4: الإستثمار المباشر : قد يقرر البنك الإسلامي القيام بنفسه باستثمار جزء من الأموال الموجودة تحت تصرفه كإنشاء شركات تابعة له أو القيام بنشطات تجارية و صناعية ...الخ
هذه البدائل الشرعية للإقراض لفائدة تجعل من البنك الإسلامي متميزا عن المصارف الأخرى و أنظف أسلوبا في معاملاته مع شركائه و عملائه .























(1) جمال لعمارة –مرجع سابق- ص 93




المبحث الرابع : الخدمات التي يقدمها البنك الإسلامي .

المطلب 1: الخدمات الإقتصادية : تقدم البنوك الإسلامية على الصعيد الإقتصادي الخدمات التالية:

1- توظيف الموارد( الحسابات الجارية., الودائع الإدخارية الإسلامية , صكوك التمويل الإسلامية ...الخ) في تمويل الإستثمارات .
2-تشغيل أكبر عدد ممكن لرفع الإنتاج و تخفيض نسبة البطالة.
3-تحصيل و خصم الوراق التجارية دون فوائد ربوية
4- تقديم دراسات جدوى و تقييم فرص الإستثمار.

المطلب 2- الخدمات اٌجتماعية تقوم بالخدمات التالية :

1- جمع و توزيع الزكاة .
2- خدمات منح القروض الحسنة لأ غراض الزواج و التعليم 000 الخ.
3- خدمات إنشاء المنظمات الدينية و الإجتماعية و تدعيمها.
4- تنمية الوعي الديني و تعميق الحس الديني لدى أفراد المجتمع و حفظ القرآن

الفصل الثالث : تقييم البنوك اللا ربوية على النطاق الدولي

من الطبيعي أن تفكر الدول الإسلامية في إنشاء بنك دولي للقيام بإقراض الدول على نفس القواعد الإسلامية التي تحرم الربا و الفائدة و تبنت مصر هذه الفكرة و إقترحت في المؤتمر الثاني لوزراء الخارجية للدول الإسلامية براتشي في 26ديسمبر 1970 (1) . صورة هذا البنك تشبه لحد ما صورة الصندوق النقد الدولي ., و نوقش هذا الإقتراح في المؤتمر الثالث في جدة 25 فيفري 1973 (2) وقد قرر المؤتمر إنشاء إدارة مالية و إقتصادية بالأمانة العامة لتتولى الدراسة و إعطاء المشورة في المواضيع الإقتصادية و البنوك الإسلامية .
و عقدت بعد ذلك عدة مؤتمرات حتى مؤتمر جدة 23 نوفمبر 1983 و الذي إتخذ قرارا بإنشاء البنك الإسلامي للتنمية و مقره مدينة جدة , و قد تم التوقيع على إتفاقية إنشاء البنك فعليا في 17 جويلية 1975 برأسمال قدره الفين مليون دينار إسلامي (3) مقسمة إلى 200000 سهم قيمة كل منها 10000 دينار إسلامي (4)
الدينار الإسلامي هي الوحدة الحسابية للبنك و التي تعادل وحدة من وحدات حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي , عدد الدول الموقعة على الإتفاقية و المكتتبة في أسهمه في ذلك الوقت 29 دولة إسلامية .
- هدف هذا البنك الدولي هو دعم التنمية الإقتصادية و التقدم الإجتماعي لشعوب الدول الأعضاء و للمجتمعات الإسلامية وفقا للشريعة الإسلامية .
==================================================
(1) مجدى محمود شهاب , الإقتصاد النقدي ,الدار الجامعية, لبنان: 1990, ص 325 .
(2) مجدى محمود شهاب – مرجع سابق – ص 325.
(3) أي مايعادل 2400 مليون دولار حيث أن وحدة السحب الخاصة تعادل 1.2 دولار.
(4) مجدى محمود شهاب –مرجع سابق ص 326 .




- يقبل هذا البنك الودائع بكل صورها ,و يتولى غقراض الدول و الهيئات العامة الإسلامية لتحقيق التنمية الإقتصادية و الإجتماعية و يتولى القيام بكافة العمليات المصرفية كشراء و بيع العملات الأجنبية لتمويل التجارة الخارجية و غير ذلك من العمليات التي تقوم بها البنوك في مجال التجارة الدولية و ذلك مقابل عمولة و يستطيع تحقيق أرباح تعادل أضعاف رأس ماله إذا ا تبع سياسة رشيدة في معاملاته لأن اغلب المساهمين فيه بنسب كبيرة من الدول الغنية (السعودية ,الإمارات 000 الخ)

المبحث الثاني : أمثلة عن أهم البنوك الإسلامية في العالم :

تنتشر البنوك الإسلامية في ربوع العالم أجمع , و في مايلي نذكر البعض منها :

* بنك ناصر الإجتماعي بالقاهرة : نشأ في مصربموجب قانون66 لسنة 1981 و ينص على أن
* البنك يستهدف المساهمة في توسيع قاعدة التكافل الإجتماعي و قدآلت جميع بيوت المال (أموالها )إليه لإستثمارها,
* بنك التسليق السعودي : أفتتح عام 1983 بالرياض بفرض منح قروض لمواطنين المملكة
العربية السعودية تتطلب ظروفهم المساعدة.
* بنك فيصل الإسلامي : انشىء أول بنك في هذه المجموعة عام 1975 بالقاهرة و تلاه تأسيس
مجموعة أخرى من أمثاله في عدد آخر من الدول .
بلغ رأس ماله 8 ملايير دولار تساهم مصرفيه ب51 % و الباقي تتولاه المملكة العربية
السعودية ب 49 % .

و في مايلي سنذكر بعض الدول مع مجموعة البنوك اللا ربوية المنتشرة في :

- الجزائر ( بنك البركة الإسلامي الجزائري)
- الأردن ( البنك الإسلامي الأردني للتمويل و الإستثمار – شركة بيت الإستثمار
الإسلامي) .
- الإمارات العربية المتحدة ( بنك دبي الإسلامي , الشركة الإسلامية للإستثمارالخارجي )
- أامانيا الغربية (شركة البركة للإستثمار)
- باكستان و إيران ( تم تحويل جميع بنوكهما إلى بنوك إسلامية)
- إنجلترا ( بيت التمويل الإسلامي- بنك البركة الدولي المحدود )
- البحرين ( بنك البحرين الإسلامي , مصرف فيصل الإسلامي , بنك البركة الإسلامي)
- بنغلاديش( بنغلاديش الإسلامي )
- جزر البهاماس ( بنك فيل الإسلامي البهاماسي)
- تركيا ( مؤسسة فيصل للتمويل, مؤسسة بركة للتمويل )
- تونس ( بيت التمويل السعودي لتونس )
- السودان ( بنك فيصل الإسلامي السوداني, بنك التضامن الإسلامي , البنك الإسلامي
لحزب السودان , بنك البركة الإسلامي000 الخ)
- موريطاني ا( بنك البركة الإسلامي )
- الهند ( مؤسسة الأمين للتمويل و الإستثمار)



المبحث الثالث ملاحظات حول تجرية البنوك بلا فوائد

لا يمكن إعطاء تقييم معمق حول هذه البنوك نظرا لأنها ظهرت في السنوات الأخيرة لكن يمكن القول مايلي :

- لم يسبق ظهور البنوك الإسلامية تقديرنظري كاف ( التطبيق سبق التنظير)
- البنوك الإسلامية لم تجد مقرا من معاشية مفاهيم و إجراءات,و نظم غير إسلامية .
- لقد إتبعت هذه البنوك طرق عمل تجارية و فنية موضوعية في معاملاتها لكن هذا لا يعني
انها تخلت عن قواعد الشريعة لأن هذا التناقض إذا من الجدير بالذكر أن البنوك الإسلامية
أرست مفاهيم إسلامية ظلت فترة غائبة عن الواقع وهو ما مكنها من الثبات.

المبحث الرابع : مستقبلها :

في ظل إنتشار العلوم و التكنولوجيا في العالم لا زالت هناك فجوة بينها و بين الدول الإسلامية خاصة فيما يخص الإقتصاد و المصارف لذا فإذا أرادت دول الإسلامية تقدم عليها بتنمية
إقتصادها و تطوير عمل بنوكها وهذا بإيجاد إستدراجية قوية و تكاملية للبنوك الإسلامية و توضع هذه الإستدراجية على أساس أخطاء الماضي و هفوات الحاضر لتصحيحها و حذفها مستقبلا
ومنها عدم تناسق هذه الحركة لذا يجب التنسيق بينها و التوسع في عملية التوظيف الإستثماري
و تنمية نشاط البنوك الإسلامية الصغيرة 0


























الخاتمة :

مما سبق يتجلى لنا أن البنك الإسلامي هو مؤسسة نقدية ومالية تجلب الموارد النقدية
لتوظيفها توظيفا فعالا لا يكفل تعظيمها و نموها في إطار القواعد الشريفة للشريعة الإسلامية هدفها الأساسي هو تنمية إقتصاديات الدول الإسلامية لإنشاء هذا النوع من البنوك يجب إتباع مجموعة من المراحل يمكن تقسيم البنوك إلى انواع وفق عدة معايير 0 تتبع المصاريف
اللا ربوية في نشاطها عدة قواعد أهمها : عدم التعامل بالفائدة و التي تعتبر دخلا ربويا مثل
أي نوع آخر من البنوك تتم إدراة النشاط في البنوك الإسلامية وفق مراحل التخطيط ,التنظيم,
التوجيه, الرقابة.

توظف الأموال و تستثمر عن طريق الإستثمار المباشر , المضاربة الإسلامية ,
المرابحة, المشاركة, يقدم البنك اللا ربوي عدة خدمات إنسانية , إجتماعية , إقتصادية 000 الخ
وقد تمكنت الدول الإسلامية من إنشاء بنك إسلامي دولي يقوم بإقراض الدول التي بحاجة إلى
سيولة وهو من طراز صندوق النقد الدولي FMI وهو يتقدم من يوم لآخر ومع مرور الوقت يزداد توسع البنوك الإسلامية وزيادة أعدادها , وفروعها في العديد من دول العالم المسلمة
أو غير المسلمة رغم هذا التطور, فإن الأسس التي أقيمت عليها البنوك الإسلامية ليست سليمة %100 هذا لأنه لم يسبق تأسيسها تقديم نظري كاف ,لذا فإنه إ ذا أرادت الدول الإسلامية
الحفاظ على هذا الطراز من البنوك عليها مسايرة التكنولوجيا و إيجاد إستراتجية قوية و تكاملية
تضمن حسن سيرورة عملها.

و بهذا قد يستطيع المسلم الإستقلال عن الغربي ولو بفكرة أو منهج و المتمثل في نظام
البنوك الإسلامية.


















المراجع :

- عبد الحميد محمود البعلي : المدخل لفقه البنوك الإسلامية مصر- المعهد الدولي للبنوك
و الإقتصاد الإسلامي , ( 1973 م - 1404 ه ) .

- مجدي محمود شهاب, الإقتصاد النقد( النظرية النقدية, المؤسسات النقدية, تطور النظام
النقدي و المصرفي المصري و اللبناني) , لبنان : الدار الجامعية, 1990.

- محسن أحمد الحضري , البنوك الإسلامية, مصر: إيتراك للنشر و التوزيع , الطبعة
الثانية, 1995 .

- صبحي تادرس قريصة و محمود يونس , مقدمة في الإقتصاد, لبنان , دار النهضة
العربية, 1984 .

- مجلة العربي الكويتية العدد49.

- مجلة البنوك الإسلامية, تقرير الحلقة العلمية لخبراء التنظيم في البنوك الإسلامية, العدد
" 5 " مارس 1979

moh.2000
22-04-2009, 21:22
السلام عليكم

البنوك الإسلامية
منذ أن ظهرت البنوك في عالمنا الإسلامي وهي تزداد أهمية يومًا بعد يوم ، وذلك لان البنوك
اليوم أصبحت تعتبر ميزان التقدم الاقتصادي للدول، فكلما ازدادت إمكاناتها و نشاطاتها المالية
انعكس ذلك على الاقتصاد العام للدولة ، ولذا تسعى دول العالم جاهدة لمراقبة المؤسسات
المالية والبنوك التابعة لها ووضع النظم والسياسات التي تكفل الحماية لها حتى لا يتأثر النظام
المصرفي العام للدولة.
ونضرًا لان البنوك دخيلة على العالم الإسلامي حيث لم يكن هذا النشاط الاقتصادي معروفًا
لدى المسلمين بهذا الشكل ولتأثرها بالفكر الغربي الذي يعُد الفائدة هي النشاط الأساسي لعمل
البنوك ، وحيث أن هذا النوع من المعاملات يعتبر محرمًا في الشريعة أدى ذلك إلى ظهور
البنوك الإسلامية ، والتي تسعى جاهدة إلى تخليص المعاملات البنكية من المعاملات
المحرمة شرعًا .
وتمثل الخدمات المصرفية الإسلامية في نشاطاتها الاستثمارية والمصرفية لبنة في صرح
الاقتصاد الإسلامي ، وأداة هامة من أدوات فاعليته ولونًا من ألوان تطبيقاته في المجتمع
الإسلامي ، بحيث تخدم أهدافه ، وتساهم في بناء الواقع الاقتصادي الإسلامي بأبعاده كلها .
لقد أخذت الحاجة في العالم الإسلامي تتنامى في هذا العصر إلى ضرورة وجود خدمات
مصرفية إسلامية ، ولذا أخذت البنوك تتسابق إلى تقديم هذه الخدمة لعملائها وطالبيها . تلبية
لآمال المسلمين وطموحاتهم في أن يملأ الوجود الإسلامي الحياة الإنسانية، وأخذًا بأيديهم إلى
ربط معاملاتهم المالية وأنشطتهم الاقتصادية بالشريعة الإسلامية. بناءًا على هذا الأساس ومن
أجل تحقيق تلك الغاية قامت وانتشرت الخدمات المصرفية الإسلامية في العديد من البنوك
التقليدية ، وهذا يدل على مدى الوعي الذي تتمتع به المؤسسات المالية المصرفية في
مجتمعاتنا الإسلامية اليوم وأنها بذلك تسعى إلى القيام بواجباتها المصرفية الإسلامية وتلبية
لحاجة المجتمع لمثل هذه الخدمات، ومن أجل تحقيق تلك الغاية أخذت البنوك الإسلامية في
الانتشار الجغرافي في العالم خلال العقود الثلاثة الماضية .
إلا أنه قد آن الأوان للوقوف على حقيقة هذه التجربة ، والحكم على آليات العمل فيها ،
ومعرفة ما تتميز به ، وما حققته على المستويين الإجرائي والموضوعي في مجالات العمل
المصرفي ، وهذا ما يجعلنا بحاجة ماسة إلى التقييم الأمين والموضوعي لهذه التجربة ومعرفة
ما حققته من نتائج وكيف تم تطبيق هذه التجربة ، حيث أن عملية التقييم تعتبر وسيلة هامة
لتسديد مسار العمل المصرفي الإسلامي وتصحيح أخطاءها . و ذلك لضمان سلامة ما يقدم
من خدمة مصرفية إسلامية.
أنشطة وخدمات البنوك الإسلامية :
تمارس البنوك الإسلامية معظم الأعمال والأنشطة التي تقدمها البنوك التقليدية ،ولقد تركزت
الخدمات التي تقدمها على الخدمات المصرفية، وخدمة التمويل والاستثمار، والخدمات
الاجتماعية.
أو ً لا: الخدمات المصرفية :
تعتبر الخدمات المصرفية هي أساس العمل المصرفي في البنوك ،ولهذا فقد حرصت البنوك
الإسلامية بالابتعاد عن تقديم أي فوائد أو عمولات على عملياتها وذلك لأنها تدخل ضمن دائرة
الربا المحرم شرعًا . وتتمثل أهم الخدمات المصرفية الإسلامية التي تقدم إلى العملاء في :-
أو ً لا : قبول الودائع:-
الحسابات البنكية من أهم مقومات العلاقة بين البنك والعميل ، وتتنوع الحسابات لدى البنوك
وتختلف بحسب الهدف الذي فتحت من أجله، وتنقسم الودائع المصرفية في البنوك إلى أربعة
أقسام هي :
١ / الوديعة الادخارية:وفيها يتحمل البنك أعباء مادية كثيرة تتمثل
في حملات التوعية الادخارية ، وإتاحة الوسائل الادخارية المختلفة ، وإعداد النماذج ،
واستلام الإيداعات وقيدها في الحساب ، وتزويد العميل بدفتر ادخار وعليه فأن ما يتقاضاه
البنك من أجرًا عن هذه الخدمة يعتبر جائزًا شرعًا لأنها تمثل أتعاب ما تم تقديمه من
خدمة للعميل .
٢ / الوديعة تحت الطلب : وهي الحسابات الجارية والتي يمكن لصاحبها السحب منها في
أي وقت،وتمثل عملية فتح الحساب بداية العلاقة بين البنك والعميل ويتصل بهذه الخدمة عدد
من العمليات وذلك مثل تزويد العميل بدفاتر شيكات وبطاقة للصرف الإلكتروني وتنفيذ حالات
القيد للحساب وتأدية الشيكات المسحوبة عليه وتزويد العميل بالكشوفات الدورية التي تبين
حركة الحساب وغيرها من الخدمات الأخرى .وفي هذه الحالة يجوز للبنك أن يتقاضى من
العميل مصاريف مقابل ما قدمه لعملية فتح الحساب والخدمات المترتبة عليها .
٣ / وديعة الاستثمار : وهي الودائع التي يودعها العميل لدى البنك الإسلامي بغرض
الاستثمار ويعمل فيها البنك إلى أساس المضاربة وتكون لأجل محدد أو غير محدد ،والدخول
مع البنك في هذا النوع من الإيداع يكون بإحدى طريقتين هما:
* الأولى _الاتفاق مع البنك على المضاربة وفق نسبة من الربح
متفق عليها مسبقًا كما هو في صناديق الاستثمار.
* الثانية_ أن يقوم البنك الإسلامي بدور الوسيط بين العميل والشركات المستثمرة ،وهنا
يكون البنك وكي ً لا عن المستثمر وفي هذه الحالة للبنك الحق في الحصول على عمولة مقابل
أتعابه .
٤ / إيداع الوثائق والمستندات : وفيها يستلم البنك الوثائق من العميل ويقوم بحفظها بعد
ضبطها بقائمة يراجعها البنك ، ويعطي العميل إيصا ً لا بها ، ويقوم البنك بردها إلى العميل عند
طلبها أو عند نهاية الأجل المحدد بينهما ، وذلك مقابل أجرة يتفقان عليها.
ثانيًا : تحصيل وخصم الأوراق التجارية(الكمبيالة/السندات / الشيكات):
* تعتبر عمليات التحصيل من الخدمات التي يقوم بها البنك نيابة عن العملاء ، ويتقاضى
البنك عمولة نظير تقديم تلك الخدمة للعميل ، وهذه العملية الظاهر فيها الجواز لان العمولة
التي يأخذها البنك هي أجرة له على التحصيل .
*عملية خصم الأوراق التجارية – الكمبيالة و السند الأذني - هي عملية يتم فيها نقل ملكية
الورقة التجارية من العميل إلى البنك قبل ميعاد الاستحقاق مقابل حصوله على قيمتها
مخصومًا منها مبلغ الخصم .
والسؤال : ما هو الحكم الشرعي لعملية خصم الأوراق التجارية ؟
تعتبر عملية الخصم شكل من أشكال الإقراض المصرفي ، وهذه العملية تكون غالبًا في
النشاط التجاري وذلك لطبيعة التعامل القائم بين التجار في تحرير مثل هذه السندات ، وبما أن
عائد عملية الخصم من الفوائد الربويه المحرمة فقد جرت محاولات عدة للعدول عن الفائدة
إلى تدابير أخرى يمكن تخريجها على وجه شرعي ، واتخذت هذه المحاولات عدة وجوه هي
-:
١ / تخريجها عن طريق الجعالة .
٢ / تخريجها عن طريق القرض المماثل .
٣ / تخريجها على أساس البيع .
٤ / تخريجها على أساس القرض الحسن .
٥ /تخريجها على أساس ضع وتعجل .
ثالثًا : الاعتماد المستندي :
عملية فتح الاعتماد تعتبر من الأمور الهامة في التجارة الخارجية عند القيام بعملية التصدير أو
الاستيراد ، وسمي بذلك لأنه يتطلب تقديم مستندات تثبت انتقال ملكية السلع المتبادلة بين
المستورد والمصدر ، ويعود للبنك من عملية فتح الاعتماد ما يلي :
١ / أجور ومصاريف فتح الاعتماد .
٢ / الفائدة التي يحصل عليها البنك مقابل تسديده القيمة إذا كان مبلغ البضاعة غير مغطى
بالكامل. ويمكن تخريج عملية فتح الاعتماد المستندي على ثلاثة عقود شرعية هي :-
١ / عقد الوكالة . ٢ / عقد الحوالة . ٣ / عقد الضمان.
ولذا فأنه بناءًا على ذلك تعتبر عملية فتح الاعتماد المستندي صحيحة إذا تم تجنب الفائدة
الربوية .
رابعًا : خطابات الضمان :
خطاب الضمان هو تعهد من البنك بقبول دفع مبلغ معين لدى الطلب
إلى المستفيد في ذلك الخطاب نيابة عن طالب الضمان عند قيام الطالب بالتزامات معينة قبل
المستفيد . وتنشأ الحاجة إلى خطاب الضمان في العادة عندما يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى
تقديم ضمان
نقدي إلى جهة معينة عندما يريد الدخول في مناقصات عامة ، وذلك
في حال عدم التزامه بالشروط المتفق عليها ، أو أي خلل قد يقع في التنفيذ ، والغرض منه
إثبات جدية الراغب في تقديم العطاء وتنفيذ الالتزام الذي أخذه على نفسه. وينقسم خطاب
الضمان إلى قسمين هما : ١ / ابتدائي . ٢ / نهائي .
ويعود للبنك من عملية منح خطاب الضمان :
١ / أجور ومصاريف إصدار خطاب الضمان والتي يتقاضاها البنك
مقابل خدماته .
٢/ العمولة التي يأخذها البنك حيث تتفاوت حسب نوعية خطاب الضمان.
الحكم الشرعي لخطاب الضمان : اختلف العلماء في حكم أخذ مقابل مادي على الضمان،
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجوز أخذ مقابل مادي على الضمان . وعليه فقد اجتهد الكثير
في محاولة وجود مخرج وتبرير لمشروعية ما يتم تحصيله من عملية إصدار خطابات
الضمان.
خامسًا : التحويلات المصرفية :-
التحويلات المصرفية من الخدمات التي تقدمها البنوك لعملائها وتدر عليها عائدًا لا بأس به
وهي عدة أنواع . والتحويل قد يكون داخلي أو خارجي . وفي عملية التحويل يحصل البنك
على ما يلي :-
١ / أجرة المصاريف الإدارية التي تحملها البنك لأجراء عملية التحويل.
٢/ ما يأخذه البنك من مصاريف البرق والبريد الهاتف وأجور المراسلة. وهذه الأجور التي
يحصل عليها البنك لا بأس بها شرعًا .
سادسًا :تأجير الصناديق التجارية :-
تقوم البنوك بتقديم هذه الخدمة لعملائها بحيث يكون تحت تصرف العميل خزانة حديدية مقابل
أجر يتقاضاه البنك نظير تقديم هذه الخدمة ويختلف هذا الأجر باختلاف حجم الخزانة ومدة
الاستفادة منها . ويعتبر هذا من العقود الجائزة شرعًا وللبنك أن يأخذ هذه الأجرة على تقديم
هذه الخدمة .
سابعًا : إدارة الممتلكات :-
تعتبر هذه الخدمة من الخدمات الحديثة نسبيًا التي تقدمها البنوك لعملائها ،وذلك محاولة منها
لكسبهم وخدمتهم ، وتحقق هذه الخدمة مصلحة مزدوجة للبنك والعميل .
وهنا يجوز للبنك الحصول على مقابل لما يقدمه للعميل ،وله أن يأخذ أجر مقطوع ،أو نسبة
محددة من الأرباح التي تتحقق عند إدارة هذه الممتلكات.
ثامنًا : بيع الأسهم و السندات والعملات الأجنبية :-
من الأعمال الهامة التي تقوم بها البنوك بيع الأوراق المالية والعملات ولقد ازدادت أهمية هذه
الخدمة بعد الانتشار والتوسع الكبير في إنشاء الشركات المساهمة مما أضطر إلى إيجاد سوق
لتبادل الأسهم فيها والذي تتولى القيام به البنوك ، وللبنك الإسلامي بيع وشراء الأوراق المالية
،ولكن يجب أن تكون سليمة من العمليات المحرمة، وأما العملات فيجوز بيعها وشراؤها وذلك
وفق شروط الصرف المعتبرة شرعًا . انظر بيع الصرف
تاسعًا : تقديم القروض :-
تعتمد البنوك على تقديم القروض وتعتبر هذه الخدمة من أهم الخدمات التي تقدمها البنوك ومن
خلال هذه العملية تحقق البنوك عوائد مرتفعة والتي هي عبارة عن الفائدة ، وتعتبر هذه الفائدة
محرمة شرعًا عند القائلين بأن الأوراق النقدية تأخذ أحكام الذهب والفضة . والبديل الإسلامي
لهذه العملية أن تقدم البنوك قروضًا حسنة بدون فائدة ، أو أن يدخل البنك كشريك وبنسبة
محددة مسبقًا مع طالب القرض .
ثانيًا :خدمات التمويل والاستثمار :
تقوم البنوك بعمليات مختلفة تساعد على تدعيم تنمية المجتمع كعمليات الاستثمار للأموال
المودعة فيها ، والاستثمار عمل مشروع رغب الإسلام فيه ، ويأخذ الاستثمار في البنوك
الإسلامية أشكا ً لا وأساليب متنوعة ومن أهمها ما يلي :-
١ / المضاربة. ٢ / المشاركة . ٣ / التأجير المنتهي بالتمليك.
٤ / بيع السلم . ٥ / بيع المرابحة للآمر بالشراء .
٦ / بيع التقسيط.
ثالثًا : الخدمات الاجتماعية :
تعتبر الخدمات الاجتماعية أحد الخدمات الهامة التي يجب أن تضطلع بها البنوك الإسلامية في
خدمة مجتمعاتها وخدمة النشاط المصرفي الإسلامي بصفة عامة ، وتتمثل هذه الخدمات في
١ / دور البنك الاجتماعي في النشاط الاستثماري :
* نسبة التوظيف .
*مدى اهتمام المصرف بتمويل الأسر الفقيرة والقادرة على الإنتاج.
* التركيز على الاستثمار المحلي الذي يجب أن يقوم به البنك من جملة الاستثمارات التي
يقوم بها .
* نشر الوعي المصرفي وتدريب الطلبة .
٢ / دور البنك في إقامة المشروعات الاجتماعية :
* إقامة مشروعات لخدمة البيئة .
* تقديم الإعانات والمساعدات الاجتماعية .
* إقامة المؤتمرات و الندوات .
٣ / دور البنك في تجميع الزكاة وإنفاقها ومنح القروض الحسنة .
الخدمات التسويقية في البنوك الإسلامية :
يعد التسويق المصرفي محور نشاط البنوك ، وأداتها الرئيسية للتقدم وتحقيق النمو المتوازن
لخدماتها . فالتسويق المصرفي ذو أهمية خاصة للبنوك حيث أن تطور العمل المصرفي و
ازدياد نموه مرتهن بتوافر وعي تسويقي بالدرجة الأولى ، وتزداد أهميته في البنوك الإسلامية
التي أخذت بالظهور حديثًا ، وذلك لحاجة العملاء المتزايدة لمثل هذه الخدمات ولجهلهم بها .
ويعتبر العميل مفتاح العمل المصرفي، وإشباع رغباته يعد أهم عامل يجب أن تأخذه البنوك
في اعتبارها ، فمتى استطاع البنك جذب اهتمام أكبر قاعدة من العملاء الحاليين والمرتقبين
كان ذلك مؤشر على نجاح الخطط التسويقية التي يتبعها البنك ، أن المنتجات أو الخدمات
المصرفية على اختلاف أنواعها رغم أنها مصممة لإشباع حاجات ورغبات العملاء إلا أنها
غير ملموسة ، ولذا فأن هذا يحتاج إلى جهد اكبر من البنك حتى يتم تقديم وقبول تلك المنتجات
لدى العملاء . ولهذا فأن إدارة التسويق في الجهاز المصرفي تعتبر هي المحرك الفعلي
للعمليات المصرفية .
إن العمل المصرفي بحاجة دائمة إلى تجديد و ابتكار خدمات ومنتجات مصرفية وتسويقية
جديدة ، وذلك لأن حاجات العملاء المادية والمعنوية متجددة بصفة مستمرة ، وكذلك لوجود
المنافسة القوية بين البنوك على كسب أكبر قدر ممكن من العملاء.
بيع المرابحة في البنوك الإسلامية
المرابحة التي تجريها البنوك الإسلامية على طريقتين :
الأولى : أن يتفق العميل والبنك على أن يقوم العميل بشراء البضاعة بربح معلوم بعد شراء
البنك لها .
وعلى أساس هذا البيع يقوم البنك الإسلامي بشراء السلعة التي يحتاج إليها السوق بناء على
دراسته للسوق أو بناء على طلب يتقدم به أحد زبائنه يطلب فيه من البنك شراء سلعة معينة أو
استيرادها من الخارج ، ويبدي رغبته في شرائها من البنك بعد وصولها ، فإذا اقتنع البنك
بحاجة السوق إليها وقام بشرائها فله أن يبيعها لطالب الشراء الأول أو لغيره مرابحة، وذلك
بأن يعلن البنك قيمة شراء السلعة مضافا إليها ما تكلفه من مصروفات بشأنها ، ويطلب مبلغا
معينا من الربح على من يرغب فيها .
الثانية : أن يعد العميل البنك بشرائها بربح معلوم مجرد وعد . (ويسمى بيع المرابحة للآمر
بالشراء)
وفي هذه الصورة يتقدم العميل إلى البنك طالبا منه شراء سلعة معينة بالمواصفات التي يحددها
على أساس الوعد منه بشراء تلك السلعة اللازمة له فعلا مرابحة بالنسبة التي يتفق عليها ،
ويدفع الثمن مقسطا حسب إمكانياته التي يساعده عليها دخله. انظر بيع المرابحة
بيع السلم في البنوك الإسلامية
يعتبر بيع السلم أحد أوجه الاستثمار التي تقوم بها البنوك الإسلامية ويحقق لها ربحا جيدا
فضلا عن كونه يعود بالنفع على عملاء البنك من ناحية زيادة إنتاجهم وتوفير النواحي المالية
لهم ، ولقد أخذت البنوك الإسلامية هذا النوع من العقود كأساس لممارسة بعض أنشطتها
التجارية معتمدة على الشروط التي أوردها الفقهاء في هذا النوع من البيوع .
على محمد الجمعة

moh.2000
22-04-2009, 21:27
و لا تنسو الدعاء لنا و للاخ لخضر بكل خير

انجيلا
23-04-2009, 15:34
سلام عليكم عندي بحت في المحاسبة الوطنية عنوانو جدول المدخلات و المخرجات و مالقيتوش الي عندو يعاوني بليييييز

moh.2000
23-04-2009, 17:12
السلام عليكم
الاخت راني حوستلك و لكن للاسف مالقييتش

mezine213
23-04-2009, 21:53
السلام عليكم وعلى كل أمتنا العربية ,أخوكم نصر الدين أريد بحثا في ما يتعلق بالرشادة الاقتصادية وأيضا بحث في ما يتعلق بالضريبة على أرباح الشركات أرجو منكم الرد في أسرع وقت ممكن ووفقكم الله لما فيه الخير.

بشرى13
24-04-2009, 16:30
اريد بحث حول التخلف و سياسة التنمية

moh.2000
24-04-2009, 17:27
السلام عليكم
الاخ ليحوس على الضرائب على الارباح و الرشادة الاقتصادية للاسف مالقيتش

moh.2000
24-04-2009, 17:29
السلام عليكم
مداخلة حول التنمية و لا تنسونا بخالص الدعاء

moh.2000
24-04-2009, 17:39
مفهوم التنمية
بقلم/ د.نصر عارف
كلية العلوم السياسية-جامعة القاهرة
________________________________________
يعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم العالمية في القرن العشرين، حيث أُطلق على عملية تأسيس نظم اقتصادية وسياسية متماسكة فيما يُسمى بـ "عملية التنمية"، ويشير المفهوم لهذا التحول بعد الاستقلال -في الستينيات من هذا القرن- في آسيا وإفريقيا بصورة جلية. وتبرز أهمية مفهوم التنمية في تعدد أبعاده ومستوياته، وتشابكه مع العديد من المفاهيم الأخرى مثل التخطيط والإنتاج والتقدم.
وقد برز مفهوم التنمية Development بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم يُستعمل هذا المفهوم منذ ظهوره في عصر الاقتصادي البريطاني البارز "آدم سميث" في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الثانية إلا على سبيل الاستثناء، فالمصطلحان اللذان استُخدما للدلالة على حدوث التطور المشار إليه في المجتمع كانا التقدم المادي Material Progress، أو التقدم الاقتصادي Economic Progress.
وحتى عندما ثارت مسألة تطوير بعض اقتصاديات أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر كانت الاصطلاحات المستخدمة هي التحديث Modernization، أو التصنيع Industrialization.
وقد برز مفهوم التنمية Development بداية في علم الاقتصاد حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه؛ بالصورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات؛ عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم انتقل مفهوم التنمية إلى حقل السياسة منذ ستينيات القرن العشرين؛ حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية تجاه الديمقراطية. وتعرف التنمية السياسية: "بأنها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية"، ويقصد بمستوى الدولة الصناعية إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الأوربية تحقق النمو الاقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة القومية.
ولاحقًا، تطور مفهوم التنمية ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية.
بالإضافة لذلك استحدث مفهوم التنمية البشرية الذي يهتم بدعم قدرات الفرد وقياس مستوى معيشته وتحسين أوضاعه في المجتمع.
ويلاحظ أن مجموعة المفاهيم الفرعية المنبثقة عن مفهوم التنمية ترتكز على عدة مسلمات:
أ - غلبة الطابع المادي على الحياة الإنسانية، حيث تقاس مستويات التنمية المختلفة بالمؤشرات المادية البحتة.
ب - نفي وجود مصدر للمعرفة مستقل عن المصدر البشري المبني على الواقع المشاهد والمحسوس؛ أي بعبارة أخرى إسقاط فكرة الخالق من دائرة الاعتبارات العلمية.
ج - إن تطور المجتمعات البشرية يسير في خط متصاعد يتكون من مراحل متتابعة، كل مرحلة أعلى من السابقة، وذلك انطلاقًا من اعتبار المجتمع الأوروبي نموذجًا للمجتمعات الأخرى ويجب عليها محاولة اللحاق به.
الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية:
يتضح الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية، حيث يشتق لفظ "التنمية" من "نمـّى" بمعنى الزيادة والانتشار. أما لفظ "النمو" من "نما" ينمو نماء فإنه يعني الزيادة ومنه ينمو نموًا. وإذا كان لفظ النموّ أقرب إلى الاشتقاق العربي الصحيح، فإن إطلاق هذا اللفظ على المفهوم الأوروبي يشوه اللفظ العربي. فالنماء يعني أن الشيء يزيد حالاً بعد حال من نفسه، لا بالإضافة إليه.
وطبقًا لهذه الدلالات لمفهوم التنمية فإنه لا يعدّ مطابقًا للمفهوم الإنجليزي Development الذي يعني التغيير الجذري للنظام القائم واستبداله بنظام آخر أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف وذلك وفق رؤية المخطط الاقتصادي (الخارجي غالباً) وليس وفق رؤية جماهير الشعب وثقافتها ومصالحها الوطنية بالضرورة.
ويلاحظ أن شبكة المفاهيم المحيطة بالمفهوم الإنجليزي تختلف عن نظيرتها المحيطة بالمفهوم العربي.
فعلى سبيل المثال تُعالج ظاهرة النمو (في المفهوم العربي الإسلامي) كظاهرة جزئية من عملية الاستخلاف التي تمثل إطار حركة المجتمع وتحدده، وكذلك نجد مفهوم "الزكاة" الذي يعني لغة واصطلاحًا الزيادة والنماء الممزوجة بالبركة والطهارة، وسمى الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه مادياً بمعايير الاقتصاد، في حين ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي من الله تعالي. وهو ما يقارن بالعكس بالربا الذي قال عنه الله (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [البقرة:276].
ويتضح من ذلك أن مفهوم النمو في الفكر الإسلامي يُعبر عن الزيادة المرتبطة بالطهارة والبركة وأجر الآخرة وإن لم يتجاهل مع هذا "الحياة الطيبة" في الدنيا، بينما يركز مفهوم Development على البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمرًا للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر/ الغريب.
وفي الواقع فإن "التنمية" تعد من المفاهيم القليلة التي تجمع بين البعد النظري والجانب التطبيقي، وتستدعي الرؤية الفلسفية والغيبية للمجتمعات ومقاصد تطورها
اقرأ أيضًا: العلمانية

التجـــديد




الفقر
مع التنمية الكل أصبح فقيراً...!!
سلمان خان
باحث اقتصادي- مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية-إنجلترا
________________________________________
الفقر مفهوم مراوغ، فربما كان هناك فقراء بقدر ما توجد دلالات متعددة للكلمة وبقدر عدد البشر وتوقعاتهم، فلغات العالم تتنافس مع بعضها البعض في عدد الكلمات التي تشير إلى ظروف الفرد المرتبطة بالمدركات المختلفة للفقر.. فمثلاً: في الفارسية ثمة ما يزيد على 30 كلمة تصف أولئك الذين يُعتبرون لسبب أو لآخر فقراء.. وفي معظم لغات إفريقيا ثمة -على الأقل- من 3 إلى 5 كلمات لتعريف الفقر وهكذا.
من الفقير؟!
واقعيًا، ليس ثمة تعريف موحد للفقر في كل الثقافات؛ بل قد لا تعتبر كل الثقافات الفقر عيبًا، فالفقر لم يكن ولفترة طويلة من الزمان وفي العديد من حضارات العالم نقيض الغنى، وكان ثمة دائمًا مجال "الفقر الاختياري" أي أولئك البشر الذين رفضوا الزخرف والمظهر وانطلقوا يسبحون في ملكوت الله، وكان احترام أولئك الفقراء باختيارهم (المتصوفة على سبيل المثال) من تقاليد الشرق المستقرة.
وحديثًا -مع اتساع الاقتصاد التجاري وعملية التمدين- اكتسب الفقر دلالته الاقتصادية، وأصبح الفقير هو من ينقصه المال والممتلكات التي يحوزها الغني، ويتحول الفقر إلى معنى مطلق وليس نسبيًا، فيصير الفقر عيبًا وبعدئذ يصير مرضًا يذل من يصاب به ويجب علاجه.
إن الفقير في المجتمعات البشرية قبل سيطرة الاقتصاد هو ذلك العضو الذي يكسب قوت يومه بصعوبة أو الذي اختار الكفاف، بيد أنه يظل عضوًا في الجماعة، لكنه لاحقًا أصبح ذلك الغريب المتشرد الذي يتم عزله وتهميشه في الواقع المعاش.
وطبقًا لأدبيات التنمية فإن الفقر صفة لمجتمع ما الفرد فيه لا يحقق مستوى معين من الرفاهية- والذي عادة ما يُشار إليه بخط الفقر أو حد الكفاف، ويجب لتعريف الفقر الإجابة على ثلاثة تساؤلات؛ تحديد ماهية الحد الأدنى من الرفاهية، وكيفية التيقن من صحة فقر الفرد، وتجميع مؤشرات الرفاهية وقياس الفقر على أساسها.
وتقترب فكرة الرفاهية Well-being من مفهوم مستوي المعيشة Standard of Living (SOL)، الذي يعد أحد المفاهيم الشائعة في أدبيات التنمية، ومحور أعمال البنك الدولي في تقاريره السنوية عن التنمية خلال فترة التسعينيات.
ويستهدف مفهوم مستوى المعيشة قياس كفاءة الحياة؛ معتمدًا على معايير الاستهلاك الفردي من السلع والخدمات المشتراة من دخل الفرد أو توفيره، ويفترض مفهوم الفقر وجود حد أدنى من الاستهلاك والدخل يقاس عليه مستوى معيشة الفرد، ويشار إليه بخط الفقر، حيث يصنف أي فرد يقع دخله أو استهلاكه أقل من هذا الحد باعتباره فقيرًا.
ويمكن تصنيف مناهج قياس الفقر إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: اتجاه الرفاهية ويستخدم أصحاب هذا الاتجاه معايير مالية في قياس الرفاهية مثل: دخل الفرد وإنفاقه الاستهلاكي، وهو الاتجاه السائد في أدبيات الفقر.
الاتجاه الثاني: اتجاه الـ "لا رفاهية" non-welfarist ويعني هذا الاتجاه بدراسة المؤشرات الاجتماعية للرفاهية، مثل: التغذية والصحة والتعليم، ويركز على قضايا مثل: سوء التغذية، أو غياب الرعاية الصحية، أو الأمية، باعتبارها نتائج مباشرة لانتشار الفقر.
ومن جانب آخر، انقسمت الاجتهادات حول تعريف الفقير إلى مدرستين:
-المدرسة المطلقة: وهي تضع حدًا أدنى لمستوى الدخل الضروري الذي يجب على كل فرد إحرازه لتحقيق مستوى معيشي معقول-حد الفقر، ويصنف مَن دونه باعتباره فقيرًا، وتحديد هذا المستوى هو حكم تقديري للباحث أو صانع السياسة.
-المدرسة النسبية: وهي تتعامل مع الفقر النسبي-أي ارتباط خط الفقر بمعدل توزيع الدخل بين السكان-وعادة يتم ذلك بتعريف الأفراد الذين يشكلون أفقر 20-25% من سكان مجتمع ما باعتبارهم الفقراء، وبعض الدراسات في الدول النامية ترفع هذه النسبة حتى 50% من السكان.
وعلى صعيد آخر، فإنه رغم بقاء الدخل الفردي المؤشر الأكثر انتشارًا لقياس الفقر، فقد تزايدت أهمية مؤشرات الرفاهية الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم، وقد تزايد هذا الاتجاه في دول العالم النامي منذ منتصف السبعينيات حيث لوحظ ارتفاع الدخل الفردي في بعض الدول، دون حدوث تقدم في بعض مجالات الرفاهية الاجتماعية مثل: التغذية والصحة، وهذا يعني بشكل عام إمكانية حدوث مفارقة بين حدوث زيادة في دخل الفرد وتحقيق إنجاز في مجالات الرفاهية الاجتماعية.. على سبيل المثال، لا يتفق معدل نمو الدخل الفردي المتزايد في باكستان مع مؤشرات الرفاهة الاجتماعية المتدنية بها، بينما يأتي النموذج السريلانكي في الاتجاه المضاد، حيث يتاح لمواطنيها رفاهة اجتماعية لا تتناسب مع معدلات الدخل الفردي المتواضعة بها.
الفقر...واقع أم أسطورة:
يحدد بعض الباحثين ثلاثة أبعاد لمفهوم الفقر:
-البعد الأول: هو الماديات فهي تلك الأشياء التي نعتبر نقصها فقرًا، وهذا النقص أو الحرمان أو الفقدان له طابعان إما وجودي غير مادي أو وجودي مادي.
تنتمي للفقر الوجودي غير المادي عناصر مثل: الإخفاق في العمل أو انعدام الثقة في النفس أو نقص الحب، بينما يشمل الفقر المادي: التفرقة، وعدم المساواة والتحيز والجهل وتعذر الحصول على الحد الأدنى من الضروريات المطلوبة للحياة-كما تحددها ثقافة المرء- والجوع وسوء التغذية والتشرد وضعف الصحة... إلخ.
-البعد الثاني: هو إدراك المرء لحالته، فالمرء يعد فقيرًا فقط عندما يحس بوجود النقص في إحدى تلك الماديات أو كلها، إن تلك الماديات لا تكتسب قيمها كبعد معرفي في المفهوم إلا مع إدراك الطابع النسبي والذاتي لمفهوم الفقر، عادة يدفع هذا البعد الذاتي الفقير إلى تخطي فقره، وتغيير موازين القوى التي أدت إليه، وقد ينزع إلى عقد روابط تبعية مع جماعات أو أفراد أو عقائد أقوى تعطيه إحساسًا زائفًا بالأمان، وأحيانًا يصل إلى وهم القوة.
-البعد الثالث: كيف يرى الآخرون الفقير، حيث قد يختلف إدراك الفقير لحاله مع رؤية الآخرين، ويترتب على هذا الإدراك رد فعل الآخر تجاه الفقير، وثمة نوعان من أنواع رد الفعل تجاه الفقير؛ التدخل المباشر أو غير المباشر من خلال الصدقة أو المساعدة أو التربية أو القهر، أو عدم التدخل-سواء كان عدم التدخل مبررًا لأن الفقراء يستحقون فقرهم أو لأن التدخل لن يفيد بل وربما أضر.
وتتأثر تلك الأبعاد الثلاثة بالمكان والزمان والبيئة الاجتماعية / الثقافية المتواجدة فيها.
الفقر ووهم عالمية التنمية:
لأول مرة في التاريخ، صار الفقر ظاهرة مطلقة، حيث اعتبرت بلاد وأمم بأسرها فقيرة على أساس أن دخلها الإجمالي أقل بالمقارنة مع الدخل السائد في تلك الدول التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، وهكذا أصبح الدخل القومي هو المعيار العالمي الجديد والرأسمالية الاقتصادية هي الحل المعلن للعلاج النهائي للفقر، وتوصلت جيوش من خبراء الفقر العالمي إلى العلاج بالتنمية من خلال زيادة الإنتاج والتطبيق المتزايد للعلم والمعرفة التقنية، فهي مفتاح الرخاء والسعادة.
وهكذا أُعيد تفسير وتقييم البعد المادي للفقر، حيث أدى تحطيم المجتمعات التقليدية، في سبيل ما يدعى بالاقتصاد القومي ثم الاقتصاد العالمي، إلى فصل الاقتصاد عن جذوره الاجتماعية والحضارية، وبالتالي خضع المجتمع لآليات وقواعد الاقتصاد وليس العكس. وقد خلق الاقتصاد العالمي منظومة من المرجعيات الكونية جعلت الفرد يدرك أنه فقير وفي حاجة إلى المساعدة لأن متوسط دخله أقل من المستوى العالمي المعياري، ولأنه لا يعيش في رفاهية مثل بشر آخرين.
وأدى هذا التغيير في نظرة المرء لذاته إلى تغير في ردود الفعل تجاه الفقر، حيث أصبح البرنامج الجديد حلاً كونيًا أحادي الاتجاه يعتمد على الدخل ولا علاقة له إطلاقًا بالثقافة ولا بالشخص، ولم يعد الفرد يلجأ إلى جذوره الثقافية وعلاقته الأسرية القديمة التي كانت تقدم الحلول البديلة الكلية للفقر، وبدلاً من ذلك سعى الأفراد إلى تجميع أنفسهم في مؤسسات متماثلة مثل النقابات والروابط، مما أدى إلى تنميط الأفراد في المجتمع وإلغاء أي تفكير بديل يسعى إلى البحث عن طريق جديد للحياة والتنظيم الاجتماعي يعتمد على البساطة، أو أشكال تطوعية وأخلاقية من الفقر الذي لا يمكن أحيانًا تجاوزه لظروف هيكلية ودولية قبل أن تكون محلية.
وقد افترض الخبراء أن الفقراء غير قادرين على تحديد مصلحتهم، والتي يحددها لهم من يمتلكون المعرفة والسلطة-الحكومات والمؤسسات والخبراء-عاملين على الارتقاء بهم، ومشاركة الجماهير تنحصر في تأييد البرامج التي وضعها "الخبراء"، ويقدم الخبراء الحل البسيط للفقر: التنمية الاقتصادية ورفع مستوى الدخل، زاعمين إمكانية حل كل المشكلات الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالفقر من خلال الاقتصاد وحده.
وقد عملت هذه الافتراضات والتوصيات على تقوية التدخل السلطوي حيث صار الفقر العالمي معضلة أكبر من أن تترك لتحل حلاً محليًا، وبذا سمحت بتدخل القوى الدولية-الحكومية و الأهلية-باسم نشر السعادة والقضاء على الفقر.
وما حدث بصورة عالمية مجردة هو أنه تمت رؤية الحاجات المطلوبة والإصلاحات الضرورية والمؤسسات المقترحة بشكل نمطي ثابت، بغض النظر عن الاختلافات الاجتماعية والثقافية، وتم فرض تلك الرؤية عن طريق شروط برامج المساعدات الأجنبية.
وقد اختلفت النتائج الفعلية لهذه السياسات والبرامج وآثارها على حياة الفقراء اختلافًا بينًا عما توقعه الخبراء والمتخصصون، حيث إن الحاجات التي تبغيها برامج التنمية هي حاجات نمط معين من الحياة، يلعب فيه الاقتصاد دورًا مركزيًا، حيث ثمة مفهوم خاص للفقر، وثمة فئة معينة من المستهلكين ودافعي الضرائب يجب حماية حقوقهم وامتيازاتهم، فشلت تلك السياسات على كل المستويات، ومن الواضح أن كل أنساق المساعدة ستخلق في النهاية مزيدًا من الفقر.
ويحذر بعض الباحثين من المفاهيم التي تبدو إيجابية من الخارج مثل: الاقتصاد العالمي أو العالم الواحد بينما هي تدعو في الواقع إلى إلغاء التعددية، وقبول أن الحل الوحيد الممكن هو اتخاذ الطريق الذي سار فيه الشمال الغني القوي السعيد.
إن النظرة الاقتصادية للحياة قد تؤدي لفترة معينة إلى زيادة ضخمة في إنتاج الأغراض والبضائع أي تنمية الأشياء، لكنه واقعيًا -بسبب الندرة الدائمة- يعاني الغني والفقير-على حد سواء-من عدم إمكانية الحصول على كل ما يريد؛ فقد اتضح لكثير من البشر أن الحاجات ليست مجرد وهم فقط بل مصطلح يخلق الشره والجشع، ومن المستحيل أن يفي الاقتصاد بكل الحاجات يومًا ما.
قد ينتج الاقتصاد الكثير من البضائع والخدمات للوفاء بمنظومة معينة من الحاجات، بيد أنه على نطاق آخر يدمر مجالات بأكملها من مجالات النشاط الإنساني، والحرف التقليدية، والقطاعات الأهلية، ويحطم منظومة قيمية كاملة من الجماعية والتراحم، من ثم فإن تأثيره الإجمالي سلبي، بل ومدمر أحيانًا خاصة عندما لا يفي بوعوده، وفي الوقت ذاته يهدم أبنية التراحم والتكافل، فلا يجدها الفرد إذا أراد التراجع والعودة له، وربما يكون النموذج البارز لذلك هو ما حدث مع مؤسسات الوقف الإسلامية في العالم الإسلامي من مصادرة وتأميم.
ولا شك أن الرؤية الإسلامية التي تحترم الحاجات الأساسية المادية للإنسان وتفرض عليه السعي للرزق وعمارة الأرض، لكنها في الوقت ذاته تربطه برؤية غيبية للرزق والقدر، لديها الكثير في هذا الباب لتقدمه خاصة مع تطوير وتفعيل فريضة الزكاة كأداة تنموية تتجاوز جمع وتوزيع الصدقات، وهذا مجال يحتاج تناولاً مستقلاً

السيادة.. جدلية الدولة والعولمة
08/05/2005 ليلى حـلاوة**



على الرغم من تعدد التعريفات التي يوردها الباحثون لمفهوم السيادة الوطنية، فإن بينها جميعا قاسما مشتركا يتمثل في النظر إلى السيادة باعتبارها السلطة العليا للدولة في إدارة شئونها، سواء كان ذلك داخل إقليمها أو في إطار علاقاتها الدولية، وبالتالي فإن السيادة تشير إلى معنيين أحدهما إيجابي ويشير إلى قدرة الدولة -كوحدة سياسية مستقلة- على التصرف بحرية كاملة ودون أي قيود تفرض عليها، فضلا عن تلك القيود التي ترتضيها هذه الدولة بالتقدير المنفرد أو بالاتفاق الدولي، والآخر سلبي يقوم على عدم إمكانية خضوع الدولة لأي سلطة غير سلطتها. وبذلك يكون لمبدأ السيادة وجه داخلي ينصرف إلى علاقة الدولة بمواطنيها داخل إقليمها بحدوده السياسية المعلومة، ووجه خارجي ينصرف نطاق تطبيقه على علاقة الدولة بغيرها من الدول والتي تقوم على وجوب احترام الاستقلال الوطني والسلامة الإقليمية لكل دولة وعدم جواز التدخل في شئونها الداخلية.
 دور الثورة الفرنسية
 مبدأ السيادة.. وتطور الدولة
 العصور الوسطى
 الدولة الإسلامية.. ومفهوم السيادة
 العصر الحديث.. مفهوم جديد
 خريطة المفهوم
 مفاهيم مشابهة
 السيادة وفلسفة الدولة
 خصائص السيادة
 مصدر السيادة ومنطلقها
 انقلاب في عصر العولمة والتدخل
 تدويل السيادة
 السيادة الوطنية.. رؤية مستقبلية
وقد اكتسبت فكرة السيادة منذ نموها ثم صعودها في ظل نموذج الدولة القومية مكانة مركزية في السياسة الحديثة -فكرا وممارسة- بما جعلها تصبح شعارا للكرامة الوطنية باعتبارها أفضل تجسيد لمعاني الحرية والاستقلال والسلطة العليا على الإقليم وسكانه.. فبينما كان الملوك في أوربا يرددون "الدولة هي أنا"، ويرون أن حق إصدار القوانين التي يخضع لها رعاياهم هو حق منفرد بدون قيد أو شريك، كانت موجة من الأفكار الثورية تغزو أوربا وتحاول أن تقتلع هذا المفهوم من أساسه.
وفي عام 1690 نشر "جون لوك " في إنجلترا كتابه "رسالتان في الحكم" ليؤكد فيه أن حرية الإنسان الطبيعية هي ألا يكون خاضعا لأي قوة عليا على الأرض، وألا يقع تحت إرادته أي إنسان أو سلطة تشريعية، وألا يكون لديه سوى قانون الطبيعة قاعدة يعمل بها، وأن المجتمع السياسي لا يمكن أن يقوم ويستمر إلا إذا كان لديه في ذاته سلطة المحافظة على الملكية، ولهذا الغرض تكون لديه سلطة عقاب على الجرائم التي يرتكبها أي فرد في المجتمع، فهنا وهنا فقط يوجد المجتمع السياسي حيث تنازل كل فرد فيه عن سلطته الطبيعية وسلمها للمجتمع (وليس لنظام الحكم كما ذهب هوبز).
دور الثورة الفرنسية
وفي فرنسا انطلقت أفكار "جان جاك روسو" في كتابه الأكثر شهرة "العقد الاجتماعي" (نشر عام 1762م) ثم جاءت الثورة الفرنسية فسعت لإنشاء تلك الدولة التي كانت تحلم بها أوربا.
ونعرف من التاريخ أن مبادئ الثورة الفرنسية قد حكمت حياة أوربا والغرب وشعوبا كثيرة في العالم رغم أزمات تلك الثورة وتعثرها، ورغم تغير الدساتير ونظم الحكم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا فإن مفهوم الدولة في العالم توحد على ضرورة أن تتوافر لها وفيها العناصر الأساسية التي أكدتها تلك الثورة وكرست بها بزوغ الدولة القومية مع صلح "وستفاليا". وتشمل هذه العناصر التي اتفق عليها فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية "الشعب" و"الأرض" و"سلطة شاملة للشعب والأرض" أي الكيان المعنوي للدولة، ثم يضاف لذلك فكرة نظام الدولة أو العقد الاجتماعي الذي يقوم على الحرية والإخاء والمساواة والحكم الديمقراطي.
ولم يعد هذا المفهوم للسيادة الذي حققته الثورة الفرنسية والذي ركز على أن تكون السيادة فيها للشعب في مجموعه وأن تتولى الممارسة الفعلية لتلك السيادة حكومة ملتزمة بحدود ترسمها قواعد عامة ومجردة، هو المتاح الآن بعد أن تم تدويل السيادة أي بعد أن تم توسيع أبعادها الخارجية وأصبح للعلاقات الدولية ظل واضح على مفهوم السيادة مع نمو عدد الفاعلين الدوليين وتكريس فكرة التنظيم والقانون الدولي.. فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي وهي الاعتراف المتبادل بين دول لها سيادة اتسعت بصورة أدت إلى وضع شروط لممارسة الدولة حقوق السيادة، أهمها ألا تؤدي ممارسة تلك الحقوق إلى إحداث اضطراب في النظام العالمي. ومع تنامي التفاعلات على المستوى العالمي صار للبعد الخارجي للسيادة دورا مهما تفاعل مع البعد الداخلي بقوة وبشكل مركب، بل ومعقد جدا.
وما زال مفهوم السيادة في الداخل والخارج يتعرض للتغيير والتطوير، ولم تتوقف نظريات العلاقات الدولية والقانون الدولي عن الاجتهاد في معنى ودلالات هذا المفهوم. ولعل ذلك يرجع إلى أن موضوع السيادة داخل الدولة في ظل المد الديمقراطي يثير عدة اعتبارات أيديولوجية ودستورية من شأنها أن تمس سلطات الدولة المطلقة على مواطنيها. كما أن تطور المجتمعات البشرية وازدياد علاقات الدول وما يترتب على ذلك من التزامات قانونية قد ساهم بدوره في تغيير وتطوير هذا المفهوم وتقييد خيارات الدولة في سياساتها العامة واليومية؛ لذا كان من الأهمية بمكان أن نبحث في نشأة مبدأ السيادة ونتتبع تطور مضمونه التاريخي السياسي حتى يومنا هذا، ثم نستشرف مستقبل المفهوم.
مبدأ السيادة.. وتطور الدولة
يشيع في أمهات كتب علم السياسة الحديث وكتب القانون الدستوري أن فكرة السيادة ظهرت منذ بروز الدولة الحديثة وذلك في التاريخ الحديث. وإذا كان البعض يرجع الفضل للعلامة جان بودان في تفصيل وتحديد مدلول استعمال هذا المفهوم وإعطائه هذه الشهرة، إلا أن فكرة السيادة بمستوياتها المتعددة ظهرت منذ ظهور المجتمعات البشرية وكياناتها السياسية الأولى. ويدلنا البحث في التطور التاريخي لمبدأ السيادة أنه وثيق الصلة بنشأة وتطور شكل ونظام الدولة؛ لذا فلا عجب أن يجد هذا الموضوع التفاتا من رجال الفقه الدستوري والدولي لارتباطه بدراسة النظم الاجتماعية والسياسية وعلم التاريخ السياسي والاجتماعي.
ويمكن بسرعة استعراض السيادة في مراحل تاريخية مختلفة؛ فالإغريق كانوا سباقين إلى إقامة مجتمع سياسي ضمن إطار تنظيمي ثابت، ولقد مهدت الفلسفة اليونانية إلى إقامة نوع من الديمقراطية التي تعد رائدة في التاريخ القديم. وشهدت مدن أثينا وإسبرطة وغيرهما من المدن اليونانية القديمة مظاهر لهذه الديمقراطية. كما قامت اليونان بتنظيم علاقاتها مع الدول المجاورة على أساس من الالتزام، وأنشأت قانونا لحسم الخلافات عن طريق التحكيم، ولهذه الأفكار -رغم ما عليها من مآخذ وما كان لها من حدود وسقف- يدين الفكر المعاصر، حيث أضحت الديمقراطية وتحديد صلاحيات الحاكم شعاراً ومنهاجاً حتى يومنا هذا.
وعلى الرغم من ريادة اليونان في هذا المضمار فإنه يلاحظ أن القانون كان وقفا على قادة من زعماء الكهنة أو الأشراف، وأدى ذلك إلى انفراد هذه القلة بالعلم بالقانون وتفسيره دائما لمصلحة طبقتهم؛ وهو ما دفع عامة الشعب إلى المطالبة بتدوين العرف حتى يقفوا على حقوقهم والتزاماتهم. ويرى هذا الجانب من الفقه أنه في ظل هذا التدوين لم يترتب على ذلك خضوع الحاكم للقانون بل ظلت سلطاته مطلقة. وقد أدرك فلاسفة اليونان السيادة بمفاهيم مختلفة، حيث ذكرها أرسطو في كتابه "السياسة" على أنها سلطة عليا في داخل الدولة رابطا إياها بالجماعة، أما أفلاطون فاعتبر السلطة لصيقة بشخص الحاكم، ورأى البعض الآخر أن السيادة للقانون وليست للحاكم. ونظرا لأن اليونان قد تكونت من عدد من الدول المستقلة، فإن مفهوم السيادة –آنذاك- كان يعني حق تقرير المصير بالمفهوم الحالي.
وعرَّف الرومان السيادة تحت مفهوم الحرية والاستقلال والسلطة، وعنوا بتحديد مركز إمبراطوريتهم والتزاماتهم، إلا أن سلطة الدولة ظلت مطلقة بحكم الظروف الحياتية للعلاقات التي أنشأتها، فالدولة كانت مالكة لجميع الأراضي بينما لم يكن للأفراد إلا امتيازات مؤقتة على تلك الأراضي وهي امتيازات كانت قابلة للإلغاء في كل وقت، وللإمبراطور حرية مطلقة في التصرف فيها.
وبالتالي لا يختلف الرومان عن اليونان في نظرتهم إلى الدولة باعتبارها كيانا مقدسا لا يجوز محاسبتها ومن ثم كانت السلطات لا حدود لها. ولا يمكن القول بأن اليونانيين والرومانيين عرفوا الدولة القانونية بمفهومها الحديث على الرغم من وجود كثير من مظاهر هذه الدولة، فقد اقتصرت الديمقراطية في بلاد الإغريق على المواطنين الأحرار، وحقهم في ممارسة الحكم دون أن تعترف بحقوق أو حريات فردية في مواجهة الجماعة. وقد كان بإمكان الحكام أن يسلبوا الأفراد أموالهم أو حرياتهم، دون أن يكون بإمكان هؤلاء الأفراد أن يحتجوا بحقوق مكتسبة، أو حريات مقدسة، حيث لم يكن للأفراد حرية شخصية أو حرية تملك، أو حرية العقيدة أو حرية المسكن، ولم يكن للعبيد والنساء أي حقوق، إلا أنه يرجع لليونانيين الفضل في نشأة بعض الأفكار والمبادئ القانونية الراسخة في عالم اليوم مثل الديمقراطية والحرية والمساواة وغير ذلك وإن لم تصل إلى المفهوم العصري لها ومدلوله الشامل.
العصور الوسطى
أما السيادة في فترة العصور الوسطى فإن أهم ما تتصف به هو سيطرة المفاهيم المسيحية باعتبارها نظاما مميزا عن الدولة والصراع القائم بين السلطة الدينية والزمنية وتفشي نظام الإقطاع. وقد ولدت فكرة السيادة الحديثة من رحم هذه الظروف وشهدت تحولا في مفهومها، فقد كان تقديس الحكام معروفا في العصور القديمة وامتد إلى بداية العصور الوسطى، حيث استمد الحكام مكانتهم من ترويجهم لفكرة أنهم ظل الله على الأرض وأنهم يستمدون سلطتهم من الله مباشرة وليس من الشعب، وكان لذلك أثر مباشر في جعل سلطان الحاكم مطلقا وبلا حدود أو ضوابط. وبدأ تغير مفهوم السلطة بعد أن شهد هذا العصر مواجهة كبيرة بين السلطة الزمنية ممثلة في الإمبراطورية وسلطة الكنيسة ممثلة في البابا، وعلى الرغم من ظهور القاعدة الكنسية الشهيرة (ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، إلا أن هذا المفهوم لم يمنع التصادم بين هاتين القوتين المتصارعتين نظرا لعدم وضوح الاختصاصات والحدود بينهما في ذلك الوقت، وهكذا فإن هذا العصر شهد بذور فكرة فصل السلطتين ثم لاحقا الفصل بين السلطات السيادية.. التنفيذية والتشريعية والقضائية.
وشهدت فكرة السيادة تحولا على يد القديس (توما الأكويني) الذي قاد الحركة الفقهية المسيحية أثناء التحولات التاريخية لفكرة السيادة في العصور الوسطى، وكانت لأفكاره أثر بالغ في تطور مفهوم السيادة من الوجهتين القانونية والفلسفية، حيث اصطبغت السلطة بصبغة مسيحية وحررتها من رواسب فكر العصر القديم، وذلك بإهدار فكرة السلطان المطلق والتزام الحاكم بالقواعد العليا للقانون الإلهي، وهي وإن بدت الآن فكرة مطلقة وغير ديمقراطية فإنها في حينه كانت تحديا للسلطة المطلقة للملوك وكانت فكرة انتقالية نحو تأسيس السيادة على الإرادة الشعبية.
الدولة الإسلامية.. ومفهوم السيادة
وبالمقابل وفي الوقت الذي كانت فيه أوربا ترزح تحت ظلم العصور الوسطى المشبعة بالسلطان الكلي للدولة والسلطة المطلقة للحاكم دون حدود أو قيود، ولدت في الجزيرة العربية أول دولة متعددة الأديان والعرقيات والثقافات تكفل المواطنة المتساوية للنساء والعبيد والمسلمين من غير العرب والعرب من غير المسلمين بعدل وفق دستور المدينة، وذلك بعد هجرة الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم– من مكة إلى المدينة عام 622م. وظلت هذه الدولة قوية فتية في عهد الخلفاء الراشدين والتابعين من بعدهم، حيث اكتملت منها جميع عناصر "الدولة القانونية" بالمفهوم العصري والتي تعتمد على وجود دستور وتدرج في القواعد.
وبدأت السيادة في ظل الدولة الإسلامية بصبغة دينية باسم الخلافة، ثم اتجهت اتجاها زمنيا في عهد بني أمية، وعادت لتصطبغ بصبغة الحق الإلهي في العهد العباسي ومفهوم السيادة في النظرية الإسلامية حيث قامت الدولة على أسس ثابتة في القرآن الكريم والسنة. وقد اعترفت دولة الإسلام مبكرا بوجود إرادة عامة غير إرادة الأفراد، لكن بعض حكام المسلمين خاصة في عهد بني أمية انحرفوا عن هذا المفهوم حيث تم تحويل الخلافة إلى ملك وراثي عضوض.
العصر الحديث.. مفهوم جديد
فإذا ما انتقلنا للسيادة في العصر الحديث أو ما يطلق عليه البعض عصر النهضة في القرن الخامس عشر نجد الدولة الحديثة قد قامت على أنقاض النظام الإقطاعي، حيث أدى ضعف السلطة البابوية إلى إبراز فكرة السيادة وإعطائها مفهوما جديدا.
فمع بداية القرن السادس عشر وصلت فكرة الدولة كفكرة قانونية إلى مستوى مقبول من النضج بعد أن ساهمت في ذلك عوامل سياسية واجتماعية مختلفة واستطاعت أن تتحرر من رواسب العهد الإقطاعي وأصبحت السيادة ميزة أساسية للدولة وجزءا من شخصيتها. وأخذت فكرة السيادة المطلقة في الزوال لتحل محلها السيادة المقيدة التي استعرضها الفقيه "جان بودان" 1576م منذ أن كانت فكرة قليلة الشيوع والاستعمال إلى أن أخذت نصيبها من الشهرة والتقدير. وعلى الرغم مما أصاب هذه الفكرة من تطور على يد "بودان" فإنها لم تسلم من النقد، فقد دافع عن سيادة الدولة ومجد سلطانها حتى تسمو على الأفراد وتعلو على القانون، وبالتالي فلم يصل بالسيادة إلى الحد الديمقراطي المطلوب حيث استمرت مظهرا من مظاهر السلطة المطلقة.
وبفضل "جروشيوس" الذي اعتبر بحق أبا القانون الدولي الغربي وصاحب مدرسة القانون الطبيعي، تطورت فكرة السيادة باتجاه مفهوم جديد يأخذ في اعتباره تطور المجتمع الدولي، حيث استطاع أن يخلص السيادة من التصاقها بالحاكم وأن يحررها من رواسب الإطلاقية وأخضعها لمبادئ جديدة هي مبادئ القانون الطبيعي إضافة إلى القانون الإلهي.
وفي القرن الثامن عشر نادي المفكر "جان جاك روسو" في كتابه الشهير "العقد الاجتماعي" بالإرادة العامة للشعب، وبالتالي شهدت السيادة قيدا جديدا يجد أصالته في منبع جديد أشد التصاقا بالشخصية الإنسانية وبالحرية. وانتقلت السيادة من مصادرها الإلهية إلى مصادر اجتماعية أساسها الإرادة العامة للشعب والأمة، وهذه الإرادة هي التي تراقب الحاكم تمهيدا لإعلان مسئوليته في حالة خرقه للعقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين.
مما سبق نستطيع أن نحدد مضمون السيادة آخذين في الاعتبار الظروف التاريخية التي نشأت فيها هذه الفكرة والغرض الذي نشأت لتحقيقه.
خريطة المفهوم
يعرف "جان بودان" السيادة في مؤلفه المعنون "ستة كتب عن الجمهورية" الذي نشره 1576م بأنها سلطة عليا على المواطنين والرعايا، وفي تحليله لهذه السلطة العليا يرى بودان أنها أولا: سلطة دائمة.. بمعنى أنها تدوم مدى الحياة وبذلك تتميز عن أي منحة للسلطة تكون مقصورة على فترة زمنية محدودة.. وتأسيسا على ذلك لا يمكن أن توصف السلطة المطلقة المؤقتة بالسيادة. ولهذا السبب يفرق بودان بين "السيد Souverain " والحاكم الذي تكون سلطته مؤقتة ولذلك فلا يمكن وصفه بأنه صاحب سيادة وإنما هو مجرد أمين عليها فقط. ثانيا: إن هذه السلطة لا يمكن تفويضها أو التصرف فيها، كما لا تخضع للتقادم. ثالثا: وهي سلطة مطلقة لا تخضع للقانون لأن صاحب هذه السلطة هو الذي يضع القانون ولا يمكن أن يقيد نفسه، كما لا يمكن أن يكون مسئولا مسئولية قانونية أمام أحد.
والخاصية الأساسية لهذه السيادة أو السلطة المطلقة في نظر بودان تكمن في وضع القوانين "سلطة التشريع". وبذلك نجد أن بودان وضع ثلاثة حدود للسيادة، وهي:
أولا القانون الطبيعي: فصاحب السيادة يتقيد بالقانون الطبيعي وبقواعده ويجب عليه أن يتقيد بالمعاهدات والاتفاقيات التي يعقدها، ولكن من الذي يلزم صاحب السيادة باحترام القانون الطبيعي. هنا نجد بودان في موقف محرج يجعل نظريته في موقف متناقض ومع ذلك لا يعترف بأي جهة تفرض احترام القانون الطبيعي علي صاحب السيادة، وإلا كانت هذه الجهة حسب النظرية صاحبة السيادة الحقيقية.
ثانيا القوانين الدستورية الأساسية: ويخص بودان بالذكر قوانين وراثة العرش التي كان يرى أن الملك لا يستطيع أن يغيرها لأنه كان يؤمن بالدستور، وبأن التغيير في قوانين وراثة العرش يؤدي لإحداث القلاقل والاضطرابات؛ وهو ما يترتب عليه حدوث انقسامات في الدولة.
ثالثا الملكية الخاصة: كان جان بودان يؤمن بأن الملكية الخاصة قاعدة أساسية من قواعد القانون الطبيعي ولكنه أفرد لها بحثا خاصا، وكان يقول بأن السيد (صاحب السيادة) لا يستطيع أن ينتزع الملكية الخاصة من أي فرد في الدولة كما اعتقد بوجود حدود تتعلق بسلطة فرض الضريبة.
وبذلك يظهر التناقض في نظرية بودان بوضوح فهو في الوقت الذي يؤكد أن السلطة العليا لا حد لها في الدولة نراه يذكر أن هناك عدة عوامل محددة لها. هذه العوامل في الواقع تصيب النظرية بالصدع لأنها توجد بجانب السلطة العليا سلطات أعلى منها، كما أنه لا يستطيع أن يجد من يقوم بفرض وتنفيذ هذه الاستثناءات. ونجده لهذا السبب يضطر إلى الإيمان بحق الثورة في حالة التعدي علي أي من القيود الثلاثة التي حددها.
وإذا كان بودان قد عالج السيادة من زاوية الشئون الداخلية وعلاقة الدولة بالمواطنين، فقد عالجها هوجو جروشيوس من زاوية الشئون الخارجية وعلاقة الدولة بغيرها من الدول. فسر جروشيوس السيادة بأنها السلطة السياسية العليا التي تتركز في الشخص الذي لا تتمكن أي إرادة إنسانية من نقض أعماله. وبالرغم من هذا التعريف فقد نقضه جروشيوس نفسه عندما أباح الحد من هذه السلطة وتقسيمها في بعض الدول الأوربية. ويرجع هذا التناقض إلى رغبته في إنهاء الحروب التي كان يشعلها الأمراء ضد بعضهم البعض، فقد حاول أن يحد من سلطات الهيئات التي لها حق إعلان الحرب وعارض مبدأ السيادة الشعبية؛ لأنه رأى أنها تتعارض مع المحافظة على الأمن والنظام، واعتبرها المسئولة عن الاضطرابات والخلافات التي سادت في العصر الذي عاش فيه. ومن ناحية أخرى رأى جروشيوس أن للشعب حق اختيار نوع الحكم الذي يعيش في ظله، ومتى تم هذا الاختيار فيجب على الشعب أن يخضع لهذا النظام ويطبع الأوامر التي تصدر عنه. وأنكر جروشيوس على الشعب حقه في معارضة ومقاومة حاكميه، وتتميز أفكار جروشيوس في الدفاع عن الملكية المطلقة والسيادة على أراضي الدولة والمساواة بين الدول.
واتبع "هوبز" طريق "بودان" في إطلاقه للسلطة صاحبة السيادة، إلا أنه كان منطقيا أكثر فلم يأت بمضمون السيادة من الخارج وإنما حاول استخلاصه من هدف الدولة ذاته. فقد كانت حالة الفطرة في نظره تقوم على الفوضى وسيطرة الأقوياء، ولهذا السبب وبدافع خوف الإنسان من غيره، وبغريزة حب البقاء، اضطر الإنسان إلى الاتفاق مع غيره من أبناء جنسه على أن يعيشوا معا تحت إمرة واحد منهم وكان ضروريا أن يحتاج هؤلاء الأفراد أساسا آخر بالإضافة إلى العقد لكي يجعل اتفاقهم دائما مستمرا هذا الأساس هو سلطة مشتركة تلزمهم وتوجه أعمالهم للصالح المشترك بينهم، والوسيلة الوحيدة لإقامة هذه السلطة هي أن ينزل هؤلاء الأفراد إلى واحد منهم عن كل سلطاتهم وحقوقهم الطبيعية، فإذا ما تم ذلك فإن الشخص الذي اتحد فيه المجموع يكون صاحب السيادة ويكون بقية الأفراد رعايا له.
وما دام الأفراد قد نزلوا عن كل حقوقهم دون أن يلزموا الحاكم بشيء فإن سلطانه عليهم يكون مطلقا لا حدود له، ومهما أتى من تصرفات أو أفعال فلن يحق للأفراد أن يثوروا عليه أو أن يخالفوا أمره، وإلا عُدوا خارجين عن العقد ناكثين للعهد. ويهاجم "هوبز" الرأي القائل بأن الأفراد لم ينزلوا بالعقد الذي أقاموا به السلطة إلا عن جزء من حقوقهم واحتفظوا لأنفسهم بالجزء الباقي فالتنازل الجزئي في رأيه غير ممكن وإلا أبقينا على الحياة البدائية التي تسودها الفوضى والحروب بين الأفراد.
ونتيجة لذلك فإن السلطة عند "هوبز" تكون دائما مطلقة ويذهب "هوبز" في فكرة السلطان المطلق إلى حد القول بأن الدولة مالكة لجميع الأموال بحجة أن الأفراد قد نزلوا للحاكم الذي اختاروه عن جميع حقوقهم، وبالتالي لا تكون لهم على الأموال حقوق وإنما مجرد امتيازات يقررها الحاكم ويسحبها كما يشاء. وأخيرا فإن "هوبز" يرى أن الحاكم غير مقيد بأي قانون لأنه هو الذي يضعه ويعد له ويلغيه حسب هواه، وهو الذي يحدد معنى العدالة. وهكذا يبدو رأي كل من "بودان" و"هوبز" واضحا، فما دام الشعب قد تخلى كلية عن سلطته لكي ينقلها إلى الملك فإن هذا الملك لم يعد جزءا ضمن الشعب وإنما انفصل عنه وأصبح مستقلا عنه بل وساميا عليه وأصبح هو صاحب السيادة الذي يحكم من فوق المجتمع السياسي كله، فعندما يقول بودان "إن الأمير صاحب السيادة هو صورة الله في الأرض" فإن هذا التعبير يجب أن يفهم بكل ما يعنيه، فهو يعني أن صاحب السيادة يسود الشعب كما يسود الله الكون.
لكن مضمون السيادة تغير مع كتابات "جان جاك روسو" الذي يقول: إن العقد الاجتماعي يعطي المجتمع السياسي سلطة مطلقة على كل أعضائه، وهذه السلطة المطلقة التي تتولاها إرادة عامة تحمل اسم السيادة "والسيادة التي ليست سوى ممارسة الإرادة العامة لا يمكن أبدا التصرف فيها، وصاحب السيادة الذي هو كائن جماعي لا يمكن لأحد أن يمثله أو ينوب عنه سوى نفسه"، ويضيف روسو إلى ذلك أن "السلطة العليا لا يمكن تقييدها؛ ذلك أن تقييد السلطة العليا معناه تحطيمها"، وأن "السلطة صاحبة السيادة ليست في حاجة إلى ضمانات بالنسبة لرعاياها".
ويفسر "روسو" فكرة العقد الاجتماعي بقوله: إن الالتزام الاجتماعي والخضوع للسلطة لا يمكن أن يكون أساسها القوة، ذلك أن تأسيس السلطة على القوة وحدها يعني إنكار فكرة الحق كلية وينتهي "روسو" إلى أن كل جماعة سياسية لا يمكن تصور وجودها إلا باتفاق الأفراد فيما بينهم على الحياة في جماعة، وهذا الاتفاق أو العقد الاجتماعي لن يكون سليما ومشروعا في نظر روسو إلا إذا صدر من إجماع الإرادات الحرة. فالسيادة إذن ليست شيئا آخر سوى الإرادة العامة للمجتمع الذي أنشأه العقد الاجتماعي، والقانون هو التعبير عن هذه الإرادة العامة ليست هي الإرادة الإجماعية لكل المواطنين ولكنها إرادة الأغلبية، وهذا الخضوع لرأي الأغلبية هو أيضا أحد الشروط الضرورية للعقد الاجتماعي؛ لأن اشتراط الإجماع لكي يصبح القانون ملزما للجميع سوف يكون معناه الحكم على المجتمع بالعجز. ومن المعروف أن روسو كان يؤمن بالديمقراطية المباشرة لذلك السبب، أي لكي يمارس الشعب سيادته بشكل مباشر.
مفاهيم مشابهة
اختلط مفهوم السيادة بغيره من المفاهيم المشابهة مثل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، ويرجع هذا الخلط إلى أن السيادة تحتوي على هذه المفاهيم، ولكن كلا منها لا يعبر عن السيادة بل يعد مظهرا من مظاهرها، وفي كثير من كتب القانون تتداول كلمتا السيادة والسلطة كما لو كانتا ذواتي مدلول واحد غير أنه من المهم أن نفرق بين السيادة والسلطة.
يعتبر مفهوم السيادة أشمل من السلطة؛ فالسلطة" هي ممارسة السيادة (يطلق البعض على السيادة صفة السلطة العليا) أو أن حق السيادة هو مصدر حق السلطة، وكلمة "سيادة" اصطلاح قانوني يترجم كلمة فرنسية مشتقة من أصل لاتيني تعبر عن صفة لمن له السلطة لا يستمدها من غير ذاته ولا يشاركه فيها غيره، ولم تدخل هذه الكلمة لغة القانون إلا في القرن السادس عشر.
أما السلطة فهي "القدرة على فرض إرادة أخرى"، وتمثل الدولة السلطة القهرية التي تعلو على سلطة أي جماعة أخرى في المجتمع، والفرض يتم بإحدى وسيلتين، فهو إما أن يتم بوسائل القهر والعسف، وإما أن يتم بوسائل الإقناع الحر وضرب المثل وتقديم النموذج، وتزداد قوة السلطة دائما ويزداد استقرارها كلما زاد قبولها اختياريا عن طواعية. وقد تعددت أنواع السلطات فهناك السلطة التشريعية والسلطة الشخصية والسلطة التفويضية والسلطة السياسية والسلطة العامة والسلطة التنفيذية، ولا تزال السلطة السياسية هي أهم أنواع السلطة الحديثة.
وهناك أمران آخران يجب التفرقة بينهما وهما من يملك السلطة العامة ومن يباشرها. وفي ظل نظام الحق الإلهي كان الملك هو الذي يملك السلطة وهو الذي يباشرها في نفس الوقت، بينما في ظل نظام سيادة الأمة الذي يملك السلطة العامة أي السيادة هي الأمة، ولكنها لا تستطيع بصفة عامة أن تباشرها بنفسها، ولذلك وجدت هيئات أخرى في ظل النظام النيابي تقوم نيابة عنها بمباشرتها وهذه الهيئات هي البرلمان لوضع القواعد العامة والسلطة التنفيذية لإدارة شئون البلاد والمحاكم للفصل في المنازعات، ولكن هذه الهيئات لا تعتبر في ظل نظام سيادة الأمة مالكة للسلطات التي تباشرها، كما الحال بالنسبة للملك وهو يباشر السلطة في ظل الحق الإلهي، وإنما هذه الهيئات تباشر هذه السلطات أي نتائج فكرة السيادة العامة المملوكة للأمة، في حدود ما نصت عليه الدساتير والقوانين. ولذلك فإن خضوع هذه الهيئات في مباشرتها للسلطة والاختصاصات الممنوحة لها للرقابة القضائية أمر لا يتنافى مع فكرة السيادة العامة بل يستلزمه مبدأ سيادة الأمة ما دامت هذه الهيئات التي تباشر السلطة نيابة عنها، فضلا عن التأكد من أنها لم تخرج عما منحه إياها صاحب السيادة من اختصاصات بالنص الصريح، ولكن هذه الحقيقة قد غابت عن البعض فظن أن هذه الهيئات تعتبر صاحبة سيادة بل وصفوها بأنها سيد Souverain ولذلك رأوا عدم خضوع أعمالها للرقابة القضائية بحجة السيادة العامة.
وقد ميز جانب من الفقه بين ممارسة السيادة وتملكها قانونا، واعتبر أن السيادة الفعلية لمن يمارسها حتى ولو لم يملكها كما هو الحال في وضع المحتل، أما السيادة القانونية فستظل لصاحب الإقليم، وقد حاول الفقه الدولي ورواد المفكرين وضع مواصفات لبيان ماهية السيادة نتيجة لهذا الخلط.
السيادة وفلسفة الدولة
فكرة السيادة ليست خالية تماما من أوجه الغموض والاضطراب، ويرجع هذا الغموض والاضطراب في الأغلب والأعم إلى عدم التفرقة بين السيادة والدولة ذاتها، الغموض الواقع بين ما هو قائم فعلا وبين ما يريد الناس أن يتحقق للدولة وبها. فهناك مثلا مدرسة ألمانية متطرفة في نظرتها إلى السيادة وضرورة أن توجد في صورتها الكاملة المثالية، وتهدف هذه المدرسة إلى تبرير السلطة المطلقة للدولة، كما كانت سياسة بروسيا التقليدية. ويعتبر هيجل الفيلسوف الألماني الكبير من رواد هذه المدرسة، وقد استمرت أصداء هذه المدرسة فيما بعد ووجدت لها أنصارا أقوياء في عهد النازية والفاشية.
وهناك صعوبات واضطراب في التفرقة بين النظرية القانونية في السيادة والتطبيق والواقع السياسي. فالنظرية القانونية للسيادة تضع السلطة القانونية النهائية في يد شخص محدد أو مجموعة من الأشخاص. وفي هذه الحالة فإن سلطة من يملك السيادة لا يعلي عليها وهو يمتلك السلطة والقوة لفرض الطاعة لإرادته ورغبته. ولكن المشكلة هنا هي أين يمكن أن توجد هذه السلطة النهائية؟.
وبالطبع فإنه لا توجد إجابة واحدة كافية للرد على هذا التساؤل؛ فهي تختلف في الواقع من بلد لآخر، بل إنها لا تظل ثابتة في البلد الواحد.
كما أنه يجب التفرقة بين السلطة الحقيقية ومصدر هذه السلطة؛ فهناك فرق واضح بين القول بأن الشعب هو مصدر كل السلطات، والقول بأن الشعب يحكم نفسه بنفسه فعلا.
ومما لا شك فيه أن هناك علاقة وثيقة بين السيادة السياسية والسيادة القانونية، وإلى جانب السيادة القانونية والسيادة السياسية فقد توجد بعض التغيرات والمفاهيم الأخرى للسيادة مثل السيادة الشعبية Sovereigaty popular والسيادة القانونية de jure والسيادة الواقعيةde facto.
وقد ظهرت فكرة ومبدأ السيادة الشعبية في القرن السادس عشر والسابع عشر بصفة خاصة، كتعبير عن استياء الشعب ورفضه للسلطات المطلقة والظالمة للملوك واعتمادهم على نظرية الحقوق ويعطي مبدأ السيادة الشعبية، للشعب السيادة النهائية ويعتبر روسو رائد الداعين لها وقد أصبحت فيما بعد شعارا للثورة الفرنسية.
أما تعبير السيادة القانونية de jure فهي في أساسها تنبني علي القانون وهي ترتبط بحق الحكم والاستحواذ على الطاعة في المجتمع، ويستحوذ الشخص (أو مجموعة الأشخاص) الذين يمارسون السلطة من الناحية الفعلية ولو مؤقتا، على طاعة جزء كبير من الشعب يكون هو صاحب السيادة الفعلية de facto والذي قد لا يكون هو نفسه صاحب السيادة القانونية de jure، وقد يعتمد صاحب السيادة الفعلية على السلطة والسلطان المادي أو المعنوي في فرض نفوذه وحكمه.
خصائص السيادة
الاتجاه العام لكثير من الكتاب هو أن السيادة لها خمس خصائص هي أنها:
1- مطلقة: بمعنى أنه ليس هناك سلطة أو هيئة أعلى منها في الدولة فهي بذلك أعلى صفات الدولة ويكون للدولة بذلك السلطة على جميع المواطنين، ومع ذلك فإنه مما لا شك فيه توجد عوامل تؤثر على ممارسة السيادة يمكن اعتبارها، حدودا قانونية، فحتى الحاكم المطلق لا بد أن يتأثر بالظروف التي تحيط به سواء كانت هذه الظروف اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية كما يتأثر أيضا بطبيعته الإنسانية، كما يجب أن يراعى تقبل المواطنين للقوانين وإمكان إطاعتهم لها.
2- شاملة: أي أنها تطبق على جميع المواطنين في الدولة ومن يقيم في إقليمها باستثناء ما يرد في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية مثل الدبلوماسيين وموظفي المنظمات الدولية ودور السفارات. وفي نفس الوقت فإنه ليس هناك من ينافسها في الداخل في ممارسة السيادة وفرض الطاعة على المواطنين.
3- لا يمكن التنازل عنها: بمعنى أن الدولة لا تستطيع أن تتنازل عنها وإلا فقدت ذاتها، يقول روسو: "لما لم تكن السيادة سوى ممارسة الإرادة العامة فإنها مما لا يمكن التنازل عنه، إن صاحب السيادة الذي ليس سوى كائن جماعي لا يمكن أن يمثله غيره؛ فالسلطة مما يمكن نقله ولكن الإرادة لا يمكن نقلها والواقع أنه إذا لم يكن من المتعذرات أن تلتقي إرادة خاصة في نقطة مع الإرادة العامة فإنه من المستحيل على الأقل أن يكون هذه الالتقاء ثابتا ومستمرا" الفصل الأول – الكتاب الثاني).
4- دائمة: بمعنى أنها تدوم بدوام قيام الدولة والعكس صحيح، والتغير في الحكومة لا يعني فقدان أو زوال السيادة؛ فالحكومات تتغير ولكن الدولة تبقى وكذلك السيادة.
5- لا تتجزأ: بمعنى أنه لا يوجد في الدولة الواحدة سوى سيادة واحدة لا يمكن تجزئتها. ويقول "روسو" إن السيادة لا تتجزأ؛ لأن الإرادة إما أن تكون عامة وإما ألا تكون كذلك، فهي إما إرادة الشعب في مجموعه وإما إرادة جزء منه فقط، وفي الحالة الأولى تكون الإرادة العامة المعلنة عملا من أعمال السيادة ولها أن تسن القوانين، وفي الحالة الثانية ليست سوى إرادة خاصة أو عمل من أعمال الإدارة ولا تكون إلا مرسوما على أكثر تقدير".
مصدر السيادة ومنطلقها
ولكي نكمل تصور مفهوم السيادة بشكلها التقليدي يجب أن نتحدث عن الأساس الذي قامت عليه السيادة؛ فالسيادة إرادة لها خاصية خاصة بها وهي أنها إرادة عليا مستقلة ولا يمكن تقييدها، إلا أنها إرادة إنسانية، فكيف يمكن تفسير أن هذه الإرادة الإنسانية تسمو على سائر الإرادات الإنسانية الأخرى، وهذا السؤال أجابت عليه النظريات المختلفة، وهي:
1- النظريات الثيوقراطية:
هي النظريات التي ترجع مصدر السيادة إلى الله، في القرن الخامس أبدعت الكنيسة تبريرا لحقها في السيطرة النظرية المعروفة باسم "نظرية الحق الإلهي" (ومذهب آباء الكنيسة) مؤادها أن الحكم لله وحده لله وأنه يختار لأدائه في الأرض من يشاء فيصبح حاكما بأمر الله. في المقابل أبدع أنصار الملوك في مواجهة الكنيسة نظرية أخرى في السيادة هي نظرية "العناية الإلهية" والتي تذهب إلى أن إرادة الله توجه شئون الناس وعقولهم وإرادتهم على وجه مباشر إلى أن تصبح السلطة في يد واحد منهم، فهو لا يكسبها بجهد ولا يستحقها لأمر خاص به ولا يتلقاها من أحد من الناس، ولا من الله أيضا، ولكن عناية الله هي التي وضعته في موضعه.
وهما نظريتان لم تكونا مقصورتين على تبرير الاستبداد بالسلطة في أوربا وحدهما، ولا هما مقصورتان على تبريره في القرون الأوربية الوسطى فقط، وإنما انتحل الخليفة المنصور العباسي (714هـ- 775) "مذهب آباء الكنيسة" حينما خطب في مكة المكرمة فقال: "أيها الناس أنا سلطان الله في أرضه" وانتحلها أباطرة الصين قديما، فكان الإمبراطور هو ابن السماء. كما انتحل معاوية بن أبي سفيان الأموي (602-680) نظرية العناية الإلهية لتبرير استبداده بالسلطة دون الخليفة المنتخب، حيث قال: "لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر (الولاية) ما تركني وإياه. ولو كره الله ما نحن عليه لغيره".
وفي العصر الحديث استخدم غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا "نظرية الحق الإلهي" حينما قال في عام 1910م إن الله هو الذي ولاه الملك، وفي عام 1926م حين قال إن تولية الملك حق إلهي، وسار هتلر ديكتاتور ألمانيا على النهج نفسه قبيل أن يبدأ الحرب الأوربية الثانية حين وجه الشكر إلى العناية الإلهية التي اختارته زعيما لألمانيا (28 إبريل 1939م)، وكذلك ديكتاتور أسبانيا فرانكو، حين أمر في عام 1947 بصك عملة تحمل عبارة "فرانكو القائد بعناية الله". وهناك اليوم من ينتحل سلطة الرب تحت عنوان معسكر الخير ومعسكر الشر والحرب الصليبية الجديدة.
وفي مواجهة هاتين النظريتين استمدت الثورة الفرنسية نظرية حركة التنوير في السيادة فأسندتها إلى الشعب، وصاغتها في المادة من دستور 1791 "السيادة واحدة، غير قابلة للتجزئة أو الانتقال أو الاكتساب بالتقادم وهي تخص الأمة وليس لأي جزء من الشعب أو أي فرد أن يدعي ممارستها".
2- النظــريات الديمقراطـية:
تقوم على أساس أن السيادة مصدرها الشعب وأهم النظريات الديمقراطية هي نظرية العقد الاجتماعي التي تقول بوجود حياة فطرية تسبق قيام الجماعة وأن الانتقال من حياة الفطرة إلى حياة الجماعة قد تم بناء على عقد اجتماعي بين الأفراد بقصد إقامة السلطة الجماعة.
3- النظرية الإسلامية:
وهي التي تجمع بين المصدر الشرعي للحق السيادي من ناحية، أي ضرورة وجود السلطة وانتظام الناس في نسق يقوم على الاختيار والبيعة وتحكيم دستور وقانون مصدرهما الكلي مبادئ الشريعة الإسلامية من ناحية، والرقابة الشعبية الصارمة وحق الناس في خلع الحاكم وتولية غيره إذا ثبت خروجه عن الشرعية.. فالنظام الإسلامي كما أسماه أبو الأعلى المودودي نظام "ثيو- ديمقراطي"، وهو ما فصل فيه بامتياز الفقيه الدستوري المعاصر البارز عبد الحميد متولي، وكتب فيه العلامة عبد الرزاق السنهوري، وأيضا فصله الأستاذ توفيق الشاوي في كتابه فقه الشورى والاستشارة، فمن أراد التفصيل فليرجع لهؤلاء.
انقلاب في عصر العولمة والتدخل
من خلال ما سبق نستنتج أنه خلال أكثر من ثلاثة قرون تطور النظام الدولي من أجل هدف محدد هو ضمان سيادة الدولة، والذي قام على أساس أن تكتسب الدولة أهليتها من خلال السيادة بجانبيها الداخلي والخارجي. وجاءت أحداث التسعينيات لتغير النظام الدولي، بعد اتساع مدى التدخل وأسبابه خلال هذا العقد الذي شهد في النصف الأول منه أحداث ومواقف وأزمات حادة في العراق والصومال وتاهيتي ويوجوسلافيا السابقة ورواندا وليبيريا، وأما الأحداث الأخرى التي حدثت في النصف الأول فقد ارتبطت بعدد من القرارات ضد أفغانستان 1996- 1999م والسودان 1996م، ثم كوسوفو وتيمور الشرقية في1999 والبوسنة والهرسك. وتعتبر قرارات الأمم المتحدة في تلك الفترة نقطة تحول أسياسية بالنسبة لمفهوم السيادة وكيفية إدارة الأمن والسلام الدوليين. وعكس الاستخدام الجديد لصلاحيات مجلس الأمن الموجودة في الباب السابع للميثاق بدء مرحلة جديدة من الجهود لحماية البدل والمجتمع الدولي.
وبإعادة تعريف مفهوم التهديد للسلام والأمن الدوليين، وباعتبار أن الدول هي التي تكون المجتمع الدولي، أعاد مجلس الأمن صياغة المبدأ الحاكم الذي يحمي الدول والنظام الدولي الذي يعتمدون عليه، فالمبدأ القديم والمؤسس على مفهوم السيادة كان حماية الدولة ضد التدخل في شئونها الداخلية والحفاظ على النظام والاستقرار باتخاذ إجراءات لوقف العدوان الخارجي المسلح ضد الدول.
الآن تغير الحال، وتغيرت الاحتياجات وأصبح التحدي الذي يواجه السلام والأمن هو حماية النظام الدولي الذي تعتمد عليه الدول من الفوضى وعدم الاستقرار نتيجة ما قد يحدث من أحداث وقلاقل داخل بعض الدول الأخرى، الأولوية الآن هي منع الاضطرابات الداخلية في الدول من أن تنتقل عدواها إلى الجسد الدولي فتؤثر على غالبية الدول التي تعتمد عليها.
وقد تحول المجتمع الدولي عما كان يعرف في الماضي "بمجتمع الدول" Community of nations ليصير مجتمعا دوليا بالمعنى الدقيق international Community، وهو ما ترتب عليه أن إرادة هذا المجتمع لم تعد تتمثل فقط في المجموع الحسابي (الإيرادات الوحدات السياسية المكونة له) وإنما أصبحت له فوق ذلك وفي حدود معينة إرادة ذاتية مستقلة. وقد سوغ هذا التصور لبعض الباحثين القول بأن إرادة المجتمع الدولي -بهذا المعني المشار إليه ومعبرا عنه بصور شتي- أصبحت مصدرا من مصادر الالتزام في نطاق العلاقات الدولية المعاصرة. كما سوغ هذا التطور أيضا لفريق ثان من الباحثين الحديث في أن "البشرية" برمتها قد أصبحت شخصا قانونيا دوليا أو على الأقل بسبيلها لأن تكون كذلك. كما أضحى لهذا المجتمع الدولي من جهة ثالثة نظامه العام الخاص به، والذي يرتكن إلى مجموعة من القواعد القانونية الآمرة التي يحتج بها في مواجهة الكافة ولا يجوز قانونا وكمبدأ عام الاتفاق على مخالفتها.
وقد سارت التطورات العديدة التي شهدها النظام الدولي في عقوده الأخيرة في اتجاه تقليص دور السيادة الوطنية وإيلاء أهمية خاصة للعمل الجماعي في نطاق العلاقات الدولية المتبادلة. وبرغم أن حق الدولة في العمل بقوانينها وحقها في أن تكون في مأمن من التدخل الخارجي لم يسلب تماما، فإن القداسة التي أحاطت بها كمظاهر أساسية لسيادة الدولة لم تعد كما كانت من قبل، وأصبح لممارسة الحقوق شروط من منظور المساءلة الدولية ليس كحقيقة واقعة ولكن من ناحية المبدأ على الأقل، لقد تم تدويل السيادة.
تدويل السيادة
واشتملت عملية تدويل السيادة على توسيع لأبعادها الخارجية فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي وهي الاعتراف المتبادل بين دول لها سيادة اتسعت بصورة معينة أدت إلى وضع شروط لممارسة الدولة حقوق السيادة، أهمها ألا يتسبب من جراء تلك الحقوق إحداث اضطراب في النظام العالمي. وفي كثير من الحالات التي حدث فيها ذلك، مارس مجلس الأمن السلطات المخولة له متجاوزا الحقوق التقليدية للسيادة. وأكد الإجراء العسكري الذي اتخذه حلف الناتو تجاه كوسوفو، الواقع الجديد بأنه قد أصبح ممكنا أن تقوم دولة ما بهذا العمل عندما لا تقوم الأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ الإجراءات الكافية.
ويعتبر وضع كوسوفو وتيمور الشرقية تحت السلطة الكاملة لإدارة دولية انتقالية بتكليف من الأمم المتحدة من أكبر العلامات وضوحا على وجود صورة للسيادة الدولية؛ لذلك فإن شرط الاعتراف بسلطة الدولة العليا لم يعد يرجع فقط إلى الشعب، ولكن إلى حقيقة أن الدولة ليست عنصرا للفوضى والاضطراب في المجتمع الدولي.
ويعني مفهوم تدويل السيادة وجود نظام لمساءلة الدول في حالة تعسفها الشديد في ممارسة حقوق السيادة. وقد تأكد هذا الشرط الجديد لسيادة الدولة عندما صرح السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي أنان أنه لم يعد هناك حصانة للسيادة.
ومن جهة أخرى نجد أن كوفي أنان في المشروع الذي طرحه على الجمعية العامة في دورتها (54) يعتبر أن السيادة لم تعد خاصة بالدولة القومية التي تعتبر أساس العلاقات الدولية المعاصرة ولكن تتعلق بالأفراد أنفسهم، وهي تعني الحريات الأساسية لكل فرد والمحفوظة من قبل ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي فهو يدعو إلى حماية الوجود الإنساني للأفراد وليس حماية الذين ينتهكونها. وبهذا الطريق يكون أنان قد أزال العقبات أمام المنظمات الدولية لكي تباشر أعمالها في مشروع التدخل لوقف انتهاكات حقوق الإنسان دون تفويض من الأمم المتحدة.
ومفهوم السيادة بهذا الشكل لا يمكن أن يستقر ويستقيم، فليس هناك ما يبرر لأي دولة، حتى لو كانت الدولة العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية (المتحدث الرسمي باسم حقوق الإنسان) أن تدعي الحق في تغيير أي نظام سياسي في أي دولة أخرى، بل ليس للأمم المتحدة نفسها مثل هذا الحق، ذلك أن القبول بهذا العمل لا يعني الحلول نفسها في تقرير مصيره والتحكم بمصالحه الخاصة، ولكنه يهدد أكثر من ذلك القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها النظام العالمي حتى الآن وهي سيادة الدولة وحريتها. ولا يغير من هذا كون النظام المستهدف نظاما استبداديا قائما على القوة المحضة وناكرا لجميع الحقوق المعرفية والسياسية لمواطنيه.
لكن رفض التسليم لأي دولة ولأي تكتل أو تحالف دولي مهما كان نوعه ومسوغات تشكيله بالتدخل باسم المجموعة الدولية أو باسم مصالحه الخاصة لتغيير نظام سياسي استبدادي وظالم في بلد ما لا يعني في الوقت نفسه وينبغي ألا يعني القبول باستمرار مثل هذا النظام ولا يقلل من المسئولية الدولية في عدم القضاء عليه، فمثل هذا السلوك لا يمكن أن يعني شيئا آخر سوى النذالة والجبن وانعدام المسئولية الجماعية على مستوى المجموعة الدولية بأكلمها.
وبالتالي فلا يوجد شيء يمكن أن يبرر اليوم استمرار نظم تجرد شعوبها من حقوقها وتسومها سوء العذاب بذريعة السيادة القومية تماما، كما أنه لا شيء يمكن أن يبرر ترك شعب يخضع للاحتلال ويجرد من حقوقه وموارده ومستقبله معا كما هو الحال في فلسطين وفي العديد من المناطق الأخرى، وأخيرا ما حدث بالعراق (في القرن الحادي والعشرين) بذريعة الأمن أو الحرب ضد الإرهاب، ففي الحالتين تقع المجموعة الدولية في ذنب الضلوع مع الظلم والتقاعس عن مد يد العون لبشر يتعرضون لأخطار محدقة.. إذن فلا يمكن لمبدأ السيادة أن يستقر إلا إذا رافقه مفهوم التضامن الإنساني الذي يحدد شروط استخدامه بحيث لا يتحول إلى أداة لإخضاع شعوب وجماعات وإذلالها وتسخيرها لخدمة أهداف خاصة، سواء أكان ذلك بالقوة المهنة أم بالتحالف والتآمر مع قوى خارجية، وهو حق يرتب على جميع الدول مشتركة واجب السعي لإنقاذ الشعوب التي اغتصبت حقوقها الأساسية المعروفة، سواء أكان ذلك من قوى داخلية أو خارجية لا فرق.
وللأسف بدلا من العمل على تطوير آليات في هذا الاتجاه على مستوى المجموعة الدولية، نجحت بعض الأطراف في بداية التسعينيات من القرن الماضي في الحصول على تصويت المنظمة الدولية على حق سمي "حق التدخل الإنساني" كان من نتيجته إجهاض مفهوم التضامن اللازم والواجب على المجموعة الدولية تجاه الشعوب المستضعفة، لصالح إضفاء المشروعية الدولية على تدخل دول المجموعة الأطلسية في المناطق والمواقع التي تجد أن لها مصلحة قومية أو إقليمية واضحة في التدخل فيها، وبحسب ما تتطلبه هذه المصالح لا ضمان حقوق الشعوب ولا حريتها وسيادتها.
والواقع أن تفاوت الدول من حيث الموارد والإمكانيات جعل بعض الباحثين يميزون بين السيادة كمفهوم قانوني بمعنى وحدة الخطاب القانوني وعمومية القاعدة القانونية الدولية بالنسبة لجميع المخاطبين بها وبدون أدنى تمييز، والسيادة كمفهوم سياسي بمعنى القدرة الفعلية أو الحقيقية للدولة على رفض الخضوع لأي سلطة أخرى غير سلطتها هي، بالضبط مثل مفهوم المواطنة في الداخل. فقد تكون الدولة مستقلة قانونا، ولكنها عاجزة عن إشباع احتياجات مواطنيها؛ وهو ما يعرضها لضغوط وتأثيرات بعض الدول الأخرى؛ الأمر الذي يجعل استقلالها منقوصا، وبالتالي تعجز عن مباشرة بعض مظاهر سيادتها. وفي ظل العولمة تخضع الحياة الاقتصادية والسياسية أكثر فأكثر لتأثير قوى السوق، وهذه بدورها تخضع لتأثير مصالح الشركات المحلية والدولية أكثر مما تخضع لأوامر الدولة.
ومن بين التطورات الدولية التي صاحبت العولمة تغير هيكل النظام الدولي من نظام ثنائي القطبية إلى نظام أحادي القطبية وذهب البعض إلى أن النظام أحادي القطبية يؤدي إلى انتهاك سيادات الدول. وعلى سبيل المثال لم يكن من الممكن أن يحدث لسيادة العراق ما يحدث لها الآن من اتتهاكات لو استمر النظام الدولي الثنائي القطبية. ومن التغيرات الأخرى المصاحبة للعولمة الثورة الهائلة في وسائل الاتصال، فقد ترتب عليها تقريب غير معهود للمسافات بين مختلف مناطق العالم، وأدى ذلك إلى أن أي حدث يقع في أي منطقة من العالم يكون له صداه في غيره من المناطق دونما اعتبار للحدود السياسية أو لمبدأ السيادة الإقليمية. وترتب على ذلك العديد من المظاهر السلبية تجاه سيادة الدولة، فلم تعد هناك خطوط فاصلة بين الشأنين الداخلي والخارجي وأصبحت الدولة مسئولة مسئولية دولية مباشرة ليس فقط عن أفعالها غير المشروعة التي يترتب عليها حدوث ضرر مادي للدول الأخرى أو لمواطني هذه الدول، وإنما تسأل أيضا عن أفعالها المشروعة التي تصدر عنها إعمالا لمبدأ السيادة وفي نطاقها الإقليمي التي يترتب عليها حدوث ضرر للغـير.
السيادة الوطنية.. رؤية مستقبلية
ماذا عن احتمالات المستقبل؟ وإلى أي مدى يمكن القول بأن فكرة السيادة الوطنية بسبيلها الآن إلى التلاشي أو الانهيار في ظل أوضاع التواصل المستمر والاعتماد المتبادل المتنامي بين مختلف مناطق العالم وليس فقط بين دولة؟.
يمكن الإجابة على هذا السؤال بشقيه في نقطتين: أولاهما أن الاتجاه نحو تقليص دور السيادة الوطنية في نطاق العلاقات الدولية المتبادلة سيأخذ في الاطراد والتزايد علي الأقل خلال المستقبل المنظور ويعزى ذلك إلى كون أن العديد من التطورات التي سلفت الإشارة إليها لا تزال فعالة ومؤثرة في تشكيل بنية النظام الدولي في وضعه الراهن.
أما النقطة الثانية التي نود الإشارة إليها هنا، وفي معرض الإجابة عن السؤال المطروح، فمؤداها أن التسليم بالاستنتاج السابق ينبغي ألا يفهم منه أن مبدأ السيادة الوطنية -وفكرة الدولة القومية من أساسها- بسبيله إلى الاختفاء، فالراجح حتى الآن هو أن التطورات الراهنة في النظام الدولي لن تأتي على المبدأ المذكور تماما فالسيادة الوطنية ستظل باقية ما بقيت الدولة القومية ذاتها وتقديرنا أنه لم يجرؤ أحد حتى الآن على القول بأن هذه الدولة القومية ستنهار، بل إن العكس يبدو أنه الصحيح وأن أقصى ما يمكن لهذه التطورات الجارية في النظام الدولي المعاصر أن تفعله هو أن تنال من طبيعة الوظائف أو الأدوار التي تضطلع بها الدولة بالمقارنة بما كان عليه الحال في ظل النظام الدولي التقليدي. وطالما بقيت الدولة فستبقى معها رموزها الأساسية ومنها مبدأ السيادة ولكن بعد تطويعه بما يتناسب والأوضاع والظروف الدولية المستحدثة.
وان كان هذا لا يمنع أن نتناول طرح المفكرين والباحثين لرؤى مستقبل السيادة الوطنية في ضوء المتغيرات الحادثة خاصة العولمة. وقد وضع الباحثون أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل السيادة الوطنية هي:
1- سيناريو اختفاء السيادة:
يرى أنصار السيناريو أنه كما حلت الدولة محل سلطة الإقطاع تدريجيا منذ نحو خمسة قرون، سوف تحل اليوم الشركة متعددة الجنسيات تدريجيا محل الدولة والسببان الشركات متعددة الجنسية تسعى خلال تلك المرحلة إلى إحداث تقليص تدريجي في سيادة الدول، بما يؤدي إلى اختفاء مفهوم السيادة، ثم الدولة القومية ذاتها في مرحلة لاحقة، وستكون الوظيفة الجديدة للدولة خدمة المصالح المسيطرة وهي في الأساس مصالح الشركات الدولية العملاقة.
والواقع أن فكرة تلاشي سيادة الدولة، ثم اختفاء الدولة القومية في مرحلة لاحقة من الأفكار الشائعة في تاريخ تطور الفكر السياسي، حيث قالها ماركس والفوضويون ومع ذلك لم تنته السيادة ولم تتلاش الدولة القومية.
2- سيناريو استمرارية السيادة:
يرى أنصار هذا السيناريو أن التطورات الراهنة في النظام الدولي لن تأتي على السيادة تماما؛ فالسيادة الوطنية ستظل باقية ما بقيت الدولة القومية ذاتها، وأقصى ما يمكن للتطورات الجارية في النظام الدولي المعاصر أن تفعله هو أن تنال من طبيعة الوظائف أو الأدوار التي تضطلع بها الدولة بالمقارنة بما كان عليه الحال في ظل النظام الدولي التقليدي.
3- سيناريو الحكومة العالمية:
يذهب هذا السيناريو إلى أن هناك تغييرا سيحدث في مفهوم السيادة الوطنية، حيث ستتنازل الدولة القومية عن سيادتها لصالح حكومة عالمية منبثقة من نظام عالمي ديمقراطي، حيث تغير العولمة طرح فكرة الحكومة العالمية ليس باعتبارها حلا بعيد المنال وإنما باعتبارها عملية في طور التكوين.
4- سيناريو التفكيكية:
يتوقع أنصار هذا السيناريو أن الدول القومية لن تكون قادرة على مباشرة مظاهر سيادتها على إقليمها بسبب تفككها إلى عشرات وربما إلى مئات من الدول القومية الصغيرة، تارة تحت دعوى التعبير عن هويات من حقها أن تعبر عن نفسها، وتارة أخرى تحت دعوة توطيد صلة المواطنين بالسلطة، وربما احتجاجا على تحيز النظام الدولي الجديد لجماعات دون أخرى، وعلى الرغم من تزايد الحروب الأهلية والنزعات الانفصالية؛ وهو ما يجعل حدوث هذا السيناريو محتملا، فإن ثمة تحفظات أخرى تلاحقه، فلا بد أن قوى مضادة ستعمل على مرحلة هذا السيناريو بسبب خطورته الشديدة.
خلاصــة:
نخلص إلى عدة حقائق قائمة على البحث التاريخي في تطور مفهوم السيادة، أهمها أن مبدأ السيادة دائم مستمر لا يتغير، إلا أن صورتها وحقيقتها والمسئوليات التي تنهض بها تتغير مع الزمن أو يعاد توزيعها. ولا تعني التطورات الحادثة الآن نهاية مفهوم السيادة، ولكن تعني أن السيادة قد تغير مفهومها وتم إعادة توزيعها.. فقبل الثورة الفرنسية كانت السيادة ملكا للأباطرة والملوك ثم انتزعها الثوار ومنحوها للشعب، وصاحب ذلك موجة عارمة من استغلال الشعوب اعتدادها بنفسها. أما التطورات العالمية الحالية فقد أدت إلى تدويل السيادة وتوسيع نطاقها بحيث لم تعد خاصة بالشعب والدولة وحدها ولكن يشارك فيها المجتمع الدولي ممثلا في القوى المتحكمة به.
أما ما يشار إليه في الفقه القانوني عادة بمبدأ المساواة في السيادة أو مبدأ المساواة بين الدول المستقلة ذوات السيادة، فإنما هو مبدأ نظري ويكاد يكون العمل في الغالب والواقع على غير ذلك.
ومؤدى ذلك أن السيادة ترتبط ارتباطا وثيقا من حيث طبيعتها ومدى اتساع أو ضيق نطاق تطبيقها بقدرات الدولة وإمكاناتها الذاتية، أي أن القوة -باختصار- شرط من شروط ممارسة السيادة والحفاظ عليها، وهو ما يثير في النهاية قضية العدالة الدولية على كافة الأصعدة، لكن هذا بداية جدل آخر يستحق بحث منفصل.
________________________________________
** باحثة في العلوم الاجتماعية والإعلام – مصر.

يصف المحللون اليبرالية بأنها أيدلوجية قابلة للتأويل لها مائة وجه، تجيد المراوغة والتحول وتوظف المفاهيم الإنسانية الكبرى والقيم النبيلة من أجل تحقيق منافع مباشرة اقتصادية بالأساس، حتى يحار المرء في فهمها وتحديد موقف محدد منها، ففي الفكر والنظرية تسمو قيم الحرية والفردية لكن في التطبيق تتلاشى الحريات ويسود السوق وتهيمن الرأسمالية المتوحشة. ورغم الالتباس والجرائم الكبرى تجد منظومة الليبرالية لديها من الكبرياء ما يدفعها للزعم بأنها الحل التاريخي والإجابة الأبدية لأسئلة المجتمع والدولة كما في أطروحة نهاية التاريخ لفوكوياما، في حين لا يرى فيها نقادها إلا نسقا مثاليا تأكله آليات الاقتصاد فيستعصي جوهره كرؤية للتحرر والتحقق الفردي على التطبيق.
وتذهب معظم الكتابات إلى أن استخدام مصطلح "ليبرالي" بدأ منذ القرن 14، ولكنه كان يحتمل معاني متعددة ودلالات شتى، فالكلمة اللاتينية liber تشير إلى طبقة الرجال الأحرار، أي أنهم ليسوا فلاحين مملوكين أو عبيدا. والكلمة كانت ترادف "الكريم" أي "ليبرالي" أو سخي في تقديمه لمعونات المعايش للآخرين. وفي المواقف الاجتماعية كانت الكلمة تعني "متفتحا" أو ذا عقل وأفق فكري رحب. وترتبط الكلمة كثيرا بدلالات الحرية والاختيار.


ويليام جلادستون
لكن الليبرالية بمفهومها السياسي لم تظهر إلا في أوائل القرن 19، وأول استخدام كان في أسبانيا في عام 1812، وبحلول الأربعينيات من ذلك القرن كان المصطلح قد صار واسع الانتشار في أوربا؛ ليشير إلى مجموعة من الأفكار السياسية المختلفة. ولكن في إنجلترا انتشر المصطلح ببطء برغم أن الأعضاء ذوي الشعر المستعار Whigs (أعضاء حزب بريطاني مؤيد للإصلاح) أطلقوا على أنفسهم "الليبراليون" أثناء الثلاثينيات من القرن 18، وكانت أول حكومة ليبرالية هي حكومة جلادستون Gladstone التي تولت الحكم عام 1868.
ولم تظهر الليبرالية كمذهب سياسي قبل القرن 19، ولكنها قامت كأيدلوجية على أفكار ونظريات تنامت قبل ذلك بـ300 عام، حيث نشأت الأفكار الليبرالية مع انهيار النظام الإقطاعي في أوربا والذي حل محله المجتمع الرأسمالي أو مجتمع السوق.
كانت الليبرالية تعكس آمال الطبقات المتوسطة الصاعدة التي تتضارب مصالحها مع السلطة الملكية المطلقة والأرستقراطية من ملاك الأراضي، وكانت الأفكار الليبرالية أفكارا جذرية تسعى إلى الإصلاح الجذري وفي بعض الأوقات إلى التغيير الثوري. فالثورة الإنجليزية في القرن 17 والثورات الأمريكية والفرنسية في أواخر القرن 18 كانت تحمل مقومات ليبرالية رغم أن المصطلح لم يستخدم حينذاك بالمفهوم السياسي. وقد عارض الليبراليون السلطة المطلقة للحكم الملكي والذي قام على مبدأ "الحق الإلهي للملوك"، ونادى الليبراليون بالحكم الدستوري ثم لاحقا بالحكومة التمثيلية أو البرلمانية. وانتقد الليبراليون الامتيازات السياسية والاقتصادية لدى ملاك الأراضي والنظام الإقطاعي الظالم، حيث كان الوضع الاجتماعي يحدد حسب "المولد". كما ساندوا الحركات السياسية التي تنادي بحرية الضمير في الدين وتتشككوا في السلطة المستقرة للكنيسة.
ويعتبر القرن 19 في كثير من الجوانب قرنا ليبراليا، حيث انتصرت الأفكار الليبرالية مع انتشار التصنيع في البلدان الغربية. ويؤيد الليبراليون النظام الاقتصادي الصناعي واقتصاد السوق الخالي من تدخل الحكومة، حيث يسمح فيه بمباشرة الأعمال للحصول على الربح وتسود فيه التجارة الحرة بين الدول بدون قيود. فهذا النظام -نظام الرأسمالية الصناعية- نشأ في البداية في إنجلترا في منصف القرن 18، وأصبح راسخا في أوائل القرن 19، ثم انتشر في أمريكا الشمالية ثم غرب أوربا وتدريجيا طبق في أوربا الشرقية.
وقد حاول النموذج الرأسمالي الصناعي أثناء القرن العشرين التغلغل في الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وخاصة أن التنمية الاجتماعية والسياسية تم تعريفها بالمنظور الاقتصادي الغربي المتمثل في نظرية التقدم المادي، ولكن العديد من البلدان النامية قاومت الليبرالية لارتباطها بالنظم الاستعمارية من جهة ولقوة الثقافة السياسية التقليدية في الدول حديثة الاستقلال التي تناصر الجماعية وليس الفردية؛ ولذلك كانت تربة خصبة لنمو الاشتراكية والقومية أكثر من الليبرالية الغربية.
ولقد نجحت اليابان في تطبيق الرأسمالية، ولكنها قامت على التعاونية وليست الفردية؛ فالصناعة اليابانية تتأسس على الأفكار التقليدية من وفاء للجماعة والشعور بالواجب الأخلاقي وليس السعي لتحقيق المصلحة الذاتية للفرد وحسب.
وقد اقترنت النظم السياسية الغربية بأفكار وقيم الليبرالية، وهي نظم دستورية حيث تحد الدساتير من سلطة الحكومة وتحافظ على الحريات المدنية، كما أنها تمثيلية أو برلمانية أي أن الصعود إلى المناصب السياسية يتم من خلال انتخابات تنافسية.
وقد شهد التحول للديمقراطية الغربية صعودا في بعض الدول النامية في الثمانينيات، ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت محاولات تحول ديمقراطي أيضا في أوربا الشرقية.
ونلاحظ أنه في بعض الحالات ورثت دول أفريقية وآسيوية الأسلوب الغربي للحكم الليبرالي من حقبة ما قبل الاستقلال، ولكن بدرجات نجاح متفاوتة، فعلى سبيل المثال تُعَد الهند أكبر النظم الديمقراطية الحرة في العالم الثالث، لكن في أماكن أخرى سقطت النظم الديمقراطية الليبرالية؛ بسبب غياب الرأسمالية الصناعية كأساس اقتصادي وغلبة التحالفات العشائرية، أو بسبب طبيعة الثقافة السياسية المحلية، ففي مقابل الثقافة السياسية في معظم الدول الغربية القائمة على أساس وطيد من القيم الليبرالية الرأسمالية مثل حرية التعبير المطلقة وحرية الممارسة الدينية (أو الروحية الانتقائية العلمانية) والحق المطلق في الملكية، كمبادئ مستمدة من الليبرالية وراسخة في أعماق المجتمعات الغربية نادرا ما تواجه أي تحدي أو مسائلة، نجد في دول العالم الثالث مكانة مركزية للدين واحترام للجماعة وقيمها يحدد مجالات الحرية الفردية، ومكانة للولاء الأسري والعشائري تحفظ القيم الجماعية.
ولقد ناقش بعض المفكرين السياسيين -الناقدين والمؤيدين على حد سواء- العلاقة الحتمية بين الليبرالية والرأسمالية. فيرى الماركسيون مثلا أن الأفكار الليبرالية تعكس المصالح الاقتصادية للطبقة الحاكمة من أصحاب رأس المال في المجتمع الرأسمالي؛ فهم يصورون الليبرالية على أنها النموذج الكلاسيكي للأيديولوجية البرجوازية. وعلى الجانب الآخر يرى مفكرون مثل فريدريك حايك Hayek أن الحرية الاقتصادية -الحق في الملكية وحرية التصرف في الملك الخاص- هي ضمانة هامة للحرية السياسية؛ لذلك في رأي حايك لا يتحقق النظام السياسي الديمقراطي الحر واحترام الحريات المدنية إلا في نطاق النظام الاقتصادي الرأسمالي.
ولا شك أن التطورات التاريخية في القرنين 19 و20 قد أثرت في مضمون الأيديولوجية الليبرالية، فتغيرت ملامح الليبرالية مع نجاح الهيمنة السياسية والاقتصادية لدى الطبقات المتوسطة الصاعدة، كما أن السمت الثوري لليبرالية في بواكيرها منذ القرن السادس عشر تجاه واقعها تلاشى مع كل نجاح ليبرالي، فأصبحت الليبرالية أكثر محافظة وأقل سعيا للتغير والإصلاح وتميل للحفاظ على المؤسسات القائمة الليبرالية. ومنذ أواخر القرن 19 ومع تقدم الصناعة والتصنيع بدأ الليبراليون في إعادة النظر ومراجعة الأفكار والمفاهيم الليبرالية الكلاسيكية لتنشأ ليبرالية.. جديدة.
فبينما كان الليبراليون الأوائل يؤمنون بتدخل الحكومة المحدود جدا في حياة المواطنين، يعتقد الليبراليون الجدد أن الحكومة مسئولة عن تقديم الخدمات الاجتماعية في مجالات الصحة والإسكان والمعاشات والتعليم، بجانب إدارة أو على الأقل تنظيم الاقتصاد. ومن ثَم أصبح هناك خطان من التفكير الليبرالي: الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الحديثة. ولذلك رأى بعض المحللين أن الليبرالية ليست أيديولوجية متماسكة، فهي تضم تناقضات بشأن دور الدولة، ولكن يمكن القول هنا إن الليبرالية في التحليل الأخير -مثل جميع الأيديولوجيات السياسية- قد تعرضت للتطور في مبادئها الرئيسية، وذلك مع التغيرات التاريخية المحيطة، فلا يوجد أيديولوجية سياسية جامدة أو متوحدة، فكلها تحتوي على مجموعة من الآراء والاجتهادات التي قد تتعارض أو تتناقض. وبالرغم من ذلك هناك تماسك ووحدة ضمنية في قلب الفكر الليبرالي، وذلك في الالتزام الأساسي بحرية الفرد والمبادئ التي تترتب على مذهب الفردية.
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الجوهر الليبرالي: فردانية القيم والتصورات
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



جون لوك
الليبرالية -بدرجة كبيرة- هي أيديلوجية الغرب الصناعي، والمفاهيم الليبرالية تبدو غير منفصلة عن الحضارة الغربية على الوجه العام.
وقد تم تصوير الليبرالية مؤخرا في كتابات أنصارها بأنها ليست فقط أيديولوجية بل ما وراء - أيديولوجية ****-Ideology، فهي مجموعة من القواعد تضع أرضية للنقاش السياسي والفكري، وذلك يبين أن الليبرالية تعطي الأولوية لما يوصف بـ"الحق الفردي" على ما هو "فاضل أو صالح"، أي أنها تسعى إلى توفير حياة "جيدة" للناس والجماعات حسب تعريفهم هم الفرداني لما هو جيد، وذلك دون أن تضع أو تفرض أي مفهوم للصلاح أو الفضيلة. وفي مواجهة الانتقاد القائل بأن الليبرالية محايدة من الناحية الأخلاقية يؤكد أنصارها أن أفكارها وقيمها لهذا السبب ذات جاذبية عالمية، فلا أحد يخاف قدوم الليبرالية؛ لأنها تتعامل مع مصالح أعضاء المجتمع بتساوٍ، ويؤكدون أن الليبرالية ليست أبدا فلسفة "افعل ما بدا لك!"، فبالرغم من أن الليبرالية تشجع الانفتاح والمناقشة وحرية الإرادة فهي تتسم كذلك باتجاه أخلاقي قوي، ويتجسد الموقف الأخلاقي لليبرالية في نظرهم في التزامها بمجموعة من القيم والمبادئ المتميزة، وأهم محاورها يدور حول ما يلي:
 الفرد
 الحرية
 العقل
 العدالة
 التسامح
مركزية الفرد


ايمانويل كانط
يعتبر مفهوم الفرد في العالم الحديث مفهوما مستقرا لدرجة أن أهميته السياسية تؤخذ أحيانا كإحدى المُسَلمات، فالليبرالية طورت ما كان عليه المفهوم في الحقبة الإقطاعية، حيث ساد إدراك للفرد باعتباره ليس لديه مصالح خاصة به أو هوية متفردة، فكان ينظر إلى الناس باعتبارهم أعضاء في مجموعات اجتماعية ينتمون إليها كالأسرة والقرية والمجتمع المحلي أو الطبقة الاجتماعية، فحياتهم وهويتهم كانت تتحدد بدرجة كبيرة بحسب صفات تلك المجموعات، وذلك في عملية تغير طفيف من جيل إلى آخر، وعندما انهار النظام الإقطاعي واجه الأفراد نطاقا أوسع من الخيارات والإمكانات الاجتماعية، وأتيح لهم لأول مرة التفكير الفردي المطلق وبشكل شخصي بحت، فمثلا الفلاح المملوك الذي عاشت وعملت أسرته في نفس قطعة الأرض أصبح الآن رجلا حرا لديه القدرة على اختيار عمله وصاحب العمل، وأن يترك الأرض ليبحث عن عمل آخر في المدن الكبيرة.
ومع سقوط معطيات الحياة الإقطاعية ظهر أسلوب جديد من التفكير، فالتفسير العقلاني والعلمي بدأ تدريجيا يحل مكان النظريات الدينية التقليدية وأصبح النظر والتعامل مع المجتمع من زاوية الفرد وتحرره وليس الحفاظ على تضامن الجماعات الاجتماعية.
وقد انتشرت نظريات الحقوق الطبيعية في القرنين 17 و18 التي وظفت الخطاب الديني بشكل إيجابي ولم تتحدث عن قطيعة معه البتة، وذهبت إلى أن الله وهب الأفراد حقوقا طبيعية، يعرفها جون لوك بأنها "الحرية والحياة والملكية"؛ فالفرد وحده يمتلك هذه الحقوق لذلك فهو أهم من أي جماعة اجتماعية. ويعتبر أصحاب نظريات "الحقوق الطبيعية" أن وظيفة المجتمع يجب أن تكون حماية مصالح واحتياجات الفرد، وقد عبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804) عن اعتقاد مشابه لذلك بشأن كرامة ومساواة الأفراد، فهي غايات في حد ذاتها وليست طرقا لتحقيق أهداف الآخرين.
ويعتبر مبدأ أولوية الفرد على الجماعة الخط الرئيسي للفكر الليبرالي، حيث دفع بعض الليبراليين إلى تعريف المجتمع باعتباره "مجموعة من الأفراد يسعى كل واحد منهم لتحقيق مصالحه واحتياجاته". ويطلق على هذا الرأي المذهب "الذري"، حيث ينظر للأفراد كـ"ذرات متنافرة" بداخل المجتمع، ويؤدي هذا التفكير إلى أن استنتاج أن المجتمع نفسه غير موجود، بل هو "متخيل" فهو مجموعة من الأفراد المكتفين ذاتيا. وتقوم هذه الفردية المتطرفة على الافتراض بأن الفرد يتمركز حول الـ"أنا" فهو أساسا أناني ومعتمد على نفسه بدرجة كبيرة. ويصف ماكفيرسون Macpherson الليبرالية الأولى بأنها "فردية مِلكية"، فالفرد هو المالك، ويمتلك نفسه وقدراته الخاصة به وهو لا يدين بها للمجتمع. وقد تطورت هذه الرؤية وصار لليبراليين فيما بعد رأي آخر أكثر تفاؤلا بشأن طبيعة الإنسان يؤمن بأن الأفراد لديهم مسئولية اجتماعية إزاء بعضهم البعض خاصة الأفراد غير القادرين على رعاية أنفسهم (كالمسنين والمستضعفين والمعوقين). وسواء اعتبرت الليبرالية الفرد أنانيا أو غير أناني؛ فقد اجتمع الليبراليون على الرغبة في خلق مجتمع يكون فيه كل فرد قادرا على تنمية وتطوير قدراته لأقصى درجة ممكنة.
إن أهمية الفرد في مذهب الفردية تفوق أي جماعة اجتماعية أو كيان جماعي؛ فمن الناحية المنهجية لمذهب الليبرالية يكون الفرد مركز النظرية السياسية والتفسير الاجتماعي؛ فكل حديث عن المجتمع لا بد أن يكون من منطلق الأفراد الذين يشكلونه. وفي المقابل تقول الفردية الأخلاقية بأن المجتمع يجب أن يخدم الفرد، وبذلك يعطون أولوية للأخلاق الجماعية على حقوق واحتياجات ومصالح الفرد. هذا الموقف السابق يُعَد بمثابة موقف متميز عما ينادي به الليبراليون الكلاسيكيون واليمين الجديد من الأنانية الفردية التي ترتكز على المصالح الشخصية والاعتماد على النفس، بينما بلور الليبراليون الجدد هذا المفهوم بتأكيدهم على أهمية المسئولية الاجتماعية والإيثار جنبا إلى جنب مع مسئوليات الدولة الاجتماعية تجاه الأفراد.
الحرية


ايزيا برلين
من الطبيعي أن يؤدي الاهتمام الشديد بالفرد إلى المسئولية تجاه حريته. ويعتبر الليبراليون حرية الفرد القيمة السياسية العليا، فهي المبدأ الموحِد الجامع في الفكر الليبرالي الحر. وكانت الحرية لدى الليبراليون الأوائل حقا طبيعيا لازما للوجود الإنساني، فهي تعطي الأفراد الفرصة لتحقيق مصالحهم وممارسة حق الاختيار مثل اختيار السكن والعمل... إلخ، ورأى الليبراليون فيما بعد أن الحرية هي الشرط الوحيد الذي يمكن للأفراد من خلاله تنمية قدراتهم.
وبالرغم من ذلك لا يقبل الكثير من الليبراليين بالحرية المطلقة، فإذا كانت الحرية غير محددة المعالم فهي تصبح "ترخيصا يسمح بالإساءة للآخرين. وفي كتابه "عن الحريةOn Liberty "، يقول جون ستيوارت ميل: "إن المبرر الوحيد لممارسة القوة بشكل صحيح تجاه أي عضو في المجتمع المتحضر والتي تكون ضد إرادته هو منع الضرر عن الآخرين".
وكان "ميل" مؤيدا لمذهب التحررية، وممارسة أدنى حد من القيود على حرية الفرد. كما أنه فرق بين "الاهتمام بالمصلحة الشخصية" و"الاهتمام بالآخر" وهو ما يمثل حدا على حرية الآخرين أو إلحاق الضرر بهم، ويذهب ميل من الدفاع عن الحرية درجة رفض أي قيود على الفرد قد يتم تقنينها لمنعه من تدمير نفسه جسمانيا أو أخلاقيا، فهذا الأسلوب من التفكير يرفض القوانين التي تجبر سائقي العربات على ربط حزام الأمان أو سائقي الدرجات البخارية ارتداء الخوذة، ويساويها تماما بالرقابة التي تمنع الأفراد من القراءة أو الاستماع إلى رأي ما. بل ويدافع أصحاب الفكر التحرري المتطرف عن حق الفرد في فعل ما يشاء بما في ذلك تناول المخدرات(!)
وفي حين نجد أن الليبراليين يتفقون على قيمة الحرية فإنهم يختلفون في دلالات هذه الحرية في وعي الفرد. ففي كتابه "مفهومان للحرية" فرق أيزيا برلين Isaiah Berlin بين النظرية السلبية والنظرية الإيجابية للحرية. وقد كان الليبراليون الكلاسيكيون يؤمنون أن الحرية هي قدرة الشخص على التصرف بالشكل الذي يختاره، وكان هذا المفهوم للحرية مفهوما سلبيا، حيث إنه قائم على غياب القيود الخارجية على الفرد. وفي المقابل يسعى الليبراليون الجدد إلى مفهوم أكثر إيجابية للحرية، وحسب تعريف برلين هي القدرة على أن يكون الفرد سيد نفسه ومستقل بذاته، وتتطلب السيادة على الذات أن يكون الفرد قادرا على تنمية مهاراته ومواهبه وعلى اتساع فهمه وتفهمه وعلى الوصول إلى الإنجاز والرضا. وتعني الحرية في فكر جون ستيورت ميلا أكثر من مجرد التحرر من القيود الخارجية؛ فهي قدرة الأفراد على التطور. وفي النهاية تحقيق الذات بما يتفق مع رغباتهم. وتلك المفاهيم المختلفة بل والمتعارضة للحرية أثارت الجدل الأكاديمي داخل المذهب الليبرالي فتبنى الليبراليون آراء مختلفة، بالتالي حول العلاقة المنشودة بين الفرد والدولة.
العقل


جيرمي بنثام
وترتبط الحرية في الفكر الليبرالي بالعقل؛ إذ يعتبر المذهب الليبرالي جزءا من مشروع التنوير، فالفكرة المركزية والرئيسية في رؤية التنوير هي تحرير البشرية من قيود "الخرافة والجهل" وإطلاق العنان لعصر العقل، وكان من أهم المفكرين في عصر التنوير جان جاك روسو بفرنسا وإيمانويل كانط بألمانيا وآدم سميث وجيرمي بانثام بإنجلترا. وقد أثرت عقلانية عصر التنوير في المذهب الليبرالي في كثير من الموضوعات، فهي في المقام الأول دعمت الاعتقاد في مركزية الفرد وحريته، فبقدر عقلانية الإنسان ككائن رشيد يكون قادرا على تحديد مصلحته والسعي وراء منفعته الشخصية. ولا يؤمن الليبراليون بأن الإنسان معصوم من الخطأ، ولكن الليبرالية دعمت الفرد بقوة في مواجهة "الأبوية". ورأت أنها لا تمنع الأفراد من اختيارهم الشخصي الحر وحسب، بل إنها لا تساعدهم على التعلم من الأخطاء، كما أنها تتيح لأصحاب السلطة الأبوية إساءة استخدام وضعهم لتحقيق أغراضهم الخاصة.
وقد ورث الليبراليون عن العقلانية التنويرية أيضا إيمانها الشديد بفكرة "التقدم" التي تعني لديهم التوسع في المعرفة فيمكن الناس من خلال الثورة العلمية ليس فقط فهم وتفسير العالم بل تشكيله أيضا للأفضل. وبإيجاز تعطي سلطة العقل الإنسان القدرة على تحمل مسئولية الإنسان عن نفسه وحياته وتقرير مصيره، وبذلك تحرر العقلانية الفرد من قبضة "الماضي" ومن ثقل "العادات والتقاليد"، ويتقدم كل جيل عن الجيل الذي سبقه فيزداد ميراث المعرفة والفهم تصاعديا. وهو ما يفسر التأكيد الليبرالي على التعليم، فيمكن للناس تحسين أوضاعهم من خلال الحصول على المعرفة وهجر "الخرافات" و"التعصب"، فالتعليم في حد ذاته خير، فهو وسيلة حيوية للارتقاء والتنمية الذاتية للفرد.
وإذا كان التعليم على واسع النطاق فهو يحقق إنجازات تاريخية واجتماعية.
ولعبت العقلانية دورا هاما في التركيز على أهمية المناقشة والمناظرة والجدل. وبينما يحمل الليبراليون عموما نظرة تفاؤلية بصدد الطبيعة الإنسانية ويرون الإنسان كائنا عاقلا؛ فإنهم لم يذهبوا إلى حد وصف الإنسان بالمثالية والكمال؛ لأنهم أدركوا جيدا تأثير المصالح الشخصية وصفات الأنانية، وأن النتيجة الحتمية لذلك هي التنافس والصراع؛ لذا يتعارك الأفراد من أجل الموارد النادرة، وتتنافس الأعمال لزيادة الأرباح، وتناضل الأمم من أجل الأمن أو الحصول على ميزة إستراتيجية وهكذا. ولكن يفضل الليبراليون تسوية هذه الصراعات من خلال المناقشة والتفاوض. ومن أهم ميزات العقل أنه يعطي أساسا جيدا لتقييم المطالب والدعاوى المتنافسة إذا كانت منطقية.
ويمكن القول بأن العقلانية هي الاعتقاد في أن العالم لديه تكوين منطقي يمكن كشفه من خلال الممارسة العقلية للفرد والبحث النقدي، ومن حيث النظر المعرفي فالعقلانية هي تدفق المعرفة من العقل باتجاه العالم وليس العكس، والتجربة مجرد أداة. وأبرز من كتب في العقل والمعرفة كانط؛ وهو ما يختلف عن المنحى التجريبي الذي ساد لدى الليبراليين وكان مؤسسا على فكر ديكارت.
ومن حيث المبدأ العام تؤكد العقلانية على قدرة الفرد على فهم وتفسير الظواهر وعلى حل المشكلات. لكن العقلانية لا تلقن الغايات لسلوك الإنسان، بل تقترح أساليب الوصول إلى تلك الغايات دون الاعتماد على العرف أو التقليد أو اتباع الأهواء والرغبات.
العدالة
ترمز العدالة إلى نوع خاص من الحكم الأخلاقي يتعلق بالثواب والعقاب؛ فالعدالة هي إعطاء كل فرد ما يستحقه. والعدالة الاجتماعية تعني توزيع المنافع المادية في المجتمع مثل الأجور والأرباح، وتوفير متساوٍ للاحتياجات الأساسية من إسكان ورعاية طبية... إلخ.
وتقوم النظرية الليبرالية للعدالة على الالتزام الصارم بالمساواة بشكل شكلي. وإذا كان التعامل مع الناس في المقام الأول يقوم على اعتبارهم أفرادا، فإن لهم الحق في نفس الحقوق ونفس الاحترام. ويؤمن الليبراليون بالعالمية Universalism، أي أن كل الناس في كل مكان لديهم معالم مشتركة أو عالمية فهم يتساوون في القيمة الأخلاقية، ويتمتع كل الأفراد والناس بحقوق متساوية بحكم إنسانيتهم، فلهم حقوق طبيعية وإنسانية. فيجب ألا تقتصر الحقوق على طبقة ما أو جنس محدد، وبالتالي يرفض الليبراليون بشدة أية امتيازات يتمتع بها جماعة دون الأخرى على أساس من النوع أو الجنس أو اللون أو المذهب أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. ويجب أن يكون الناس متساوين أمام القانون وأن يتمتعوا بحقوق سياسية ومدنية واحدة.
وينادي الليبراليون بالمساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي وتحسين وضعه بجهده ودأبه. وذلك لا يعني أن تكون المساواة مطلقة بتدخل من الدولة كما في الاشتراكية؛ لأن الناس لم يولدوا متساوين، بل تختلف مهاراتهم ومواهبهم وبعضهم أكثر استعدادا لبعض الأعمال من غيرهم، ولكن يجب أن تكون أوضاع المعيشة والظروف الاجتماعية الأساسية الدنيا واحدة للجميع.. فمن الضروري مكافأة من يستحق ويجتهد، فالحوافز تساعد الأفراد على العطاء وتحقيق الذات وتنمية المواهب؛ لذلك فالمساواة من المنظور الليبرالي هي أن يكون لدى كل الأفراد فرصة متساوية لتنمية قدراتهم ومهاراتهم غير المتكافئة.
وتحدث الليبراليون عن حكم من يستحق Meritocracy (أي حكم ذوي الإمكانيات والموهبة)؛ فالمجتمع الذي يحكمه هؤلاء -وليس الحكم القائم على عوامل خارج إرادة البشر مثل الحظ أو الفرصة- يعتبر مجتمعا عادلا لأن معاملة الناس فيه ليست بحكم الجنس أو لون البشرة أو الدين، بل تكون حسب قدراتهم واستعدادهم للعمل. والمكانة والثروة الموروثة لا تتفق مع مبادئ الحكم بالاستحقاق، لكن معظم الليبراليون يقبلون فكرة الميراث؛ لأنه على الجانب الآخر منع توارث الثروة يعني التدخل في حق الفرد صاحب المال في التصرف في ملكه حسب اختياره الشخصي، وذلك يمثل إساءة لمبادئ الحرية.
ويختلف المفكرون الليبراليون في كيفية تطبيق العدالة الاجتماعية؛ ففي كتابه "نظرية في العدالة" يرى جون رولز أن الناس في حاجة إلى مكافأة عن العمل الذي يقومون به؛ لذلك تكون بعض الأساليب الاقتصادية المتباينة ضرورية لتعطي حافزا للأفراد، ولكنه يرى أن يطبق ذلك فقط لمصلحة الطبقات الأكثر فقرا وأقل ميزة في المجتمع. وفي رأيه أن العدالة الاجتماعية تفهم كمرادف لمفهوم القسط Fairness وباتجاه المساواة. فالثروة في المجتمع العادل يجب أن يعاد توزيعها من خلال نظام للشئون الاجتماعية وذلك لمصلحة الأقل غنى. وعلى النقيض يأتي روبرت نوزيك في كتابه "اللاسلطوية والدولة واليوتوبيا"؛ ليكون صدى للأفكار التحررية التي تبناها جون لوك في القرن 17. ويذهب نوزيك إلى أن أي توزيع للثروة حتى لو كان غير عادل فإنه يعتبر -اجتماعيا- عدلا طالما طبقت قواعد معينة "للحفاظ على العدالة" والتي تتضمن شرط الحصول على الملك بطريقة عادلة في المقام الأول -بدون سرقة أو تعدي على حقوق الآخرين- وأن تكون قد انتقلت بشكل عادل من شخص عاقل إلى آخر عاقل أيضا. وبناء على هذا يؤكد نوزيك على أهمية ألا ينتهك حق الملكية باسم العدالة الاجتماعية، ورفض بشدة فكرة إعادة توزيع الثروة.
تلك الآراء المتباينة حول العدالة الاجتماعية تكشف عن تعارض ضمني داخل الفكر الليبرالي حول أفضل الأوضاع لتحقيق المجتمع العادل. ويعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أن استبدال النظام الإقطاعي بالسوق والمجتمع الرأسمالي يساعد على إيجاد مناخ اجتماعي يمكن أن يزدهر فيه الفرد وينمي قدراته، فكل الناس سواء في عين القانون يتمتعون بفرصة متساوية للصعود في المجتمع. وقد رأى الليبراليون الجدد أن الرأسمالية غير المقيدة أدت إلى ظهور أشكال جديدة من غياب العدالة الاجتماعية وذلك بتمييز البعض على حسب البعض الآخر؛ لذلك يفضلون تدخل الحكومة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية من أجل ضمان وحماية الفرصة المتساوية، وبالتالي تحقيق مجتمع عادل.
التسامح


فولتير
تتسم أخلاقيات الليبرالية الاجتماعي بقبول التنوع الأخلاقي والثقافي والسياسي. فقد ردد الليبراليون كثيرا المقولة الشهيرة لفولتير (1694 - 1778) "أنا أكره ما تقول ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله!". فالحريات الأساسية التي تدعم النظم السياسية الديمقراطية -حرية التعبير والعبادة الدينية والتجمع... إلخ- كلها ضمانات لانتشار التسامح كثقافة. ويتفق معظم المعلقين السياسيين على أن الليبرالية تمضي يدا بيد مع التعددية، فيعتبر تعدد القيم والآراء والمصالح في حد ذاته قيمة وفضيلة. ونقيضه هو القمع السياسي أو انتشار الطاعة العمياء. لذلك ومن حيث المبدأ فإن الليبراليين ضد الرقابة أو أي وسيلة لمنع حرية التعبير في المجتمع، وضد أي ثوابت أيا كانت.
وهذا يفسر الاستياء العميق الذي شعر به الليبراليون في الغرب من الفتوى التي أدلى بها الإمام آية الله خوميني عام 1989 بإعدام الكاتب الإنجليزي سلمان رشدي عندما نشر كتابه "آيات شيطانية" والذي رأى فيه المسلمون إهانة لعقيدتهم الدينية.
ويعني التسامح التقبل، أي الاستعداد لترك الناس يفكرون ويتكلمون ويتصرفون بأسلوب قد لا يتفق المرء معه. ويعتبر التسامح لدى الليبراليين خلقا مثاليا ومبدأ اجتماعيا. ومن جانب آخر تمثل هذه القيمة هدف الاستقلال الفردي، وتضع قاعدة تحكم سلوك الأفراد مع بعضهم البعض.
وتعتبر كتابات جون ميلتون وجون لوك في القرن الـ17 حول الدفاع عن الحرية الدينية للمذاهب المختلفة أولى إرهاصات دعم الليبراليين لقيمة التسامح تجاه الآراء المخالفة. وفي كتابه "رسالة حول التسامح" رأى لوك أنه ما دمنا قبلنا أن وظيفة الحكومة هي حماية أسلوب الحياة والحرية والملكية؛ فالحكومة ليس لها الحق في التدخل في رعاية أرواح العباد؛ فذلك يلقي الضوء على تمييز الليبراليين الواضح بين ما هو "خاص" وما هو "عام". فيجب أن يمتد التسامح ليشمل الأمور الخاصة التي رأوا أنها تشمل الدين ومسائل الأخلاق التي يجب أن تترك للفرد.
وبالرغم من ذلك لم يكن مفهوم البعض -ومنهم لوك على سبيل المثال- للتسامح مطلقا؛ فهو لم يكن على استعداد لتطبيق التسامح على الكاثوليك الرومان، وكانوا في نظره خطرا على الهيمنة القومية بسبب مبايعتهم للبابا الذي هو أجنبي، كما يؤيد الليبراليون المعاصرون القوانين التي تمنع وتصادر الآراء المؤيدة للعنصرية مثلا، والقوانين ضد تشكيل الأحزاب السياسية المعادية للديمقراطية، ويرون أن انتشار تلك الآراء أو نجاح تلك الأحزاب يهدد مناخ التسامح الليبرالي. وعمليا نجد أنه في حين يساند الليبراليون حق المسلمين في نقد مضمون كتاب سلمان رشدي "آيات شيطانية"، فقد كانوا يؤيدون مقاضاة من يدافع علنا عن إعدام سلمان رشدي.
ويتعلق مفهوم التسامح وقبول الاختلاف والتنوع -في رأي الليبراليين- بقواعد المجتمع السوي غير الممزق بالنزاعات والصراعات. وبرغم أن الأفراد والجماعات الاجتماعية تسعى إلى تحقيق مصالح مختلفة، إلا أن هناك توازنا كامنا بين المصالح المتنافسة كما ذهب آدم سميث في حديثه عن "اليد الخفية"؛ فمثلا تختلف مصالح العمال وأصحاب الأعمال: فالعمال يريدون أجورا أفضل وساعات أقل وتحسين ظروف العمل - وأصحاب العمل يرغبون في زيادة أرباحهم عن طريق المحافظة على تكلفة الإنتاج المنخفضة والتي تشمل الأجور، ولكن يحتاج العمال إلى العمل وأصحاب العمل يحتاجون للعمالة، فتلك المصالح المتنافسة تكمل بعضها البعض، أو بمعنى آخر تعتبر كل مجموعة هامة لتحقيق أهداف المجموعة الأخرى. وقد يسعى الأفراد والجماعات وراء مصالحهم الذاتية، ولكن الموازنة الطبيعية تفرض نفسها. وقد أثر مبدأ الموازنة في تطور الأفكار الليبرالية من عدة جهات؛ فجعل بعض الليبراليين يوقنون بأن التوازن الطبيعي سيظهر في الحياة الاقتصادية، ويؤمنون بتوازن المصالح بين الجماعات المتنافسة في النظام السياسي، ويدافعون عن تصور أن السلام والانسجام ممكن بين شعوب العالم.
وهذا التركيز على التنوع والتسامح تعرض للكثير من النقد؛ فتصوير أنصار الليبرالية لها بأنها محايدة أخلاقيا ولا تفرض أي قيم أو عقائد معينة، بل فقط تخلق الظروف التي يمكن أن يعيش فيها أناس ذوو الأولويات الأخلاقية والمادية المختلفة في سلام ونجاح يجعلها تتجنب القيم المطلقة غير القابلة للتفاوض وغير قادرة على مواجهة واقع النزاع؛ فيكون القيد الوحيد على التنوع هو أن يكون كل طرف مؤهلا لتقبل آراء وتصرفات الآخرين، وهكذا يكون التسامح هو القيمة الجوهرية الوحيدة لدى الليبراليين. ويتمثل خطر هذا الوضع في أنه يؤدي إلى مجتمع خالٍ من الأخلاق وغير قادر على كبح جماح الجشع والأنانية. لذلك عاب المحافظون على الليبرالية أنها تقوم بدعم نسبية الأخلاق والثقافة، وفي نظرهم يؤدي غياب القيم الأساسية التي يقوم عليها بنيان المجتمع لجعل التفاعل المنظم والمتحضر مستحيلا لغياب الإجماع الأساسي اللازم لأي مجتمع. والنتيجة هي أن الناس يعلمون جيدا حقوقهم، ولكن لا يعترفون بأي واجب أو مسئولية. وفي العقود الأخيرة من القرن 20 تعرضت الليبرالية الفردية إلى نقد من قبل حركة المجتمعية السريعة الانتشار
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الليبرالية في القرن 21
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



فرانسيس فوكوياما
اتسم القرن 20 بإعلان الليبرالية انتصارها على مستوى العالم في مقولة فوكوياما الشهيرة حول نهاية التاريخ التي أغفلت جرائم الليبرالية الاقتصادية في حق الطبقات الدنيا وفي حق الشعوب غير الغربية، وقد عبر عن ذلك فوكوياما (1989) في قوله: "إننا نشاهد نهاية التاريخ وذلك في نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وعالمية الديمقراطية الليبرالية الغربية كآخر شكل للحكومة الإنسانية".
ومن السهل تأسيس هذه الفرضية على بعض الشواهد التاريخية؛ فبعد سقوط الفاشية في عام 1945 كانت الشيوعية السوفيتية البديل الرئيسي لليبرالية الغربية، ولكن حتى هذا النظام انهار باندلاع الثورات في دول أوربا الشرقية في الفترة 1989 - 1991 رافضة لمبادئ التخطيط والتدخل الحكومي. وأما في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يتم عملية دمقرطة النظم السياسية بانتشار التنافس الحزبي وتنامي الاتجاه نحو الإصلاح الاقتصادي القائم على السوق. وإذا كانت تلك العمليات المستمرة تعكس التفوق الواضح لليبرالية على الأيديولوجيات المنافسة (كنهاية للتاريخ كما تزعم النظرية)، أو أنه نتيجة لظهور نظام رأسمالي كوني تسيطر عليه شركات متعددة الجنسية (كما يحذرنا النقاد)، فالمستقبل يبدو لنا ظاهرا: سوف تنكمش الاختلافات الاقتصادية والسياسية تدريجيا في معدلات مختلفة لتلتقي جميعا على النموذج الليبرالي.
لكن الانتصار الليبرالي يواجه تحديات داخلية وخارجية جديدة. فداخليا تتعرض الليبرالية في المجتمع الغربي لنقد من قبل المفكرين الذين أعادوا اكتشاف أهمية المجتمع التراحمي. وظهرت "النظرية المجتمعية" كرد فعل لمساوئ الليبرالية الفردية. وعلى سبيل المثال رفض المفكران أليسدير ماك إنتير ومايكل ساندل الفردية على أنها سطحية ومعادية للجماعة الاجتماعية، حيث إنها تعامل الذات على أنها غير مسئولة تستمد هويتها من داخلها بدلا من العوامل الاجتماعية والتاريخية والثقافية المحيطة بها. ففي نظرهم أن الذات جزء لا يتجزأ من الممارسات والعلاقات الاجتماعية، كما أن العيب الذي يكمن في الليبرالية هو أنها غير قادرة على إنشاء سياسة الصالح العام؛ بسبب تركها للفرد اختيار الحياة التي تروق له والتي يستحسنها من مفهومه الشخصي. ويساعد هذا الفراغ الأخلاقي على تفكك المجتمع. ونظرا لعدم تقيدهم بالواجبات الاجتماعية والمسئولية الأخلاقية. ولا يهتم الأفراد إلا بمصالحهم وحقوقهم الشخصية؛ فعلى المدى الطويل قد يفقد المجتمع الليبرالي المنابع الثقافية لمراجعة الأنانية غير المقيدة أو لتعزيز التعاون والجهد الجماعي.
ويأتي التحدي الخارجي لليبرالية من خارج الغرب. فمع نهاية النظام العالمي الثنائي القطب الذي تمثل في الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي أفسح المجال لقوى جديدة غير ليبرالية كالتي ظهرت مع الديمقراطية الليبرالية. ففي أوربا الشرقية أثبتت الصحوة القومية التي يستمد منها الشعب القوة والثبات والأمن أنها أقوى من الليبرالية الحاسمة. وترتبط هذه القومية بالنقاء العرقي والسلطوية عنها بالمبادئ الليبرالية مثل إقرار المصير والكبرياء الحضري. كذلك ظهرت نماذج متنوعة من الأصولية في الشرق الأوسط وفي بعض مناطق أفريقيا وآسيا. وينتشر الإسلام السياسي عن الليبرالية في كثير من الدول النامية؛ لأنه قادر على تقديم موقف غير غربي بدلا من اتخاذ موقف ضد الغرب. وذلك بالإضافة إلى أن المناطق التي نجح فيها اقتصاد السوق لم تكن دائما قائمة على قيم ومؤسسات ليبرالية، فمثلا قد ترجع صحوة شرق آسيا إلى قدرة الكنفوشسية للمحافظة على الاستقرار الاجتماعي عنها إلى تأثير المبادئ الليبرالية مثل المنافسة والبقاء الذاتي.
وبدلا من الاتجاه نحو عالم ليبرالي موحد تتصف التنمية السياسية في القرن 21 بتنامي التنوع الأيديولوجي، وقد يكون الإسلام والكنفوشسية وحتى القومية السلطوية المنافسين الجدد لليبرالية الغربية. ويقول جون جراي صاحب كتاب "ما بعد الليبرالية": إن هذا المنظور ينبع من طور أكبر؛ ألا وهو انهيار المشروع التنويري الذي تعتبر الليبرالية جزءا منه. ويفترض هذا المشروع أن هناك مجموعة من المبادئ العقلانية قابلة للتطبيق العالمي يمكن أن ترسي أوضاعا تسمح للأفراد بالسعي وراء غايات غير متساوية. وتقع مهمة الليبرالية في إيجاد مؤسسات لتحقيق هذا الهدف، وهي تتمثل في الحكومة التمثيلية والتنافس الحزبي واقتصاد السوق لتحقيق حياة طيبة للفرد بدون خلل وانهيار اجتماعي.
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الليبرالية بين الكلاسيكية والحداثة
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



ديفيد ريكاردو
أثار ظهور ما يسمى بالليبرالية الجديدة الاهتمام يإعادة قراءة الليبرالية الكلاسيكية؛ فالحق أن تلك الليبرالية الجديدة هي عودة سلفية لمبادئ الليبرالية قبل أن تتفاعل مع الحقبة الاشتراكية فتهذبها وتتبنى بعض السياسات والأفكار التي تحترم المساواة وحقوق الرفاهة للمواطن خارج منافسة السوق.
فالليبرالية الكلاسيكية هي الليبرالية الأولى التي ظهرت في الفترة الانتقالية بين الإقطاعية والرأسمالية، وقد وصلت إلى أوجهها في بداية الفترة الصناعية من القرن 19؛ ولذلك في بعض الأحيان يطلق على الليبرالية الكلاسيكية "ليبرالية القرن التاسع عشر"، وكانت المملكة المتحدة مهد الليبرالية الكلاسيكية؛ حيث تقدمت وتطورت الثورات الرأسمالية والصناعية. لذلك تأصلت الأفكار الليبرالية بعمق في الدول الأنجلوساكسونية مثل المملكة المتحدة وأمريكا أكثر من باقي دول العالم.
وقد أخذت الليبرالية الكلاسيكية أشكالا كثيرة، ولكن تعتبر الحرية السلبية هي الصفة المشتركة بين تلك النماذج المختلفة؛ فالفرد حر إذا ترك في حاله بدون تدخل الآخرين بأي صورة؛ فمعنى الحرية هنا هو غياب القيود الخارجية على الفرد. فهذا التصور للحرية يفرق بشكل ملحوظ بين الدولة والفرد؛ فالدولة كيان ظالم لديه السلطة لعقاب المواطنين ومصادرة أملاكهم بدفع الغرامات وسلب حرياتهم بالسجن، وفي بعض الأحيان تقضي على حياتهم بالإعدام. فبالتالي قيام الدولة حتى ولو كان ذلك عن طريق العقد الاجتماعي يقتضي حتميا التضحية بحرية الفرد الذي سيفقد المقدرة على عمل ما يريده.
ولاقت تلك المبادئ الأولى انتعاشا وإقبالا شديدا في النصف الثاني من القرن 20. وكان تأثيرها ملحوظا مرة أخرى في المملكة المتحدة والولايات المتحدة حيث توجد صحوة معاصرة لليبرالية الكلاسيكية تحت اسم الليبرالية الكلاسيكية الجديدة أو الليبرالية الجديدة التي ظهرت كرد فعل للتدخل المتزايد للحكومة في الشئون الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الفترة ما بعد الحرب والتي تجلت في اليمين الجديد.
وتأثرت الليبرالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر بنظريات كبرى حول الطبيعة الإنسانية قام بوضعها أصحاب الفكر النفعي أمثال جيرمي بنثام وجيمس ميل. اعتبر بنثام فكرة الحقوق "هراء"، وسمى الحقوق الطبيعة "هراء على ركائز" واستبدلها بما يؤمن بأنه أكثر عملية وموضوعية؛ ألا أن الفرد يتحرك بدافع مصالحه الذاتية التي تعرف بالرغبة في اللذة والسعادة وتجنب الألم. فيرى بنثام وكذلك ميل أن الناس يحسبون قدر اللذة والألم الصادر من كل فعل وموقف؛ فبالتالي يختارون ما يبشر بأكبر قدر من اللذة والسعادة. ويؤمن المفكرون النفعيون أن السعادة والألم يمكن قياسهم بالمنفعة آخذين في الاعتبار الكثافة والمدة وهكذا، فالإنسان في رأيهم يتحرى أكبر قدر ممكن من النفع بالسعي وراء أكبر قدر من اللذة والسعادة وأقل قدر ممكن من الألم.
ومن الناحية الأخلاقية يمكن النظر إلى المنفعة لمعرفة "صحة" اتجاه السياسات والمؤسسات في توفيرها للسعادة، تماما كالفرد في قدرته على حساب أكبر قدر من السعادة الصادرة من الفعل؛ حيث يمكن الاستعانة بمبدأ "أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد" في السياسات لصالح المجتمع ككل. وفي أوائل القرن 19 في بريطانيا اجتمع حول بنثام مجموعة من المفكرين المتشددين فلسفيا وعرضوا عليه مجموعة وكبيرة من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والقانونية، وكلها ترتكز على فكرة المنفعة العامة.
فقد كان للنفعية أثر بالغ في الليبرالية وخاصة أنها تطرح فلسفة أخلاقية تفسر كيف ولماذا يسلك الفرد على النحو الذي هو عليه. كذلك تبنت الأجيال اللاحقة من الليبراليين التصور النفعي للإنسان على أنه مخلوق عقلاني يسعى وراء مصالحه الشخصية، وهي فكرة محورية وراء فكر الييبرالية الجديدة أيضا.
فيستطيع كل فرد في نظرهم تحديد أفضل مصالحه الخاصة دون غيره؛ فلا يمكن لغيره -الدولة مثلا- أن تفعل ذلك له. وحسب بنثام الناس تتحرك في إطار اللذة أو السعادة التي يتمتعون بها وبالطريقة التي يختارونها؛ فلا لأحد سواهم يمكن أن يحكم على نوع أو درجة سعادتهم. فإذا كان كل فرد هو الحكم الوحيد لما سيسعده؛ فالفرد وحده هو القادر على تحديد ما هو صحيح أخلاقيا.
والنظرية الاقتصادية الكلاسيكية تبلورت بالأساس في أعمال اقتصاديين سياسيين أمثال آدم سميث وديفيد ريكاردو (1770 - 1823). ويعتبر كتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث أول كتاب يدرس في علم الاقتصاد؛ فقد اقتبس سميث أفكاره عن الطبيعة الإنسانية بشكل ملحوظ من الافتراضات الليبرالية والعقلانية، وكان له إسهامه المؤثر في الجدل حول الدور المرغوب فيه للحكومة بداخل المجتمع المدني. ومثل جوانب أخرى من الليبرالية الأولى كان أول ظهور علم الاقتصاد السياسي الكلاسيكي في بريطانيا، حيث كان التحمس الشديد لأفكار ومبادئ هذا العلم التي تبنتها أيضا الولايات المتحدة.
كتب آدم سميث كتابه في وقت فرضت فيه الحكومة قيودا صارمة على النشاط الاقتصادي؛ فكانت المركنتلية النظام الاقتصادي المسيطر في القرنين 16 و17 حيث تدخلت الحكومات في الحياة الاقتصادية من أجل تشجيع التصدير والحد من الاستيراد. وجاء سميث ليقول بأن الاقتصاد يكون في أوج نشاطه مع عدم تدخل الحكومة. ففي رأيه الاقتصاد هو السوق أو سلسلة من الأسواق المتعلقة بعضها ببعض. وتعمل السوق حسب رغبات وقرارات الأفراد الأحرار، وإن الحرية في السوق هي حرية الاختيار: مقدرة المنتج على اختيار السلعة التي يصنعها، ومقدرة العمال على اختيار أصحاب الأعمال، ومقدرة المستهلك على اختيار السلع والخدمات للشراء. فالعلاقات في هذه السوق بين صاحب العمل والموظفين، وبين البائعين والمستهلكين علاقات تطوعية أو عقدية.
ويفترض الاقتصاديون الكلاسيكيون أن الأفراد يسعون وراء تحقيق مصالحهم الشخصية ماديا بدافع الرغبة في التمتع باللذة أو السعادة، وذلك عن طريق تكوين واستهلاك الثروة. وتقوم النظرية الاقتصادية لحد كبير على فكرة "الرجل الاقتصادي"، وهي أن الإنسان يسعى إلى أكبر قدر من المنفعة وذلك بالكسب المادي.
وبالرغم من أن الفرد موجه نحو مصالحه الشخصية يعمل الاقتصاد ككل تحت ضغوط غير بشرية ألا وهي قوى السوق التي تتفاعل بذاتها نحو الرخاء والرفاهية الاقتصادية. على سبيل المثال لا يمكن لأي منتج لسلعة أن يحدد ثمنها؛ فالسوق هي التي تحدد الثمن حسب عدد السلع المعروضة للبيع وعدد المستهلكين الراغبين في شرائها؛ فتلك هي قوى العرض والطلب. إن السوق تدير نفسها بنفسها من خلال آلية التنظيم الذاتي؛ فهي لا تحتاج إلى التوجيه الخارجي. ومن ثَم يجب ألا تتدخل الحكومة في السوق؛ لأنها تدار -على حد قول آدم سميث- "بيد خفية". وتعكس فكرة الإدارة الذاتية للسوق المبدأ الليبرالي بأن هناك توافقا طبيعيا بين المصالح المتضاربة في المجتمع. ويعمل أصحاب الأعمال والعمال والمستهلكون نحو تحقيق مصالحهم الشخصية، ولكن قوى السوق تضمن توافق تلك المصالح؛ فمثلا يحقق العمل التجاري ربحا إلا من خلال ما يرغب المستهلك شراءه.
وقد استخدم الاقتصاديون في المراحل اللاحقة فكرة "اليد الخفية" لشرح كيف أن المشكلات الاقتصادية -مثل البطالة والتضخم والعجز في ميزان المدفوعات- يمكن القضاء عليها من خلال آليات السوق؛ فمثلا تأتي البطالة نتيجة زيادة عدد المؤهلين للعمل عن الوظائف المتاحة أي عرض العمال يزيد عن الطلب لها. فتخفض قوى السوق من سعر العمالة أي أجورهم ، فمع انخفاض الأجور يمكن لصاحب العمل تعيين عدد أكبر من العمال وبالتالي تقل البطالة. لذلك تكون قوى السوق قادرة على القضاء على البطالة بدون تدخل الحكومة شريطة أن مستوى الأجور يكون مرنا مثل الأسعار الأخرى. وتؤدي السوق الحرة إلى كفاية اقتصادية، فمن أجل الربح لا بد أن تكون التكلفة منخفضة فالإسراف وعدم الكفاءة لا سبيل لهم في العمل الإنتاجي. في نفس الوقت تمنع المنافسة إمكانية الحصول على أرباح مبالغ فيها. إذا كانت الأرباح عالية بشكل غير عادي في مجال معين فذلك سيشجع المنتجين على دخول ذلك المجال، فبالتالي سيزيد الناتج وينخفض مستوى الأسعار والأرباح. وتنجذب الموارد الاقتصادية نحو أكثر الاستخدامات ربحا أي نحو مجال الإنتاج المتنامي والمزدهر وليس غير ذلك. وتعمل السوق بشكل إيجابي؛ لأنها دائما تسعى لتحقيق رغبات المستهلك، فالمستهلك هو المسيطر على زمام الأمور، ولكي تحافظ المؤسسات على ربحها العالي لا بد أن تعرف جيدا وتوفي حاجات ورغبات المستهلك. وبذلك وبشكل طبيعي تتحرك قوى السوق نحو رفع كفاءة وقوة الاقتصاد الذي يستجيب ذاتيا لأي تغيير في طلب المستهلك.
وأصبحت أفكار السوق الحرة اعتقادا اقتصاديا في المملكة المتحدة وأمريكا أثناء القرن 19. ووصلت مبادئ السوق الحرة ذروتها مع مبدأ laissez faire، أي "دعه يعمل" وذلك يعني أن الحكومة يجب ألا يكون لها دورا اقتصاديا وترك الاقتصاد وحده والسماح لأصحاب الأعمال مباشرة أعمالهم كيفما يروق لهم. ويتضارب هذا المبدأ مع قوانين المصنع مثل منع توظيف الأطفال والحد من ساعات العمل وأي لائحة من لوائح أوضاع العمل. وتقوم تلك الفردية الاقتصادية على فكرة السعي غير المقيد وراء الربح والذي في النهاية يؤدي إلى المنفعة العامة. واستمر مبدأ "دعه يعمل" قويا في المملكة المتحدة على مدى القرن 19 وكذلك في الولايات المتحدة حتى عام 1930، حيث لاقى معارضة حادة. وفي أواخر القرن 20، تم أحياء فكرة السوق الحرة أثناء إدارة ريجن في الولايات المتحدة وحكومات تاتشير وماجور في المملكة المتحدة. فمن المتوقع أن تقوم الدولتان بزيادة كفاءة الاقتصاد وإنمائه ورفع "يد الحكومة الميتة" عنه، والسماح للقوة الطبيعية لآلية السوق أن تثبت نفسها مرة أخرى. ومن المظاهر الأخرى لليبرالية الاقتصادية هي التجارة الحرة.

الحركة النقابية بين المهنية والسياسة
19/04/2001 جمال البنا
قد لا نجد في الكتابات الإسلامية الأولى إشارة إلى "النقابة"، ولكننا نجد في القرآن الكريم إشارة إلى "النقيب"، قال الله تعالى: "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا" [المائدة:12] مما يعود باللفظ إلى ماض سحيق، وقد أحيا الرسول هذا التقليد عندما أمر الأنصار أن يعينوا له اثني عشر نقيبًا، يمثلون قبائلهم، وقيل في استخدام لفظة "النقيب": إنه هو الذي ينقب عن شئون الآخرين؛ لغرض خدمتهم".
وفي العصر العباسي الأول ظهرت هيئتان تحمل إحداهما اسم "نقابة"، وإن لم تكن نقابة في حكم الاصطلاح، بينما لا تحمل الأخرى اسم نقابة، وإن كانت بحكم طبيعتها نقابة.
أما الهيئة الأولى فهي "نقابة ذوي الأنساب" التي خصها الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية" ببضع صفحات، وهي وإن حملت اسم نقابة فإنها كما يتضح من اسمها بعيدة كل البعد عن طبيعة النقابات، وأما الهيئة الثانية فهي التي حملت اسم "الأصناف"، وهذه هي جذور النقابية في الحضارة الإسلامية، وتماثلها "الطوائف" التي ظهرت في أوروبا قبل النقابات الحديثة.
الأصناف.. نقابة ذات طبيعة ثلاثية
قد تحدث عن الأصناف ابن بطوطة، والخطيب البغدادي والطبري وياقوت، ووصلت هيئات الأصناف إلى أوجها أيام المهدي وهارون الرشيد، وازدهرت في بغداد وسامراء بعدها.
وكان كل أصحاب حرفة يكونون "صنفا" مستقلاً، وقال اليعقوبي: إن أسواق الكرخ كان فيها "لكل تجار وتجارة شوارع معلومة، وصفوف في تلك الشوارع وحوانيت، وليس يختلط قوم بقوم ولا تجارة بتجارة، ولا يباع صنف مع غير صنفه، ولا يختلف أصحاب المهن من سائر الصناعات مع غيرهم، وكل سوق مفردة، وكل أهل صنف منفردين بتجارتهم".
وكذلك روعي التخصص الحرفي في تنظيم أسواق بغداد الأخرى كسوق باب الشام وسوق باب البصرة، وسوق باب الطاق، ونستدل من أسماء أسواق مدينة بغداد الكثيرة التي توردها المصادر على وجود التخصص حيث نجد سوق النحاسين وباعة الدجاج والدباغين والباقلانيين والسماكين وأصحاب النعال والعطارين والصيادلة وأصحاب الدهون والخزازين والجوهرين، وفي بغداد سوق خاصة لبيع أنواع الفواكه سميت بدار البطيخ، وكانت هذه أسواق الجانب الغربي من بغداد.
أما أسواق الجانب الشرقي فنجد أنه لا ينبغي أن يتاجر التاجر في البز إلا إذا عرف أحكام البيع …، فقد قامت أسواق للدقاقين والخبازين والحلاويين وباعة الرياحين والصيارفة والصاغة وسوق السلاح والنحاسين وللصفارين وللحدادين وسوق للوراقين وسوق الرفائين وسوق للحم"(1).
وكان كل صنف يرتبط بالمحتسب، وهو الموظف المدني الذي يتولى التفتيش على شئون الحرفة، كما كانت ترتبط عادة بأحد شيوخ الصوفية، وهكذا كانت للأصناف علاقة وثيقة بمجتمعها ذات طبيعة ثلاثية: مهنية، وإدارية، وروحية..
وكان للأصناف تقاليد مرعية في ترتيب مستويات ممارسة المهنة، ونقل الصبي إلى صانع، والصانع إلى معلم، وكانت تنظم حفلات لذلك، وتلحظ اعتبارات معينة، ويظن أن هذه التقاليد انتقلت إلى الطوائف الأوروبية؛ لأنها تكاد تكون واحدة، ونحن لا نسمع عنها إلا بعد عودتهم من الحروب الصليبية التي تعرفوا منها على الحضارة الإسلامية"(2).
الميكنة.. قانون العرض والطلب
على أن الحركة النقابية الحديثة تدين بظهورها وتكوينها إلى الثورة الصناعية التي حدثت في بريطانيا وظلت من عام 1730م إلى 1830م على وجه التقريب، إذ كانت نتيجة هذه السلسلة من الاكتشافات والاختراعات أن ظهر المصنع الآلي الكبير الذي يضم الآلات الحديدية التي لا تكل ولا تمل وتعمل بقوة البخار، فطالما كان هناك فحم، وهناك نار، فإن الآلة تعمل.. ثم ظهرت وسائل الإضاءة الحديثة بدءًا من غاز المصباح حتى الكهرباء بحيث أمكن للمصنع أن يعمل طوال الليل والنهار..
وقضت الصناعة الآلية على الوسائل الحرفية التي كانت هي أسلوب العمل، وتشرد عمالها، وأصبح الملاذ الوحيد أمامهم هو المصنع...
وكان الذي تولى إقامة هذه المصانع هم أصلا من تجار الغزل والنسيج التي ظهرت "الميكنة" فيها أولا، ثم أضيف إليهم كبار الملاك الذين كانوا يملكون مناجم الفحم والحديد.. وكانوا جميعًا لا يستهدفون سوى الربح، وفي سبيل الربح قامت منافسة "لقطع الأعناق" كما يقول تعبير إنجليزي فيما بينهم، فكل واحد يريد أن يستأثر بالربح، وفي هذا السبيل فإنه يحاول أن يبيع منتجاته بأسعار أقل، وكان الهبوط بمستوى أجور العمال هو أسهل طريق أمامهم لضغط التكلفة..
من ناحية أخرى، فإن قانون العرض والطلب كان يسير ضد مصلحة العمال، فتدمير الطرق اليدوية في الحرف، وتشريد عمالها جعل أعدادًا غفيرة تقف على أبواب المصانع الحديثة.. لتعمل كعمال في الوقت الذي كانت الميكنة لا تتطلب إلا عددًا محدودًا منهم، وبقدر ما كانت وسائل الميكنة تتقدم وتتحسن بقدر ما كان الطلب على العمال يقل، وبالتالي يزداد العرض..
وهكذا وجد العمال في أوائل الثورة الصناعية أنفسهم بين قانون لا يرحم هو قانون العرض والطلب، يهبط بمستوى الأجور، وبين منافسة قاتلة ما بين أصحاب الأعمال تجعل الهبوط بالأجور هو السبيل الأول لضغط التكلفة، وكانت النتيجة أن هبطت الأجور حتى وصلت إلى حد الكفاف..
ميلاد الحركة النقابية
استنجد العمال بالحكومة لمواجهة ما يتعرضون له من ظلم، ولكن الحكومة أعطتهم أذانًا صماء؛ لأنها كانت حكومة أصحاب المال (الرأسمالية)، واستنجدوا بالكنيسة فأوصتهم بالرضا بقدرهم والاستسلام له.. وحاولوا الثورة، وتحطيم الآلات؛ فسلطت عليهم السلطة سيف القانون، وجعلت الإعدام عقوبة لتحطيم الآلات..
وسط تلك الظروف التمعت فكرة "ماذا لو اتحد العمال الذين يحترفون حرفه واحدة في "نقابة" تتولى هي عرض العمل، بدلاً من أن يتكوكبوا أمام بوابات المصانع، ويسمحوا
لأصحاب الأعمال بإجراء مناقصة في الأجور؟" إن هذه الوسيلة تقلب قانون العرض والطلب وتجعله كما لو لم يكن هناك سوى عامل واحد. هو النقابة التي "احتكرت" عرض العمل..
وكان الطريق أمامها حافلاً بالأشواك والمثبطات، ولكن العمال كافحوا – لمدة قرنين من الزمان- قبل أن تستطيع الحركة النقابية أن تكتسب القوة التي تمكنها من مجابهة أصحاب الأعمال مجابهة الند للند، وأن تنزلهم من عليائهم ليجلسوا على مائدة المفاوضات التي تنتهي باتفاقية جماعية. وبالطبع فإن الذي جعل أصحاب الأعمال يقبلون الجلوس مع العمال هو أنه إذا فشلت المفاوضات فسيلوذ العمال بالإضراب الذي يشل العمل في المصانع ويوقف سيل الأرباح لأصحاب الأعمال.
ولما كان الإضراب أشبه بحرب على المستوى الصناعي فقد كان على العمال أن يتعلموا بطريقة التجربة والخطأ، وأن يدفعوا ثمن ذلك غالبًا، ولكنهم في النهاية تعلموا الدرس.
وللحركة النقابية جوانب أخرى سياسية، واجتماعية لا يتسع الحال لشرحها. وفي كتاب "الحركة النقابية حركة إنسانية" قلنا بأنها تأتي بعد الأديان، وقبل الديمقراطية والاشتراكية في النهضة بالشعوب والجماهير.. وأنها أدخلت وسائل إنسانية في الكفاح مع أصحاب الأعمال تقوم على الشورى والتعاون وأنها خاضت غمار السياسة، بتكوينها الأحزاب ذات الاتجاهات الشعبية أو بمحاولاتها الخاصة كالتي قام بها عمال بريطانيا خلال المدة من 1838 – 1848 لإصلاح نظام الانتخابات وحملت اسم "الحركة الميثاقية"..
الثورة التكنولوجية والتكتيك النقابي الجديد
وتتعرض الحركة النقابية لتحديات جاء بها التقدم التكنولوجي وظهور الكومبيوتر والإنترنت مما أخل بنوعية العضوية النقابية وانحسار عمال الصناعات الثقيلة وزيادة عمال الخدمات واستخدام الكمبيوتر في المنازل، فضلاً عن حركات الاندماج ما بين المؤسسات العملاقة لتزداد عملقة، وليمكن توفير أعداد من العمال بعد أن قلص التقدم التكنولوجي أعدادهم من قبل.. بحيث ظهرت الحاجة إلى "تكتيك" نقابي جديد حتى لا يتشرد العمال اليوم كما تشردوا في أعقاب الثورة الصناعية الأولى.
ولما كان أسلوب عمل النقابات هو الضمانة الحقيقية للعمال في المجتمعات الحديثة، فإن الهيئات الدولية حمت حق تكوين النقابات والانضمام إليها، واعتبرت ذلك من الحقوق الأساسية للإنسان. فنصت الفقرة 4 من المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة سنة 1948م على حق كل إنسان في تكوين النقابات والانضمام إليها، كما عززت اتفاقيتا الأمم المتحدة الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هذا الحق.
وفي عهد سابق تكونت "منظمة العمل الدولية" سنة 1919 كجزء من تسوية السلام في آثار الحرب العالمية الأولى، وجعلت همها معالجة قضايا العمل وتسويتها ما بين الأطراف الثلاثة: (الحكومات – العمال – أصحاب الأعمال)، وتنضم اليوم كل دول العالم تقريبًا إلى منظمة العمل الدولية بمقرها في جنيف، ويكون تمثيل كل دولة على أساس ثلاثي. أي بمندوبين من الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال.
وتنفرد منظمة العمل الدولية بين المنظمات الدولية بهذه الصفة، وتعقد المنظمة مؤتمرًا سنويًا في يونيو من كل عام يحضره مندوبو الدول الأعضاء بصفتهم الثلاثية لمناقشة قضايا العمل، ولوضع "اتفاقيات" و"توصيات". والاتفاقية تعد معاهدة ملزمة للدول التي تصدق عليها.
وهناك عدد من الاتفاقيات التي أصدرتها المنظمة خاصة بحماية الحرية النقابية، أبرزها الاتفاقية 78 سنة 1948م عن حرية التكوين النقابي، والاتفاقية 98 لسنة 1949م عن حماية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، ومعظم الدول مصدقة على هذه الاتفاقيات التي تعد من أعرق الاتفاقيات ومن الاتفاقيات الخاصة بالحقوق الأساسية للإنسان.
وقد تكونت في السبعينيات منظمة عربية على غرار منظمة العمل الدولية هي منظمة العمل العربية التي أصدرت أيضًا اتفاقية عن الحرية النقابية.
الحركة النقابية في المجتمعات الإسلامية
وفي رأيي أن الفكر الإسلامي التقليدي قابل الحركة النقابية بشيء من التجهم عندما بدأت تظهر في الدول الإسلامية، فربما نظر إليها بعضهم باعتبارها منظمات شيوعية يكونها الشيوعيون، وأنها تؤدي إلى القلق والاضطراب والفتنة.
وكان لا بد لتبديد هذه الشبهات، وقد قام بهذه المهمة الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل الذي تكّون في جنيف عام 1981، وضم عددًا من النقابات في السودان والأردن والمغرب وباكستان وبنجلاديش.
وأهم عمل قام به الاتحاد هو أنه وضع تنظير إسلامي للحركة النقابية يختلف عن تنظيرها في المجتمع الرأسمالي وتنظيرها في المجتمع الاشتراكي، وبرهن على تقبل المجتمع الإسلامي للنقابات بوجود الأصناف في العهد العباسي، فضلاً عن أن هدف النقابات وهو العدل هو نفسه هدف الإسلام.
ووصل عمق دراسات الاتحاد في هذا المجال درجة أثبتت فيها أن الآية "282" من سورة "البقرة" التي تحدث فيها القرآن عن الدَّين بلورت عناصر الاتفاقيات الجماعية دون تطويع أو ابتسار، وشرح الاتحاد ذلك في الكتاب الذي أصدره عن "الإسلام والحركة النقابية"، والذي ظهرت طبعته الأولى سنة 1980م ليكون تحت يد أعضاء المؤتمر التأسيسي. وأعيد طبعه في الجزائر، ثم طبع طبعة ثانية بعد أن نفدت الطبعة الأولى.
وقام الاتحاد بنشاط كبير، ولكنه قوبل بمعارضة من كثير من الاتحادات العمالية التي ربطت مصيرها بالنظم الحاكمة، وما يفرضه ذلك عليها من اتباع لهذه النظم وعدم الخروج عليها، كما أن الاتحادات العمالية ذات الاتجاهات اليسارية ضاقت به أيضًا.. وحدثت آخر معاركه مع الاتحاد الدولي للنقابات الذي يسيطر عليه اتحاد عمال الولايات المتحدة عندما أعلن الاتحاد الإسلامي عن عزمه على عقد مؤتمر لنصرة القدس.
وتضمنت الكتب التي أصدرها الاتحاد مجلدًا عن الحرية النقابية من ثلاثة أجزاء، وسلسلة من الكتيبات، وكتابًا عن أزمة النقابية في المجتمع الرأسمالي والاشتراكي… إلخ.
ومعظم النقابات في الدول الإسلامية ترتبط بالنظم الحاكمة، ويعتمد بعضها في تمويل نشاطاته على الاتحادات العمالية الدولية، ففي فترة الأربعينيات وما تلاها كانت الحركة النقابية في الدول العربية ذات التوجه اليساري تعتمد على الاتحاد العالمي للنقابات (براج) الذي يموله الاتحاد السوفيتي، وكانت النقابات في المجتمعات العربية الرأسمالية تعتمد على الاتحاد الدولي للنقابات الحرة (بروكسل).
ولما تهاوى الاتحاد السوفيتي تهاوى معه الاتحاد العالمي، وانفرد الاتحاد الدولي للنقابات الحرة بالهيمنة على عالم النقابات العربية والإسلامية، ولما كان هذا الاتحاد يخضع للنفوذ الأمريكي فإن توجهاته كثيرًا ما تتعارض مع توجيهات هذه النقابات.
وقد كان للحركة النقابية في بعض الدول كتونس والسودان أثر كبير في السياسات القومية في فترة الأربعينيات والخمسينيات، ولكن هذا الأثر تقلص في الفترة المعاصرة.
ويظل الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل مشكلاً – في رأيي – لبادرة أمل بالنسبة للحركة النقابية؛ إذ يعتبر هو الوحيد الذي يضع تنظيرا نقابيًا فنيًا أصيلاً بعيدًا عن تلفيقات بعض الكتاب، أو استتباع بعض الأحزاب، ويتفق في الوقت نفسه مع وجدان هذه الشعوب وتاريخها وتقاليدها.

________________________________________
(1) استشهد بها في كتاب "الإسلام والحركة النقابية - جمال البنا، الطبعة الثالثة، ص 44- دار الفكر الإسلامي.
(2) وقد عالجنا موضوع الأصناف بتفصيل في كتاب "الإسلام والحركة النقابية"، والذي أصدره الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل.

hayet_th
24-04-2009, 17:55
السلام عليكم جمبعا: أرجوكم أريد مذكرة حول البنوك الجزائرية أو النظام المصرفي الجزائري أرجوكم ضروري وخاصة الجزء التطبيقي أي الجداول والمخططات التي تدرس حالة البنوك في الجزائر

hayet_th
24-04-2009, 17:58
هل من مجيب أرجوكم ساعدوني أريد مذكرة النظام المصرفي الجزائري

moh.2000
24-04-2009, 19:46
السلام عليكم اهلا اختاه راني شفت بصح للاسف مالقيتش .لكان كشما لقيتلك راني نجيبلك ...
تقبلي تحياتي....

moh.2000
24-04-2009, 20:21
القابلية للعولمة: ثقافة الإنتاج… وأزمة الرشادة!



العولمة مفهوم شمولي يذهب عميقاً في جميع الاتجاهات لتوصيف حركة التغيير العالمية المتواصلة لكنه على العموم ظاهرة تشير إلى الاتجاه العالمي نحو سيطرة ثقافة استهلاكية وإعلامية وفلسفية واحدة – غربية غالباً – على باقي الشعوب وتحمل هذه الظاهرة بعداً اقتصادياً في المقام الأول يرتبط بالاقتصاد الرأسمالي وفلسفته في تحرير الأسواق وتخفيض الحواجز الجمركية، وتقليص حجم القطاع العام الحكومي لصالح القطاع الخاص والرأسمال المحلي والعالمي وكذلك تشير إلى اقتصاد عالمي أكثر تداخلاً وتشابكاً، وتتكون بشكل رئيسي على الصعيد الاقتصادي من عولمة الأسواق وعولمة الإنتاج وتقسم هذه العجالة الدول إلى صنفين حسب تأثيرها بالواقع العالمي الجديد إما دول معولَمة (بفتح اللام) أو دول معولِمة (بكسر اللام).
أما المقصود ب "القابلية للعولمة"* فهي قدرة بلد ما على الاستفادة من ثورة التكنولوجيا والاتصالات ورفع الحواجز الجمركية في سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية ورفع مستوى دخل الفرد داخل البلد بواسطة حكومة رشيدة تُحسن استغلال الموارد الطبيعية والبشرية من أجل سعادة مواطنيها، بحيث تكون دول معولِمة (بكسر اللام) بمعنى آخر أن تتمتع بميزان تجاري رابح من خلال انتشار منتجاتها النهائية (خاصة فيما يخص المنتجات غير الأرضية كالنفط والغاز) بحيث تفوق صادراتها وارداتها وتنتشر بضائعها في كل العالم.
إن الشق الاقتصادي للعولمة على أهميته وتعقيداته يعتبر جزءاً مهماً لكنه ليس الأوحد للعولمة لأن تمظهرات العولمة تبدأ بالسياسة ولاتنتهي بالثقافة والإعلام والتكنولوجيا، وكل جانب من جوانب العولمة لها أدبياتها وتحتاج إلى وقفة خاصة، ولكن المتفق عليه هو أن الدول التي تستطيع أن تفرض بضائعها تستطيع إلى حد كبير فرض ثقافتها، والدول التي تملك ثقافة إنتاج هي دول قابلة للعولمة بمفهومها الإيجابي فهي معولِمة (بكسر اللام) ولكننا سنركز على الشق الاقتصادي في هذه العجالة

عولمة الأسواق
1- إزالة الحواجز أمام البضائع عن طريق اتفاقيات دولية من مثل الغات والجولات التجارية، ومنظمة التجارة العالمية التي التحقت بها 150 دولة من بينها أكثر من ثلاثين دولة إسلامية وإحدى عشر دولة عربية.
2- تماهي أذواق المستهلكين في العالم باتجاه ذوق عالمي متقارب هو في الغالب ذوق الدول المنتجة أو "المعولِمة".
3- فوائد العولمة ليست حكراً على الشركات الضخمة (تقوم مثلاً 200 ألف شركة أمريكية صغيرة بأقل من 100 عامل بالتصدير للعالم)

4- فتح أسواق جديدة أمام البضائع.
5- تصدير الوظائف إلى دول العالم الثالث للاستفادة من رخص اليد العاملة الأمر الذي يثير حفيظة عمال بلدان الدول الصناعية، وهذا أمر يستحق التفصيل قليلاً، ففي السابق كانت الفكرة السائدة أن دول الشمال تستغل دول الجنوب والرأسمالية العالمية تمتص دماء الشعوب، ولم تعد مقولة الفكر الشيوعي "ياعمال العالم اتحدوا" صالحة اليوم لأنه تبين أن عمال العالم الرأسمالي هم ضد عمال العالم الثالث أو العالم النامي والمتخلف، وكل مايشاهده المتفرج من مسيرات ضد العولمة تسعى نحو أهم مطلبين في غالب الأحيان هما الحفاظ على البيئة ومطالبة عمال الدول الصناعية بعدم الاستعانة بعمال العالم النامي (الصين والهند والشرق الأوسط) وليست هذه التظاهرات في أية حال مطالبة لخلق عمالة في البلدان التي تتحسر على التقدم التكنولوجي الذي ظل العالم الرأسمالي يحتكره لعقود – ولازال في كثير من الأحيان – وتلك المظاهرات ضد "العولمة" كما تريد أجهزة الإعلام الغربي أن تبثها وتتبناها للأسف فضائياتنا العربية بكثير من التبسيط واحد من نتائجها لو أفلحت هو عدم تأهيل العمالة في البلدان النامية، لذا فإنني أقترح أن يتم اجتماع لنقابات العمال في العالم ممثلة من قبل أبناء ال150 دولة الأعضاء في منظمة التجارة العالمية على هامش الاجتماع المقبل للمنظمة 4-5 أكتوبر 2007 في سويسرا لبحث الفوائد والمضار من هذا الفتح التجاري العالمي وحتى يكون لعمال دول العالم النامي والمتخلف ( أو الدول التي لديها النية في النمو) موقف واضح من ظاهرة وجود شركات عالمية في البلدان النامية كشركة مايكروسوفت في الهند والتي تقوم بتأهيل العمالة الهندية وتجعل منها دولة يحسب حسابها بين أعظم دول المصدرة للبرمجيات. إن اجتماع لممثلي العمال في الاجتماع المقبل لمنظمة التجارة العالمية سيكون مهماً للغاية وخاصة أن السيد باسكال لامي رئيس المنظمة ينادي بعدالة العولمة ويصرح بتحيزه للدول الفقيرة.
6- تملص الشركات عابرة القارات من شروط النقابات العمالية التعجيزية أحياناً (الصحية والمعاشية والتقاعدية في دول العالم الصناعي)، واستغلال بعض هذه الشركات لعمال العالم النامي بسبب تخلف أنظمتها العمالية.
7- الهروب من الأنظمة الصارمة للبيئة في الدول الغربية.
لقد ساهمت العولمة بأنظمتها التجارية بتخفيض معدل التعرفة الجمركية بشكل هائل فقد انخفض هذا المعدل بين عامي 1913 وعام 2000 من 44% في أمريكا، و20% في ألمانيا، و18% في إيطاليا، و30% في اليابان إلى 3.9% مما جعل بضائع الدول العالم النامي والمتخلف (فضلاً عن الصناعي) لاقتحام أسواق العالم الصناعي، لذا فأنك قلما تجد في الأسواق الأمريكية بضائع تصنيع أمريكا حتى باتت سيارات ال"هوندا" اليابانية في أمريكا أكثر أمريكية من سيارات فورد وكرايسلر لأن معظم قطعها تصمم في أمريكا على عكس الشركات الأمريكية.

معدل التعرفة الجمركية على البضائع المصنعة كنسبة من قيمة البضاعة (%)
2000
1990
1950
1913
دولة
3.9%
5.9%
18%
12%
فرنسا
3.9
5.9
26
20
ألمانيا
3.9
5.9
25
18
إيطاليا
3.9
5.3
-
30
اليابان
3.9
5.3
11
5
هولندا
3.9
5.9
23
-
بريطانيا
3.9
4.8
14
44
أمريكا

عولمة الإنتاج
هذا النوع من العولمة يهتم بإعادة توزيع قوى الإنتاج ومصادره جغرافياً بما يتناسب وتحقيق أعلى الفوائد وتقليص نفقات الشركة عن طريق الإستفادة من الفوائد التنافسية، فمثلاً شركة بوينغ تصنع طائرة 777 والتي تحتوي على 132500 قطعة تستورد من 545 مصنّع من معظم دول العالم كاليابان وسنغافورة وإيطاليا… وغيرها، لذا لم يعد هناك منتج يمكن تسميته منتج أمريكي أو ياباني بل منتج عالمي.

إن مؤشر نسب التصدير من حجم الناتج الإجمالي إلى جانب حصة الدخل الواحد من الناتج المحلي الإجمالي هو أحد أهم مؤشرين على مدى قابلية أية دولة للإستفادة من العولمة أو ماأسميته "القابلية للعولمة" فلن تنفع كثرة صادرات بلد ما مالم ينعكس إيجاباً على مستوى معيشة مواطن هذا البلد، ولكن الميزان التجاري الرابح ليس شرطاً على قابلية أية دولة لأن تعولم بقية الأمم وتؤثر بها بسبب النواحي العلمية والسياسية والعسكرية والمالية، فرغم أن العجز التجاري الأمريكي بات مزمناً منذ عقود ووصل حسب آخر إحصائيات وزارة التجارة الأمريكية عجزاً تجارياً مخيفاً عام 2006 حيث وصل إلى أكثر من 758$ مليار دولار (الصادرات الأمريكية 1445$ مليار لعام 2006،و المستوردات $2204 مليار ) ولكن الإمكانيات المالية العملاقة لديها من مثل وجود أكثر من 440 ألف شركة مالية وتأمينية أرباحها أكثر من 2800 مليار دولار (تقريباً 3 تريليون دولار) إضافة إلى حجم السوق الأمريكية الداخلية ومايستهلكه أكثر من 300 مليون أمريكي يحمل معظمهم قدرة شرائية عالية (إضافة إلى عوامل عديدة أهمها الأموال المتدفقة على الولايات المتحدة للاستثمار) يعزز مكانة الولايات المتحدة التي تتزعم الدول المعولِمة ويجعل نمط الحياة الأمريكية يعمم على بقية دول العالم.

إن حجم الصادرات العالمية من الخدمات التجارية مثلاً 2415 مليار دولار ($2.4 تريليون ) حصة أوربا منها 48.4% وأمريكا 22.2% وآسيا 20.8% بينما كانت حصة الشرق الأوسط 2.2%.(حسب منظمة التجارة العالمية 2006)
مثال آخر على القوى المعولمة والتي تفرض نفسها في ساحة الإنتاج هو حجم صادرات المنتجات العالمية $10159 مليار (10 تريليون دولار) حصة أوربا 43% وحصة أمريكا الشمالية 14.5% و وحصة آسيا 27.4% وأما الشرق الأوسط فتبلغ حصته 5.3%.
إن هذه التخمة من السلع المصنعة والتي تبحث لها عن أسواق كانت وراء إيجاد منظمة التجارة العالمية وسعي المستفيدين الكبار وراء تنظيم العملية التجارية في العالم لفتح أكبر كمية من الأسواق ولكن هذا السعي المحموم باتجاه الأسواق لن يمر دون أن يكون له تأثيرات سلبية ومظاهر مؤسفة تدفع ثمنها الدول المعولَمة (فتح اللام).

العولمة…ووقائع بؤس عالمية
الفقر
- إن عدد الأشخاص الذين لايتجاوز دخلهم اليومي دولارين 2$ ارتفع من 50% منذ عام 1980، حتى وصل إلى 2.8 مليار إنسان بمعنى تقريباً نصف سكان العالم وذلك في الزمن الأكثر ليبرالية.(كما يذكر البنك الدولي)
- لقد انخفضت حصة البلاد الأكثر فقراً في العالم من التجارة لأقل من 40% منذ 1980 ليصل لأقل من أربعة بالألف 0.4%.(كما منظمة الأنكتاد)
- أضخم 500 شركة عالمية تحظى بحوالي 70% من التجارة العالمية وهذه الحصة في تزايد.
- تقدر الأمم المتحدة بأن الدول الفقيرة تخسر ملياري 2$ دولار كل يوم بسبب عدم عدالة القوانين التجارية التي تسنّها منظمة التجارة العالمية وهي تساوي 14 ضعف ماتتلقاه تلك الدول من معونات.
- هناك فقط 33 دولة نامية من أصل 130 ازداد نموها الاقتصادي بأكثر من 3% للشخص الواحد بينما كان ناتج الدخل القومي للشخص الواحد قد انخفض في 59 دولة، وإن هناك 1600 مليون شخص أصبح وضعهم الاقتصادي الحالي أسوأ من 15 سنة مضت (الأمم المتحدة)

سوء التوزيع
- إن أغنى دول العالم تمتلك 80% من دخل العالم بينما آخر خمس من البشر الفقراء لايملكون إلا 1%، إن الفجوة في توزيع الثروة العالمية قد تضاعفت مابين عامي 1960 و2000.(تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة 1999)
- إن الفجوة بين الدول الفقيرة والغنية تتوضح أكثر إذا عرفنا أن الفرق بين معدل الدخل الحقيقي للفرد مابين الدول الغنية والفقيرة كانت في أوائل القرن التاسع عشر مابين 1 إلى عشرة وفي عام 2000 ارتفعت هذه الفجوة مابين 1 إلى 60 (دخل $500 إلى $29000)
- لقد كلفت آخر جولات التجارة دول شبه الصحراء الأفريقية خسارة مايعادل 600$ مليون دولار يومياً، مما حدى بثلاثين دولة أفريقية التوقيع على بيان ضد الاتفاقيات التجارية.

- الجدير بالذكر أن 12 دولة فقط من أصل 29 من الدول الأكثر فقراً اقتصادية تملك مكتباً لها في منظمة التجارة العالمية لأنها ببساطة لاتملك تمويل مكتب في سويسرا، خاصة إن هناك مايقرب من 50 اجتماع أسبوعياً للمنظمة، مما يجعل إمكانية حضور هذه الاجتماعات والمشاركة أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة للدول الفقيرة، كما أنه تجرى في ردهات المنظمة محادثات جانبية مهمتها الضغط على الدول الفقيرة وتهديدها بقطع المعونات كنوع من أساليب الرشوة والتأثير على تمرير بعض القوانين باعتراف المنظمة نفسها.
- لقد ضاعفت الدول الصناعية من حجم حمايتها للدعم الزراعي منذ جولة الأورغواي، رغم طلب المنظمة رفع الدعم عن المنتجات الزراعية للدول الأعضاء، وذلك لأنه لو فتحت الدول الغنية أبوابها لمنتجات الدول الفقيرة والنامية لازدادت صادراتها (أي الدول الفقيرة) بما يقارب $700 مليار دولار (حسب تقرير التجارة والتنمية في منظمة الأنكتاد 1999)
- على سبيل المثال تفرض الولايات المتحدة تعرفة جمركية على مادة السكر تصل إلى %151، وفي غرب أوربا 176%، و278% في اليابان، بينما لاتفرض أوغندا سوى 25% ولازالت الدول الصناعية تضغط عليها لتخفيض الحواجز الجمركية والتي ستؤثر على 250ألف أوغندي يعشون على تصنيع السكر.

الديموقراطية
- لقد ازدادت الأصول الثابتة لأضخم 100 شركة عابرة للقارات بما يعادل 697% مابين عامي 1980 و1995، بينما انخفض عدد العمال في تلك الشركات.
- هناك فقط 6 ستة شركات ضخمة تسيطر على الإعلام الأمريكي (1983كانت هناك 50 شركة إعلامية) مما يجعل حرية التعبير محاصرة و تحابي الشركات المعلنة على حساب العدالة بشكل عام والعدالة التجارية منها خاصة.
- لقد أعلنت منظمة التجارة العالمية أن هناك أكثر من 1500 خطأ في اتفاقية الغات كلها كانت على حساب الدول النامية.
- لقد احتكرت الدول الصناعية 97% من حقوق الملكية في العالم و80% من حقوق الملكية في الدول النامية، حتى أنه من أصل 26088 طلب لحقوق الملكية مابين عامي 2000 و2001 لم يكن هناك سوى 31 طلب من أفريقيا.

إن ماسبق أمثلة بسيطة وسريعة على ماأسماها الاقتصادي المشهور الدكتور رمزي زكي "الليبرالية المتوحشة" وهي تصف الوجه البائس للعولمة والذي يركز عليه الإعلام في الدول الفقيرة والمقهورة بشكل ملحوظ ولكنه للأسف لايظهر الصورة بشكل كامل و لايوضح دور العامل المحلي وهو الأهم في هذه المعادلة، ألا وهو الإدارات الحكومية أي العامل المحلي فلايكفي أن نوضح جشع الشركات العملاقة، بل علينا أن نتسائل مالذي يستدعي دولاً من مثل بورتوريكو عام 1995 لتتوجه لبيع قطاع حيوي كالماء للقطاع الخاص (فيما يعرف بالخصخصة) وكذلك الأرجنتين، أليست الإدارات الحكومية الفاشلة هي السبب.

هل معنى ماذكرنا أن قدر الدول المعولَمة أن تظل على هذه الحال دون أن يكون لها دور في تعزيز مكانتها العالمية من خلال:
1- حكومات رشيدة لاتضيع مواردها البشرية والطبيعية والاقتصادية، ولاتعبث بمدخرات شعبها من خلال نظام إداري فاسد يضع الرجل الفاسد في كل مكان نظيف كي يفسده، ومن ثم تغسل الأموال في بنوك كل العالم عدا بنك البلد المنهوب.
2- حكومات رشيدة تحاول تأمين أعلى نسبة ممكنة من الأمان، والإستقرار ولاتقحم شعبها المسكين في حروب أهلية ومحلية مع جيرانها، لابل في حالات أسوأً تدعي الإستعداد لحروب وهمية وتقوم بتصدير شعارات المواجهة، بحيث تضيع ماتبقي من مواردها، في حسابات الطغم العسكرية في سويسرا.
3- حكومات رشيدة لاتشتري أسلحة أكثر من حاجاتها بعشرات المرات لإرضاء بعض الفاسدين في البطانة، مالداعي لأن تخصص المغرب 4.2% من ناتج دخلها القومي من أجل التسلح، واليمن 7.1% مثلاً؟ (حسب معهد أبحاث السلام الدولي –استوكهولم)
4- حكومات رشيدة تبحث عن أفضل علاقات اقتصادية وسياسية مع الجوار، ولاتختلق أجواء العداوات مع الجيران كي تثبت للمجتمع الدولي أنها تتقن فن سياسة قطاع الطرق القائمة على الابتزاز والتهديد، وتحسب أنها بذلك تتقن اللعبة السياسية.
5- حكومات تحاول خلق تكتلات اقتصادية وتثقف شعوبها نحو ثقافة الإنتاج وتشجع شعوبها على استهلاك سلع تلك الدول، فتيار العولمة ومنظمة التجارة العالمية قد يضغط من أجل فتح أسواق جديدة، ولكن لايجبر المستهلك على استهلاك سلعة بعينها،فالمستهلك المثقف والذي يعرف أثر استهلاكه على النهوض بأمة ناشئة من شبح الفقر والجوع سيختار سلعة تلك البلاد التي تتكاتف مع بلده وتساعده على الحصول على أكبر حصة من التجارة العالمية.
على سبيل المثال فإن التجارة البينية في الدول ال57 الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي في أسوأ حال فنسبة واردات الكويت من الدول ال57 الإسلامية 8%، والبحرين 5% والإمارات 8% والسعودية 5% فقط.(حسب مجلس التعاون الخليجي) فلو أن ثقافة الإنتاج هي السائدة في دول العالم العربي والإسلامي مثلاً وسادت ثقافة استهلاكية رشيدة لطالب مستهلك الكاكاوا في العالم العربي والإسلامي بالكاكاوا المصنعة في أندونيسيا والتي تصدر منه بأكثر من 500 مليون دولار سنوياً، ومستهلك الجلود بالجلود الباكستانية التي تصدر منه ب $284 مليون دولار، ومستهلك الزجاج بالزجاج السعودي الذي تبيع منه سنوياً بأكثر من 100 مليون دولار وهكذا يبدأ المستهلك في العالم العربي والإسلامي بأخذ زمام المبادرة ليستفيد من إزالة الحواجز الجمركية والعولمة التجارية لينهض باقتصاده واقتصاد أخيه.
أما الاكتفاء بذكر وحشية الليبرالية فلن يوقف العمال الأمريكيين عن وضع أكثر من 240 مليار ساعة عمل سنوية، فكما تحمل العولمة مظاهر سلبية لكن في طياتها إيجابيات ثقافة الإنتاج ، والإبداع ليس حكراً على أمة دون غيرها فمن أصل 390733 براءة اختراع مثلاً قدمت لوكالة براءات الاختراع الأمريكية كان هناك 24% منها (93941 اختراع) لسكان دول أجنبية غير أمريكان.(تقرير مكتب براءات الاختراع الأمريكية 2007)
إن دولاً من مثل ماليزيا وتركيا والصين فهمت أن في طيات العولمة أيضاً ثقافة إنتاج يحسن بها أن تفهم أبجدياتها عبرحكومات تدار بعقلية مدنية وليست عسكرية تعبئ كل طاقاتها المادية والطبيعية والبشرية باتجاه معركة التجارة الطاحنة وتبحث عن أسواق لها في أقصى الأرض بهدف أن تكون دول معولِمة تدار بأعلى مستوى من الرشادة الإدارية.

Globalizability*

houda doudou
24-04-2009, 23:12
السلام عليكم اخواني الطلبة اخواتي الطالبات.............
من يريد بحث او مذكرة في المجال الاقتصادي فليترك طلبه هنا..........فنحن هنا من اجل المساعدة بما نستطيع.
تحياتي لكل الاعضاء....................

السلام عليكم أريد بحث عن موضوع اصدار و خلق النقود (مستعجل) شكرا

houda doudou
24-04-2009, 23:39
السلام عليكم أنا ظالبة في السنة الثانية مناجمنت أريد بحث مستعجل حول اصدار وخلق النقود جزاكم الله خيرا

moh.2000
25-04-2009, 14:47
عرض النقود
عرض النقود أي كمية النقود التي تتداول في الاقتصاد وينقسم عرض النقود إلى نوعين أساسين هما:
أولاً: المعنى الضيق.
M1 = DD + CR
= M1عرض النقد بالمعني الضيق
= DDحجم النقود والمحتفظ بها في البنوك على شكل حسابات جارية
= CRالعملات الورقية والمعدنية التي يتداولها الاشخاص في تعاملاتهم اليومية.
ثانياً: المعنى الضيق.
M1 + TD + S M2 =
M2 = المعنى الموسع لعرض النقد.
= TDالحسابات لأجل.
= S حسابات التوفير في البنوك.
البنوك وخلق النقود تلعب البنوك دورا هاما في زيادة حجم عرض النقود في الاقتصاد والمقصود بعرض النقد حجم النقود المتداولة والمستخدمة في الاقتصاد بنوعيه السابقين.
ولتحديد آلية كيفية قيام البنك في زيادة عرض النقد يمكن العودة لفهم آلية عمل المضاعف لمعرفة آلية خلق النقود فنحن أمام نفس الآلية فالمضاعف يعتمد على الميل الحدي للاستهلاك وخلق أو توليد النقود في المصارف يعتمد على نسبة الاحتياطي النقدي.
1
معادلة توليد النقود (المضاعف) = ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نسبة الاحتياطي النقدي



مثال لتوليد النقود
افترض أن شخصا أودع 1000 ريال فما هو حجم التغير في عرض النقد إذا علمت أن نسبة الاحتياطي 20%.

الحل:
1
معادلة توليد النقود (المضاعف) = ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نسبة الاحتياطي النقدي
1
= ــــــــــــــــــــــ = 5
20%
الغير في حجم النقد = المضاعف × المبلغ الأساسي
= 5 × 1000 = 5000

moh.2000
25-04-2009, 14:50
الاخت هذا واش لقيتلك كشما يكون راني نحطولك هنا
اوكي...............
تقبلي تحياتي .....

fati07
25-04-2009, 19:34
السلام عليكم هل من الممكن المساعدة في بحث حول الاستراتيجية التجارية للمؤسسة (مقياس اقتصاد مؤسسة).و شكرا مسبقا

kamita
26-04-2009, 13:26
مرحبا من فضلك لو تقدر .موضوع حول تجربة الاردن في عصرنة الموازنة .من فضلك منتظرة اي رد حتى وان كان ب لا المهم نشوف الرد من فضلك .

ملاك نور الهدى
26-04-2009, 14:42
السلام عليكم اريد بحث حول تامين نقل البضائع

moh.2000
26-04-2009, 17:48
السلام عليكم اهلا بكم جميعا
الاخت kamita راني شفت بصح للاسف مالقيتش .......عذرا .

moh.2000
26-04-2009, 19:00
الاخت ملاك نور الهدى و الاخت fati07 للاسف مالقيتش عذرا لكما....
تقبلو تحياتي.....

صبرينال
26-04-2009, 20:12
السلام عليكم
بالبداية نشكركم على هده الخدمة و جزاكم الله كل خير

ارجو منكم ان تساعدوني بالبحث عن موضوع هو " ظائف المسير" اريد بحثا عنه

يحتوي على الرقابة و اتخاد القرار و التخطيطو ......

شكرا لكم

moh.2000
26-04-2009, 20:27
السلام عليكم
(التخطيط، التنظيم، التوظيف، التوجيه، الرقابة)
مدخل:
قد تسمع هذه الأسئلة، أو قد يتبادر بعضها إلى ذهنك، وهي "ما هي الإدارة؟ من هو المدير؟" أو قد تقول لنفسك "أنا موظف فقط،
فما حاجتي لمعرفة العملية الإدارية!؟ أليس هذا هو عمل الرؤساء والمدراء!؟".
في الواقع، كلنا مدراء. فمهما يكن موقعك أو وظيفتك يتلزّم عليك أحيانا إدارة بعض الأمور. وحتى يمكنك إدارتها بشكل جيد، عليك
أن تعي العملية الإدارية وعناصرها الرئيسية ومبادئها العامة.
لذا.. سنحاول هنا تبسيط هذه العملية، وشرحها بشكل موجز، يكفي لأن تتكون لدى الفرد منا صورة عامة عن هذه العملية الهامة.
ما هي الإدارة؟
من المنظور التنظيمي الإدارة هي إنجاز أهداف تنظيمية من خلال الأفراد وموارد أخرى. وبتعريف أكثر تفصيلا للإدارة يتضح أنها أيضا
إنجاز الأهداف من خلال القيام بالوظائف الإدارية الخمسة الأساسية (التخطيط، التنظيم، التوظيف، التوجيه، الرقابة).
ما الهدف من تعّلم الإدارة؟
إن الهدف الشخصي من تعلم الإدارة ينقسم إلى شقين هما:
زيادة مهاراتك.
تعزيز قيمة التطوير الذاتي لديك.
من المؤكد أنك ستطبق أصول الإدارة في عملك وفي حياتك الخاصة أيضا. لكن تطبيقها يعتمد على ما تقوم بعمله. فعندما تعمل مع
موارد محددة ومعروفة يمكنك استخدام الوظائف الخمسة للإدارة. أما في حالات أخرى فقد تستخدم وظيفتين أو ثلاثة فقط.
سنقوم الآن بشرح كل وظيفة من هذه الوظائف الخمسة بشكل مبسط، فهذا يساعد على فهم ما هي الإدارة وكيف يمكنك تطبيقها
في حياتك أو مهنتك.
الوظائف الخمسة:
التخطيط: هذه الوظيفة الإدارية تهتم بتوقع المستقبل وتحديد أفضل السبل لإنجاز الأهداف التنظيمية.
التنظيم: يعرف التنظيم على أنه الوظيفة الإدارية التي تمزج الموارد البشرية والمادية من خلال تصميم هيكل أساسي للمهام والصلاحيات.
التوظيف: يهتم باختيار وتعيين وتدريب ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب في المنظمة.
التوجيه: إرشاد وتحفيز الموظفين باتجاه أهداف المنظمة.
الرقابة: الوظيفة الإدارية الأخيرة هي مراقبة أداء المنظمة وتحديد ما إذا كانت حققت أهدافها أم لا.
أصول ((فايول)) للإدارة
1925 ) مؤلف كتاب "النظرية الكلاسيكية للإدارة"، عرّف الوظائف الأساسية الخمسة للإدارة (التخطيط، – هنري فايول ( 1841
التنظيم، التوظيف، التوجيه، الرقابة). وطوّر الأصول الأساسية الأربعة عشر للإدارة والتي تتضمن كل المهام الإدارية.
كمشرف أو مدير، سيكون عملك عبارة عن مباشرة تنفيذ الوظائف الإدارية. أشعر أنه من المناسب تماما مراجعة الأصول الأربعة عشر
للإدارة الآن. استخدام هذه الأصول الإدارية (الإشرافية) سيساعدك لتكون مشرفا أكثر فعالية وكفاءة. هذه الأصول تعرف ب "أصول
الإدارة" وهي ملائمة للتطبيق على مستويات الإدارة الدنيا والوسطى والعليا على حد سواء.
الأصول العامة للإدارة عند هينري فايول:
تقسيم العمل: التخصص يتيح للعاملين والمدراء كسب البراعة والضبط والدقة والتي ستزيد من جودة المخرجات. وبالتالي نحصل على
فعالية أكثر في العمل بنفس الجهد المبذول.
السلطة: إن إعطاء الأوامر والصلاحيات للمنطقة الصحيحة هي جوهر السلطة. والسلطة متأصلة في الأشخاص والمناصب فلا يمكن
تصورها كجزء من المسؤولية.
الفهم: تشمل الطاعة والتطبيق والقاعة والسلوك والعلامات الخارجية ذات الصلة بين صاحب العمل والموظفين. هذا العنصر مهم جدا
في أي عمل، من غيره لا يمكن لأي مشروع أن ينجح، وهذا هو دور القادة.
وحدة مصدر الأوامر: يجب أن يتلقى الموظفين أوامرهم من مشرف واحد فقط. بشكل عام يعتبر وجود مشرف واحد أفضل من
الازدواجية في الأوامر.
يد واحدة وخطة عمل واحدة: مشرف واحد بمجموعة من الأهداف يجب أن يدير مجموعة من الفعاليات لها نفس الأهداف.
إخضاع الاهتمامات الفردية للاهتمامات العامة: إن اهتمام فرد أو مجموعة في العمل يجب أن لا يطغى على اهتمامات المنظمة.
مكافآت الموظفين: قيمة المكافآت المدفوعة يجب أن تكون مرضية لكل من الموظفين وصاحب العمل. ومستوى الدفع يعتمد على قيمة
الموظفين بالنسبة للمنظمة. وتحلل هذه القيمة لعدة عوامل مثل: تكاليف الحياة، توفر الموظفين، والظروف العامة للعمل.
الموازنة بين تقليل وزيادة الاهتمامات الفدرية: هنالك إجراءات من شأنها تقليل الاهتمامات الفردية. بينما تقوم إجراءات أخرى
بزيادتها. في كل الحالات يجب الموازنة بين هذين الأمرين.
قنوات الاتصال: السلسلة الرسمية للمدراء من المستوى الأعلى للأدنى "تسمى الخطوط الرسمية للأوامر". والمدراء هم حلقات الوصل في
هذه السلسلة. فعليهم الاتصال من خلال القنوات الموجودة فيها. وبالإمكان تجاوز هذه القنوات فقط عندما توجد حاجة حقيقة
للمشرفين لتجاوزها وتتم الموافقة بينهم على ذلك.
الأوامر: الهدف من الأوامر هو تفادي الهدر والخسائر.
العدالة: المراعاة والإنصاف يجب أن يمارسوا من قبل جميع الأشخاص في السلطة.
استقرار الموظفين: يقصد بالاستقرار بقاء الموظف في عمله وعدم نقله من عمل لآخر. ينتج عن تقليل نقل الموظفين من وظيفة لأخرى
فعالية أكثر ونفقات أقل.
روح المبادرة: يجب أن يسمح للموظفين بالتعبير بحرية عن مقترحاتهم وآرائهم وأفكارهم على كافة المستويات. فالمدير القادر على إتاحة
هذه الفرصة لموظفيه أفضل بكثر من المدير الغير قادر على ذلك.
إضفاء روح المرح للمجموعة: في الوحدات التي بها شدة: على المدراء تعزيز روح الألفة والترابط بين الموظفين ومنع أي أمر يعيق هذا
التآلف.
الوظيفة الأولى: التخطيط
غالبا ما يعدّ التخطيط الوظيفة الأولى من وظائف الإدارة، فهي القاعدة التي تقوم عليها الوظائف الإدارية الأخرى. والتخطيط عملية
مستمرة تتضمن تحديد طريقة سير الأمور للإجابة عن الأسئلة مثل ماذا يجب أن نفعل، ومن يقوم به، وأين، ومتى، وكيف. بواسطة
التخطيط سيمكنك إلى حد كبير كمدير من تحديد الأنشطة التنظيمية اللازمة لتحقيق الأهداف. مفهوم التخطيط العام يجيب على أربعة
أسئلة هي:
ماذا نريد أن نفعل؟
أين نحن من ذلك الهدف الآن؟
ما هي العوامل التي ستساعدنا أو ستعيقنا عن تحقيق الهدف؟
ما هي البدائل المتاحة لدينا لتحقيق الهدف؟ وما هو البديل الأفضل؟
من خلال التخطيط ستحدد طرق سير الأمور التي سيقوم بها الأفراد، والإدارات، والمنظمة ككل لمدة أيام، وشهور، وحتى سنوات
قادمة. التخطيط يحقق هذه النتائج من خلال:
تحديد الموارد المطلوبة.
تحديد عدد ونوع الموظفين (فنيين، مشرفين، مدراء) المطلوبين.
تطوير قاعدة البيئة التنظيمية حسب الأعمال التي يجب أن تنجز (الهيكل التنظيمي).
تحديد المستويات القياسية في كل مرحلة وبالتالي يمكن قياس مدى تحقيقنا للأهداف مما يمكننا من إجراء التعديلات اللازمة في الوقت
المناسب.
يمكن تصنيف التخطيط حسب الهدف منه أو اتساعه إلى ثلاث فئات مختلفة تسمى:
التخطيط الاستراتيجي: يحدد فيه الأهداف العامة للمنظمة.
التخطيط التكتيكي: يهتم بالدرجة الأولى بتنفيذ الخطط الاستراتيجية على مستوى الإدارة الوسطى.
التخطيط التنفيذي: يركز على تخطيط الاحتياجات لإنجاز المسؤوليات المحددة للمدراء أو الأقسام أو الإدارات.
أنواع التخطيط الثلاثة:
التخطيط الاستراتيجي:
يتهم التخطيط الاستراتيجي بالشؤون العامة للمنظمة ككل. ويبدأ التخطيط الستراتيجي ويوجّه من قبل المستوى الإداري الأعلى ولكن
جميع المستويات الإدارة يجب أن تشارك فيها لكي تعمل. وغاية التخطيط الاستراتيجي هي:
إيجاد خطة عامة طويلة المدى تبين المهام والمسؤوليات للمنظمة ككل.
إيجاد مشاركة متعددة المستويات في العملية التخطيطية.
تطوير المنظمة من حيث تآلف خطط الوحدات الفرعية مع بعضها البعض.
التخطيط التكتيكي:
يركز التخطيط التكتيكي على تنفيذ الأنشطة المحددة في الخطط الاستراتيجية. هذه الخطط تهتم بما يجب أن تقوم به كل وحدة من
المستوى الأدنى، وكيفية القيام به، ومن سيكون مسؤو ً لا عن إنجازه. التخطيط التكتيكي ضروري جدا لتحقيق التخطيط الاستراتيجي.
المدى الزمني لهذه الخطط أقصر من مدى الخطط الاستراتيجية، كما أنها تركز على الأنشطة القريبة التي يجب إنجازها لتحقيق
الاستراتيجيات العامة للمنظمة.
التخطيط التنفيذي:
يستخدم المدير التخطيط التنفيذي لإنجاز مهام ومسؤوليات عمله. ويمكن أن تستخدم مرة واحدة أو عدة مرات. الخطط ذات
الاستخدام الواحد تطبق على الأنشطة التي تتكرر. كمثال على الخطط ذات الاستخدام الواحد خطة الموازنة. أما أمثلة الخطط مستمرة
الاستخدام فهي خطط السياسات والإجراءات.
خطوات إعداد الخطط التنفيذية:
الخطوة الأولى: وضع الأهداف: تحديد الأهداف المستقبلية.
الخطوة الثانية: تحليل وتقييم البيئة: تحليل الوضع الحالي والموارد المتوفرة لتحقيق الأهداف.
الخطوة الثالثة: تحديد البدائل: بناء قائمة من الاحتمالات لسير الأنشطة التي ستقودك تجاه أهدافك.
الخطوة الرابعة: تقييم البدائل: عمل قائمة بناءً على المزايا والعيوب لكل احتمال من احتمالات سير الأنشطة.
الخطوة الخامسة: اختيار الحل الأمثل: اختيار الاحتمال صاحب أعلى مزايا وأقل عيوب فعلية.
الخطوة السادسة: تنفيذ الخطة: تحديد من سيتكفل بالتنفيذ، وما هي الموارد المعطاة له، وكيف ستقيم الخطة، وتعليمات إعداد التقارير.
الخطوة السابعة: مراقبة وتقييم النتائج: التأكد من أن الخطة تسير مثل ما هو متوقع لها وإجراء التعديلات اللازمة لها.
الوظيفة الثانية: التنظيم
التنظيم يبين العلاقات بين الأنشطة والسلطات. "وارين بلنكت" و "ريموند اتنر" في كتابهم "مقدمة الإدارة" عرّفا وظيفة التنظيم على أنها
عملية دمج الموارد البشرية والمادية من خلال هيكل رسمي يبين المهام والسلطات.
هنالك أربعة أنشطة بارزة في التنظيم:
تحديد أنشطة العمل التي يجب أن تنجز لتحقيق الأهداف التنظيمية.
تصنيف أنواع العمل المطلوبة ومجموعات العمل إلى وحدات عمل إدارية.
تفويض العمل إلى أشخاص آخرين مع إعطائهم قدر مناسب من السلطة.
تصميم مستويات اتخاذ القرارات.
المحصلة النهائية من عملية التنظيم في المنظمة: كل الوحدات التي يتألف منها (النظام) تعمل بتآلف لتنفيذ المهام لتحقيق الأهداف بكفاءة
وفاعلية.
ماذا يعمل التنظيم؟
العملية التنظيمية ستجعل تحقيق غاية المنظمة المحددة سابقا في عملية التخطيط أمرا ممكنا. بالإضافة إلى ذلك، فهي تضيف مزايا أخرى.
توضيح بيئة العمل: كل شخص يجب أن يعلم ماذا يفعل. فالمهام والمسؤوليات المكلف بها كل فرد، وإدارة، والتقسيم التنظيمي العام
يجب أن يكون واضحا. ونوعية وحدود السلطات يجب أن تكون محددة.
تنسيق بيئة العمل: الفوضى يجب أن تكون في أدنى مستوياتها كما يجب العمل على إزالة العقبات. والروابط بين وحدات العمل المختلفة
يجب أن تنمى وتطور. كما أن التوجيهات بخصوص التفاعل بين الموظفين يجب أن تعرّف.
الهيكل الرسمي لاتخاذ القرارات: العلاقات الرسمية بين الرئيس والمرؤوس يجب أن تطور من خلال الهيكل التنظيمي. هذا سيتيح انتقال
الأوامر بشكل مرتب عبر مستويات اتخاذ القرارات.
"بلنكت" و "اتنر" يستمران فيقولان أنه بتطبيق العملية التنظيمية ستتمكن الإدارة من تحسين إمكانية إنجاز وظائف العمل.
الخطوات الخمسة في عملية التنظيم:
الخطوة الأولى: احترام الخطط والأهداف:
الخطط تملي على المنظمة الغاية والأنشطة التي يجب أن تسعى لإنجازها. من الممكن إنشاء إدارات جديدة، أو إعطاء مسؤوليات جديدة
لبعض الإدارات القديمة، كما الممكن إلغاء بعض الإدارات. أيضا قد تنشأ علاقات جديدة بين مستويات اتخاذ القرارات. فالتنظيم
سينشئ الهيكل الجديد للعلاقات ويقيّد العلاقات المعمول بها الآن.
الخطوة الثانية: تحديد الأنشطة الضرورية لإنجاز الأهداف:
ما هي الأنشطة الضرورية لتحقيق الأهداف التنظيمية المحددة؟ يجب إعداد قائمة بالمهام الواجب إنجازها ابتداء بالأعمال المستمرة (التي
تتكرر عدة مرات) وانتهاء بالمهام التي تنجز لمرة واحدة.
الخطوة الثالثة: تصنيف الأنشطة:
المدراء مطالبون بإنجاز ثلاث عمليات:
فحص كل نشاط تم تحديده لمعرفة طبيعته (تسويق، إنتاج،… الخ).
وضع الأنشطة في مجموعات بناء على هذه العلاقات.
البدء بتصميم الأجزاء الأساسية من الهيكل التنظيمي.
الخطوة الرابعة: تفويض العمل والسلطات:
إن مفهوم الحصص كقاعدة لهذه الخطوة هو أصل العمل التنظيمي. في بدء الإدارات، الطبيعة، الغاية، المهام، وأداء الإدارة يجب أن يحدد
أولا كأساس للسلطة. هذه الخطوة مهمة في بداية وأثناء العملية التنظيمية.
الخطوة الخامسة: تصميم مستويات العلاقات:
هذه الخطوة تحدد العلاقات الرأسية والعرضية (الأفقية) في المنظمة ككل. الهيكل الأفقي يبين من هو المسؤول عن كل مهمة. أما الهيكل
الرأسي فيقوم بالتالي:
يعرف علاقات العمل بين الإدارات العاملة.
يجعل القرار النهائي تحت السيطرة (فعدد المرؤوسين تحت كل مدير واضح).
الوظيفة الثالثة: التوظيف
الناس المنتمين لشركتك هم المورد الأكثر أهمية من جميع الموارد الأخرى. هذه الموارد البشرية حصلت عليها المنظمة من خلال
التوظيف. المنظمة مطالبة بتحديد وجذب والمحافظة على الموظفين المؤهلين لملئ المواقع الشاغرة فيها من خلال التوظيف. التوظيف يبدأ
بتخطيط الموارد البشرية واختيار الموظفين ويستمر طوال وجودهم بالمنظمة.
يمكن تبيين التوظيف على أنها عملية مكونة من ثمان مهام صممت لتزويد المنظمة بالأشخاص المناسبين في المناصب المناسبة. هذه
الخطوات الثمانية تتضمن: تخطيط الموارد البشرية، توفير الموظفين، الاختيار، التعريف بالمنظمة، التدريب والتطوير، تقييم الأداء،
المكافآت والترقيات (وخفض الدرجات) والنقل، وإنهاء الخدمة.
والآن سنتعرف على كل واحدة من هذه المهام الثماني عن قرب.
مهام التوظيف الثمانية:
أولا: تخطيط الموارد البشرية: الغاية من تخطيط الموارد البشرية هي التأكد من تغطية احتياجات المنظمة من الموظفين. ويتم عمل ذلك
بتحليل خطط المنظمة لتحديد المهارات المطلوب توافرها في الموظفين. ولعملية تخطيط الموارد البشرية ثلاث عناصر هي
التنبؤ باحتياجات المنظمة من الموظفين.
مقارنة احتياجات المنظمة بموظفي المنظمة المرشحين لسد هذه الاحتياجات.
تطوير خطط واضحة تبين عدد الأشخاص الذين سيتم تعيينهم (من خارج المنظمة) ومن هم الأشخاص الذين سيتم تدريبهم (من داخل
المنظمة) لسد هذه الاحتياجات.
ثانيا: توفير الموظفين: في هذه العملية يجب على الإدارة جذب المرشحين لسد الاحتياجات من الوظائف الشاغرة. وستستخدم الإدارة
أداتين في هذه الحالة هما مواصفات الوظيفة ومتطلباتها. وقد تلجأ الإدارة للعديد من الوسائل للبحث عمن يغطي هذه الاحتياجات،
مثل: الجرائد العادية والجرائد المختصة بالإعلانات، ووكالات العمل، أو الاتصال بالمعاهد والكليات التجارية، ومصادر (داخلية و/أو
خارجية) أخرى. وحاليا بدأت الإعلانات عن الوظائف والاحتياجات تدار عن طريق الإنترنت حيث أنشأت العديد من المواقع لهذا
الغرض.
ثالثا: الاختيار: بعد عملية التوفير، يتم تقييم هؤلاء المرشحين الذين تقدموا لشغل المواقع المعلن عنها، ويتم اختيار من تتطابق عليه
الاحتياجات. خطوات عملية الاختيار قد تتضمن ملئ بعض الاستمارات، ومقابلات، واختبارات تحريرية أو مادية، والرجوع
لأشخاص أو مصادر ذات علاقة بالشخص المتقدم للوظيفة.
رابعا: التعريف بالمنظمة: بمجرد اختيار الموظف يجب أن يتم دمجه بالمنظمة. عملية التعريف بالمنظمة تتضمن تعريف مجموعات العمل
بالموظف الجديد وإطلاعه على سياسات وأنظمة المنظمة.
خامسا: التدريب والتطوير: من خلال التدريب والتطوير تحاول المنظمة زيادة قدرة الموظفين على المشاركة في تحسين كفاءة المنظمة.
التدريب: يهتم بزيادة مهارات الموظفين.
التطوير: يهتم بإعداد الموظفين لإعطائهم مسؤوليات جديدة لإنجازها.
سادسا: تقييم الأداء: يتم تصميم هذا النظام للتأكد من أن الأداء الفعلي للعمل يوافق معايير الأداء المحددة.
سابعا: قرارات التوظيف: قرارات التوظيف كالمتعلقة بالمكافآت التشجيعية، النقل، الترقيات، وإنزال الموظف درجة كلها يجب أن
تعتمد على نتائج تقييم الأداء.
ثامنا: إنهاء الخدمة: الاستقالة الاختيارية، والتقاعد، والإيقاف المؤقت، والفصل يجب أن تكون من اهتمامات الإدارة أيضا.
الوظيفة الرابعة: التوجيه
بمجرد الانتهاء من صياغة خطط المنظمة وبناء هيكلها التنظيمي وتوظيف العاملين فيها، تكون الخطوة التالية في العملية الإدارية هي
توجيه الناس باتجاه تحقيق الأهداف التنظيمية. في هذه الوظيفة الإدارية يكون من واجب المدير تحقيق أهداف المنظمة من خلال إرشاد
المرؤوسين وتحفيزهم.
وظيفة التوجيه يشار إليها أحيانا على أنها التحفيز، أو القيادة، أو الإرشاد، أو العلاقات الإنسانية. لهذه الأسباب يعتبر التوجيه الوظيفة
الأكثر أهمية في المستوى الإداري الأدنى لأنه ببساطة مكان تركز معظم العاملين في المنظمة. وبالعودة لتعريفنا للقيادة "إنجاز الأعمال من
خلال الآخرين"، إذا أراد أي شخص أن يكون مشرفا أو مديرا فعالا عليه أن يكون قياديا فعالا، فحسن مقدرته على توجيه الناس
تبرهن مدى فعاليته.
متغيرات التوجيه:
أساس توجيهاتك لمرؤوسيك سيتركز حول نمطك في القيادة (دكتاتوري، ديموقراطي، عدم التقييد) وطريقة في اتخاذ القرارات. هنالك
العديد من المتغيرات التي ستتدخل في قرارك بكيفية توجيه مرؤوسيك مثل: مدى خطورة الحالة، نمطك القيادي، تحفيز المرؤوسين،
وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، بكونك قائد موجه للآخرين عليك:
معرفة جميع الحقائق عن الحالة.
التفكير في الأثر الناجم عن قرارك على المهمة.
الأخذ بعين الاعتبار العنصر البشري عند اتخاذك للقرار.
تأكد من أن القرار الذي تم اتخاذه هو القرار السليم الذي كان عليك اتخاذه.
بصفتك شخص يوجه أنشطة الآخرين فعليك أيضا
تفويض المهام الأولية لجميع العاملين.
جعل الأوامر واضحة ومختصرة.
متابعة كل شخص تم تفويضه، وإعطاء أوامر محددة سواء كانت كتابية أو شفوية.
سنتعرف الآن على المزيد من المعلومات حول العملية التوجيهية.
إرشادات حول عملية التوجيه:
المقترحات التالية مقتبسة من "ما الذي يجب أن يعرفه كل مشرف" للكاتبان ليستار بيتل و جون نيستروم.
لا تجعلها نزاع من أجل السلطة. حاول أن تركز اهتمامك –واهتمام الموظفين- على الأهداف الواجب تحقيقها. الفكرة هي أن تتخيل
أن هذا هو الواضع التي تقتضيه الأوامر، فهو ليس مبنيا على هوى المدير.
تجنب الأساليب الخشنة. إذا أردت أن يأخذ موظفيك التعليمات بجدية فعليك بهذه الطريقة.
انتبه لكلماتك. الكلمات قد تصبح موصل غير موثوق فيه لأفكارك! كما عليك أيضا مراقبة نبرة صوتك. معظم الناس يتقبلون حقيقة
أن عمل المشرف هو إصدار الأوامر والتعليمات. ومعارضتهم لهذه الأوامر مبنية على الطريقة التي أصدرت فيها هذه الأوامر.
لا تفترض أن الموظفين فهموا كل شيء. أعط الموظفين فرصة لطرح الأسئلة ومناقشة الأهداف. دعم يأكدون فهمهم بجعلهم يكررون
ما قلته.
تأكد من حصولك على "التغذية الراجعة" بالطريقة الصحيحة. أعط الموظفين الذين يريدون الاعتراض على المهام الفرصة لعمل ذلك في
الوقت الذي تفوض فيه المهام لهم. إن معرفة والسيطرة على المعارضة وسوء الفهم قبل بدء العمل أفضل من الانتظار لما بعد.
لا تعطي الكثير من الأوامر. المعلومات الزائدة عن الحد تعتبر مثبطة للعاملين. اجعل تعليماتك مختصرة ومباشرة. انتظر حتى ينتهي
العاملون من العمل الأول قبل أن تطلب منهم البدء في عمل ثاني.
أعطهم التفاصيل المهمة فقط. بالنسبة للمساعدين القدماء، لا يوجد ما يضجرهم أكثر من استماعهم لتفاصيل معروفة.
انتبه للتعليمات المتضاربة. تأكد من أنك لا تقول لموظفيك أمرا ما بينما المشرفين في الإدارات المجاورة يقولون لموظفيهم ما يعارض
ذلك.
لا تختار العامل المستعد للعمل فقط. تأكد من أنك لا تحمل الشخص المستعد اكثر من طاقته. وتأكد أيضا من إعطاء الأشخاص
الصعب قيادتهم نصيبهم من العمل الصعب أيضا.
حاول عدم تمييز أي شخص. من غير اللائق معاقبة الشخص بتكليفه بمهمة كريهة. حاول التقليل من هذا الأمر قدر المستطاع.
الأهم من جميع ذلك، لا تلعب "التسديدة الكبرى". المشرفين الجدد يخطئون أحيانا بالتباهي بسلطاتهم. أما المشرفين الأكثر نضجا فغالبا
ما يكونون أكثر قربا من موظفيهم.
الوظيفة الخامسة: الرقابة
التّخطيط، والتنظيم، والتّوظيف، والتوجيه يجب أن يتابعوا للحفاظ على كفاءتهم وفاعليتهم . لذلك فالرقابة آخر الوظائف الخمسة
للإدارة، وهي المعنيّة بالفعل بمتابعة ك ّ ل من هذه الوظائف لتقييم أداء المن ّ ظمة تجاه تحقيق أهدافها.
في الوظيفة الرقابية للإدارة، سوف تنشئ معايير الأداء التي سوف تستخدم لقياس التقدّم نحو الأهداف. مقاييس الأداء هذه صمّمت
لتحديد ما إذا كان الناس والأجزاء المتنوّعة في المن ّ ظمة على المسار الصحيح في طريقهم نحو الأهداف المخطط تحقيقها.
خطوات العملية الرقابية الأربعة:
وظيفة الرقابة مرتبطة بشكل كبير بالتّخطيط . في الحقيقة، الغرض الأساسيّ من الرقابة هو تحديد مدى نجاح وظيفة التخطيط. هذه
العمليّة يمكن أن تحصر في أربعة خطوات أساسيّة تطبّق على أيّ شخص أو بند أو عملية يراد التحكم بها ومراقبتها.
هذه الخطوات الأساسية الأربعة هي:
إعداد معايير الأداء: المعيار أداة قياس، كمّيّة أو نوعيّة، صمّمت لمساعدة مراقب أداء الناس والسّلع أو العمليّات. المعايير تستخدم
لتحديد التقدّم، أو التأخر عن الأهداف. طبيعة المعيار المستخدم يعتمد على الأمر المراد متابعته. أيّا كانت المعايير، يمكن تصنيفهم جميعا
إلى إحدى هاتين المجموعتين: المعايير الإداريّة أو المعايير التّقنيّة. فيما يلي وصف لك ّ ل نوع.
أ - المعايير الإداريّة: تتضمّن عدة أشياء كالتقارير واللوائح وتقييمات الأداء. ينبغي أن تر ّ كز جميعها على المساحات الأساسيّة ونوع
الأداء المطلوب لبلوغ الأهداف المحددة. تعبّر المقاييس الإداريّة عن من، متى، ولماذا العمل.
مثال: يطالب مدير المبيعات بتقرير شهريّ من ك ّ ل الباعة يبين ما تم عمله خلال الشهر.
ب - المعايير التّقنيّة: يحدّد ماهية وكيفية العمل. وهي تطبق على طرق الإنتاج، والعمليّات، والموادّ، والآلات، ومعدّات السلامة،
والموردين. يمكن أن تأتي المعايير التّقنيّة من مصادر داخليّة وخارجيّة.
مثال: معايير السلامة أمليت من خلال لوائح الحكومة أو مواصفات المصنّعين لمعدّاتهم.
متابعة الأداء الفعليّ: هذه الخطوة تعتبر مقياس وقائيّ.
قياس الأداء: في هذه الخطوة، يقيس المديرين الأداء ويحدّدون إن كان يتناسب مع المعايير المحدّدة. إذا كانت نتائج المقارنة أو القياسات
مقبولة -خلال الحدود المفترضة- فلا حاجة لاتخاذ أي إجراء. إما إن كانت النتائج بعيدة عن ما هو متوقع أو غير مقبولة فيجب اتخاذ
الإجراء اللازم.
تصحيح الانحرافات عن المعايير: تحديد الإجراء الصحيح الواجب اتخاذه يعتمد على ثلاثة أشياء: المعيار، دّقة القياسات التي بيّنت وجود
الانحراف، وتحليل أداء الشخص أو الآلة لمعرفة سبب الانحراف. ضع في الاعتبار تلك المعايير قد تكون مرخيّة ج  دا أو صارمة ج  دا.
القياسات قد تكون غير دقيقة بسبب رداءة استخدام آلات القياس أو بسبب وجود عيوب في الآلات نفسها. وأخيرًا، من الممكن أن
تصدر عن الناس أحكاما رديئة عند تحديد الإجراءات التّقويميّة الواجب اتخاذها

moh.2000
26-04-2009, 20:37
و لاتنسونا ثمن هذا البحث وهو الدعاء لنا بكل خير ....
تقبلو تحياتي...

بسمة أمل*
26-04-2009, 22:01
السلام عليكم ورحمة الله
عنوان مذكرتي(دراسة تطور الموازنة العامة في الجزائر خلال الفترة 1994 -2006 )
أرجو أن تساعدوني في أقرب وقت ممكن لأني في أمس الحاجة إليها و لم يبقى لنا سوى القليل لموعد إستلامها
مع العلم أنني أحتاج معلومات عن تطور الإيردات العامة والنفقات العامة خلال هذه الفترة والتي هي فترة الإصلاحات الإقتصادية
أسالكم بالله أن تأخذوا طلبي هذا بعين الإعتبار ولا تخيبوا أملي. بارك الله فيكم إخوتي في الله وجعله في ميزان حسناتكم إنشاء الله

NARIMEN35000
27-04-2009, 15:45
سلام ..عاجل جدا
اريد بحث بالفرنسية حول علاقة التامينات بالاقتصاد

NARIMEN35000
27-04-2009, 15:50
سلام ..عاجل جدا
اريد بحث بالفرنسية حول علاقة التامينات بالاقتصاد
في الجزائر

NARIMEN35000
27-04-2009, 15:53
سلام ..عاجل جدا
اريد بحث بالفرنسية حول علاقة التامينات بالاقتصاد في للجزائر

moh.2000
27-04-2009, 17:27
السلام عليكم
للاسف ماعنديش بحوث بالفرنسية

moh.2000
27-04-2009, 17:52
السلام عليكم
الاخت بسمة امل رني شفت بصح للاسف ماعنديش عذرا على عدم تلبية الطلب....
ربي يعاونك في لاتاز نتاعك وان شاء الله تخلصيها قبل الوقت ...
تقبلي تحياتي......

chigy-b13
28-04-2009, 00:13
السلام عليكم أريد بحث حول خدمات البنوك
تقبلي تحياتي......

moh.2000
28-04-2009, 20:11
السلام عليكم
راني شفتلك بصح للاسف ماكانش......

nard
28-04-2009, 21:11
اريد بحث حول التخلف و سياسة التنمية

salah5022
29-04-2009, 16:28
السلام عليك أخي أريد بحثا حول بنك الجزائر واخر حول القروض العقارية

salah5022
29-04-2009, 16:36
من فظلك أخي أريد بحثا حول القروض العقارية و اخر حول بنك الجزائر و بحث سياسة المنتج في التسويق

ميمي1990
29-04-2009, 16:46
السلام عليك ورحمة الله ار يد بحث حول و الرسوم الجمركية لانه جد عاجل شكرا

حنان1201
30-04-2009, 07:05
أريد بحث حول نظريات كارل ماكس أرجو الإسراع من فضلكم و أين أجده

HICHAMDIDO
30-04-2009, 12:29
السلام عليكم
من فضلكم اريد بحث حول التضخم الدولي

HICHAMDIDO
30-04-2009, 12:36
السلام عليكم
من فضلكم اريد بحث حول التضخم الدولي عااااااااااااااااااااااااااااااجل

med86
30-04-2009, 16:43
اريد بحث حول التكتلات الاقتصادية من فضلكم في اسرع وقت

moh.2000
30-04-2009, 19:55
مفهوم التنمية
بقلم/ د.نصر عارف
كلية العلوم السياسية-جامعة القاهرة
________________________________________
يعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم العالمية في القرن العشرين، حيث أُطلق على عملية تأسيس نظم اقتصادية وسياسية متماسكة فيما يُسمى بـ "عملية التنمية"، ويشير المفهوم لهذا التحول بعد الاستقلال -في الستينيات من هذا القرن- في آسيا وإفريقيا بصورة جلية. وتبرز أهمية مفهوم التنمية في تعدد أبعاده ومستوياته، وتشابكه مع العديد من المفاهيم الأخرى مثل التخطيط والإنتاج والتقدم.
وقد برز مفهوم التنمية Development بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم يُستعمل هذا المفهوم منذ ظهوره في عصر الاقتصادي البريطاني البارز "آدم سميث" في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الثانية إلا على سبيل الاستثناء، فالمصطلحان اللذان استُخدما للدلالة على حدوث التطور المشار إليه في المجتمع كانا التقدم المادي Material Progress، أو التقدم الاقتصادي Economic Progress.
وحتى عندما ثارت مسألة تطوير بعض اقتصاديات أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر كانت الاصطلاحات المستخدمة هي التحديث Modernization، أو التصنيع Industrialization.
وقد برز مفهوم التنمية Development بداية في علم الاقتصاد حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه؛ بالصورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات؛ عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم انتقل مفهوم التنمية إلى حقل السياسة منذ ستينيات القرن العشرين؛ حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية تجاه الديمقراطية. وتعرف التنمية السياسية: "بأنها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية"، ويقصد بمستوى الدولة الصناعية إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الأوربية تحقق النمو الاقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة القومية.
ولاحقًا، تطور مفهوم التنمية ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية.
بالإضافة لذلك استحدث مفهوم التنمية البشرية الذي يهتم بدعم قدرات الفرد وقياس مستوى معيشته وتحسين أوضاعه في المجتمع.
ويلاحظ أن مجموعة المفاهيم الفرعية المنبثقة عن مفهوم التنمية ترتكز على عدة مسلمات:
أ - غلبة الطابع المادي على الحياة الإنسانية، حيث تقاس مستويات التنمية المختلفة بالمؤشرات المادية البحتة.
ب - نفي وجود مصدر للمعرفة مستقل عن المصدر البشري المبني على الواقع المشاهد والمحسوس؛ أي بعبارة أخرى إسقاط فكرة الخالق من دائرة الاعتبارات العلمية.
ج - إن تطور المجتمعات البشرية يسير في خط متصاعد يتكون من مراحل متتابعة، كل مرحلة أعلى من السابقة، وذلك انطلاقًا من اعتبار المجتمع الأوروبي نموذجًا للمجتمعات الأخرى ويجب عليها محاولة اللحاق به.
الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية:
يتضح الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية، حيث يشتق لفظ "التنمية" من "نمـّى" بمعنى الزيادة والانتشار. أما لفظ "النمو" من "نما" ينمو نماء فإنه يعني الزيادة ومنه ينمو نموًا. وإذا كان لفظ النموّ أقرب إلى الاشتقاق العربي الصحيح، فإن إطلاق هذا اللفظ على المفهوم الأوروبي يشوه اللفظ العربي. فالنماء يعني أن الشيء يزيد حالاً بعد حال من نفسه، لا بالإضافة إليه.
وطبقًا لهذه الدلالات لمفهوم التنمية فإنه لا يعدّ مطابقًا للمفهوم الإنجليزي Development الذي يعني التغيير الجذري للنظام القائم واستبداله بنظام آخر أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف وذلك وفق رؤية المخطط الاقتصادي (الخارجي غالباً) وليس وفق رؤية جماهير الشعب وثقافتها ومصالحها الوطنية بالضرورة.
ويلاحظ أن شبكة المفاهيم المحيطة بالمفهوم الإنجليزي تختلف عن نظيرتها المحيطة بالمفهوم العربي.
فعلى سبيل المثال تُعالج ظاهرة النمو (في المفهوم العربي الإسلامي) كظاهرة جزئية من عملية الاستخلاف التي تمثل إطار حركة المجتمع وتحدده، وكذلك نجد مفهوم "الزكاة" الذي يعني لغة واصطلاحًا الزيادة والنماء الممزوجة بالبركة والطهارة، وسمى الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه مادياً بمعايير الاقتصاد، في حين ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي من الله تعالي. وهو ما يقارن بالعكس بالربا الذي قال عنه الله (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [البقرة:276].
ويتضح من ذلك أن مفهوم النمو في الفكر الإسلامي يُعبر عن الزيادة المرتبطة بالطهارة والبركة وأجر الآخرة وإن لم يتجاهل مع هذا "الحياة الطيبة" في الدنيا، بينما يركز مفهوم Development على البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمرًا للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر/ الغريب.
وفي الواقع فإن "التنمية" تعد من المفاهيم القليلة التي تجمع بين البعد النظري والجانب التطبيقي، وتستدعي الرؤية الفلسفية والغيبية للمجتمعات ومقاصد تطورها
اقرأ أيضًا: العلمانية

التجـــديد




الفقر
مع التنمية الكل أصبح فقيراً...!!
سلمان خان
باحث اقتصادي- مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية-إنجلترا
________________________________________
الفقر مفهوم مراوغ، فربما كان هناك فقراء بقدر ما توجد دلالات متعددة للكلمة وبقدر عدد البشر وتوقعاتهم، فلغات العالم تتنافس مع بعضها البعض في عدد الكلمات التي تشير إلى ظروف الفرد المرتبطة بالمدركات المختلفة للفقر.. فمثلاً: في الفارسية ثمة ما يزيد على 30 كلمة تصف أولئك الذين يُعتبرون لسبب أو لآخر فقراء.. وفي معظم لغات إفريقيا ثمة -على الأقل- من 3 إلى 5 كلمات لتعريف الفقر وهكذا.
من الفقير؟!
واقعيًا، ليس ثمة تعريف موحد للفقر في كل الثقافات؛ بل قد لا تعتبر كل الثقافات الفقر عيبًا، فالفقر لم يكن ولفترة طويلة من الزمان وفي العديد من حضارات العالم نقيض الغنى، وكان ثمة دائمًا مجال "الفقر الاختياري" أي أولئك البشر الذين رفضوا الزخرف والمظهر وانطلقوا يسبحون في ملكوت الله، وكان احترام أولئك الفقراء باختيارهم (المتصوفة على سبيل المثال) من تقاليد الشرق المستقرة.
وحديثًا -مع اتساع الاقتصاد التجاري وعملية التمدين- اكتسب الفقر دلالته الاقتصادية، وأصبح الفقير هو من ينقصه المال والممتلكات التي يحوزها الغني، ويتحول الفقر إلى معنى مطلق وليس نسبيًا، فيصير الفقر عيبًا وبعدئذ يصير مرضًا يذل من يصاب به ويجب علاجه.
إن الفقير في المجتمعات البشرية قبل سيطرة الاقتصاد هو ذلك العضو الذي يكسب قوت يومه بصعوبة أو الذي اختار الكفاف، بيد أنه يظل عضوًا في الجماعة، لكنه لاحقًا أصبح ذلك الغريب المتشرد الذي يتم عزله وتهميشه في الواقع المعاش.
وطبقًا لأدبيات التنمية فإن الفقر صفة لمجتمع ما الفرد فيه لا يحقق مستوى معين من الرفاهية- والذي عادة ما يُشار إليه بخط الفقر أو حد الكفاف، ويجب لتعريف الفقر الإجابة على ثلاثة تساؤلات؛ تحديد ماهية الحد الأدنى من الرفاهية، وكيفية التيقن من صحة فقر الفرد، وتجميع مؤشرات الرفاهية وقياس الفقر على أساسها.
وتقترب فكرة الرفاهية Well-being من مفهوم مستوي المعيشة Standard of Living (SOL)، الذي يعد أحد المفاهيم الشائعة في أدبيات التنمية، ومحور أعمال البنك الدولي في تقاريره السنوية عن التنمية خلال فترة التسعينيات.
ويستهدف مفهوم مستوى المعيشة قياس كفاءة الحياة؛ معتمدًا على معايير الاستهلاك الفردي من السلع والخدمات المشتراة من دخل الفرد أو توفيره، ويفترض مفهوم الفقر وجود حد أدنى من الاستهلاك والدخل يقاس عليه مستوى معيشة الفرد، ويشار إليه بخط الفقر، حيث يصنف أي فرد يقع دخله أو استهلاكه أقل من هذا الحد باعتباره فقيرًا.
ويمكن تصنيف مناهج قياس الفقر إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: اتجاه الرفاهية ويستخدم أصحاب هذا الاتجاه معايير مالية في قياس الرفاهية مثل: دخل الفرد وإنفاقه الاستهلاكي، وهو الاتجاه السائد في أدبيات الفقر.
الاتجاه الثاني: اتجاه الـ "لا رفاهية" non-welfarist ويعني هذا الاتجاه بدراسة المؤشرات الاجتماعية للرفاهية، مثل: التغذية والصحة والتعليم، ويركز على قضايا مثل: سوء التغذية، أو غياب الرعاية الصحية، أو الأمية، باعتبارها نتائج مباشرة لانتشار الفقر.
ومن جانب آخر، انقسمت الاجتهادات حول تعريف الفقير إلى مدرستين:
-المدرسة المطلقة: وهي تضع حدًا أدنى لمستوى الدخل الضروري الذي يجب على كل فرد إحرازه لتحقيق مستوى معيشي معقول-حد الفقر، ويصنف مَن دونه باعتباره فقيرًا، وتحديد هذا المستوى هو حكم تقديري للباحث أو صانع السياسة.
-المدرسة النسبية: وهي تتعامل مع الفقر النسبي-أي ارتباط خط الفقر بمعدل توزيع الدخل بين السكان-وعادة يتم ذلك بتعريف الأفراد الذين يشكلون أفقر 20-25% من سكان مجتمع ما باعتبارهم الفقراء، وبعض الدراسات في الدول النامية ترفع هذه النسبة حتى 50% من السكان.
وعلى صعيد آخر، فإنه رغم بقاء الدخل الفردي المؤشر الأكثر انتشارًا لقياس الفقر، فقد تزايدت أهمية مؤشرات الرفاهية الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم، وقد تزايد هذا الاتجاه في دول العالم النامي منذ منتصف السبعينيات حيث لوحظ ارتفاع الدخل الفردي في بعض الدول، دون حدوث تقدم في بعض مجالات الرفاهية الاجتماعية مثل: التغذية والصحة، وهذا يعني بشكل عام إمكانية حدوث مفارقة بين حدوث زيادة في دخل الفرد وتحقيق إنجاز في مجالات الرفاهية الاجتماعية.. على سبيل المثال، لا يتفق معدل نمو الدخل الفردي المتزايد في باكستان مع مؤشرات الرفاهة الاجتماعية المتدنية بها، بينما يأتي النموذج السريلانكي في الاتجاه المضاد، حيث يتاح لمواطنيها رفاهة اجتماعية لا تتناسب مع معدلات الدخل الفردي المتواضعة بها.
الفقر...واقع أم أسطورة:
يحدد بعض الباحثين ثلاثة أبعاد لمفهوم الفقر:
-البعد الأول: هو الماديات فهي تلك الأشياء التي نعتبر نقصها فقرًا، وهذا النقص أو الحرمان أو الفقدان له طابعان إما وجودي غير مادي أو وجودي مادي.
تنتمي للفقر الوجودي غير المادي عناصر مثل: الإخفاق في العمل أو انعدام الثقة في النفس أو نقص الحب، بينما يشمل الفقر المادي: التفرقة، وعدم المساواة والتحيز والجهل وتعذر الحصول على الحد الأدنى من الضروريات المطلوبة للحياة-كما تحددها ثقافة المرء- والجوع وسوء التغذية والتشرد وضعف الصحة... إلخ.
-البعد الثاني: هو إدراك المرء لحالته، فالمرء يعد فقيرًا فقط عندما يحس بوجود النقص في إحدى تلك الماديات أو كلها، إن تلك الماديات لا تكتسب قيمها كبعد معرفي في المفهوم إلا مع إدراك الطابع النسبي والذاتي لمفهوم الفقر، عادة يدفع هذا البعد الذاتي الفقير إلى تخطي فقره، وتغيير موازين القوى التي أدت إليه، وقد ينزع إلى عقد روابط تبعية مع جماعات أو أفراد أو عقائد أقوى تعطيه إحساسًا زائفًا بالأمان، وأحيانًا يصل إلى وهم القوة.
-البعد الثالث: كيف يرى الآخرون الفقير، حيث قد يختلف إدراك الفقير لحاله مع رؤية الآخرين، ويترتب على هذا الإدراك رد فعل الآخر تجاه الفقير، وثمة نوعان من أنواع رد الفعل تجاه الفقير؛ التدخل المباشر أو غير المباشر من خلال الصدقة أو المساعدة أو التربية أو القهر، أو عدم التدخل-سواء كان عدم التدخل مبررًا لأن الفقراء يستحقون فقرهم أو لأن التدخل لن يفيد بل وربما أضر.
وتتأثر تلك الأبعاد الثلاثة بالمكان والزمان والبيئة الاجتماعية / الثقافية المتواجدة فيها.
الفقر ووهم عالمية التنمية:
لأول مرة في التاريخ، صار الفقر ظاهرة مطلقة، حيث اعتبرت بلاد وأمم بأسرها فقيرة على أساس أن دخلها الإجمالي أقل بالمقارنة مع الدخل السائد في تلك الدول التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، وهكذا أصبح الدخل القومي هو المعيار العالمي الجديد والرأسمالية الاقتصادية هي الحل المعلن للعلاج النهائي للفقر، وتوصلت جيوش من خبراء الفقر العالمي إلى العلاج بالتنمية من خلال زيادة الإنتاج والتطبيق المتزايد للعلم والمعرفة التقنية، فهي مفتاح الرخاء والسعادة.
وهكذا أُعيد تفسير وتقييم البعد المادي للفقر، حيث أدى تحطيم المجتمعات التقليدية، في سبيل ما يدعى بالاقتصاد القومي ثم الاقتصاد العالمي، إلى فصل الاقتصاد عن جذوره الاجتماعية والحضارية، وبالتالي خضع المجتمع لآليات وقواعد الاقتصاد وليس العكس. وقد خلق الاقتصاد العالمي منظومة من المرجعيات الكونية جعلت الفرد يدرك أنه فقير وفي حاجة إلى المساعدة لأن متوسط دخله أقل من المستوى العالمي المعياري، ولأنه لا يعيش في رفاهية مثل بشر آخرين.
وأدى هذا التغيير في نظرة المرء لذاته إلى تغير في ردود الفعل تجاه الفقر، حيث أصبح البرنامج الجديد حلاً كونيًا أحادي الاتجاه يعتمد على الدخل ولا علاقة له إطلاقًا بالثقافة ولا بالشخص، ولم يعد الفرد يلجأ إلى جذوره الثقافية وعلاقته الأسرية القديمة التي كانت تقدم الحلول البديلة الكلية للفقر، وبدلاً من ذلك سعى الأفراد إلى تجميع أنفسهم في مؤسسات متماثلة مثل النقابات والروابط، مما أدى إلى تنميط الأفراد في المجتمع وإلغاء أي تفكير بديل يسعى إلى البحث عن طريق جديد للحياة والتنظيم الاجتماعي يعتمد على البساطة، أو أشكال تطوعية وأخلاقية من الفقر الذي لا يمكن أحيانًا تجاوزه لظروف هيكلية ودولية قبل أن تكون محلية.
وقد افترض الخبراء أن الفقراء غير قادرين على تحديد مصلحتهم، والتي يحددها لهم من يمتلكون المعرفة والسلطة-الحكومات والمؤسسات والخبراء-عاملين على الارتقاء بهم، ومشاركة الجماهير تنحصر في تأييد البرامج التي وضعها "الخبراء"، ويقدم الخبراء الحل البسيط للفقر: التنمية الاقتصادية ورفع مستوى الدخل، زاعمين إمكانية حل كل المشكلات الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالفقر من خلال الاقتصاد وحده.
وقد عملت هذه الافتراضات والتوصيات على تقوية التدخل السلطوي حيث صار الفقر العالمي معضلة أكبر من أن تترك لتحل حلاً محليًا، وبذا سمحت بتدخل القوى الدولية-الحكومية و الأهلية-باسم نشر السعادة والقضاء على الفقر.
وما حدث بصورة عالمية مجردة هو أنه تمت رؤية الحاجات المطلوبة والإصلاحات الضرورية والمؤسسات المقترحة بشكل نمطي ثابت، بغض النظر عن الاختلافات الاجتماعية والثقافية، وتم فرض تلك الرؤية عن طريق شروط برامج المساعدات الأجنبية.
وقد اختلفت النتائج الفعلية لهذه السياسات والبرامج وآثارها على حياة الفقراء اختلافًا بينًا عما توقعه الخبراء والمتخصصون، حيث إن الحاجات التي تبغيها برامج التنمية هي حاجات نمط معين من الحياة، يلعب فيه الاقتصاد دورًا مركزيًا، حيث ثمة مفهوم خاص للفقر، وثمة فئة معينة من المستهلكين ودافعي الضرائب يجب حماية حقوقهم وامتيازاتهم، فشلت تلك السياسات على كل المستويات، ومن الواضح أن كل أنساق المساعدة ستخلق في النهاية مزيدًا من الفقر.
ويحذر بعض الباحثين من المفاهيم التي تبدو إيجابية من الخارج مثل: الاقتصاد العالمي أو العالم الواحد بينما هي تدعو في الواقع إلى إلغاء التعددية، وقبول أن الحل الوحيد الممكن هو اتخاذ الطريق الذي سار فيه الشمال الغني القوي السعيد.
إن النظرة الاقتصادية للحياة قد تؤدي لفترة معينة إلى زيادة ضخمة في إنتاج الأغراض والبضائع أي تنمية الأشياء، لكنه واقعيًا -بسبب الندرة الدائمة- يعاني الغني والفقير-على حد سواء-من عدم إمكانية الحصول على كل ما يريد؛ فقد اتضح لكثير من البشر أن الحاجات ليست مجرد وهم فقط بل مصطلح يخلق الشره والجشع، ومن المستحيل أن يفي الاقتصاد بكل الحاجات يومًا ما.
قد ينتج الاقتصاد الكثير من البضائع والخدمات للوفاء بمنظومة معينة من الحاجات، بيد أنه على نطاق آخر يدمر مجالات بأكملها من مجالات النشاط الإنساني، والحرف التقليدية، والقطاعات الأهلية، ويحطم منظومة قيمية كاملة من الجماعية والتراحم، من ثم فإن تأثيره الإجمالي سلبي، بل ومدمر أحيانًا خاصة عندما لا يفي بوعوده، وفي الوقت ذاته يهدم أبنية التراحم والتكافل، فلا يجدها الفرد إذا أراد التراجع والعودة له، وربما يكون النموذج البارز لذلك هو ما حدث مع مؤسسات الوقف الإسلامية في العالم الإسلامي من مصادرة وتأميم.
ولا شك أن الرؤية الإسلامية التي تحترم الحاجات الأساسية المادية للإنسان وتفرض عليه السعي للرزق وعمارة الأرض، لكنها في الوقت ذاته تربطه برؤية غيبية للرزق والقدر، لديها الكثير في هذا الباب لتقدمه خاصة مع تطوير وتفعيل فريضة الزكاة كأداة تنموية تتجاوز جمع وتوزيع الصدقات، وهذا مجال يحتاج تناولاً مستقلاً

السيادة.. جدلية الدولة والعولمة
08/05/2005 ليلى حـلاوة**



على الرغم من تعدد التعريفات التي يوردها الباحثون لمفهوم السيادة الوطنية، فإن بينها جميعا قاسما مشتركا يتمثل في النظر إلى السيادة باعتبارها السلطة العليا للدولة في إدارة شئونها، سواء كان ذلك داخل إقليمها أو في إطار علاقاتها الدولية، وبالتالي فإن السيادة تشير إلى معنيين أحدهما إيجابي ويشير إلى قدرة الدولة -كوحدة سياسية مستقلة- على التصرف بحرية كاملة ودون أي قيود تفرض عليها، فضلا عن تلك القيود التي ترتضيها هذه الدولة بالتقدير المنفرد أو بالاتفاق الدولي، والآخر سلبي يقوم على عدم إمكانية خضوع الدولة لأي سلطة غير سلطتها. وبذلك يكون لمبدأ السيادة وجه داخلي ينصرف إلى علاقة الدولة بمواطنيها داخل إقليمها بحدوده السياسية المعلومة، ووجه خارجي ينصرف نطاق تطبيقه على علاقة الدولة بغيرها من الدول والتي تقوم على وجوب احترام الاستقلال الوطني والسلامة الإقليمية لكل دولة وعدم جواز التدخل في شئونها الداخلية.
 دور الثورة الفرنسية
 مبدأ السيادة.. وتطور الدولة
 العصور الوسطى
 الدولة الإسلامية.. ومفهوم السيادة
 العصر الحديث.. مفهوم جديد
 خريطة المفهوم
 مفاهيم مشابهة
 السيادة وفلسفة الدولة
 خصائص السيادة
 مصدر السيادة ومنطلقها
 انقلاب في عصر العولمة والتدخل
 تدويل السيادة
 السيادة الوطنية.. رؤية مستقبلية
وقد اكتسبت فكرة السيادة منذ نموها ثم صعودها في ظل نموذج الدولة القومية مكانة مركزية في السياسة الحديثة -فكرا وممارسة- بما جعلها تصبح شعارا للكرامة الوطنية باعتبارها أفضل تجسيد لمعاني الحرية والاستقلال والسلطة العليا على الإقليم وسكانه.. فبينما كان الملوك في أوربا يرددون "الدولة هي أنا"، ويرون أن حق إصدار القوانين التي يخضع لها رعاياهم هو حق منفرد بدون قيد أو شريك، كانت موجة من الأفكار الثورية تغزو أوربا وتحاول أن تقتلع هذا المفهوم من أساسه.
وفي عام 1690 نشر "جون لوك " في إنجلترا كتابه "رسالتان في الحكم" ليؤكد فيه أن حرية الإنسان الطبيعية هي ألا يكون خاضعا لأي قوة عليا على الأرض، وألا يقع تحت إرادته أي إنسان أو سلطة تشريعية، وألا يكون لديه سوى قانون الطبيعة قاعدة يعمل بها، وأن المجتمع السياسي لا يمكن أن يقوم ويستمر إلا إذا كان لديه في ذاته سلطة المحافظة على الملكية، ولهذا الغرض تكون لديه سلطة عقاب على الجرائم التي يرتكبها أي فرد في المجتمع، فهنا وهنا فقط يوجد المجتمع السياسي حيث تنازل كل فرد فيه عن سلطته الطبيعية وسلمها للمجتمع (وليس لنظام الحكم كما ذهب هوبز).
دور الثورة الفرنسية
وفي فرنسا انطلقت أفكار "جان جاك روسو" في كتابه الأكثر شهرة "العقد الاجتماعي" (نشر عام 1762م) ثم جاءت الثورة الفرنسية فسعت لإنشاء تلك الدولة التي كانت تحلم بها أوربا.
ونعرف من التاريخ أن مبادئ الثورة الفرنسية قد حكمت حياة أوربا والغرب وشعوبا كثيرة في العالم رغم أزمات تلك الثورة وتعثرها، ورغم تغير الدساتير ونظم الحكم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا فإن مفهوم الدولة في العالم توحد على ضرورة أن تتوافر لها وفيها العناصر الأساسية التي أكدتها تلك الثورة وكرست بها بزوغ الدولة القومية مع صلح "وستفاليا". وتشمل هذه العناصر التي اتفق عليها فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية "الشعب" و"الأرض" و"سلطة شاملة للشعب والأرض" أي الكيان المعنوي للدولة، ثم يضاف لذلك فكرة نظام الدولة أو العقد الاجتماعي الذي يقوم على الحرية والإخاء والمساواة والحكم الديمقراطي.
ولم يعد هذا المفهوم للسيادة الذي حققته الثورة الفرنسية والذي ركز على أن تكون السيادة فيها للشعب في مجموعه وأن تتولى الممارسة الفعلية لتلك السيادة حكومة ملتزمة بحدود ترسمها قواعد عامة ومجردة، هو المتاح الآن بعد أن تم تدويل السيادة أي بعد أن تم توسيع أبعادها الخارجية وأصبح للعلاقات الدولية ظل واضح على مفهوم السيادة مع نمو عدد الفاعلين الدوليين وتكريس فكرة التنظيم والقانون الدولي.. فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي وهي الاعتراف المتبادل بين دول لها سيادة اتسعت بصورة أدت إلى وضع شروط لممارسة الدولة حقوق السيادة، أهمها ألا تؤدي ممارسة تلك الحقوق إلى إحداث اضطراب في النظام العالمي. ومع تنامي التفاعلات على المستوى العالمي صار للبعد الخارجي للسيادة دورا مهما تفاعل مع البعد الداخلي بقوة وبشكل مركب، بل ومعقد جدا.
وما زال مفهوم السيادة في الداخل والخارج يتعرض للتغيير والتطوير، ولم تتوقف نظريات العلاقات الدولية والقانون الدولي عن الاجتهاد في معنى ودلالات هذا المفهوم. ولعل ذلك يرجع إلى أن موضوع السيادة داخل الدولة في ظل المد الديمقراطي يثير عدة اعتبارات أيديولوجية ودستورية من شأنها أن تمس سلطات الدولة المطلقة على مواطنيها. كما أن تطور المجتمعات البشرية وازدياد علاقات الدول وما يترتب على ذلك من التزامات قانونية قد ساهم بدوره في تغيير وتطوير هذا المفهوم وتقييد خيارات الدولة في سياساتها العامة واليومية؛ لذا كان من الأهمية بمكان أن نبحث في نشأة مبدأ السيادة ونتتبع تطور مضمونه التاريخي السياسي حتى يومنا هذا، ثم نستشرف مستقبل المفهوم.
مبدأ السيادة.. وتطور الدولة
يشيع في أمهات كتب علم السياسة الحديث وكتب القانون الدستوري أن فكرة السيادة ظهرت منذ بروز الدولة الحديثة وذلك في التاريخ الحديث. وإذا كان البعض يرجع الفضل للعلامة جان بودان في تفصيل وتحديد مدلول استعمال هذا المفهوم وإعطائه هذه الشهرة، إلا أن فكرة السيادة بمستوياتها المتعددة ظهرت منذ ظهور المجتمعات البشرية وكياناتها السياسية الأولى. ويدلنا البحث في التطور التاريخي لمبدأ السيادة أنه وثيق الصلة بنشأة وتطور شكل ونظام الدولة؛ لذا فلا عجب أن يجد هذا الموضوع التفاتا من رجال الفقه الدستوري والدولي لارتباطه بدراسة النظم الاجتماعية والسياسية وعلم التاريخ السياسي والاجتماعي.
ويمكن بسرعة استعراض السيادة في مراحل تاريخية مختلفة؛ فالإغريق كانوا سباقين إلى إقامة مجتمع سياسي ضمن إطار تنظيمي ثابت، ولقد مهدت الفلسفة اليونانية إلى إقامة نوع من الديمقراطية التي تعد رائدة في التاريخ القديم. وشهدت مدن أثينا وإسبرطة وغيرهما من المدن اليونانية القديمة مظاهر لهذه الديمقراطية. كما قامت اليونان بتنظيم علاقاتها مع الدول المجاورة على أساس من الالتزام، وأنشأت قانونا لحسم الخلافات عن طريق التحكيم، ولهذه الأفكار -رغم ما عليها من مآخذ وما كان لها من حدود وسقف- يدين الفكر المعاصر، حيث أضحت الديمقراطية وتحديد صلاحيات الحاكم شعاراً ومنهاجاً حتى يومنا هذا.
وعلى الرغم من ريادة اليونان في هذا المضمار فإنه يلاحظ أن القانون كان وقفا على قادة من زعماء الكهنة أو الأشراف، وأدى ذلك إلى انفراد هذه القلة بالعلم بالقانون وتفسيره دائما لمصلحة طبقتهم؛ وهو ما دفع عامة الشعب إلى المطالبة بتدوين العرف حتى يقفوا على حقوقهم والتزاماتهم. ويرى هذا الجانب من الفقه أنه في ظل هذا التدوين لم يترتب على ذلك خضوع الحاكم للقانون بل ظلت سلطاته مطلقة. وقد أدرك فلاسفة اليونان السيادة بمفاهيم مختلفة، حيث ذكرها أرسطو في كتابه "السياسة" على أنها سلطة عليا في داخل الدولة رابطا إياها بالجماعة، أما أفلاطون فاعتبر السلطة لصيقة بشخص الحاكم، ورأى البعض الآخر أن السيادة للقانون وليست للحاكم. ونظرا لأن اليونان قد تكونت من عدد من الدول المستقلة، فإن مفهوم السيادة –آنذاك- كان يعني حق تقرير المصير بالمفهوم الحالي.
وعرَّف الرومان السيادة تحت مفهوم الحرية والاستقلال والسلطة، وعنوا بتحديد مركز إمبراطوريتهم والتزاماتهم، إلا أن سلطة الدولة ظلت مطلقة بحكم الظروف الحياتية للعلاقات التي أنشأتها، فالدولة كانت مالكة لجميع الأراضي بينما لم يكن للأفراد إلا امتيازات مؤقتة على تلك الأراضي وهي امتيازات كانت قابلة للإلغاء في كل وقت، وللإمبراطور حرية مطلقة في التصرف فيها.
وبالتالي لا يختلف الرومان عن اليونان في نظرتهم إلى الدولة باعتبارها كيانا مقدسا لا يجوز محاسبتها ومن ثم كانت السلطات لا حدود لها. ولا يمكن القول بأن اليونانيين والرومانيين عرفوا الدولة القانونية بمفهومها الحديث على الرغم من وجود كثير من مظاهر هذه الدولة، فقد اقتصرت الديمقراطية في بلاد الإغريق على المواطنين الأحرار، وحقهم في ممارسة الحكم دون أن تعترف بحقوق أو حريات فردية في مواجهة الجماعة. وقد كان بإمكان الحكام أن يسلبوا الأفراد أموالهم أو حرياتهم، دون أن يكون بإمكان هؤلاء الأفراد أن يحتجوا بحقوق مكتسبة، أو حريات مقدسة، حيث لم يكن للأفراد حرية شخصية أو حرية تملك، أو حرية العقيدة أو حرية المسكن، ولم يكن للعبيد والنساء أي حقوق، إلا أنه يرجع لليونانيين الفضل في نشأة بعض الأفكار والمبادئ القانونية الراسخة في عالم اليوم مثل الديمقراطية والحرية والمساواة وغير ذلك وإن لم تصل إلى المفهوم العصري لها ومدلوله الشامل.
العصور الوسطى
أما السيادة في فترة العصور الوسطى فإن أهم ما تتصف به هو سيطرة المفاهيم المسيحية باعتبارها نظاما مميزا عن الدولة والصراع القائم بين السلطة الدينية والزمنية وتفشي نظام الإقطاع. وقد ولدت فكرة السيادة الحديثة من رحم هذه الظروف وشهدت تحولا في مفهومها، فقد كان تقديس الحكام معروفا في العصور القديمة وامتد إلى بداية العصور الوسطى، حيث استمد الحكام مكانتهم من ترويجهم لفكرة أنهم ظل الله على الأرض وأنهم يستمدون سلطتهم من الله مباشرة وليس من الشعب، وكان لذلك أثر مباشر في جعل سلطان الحاكم مطلقا وبلا حدود أو ضوابط. وبدأ تغير مفهوم السلطة بعد أن شهد هذا العصر مواجهة كبيرة بين السلطة الزمنية ممثلة في الإمبراطورية وسلطة الكنيسة ممثلة في البابا، وعلى الرغم من ظهور القاعدة الكنسية الشهيرة (ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، إلا أن هذا المفهوم لم يمنع التصادم بين هاتين القوتين المتصارعتين نظرا لعدم وضوح الاختصاصات والحدود بينهما في ذلك الوقت، وهكذا فإن هذا العصر شهد بذور فكرة فصل السلطتين ثم لاحقا الفصل بين السلطات السيادية.. التنفيذية والتشريعية والقضائية.
وشهدت فكرة السيادة تحولا على يد القديس (توما الأكويني) الذي قاد الحركة الفقهية المسيحية أثناء التحولات التاريخية لفكرة السيادة في العصور الوسطى، وكانت لأفكاره أثر بالغ في تطور مفهوم السيادة من الوجهتين القانونية والفلسفية، حيث اصطبغت السلطة بصبغة مسيحية وحررتها من رواسب فكر العصر القديم، وذلك بإهدار فكرة السلطان المطلق والتزام الحاكم بالقواعد العليا للقانون الإلهي، وهي وإن بدت الآن فكرة مطلقة وغير ديمقراطية فإنها في حينه كانت تحديا للسلطة المطلقة للملوك وكانت فكرة انتقالية نحو تأسيس السيادة على الإرادة الشعبية.
الدولة الإسلامية.. ومفهوم السيادة
وبالمقابل وفي الوقت الذي كانت فيه أوربا ترزح تحت ظلم العصور الوسطى المشبعة بالسلطان الكلي للدولة والسلطة المطلقة للحاكم دون حدود أو قيود، ولدت في الجزيرة العربية أول دولة متعددة الأديان والعرقيات والثقافات تكفل المواطنة المتساوية للنساء والعبيد والمسلمين من غير العرب والعرب من غير المسلمين بعدل وفق دستور المدينة، وذلك بعد هجرة الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم– من مكة إلى المدينة عام 622م. وظلت هذه الدولة قوية فتية في عهد الخلفاء الراشدين والتابعين من بعدهم، حيث اكتملت منها جميع عناصر "الدولة القانونية" بالمفهوم العصري والتي تعتمد على وجود دستور وتدرج في القواعد.
وبدأت السيادة في ظل الدولة الإسلامية بصبغة دينية باسم الخلافة، ثم اتجهت اتجاها زمنيا في عهد بني أمية، وعادت لتصطبغ بصبغة الحق الإلهي في العهد العباسي ومفهوم السيادة في النظرية الإسلامية حيث قامت الدولة على أسس ثابتة في القرآن الكريم والسنة. وقد اعترفت دولة الإسلام مبكرا بوجود إرادة عامة غير إرادة الأفراد، لكن بعض حكام المسلمين خاصة في عهد بني أمية انحرفوا عن هذا المفهوم حيث تم تحويل الخلافة إلى ملك وراثي عضوض.
العصر الحديث.. مفهوم جديد
فإذا ما انتقلنا للسيادة في العصر الحديث أو ما يطلق عليه البعض عصر النهضة في القرن الخامس عشر نجد الدولة الحديثة قد قامت على أنقاض النظام الإقطاعي، حيث أدى ضعف السلطة البابوية إلى إبراز فكرة السيادة وإعطائها مفهوما جديدا.
فمع بداية القرن السادس عشر وصلت فكرة الدولة كفكرة قانونية إلى مستوى مقبول من النضج بعد أن ساهمت في ذلك عوامل سياسية واجتماعية مختلفة واستطاعت أن تتحرر من رواسب العهد الإقطاعي وأصبحت السيادة ميزة أساسية للدولة وجزءا من شخصيتها. وأخذت فكرة السيادة المطلقة في الزوال لتحل محلها السيادة المقيدة التي استعرضها الفقيه "جان بودان" 1576م منذ أن كانت فكرة قليلة الشيوع والاستعمال إلى أن أخذت نصيبها من الشهرة والتقدير. وعلى الرغم مما أصاب هذه الفكرة من تطور على يد "بودان" فإنها لم تسلم من النقد، فقد دافع عن سيادة الدولة ومجد سلطانها حتى تسمو على الأفراد وتعلو على القانون، وبالتالي فلم يصل بالسيادة إلى الحد الديمقراطي المطلوب حيث استمرت مظهرا من مظاهر السلطة المطلقة.
وبفضل "جروشيوس" الذي اعتبر بحق أبا القانون الدولي الغربي وصاحب مدرسة القانون الطبيعي، تطورت فكرة السيادة باتجاه مفهوم جديد يأخذ في اعتباره تطور المجتمع الدولي، حيث استطاع أن يخلص السيادة من التصاقها بالحاكم وأن يحررها من رواسب الإطلاقية وأخضعها لمبادئ جديدة هي مبادئ القانون الطبيعي إضافة إلى القانون الإلهي.
وفي القرن الثامن عشر نادي المفكر "جان جاك روسو" في كتابه الشهير "العقد الاجتماعي" بالإرادة العامة للشعب، وبالتالي شهدت السيادة قيدا جديدا يجد أصالته في منبع جديد أشد التصاقا بالشخصية الإنسانية وبالحرية. وانتقلت السيادة من مصادرها الإلهية إلى مصادر اجتماعية أساسها الإرادة العامة للشعب والأمة، وهذه الإرادة هي التي تراقب الحاكم تمهيدا لإعلان مسئوليته في حالة خرقه للعقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين.
مما سبق نستطيع أن نحدد مضمون السيادة آخذين في الاعتبار الظروف التاريخية التي نشأت فيها هذه الفكرة والغرض الذي نشأت لتحقيقه.
خريطة المفهوم
يعرف "جان بودان" السيادة في مؤلفه المعنون "ستة كتب عن الجمهورية" الذي نشره 1576م بأنها سلطة عليا على المواطنين والرعايا، وفي تحليله لهذه السلطة العليا يرى بودان أنها أولا: سلطة دائمة.. بمعنى أنها تدوم مدى الحياة وبذلك تتميز عن أي منحة للسلطة تكون مقصورة على فترة زمنية محدودة.. وتأسيسا على ذلك لا يمكن أن توصف السلطة المطلقة المؤقتة بالسيادة. ولهذا السبب يفرق بودان بين "السيد Souverain " والحاكم الذي تكون سلطته مؤقتة ولذلك فلا يمكن وصفه بأنه صاحب سيادة وإنما هو مجرد أمين عليها فقط. ثانيا: إن هذه السلطة لا يمكن تفويضها أو التصرف فيها، كما لا تخضع للتقادم. ثالثا: وهي سلطة مطلقة لا تخضع للقانون لأن صاحب هذه السلطة هو الذي يضع القانون ولا يمكن أن يقيد نفسه، كما لا يمكن أن يكون مسئولا مسئولية قانونية أمام أحد.
والخاصية الأساسية لهذه السيادة أو السلطة المطلقة في نظر بودان تكمن في وضع القوانين "سلطة التشريع". وبذلك نجد أن بودان وضع ثلاثة حدود للسيادة، وهي:
أولا القانون الطبيعي: فصاحب السيادة يتقيد بالقانون الطبيعي وبقواعده ويجب عليه أن يتقيد بالمعاهدات والاتفاقيات التي يعقدها، ولكن من الذي يلزم صاحب السيادة باحترام القانون الطبيعي. هنا نجد بودان في موقف محرج يجعل نظريته في موقف متناقض ومع ذلك لا يعترف بأي جهة تفرض احترام القانون الطبيعي علي صاحب السيادة، وإلا كانت هذه الجهة حسب النظرية صاحبة السيادة الحقيقية.
ثانيا القوانين الدستورية الأساسية: ويخص بودان بالذكر قوانين وراثة العرش التي كان يرى أن الملك لا يستطيع أن يغيرها لأنه كان يؤمن بالدستور، وبأن التغيير في قوانين وراثة العرش يؤدي لإحداث القلاقل والاضطرابات؛ وهو ما يترتب عليه حدوث انقسامات في الدولة.
ثالثا الملكية الخاصة: كان جان بودان يؤمن بأن الملكية الخاصة قاعدة أساسية من قواعد القانون الطبيعي ولكنه أفرد لها بحثا خاصا، وكان يقول بأن السيد (صاحب السيادة) لا يستطيع أن ينتزع الملكية الخاصة من أي فرد في الدولة كما اعتقد بوجود حدود تتعلق بسلطة فرض الضريبة.
وبذلك يظهر التناقض في نظرية بودان بوضوح فهو في الوقت الذي يؤكد أن السلطة العليا لا حد لها في الدولة نراه يذكر أن هناك عدة عوامل محددة لها. هذه العوامل في الواقع تصيب النظرية بالصدع لأنها توجد بجانب السلطة العليا سلطات أعلى منها، كما أنه لا يستطيع أن يجد من يقوم بفرض وتنفيذ هذه الاستثناءات. ونجده لهذا السبب يضطر إلى الإيمان بحق الثورة في حالة التعدي علي أي من القيود الثلاثة التي حددها.
وإذا كان بودان قد عالج السيادة من زاوية الشئون الداخلية وعلاقة الدولة بالمواطنين، فقد عالجها هوجو جروشيوس من زاوية الشئون الخارجية وعلاقة الدولة بغيرها من الدول. فسر جروشيوس السيادة بأنها السلطة السياسية العليا التي تتركز في الشخص الذي لا تتمكن أي إرادة إنسانية من نقض أعماله. وبالرغم من هذا التعريف فقد نقضه جروشيوس نفسه عندما أباح الحد من هذه السلطة وتقسيمها في بعض الدول الأوربية. ويرجع هذا التناقض إلى رغبته في إنهاء الحروب التي كان يشعلها الأمراء ضد بعضهم البعض، فقد حاول أن يحد من سلطات الهيئات التي لها حق إعلان الحرب وعارض مبدأ السيادة الشعبية؛ لأنه رأى أنها تتعارض مع المحافظة على الأمن والنظام، واعتبرها المسئولة عن الاضطرابات والخلافات التي سادت في العصر الذي عاش فيه. ومن ناحية أخرى رأى جروشيوس أن للشعب حق اختيار نوع الحكم الذي يعيش في ظله، ومتى تم هذا الاختيار فيجب على الشعب أن يخضع لهذا النظام ويطبع الأوامر التي تصدر عنه. وأنكر جروشيوس على الشعب حقه في معارضة ومقاومة حاكميه، وتتميز أفكار جروشيوس في الدفاع عن الملكية المطلقة والسيادة على أراضي الدولة والمساواة بين الدول.
واتبع "هوبز" طريق "بودان" في إطلاقه للسلطة صاحبة السيادة، إلا أنه كان منطقيا أكثر فلم يأت بمضمون السيادة من الخارج وإنما حاول استخلاصه من هدف الدولة ذاته. فقد كانت حالة الفطرة في نظره تقوم على الفوضى وسيطرة الأقوياء، ولهذا السبب وبدافع خوف الإنسان من غيره، وبغريزة حب البقاء، اضطر الإنسان إلى الاتفاق مع غيره من أبناء جنسه على أن يعيشوا معا تحت إمرة واحد منهم وكان ضروريا أن يحتاج هؤلاء الأفراد أساسا آخر بالإضافة إلى العقد لكي يجعل اتفاقهم دائما مستمرا هذا الأساس هو سلطة مشتركة تلزمهم وتوجه أعمالهم للصالح المشترك بينهم، والوسيلة الوحيدة لإقامة هذه السلطة هي أن ينزل هؤلاء الأفراد إلى واحد منهم عن كل سلطاتهم وحقوقهم الطبيعية، فإذا ما تم ذلك فإن الشخص الذي اتحد فيه المجموع يكون صاحب السيادة ويكون بقية الأفراد رعايا له.
وما دام الأفراد قد نزلوا عن كل حقوقهم دون أن يلزموا الحاكم بشيء فإن سلطانه عليهم يكون مطلقا لا حدود له، ومهما أتى من تصرفات أو أفعال فلن يحق للأفراد أن يثوروا عليه أو أن يخالفوا أمره، وإلا عُدوا خارجين عن العقد ناكثين للعهد. ويهاجم "هوبز" الرأي القائل بأن الأفراد لم ينزلوا بالعقد الذي أقاموا به السلطة إلا عن جزء من حقوقهم واحتفظوا لأنفسهم بالجزء الباقي فالتنازل الجزئي في رأيه غير ممكن وإلا أبقينا على الحياة البدائية التي تسودها الفوضى والحروب بين الأفراد.
ونتيجة لذلك فإن السلطة عند "هوبز" تكون دائما مطلقة ويذهب "هوبز" في فكرة السلطان المطلق إلى حد القول بأن الدولة مالكة لجميع الأموال بحجة أن الأفراد قد نزلوا للحاكم الذي اختاروه عن جميع حقوقهم، وبالتالي لا تكون لهم على الأموال حقوق وإنما مجرد امتيازات يقررها الحاكم ويسحبها كما يشاء. وأخيرا فإن "هوبز" يرى أن الحاكم غير مقيد بأي قانون لأنه هو الذي يضعه ويعد له ويلغيه حسب هواه، وهو الذي يحدد معنى العدالة. وهكذا يبدو رأي كل من "بودان" و"هوبز" واضحا، فما دام الشعب قد تخلى كلية عن سلطته لكي ينقلها إلى الملك فإن هذا الملك لم يعد جزءا ضمن الشعب وإنما انفصل عنه وأصبح مستقلا عنه بل وساميا عليه وأصبح هو صاحب السيادة الذي يحكم من فوق المجتمع السياسي كله، فعندما يقول بودان "إن الأمير صاحب السيادة هو صورة الله في الأرض" فإن هذا التعبير يجب أن يفهم بكل ما يعنيه، فهو يعني أن صاحب السيادة يسود الشعب كما يسود الله الكون.
لكن مضمون السيادة تغير مع كتابات "جان جاك روسو" الذي يقول: إن العقد الاجتماعي يعطي المجتمع السياسي سلطة مطلقة على كل أعضائه، وهذه السلطة المطلقة التي تتولاها إرادة عامة تحمل اسم السيادة "والسيادة التي ليست سوى ممارسة الإرادة العامة لا يمكن أبدا التصرف فيها، وصاحب السيادة الذي هو كائن جماعي لا يمكن لأحد أن يمثله أو ينوب عنه سوى نفسه"، ويضيف روسو إلى ذلك أن "السلطة العليا لا يمكن تقييدها؛ ذلك أن تقييد السلطة العليا معناه تحطيمها"، وأن "السلطة صاحبة السيادة ليست في حاجة إلى ضمانات بالنسبة لرعاياها".
ويفسر "روسو" فكرة العقد الاجتماعي بقوله: إن الالتزام الاجتماعي والخضوع للسلطة لا يمكن أن يكون أساسها القوة، ذلك أن تأسيس السلطة على القوة وحدها يعني إنكار فكرة الحق كلية وينتهي "روسو" إلى أن كل جماعة سياسية لا يمكن تصور وجودها إلا باتفاق الأفراد فيما بينهم على الحياة في جماعة، وهذا الاتفاق أو العقد الاجتماعي لن يكون سليما ومشروعا في نظر روسو إلا إذا صدر من إجماع الإرادات الحرة. فالسيادة إذن ليست شيئا آخر سوى الإرادة العامة للمجتمع الذي أنشأه العقد الاجتماعي، والقانون هو التعبير عن هذه الإرادة العامة ليست هي الإرادة الإجماعية لكل المواطنين ولكنها إرادة الأغلبية، وهذا الخضوع لرأي الأغلبية هو أيضا أحد الشروط الضرورية للعقد الاجتماعي؛ لأن اشتراط الإجماع لكي يصبح القانون ملزما للجميع سوف يكون معناه الحكم على المجتمع بالعجز. ومن المعروف أن روسو كان يؤمن بالديمقراطية المباشرة لذلك السبب، أي لكي يمارس الشعب سيادته بشكل مباشر.
مفاهيم مشابهة
اختلط مفهوم السيادة بغيره من المفاهيم المشابهة مثل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، ويرجع هذا الخلط إلى أن السيادة تحتوي على هذه المفاهيم، ولكن كلا منها لا يعبر عن السيادة بل يعد مظهرا من مظاهرها، وفي كثير من كتب القانون تتداول كلمتا السيادة والسلطة كما لو كانتا ذواتي مدلول واحد غير أنه من المهم أن نفرق بين السيادة والسلطة.
يعتبر مفهوم السيادة أشمل من السلطة؛ فالسلطة" هي ممارسة السيادة (يطلق البعض على السيادة صفة السلطة العليا) أو أن حق السيادة هو مصدر حق السلطة، وكلمة "سيادة" اصطلاح قانوني يترجم كلمة فرنسية مشتقة من أصل لاتيني تعبر عن صفة لمن له السلطة لا يستمدها من غير ذاته ولا يشاركه فيها غيره، ولم تدخل هذه الكلمة لغة القانون إلا في القرن السادس عشر.
أما السلطة فهي "القدرة على فرض إرادة أخرى"، وتمثل الدولة السلطة القهرية التي تعلو على سلطة أي جماعة أخرى في المجتمع، والفرض يتم بإحدى وسيلتين، فهو إما أن يتم بوسائل القهر والعسف، وإما أن يتم بوسائل الإقناع الحر وضرب المثل وتقديم النموذج، وتزداد قوة السلطة دائما ويزداد استقرارها كلما زاد قبولها اختياريا عن طواعية. وقد تعددت أنواع السلطات فهناك السلطة التشريعية والسلطة الشخصية والسلطة التفويضية والسلطة السياسية والسلطة العامة والسلطة التنفيذية، ولا تزال السلطة السياسية هي أهم أنواع السلطة الحديثة.
وهناك أمران آخران يجب التفرقة بينهما وهما من يملك السلطة العامة ومن يباشرها. وفي ظل نظام الحق الإلهي كان الملك هو الذي يملك السلطة وهو الذي يباشرها في نفس الوقت، بينما في ظل نظام سيادة الأمة الذي يملك السلطة العامة أي السيادة هي الأمة، ولكنها لا تستطيع بصفة عامة أن تباشرها بنفسها، ولذلك وجدت هيئات أخرى في ظل النظام النيابي تقوم نيابة عنها بمباشرتها وهذه الهيئات هي البرلمان لوضع القواعد العامة والسلطة التنفيذية لإدارة شئون البلاد والمحاكم للفصل في المنازعات، ولكن هذه الهيئات لا تعتبر في ظل نظام سيادة الأمة مالكة للسلطات التي تباشرها، كما الحال بالنسبة للملك وهو يباشر السلطة في ظل الحق الإلهي، وإنما هذه الهيئات تباشر هذه السلطات أي نتائج فكرة السيادة العامة المملوكة للأمة، في حدود ما نصت عليه الدساتير والقوانين. ولذلك فإن خضوع هذه الهيئات في مباشرتها للسلطة والاختصاصات الممنوحة لها للرقابة القضائية أمر لا يتنافى مع فكرة السيادة العامة بل يستلزمه مبدأ سيادة الأمة ما دامت هذه الهيئات التي تباشر السلطة نيابة عنها، فضلا عن التأكد من أنها لم تخرج عما منحه إياها صاحب السيادة من اختصاصات بالنص الصريح، ولكن هذه الحقيقة قد غابت عن البعض فظن أن هذه الهيئات تعتبر صاحبة سيادة بل وصفوها بأنها سيد Souverain ولذلك رأوا عدم خضوع أعمالها للرقابة القضائية بحجة السيادة العامة.
وقد ميز جانب من الفقه بين ممارسة السيادة وتملكها قانونا، واعتبر أن السيادة الفعلية لمن يمارسها حتى ولو لم يملكها كما هو الحال في وضع المحتل، أما السيادة القانونية فستظل لصاحب الإقليم، وقد حاول الفقه الدولي ورواد المفكرين وضع مواصفات لبيان ماهية السيادة نتيجة لهذا الخلط.
السيادة وفلسفة الدولة
فكرة السيادة ليست خالية تماما من أوجه الغموض والاضطراب، ويرجع هذا الغموض والاضطراب في الأغلب والأعم إلى عدم التفرقة بين السيادة والدولة ذاتها، الغموض الواقع بين ما هو قائم فعلا وبين ما يريد الناس أن يتحقق للدولة وبها. فهناك مثلا مدرسة ألمانية متطرفة في نظرتها إلى السيادة وضرورة أن توجد في صورتها الكاملة المثالية، وتهدف هذه المدرسة إلى تبرير السلطة المطلقة للدولة، كما كانت سياسة بروسيا التقليدية. ويعتبر هيجل الفيلسوف الألماني الكبير من رواد هذه المدرسة، وقد استمرت أصداء هذه المدرسة فيما بعد ووجدت لها أنصارا أقوياء في عهد النازية والفاشية.
وهناك صعوبات واضطراب في التفرقة بين النظرية القانونية في السيادة والتطبيق والواقع السياسي. فالنظرية القانونية للسيادة تضع السلطة القانونية النهائية في يد شخص محدد أو مجموعة من الأشخاص. وفي هذه الحالة فإن سلطة من يملك السيادة لا يعلي عليها وهو يمتلك السلطة والقوة لفرض الطاعة لإرادته ورغبته. ولكن المشكلة هنا هي أين يمكن أن توجد هذه السلطة النهائية؟.
وبالطبع فإنه لا توجد إجابة واحدة كافية للرد على هذا التساؤل؛ فهي تختلف في الواقع من بلد لآخر، بل إنها لا تظل ثابتة في البلد الواحد.
كما أنه يجب التفرقة بين السلطة الحقيقية ومصدر هذه السلطة؛ فهناك فرق واضح بين القول بأن الشعب هو مصدر كل السلطات، والقول بأن الشعب يحكم نفسه بنفسه فعلا.
ومما لا شك فيه أن هناك علاقة وثيقة بين السيادة السياسية والسيادة القانونية، وإلى جانب السيادة القانونية والسيادة السياسية فقد توجد بعض التغيرات والمفاهيم الأخرى للسيادة مثل السيادة الشعبية Sovereigaty popular والسيادة القانونية de jure والسيادة الواقعيةde facto.
وقد ظهرت فكرة ومبدأ السيادة الشعبية في القرن السادس عشر والسابع عشر بصفة خاصة، كتعبير عن استياء الشعب ورفضه للسلطات المطلقة والظالمة للملوك واعتمادهم على نظرية الحقوق ويعطي مبدأ السيادة الشعبية، للشعب السيادة النهائية ويعتبر روسو رائد الداعين لها وقد أصبحت فيما بعد شعارا للثورة الفرنسية.
أما تعبير السيادة القانونية de jure فهي في أساسها تنبني علي القانون وهي ترتبط بحق الحكم والاستحواذ على الطاعة في المجتمع، ويستحوذ الشخص (أو مجموعة الأشخاص) الذين يمارسون السلطة من الناحية الفعلية ولو مؤقتا، على طاعة جزء كبير من الشعب يكون هو صاحب السيادة الفعلية de facto والذي قد لا يكون هو نفسه صاحب السيادة القانونية de jure، وقد يعتمد صاحب السيادة الفعلية على السلطة والسلطان المادي أو المعنوي في فرض نفوذه وحكمه.
خصائص السيادة
الاتجاه العام لكثير من الكتاب هو أن السيادة لها خمس خصائص هي أنها:
1- مطلقة: بمعنى أنه ليس هناك سلطة أو هيئة أعلى منها في الدولة فهي بذلك أعلى صفات الدولة ويكون للدولة بذلك السلطة على جميع المواطنين، ومع ذلك فإنه مما لا شك فيه توجد عوامل تؤثر على ممارسة السيادة يمكن اعتبارها، حدودا قانونية، فحتى الحاكم المطلق لا بد أن يتأثر بالظروف التي تحيط به سواء كانت هذه الظروف اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية كما يتأثر أيضا بطبيعته الإنسانية، كما يجب أن يراعى تقبل المواطنين للقوانين وإمكان إطاعتهم لها.
2- شاملة: أي أنها تطبق على جميع المواطنين في الدولة ومن يقيم في إقليمها باستثناء ما يرد في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية مثل الدبلوماسيين وموظفي المنظمات الدولية ودور السفارات. وفي نفس الوقت فإنه ليس هناك من ينافسها في الداخل في ممارسة السيادة وفرض الطاعة على المواطنين.
3- لا يمكن التنازل عنها: بمعنى أن الدولة لا تستطيع أن تتنازل عنها وإلا فقدت ذاتها، يقول روسو: "لما لم تكن السيادة سوى ممارسة الإرادة العامة فإنها مما لا يمكن التنازل عنه، إن صاحب السيادة الذي ليس سوى كائن جماعي لا يمكن أن يمثله غيره؛ فالسلطة مما يمكن نقله ولكن الإرادة لا يمكن نقلها والواقع أنه إذا لم يكن من المتعذرات أن تلتقي إرادة خاصة في نقطة مع الإرادة العامة فإنه من المستحيل على الأقل أن يكون هذه الالتقاء ثابتا ومستمرا" الفصل الأول – الكتاب الثاني).
4- دائمة: بمعنى أنها تدوم بدوام قيام الدولة والعكس صحيح، والتغير في الحكومة لا يعني فقدان أو زوال السيادة؛ فالحكومات تتغير ولكن الدولة تبقى وكذلك السيادة.
5- لا تتجزأ: بمعنى أنه لا يوجد في الدولة الواحدة سوى سيادة واحدة لا يمكن تجزئتها. ويقول "روسو" إن السيادة لا تتجزأ؛ لأن الإرادة إما أن تكون عامة وإما ألا تكون كذلك، فهي إما إرادة الشعب في مجموعه وإما إرادة جزء منه فقط، وفي الحالة الأولى تكون الإرادة العامة المعلنة عملا من أعمال السيادة ولها أن تسن القوانين، وفي الحالة الثانية ليست سوى إرادة خاصة أو عمل من أعمال الإدارة ولا تكون إلا مرسوما على أكثر تقدير".
مصدر السيادة ومنطلقها
ولكي نكمل تصور مفهوم السيادة بشكلها التقليدي يجب أن نتحدث عن الأساس الذي قامت عليه السيادة؛ فالسيادة إرادة لها خاصية خاصة بها وهي أنها إرادة عليا مستقلة ولا يمكن تقييدها، إلا أنها إرادة إنسانية، فكيف يمكن تفسير أن هذه الإرادة الإنسانية تسمو على سائر الإرادات الإنسانية الأخرى، وهذا السؤال أجابت عليه النظريات المختلفة، وهي:
1- النظريات الثيوقراطية:
هي النظريات التي ترجع مصدر السيادة إلى الله، في القرن الخامس أبدعت الكنيسة تبريرا لحقها في السيطرة النظرية المعروفة باسم "نظرية الحق الإلهي" (ومذهب آباء الكنيسة) مؤادها أن الحكم لله وحده لله وأنه يختار لأدائه في الأرض من يشاء فيصبح حاكما بأمر الله. في المقابل أبدع أنصار الملوك في مواجهة الكنيسة نظرية أخرى في السيادة هي نظرية "العناية الإلهية" والتي تذهب إلى أن إرادة الله توجه شئون الناس وعقولهم وإرادتهم على وجه مباشر إلى أن تصبح السلطة في يد واحد منهم، فهو لا يكسبها بجهد ولا يستحقها لأمر خاص به ولا يتلقاها من أحد من الناس، ولا من الله أيضا، ولكن عناية الله هي التي وضعته في موضعه.
وهما نظريتان لم تكونا مقصورتين على تبرير الاستبداد بالسلطة في أوربا وحدهما، ولا هما مقصورتان على تبريره في القرون الأوربية الوسطى فقط، وإنما انتحل الخليفة المنصور العباسي (714هـ- 775) "مذهب آباء الكنيسة" حينما خطب في مكة المكرمة فقال: "أيها الناس أنا سلطان الله في أرضه" وانتحلها أباطرة الصين قديما، فكان الإمبراطور هو ابن السماء. كما انتحل معاوية بن أبي سفيان الأموي (602-680) نظرية العناية الإلهية لتبرير استبداده بالسلطة دون الخليفة المنتخب، حيث قال: "لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر (الولاية) ما تركني وإياه. ولو كره الله ما نحن عليه لغيره".
وفي العصر الحديث استخدم غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا "نظرية الحق الإلهي" حينما قال في عام 1910م إن الله هو الذي ولاه الملك، وفي عام 1926م حين قال إن تولية الملك حق إلهي، وسار هتلر ديكتاتور ألمانيا على النهج نفسه قبيل أن يبدأ الحرب الأوربية الثانية حين وجه الشكر إلى العناية الإلهية التي اختارته زعيما لألمانيا (28 إبريل 1939م)، وكذلك ديكتاتور أسبانيا فرانكو، حين أمر في عام 1947 بصك عملة تحمل عبارة "فرانكو القائد بعناية الله". وهناك اليوم من ينتحل سلطة الرب تحت عنوان معسكر الخير ومعسكر الشر والحرب الصليبية الجديدة.
وفي مواجهة هاتين النظريتين استمدت الثورة الفرنسية نظرية حركة التنوير في السيادة فأسندتها إلى الشعب، وصاغتها في المادة من دستور 1791 "السيادة واحدة، غير قابلة للتجزئة أو الانتقال أو الاكتساب بالتقادم وهي تخص الأمة وليس لأي جزء من الشعب أو أي فرد أن يدعي ممارستها".
2- النظــريات الديمقراطـية:
تقوم على أساس أن السيادة مصدرها الشعب وأهم النظريات الديمقراطية هي نظرية العقد الاجتماعي التي تقول بوجود حياة فطرية تسبق قيام الجماعة وأن الانتقال من حياة الفطرة إلى حياة الجماعة قد تم بناء على عقد اجتماعي بين الأفراد بقصد إقامة السلطة الجماعة.
3- النظرية الإسلامية:
وهي التي تجمع بين المصدر الشرعي للحق السيادي من ناحية، أي ضرورة وجود السلطة وانتظام الناس في نسق يقوم على الاختيار والبيعة وتحكيم دستور وقانون مصدرهما الكلي مبادئ الشريعة الإسلامية من ناحية، والرقابة الشعبية الصارمة وحق الناس في خلع الحاكم وتولية غيره إذا ثبت خروجه عن الشرعية.. فالنظام الإسلامي كما أسماه أبو الأعلى المودودي نظام "ثيو- ديمقراطي"، وهو ما فصل فيه بامتياز الفقيه الدستوري المعاصر البارز عبد الحميد متولي، وكتب فيه العلامة عبد الرزاق السنهوري، وأيضا فصله الأستاذ توفيق الشاوي في كتابه فقه الشورى والاستشارة، فمن أراد التفصيل فليرجع لهؤلاء.
انقلاب في عصر العولمة والتدخل
من خلال ما سبق نستنتج أنه خلال أكثر من ثلاثة قرون تطور النظام الدولي من أجل هدف محدد هو ضمان سيادة الدولة، والذي قام على أساس أن تكتسب الدولة أهليتها من خلال السيادة بجانبيها الداخلي والخارجي. وجاءت أحداث التسعينيات لتغير النظام الدولي، بعد اتساع مدى التدخل وأسبابه خلال هذا العقد الذي شهد في النصف الأول منه أحداث ومواقف وأزمات حادة في العراق والصومال وتاهيتي ويوجوسلافيا السابقة ورواندا وليبيريا، وأما الأحداث الأخرى التي حدثت في النصف الأول فقد ارتبطت بعدد من القرارات ضد أفغانستان 1996- 1999م والسودان 1996م، ثم كوسوفو وتيمور الشرقية في1999 والبوسنة والهرسك. وتعتبر قرارات الأمم المتحدة في تلك الفترة نقطة تحول أسياسية بالنسبة لمفهوم السيادة وكيفية إدارة الأمن والسلام الدوليين. وعكس الاستخدام الجديد لصلاحيات مجلس الأمن الموجودة في الباب السابع للميثاق بدء مرحلة جديدة من الجهود لحماية البدل والمجتمع الدولي.
وبإعادة تعريف مفهوم التهديد للسلام والأمن الدوليين، وباعتبار أن الدول هي التي تكون المجتمع الدولي، أعاد مجلس الأمن صياغة المبدأ الحاكم الذي يحمي الدول والنظام الدولي الذي يعتمدون عليه، فالمبدأ القديم والمؤسس على مفهوم السيادة كان حماية الدولة ضد التدخل في شئونها الداخلية والحفاظ على النظام والاستقرار باتخاذ إجراءات لوقف العدوان الخارجي المسلح ضد الدول.
الآن تغير الحال، وتغيرت الاحتياجات وأصبح التحدي الذي يواجه السلام والأمن هو حماية النظام الدولي الذي تعتمد عليه الدول من الفوضى وعدم الاستقرار نتيجة ما قد يحدث من أحداث وقلاقل داخل بعض الدول الأخرى، الأولوية الآن هي منع الاضطرابات الداخلية في الدول من أن تنتقل عدواها إلى الجسد الدولي فتؤثر على غالبية الدول التي تعتمد عليها.
وقد تحول المجتمع الدولي عما كان يعرف في الماضي "بمجتمع الدول" Community of nations ليصير مجتمعا دوليا بالمعنى الدقيق international Community، وهو ما ترتب عليه أن إرادة هذا المجتمع لم تعد تتمثل فقط في المجموع الحسابي (الإيرادات الوحدات السياسية المكونة له) وإنما أصبحت له فوق ذلك وفي حدود معينة إرادة ذاتية مستقلة. وقد سوغ هذا التصور لبعض الباحثين القول بأن إرادة المجتمع الدولي -بهذا المعني المشار إليه ومعبرا عنه بصور شتي- أصبحت مصدرا من مصادر الالتزام في نطاق العلاقات الدولية المعاصرة. كما سوغ هذا التطور أيضا لفريق ثان من الباحثين الحديث في أن "البشرية" برمتها قد أصبحت شخصا قانونيا دوليا أو على الأقل بسبيلها لأن تكون كذلك. كما أضحى لهذا المجتمع الدولي من جهة ثالثة نظامه العام الخاص به، والذي يرتكن إلى مجموعة من القواعد القانونية الآمرة التي يحتج بها في مواجهة الكافة ولا يجوز قانونا وكمبدأ عام الاتفاق على مخالفتها.
وقد سارت التطورات العديدة التي شهدها النظام الدولي في عقوده الأخيرة في اتجاه تقليص دور السيادة الوطنية وإيلاء أهمية خاصة للعمل الجماعي في نطاق العلاقات الدولية المتبادلة. وبرغم أن حق الدولة في العمل بقوانينها وحقها في أن تكون في مأمن من التدخل الخارجي لم يسلب تماما، فإن القداسة التي أحاطت بها كمظاهر أساسية لسيادة الدولة لم تعد كما كانت من قبل، وأصبح لممارسة الحقوق شروط من منظور المساءلة الدولية ليس كحقيقة واقعة ولكن من ناحية المبدأ على الأقل، لقد تم تدويل السيادة.
تدويل السيادة
واشتملت عملية تدويل السيادة على توسيع لأبعادها الخارجية فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي وهي الاعتراف المتبادل بين دول لها سيادة اتسعت بصورة معينة أدت إلى وضع شروط لممارسة الدولة حقوق السيادة، أهمها ألا يتسبب من جراء تلك الحقوق إحداث اضطراب في النظام العالمي. وفي كثير من الحالات التي حدث فيها ذلك، مارس مجلس الأمن السلطات المخولة له متجاوزا الحقوق التقليدية للسيادة. وأكد الإجراء العسكري الذي اتخذه حلف الناتو تجاه كوسوفو، الواقع الجديد بأنه قد أصبح ممكنا أن تقوم دولة ما بهذا العمل عندما لا تقوم الأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ الإجراءات الكافية.
ويعتبر وضع كوسوفو وتيمور الشرقية تحت السلطة الكاملة لإدارة دولية انتقالية بتكليف من الأمم المتحدة من أكبر العلامات وضوحا على وجود صورة للسيادة الدولية؛ لذلك فإن شرط الاعتراف بسلطة الدولة العليا لم يعد يرجع فقط إلى الشعب، ولكن إلى حقيقة أن الدولة ليست عنصرا للفوضى والاضطراب في المجتمع الدولي.
ويعني مفهوم تدويل السيادة وجود نظام لمساءلة الدول في حالة تعسفها الشديد في ممارسة حقوق السيادة. وقد تأكد هذا الشرط الجديد لسيادة الدولة عندما صرح السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي أنان أنه لم يعد هناك حصانة للسيادة.
ومن جهة أخرى نجد أن كوفي أنان في المشروع الذي طرحه على الجمعية العامة في دورتها (54) يعتبر أن السيادة لم تعد خاصة بالدولة القومية التي تعتبر أساس العلاقات الدولية المعاصرة ولكن تتعلق بالأفراد أنفسهم، وهي تعني الحريات الأساسية لكل فرد والمحفوظة من قبل ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي فهو يدعو إلى حماية الوجود الإنساني للأفراد وليس حماية الذين ينتهكونها. وبهذا الطريق يكون أنان قد أزال العقبات أمام المنظمات الدولية لكي تباشر أعمالها في مشروع التدخل لوقف انتهاكات حقوق الإنسان دون تفويض من الأمم المتحدة.
ومفهوم السيادة بهذا الشكل لا يمكن أن يستقر ويستقيم، فليس هناك ما يبرر لأي دولة، حتى لو كانت الدولة العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية (المتحدث الرسمي باسم حقوق الإنسان) أن تدعي الحق في تغيير أي نظام سياسي في أي دولة أخرى، بل ليس للأمم المتحدة نفسها مثل هذا الحق، ذلك أن القبول بهذا العمل لا يعني الحلول نفسها في تقرير مصيره والتحكم بمصالحه الخاصة، ولكنه يهدد أكثر من ذلك القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها النظام العالمي حتى الآن وهي سيادة الدولة وحريتها. ولا يغير من هذا كون النظام المستهدف نظاما استبداديا قائما على القوة المحضة وناكرا لجميع الحقوق المعرفية والسياسية لمواطنيه.
لكن رفض التسليم لأي دولة ولأي تكتل أو تحالف دولي مهما كان نوعه ومسوغات تشكيله بالتدخل باسم المجموعة الدولية أو باسم مصالحه الخاصة لتغيير نظام سياسي استبدادي وظالم في بلد ما لا يعني في الوقت نفسه وينبغي ألا يعني القبول باستمرار مثل هذا النظام ولا يقلل من المسئولية الدولية في عدم القضاء عليه، فمثل هذا السلوك لا يمكن أن يعني شيئا آخر سوى النذالة والجبن وانعدام المسئولية الجماعية على مستوى المجموعة الدولية بأكلمها.
وبالتالي فلا يوجد شيء يمكن أن يبرر اليوم استمرار نظم تجرد شعوبها من حقوقها وتسومها سوء العذاب بذريعة السيادة القومية تماما، كما أنه لا شيء يمكن أن يبرر ترك شعب يخضع للاحتلال ويجرد من حقوقه وموارده ومستقبله معا كما هو الحال في فلسطين وفي العديد من المناطق الأخرى، وأخيرا ما حدث بالعراق (في القرن الحادي والعشرين) بذريعة الأمن أو الحرب ضد الإرهاب، ففي الحالتين تقع المجموعة الدولية في ذنب الضلوع مع الظلم والتقاعس عن مد يد العون لبشر يتعرضون لأخطار محدقة.. إذن فلا يمكن لمبدأ السيادة أن يستقر إلا إذا رافقه مفهوم التضامن الإنساني الذي يحدد شروط استخدامه بحيث لا يتحول إلى أداة لإخضاع شعوب وجماعات وإذلالها وتسخيرها لخدمة أهداف خاصة، سواء أكان ذلك بالقوة المهنة أم بالتحالف والتآمر مع قوى خارجية، وهو حق يرتب على جميع الدول مشتركة واجب السعي لإنقاذ الشعوب التي اغتصبت حقوقها الأساسية المعروفة، سواء أكان ذلك من قوى داخلية أو خارجية لا فرق.
وللأسف بدلا من العمل على تطوير آليات في هذا الاتجاه على مستوى المجموعة الدولية، نجحت بعض الأطراف في بداية التسعينيات من القرن الماضي في الحصول على تصويت المنظمة الدولية على حق سمي "حق التدخل الإنساني" كان من نتيجته إجهاض مفهوم التضامن اللازم والواجب على المجموعة الدولية تجاه الشعوب المستضعفة، لصالح إضفاء المشروعية الدولية على تدخل دول المجموعة الأطلسية في المناطق والمواقع التي تجد أن لها مصلحة قومية أو إقليمية واضحة في التدخل فيها، وبحسب ما تتطلبه هذه المصالح لا ضمان حقوق الشعوب ولا حريتها وسيادتها.
والواقع أن تفاوت الدول من حيث الموارد والإمكانيات جعل بعض الباحثين يميزون بين السيادة كمفهوم قانوني بمعنى وحدة الخطاب القانوني وعمومية القاعدة القانونية الدولية بالنسبة لجميع المخاطبين بها وبدون أدنى تمييز، والسيادة كمفهوم سياسي بمعنى القدرة الفعلية أو الحقيقية للدولة على رفض الخضوع لأي سلطة أخرى غير سلطتها هي، بالضبط مثل مفهوم المواطنة في الداخل. فقد تكون الدولة مستقلة قانونا، ولكنها عاجزة عن إشباع احتياجات مواطنيها؛ وهو ما يعرضها لضغوط وتأثيرات بعض الدول الأخرى؛ الأمر الذي يجعل استقلالها منقوصا، وبالتالي تعجز عن مباشرة بعض مظاهر سيادتها. وفي ظل العولمة تخضع الحياة الاقتصادية والسياسية أكثر فأكثر لتأثير قوى السوق، وهذه بدورها تخضع لتأثير مصالح الشركات المحلية والدولية أكثر مما تخضع لأوامر الدولة.
ومن بين التطورات الدولية التي صاحبت العولمة تغير هيكل النظام الدولي من نظام ثنائي القطبية إلى نظام أحادي القطبية وذهب البعض إلى أن النظام أحادي القطبية يؤدي إلى انتهاك سيادات الدول. وعلى سبيل المثال لم يكن من الممكن أن يحدث لسيادة العراق ما يحدث لها الآن من اتتهاكات لو استمر النظام الدولي الثنائي القطبية. ومن التغيرات الأخرى المصاحبة للعولمة الثورة الهائلة في وسائل الاتصال، فقد ترتب عليها تقريب غير معهود للمسافات بين مختلف مناطق العالم، وأدى ذلك إلى أن أي حدث يقع في أي منطقة من العالم يكون له صداه في غيره من المناطق دونما اعتبار للحدود السياسية أو لمبدأ السيادة الإقليمية. وترتب على ذلك العديد من المظاهر السلبية تجاه سيادة الدولة، فلم تعد هناك خطوط فاصلة بين الشأنين الداخلي والخارجي وأصبحت الدولة مسئولة مسئولية دولية مباشرة ليس فقط عن أفعالها غير المشروعة التي يترتب عليها حدوث ضرر مادي للدول الأخرى أو لمواطني هذه الدول، وإنما تسأل أيضا عن أفعالها المشروعة التي تصدر عنها إعمالا لمبدأ السيادة وفي نطاقها الإقليمي التي يترتب عليها حدوث ضرر للغـير.
السيادة الوطنية.. رؤية مستقبلية
ماذا عن احتمالات المستقبل؟ وإلى أي مدى يمكن القول بأن فكرة السيادة الوطنية بسبيلها الآن إلى التلاشي أو الانهيار في ظل أوضاع التواصل المستمر والاعتماد المتبادل المتنامي بين مختلف مناطق العالم وليس فقط بين دولة؟.
يمكن الإجابة على هذا السؤال بشقيه في نقطتين: أولاهما أن الاتجاه نحو تقليص دور السيادة الوطنية في نطاق العلاقات الدولية المتبادلة سيأخذ في الاطراد والتزايد علي الأقل خلال المستقبل المنظور ويعزى ذلك إلى كون أن العديد من التطورات التي سلفت الإشارة إليها لا تزال فعالة ومؤثرة في تشكيل بنية النظام الدولي في وضعه الراهن.
أما النقطة الثانية التي نود الإشارة إليها هنا، وفي معرض الإجابة عن السؤال المطروح، فمؤداها أن التسليم بالاستنتاج السابق ينبغي ألا يفهم منه أن مبدأ السيادة الوطنية -وفكرة الدولة القومية من أساسها- بسبيله إلى الاختفاء، فالراجح حتى الآن هو أن التطورات الراهنة في النظام الدولي لن تأتي على المبدأ المذكور تماما فالسيادة الوطنية ستظل باقية ما بقيت الدولة القومية ذاتها وتقديرنا أنه لم يجرؤ أحد حتى الآن على القول بأن هذه الدولة القومية ستنهار، بل إن العكس يبدو أنه الصحيح وأن أقصى ما يمكن لهذه التطورات الجارية في النظام الدولي المعاصر أن تفعله هو أن تنال من طبيعة الوظائف أو الأدوار التي تضطلع بها الدولة بالمقارنة بما كان عليه الحال في ظل النظام الدولي التقليدي. وطالما بقيت الدولة فستبقى معها رموزها الأساسية ومنها مبدأ السيادة ولكن بعد تطويعه بما يتناسب والأوضاع والظروف الدولية المستحدثة.
وان كان هذا لا يمنع أن نتناول طرح المفكرين والباحثين لرؤى مستقبل السيادة الوطنية في ضوء المتغيرات الحادثة خاصة العولمة. وقد وضع الباحثون أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل السيادة الوطنية هي:
1- سيناريو اختفاء السيادة:
يرى أنصار السيناريو أنه كما حلت الدولة محل سلطة الإقطاع تدريجيا منذ نحو خمسة قرون، سوف تحل اليوم الشركة متعددة الجنسيات تدريجيا محل الدولة والسببان الشركات متعددة الجنسية تسعى خلال تلك المرحلة إلى إحداث تقليص تدريجي في سيادة الدول، بما يؤدي إلى اختفاء مفهوم السيادة، ثم الدولة القومية ذاتها في مرحلة لاحقة، وستكون الوظيفة الجديدة للدولة خدمة المصالح المسيطرة وهي في الأساس مصالح الشركات الدولية العملاقة.
والواقع أن فكرة تلاشي سيادة الدولة، ثم اختفاء الدولة القومية في مرحلة لاحقة من الأفكار الشائعة في تاريخ تطور الفكر السياسي، حيث قالها ماركس والفوضويون ومع ذلك لم تنته السيادة ولم تتلاش الدولة القومية.
2- سيناريو استمرارية السيادة:
يرى أنصار هذا السيناريو أن التطورات الراهنة في النظام الدولي لن تأتي على السيادة تماما؛ فالسيادة الوطنية ستظل باقية ما بقيت الدولة القومية ذاتها، وأقصى ما يمكن للتطورات الجارية في النظام الدولي المعاصر أن تفعله هو أن تنال من طبيعة الوظائف أو الأدوار التي تضطلع بها الدولة بالمقارنة بما كان عليه الحال في ظل النظام الدولي التقليدي.
3- سيناريو الحكومة العالمية:
يذهب هذا السيناريو إلى أن هناك تغييرا سيحدث في مفهوم السيادة الوطنية، حيث ستتنازل الدولة القومية عن سيادتها لصالح حكومة عالمية منبثقة من نظام عالمي ديمقراطي، حيث تغير العولمة طرح فكرة الحكومة العالمية ليس باعتبارها حلا بعيد المنال وإنما باعتبارها عملية في طور التكوين.
4- سيناريو التفكيكية:
يتوقع أنصار هذا السيناريو أن الدول القومية لن تكون قادرة على مباشرة مظاهر سيادتها على إقليمها بسبب تفككها إلى عشرات وربما إلى مئات من الدول القومية الصغيرة، تارة تحت دعوى التعبير عن هويات من حقها أن تعبر عن نفسها، وتارة أخرى تحت دعوة توطيد صلة المواطنين بالسلطة، وربما احتجاجا على تحيز النظام الدولي الجديد لجماعات دون أخرى، وعلى الرغم من تزايد الحروب الأهلية والنزعات الانفصالية؛ وهو ما يجعل حدوث هذا السيناريو محتملا، فإن ثمة تحفظات أخرى تلاحقه، فلا بد أن قوى مضادة ستعمل على مرحلة هذا السيناريو بسبب خطورته الشديدة.
خلاصــة:
نخلص إلى عدة حقائق قائمة على البحث التاريخي في تطور مفهوم السيادة، أهمها أن مبدأ السيادة دائم مستمر لا يتغير، إلا أن صورتها وحقيقتها والمسئوليات التي تنهض بها تتغير مع الزمن أو يعاد توزيعها. ولا تعني التطورات الحادثة الآن نهاية مفهوم السيادة، ولكن تعني أن السيادة قد تغير مفهومها وتم إعادة توزيعها.. فقبل الثورة الفرنسية كانت السيادة ملكا للأباطرة والملوك ثم انتزعها الثوار ومنحوها للشعب، وصاحب ذلك موجة عارمة من استغلال الشعوب اعتدادها بنفسها. أما التطورات العالمية الحالية فقد أدت إلى تدويل السيادة وتوسيع نطاقها بحيث لم تعد خاصة بالشعب والدولة وحدها ولكن يشارك فيها المجتمع الدولي ممثلا في القوى المتحكمة به.
أما ما يشار إليه في الفقه القانوني عادة بمبدأ المساواة في السيادة أو مبدأ المساواة بين الدول المستقلة ذوات السيادة، فإنما هو مبدأ نظري ويكاد يكون العمل في الغالب والواقع على غير ذلك.
ومؤدى ذلك أن السيادة ترتبط ارتباطا وثيقا من حيث طبيعتها ومدى اتساع أو ضيق نطاق تطبيقها بقدرات الدولة وإمكاناتها الذاتية، أي أن القوة -باختصار- شرط من شروط ممارسة السيادة والحفاظ عليها، وهو ما يثير في النهاية قضية العدالة الدولية على كافة الأصعدة، لكن هذا بداية جدل آخر يستحق بحث منفصل.
________________________________________
** باحثة في العلوم الاجتماعية والإعلام – مصر.

يصف المحللون اليبرالية بأنها أيدلوجية قابلة للتأويل لها مائة وجه، تجيد المراوغة والتحول وتوظف المفاهيم الإنسانية الكبرى والقيم النبيلة من أجل تحقيق منافع مباشرة اقتصادية بالأساس، حتى يحار المرء في فهمها وتحديد موقف محدد منها، ففي الفكر والنظرية تسمو قيم الحرية والفردية لكن في التطبيق تتلاشى الحريات ويسود السوق وتهيمن الرأسمالية المتوحشة. ورغم الالتباس والجرائم الكبرى تجد منظومة الليبرالية لديها من الكبرياء ما يدفعها للزعم بأنها الحل التاريخي والإجابة الأبدية لأسئلة المجتمع والدولة كما في أطروحة نهاية التاريخ لفوكوياما، في حين لا يرى فيها نقادها إلا نسقا مثاليا تأكله آليات الاقتصاد فيستعصي جوهره كرؤية للتحرر والتحقق الفردي على التطبيق.
وتذهب معظم الكتابات إلى أن استخدام مصطلح "ليبرالي" بدأ منذ القرن 14، ولكنه كان يحتمل معاني متعددة ودلالات شتى، فالكلمة اللاتينية liber تشير إلى طبقة الرجال الأحرار، أي أنهم ليسوا فلاحين مملوكين أو عبيدا. والكلمة كانت ترادف "الكريم" أي "ليبرالي" أو سخي في تقديمه لمعونات المعايش للآخرين. وفي المواقف الاجتماعية كانت الكلمة تعني "متفتحا" أو ذا عقل وأفق فكري رحب. وترتبط الكلمة كثيرا بدلالات الحرية والاختيار.


ويليام جلادستون
لكن الليبرالية بمفهومها السياسي لم تظهر إلا في أوائل القرن 19، وأول استخدام كان في أسبانيا في عام 1812، وبحلول الأربعينيات من ذلك القرن كان المصطلح قد صار واسع الانتشار في أوربا؛ ليشير إلى مجموعة من الأفكار السياسية المختلفة. ولكن في إنجلترا انتشر المصطلح ببطء برغم أن الأعضاء ذوي الشعر المستعار Whigs (أعضاء حزب بريطاني مؤيد للإصلاح) أطلقوا على أنفسهم "الليبراليون" أثناء الثلاثينيات من القرن 18، وكانت أول حكومة ليبرالية هي حكومة جلادستون Gladstone التي تولت الحكم عام 1868.
ولم تظهر الليبرالية كمذهب سياسي قبل القرن 19، ولكنها قامت كأيدلوجية على أفكار ونظريات تنامت قبل ذلك بـ300 عام، حيث نشأت الأفكار الليبرالية مع انهيار النظام الإقطاعي في أوربا والذي حل محله المجتمع الرأسمالي أو مجتمع السوق.
كانت الليبرالية تعكس آمال الطبقات المتوسطة الصاعدة التي تتضارب مصالحها مع السلطة الملكية المطلقة والأرستقراطية من ملاك الأراضي، وكانت الأفكار الليبرالية أفكارا جذرية تسعى إلى الإصلاح الجذري وفي بعض الأوقات إلى التغيير الثوري. فالثورة الإنجليزية في القرن 17 والثورات الأمريكية والفرنسية في أواخر القرن 18 كانت تحمل مقومات ليبرالية رغم أن المصطلح لم يستخدم حينذاك بالمفهوم السياسي. وقد عارض الليبراليون السلطة المطلقة للحكم الملكي والذي قام على مبدأ "الحق الإلهي للملوك"، ونادى الليبراليون بالحكم الدستوري ثم لاحقا بالحكومة التمثيلية أو البرلمانية. وانتقد الليبراليون الامتيازات السياسية والاقتصادية لدى ملاك الأراضي والنظام الإقطاعي الظالم، حيث كان الوضع الاجتماعي يحدد حسب "المولد". كما ساندوا الحركات السياسية التي تنادي بحرية الضمير في الدين وتتشككوا في السلطة المستقرة للكنيسة.
ويعتبر القرن 19 في كثير من الجوانب قرنا ليبراليا، حيث انتصرت الأفكار الليبرالية مع انتشار التصنيع في البلدان الغربية. ويؤيد الليبراليون النظام الاقتصادي الصناعي واقتصاد السوق الخالي من تدخل الحكومة، حيث يسمح فيه بمباشرة الأعمال للحصول على الربح وتسود فيه التجارة الحرة بين الدول بدون قيود. فهذا النظام -نظام الرأسمالية الصناعية- نشأ في البداية في إنجلترا في منصف القرن 18، وأصبح راسخا في أوائل القرن 19، ثم انتشر في أمريكا الشمالية ثم غرب أوربا وتدريجيا طبق في أوربا الشرقية.
وقد حاول النموذج الرأسمالي الصناعي أثناء القرن العشرين التغلغل في الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وخاصة أن التنمية الاجتماعية والسياسية تم تعريفها بالمنظور الاقتصادي الغربي المتمثل في نظرية التقدم المادي، ولكن العديد من البلدان النامية قاومت الليبرالية لارتباطها بالنظم الاستعمارية من جهة ولقوة الثقافة السياسية التقليدية في الدول حديثة الاستقلال التي تناصر الجماعية وليس الفردية؛ ولذلك كانت تربة خصبة لنمو الاشتراكية والقومية أكثر من الليبرالية الغربية.
ولقد نجحت اليابان في تطبيق الرأسمالية، ولكنها قامت على التعاونية وليست الفردية؛ فالصناعة اليابانية تتأسس على الأفكار التقليدية من وفاء للجماعة والشعور بالواجب الأخلاقي وليس السعي لتحقيق المصلحة الذاتية للفرد وحسب.
وقد اقترنت النظم السياسية الغربية بأفكار وقيم الليبرالية، وهي نظم دستورية حيث تحد الدساتير من سلطة الحكومة وتحافظ على الحريات المدنية، كما أنها تمثيلية أو برلمانية أي أن الصعود إلى المناصب السياسية يتم من خلال انتخابات تنافسية.
وقد شهد التحول للديمقراطية الغربية صعودا في بعض الدول النامية في الثمانينيات، ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت محاولات تحول ديمقراطي أيضا في أوربا الشرقية.
ونلاحظ أنه في بعض الحالات ورثت دول أفريقية وآسيوية الأسلوب الغربي للحكم الليبرالي من حقبة ما قبل الاستقلال، ولكن بدرجات نجاح متفاوتة، فعلى سبيل المثال تُعَد الهند أكبر النظم الديمقراطية الحرة في العالم الثالث، لكن في أماكن أخرى سقطت النظم الديمقراطية الليبرالية؛ بسبب غياب الرأسمالية الصناعية كأساس اقتصادي وغلبة التحالفات العشائرية، أو بسبب طبيعة الثقافة السياسية المحلية، ففي مقابل الثقافة السياسية في معظم الدول الغربية القائمة على أساس وطيد من القيم الليبرالية الرأسمالية مثل حرية التعبير المطلقة وحرية الممارسة الدينية (أو الروحية الانتقائية العلمانية) والحق المطلق في الملكية، كمبادئ مستمدة من الليبرالية وراسخة في أعماق المجتمعات الغربية نادرا ما تواجه أي تحدي أو مسائلة، نجد في دول العالم الثالث مكانة مركزية للدين واحترام للجماعة وقيمها يحدد مجالات الحرية الفردية، ومكانة للولاء الأسري والعشائري تحفظ القيم الجماعية.
ولقد ناقش بعض المفكرين السياسيين -الناقدين والمؤيدين على حد سواء- العلاقة الحتمية بين الليبرالية والرأسمالية. فيرى الماركسيون مثلا أن الأفكار الليبرالية تعكس المصالح الاقتصادية للطبقة الحاكمة من أصحاب رأس المال في المجتمع الرأسمالي؛ فهم يصورون الليبرالية على أنها النموذج الكلاسيكي للأيديولوجية البرجوازية. وعلى الجانب الآخر يرى مفكرون مثل فريدريك حايك Hayek أن الحرية الاقتصادية -الحق في الملكية وحرية التصرف في الملك الخاص- هي ضمانة هامة للحرية السياسية؛ لذلك في رأي حايك لا يتحقق النظام السياسي الديمقراطي الحر واحترام الحريات المدنية إلا في نطاق النظام الاقتصادي الرأسمالي.
ولا شك أن التطورات التاريخية في القرنين 19 و20 قد أثرت في مضمون الأيديولوجية الليبرالية، فتغيرت ملامح الليبرالية مع نجاح الهيمنة السياسية والاقتصادية لدى الطبقات المتوسطة الصاعدة، كما أن السمت الثوري لليبرالية في بواكيرها منذ القرن السادس عشر تجاه واقعها تلاشى مع كل نجاح ليبرالي، فأصبحت الليبرالية أكثر محافظة وأقل سعيا للتغير والإصلاح وتميل للحفاظ على المؤسسات القائمة الليبرالية. ومنذ أواخر القرن 19 ومع تقدم الصناعة والتصنيع بدأ الليبراليون في إعادة النظر ومراجعة الأفكار والمفاهيم الليبرالية الكلاسيكية لتنشأ ليبرالية.. جديدة.
فبينما كان الليبراليون الأوائل يؤمنون بتدخل الحكومة المحدود جدا في حياة المواطنين، يعتقد الليبراليون الجدد أن الحكومة مسئولة عن تقديم الخدمات الاجتماعية في مجالات الصحة والإسكان والمعاشات والتعليم، بجانب إدارة أو على الأقل تنظيم الاقتصاد. ومن ثَم أصبح هناك خطان من التفكير الليبرالي: الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الحديثة. ولذلك رأى بعض المحللين أن الليبرالية ليست أيديولوجية متماسكة، فهي تضم تناقضات بشأن دور الدولة، ولكن يمكن القول هنا إن الليبرالية في التحليل الأخير -مثل جميع الأيديولوجيات السياسية- قد تعرضت للتطور في مبادئها الرئيسية، وذلك مع التغيرات التاريخية المحيطة، فلا يوجد أيديولوجية سياسية جامدة أو متوحدة، فكلها تحتوي على مجموعة من الآراء والاجتهادات التي قد تتعارض أو تتناقض. وبالرغم من ذلك هناك تماسك ووحدة ضمنية في قلب الفكر الليبرالي، وذلك في الالتزام الأساسي بحرية الفرد والمبادئ التي تترتب على مذهب الفردية.
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الجوهر الليبرالي: فردانية القيم والتصورات
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



جون لوك
الليبرالية -بدرجة كبيرة- هي أيديلوجية الغرب الصناعي، والمفاهيم الليبرالية تبدو غير منفصلة عن الحضارة الغربية على الوجه العام.
وقد تم تصوير الليبرالية مؤخرا في كتابات أنصارها بأنها ليست فقط أيديولوجية بل ما وراء - أيديولوجية ****-Ideology، فهي مجموعة من القواعد تضع أرضية للنقاش السياسي والفكري، وذلك يبين أن الليبرالية تعطي الأولوية لما يوصف بـ"الحق الفردي" على ما هو "فاضل أو صالح"، أي أنها تسعى إلى توفير حياة "جيدة" للناس والجماعات حسب تعريفهم هم الفرداني لما هو جيد، وذلك دون أن تضع أو تفرض أي مفهوم للصلاح أو الفضيلة. وفي مواجهة الانتقاد القائل بأن الليبرالية محايدة من الناحية الأخلاقية يؤكد أنصارها أن أفكارها وقيمها لهذا السبب ذات جاذبية عالمية، فلا أحد يخاف قدوم الليبرالية؛ لأنها تتعامل مع مصالح أعضاء المجتمع بتساوٍ، ويؤكدون أن الليبرالية ليست أبدا فلسفة "افعل ما بدا لك!"، فبالرغم من أن الليبرالية تشجع الانفتاح والمناقشة وحرية الإرادة فهي تتسم كذلك باتجاه أخلاقي قوي، ويتجسد الموقف الأخلاقي لليبرالية في نظرهم في التزامها بمجموعة من القيم والمبادئ المتميزة، وأهم محاورها يدور حول ما يلي:
 الفرد
 الحرية
 العقل
 العدالة
 التسامح
مركزية الفرد


ايمانويل كانط
يعتبر مفهوم الفرد في العالم الحديث مفهوما مستقرا لدرجة أن أهميته السياسية تؤخذ أحيانا كإحدى المُسَلمات، فالليبرالية طورت ما كان عليه المفهوم في الحقبة الإقطاعية، حيث ساد إدراك للفرد باعتباره ليس لديه مصالح خاصة به أو هوية متفردة، فكان ينظر إلى الناس باعتبارهم أعضاء في مجموعات اجتماعية ينتمون إليها كالأسرة والقرية والمجتمع المحلي أو الطبقة الاجتماعية، فحياتهم وهويتهم كانت تتحدد بدرجة كبيرة بحسب صفات تلك المجموعات، وذلك في عملية تغير طفيف من جيل إلى آخر، وعندما انهار النظام الإقطاعي واجه الأفراد نطاقا أوسع من الخيارات والإمكانات الاجتماعية، وأتيح لهم لأول مرة التفكير الفردي المطلق وبشكل شخصي بحت، فمثلا الفلاح المملوك الذي عاشت وعملت أسرته في نفس قطعة الأرض أصبح الآن رجلا حرا لديه القدرة على اختيار عمله وصاحب العمل، وأن يترك الأرض ليبحث عن عمل آخر في المدن الكبيرة.
ومع سقوط معطيات الحياة الإقطاعية ظهر أسلوب جديد من التفكير، فالتفسير العقلاني والعلمي بدأ تدريجيا يحل مكان النظريات الدينية التقليدية وأصبح النظر والتعامل مع المجتمع من زاوية الفرد وتحرره وليس الحفاظ على تضامن الجماعات الاجتماعية.
وقد انتشرت نظريات الحقوق الطبيعية في القرنين 17 و18 التي وظفت الخطاب الديني بشكل إيجابي ولم تتحدث عن قطيعة معه البتة، وذهبت إلى أن الله وهب الأفراد حقوقا طبيعية، يعرفها جون لوك بأنها "الحرية والحياة والملكية"؛ فالفرد وحده يمتلك هذه الحقوق لذلك فهو أهم من أي جماعة اجتماعية. ويعتبر أصحاب نظريات "الحقوق الطبيعية" أن وظيفة المجتمع يجب أن تكون حماية مصالح واحتياجات الفرد، وقد عبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804) عن اعتقاد مشابه لذلك بشأن كرامة ومساواة الأفراد، فهي غايات في حد ذاتها وليست طرقا لتحقيق أهداف الآخرين.
ويعتبر مبدأ أولوية الفرد على الجماعة الخط الرئيسي للفكر الليبرالي، حيث دفع بعض الليبراليين إلى تعريف المجتمع باعتباره "مجموعة من الأفراد يسعى كل واحد منهم لتحقيق مصالحه واحتياجاته". ويطلق على هذا الرأي المذهب "الذري"، حيث ينظر للأفراد كـ"ذرات متنافرة" بداخل المجتمع، ويؤدي هذا التفكير إلى أن استنتاج أن المجتمع نفسه غير موجود، بل هو "متخيل" فهو مجموعة من الأفراد المكتفين ذاتيا. وتقوم هذه الفردية المتطرفة على الافتراض بأن الفرد يتمركز حول الـ"أنا" فهو أساسا أناني ومعتمد على نفسه بدرجة كبيرة. ويصف ماكفيرسون Macpherson الليبرالية الأولى بأنها "فردية مِلكية"، فالفرد هو المالك، ويمتلك نفسه وقدراته الخاصة به وهو لا يدين بها للمجتمع. وقد تطورت هذه الرؤية وصار لليبراليين فيما بعد رأي آخر أكثر تفاؤلا بشأن طبيعة الإنسان يؤمن بأن الأفراد لديهم مسئولية اجتماعية إزاء بعضهم البعض خاصة الأفراد غير القادرين على رعاية أنفسهم (كالمسنين والمستضعفين والمعوقين). وسواء اعتبرت الليبرالية الفرد أنانيا أو غير أناني؛ فقد اجتمع الليبراليون على الرغبة في خلق مجتمع يكون فيه كل فرد قادرا على تنمية وتطوير قدراته لأقصى درجة ممكنة.
إن أهمية الفرد في مذهب الفردية تفوق أي جماعة اجتماعية أو كيان جماعي؛ فمن الناحية المنهجية لمذهب الليبرالية يكون الفرد مركز النظرية السياسية والتفسير الاجتماعي؛ فكل حديث عن المجتمع لا بد أن يكون من منطلق الأفراد الذين يشكلونه. وفي المقابل تقول الفردية الأخلاقية بأن المجتمع يجب أن يخدم الفرد، وبذلك يعطون أولوية للأخلاق الجماعية على حقوق واحتياجات ومصالح الفرد. هذا الموقف السابق يُعَد بمثابة موقف متميز عما ينادي به الليبراليون الكلاسيكيون واليمين الجديد من الأنانية الفردية التي ترتكز على المصالح الشخصية والاعتماد على النفس، بينما بلور الليبراليون الجدد هذا المفهوم بتأكيدهم على أهمية المسئولية الاجتماعية والإيثار جنبا إلى جنب مع مسئوليات الدولة الاجتماعية تجاه الأفراد.
الحرية


ايزيا برلين
من الطبيعي أن يؤدي الاهتمام الشديد بالفرد إلى المسئولية تجاه حريته. ويعتبر الليبراليون حرية الفرد القيمة السياسية العليا، فهي المبدأ الموحِد الجامع في الفكر الليبرالي الحر. وكانت الحرية لدى الليبراليون الأوائل حقا طبيعيا لازما للوجود الإنساني، فهي تعطي الأفراد الفرصة لتحقيق مصالحهم وممارسة حق الاختيار مثل اختيار السكن والعمل... إلخ، ورأى الليبراليون فيما بعد أن الحرية هي الشرط الوحيد الذي يمكن للأفراد من خلاله تنمية قدراتهم.
وبالرغم من ذلك لا يقبل الكثير من الليبراليين بالحرية المطلقة، فإذا كانت الحرية غير محددة المعالم فهي تصبح "ترخيصا يسمح بالإساءة للآخرين. وفي كتابه "عن الحريةOn Liberty "، يقول جون ستيوارت ميل: "إن المبرر الوحيد لممارسة القوة بشكل صحيح تجاه أي عضو في المجتمع المتحضر والتي تكون ضد إرادته هو منع الضرر عن الآخرين".
وكان "ميل" مؤيدا لمذهب التحررية، وممارسة أدنى حد من القيود على حرية الفرد. كما أنه فرق بين "الاهتمام بالمصلحة الشخصية" و"الاهتمام بالآخر" وهو ما يمثل حدا على حرية الآخرين أو إلحاق الضرر بهم، ويذهب ميل من الدفاع عن الحرية درجة رفض أي قيود على الفرد قد يتم تقنينها لمنعه من تدمير نفسه جسمانيا أو أخلاقيا، فهذا الأسلوب من التفكير يرفض القوانين التي تجبر سائقي العربات على ربط حزام الأمان أو سائقي الدرجات البخارية ارتداء الخوذة، ويساويها تماما بالرقابة التي تمنع الأفراد من القراءة أو الاستماع إلى رأي ما. بل ويدافع أصحاب الفكر التحرري المتطرف عن حق الفرد في فعل ما يشاء بما في ذلك تناول المخدرات(!)
وفي حين نجد أن الليبراليين يتفقون على قيمة الحرية فإنهم يختلفون في دلالات هذه الحرية في وعي الفرد. ففي كتابه "مفهومان للحرية" فرق أيزيا برلين Isaiah Berlin بين النظرية السلبية والنظرية الإيجابية للحرية. وقد كان الليبراليون الكلاسيكيون يؤمنون أن الحرية هي قدرة الشخص على التصرف بالشكل الذي يختاره، وكان هذا المفهوم للحرية مفهوما سلبيا، حيث إنه قائم على غياب القيود الخارجية على الفرد. وفي المقابل يسعى الليبراليون الجدد إلى مفهوم أكثر إيجابية للحرية، وحسب تعريف برلين هي القدرة على أن يكون الفرد سيد نفسه ومستقل بذاته، وتتطلب السيادة على الذات أن يكون الفرد قادرا على تنمية مهاراته ومواهبه وعلى اتساع فهمه وتفهمه وعلى الوصول إلى الإنجاز والرضا. وتعني الحرية في فكر جون ستيورت ميلا أكثر من مجرد التحرر من القيود الخارجية؛ فهي قدرة الأفراد على التطور. وفي النهاية تحقيق الذات بما يتفق مع رغباتهم. وتلك المفاهيم المختلفة بل والمتعارضة للحرية أثارت الجدل الأكاديمي داخل المذهب الليبرالي فتبنى الليبراليون آراء مختلفة، بالتالي حول العلاقة المنشودة بين الفرد والدولة.
العقل


جيرمي بنثام
وترتبط الحرية في الفكر الليبرالي بالعقل؛ إذ يعتبر المذهب الليبرالي جزءا من مشروع التنوير، فالفكرة المركزية والرئيسية في رؤية التنوير هي تحرير البشرية من قيود "الخرافة والجهل" وإطلاق العنان لعصر العقل، وكان من أهم المفكرين في عصر التنوير جان جاك روسو بفرنسا وإيمانويل كانط بألمانيا وآدم سميث وجيرمي بانثام بإنجلترا. وقد أثرت عقلانية عصر التنوير في المذهب الليبرالي في كثير من الموضوعات، فهي في المقام الأول دعمت الاعتقاد في مركزية الفرد وحريته، فبقدر عقلانية الإنسان ككائن رشيد يكون قادرا على تحديد مصلحته والسعي وراء منفعته الشخصية. ولا يؤمن الليبراليون بأن الإنسان معصوم من الخطأ، ولكن الليبرالية دعمت الفرد بقوة في مواجهة "الأبوية". ورأت أنها لا تمنع الأفراد من اختيارهم الشخصي الحر وحسب، بل إنها لا تساعدهم على التعلم من الأخطاء، كما أنها تتيح لأصحاب السلطة الأبوية إساءة استخدام وضعهم لتحقيق أغراضهم الخاصة.
وقد ورث الليبراليون عن العقلانية التنويرية أيضا إيمانها الشديد بفكرة "التقدم" التي تعني لديهم التوسع في المعرفة فيمكن الناس من خلال الثورة العلمية ليس فقط فهم وتفسير العالم بل تشكيله أيضا للأفضل. وبإيجاز تعطي سلطة العقل الإنسان القدرة على تحمل مسئولية الإنسان عن نفسه وحياته وتقرير مصيره، وبذلك تحرر العقلانية الفرد من قبضة "الماضي" ومن ثقل "العادات والتقاليد"، ويتقدم كل جيل عن الجيل الذي سبقه فيزداد ميراث المعرفة والفهم تصاعديا. وهو ما يفسر التأكيد الليبرالي على التعليم، فيمكن للناس تحسين أوضاعهم من خلال الحصول على المعرفة وهجر "الخرافات" و"التعصب"، فالتعليم في حد ذاته خير، فهو وسيلة حيوية للارتقاء والتنمية الذاتية للفرد.
وإذا كان التعليم على واسع النطاق فهو يحقق إنجازات تاريخية واجتماعية.
ولعبت العقلانية دورا هاما في التركيز على أهمية المناقشة والمناظرة والجدل. وبينما يحمل الليبراليون عموما نظرة تفاؤلية بصدد الطبيعة الإنسانية ويرون الإنسان كائنا عاقلا؛ فإنهم لم يذهبوا إلى حد وصف الإنسان بالمثالية والكمال؛ لأنهم أدركوا جيدا تأثير المصالح الشخصية وصفات الأنانية، وأن النتيجة الحتمية لذلك هي التنافس والصراع؛ لذا يتعارك الأفراد من أجل الموارد النادرة، وتتنافس الأعمال لزيادة الأرباح، وتناضل الأمم من أجل الأمن أو الحصول على ميزة إستراتيجية وهكذا. ولكن يفضل الليبراليون تسوية هذه الصراعات من خلال المناقشة والتفاوض. ومن أهم ميزات العقل أنه يعطي أساسا جيدا لتقييم المطالب والدعاوى المتنافسة إذا كانت منطقية.
ويمكن القول بأن العقلانية هي الاعتقاد في أن العالم لديه تكوين منطقي يمكن كشفه من خلال الممارسة العقلية للفرد والبحث النقدي، ومن حيث النظر المعرفي فالعقلانية هي تدفق المعرفة من العقل باتجاه العالم وليس العكس، والتجربة مجرد أداة. وأبرز من كتب في العقل والمعرفة كانط؛ وهو ما يختلف عن المنحى التجريبي الذي ساد لدى الليبراليين وكان مؤسسا على فكر ديكارت.
ومن حيث المبدأ العام تؤكد العقلانية على قدرة الفرد على فهم وتفسير الظواهر وعلى حل المشكلات. لكن العقلانية لا تلقن الغايات لسلوك الإنسان، بل تقترح أساليب الوصول إلى تلك الغايات دون الاعتماد على العرف أو التقليد أو اتباع الأهواء والرغبات.
العدالة
ترمز العدالة إلى نوع خاص من الحكم الأخلاقي يتعلق بالثواب والعقاب؛ فالعدالة هي إعطاء كل فرد ما يستحقه. والعدالة الاجتماعية تعني توزيع المنافع المادية في المجتمع مثل الأجور والأرباح، وتوفير متساوٍ للاحتياجات الأساسية من إسكان ورعاية طبية... إلخ.
وتقوم النظرية الليبرالية للعدالة على الالتزام الصارم بالمساواة بشكل شكلي. وإذا كان التعامل مع الناس في المقام الأول يقوم على اعتبارهم أفرادا، فإن لهم الحق في نفس الحقوق ونفس الاحترام. ويؤمن الليبراليون بالعالمية Universalism، أي أن كل الناس في كل مكان لديهم معالم مشتركة أو عالمية فهم يتساوون في القيمة الأخلاقية، ويتمتع كل الأفراد والناس بحقوق متساوية بحكم إنسانيتهم، فلهم حقوق طبيعية وإنسانية. فيجب ألا تقتصر الحقوق على طبقة ما أو جنس محدد، وبالتالي يرفض الليبراليون بشدة أية امتيازات يتمتع بها جماعة دون الأخرى على أساس من النوع أو الجنس أو اللون أو المذهب أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. ويجب أن يكون الناس متساوين أمام القانون وأن يتمتعوا بحقوق سياسية ومدنية واحدة.
وينادي الليبراليون بالمساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي وتحسين وضعه بجهده ودأبه. وذلك لا يعني أن تكون المساواة مطلقة بتدخل من الدولة كما في الاشتراكية؛ لأن الناس لم يولدوا متساوين، بل تختلف مهاراتهم ومواهبهم وبعضهم أكثر استعدادا لبعض الأعمال من غيرهم، ولكن يجب أن تكون أوضاع المعيشة والظروف الاجتماعية الأساسية الدنيا واحدة للجميع.. فمن الضروري مكافأة من يستحق ويجتهد، فالحوافز تساعد الأفراد على العطاء وتحقيق الذات وتنمية المواهب؛ لذلك فالمساواة من المنظور الليبرالي هي أن يكون لدى كل الأفراد فرصة متساوية لتنمية قدراتهم ومهاراتهم غير المتكافئة.
وتحدث الليبراليون عن حكم من يستحق Meritocracy (أي حكم ذوي الإمكانيات والموهبة)؛ فالمجتمع الذي يحكمه هؤلاء -وليس الحكم القائم على عوامل خارج إرادة البشر مثل الحظ أو الفرصة- يعتبر مجتمعا عادلا لأن معاملة الناس فيه ليست بحكم الجنس أو لون البشرة أو الدين، بل تكون حسب قدراتهم واستعدادهم للعمل. والمكانة والثروة الموروثة لا تتفق مع مبادئ الحكم بالاستحقاق، لكن معظم الليبراليون يقبلون فكرة الميراث؛ لأنه على الجانب الآخر منع توارث الثروة يعني التدخل في حق الفرد صاحب المال في التصرف في ملكه حسب اختياره الشخصي، وذلك يمثل إساءة لمبادئ الحرية.
ويختلف المفكرون الليبراليون في كيفية تطبيق العدالة الاجتماعية؛ ففي كتابه "نظرية في العدالة" يرى جون رولز أن الناس في حاجة إلى مكافأة عن العمل الذي يقومون به؛ لذلك تكون بعض الأساليب الاقتصادية المتباينة ضرورية لتعطي حافزا للأفراد، ولكنه يرى أن يطبق ذلك فقط لمصلحة الطبقات الأكثر فقرا وأقل ميزة في المجتمع. وفي رأيه أن العدالة الاجتماعية تفهم كمرادف لمفهوم القسط Fairness وباتجاه المساواة. فالثروة في المجتمع العادل يجب أن يعاد توزيعها من خلال نظام للشئون الاجتماعية وذلك لمصلحة الأقل غنى. وعلى النقيض يأتي روبرت نوزيك في كتابه "اللاسلطوية والدولة واليوتوبيا"؛ ليكون صدى للأفكار التحررية التي تبناها جون لوك في القرن 17. ويذهب نوزيك إلى أن أي توزيع للثروة حتى لو كان غير عادل فإنه يعتبر -اجتماعيا- عدلا طالما طبقت قواعد معينة "للحفاظ على العدالة" والتي تتضمن شرط الحصول على الملك بطريقة عادلة في المقام الأول -بدون سرقة أو تعدي على حقوق الآخرين- وأن تكون قد انتقلت بشكل عادل من شخص عاقل إلى آخر عاقل أيضا. وبناء على هذا يؤكد نوزيك على أهمية ألا ينتهك حق الملكية باسم العدالة الاجتماعية، ورفض بشدة فكرة إعادة توزيع الثروة.
تلك الآراء المتباينة حول العدالة الاجتماعية تكشف عن تعارض ضمني داخل الفكر الليبرالي حول أفضل الأوضاع لتحقيق المجتمع العادل. ويعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أن استبدال النظام الإقطاعي بالسوق والمجتمع الرأسمالي يساعد على إيجاد مناخ اجتماعي يمكن أن يزدهر فيه الفرد وينمي قدراته، فكل الناس سواء في عين القانون يتمتعون بفرصة متساوية للصعود في المجتمع. وقد رأى الليبراليون الجدد أن الرأسمالية غير المقيدة أدت إلى ظهور أشكال جديدة من غياب العدالة الاجتماعية وذلك بتمييز البعض على حسب البعض الآخر؛ لذلك يفضلون تدخل الحكومة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية من أجل ضمان وحماية الفرصة المتساوية، وبالتالي تحقيق مجتمع عادل.
التسامح


فولتير
تتسم أخلاقيات الليبرالية الاجتماعي بقبول التنوع الأخلاقي والثقافي والسياسي. فقد ردد الليبراليون كثيرا المقولة الشهيرة لفولتير (1694 - 1778) "أنا أكره ما تقول ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله!". فالحريات الأساسية التي تدعم النظم السياسية الديمقراطية -حرية التعبير والعبادة الدينية والتجمع... إلخ- كلها ضمانات لانتشار التسامح كثقافة. ويتفق معظم المعلقين السياسيين على أن الليبرالية تمضي يدا بيد مع التعددية، فيعتبر تعدد القيم والآراء والمصالح في حد ذاته قيمة وفضيلة. ونقيضه هو القمع السياسي أو انتشار الطاعة العمياء. لذلك ومن حيث المبدأ فإن الليبراليين ضد الرقابة أو أي وسيلة لمنع حرية التعبير في المجتمع، وضد أي ثوابت أيا كانت.
وهذا يفسر الاستياء العميق الذي شعر به الليبراليون في الغرب من الفتوى التي أدلى بها الإمام آية الله خوميني عام 1989 بإعدام الكاتب الإنجليزي سلمان رشدي عندما نشر كتابه "آيات شيطانية" والذي رأى فيه المسلمون إهانة لعقيدتهم الدينية.
ويعني التسامح التقبل، أي الاستعداد لترك الناس يفكرون ويتكلمون ويتصرفون بأسلوب قد لا يتفق المرء معه. ويعتبر التسامح لدى الليبراليين خلقا مثاليا ومبدأ اجتماعيا. ومن جانب آخر تمثل هذه القيمة هدف الاستقلال الفردي، وتضع قاعدة تحكم سلوك الأفراد مع بعضهم البعض.
وتعتبر كتابات جون ميلتون وجون لوك في القرن الـ17 حول الدفاع عن الحرية الدينية للمذاهب المختلفة أولى إرهاصات دعم الليبراليين لقيمة التسامح تجاه الآراء المخالفة. وفي كتابه "رسالة حول التسامح" رأى لوك أنه ما دمنا قبلنا أن وظيفة الحكومة هي حماية أسلوب الحياة والحرية والملكية؛ فالحكومة ليس لها الحق في التدخل في رعاية أرواح العباد؛ فذلك يلقي الضوء على تمييز الليبراليين الواضح بين ما هو "خاص" وما هو "عام". فيجب أن يمتد التسامح ليشمل الأمور الخاصة التي رأوا أنها تشمل الدين ومسائل الأخلاق التي يجب أن تترك للفرد.
وبالرغم من ذلك لم يكن مفهوم البعض -ومنهم لوك على سبيل المثال- للتسامح مطلقا؛ فهو لم يكن على استعداد لتطبيق التسامح على الكاثوليك الرومان، وكانوا في نظره خطرا على الهيمنة القومية بسبب مبايعتهم للبابا الذي هو أجنبي، كما يؤيد الليبراليون المعاصرون القوانين التي تمنع وتصادر الآراء المؤيدة للعنصرية مثلا، والقوانين ضد تشكيل الأحزاب السياسية المعادية للديمقراطية، ويرون أن انتشار تلك الآراء أو نجاح تلك الأحزاب يهدد مناخ التسامح الليبرالي. وعمليا نجد أنه في حين يساند الليبراليون حق المسلمين في نقد مضمون كتاب سلمان رشدي "آيات شيطانية"، فقد كانوا يؤيدون مقاضاة من يدافع علنا عن إعدام سلمان رشدي.
ويتعلق مفهوم التسامح وقبول الاختلاف والتنوع -في رأي الليبراليين- بقواعد المجتمع السوي غير الممزق بالنزاعات والصراعات. وبرغم أن الأفراد والجماعات الاجتماعية تسعى إلى تحقيق مصالح مختلفة، إلا أن هناك توازنا كامنا بين المصالح المتنافسة كما ذهب آدم سميث في حديثه عن "اليد الخفية"؛ فمثلا تختلف مصالح العمال وأصحاب الأعمال: فالعمال يريدون أجورا أفضل وساعات أقل وتحسين ظروف العمل - وأصحاب العمل يرغبون في زيادة أرباحهم عن طريق المحافظة على تكلفة الإنتاج المنخفضة والتي تشمل الأجور، ولكن يحتاج العمال إلى العمل وأصحاب العمل يحتاجون للعمالة، فتلك المصالح المتنافسة تكمل بعضها البعض، أو بمعنى آخر تعتبر كل مجموعة هامة لتحقيق أهداف المجموعة الأخرى. وقد يسعى الأفراد والجماعات وراء مصالحهم الذاتية، ولكن الموازنة الطبيعية تفرض نفسها. وقد أثر مبدأ الموازنة في تطور الأفكار الليبرالية من عدة جهات؛ فجعل بعض الليبراليين يوقنون بأن التوازن الطبيعي سيظهر في الحياة الاقتصادية، ويؤمنون بتوازن المصالح بين الجماعات المتنافسة في النظام السياسي، ويدافعون عن تصور أن السلام والانسجام ممكن بين شعوب العالم.
وهذا التركيز على التنوع والتسامح تعرض للكثير من النقد؛ فتصوير أنصار الليبرالية لها بأنها محايدة أخلاقيا ولا تفرض أي قيم أو عقائد معينة، بل فقط تخلق الظروف التي يمكن أن يعيش فيها أناس ذوو الأولويات الأخلاقية والمادية المختلفة في سلام ونجاح يجعلها تتجنب القيم المطلقة غير القابلة للتفاوض وغير قادرة على مواجهة واقع النزاع؛ فيكون القيد الوحيد على التنوع هو أن يكون كل طرف مؤهلا لتقبل آراء وتصرفات الآخرين، وهكذا يكون التسامح هو القيمة الجوهرية الوحيدة لدى الليبراليين. ويتمثل خطر هذا الوضع في أنه يؤدي إلى مجتمع خالٍ من الأخلاق وغير قادر على كبح جماح الجشع والأنانية. لذلك عاب المحافظون على الليبرالية أنها تقوم بدعم نسبية الأخلاق والثقافة، وفي نظرهم يؤدي غياب القيم الأساسية التي يقوم عليها بنيان المجتمع لجعل التفاعل المنظم والمتحضر مستحيلا لغياب الإجماع الأساسي اللازم لأي مجتمع. والنتيجة هي أن الناس يعلمون جيدا حقوقهم، ولكن لا يعترفون بأي واجب أو مسئولية. وفي العقود الأخيرة من القرن 20 تعرضت الليبرالية الفردية إلى نقد من قبل حركة المجتمعية السريعة الانتشار
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الليبرالية في القرن 21
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



فرانسيس فوكوياما
اتسم القرن 20 بإعلان الليبرالية انتصارها على مستوى العالم في مقولة فوكوياما الشهيرة حول نهاية التاريخ التي أغفلت جرائم الليبرالية الاقتصادية في حق الطبقات الدنيا وفي حق الشعوب غير الغربية، وقد عبر عن ذلك فوكوياما (1989) في قوله: "إننا نشاهد نهاية التاريخ وذلك في نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وعالمية الديمقراطية الليبرالية الغربية كآخر شكل للحكومة الإنسانية".
ومن السهل تأسيس هذه الفرضية على بعض الشواهد التاريخية؛ فبعد سقوط الفاشية في عام 1945 كانت الشيوعية السوفيتية البديل الرئيسي لليبرالية الغربية، ولكن حتى هذا النظام انهار باندلاع الثورات في دول أوربا الشرقية في الفترة 1989 - 1991 رافضة لمبادئ التخطيط والتدخل الحكومي. وأما في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يتم عملية دمقرطة النظم السياسية بانتشار التنافس الحزبي وتنامي الاتجاه نحو الإصلاح الاقتصادي القائم على السوق. وإذا كانت تلك العمليات المستمرة تعكس التفوق الواضح لليبرالية على الأيديولوجيات المنافسة (كنهاية للتاريخ كما تزعم النظرية)، أو أنه نتيجة لظهور نظام رأسمالي كوني تسيطر عليه شركات متعددة الجنسية (كما يحذرنا النقاد)، فالمستقبل يبدو لنا ظاهرا: سوف تنكمش الاختلافات الاقتصادية والسياسية تدريجيا في معدلات مختلفة لتلتقي جميعا على النموذج الليبرالي.
لكن الانتصار الليبرالي يواجه تحديات داخلية وخارجية جديدة. فداخليا تتعرض الليبرالية في المجتمع الغربي لنقد من قبل المفكرين الذين أعادوا اكتشاف أهمية المجتمع التراحمي. وظهرت "النظرية المجتمعية" كرد فعل لمساوئ الليبرالية الفردية. وعلى سبيل المثال رفض المفكران أليسدير ماك إنتير ومايكل ساندل الفردية على أنها سطحية ومعادية للجماعة الاجتماعية، حيث إنها تعامل الذات على أنها غير مسئولة تستمد هويتها من داخلها بدلا من العوامل الاجتماعية والتاريخية والثقافية المحيطة بها. ففي نظرهم أن الذات جزء لا يتجزأ من الممارسات والعلاقات الاجتماعية، كما أن العيب الذي يكمن في الليبرالية هو أنها غير قادرة على إنشاء سياسة الصالح العام؛ بسبب تركها للفرد اختيار الحياة التي تروق له والتي يستحسنها من مفهومه الشخصي. ويساعد هذا الفراغ الأخلاقي على تفكك المجتمع. ونظرا لعدم تقيدهم بالواجبات الاجتماعية والمسئولية الأخلاقية. ولا يهتم الأفراد إلا بمصالحهم وحقوقهم الشخصية؛ فعلى المدى الطويل قد يفقد المجتمع الليبرالي المنابع الثقافية لمراجعة الأنانية غير المقيدة أو لتعزيز التعاون والجهد الجماعي.
ويأتي التحدي الخارجي لليبرالية من خارج الغرب. فمع نهاية النظام العالمي الثنائي القطب الذي تمثل في الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي أفسح المجال لقوى جديدة غير ليبرالية كالتي ظهرت مع الديمقراطية الليبرالية. ففي أوربا الشرقية أثبتت الصحوة القومية التي يستمد منها الشعب القوة والثبات والأمن أنها أقوى من الليبرالية الحاسمة. وترتبط هذه القومية بالنقاء العرقي والسلطوية عنها بالمبادئ الليبرالية مثل إقرار المصير والكبرياء الحضري. كذلك ظهرت نماذج متنوعة من الأصولية في الشرق الأوسط وفي بعض مناطق أفريقيا وآسيا. وينتشر الإسلام السياسي عن الليبرالية في كثير من الدول النامية؛ لأنه قادر على تقديم موقف غير غربي بدلا من اتخاذ موقف ضد الغرب. وذلك بالإضافة إلى أن المناطق التي نجح فيها اقتصاد السوق لم تكن دائما قائمة على قيم ومؤسسات ليبرالية، فمثلا قد ترجع صحوة شرق آسيا إلى قدرة الكنفوشسية للمحافظة على الاستقرار الاجتماعي عنها إلى تأثير المبادئ الليبرالية مثل المنافسة والبقاء الذاتي.
وبدلا من الاتجاه نحو عالم ليبرالي موحد تتصف التنمية السياسية في القرن 21 بتنامي التنوع الأيديولوجي، وقد يكون الإسلام والكنفوشسية وحتى القومية السلطوية المنافسين الجدد لليبرالية الغربية. ويقول جون جراي صاحب كتاب "ما بعد الليبرالية": إن هذا المنظور ينبع من طور أكبر؛ ألا وهو انهيار المشروع التنويري الذي تعتبر الليبرالية جزءا منه. ويفترض هذا المشروع أن هناك مجموعة من المبادئ العقلانية قابلة للتطبيق العالمي يمكن أن ترسي أوضاعا تسمح للأفراد بالسعي وراء غايات غير متساوية. وتقع مهمة الليبرالية في إيجاد مؤسسات لتحقيق هذا الهدف، وهي تتمثل في الحكومة التمثيلية والتنافس الحزبي واقتصاد السوق لتحقيق حياة طيبة للفرد بدون خلل وانهيار اجتماعي.
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الليبرالية بين الكلاسيكية والحداثة
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



ديفيد ريكاردو
أثار ظهور ما يسمى بالليبرالية الجديدة الاهتمام يإعادة قراءة الليبرالية الكلاسيكية؛ فالحق أن تلك الليبرالية الجديدة هي عودة سلفية لمبادئ الليبرالية قبل أن تتفاعل مع الحقبة الاشتراكية فتهذبها وتتبنى بعض السياسات والأفكار التي تحترم المساواة وحقوق الرفاهة للمواطن خارج منافسة السوق.
فالليبرالية الكلاسيكية هي الليبرالية الأولى التي ظهرت في الفترة الانتقالية بين الإقطاعية والرأسمالية، وقد وصلت إلى أوجهها في بداية الفترة الصناعية من القرن 19؛ ولذلك في بعض الأحيان يطلق على الليبرالية الكلاسيكية "ليبرالية القرن التاسع عشر"، وكانت المملكة المتحدة مهد الليبرالية الكلاسيكية؛ حيث تقدمت وتطورت الثورات الرأسمالية والصناعية. لذلك تأصلت الأفكار الليبرالية بعمق في الدول الأنجلوساكسونية مثل المملكة المتحدة وأمريكا أكثر من باقي دول العالم.
وقد أخذت الليبرالية الكلاسيكية أشكالا كثيرة، ولكن تعتبر الحرية السلبية هي الصفة المشتركة بين تلك النماذج المختلفة؛ فالفرد حر إذا ترك في حاله بدون تدخل الآخرين بأي صورة؛ فمعنى الحرية هنا هو غياب القيود الخارجية على الفرد. فهذا التصور للحرية يفرق بشكل ملحوظ بين الدولة والفرد؛ فالدولة كيان ظالم لديه السلطة لعقاب المواطنين ومصادرة أملاكهم بدفع الغرامات وسلب حرياتهم بالسجن، وفي بعض الأحيان تقضي على حياتهم بالإعدام. فبالتالي قيام الدولة حتى ولو كان ذلك عن طريق العقد الاجتماعي يقتضي حتميا التضحية بحرية الفرد الذي سيفقد المقدرة على عمل ما يريده.
ولاقت تلك المبادئ الأولى انتعاشا وإقبالا شديدا في النصف الثاني من القرن 20. وكان تأثيرها ملحوظا مرة أخرى في المملكة المتحدة والولايات المتحدة حيث توجد صحوة معاصرة لليبرالية الكلاسيكية تحت اسم الليبرالية الكلاسيكية الجديدة أو الليبرالية الجديدة التي ظهرت كرد فعل للتدخل المتزايد للحكومة في الشئون الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الفترة ما بعد الحرب والتي تجلت في اليمين الجديد.
وتأثرت الليبرالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر بنظريات كبرى حول الطبيعة الإنسانية قام بوضعها أصحاب الفكر النفعي أمثال جيرمي بنثام وجيمس ميل. اعتبر بنثام فكرة الحقوق "هراء"، وسمى الحقوق الطبيعة "هراء على ركائز" واستبدلها بما يؤمن بأنه أكثر عملية وموضوعية؛ ألا أن الفرد يتحرك بدافع مصالحه الذاتية التي تعرف بالرغبة في اللذة والسعادة وتجنب الألم. فيرى بنثام وكذلك ميل أن الناس يحسبون قدر اللذة والألم الصادر من كل فعل وموقف؛ فبالتالي يختارون ما يبشر بأكبر قدر من اللذة والسعادة. ويؤمن المفكرون النفعيون أن السعادة والألم يمكن قياسهم بالمنفعة آخذين في الاعتبار الكثافة والمدة وهكذا، فالإنسان في رأيهم يتحرى أكبر قدر ممكن من النفع بالسعي وراء أكبر قدر من اللذة والسعادة وأقل قدر ممكن من الألم.
ومن الناحية الأخلاقية يمكن النظر إلى المنفعة لمعرفة "صحة" اتجاه السياسات والمؤسسات في توفيرها للسعادة، تماما كالفرد في قدرته على حساب أكبر قدر من السعادة الصادرة من الفعل؛ حيث يمكن الاستعانة بمبدأ "أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد" في السياسات لصالح المجتمع ككل. وفي أوائل القرن 19 في بريطانيا اجتمع حول بنثام مجموعة من المفكرين المتشددين فلسفيا وعرضوا عليه مجموعة وكبيرة من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والقانونية، وكلها ترتكز على فكرة المنفعة العامة.
فقد كان للنفعية أثر بالغ في الليبرالية وخاصة أنها تطرح فلسفة أخلاقية تفسر كيف ولماذا يسلك الفرد على النحو الذي هو عليه. كذلك تبنت الأجيال اللاحقة من الليبراليين التصور النفعي للإنسان على أنه مخلوق عقلاني يسعى وراء مصالحه الشخصية، وهي فكرة محورية وراء فكر الييبرالية الجديدة أيضا.
فيستطيع كل فرد في نظرهم تحديد أفضل مصالحه الخاصة دون غيره؛ فلا يمكن لغيره -الدولة مثلا- أن تفعل ذلك له. وحسب بنثام الناس تتحرك في إطار اللذة أو السعادة التي يتمتعون بها وبالطريقة التي يختارونها؛ فلا لأحد سواهم يمكن أن يحكم على نوع أو درجة سعادتهم. فإذا كان كل فرد هو الحكم الوحيد لما سيسعده؛ فالفرد وحده هو القادر على تحديد ما هو صحيح أخلاقيا.
والنظرية الاقتصادية الكلاسيكية تبلورت بالأساس في أعمال اقتصاديين سياسيين أمثال آدم سميث وديفيد ريكاردو (1770 - 1823). ويعتبر كتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث أول كتاب يدرس في علم الاقتصاد؛ فقد اقتبس سميث أفكاره عن الطبيعة الإنسانية بشكل ملحوظ من الافتراضات الليبرالية والعقلانية، وكان له إسهامه المؤثر في الجدل حول الدور المرغوب فيه للحكومة بداخل المجتمع المدني. ومثل جوانب أخرى من الليبرالية الأولى كان أول ظهور علم الاقتصاد السياسي الكلاسيكي في بريطانيا، حيث كان التحمس الشديد لأفكار ومبادئ هذا العلم التي تبنتها أيضا الولايات المتحدة.
كتب آدم سميث كتابه في وقت فرضت فيه الحكومة قيودا صارمة على النشاط الاقتصادي؛ فكانت المركنتلية النظام الاقتصادي المسيطر في القرنين 16 و17 حيث تدخلت الحكومات في الحياة الاقتصادية من أجل تشجيع التصدير والحد من الاستيراد. وجاء سميث ليقول بأن الاقتصاد يكون في أوج نشاطه مع عدم تدخل الحكومة. ففي رأيه الاقتصاد هو السوق أو سلسلة من الأسواق المتعلقة بعضها ببعض. وتعمل السوق حسب رغبات وقرارات الأفراد الأحرار، وإن الحرية في السوق هي حرية الاختيار: مقدرة المنتج على اختيار السلعة التي يصنعها، ومقدرة العمال على اختيار أصحاب الأعمال، ومقدرة المستهلك على اختيار السلع والخدمات للشراء. فالعلاقات في هذه السوق بين صاحب العمل والموظفين، وبين البائعين والمستهلكين علاقات تطوعية أو عقدية.
ويفترض الاقتصاديون الكلاسيكيون أن الأفراد يسعون وراء تحقيق مصالحهم الشخصية ماديا بدافع الرغبة في التمتع باللذة أو السعادة، وذلك عن طريق تكوين واستهلاك الثروة. وتقوم النظرية الاقتصادية لحد كبير على فكرة "الرجل الاقتصادي"، وهي أن الإنسان يسعى إلى أكبر قدر من المنفعة وذلك بالكسب المادي.
وبالرغم من أن الفرد موجه نحو مصالحه الشخصية يعمل الاقتصاد ككل تحت ضغوط غير بشرية ألا وهي قوى السوق التي تتفاعل بذاتها نحو الرخاء والرفاهية الاقتصادية. على سبيل المثال لا يمكن لأي منتج لسلعة أن يحدد ثمنها؛ فالسوق هي التي تحدد الثمن حسب عدد السلع المعروضة للبيع وعدد المستهلكين الراغبين في شرائها؛ فتلك هي قوى العرض والطلب. إن السوق تدير نفسها بنفسها من خلال آلية التنظيم الذاتي؛ فهي لا تحتاج إلى التوجيه الخارجي. ومن ثَم يجب ألا تتدخل الحكومة في السوق؛ لأنها تدار -على حد قول آدم سميث- "بيد خفية". وتعكس فكرة الإدارة الذاتية للسوق المبدأ الليبرالي بأن هناك توافقا طبيعيا بين المصالح المتضاربة في المجتمع. ويعمل أصحاب الأعمال والعمال والمستهلكون نحو تحقيق مصالحهم الشخصية، ولكن قوى السوق تضمن توافق تلك المصالح؛ فمثلا يحقق العمل التجاري ربحا إلا من خلال ما يرغب المستهلك شراءه.
وقد استخدم الاقتصاديون في المراحل اللاحقة فكرة "اليد الخفية" لشرح كيف أن المشكلات الاقتصادية -مثل البطالة والتضخم والعجز في ميزان المدفوعات- يمكن القضاء عليها من خلال آليات السوق؛ فمثلا تأتي البطالة نتيجة زيادة عدد المؤهلين للعمل عن الوظائف المتاحة أي عرض العمال يزيد عن الطلب لها. فتخفض قوى السوق من سعر العمالة أي أجورهم ، فمع انخفاض الأجور يمكن لصاحب العمل تعيين عدد أكبر من العمال وبالتالي تقل البطالة. لذلك تكون قوى السوق قادرة على القضاء على البطالة بدون تدخل الحكومة شريطة أن مستوى الأجور يكون مرنا مثل الأسعار الأخرى. وتؤدي السوق الحرة إلى كفاية اقتصادية، فمن أجل الربح لا بد أن تكون التكلفة منخفضة فالإسراف وعدم الكفاءة لا سبيل لهم في العمل الإنتاجي. في نفس الوقت تمنع المنافسة إمكانية الحصول على أرباح مبالغ فيها. إذا كانت الأرباح عالية بشكل غير عادي في مجال معين فذلك سيشجع المنتجين على دخول ذلك المجال، فبالتالي سيزيد الناتج وينخفض مستوى الأسعار والأرباح. وتنجذب الموارد الاقتصادية نحو أكثر الاستخدامات ربحا أي نحو مجال الإنتاج المتنامي والمزدهر وليس غير ذلك. وتعمل السوق بشكل إيجابي؛ لأنها دائما تسعى لتحقيق رغبات المستهلك، فالمستهلك هو المسيطر على زمام الأمور، ولكي تحافظ المؤسسات على ربحها العالي لا بد أن تعرف جيدا وتوفي حاجات ورغبات المستهلك. وبذلك وبشكل طبيعي تتحرك قوى السوق نحو رفع كفاءة وقوة الاقتصاد الذي يستجيب ذاتيا لأي تغيير في طلب المستهلك.
وأصبحت أفكار السوق الحرة اعتقادا اقتصاديا في المملكة المتحدة وأمريكا أثناء القرن 19. ووصلت مبادئ السوق الحرة ذروتها مع مبدأ laissez faire، أي "دعه يعمل" وذلك يعني أن الحكومة يجب ألا يكون لها دورا اقتصاديا وترك الاقتصاد وحده والسماح لأصحاب الأعمال مباشرة أعمالهم كيفما يروق لهم. ويتضارب هذا المبدأ مع قوانين المصنع مثل منع توظيف الأطفال والحد من ساعات العمل وأي لائحة من لوائح أوضاع العمل. وتقوم تلك الفردية الاقتصادية على فكرة السعي غير المقيد وراء الربح والذي في النهاية يؤدي إلى المنفعة العامة. واستمر مبدأ "دعه يعمل" قويا في المملكة المتحدة على مدى القرن 19 وكذلك في الولايات المتحدة حتى عام 1930، حيث لاقى معارضة حادة. وفي أواخر القرن 20، تم أحياء فكرة السوق الحرة أثناء إدارة ريجن في الولايات المتحدة وحكومات تاتشير وماجور في المملكة المتحدة. فمن المتوقع أن تقوم الدولتان بزيادة كفاءة الاقتصاد وإنمائه ورفع "يد الحكومة الميتة" عنه، والسماح للقوة الطبيعية لآلية السوق أن تثبت نفسها مرة أخرى. ومن المظاهر الأخرى لليبرالية الاقتصادية هي التجارة الحرة.

الحركة النقابية بين المهنية والسياسة
19/04/2001 جمال البنا
قد لا نجد في الكتابات الإسلامية الأولى إشارة إلى "النقابة"، ولكننا نجد في القرآن الكريم إشارة إلى "النقيب"، قال الله تعالى: "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا" [المائدة:12] مما يعود باللفظ إلى ماض سحيق، وقد أحيا الرسول هذا التقليد عندما أمر الأنصار أن يعينوا له اثني عشر نقيبًا، يمثلون قبائلهم، وقيل في استخدام لفظة "النقيب": إنه هو الذي ينقب عن شئون الآخرين؛ لغرض خدمتهم".
وفي العصر العباسي الأول ظهرت هيئتان تحمل إحداهما اسم "نقابة"، وإن لم تكن نقابة في حكم الاصطلاح، بينما لا تحمل الأخرى اسم نقابة، وإن كانت بحكم طبيعتها نقابة.
أما الهيئة الأولى فهي "نقابة ذوي الأنساب" التي خصها الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية" ببضع صفحات، وهي وإن حملت اسم نقابة فإنها كما يتضح من اسمها بعيدة كل البعد عن طبيعة النقابات، وأما الهيئة الثانية فهي التي حملت اسم "الأصناف"، وهذه هي جذور النقابية في الحضارة الإسلامية، وتماثلها "الطوائف" التي ظهرت في أوروبا قبل النقابات الحديثة.
الأصناف.. نقابة ذات طبيعة ثلاثية
قد تحدث عن الأصناف ابن بطوطة، والخطيب البغدادي والطبري وياقوت، ووصلت هيئات الأصناف إلى أوجها أيام المهدي وهارون الرشيد، وازدهرت في بغداد وسامراء بعدها.
وكان كل أصحاب حرفة يكونون "صنفا" مستقلاً، وقال اليعقوبي: إن أسواق الكرخ كان فيها "لكل تجار وتجارة شوارع معلومة، وصفوف في تلك الشوارع وحوانيت، وليس يختلط قوم بقوم ولا تجارة بتجارة، ولا يباع صنف مع غير صنفه، ولا يختلف أصحاب المهن من سائر الصناعات مع غيرهم، وكل سوق مفردة، وكل أهل صنف منفردين بتجارتهم".
وكذلك روعي التخصص الحرفي في تنظيم أسواق بغداد الأخرى كسوق باب الشام وسوق باب البصرة، وسوق باب الطاق، ونستدل من أسماء أسواق مدينة بغداد الكثيرة التي توردها المصادر على وجود التخصص حيث نجد سوق النحاسين وباعة الدجاج والدباغين والباقلانيين والسماكين وأصحاب النعال والعطارين والصيادلة وأصحاب الدهون والخزازين والجوهرين، وفي بغداد سوق خاصة لبيع أنواع الفواكه سميت بدار البطيخ، وكانت هذه أسواق الجانب الغربي من بغداد.
أما أسواق الجانب الشرقي فنجد أنه لا ينبغي أن يتاجر التاجر في البز إلا إذا عرف أحكام البيع …، فقد قامت أسواق للدقاقين والخبازين والحلاويين وباعة الرياحين والصيارفة والصاغة وسوق السلاح والنحاسين وللصفارين وللحدادين وسوق للوراقين وسوق الرفائين وسوق للحم"(1).
وكان كل صنف يرتبط بالمحتسب، وهو الموظف المدني الذي يتولى التفتيش على شئون الحرفة، كما كانت ترتبط عادة بأحد شيوخ الصوفية، وهكذا كانت للأصناف علاقة وثيقة بمجتمعها ذات طبيعة ثلاثية: مهنية، وإدارية، وروحية..
وكان للأصناف تقاليد مرعية في ترتيب مستويات ممارسة المهنة، ونقل الصبي إلى صانع، والصانع إلى معلم، وكانت تنظم حفلات لذلك، وتلحظ اعتبارات معينة، ويظن أن هذه التقاليد انتقلت إلى الطوائف الأوروبية؛ لأنها تكاد تكون واحدة، ونحن لا نسمع عنها إلا بعد عودتهم من الحروب الصليبية التي تعرفوا منها على الحضارة الإسلامية"(2).
الميكنة.. قانون العرض والطلب
على أن الحركة النقابية الحديثة تدين بظهورها وتكوينها إلى الثورة الصناعية التي حدثت في بريطانيا وظلت من عام 1730م إلى 1830م على وجه التقريب، إذ كانت نتيجة هذه السلسلة من الاكتشافات والاختراعات أن ظهر المصنع الآلي الكبير الذي يضم الآلات الحديدية التي لا تكل ولا تمل وتعمل بقوة البخار، فطالما كان هناك فحم، وهناك نار، فإن الآلة تعمل.. ثم ظهرت وسائل الإضاءة الحديثة بدءًا من غاز المصباح حتى الكهرباء بحيث أمكن للمصنع أن يعمل طوال الليل والنهار..
وقضت الصناعة الآلية على الوسائل الحرفية التي كانت هي أسلوب العمل، وتشرد عمالها، وأصبح الملاذ الوحيد أمامهم هو المصنع...
وكان الذي تولى إقامة هذه المصانع هم أصلا من تجار الغزل والنسيج التي ظهرت "الميكنة" فيها أولا، ثم أضيف إليهم كبار الملاك الذين كانوا يملكون مناجم الفحم والحديد.. وكانوا جميعًا لا يستهدفون سوى الربح، وفي سبيل الربح قامت منافسة "لقطع الأعناق" كما يقول تعبير إنجليزي فيما بينهم، فكل واحد يريد أن يستأثر بالربح، وفي هذا السبيل فإنه يحاول أن يبيع منتجاته بأسعار أقل، وكان الهبوط بمستوى أجور العمال هو أسهل طريق أمامهم لضغط التكلفة..
من ناحية أخرى، فإن قانون العرض والطلب كان يسير ضد مصلحة العمال، فتدمير الطرق اليدوية في الحرف، وتشريد عمالها جعل أعدادًا غفيرة تقف على أبواب المصانع الحديثة.. لتعمل كعمال في الوقت الذي كانت الميكنة لا تتطلب إلا عددًا محدودًا منهم، وبقدر ما كانت وسائل الميكنة تتقدم وتتحسن بقدر ما كان الطلب على العمال يقل، وبالتالي يزداد العرض..
وهكذا وجد العمال في أوائل الثورة الصناعية أنفسهم بين قانون لا يرحم هو قانون العرض والطلب، يهبط بمستوى الأجور، وبين منافسة قاتلة ما بين أصحاب الأعمال تجعل الهبوط بالأجور هو السبيل الأول لضغط التكلفة، وكانت النتيجة أن هبطت الأجور حتى وصلت إلى حد الكفاف..
ميلاد الحركة النقابية
استنجد العمال بالحكومة لمواجهة ما يتعرضون له من ظلم، ولكن الحكومة أعطتهم أذانًا صماء؛ لأنها كانت حكومة أصحاب المال (الرأسمالية)، واستنجدوا بالكنيسة فأوصتهم بالرضا بقدرهم والاستسلام له.. وحاولوا الثورة، وتحطيم الآلات؛ فسلطت عليهم السلطة سيف القانون، وجعلت الإعدام عقوبة لتحطيم الآلات..
وسط تلك الظروف التمعت فكرة "ماذا لو اتحد العمال الذين يحترفون حرفه واحدة في "نقابة" تتولى هي عرض العمل، بدلاً من أن يتكوكبوا أمام بوابات المصانع، ويسمحوا
لأصحاب الأعمال بإجراء مناقصة في الأجور؟" إن هذه الوسيلة تقلب قانون العرض والطلب وتجعله كما لو لم يكن هناك سوى عامل واحد. هو النقابة التي "احتكرت" عرض العمل..
وكان الطريق أمامها حافلاً بالأشواك والمثبطات، ولكن العمال كافحوا – لمدة قرنين من الزمان- قبل أن تستطيع الحركة النقابية أن تكتسب القوة التي تمكنها من مجابهة أصحاب الأعمال مجابهة الند للند، وأن تنزلهم من عليائهم ليجلسوا على مائدة المفاوضات التي تنتهي باتفاقية جماعية. وبالطبع فإن الذي جعل أصحاب الأعمال يقبلون الجلوس مع العمال هو أنه إذا فشلت المفاوضات فسيلوذ العمال بالإضراب الذي يشل العمل في المصانع ويوقف سيل الأرباح لأصحاب الأعمال.
ولما كان الإضراب أشبه بحرب على المستوى الصناعي فقد كان على العمال أن يتعلموا بطريقة التجربة والخطأ، وأن يدفعوا ثمن ذلك غالبًا، ولكنهم في النهاية تعلموا الدرس.
وللحركة النقابية جوانب أخرى سياسية، واجتماعية لا يتسع الحال لشرحها. وفي كتاب "الحركة النقابية حركة إنسانية" قلنا بأنها تأتي بعد الأديان، وقبل الديمقراطية والاشتراكية في النهضة بالشعوب والجماهير.. وأنها أدخلت وسائل إنسانية في الكفاح مع أصحاب الأعمال تقوم على الشورى والتعاون وأنها خاضت غمار السياسة، بتكوينها الأحزاب ذات الاتجاهات الشعبية أو بمحاولاتها الخاصة كالتي قام بها عمال بريطانيا خلال المدة من 1838 – 1848 لإصلاح نظام الانتخابات وحملت اسم "الحركة الميثاقية"..
الثورة التكنولوجية والتكتيك النقابي الجديد
وتتعرض الحركة النقابية لتحديات جاء بها التقدم التكنولوجي وظهور الكومبيوتر والإنترنت مما أخل بنوعية العضوية النقابية وانحسار عمال الصناعات الثقيلة وزيادة عمال الخدمات واستخدام الكمبيوتر في المنازل، فضلاً عن حركات الاندماج ما بين المؤسسات العملاقة لتزداد عملقة، وليمكن توفير أعداد من العمال بعد أن قلص التقدم التكنولوجي أعدادهم من قبل.. بحيث ظهرت الحاجة إلى "تكتيك" نقابي جديد حتى لا يتشرد العمال اليوم كما تشردوا في أعقاب الثورة الصناعية الأولى.
ولما كان أسلوب عمل النقابات هو الضمانة الحقيقية للعمال في المجتمعات الحديثة، فإن الهيئات الدولية حمت حق تكوين النقابات والانضمام إليها، واعتبرت ذلك من الحقوق الأساسية للإنسان. فنصت الفقرة 4 من المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة سنة 1948م على حق كل إنسان في تكوين النقابات والانضمام إليها، كما عززت اتفاقيتا الأمم المتحدة الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هذا الحق.
وفي عهد سابق تكونت "منظمة العمل الدولية" سنة 1919 كجزء من تسوية السلام في آثار الحرب العالمية الأولى، وجعلت همها معالجة قضايا العمل وتسويتها ما بين الأطراف الثلاثة: (الحكومات – العمال – أصحاب الأعمال)، وتنضم اليوم كل دول العالم تقريبًا إلى منظمة العمل الدولية بمقرها في جنيف، ويكون تمثيل كل دولة على أساس ثلاثي. أي بمندوبين من الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال.
وتنفرد منظمة العمل الدولية بين المنظمات الدولية بهذه الصفة، وتعقد المنظمة مؤتمرًا سنويًا في يونيو من كل عام يحضره مندوبو الدول الأعضاء بصفتهم الثلاثية لمناقشة قضايا العمل، ولوضع "اتفاقيات" و"توصيات". والاتفاقية تعد معاهدة ملزمة للدول التي تصدق عليها.
وهناك عدد من الاتفاقيات التي أصدرتها المنظمة خاصة بحماية الحرية النقابية، أبرزها الاتفاقية 78 سنة 1948م عن حرية التكوين النقابي، والاتفاقية 98 لسنة 1949م عن حماية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، ومعظم الدول مصدقة على هذه الاتفاقيات التي تعد من أعرق الاتفاقيات ومن الاتفاقيات الخاصة بالحقوق الأساسية للإنسان.
وقد تكونت في السبعينيات منظمة عربية على غرار منظمة العمل الدولية هي منظمة العمل العربية التي أصدرت أيضًا اتفاقية عن الحرية النقابية.
الحركة النقابية في المجتمعات الإسلامية
وفي رأيي أن الفكر الإسلامي التقليدي قابل الحركة النقابية بشيء من التجهم عندما بدأت تظهر في الدول الإسلامية، فربما نظر إليها بعضهم باعتبارها منظمات شيوعية يكونها الشيوعيون، وأنها تؤدي إلى القلق والاضطراب والفتنة.
وكان لا بد لتبديد هذه الشبهات، وقد قام بهذه المهمة الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل الذي تكّون في جنيف عام 1981، وضم عددًا من النقابات في السودان والأردن والمغرب وباكستان وبنجلاديش.
وأهم عمل قام به الاتحاد هو أنه وضع تنظير إسلامي للحركة النقابية يختلف عن تنظيرها في المجتمع الرأسمالي وتنظيرها في المجتمع الاشتراكي، وبرهن على تقبل المجتمع الإسلامي للنقابات بوجود الأصناف في العهد العباسي، فضلاً عن أن هدف النقابات وهو العدل هو نفسه هدف الإسلام.
ووصل عمق دراسات الاتحاد في هذا المجال درجة أثبتت فيها أن الآية "282" من سورة "البقرة" التي تحدث فيها القرآن عن الدَّين بلورت عناصر الاتفاقيات الجماعية دون تطويع أو ابتسار، وشرح الاتحاد ذلك في الكتاب الذي أصدره عن "الإسلام والحركة النقابية"، والذي ظهرت طبعته الأولى سنة 1980م ليكون تحت يد أعضاء المؤتمر التأسيسي. وأعيد طبعه في الجزائر، ثم طبع طبعة ثانية بعد أن نفدت الطبعة الأولى.
وقام الاتحاد بنشاط كبير، ولكنه قوبل بمعارضة من كثير من الاتحادات العمالية التي ربطت مصيرها بالنظم الحاكمة، وما يفرضه ذلك عليها من اتباع لهذه النظم وعدم الخروج عليها، كما أن الاتحادات العمالية ذات الاتجاهات اليسارية ضاقت به أيضًا.. وحدثت آخر معاركه مع الاتحاد الدولي للنقابات الذي يسيطر عليه اتحاد عمال الولايات المتحدة عندما أعلن الاتحاد الإسلامي عن عزمه على عقد مؤتمر لنصرة القدس.
وتضمنت الكتب التي أصدرها الاتحاد مجلدًا عن الحرية النقابية من ثلاثة أجزاء، وسلسلة من الكتيبات، وكتابًا عن أزمة النقابية في المجتمع الرأسمالي والاشتراكي… إلخ.
ومعظم النقابات في الدول الإسلامية ترتبط بالنظم الحاكمة، ويعتمد بعضها في تمويل نشاطاته على الاتحادات العمالية الدولية، ففي فترة الأربعينيات وما تلاها كانت الحركة النقابية في الدول العربية ذات التوجه اليساري تعتمد على الاتحاد العالمي للنقابات (براج) الذي يموله الاتحاد السوفيتي، وكانت النقابات في المجتمعات العربية الرأسمالية تعتمد على الاتحاد الدولي للنقابات الحرة (بروكسل).
ولما تهاوى الاتحاد السوفيتي تهاوى معه الاتحاد العالمي، وانفرد الاتحاد الدولي للنقابات الحرة بالهيمنة على عالم النقابات العربية والإسلامية، ولما كان هذا الاتحاد يخضع للنفوذ الأمريكي فإن توجهاته كثيرًا ما تتعارض مع توجيهات هذه النقابات.
وقد كان للحركة النقابية في بعض الدول كتونس والسودان أثر كبير في السياسات القومية في فترة الأربعينيات والخمسينيات، ولكن هذا الأثر تقلص في الفترة المعاصرة.
ويظل الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل مشكلاً – في رأيي – لبادرة أمل بالنسبة للحركة النقابية؛ إذ يعتبر هو الوحيد الذي يضع تنظيرا نقابيًا فنيًا أصيلاً بعيدًا عن تلفيقات بعض الكتاب، أو استتباع بعض الأحزاب، ويتفق في الوقت نفسه مع وجدان هذه الشعوب وتاريخها وتقاليدها.

________________________________________
(1) استشهد بها في كتاب "الإسلام والحركة النقابية - جمال البنا، الطبعة الثالثة، ص 44- دار الفكر الإسلامي.
(2) وقد عالجنا موضوع الأصناف بتفصيل في كتاب "الإسلام والحركة النقابية"، والذي أصدره الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل.

moh.2000
30-04-2009, 20:14
تمهيد:
تعتبر القروض من أهم أوجه استثمار الموارد المالية للبنك، فهي تمثل الجانب الأكبر من الأصول، كما يمثل العائد المتولد عنها الجانب الأكبر من الإيرادات.
ونظرا للأهمية التي تحتلها القروض على مستوى نشاطات الأفراد والمؤسسات، أصبح من الضروري أن يولي المسئولون في البنك عناية خاصة بالقروض من خلال وضع سياسة ملائمة تضمن سلامتها.
وعليه يكون من الملائم في هذا الفصل إلقاء الضوء على ماهية القروض، ثم التعرض إلى السياسات الرئيسية التي تحكم طلب الاقتراض في مراحل المختلفة وصولا إلى تحليل تلك الطلبات.
المبحث الأول: ماهية القروض
بالرغم من تضارب الشروح حول المفاهيم الاقتصادية للقروض إلا أن الجميع يتفق في كونها مبلغ مالي مدفوع من طرف الجهاز المصرفي للأفراد والمؤسسات بهدف تمويل نشاط اقتصادي في فترة زمنية محددة، وذلك بمعدل فائدة مسبقا، وبتغيير آخر، فإن القروض المصرفية تعتبر عملية تحويل مؤقتة لرأس المال من زبون اقتصادي لآخر وذلك قصد استغلاله في نشاط إنتاجي أو استهلاكي، يسدد المبلغ مضافا إليه قيمة الفائدة التي تعتبر تعويضا للمقرض على حرمانه من رأسماله .
المطلب الأول: مفهوم القروض
يمكن القول أن القروض هي من أفعال الثقة بين الأفراد، ويتجسد القرض في ذلك الفعل الذي يقوم بواسطته شخص ما هو الدائن، والمتمثل في حالة القروض البنكية في البنك ذاته، يمنح أموال إلى شخص آخر هو المدين، أو يعد يمنحها أياما أو يلتزم بضمانه أمام الآخرين، وذلك مقابل ثمن أو تعويض هو الفائدة.
ويتضمن القرض الذي يعطي لفترة هي أصلا محدودة في الزمن لوعد من طرف المدين بتسديد بعد اقتضاء فترة يتفق عليها مسبقا بين الطرفين، وهناك الكثير من الأمور هي التي تدفع البنك إلى القيام بهذا الفعل، فالقرض قبل كل شيء هو الغاية من وجوده كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ويقوم البنك أيضا بهذا الفعل نظرا للملائمة المالية للمدين أو الزبون، فالبنك عندما يقوم بإقراض شخص معين فهو يثق في أن هذا الشخص مستعد وقادر على القيام بعملية التسديد متى حل تاريخ الاستحقاق وهو ملزم بدفع ثمن اكتساب حق استخدام هذه الأموال وفق الشروط والصيغ المتفق عليها.
ونستنتج مما سبق ذكره أن كل عملية قرض، حتى تكون كذلك يجب أن يتوفر فيها عنصرين على الأقل:
الأول: ويتمثل في عنصر الثقة فالدائن له ثقة في أن المدين سوف يقوم بالتسديد في الموعد المحدد، وبصفة عامة فهو قادر على الوفاء بكل الالتزامات التي تعهد بها.
الثاني: ويتمثل في ضرورة وجود فجوة زمنية ما بين منح الأموال وما بين استرجاعها وليس قرضا إن لم تكن هذه الفجوة الموجودة .
المطلب الثاني: مصادر القروض وخصائصه
I)- مصادر القرض: يتكون النظام المصرفي من مجموعة المؤسسات المالية، والنقدية وهي التي تقوم بعمليات التمويل، أي هي التي تقوم بدور الوساطة بين أصحاب الفائض المالي وأصحاب العجز المالي، وموارد هذه المؤسسات المالية والنقدية في منح القروض هي:
1- موارد البنوك: هناك ثلاثة أصناف من الموارد.
أ- النقود التي خلقتها والتي تغذى ودائعها.
ب- الادخار السائل أو قصير المدى الذي تجمعه البنوك.
ج- الموارد المقترضة للمدى الطويل ورأسمالها الخاص.
2- موارد صناديق القرض البلدي: تمول قروضها من قروض وهبات الجماعات المحلية.
3- موارد الشركات المالية: تأتي من أسواق رؤوس الأموال.
4- موارد المؤسسات المتخصصة: تأتي من أسواق رؤوس الأموال.
5- الموارد المالية للخزينة العامة: تجمع الخزينة العامة الموارد من كل نوع سيولة:
أ- موارد ادخار.
ب- موارد من عند المؤسسات المالية والخاصة من البنك المركزي الذي يتم حسابها فعندما تحصل هذه المؤسسات على هذه الموارد تقوم بتقديمها في شكل قروض إلى زبائنها .
II- خصائص القروض:
من الخصائص البارزة التي يتميز بها القرض، كونه يقوم أساسا على الاختيار لا الالتزام بخلاف الضريبة التي تعتبر كمساهمة إجبارية في عمليات الاستثمار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن القرض يؤثر فقط في درجة سيولة الوحدات الاقتصادية ولا أثر له على صافي مجموع الأصول، فهو من قبيل العمليات المتعلقة بحساب رأس المال، كما يختلف القرض على الاعتماد في كون هذا الأخير عقد بمقتضى يضع المصرف تحت تصرف العميل مبلغا معينا، يحسب منه ما يشاء أومرات متعددة.
المطلب الثالث: أنواع القروض
عموما هناك نوعان من القروض
القروض الموجهة لتمويل نشاطات الاستغلال، والقروض الموجهة لتمويل نشاطات الاستثمار.
I)- القروض الموجهة لتمويل نشاطات الاستغلال: .
هذه القروض قصيرة من حيث المدة الزمنية، هي في الغالب لا تتعدى الثمانية عشر شهرا، وتلجأ المؤسسة إلى هذا النوع من القروض إذا أرادت التغطية الآنية لاحتياجات خزينتها، أو إذا أرادت مواجهة عملية تجارية في زمن محدود.
وتتبع البنوك عدة طرق لتمويل الأنشطة، وذلك حسب طبية النشاط ذاتها، أو حسب الوضعية المالية للمؤسسة أو الغاية من القرض.
ويمكن بصفة إجمالية أن نصنف القروض إلى صنفين رئيسيين: القروض العامة، القروض الخاصة.
1- القروض العامة: سميت بالقروض العامة لكونها موجهة لتمويل الأصول المتداولة بصفة إجمالية وليست موجهة لتمويل أصل بعينه، وتسمى كذلك بالقروض عن طريق الصندوق، أو قروض الخزينة.
وتلجأ المؤسسات عادة إلى مثل هذه القروض لمواجهة صعوبات مالية مؤقتة ويمكن إجمال هذه القروض في ما يلي:
أ- تسهيلات الصندوق: هي عبارة عن قروض معطاة لتخفيف صعوبات السيولة المؤقتة والقصيرة جدا التي يواجهها الزبون، والناجمة عن تأخر الإيرادات عن النفقات أو المدفوعات، فهي ترمي إلى تغطية الرصيد المدين إلى حين أقرب فرصة تتم فيها عملية التحصيل لصالح الزبون، حيث يقتطع مبلغ القرض ويتم اللجوء إلى مثل هذه القروض في فترات معينة كنهاية الشهر مثلا، حيث تكثر نفقات الزبون ولا يكفي ما عنده بالخزينة من سيولة لتغطية هذه النفقات، فيقوم البنك حينها بتقديم هذا النوع من القروض، ويتجسد ذلك في السماح للزبون بأن يكون حسابه مدينا، وذلك في حدود مبلغ معين ومدة زمنية لا تتجاوز عدة أيام من الشهر.
ب- الحساب المكشوف: هو عبارة عن قرض بنكي لفائدة الزبون الذي يسجل نقصا في الخزينة ناجم عن عدم كفاية رأس المال العامل، ويتجسد ماديا في إمكانية ترك حساب الزبون لكي يكون مدينا في حدود مبلغ معين، ولفترة أطول نسبيا تصل إلى سنة كاملة.
وعلى الرغم من التشابه الموجود بين تسهيل الصندوق والسحب على المكشوف ترك حساب الزبون لكي يكون مدينا، فإن هناك اختلافات جوهرية بينهما تتمثل خاصة في مدة القرض، وطبيعة التبادل.
ج- القرض الموسمي: القروض الموسمية هي نوع خاص من القروض البنكية، وتنشأ عندما يقوم البنك بتمويل نشاط موسمي لأحد زبائنه، فالكثير من المؤسسات نشاطاتها غير منتظمة وغير ممتدة على دورة الاستغلال، بل أن دورة الإنتاج أو دورة البيع موسمية، فالمؤسسة تقوم بإجراء النفقات خلال فترة معينة يحصل أثناءها الإنتاج وتقوم ببيع هذا الإنتاج في فترة خاصة.
والقروض التي يمنحها البنك للزبون لتمويل تكاليف المواد الأولية والمصاريف الأخرى المرتبطة بعملية الإنتاج تسمى القروض الموسمية، وهذا القرض يستعمل إذا لمواجهة حاجيات الخزينة الناجمة عن هذا النشاط الموسمي للزبون.
ومما تجدر الإشارة إليه أن البنك لا يقوم بتمويل كل التكاليف الناجمة عن هذا النوع من النشاط، وإنما يقوم فقط بتمويل جزء من هذه التكاليف وبما أن النشاط الموسمي لا يمكن أن يتجاوز دورة استغلال واحدة فإن هذا النوع من القروض يمكن أن تمنح لمدة تمتد إلى غاية تسعة أشهر.
د- قرض الربط: هو عبارة عن قرض يمنح إلى الزبون لمواجهة الحاجة إلى السيولة المطلوبة لتمويل عملية مالية في الغالب، تحققها شبه مؤكد، ولكنه مؤجل فقط لأسباب خارجية.
ويقرر البنك مثل هذا النوع من القروض عندما يكون هناك شبه تأكد من تحقق العملية محل التمويل.
2- القروض الخاصة: هذه القروض غير موجهة لتمويل الأصول المتداولة بصفة عامة، وإنما توجه لتمويل أصل معين من بين هذه الأصول، وتتضمن ثلاثة أنواع وهي:
أ- تسبيقات على البضائع: التسبيقات على البضائع هي عبارة عن قرض يقدم إلى الزبون لتمويل مخزون معين، والحصول مقابل ذلك على بضائع كضمان للمقرض، وينبغي على البنك أثناء هذه العملية التأكد من وجود البضاعة وطبيعتها ومواصفاتها ومبلغها إلى غير ذلك من الخصائص المرتبطة بها.
وينبغي على البنك عند الإقدام على منح هذا النوع من القروض أن يتوقع هامشا ما بين مبلغ القرض المقدم وقيمة الضمان للتقليل أكثر من الأخطار.
وقد أثبتت الوقائع أن هذا النوع من القروض يمنح خاصة لتمويل المواد الأساسية مثل القهوة وغيرها.
ب- تسبيقات على الصفقات العمومية: الصفقات العمومية هي عبارة عن اتفاقات للشراء أو تنفيذ أشغال لفائدة السلطات العمومية تقام بين هذه الأخيرة ممثلة في الإدارة المركزية أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري من جهة، والمقاولين أو الموردين من جهة أخرى.
ج- الخصم التجاري: هو شكل من أشكال القروض التي يمنحها البنك للزبون، وتتمثل عملية الخصم التجاري في قيام البنك بشراء الورقة التجارية من حاملها قبل تاريخ الاستحقاق ويحل محلها الشخص في الدائنية إلى غاية هذا التاريخ، فالبنك يقوم إذن بإعطاء سيولة لصاحب الورقة قبل أن يحين أجل تسديدها، وتعتبر عملية الخصم قرضا باعتبار أن البنك يعطي مالا إلى حاملها، وينتظر تاريخ الاستحقاق لتحصيل هذا الدين.
ويستفيد البنك مقابل هذه العملية من ثمن، ويسمى سعر الخصم.
3- القرض بالالتزام: إن القرض بالالتزام أو بالتوقيع لا يتجسد في إعطاء أموال حقيقية من طرف البنك إلى الزبون، وإنما يتمثل في الضمان الذي يقدمه له لتمكينه من الحصول على أموال من جهة أخرى، أي أن البنك هنا لا يعطي نقودا، ولكن يعطي ثقته فقط ويكون مضطرا إلى إعطاء النقود إذا عجز الزبون على الوفاء بالتزاماته، وفي مثل هذا النوع من القروض يمكن أن نميز بين ثلاثة أشكال أساسية هي: الضمان الاحتياطي، الكفالة، القبول.
أ- الضمان الاحتياطي: وهو عبارة عن التزام يمنحه شخص يكون في العادة بنكا، يضمن بموجبه تنفيذ الالتزامات التي قبل بها أحد مديني الأوراق التجارية، وعليه فإن الضمان الاحتياطي هو عبارة عن تعهد لضمان القروض الناجمة على خصم الأوراق التجارية وقد يكون الضمان شرطيا عندما يحدد مانح الضمان شروطا معينة لتنفيذ الالتزام وقد يكون لا شرطيا إذا لم يحدد أي شرط لتنفيذ الالتزام.
ب- الكفالة: هي عبارة عن التزام مكتوب من طرف البنك يتعهد بموجبه بتسديد الدين الموجود على عاتق المدين في حالة عدم قدرته في الوفاء بالتزاماته وتحدد في هذا الالتزام مدة الكفالة ومبلغها، ويستفيد هذا الزبون من الكفالة في علاقته مع الجمارك وإدارة الضرائب، وفي حالة النشاطات الخاصة بالصفقات العمومية كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ج- القبول: في هذا النوع من القروض يلتزم البنك بتسديد الدائن وليس زبونه ويمكن التمييز بين عدة أشكال لهذا النوع من القروض.
- القبول الممنوح لضمان ملائمة الزبون الأمر الذي يعفيه من تقديم ضمانات.
- القبول المقدم بهدف تعبئة الورقة التجارية.
- القبول الممنوح للزبون من اجل مساعدته على الحصول على مساعدة للخزينة والقبول المقدم في التجارة الخارجية.
II)- القروض الموجهة لتمويل نشاطات الاستثمار:
يشمل هذا النوع كلا من القروض متوسطة الأجل والقروض طويلة الأجل وتستعمل لتمويل الجزء العلوي من الميزانية، أي الأصول الثابتة ووسائل العمل داخل المؤسسة.
1- عمليات القرض الكلاسيكي لتمويل الاستثمارات:
يتم في هذا الصدد التمييز بين نوعين من الطرق الكلاسيكية في التمويل الخارجي للاستثمارات.
القروض متوسطة الأجل والقروض طويلة الأجل، ويربط كل نوع من هذه القروض بطبيعة الاستثمار ذاته.
أ- القروض متوسطة الأجل: توجه هذه القروض لتمويل الاستثمارات التي لا يتجاوز عمر استعمالها سبع سنوات، مثل الآلات والمعدات ووسائل النقل وتجهيزات الإنتاج بصفة عامة، ونظرا لطول هذه المدة فإن البنك معرضا لخطر تجميد الأموال ناهيك عن الأخطار الأخرى المتعلقة باحتمالات عدم السداد والتي يمكن أن تحدث تبعا للتغيرات التي يمكن أن تطرأ على مستوى المركز المالي للمقرض.
ويمكن في الواقع التمييز بين نوعين من القروض متوسطة الأجل، يتعلق الأمر بالقروض القابلة للتعبئة لدى مؤسسة مالية أخرى أو لدى معهد الإصدار، والقروض غير قابلة للتعبئة.
أولا: القروض القابلة للتعبئة: ونعني أن البنك المقرض بإمكانه إعادة خصم هذه القروض لدى مؤسسة مالية أخرى او لدى البنك المركزي، ويسمح له ذلك بالحصول على السيولة في حالة الحاجة إليها دون انتظار اجل استحقاق القرض الذي منحه ويسمح له ذلك بالتقليل من خطر تجميد الأموال، ويحينه إلى حد الوقوع في أزمة نقص السيولة.
ثانيا: القروض غير القابلة للتعبئة: وتعني أن البنك لا يتوفر على إمكانية إعادة خصم هذه القروض لدى مؤسسة مالية أخرى أو لدى البنك المركزي وبالتالي فإنه يكون مجبرا على انتظار سداد المقترض لهذا القرض، وهنا تظهر كل المخاطر المرتبطة بتجميد الأموال بشكل أكبر وليس للبنك أي طريقة لتفاديها.
إن ظهور مخاطر أزمة السيولة قائمة بشكل شديد ولذلك على البنك في هذه الحالة من القروض أن يحسن دراسة القروض وأن يحسن برمجتها زمنيا بالشكل الذي لا يهدد صحة خزينته.
ب- القروض طويلة الأجل: تلجأ المؤسسات التي تقوم باستثمارات طويلة إلى البنوك لتمويل هذه العمليات نظرا للمبالغ الكبيرة التي لا يمكن أن تعبئها لوحدها، وكذلك نظرا لمدة الاستثمار وفترات الانتظار الطويلة قبل البدء في الحصول على عوائد.
والقروض طويلة الأجل الموجهة لهذا النوع من الاستثمارات تفوق في الغالب سبع سنوات ويمكن أن تمتد أحيانا إلى غاية عشرين سنة، وهي توجه لتمويل نوع خاص من الاستثمارات مثل الحصول على عقارات كالأراضي والمباني بمختلف استعمالاتها المهنية.
ونظرا لطبيعة هذه القروض تقوم بها مؤسسات متخصصة لاعتمادها في تعبئة الأموال اللازمة لذلك على مصادر ادخارية طويلة لا تقوى البنوك التجارية عادة على جمعها.
إن طبيعة هذه القروض تجعلها تنطوي على مخاطر عالية الأمر الذي يدفع المؤسسات المتخصصة في مثل هذا النوع من التمويل إلى البحث عن الوسائل الكفيلة لتخفيف درجة هذه المخاطر، ومن بين الخيارات المتاحة لها في هذا المجال، تشترك عدة مؤسسات في تمويل واحد أو تقوم بطلب ضمانات حقيقية ذات قيمة عالية قبل الشروع في عملية التمويل.
ورغم كل هذه المصاعب تبقى صيغ التمويل الكلاسيكي من بين الطرق المستعملة بشكل شائع في تمويل الاستثمارات، ولكن ذلك لم يمنع النظام البنكي من تطوير وسائل التمويل بشكل يسمح له بتجاوز عوائق ومصاعب هذه الأنواع من القروض وتدخل طرق الائتمان الإيجاري في هذا التطور العام لفكرة التمويل.
2- القرض الإيجاري:
لا شك أن طرق التمويل الكلاسيكي للاستثمارات تشكل عبئا على المؤسسات المستثمرة خاصة فيما يتعلق بالعبء المالي وطريقة تحمله ولذلك ظهرت الحاجة إلى البحث عن طرق أخرى لتمويل الاستثمارات يكون من خصائصها تجنب عراقيل طرق التمويل الكلاسيكية.
ويعتبر القرض الايجاري فكرة حديثة للتجديد في طرق التمويل، وإن كانت هذه الطريقة لا تزال تحتفظ بفكرة القرض، فإنها قد أدخلت تبدلا جوهريا في طبيعة العلاقة التمويلية بين المؤسسة المقترضة والمؤسسة المقرضة.
ورغم حداثة هذه الطريقة فإنها تسجل توسعا سريعا في الاستعمال لإقدام المستثمرين عليها بالنظر إلى المزايا العديدة التي تقدمها له.
أ- تعريف القرض الإيجاري:
هو عبارة عن عملية يقوم بموجبها بنكا أو مؤسسة مالية أو شركة تأجير مؤهلة قانونا لذلك بوضع آلات أو معدات أو أية أصول مادية أخرى بحوزة مؤسسة مستعملة على سبيل الإيجار مع إمكانية التنازل عنها في نهاية الفترة المتعاقد عليها، ويتم التسديد على أقساط يتفق بشأنها تسمى ثمن الإيجار.
ب- خصائص القرض الإيجاري:
يمكننا من خلال هذا التعريف استنتاج الخصائص الأساسية للقرض الإيجاري:
أولا: إن المؤسسة المستفيدة من هذا النوع من التمويل والتي تسم المؤسسة المستأجرة غير مطالبة باتفاق المبلغ الكلي للاستثمار مرة واحدة، وإنما تقوم بالدفع على أقساط تسمى ثمن الإيجار، وتتضمن هذه الأقساط جزء من ثمن شراء الأصل مضافا إليه الفوائد التي تعود للمؤسسة المؤجرة ومصاريف الاستغلال المرتبطة بالأصل المتعاقد حوله.
ثانيا: إن ملكية الأصل أو الاستثمار أثناء فترة العقد تعود إلى المؤسسة المؤجرة وليس للمؤسسة المستأجرة، وتستفيد هذه الأخيرة من حق الاستعمال فقط وتبعا لذلك تكون مساهمة المؤسسة المؤجرة قانونية ومالية، بينما تكون مساهمة المؤسسة إدارية واقتصادية .
ثالثا: في نهاية العقد تتاح للمؤسسة المستأجرة ثلاث خيارات إما أن تطلب تجديد عقد الإيجار وفق شروط يتفق بشأنها مجددا وتستفيد بالتالي لفترة أخرى من حق استعمال هذا الأصل دون أن تكسب ملكيته.
وإنما أن تشتري نهائيا هذا الأصل بالقيمة المتبقية المنصوص عليها في العقد وفي هذه الحالة تنقل الملكية القانونية للأصل للمؤسسة المستأجرة إضافة إلى حق الاستعمال وهذا هو الخيار الأخير أن تمتنع عن تجديد العقد وتمتنع أيضا عن شراء الأصل وتنهي بذلك العلاقة القائمة بينهما وتقوم بإرجاع الأصل إلى المؤسسة المؤجرة.
رابعا: تقيم عملية القرض الإيجاري علاقة بين ثلاثة أطراف هي المؤسسة المؤجرة والمؤسسة المستأجرة باختيار الأصل الذي ترغب فيه لدى المؤسسة الموردة، وتقوم المؤسسة المؤجرة بإجراءات شراء هذا الأصل من المؤسسة الموردة ودفه ثمنه بالكامل، ثم تقديمه إلى المؤسسة المستأجرة على سبيل الإيجار طبعا.
ج- مزايا وعيوب القرض الإيجاري:
أولا: المزايا: يوفر القرض الإيجاري مجموعة من المزايا أهمها:
- مقدرة المستأجر على سداد إيجار الأصول دون التركيز على حجم أصوله ومقدار رأسمال وحجم نشاطه.
- احتفاظ الشركة الممولة بملكية الأصل موضوع الإيجار بجعلها تستغني عن كثير من التي تتطلب في حالة التمويل النقدي التقليدي.
- تقدم مؤسسة الإيجار للمستأجر ما يقارب 100% من التمويل المطلوب في حين أن التمويل التقليدي في أحسن الظروف لا يمثل سوى 70% من حجم الاستثمار.
- يعتبر التمويل بواسطة الإيجار الطريقة المثلى لتمويل المؤسسات الطويلة والمتوسطة التي حرمها صغر حجمها من الاستفادة من التمويل التقليدي لافتقارها للضمانات اللازمة بالرغم من مردوديتها العالية وكفاءة رأسمال المرتفعة.
ثانيا: العيوب: رغم كل الإيجابيات التي تم ذكرها، إلا أنه لا يكاد يخلوا من بعض العيوب أبرزها هو ارتفاع تكلفته حيث أن قسط الإيجار إضافة إلى اهتلاك الأصل، المصاريف العامة التي تتحملها المؤسسة المؤجرة ومكافآت عن رأسمال المؤجر وهامش من الربح، إذ أن شركة الإيجار تهدف إلى الحصول على معدل يتراوح بين 13% إلى 18% كمعدل متوسط الفائدة.
المطلب الرابع: أهداف العملية الإقراضية:
إن إقبال المؤسسة على البنوك عامل حضاري من عوامل التنمية، فعوض إقفال الدفاتر التجارية للمؤسسة وتسريح عمالها وإعلان إفلاسها لما لا تلجأ هذه المؤسسة إلى الإقراض للقضاء على الأزمة كيفما كان مصدرها ومن ثمة يمكن تقييم أهداف العملية الإقراضية إلى:
I )- أهداف اقتصادية:
1- تغطية العجز المالي للمؤسسة.
2- تزويد السوق الوطنية بالمنتجات عوض الإقصاء.
3- تحقيق معدل معين من الربح.
4- التصنع بعناية المصرف للمقرض أثناء متابعة القرض تقنيا (الاستفادة من استثمارات البنوك).
II )-
أهداف اجتماعية:
1- القضاء على البطالة.
2- رفع مستوى العمال اجتماعيا ومعاشيا ودمجهم في الحياة الاجتماعية.
3- العناية بالمجتمع وتلبية حاجياته الحياتية ثقافيا وسياسيا.
المبحث الثاني: السياسات الأساسية للإقراض
إن ضخامة حجم الاستثمار في القروض، وصعوبة التخلص منها قبل تاريخ الاستحقاق، والاتجاه نحو تقديم قروض طويلة الأجل تظل أموال البنك مفرقة فيها حتى يحل أجلها يقتضي ضرورة وضع سياسات مكتوبة للإقراض تضمن سلامة الأموال المستثمرة، كما تضمن تحقيق عائد يتلاءم مع المخاطر التي ينطوي عليها قرار الإقراض.
وعادة ما تتعلق السياسات الرئيسية للإقراض بمسائل هامة مثل حجم الأموال المتاحة للإقراض، والتشكيلة التي تتكون منها محفظة القروض والمستويات التي من سلطتها اتخاذ القرار وشروط التعاقد ومتابعة القروض والملفات التي تتضمن مستندات وبيانات كل قرض وفي ما يلي نتناول السياسات المتعلقة بكل من هذه المسائل.
المطلب الأول: حجم الأموال المتاحة للإقراض.
عادة ما تنص سياسات الإقراض على أن لا تزيد القيمة الكلية للقروض عن نسبة معينة من الموارد المتاحة التي تتمثل أساسا في الودائع والقروض ورأسمال وهي بهذا الشكل تعد سياسة مرنة يرتفع وينخفض في ظلها حجم الاستثمار في القروض وفقا لارتفاع أو الانخفاض في حجم تلك الموارد وتتوقف النسبة المقررة على الاستقرار الذي تتصف به ودائع البنك، على أن يلاحظ في هذا الصدد أنه على الرغم من تصنيف الودائع الجارية على أنها ودائع تحت الطلب إذ يمكن سحبها في أي وقت فإن هناك جزء كبير من هذه الودائع يتصف بقدر كبير من الثبات والاستقرار شأنه في ذلك شأن الودائع لأجل وودائع التوفير، ومن المتوقع أن يسترشد القائمين على التنفيذ بالنسبة المقررة للإقراض، ففي فترات الرواج ينبغي عليهم تحقيق تلك النسبة دون حدوث تجاوز يكون من شأنه أن يضعف مركز البنك من حيث السيولة، وفي فترات الكساد يتوقع انخفاض النسبة الفعلية للإقراض عن النسبة المقررة وذلك في حدود ما هو سائد بين تلك البنوك المنافسة المماثلة من حيث الحجم.
المطلب الثاني: تشكيلة القروض
يترتب على تنويع الاستثمار تخفيض في المخاطر دون أن يترك ذلك أثرا عكسيا على العائد، وفي هذا الصدد توجد العديد من الاستراتيجيات التنويع، فعلى سبيل المثال هناك التنويع وفق تاريخ الاستحقاق حيث توجد القروض طويلة الأجل ومتوسطة وقصيرة الأجل والتنويع على أساس الموقع الجغرافي للنشاط الذي يوجه إليه القرض والتنويع وفق قطاعات النشاط حيث توجد القروض التي توجه إلى القطاع الزراعي والصناعي وقطاع الخدمات، وأخيرا هناك التنويع على أساس طبيعة نشاط العميل داخل كل قطاع.
ومن المتوقع أن تحدد سياسة الإقراض المدى الذي سيذهب إليه البنك لتنويع استثماراته، إذ قد تحرم السياسة في توجيه أموال البنك إلى أنشطة أو عملاء معينين، أو قد تكتفي بوضع حد أقصى لحجم القروض التي يمكن أن يحصلون عليها ومن ناحية أخرى قد تعطي السياسة أولوية للقروض الموجهة لمجالات معينة من النشاط.
المطلب الثالث: مستويات اتخاذ القرار
ينبغي أن تحدد سياسات الإقراض المستويات الإدارية التي يقع على عاتقها البحث في طلبات الاقتراض، وبما يضمن عدم ضياع وقت الإدارة العليا في بحث قروض روتينية، وبما يضمن سرعة اتخاذ القرارات خاصة عندما تكون حاجة العميل إلى الأموال العاجلة، وحتى يتحقق ذلك عادة ما تنص سياسة الإقراض على حد أقصى للقرض الذي يقدمه كل مستوى إداري.
وفي جميع الأحوال ينبغي أن يحصل مدير إدارة الإقراض ولجنة الإقراض المختصة على تقرير دوري يوضح حالة القروض التي تم البحث فيها على كافة المستويات، وذلك كنوع من المتابعة.
هذا وقد تنص سياسات الإقراض على معاملة القروض التي يتقدم بها كبار المساهمين وكبار المودعين معاملة خاصة، وذلك بأن تحول تلك الطلبات إلى مدير إدارة الإقراض أو إلى لجنة مختصة، بصرف النظر عن قيمة القرض المطلوب.
المطلب الرابع: شروط الإقراض ومتابعتها
ينبغي أن تنص سياسات الإقراض على حد أقصى لقيمة القرض الذي يمكن أن يقدمه البنك، وعلى ما إذا كان من الممكن إتباع سياسة المشاركة في القروض خاصة في الحالات التي تفوق فيه قيمة القرض الحد الأقصى المنصوص عليه، والذي عادة ما يتمثل في نسبة مئوية معينة من رأسمال البنك بما في ذلك الاحتياطي المتجمع، كذلك ينبغي أن تنص السياسة على حد أقصى لتاريخ استحقاق القروض التي يقدمها البنك وما إذا كان من الممكن إتباع استراتيجية تعويم معدل الفائدة أم الالتزام بمعدل فائدة ثابتة طوال فترة القرض وعادة ما تنص السياسة كذلك على الظروف التي ينبغي فيها مطالبة العميل بتقديم رهونات لضمان القرض، وأنواع الأصول التي يمكن قبولها، ونسبة القرض إلى قيمة الأصل المرهون والتي تتفاوت بتفاوت طبيعة الأصل ومدة تعرض قيمته السوقية بالتقلب، والإجراءات التي ينبغي اتخاذها إذا ما انخفضت القيمة السوقية للأصل المرهون.
كما يتوقع أن تنص سياسة الإقراض على بدائل أخرى لضمان مستحقات البنك، ومن الأمثلة على تلك البدائل تقديم طرف ثالث كضمان للعميل، والنص في عقد الإقراض على حق البنك في استرداد قيمة القرض فور إخلال العميل بأي من شروط التعاقد.
متابعة القروض:
وكذلك قد تنص سياسات الإقراض على ضرورة متابعة القروض التي تم تقديمها الاكتشاف أي صعوبات محتملة في السداد باتخاذ الإجراءات الملائمة في الوقت المناسب.
وقد تتمثل المشكلات في انخفاض القيمة السوقية للأصول المرهونة، أو عدم قدرة العميل على سداد مستحقات البنك في المواعيد المحددة أو على الإطلاق، وهذا وقد تنص السياسة على حد أقصى للتأخير الذي ينبغي أن تتخذ بعده إجراءات معينة بما يضمن تحصيل مستحقات البنك أو الجانب الأكبر منها.
المطلب الخامس: ملفات القرض
قد تنص سياسات الإقراض على تخصيص ملف لكل قرض يتضمن طلب الاقتراض والقوائم المالية عن السنة الحالية وعن سنوات سابقة، وأي تقرير حصل عليه البنك من الغير بشان العميل، وينبغي أن يتضمن الملف كذلك سجل تاريخي عن مدى التزام العميل بالاتفاق مع البنك والأرباح التي حققها البنك من القروض التي سبق للعميل الحصول عليها، وملخص دوري عن موقف العميل في علاقته مع البنك .
المبحث الثالث: تحليل طلبات الإقراض
من الخطأ أن ينتظر البنك حتى يدق المقترضون على أبوابه بل من الأجدر الاتصال بالعملاء الحاليين والمحتملين إما شخصيا ومن خلال إعلانات على عناوينهم لإحاطتهم بأنواع القروض المتاحة التي يمكنهم التفاوض مع البنك للحصول عليه، وتساهم هذه المبادرة في زيادة احتمال حصول البنك على طلبات اقتراض من عملاء معروفين كما قد تؤدي إلى زيادة تمسك العملاء الحاليين بالبنك وإغراء العملاء المحتملين بالتعامل معه والاحتفاظ بجزء من ودائعهم لديه، وإذا ما أبدى بعض المقترضين المحتملين رغبتهم في الحصول على قروض فإن هذا لا يعني استجابة فورية من البنك، إذ ينبغي الحصول على بيانات ومعلومات كافية عن الغرض من القرض، وعلى العميل ذاته على أن يتم تحليل هذه البيانات وتلك المعلومات لاستخدامها كأساس للتفاوض.
المطلب الأول: الغرض من القرض
يتمثل الجانب الأكبر من طلبات الإقراض في قروض قصيرة الأجل وتستخدم في تمويل رأسمال العامل الذي يتمثل أساسا في المخزون السلعي والذمم النقدية، وترجع الحاجة إلى قروض قصيرة الأجل إلى أحد الأسباب التالية أو جلها:
- ارتفاع معدل نمو النشاط.
- ارتفاع الاحتياجات الموسمية.
- مواجهة الخسائر التي تتعرض لها المؤسسة.
- إجراء توزيعات تفوق الموارد المالية المتاحة.
- الفشل في الحصول على مصادر تمويل طويلة الأجل لتمويل الأصول الثابتة.
ومن المتوقع أن تختلف معاملات طلبات الاقتراض باختلاف الهدف من القرض فقد يرحب البنك بتقديم القروض للغرضين الأوليين بينما قد يتردد في تقديمها للأغراض الثلاثة الأخرى، إذ قد يحتاج قرار الإقراض إلى معلومات إضافية عن العميل وعن النشاط الذي سيوجه إليه القرض وكذا عن مدى قدرة العميل على سداد القرض والفوائد في تاريخ الاستحقاق.
ولا يقتصر البنك على تقديم القروض قصيرة الأجل بل قد تتجه أيضا لتقديم القروض طويلة الأجل خاصة لمؤسسات الأعمال، وهناك دوافع كثيرة لسعي المؤسسات للحصول على قرض طويل الأجل من بينها العمل على تحقيق توازن في الهيكل المالي أي التوازن بين حجم الأموال المملوكة وحجم الأموال المقترضة وصعوبة الحصول على أموال من مصادر أخرى طويلة الأجل كإصدار أسهم أو سندات أو احتجاز الأرباح.
وفي كلتا الحالتين ينبغي التأكد من أن القوة الإرادية للمؤسسة تكفي لسداد أصل القرض والفوائد، فالمؤسسة التي تفشل في سداد القروض طويلة الأجل من الأرباح وعادة ما ينتهي الأمر بها إلى الإفلاس.
وعلى العموم فإن البنك قد لا يتردد كثيرا في تقديم القروض التي تستهدف خلق التوازن في الهيكل المالي، بينما قد يتردد في تقديم القروض إلى العميل الذي يجد صعوبة في الحصول على ما يحتاجه من مصادر أخرى بديلة.
المطلب الثاني: الحصول على معلومات عن مقدم الطلب
عادة ما تقتضي سياسة الإقراض قيام المقترض المحتمل بتقديم طلب للإقراض يتضمن قيمة القرض والسبب الذي يقوده إلى الاقتراض والقروض التي سبق له الحصول عليها وأسماء البنوك التي سبق له الاقتراض منها.
بالإضافة إلى تلك المعلومات يشير "جاكور" إلى ضرورة حصول البنك على معلومات عن ثلاث سمات أساسية عن العميل وهي: قدرته على السداد، شخصية وحجم رأسماله، ويضيف "ويبستون" و "برينجهام" الرهونات التي يمكن أن يقدمها العميل والظروف الاقتصادية المحيطة.
I )- قدرة العميل:
يقصد بقدرة العمل مدى إمكانية قيامه بسداد ما عليه من مستحقات في المواعيد المحددة، ومن بين المؤشرات المفيدة في هذا الصدد تلك التي تتعلق بتاريخ العميل في النشاط الذي يمارسه وكفاءة المديرين وسمعتهم وأساليب وطرق ممارسة أوجه النشاط المختلفة ومدى انتظام العميل في سداد القروض التي سبق أن حصل عليها، وقد توجد في سجلات البنك معلومات مفيدة في هذا الشأن كما يمكن الحصول على تلك المعلومات من بنوك أخرى، وإلى جانب هذه المؤشرات التي تعتمد على الحكم الشخصي هناك مؤشرات أخرى موضوعية كربحية النشاط لعدد من السنوات ومتوسط رصيد النقدية وحجم الأصول التي يمكن للمنشأة تحويلها إلى نقدية بسهولة ودون خسائر كبيرة وتعتبر القوائم المالية الممثلة في قائمة الدخل والميزانية العمومية مصدرا أساسيا لتلك المعلومات.
II)- شخصية العميل:
يقصد بشخصية العميل في هذا الصدد السمات التي تكشف عن رغبته في سداد ما عليه من مستحقات في المواعيد المحددة.
ويعتبر العنصر الأول والأكثر تأثيرا في المخاطر التي تتعرض لها المصارف التجارية وللشخصية التي تتمتع بها من قدم هذا القرض أو الائتمان، عدة تحديدات رغم أنها تدور حول خصائص الفرد الأخلاقية والقيمة التي تؤثر على مدى التزامه بتعهداته أمام المصرف فالأمانة والثقة والمثل والمصداقية وبعض الخصائص الشخصية الأخرى تشير كلها إلى حجم شعور الفرد بالمسؤولية وبالتالي حجم التزامه بسداد ديونه لذلك تسمى المخاطر الخاصة بهذا العنصر لدى البعض بالمخاطر المعنوية أو الأدبية.
وعادة لا تتم التفرقة بين شخصية المقترض فيما إذا كان شخصا حقيقيا أو معنويا وخاصة بالنسبة للمنشآت الصغيرة حيث تعتمد مواصفات إدارتها، أما بالنسبة للمنشآت الكبيرة فإن مواصفاتها تتعدى إدارتها إلى العمليات التي تقوم بها والسياسات التي تعتمدها وسجلات التي تحتفظ بها لأدائها.
وعادة ما يتم تحديد الشخصية من خلال تجارب المقترض مع المصرف وثقة المصرف بذلك وما يمكن تأكيده في تجسيد أهمية هذا العنصر في المخاطر التي تتعرض لها المصارف من أن المصارف أخذت تركز على حالة الإفلاس التي يعلنها بعض المقترضين والتي ازدادت في السنوات الأخيرة في العالم حتى أخذ بعضهم يخطط لها للتخلص من ديونه فهناك فرق في المخاطرة بين مقترض يحاول تجميع أمواله وتسديد بعض التزاماته رغم إعلان إفلاسه وبين من يعلن إفلاسه للتخلص من الديون المستحقة عليه.
III)- رأس المال:
من العناصر الأساسية لتحديد درجة مخاطرة المصارف التجارية عند تقديمها للقروض هم ما يمتلكه المقترض من ثروة أو ما يملكه من أسهم وأملاك وقروض طويلة الأجل قد يمنحها للغير، ويقصد برأس المال جميع الموجودات المنقولة وغير المنقولة التي يمتلكها المقترض مطروحا منه المطلوبات التي بذمته، ولهذا يسمى هذا الجزء من المخاطر بمخاطر الملكية.
وعادة ما تتأثر قدرة المقترض في سداد قرضه على قيمة رأس المال الذي يملكه، وكلما زاد رأس المال كلما انخفضت مخاطرة المصرف والعكس صحيح إذ أن رأس المال يمثل قوة المقترض المالية وأيضا هو الضمان الإضافي في حالة المقترض في التسديد.
IV)- الضمان:
ويقصد بالضمان مقدار ما يملكه المقترض من موجودات منقولة وغير منقولة والتي يرهنها لتوثيق القرض المصرفي، أو شخص ضامن ذو كفاءة مالية وسمعة أدبية مؤهلة لكي يعتمد عليه المصرف التجاري في ضمان تسديد القرض الممنوح للمقرض، إذ لا يشترط امتلاك المقترض لذلك الضمان بل يمكن أن يكون الضمان مملوكا لشخص آخر واثق على أن يكون ضمان للقرض ولذلك تنوعت الضمانات حتى قسمت القروض بحسب ضماناتها فهناك القروض لضمان بضائع أو لضمان أوراق مالية.
وهناك قروض لضمان أقطان أو محاصيل زراعية أو لضمان رهن عقاري أو بضمان شخص أو بدون ضمان.
V)- الظروف الاقتصادية:
على الرغم من أن الكثير من المهتمين يشير إلى أن الظروف يقصد بها الظروف الاقتصادية إلا أن الكثير منهم يناقش هذا العنصر فيتوسع فيه ليشمل الظروف البيئية المحيطة بالمقترض وإلا لهذا يشير البعض صراحة إلى أن الظروف تعني البيئة التي يعمل بها الفرد أو المؤسسة والتغيرات في حالة المنافسة وتكنولوجيا الطلب على السلعة وظروف التوزيع.
خصوصا فإن الظروف الاقتصادية تؤثر على مدى قدرة طالب القرض على السداد لالتزاماته والتي قد تكون غير مواتية ولا يسأل عنها في هذه الحالة، فقد تتوافر الصفقات الأربعة السابقة في طالب القروض، ولكن الظروف الاقتصادية المتوقعة تجعل من غير المنطق التوسع في منح الائتمان، لذلك يجب على إدارة الائتمان التنبؤ المسبق بهذه الظروف خاصة إذا كان القرض طويل الأجل.
المطلب الثالث: تحليل البيانات المتاحة
ينبغي تحليل البيانات المتاحة عن القرض وعن العميل حتى يتسنى اتخاذ القرار السليم بشأن طلب الاقتراض.
I- قانونية القرض:
تقتضي تشريعات بعض الدول بعدم تقديم قروض لمفتشي البنك المركزي المختصون بفحص حسابات وسجلات البنك التجاري صاحب الشأن، كما قد تضع التشريعات حدا أقصى للقروض التي يمكن أن تقدم للعاملين في البنك والقروض التي توجه إلى شراء العقارات المبينة حيث يتمثل الحد الأقصى لقيمة القرض في نسبة مئوية من قيمة العقار.
هذا إلى جانب القيود التشريعية التي تمنح للبنك من تقديم قروض تزيد قيمتها عن نسبة مئوية معينة من قيمة رأسماله بما في ذلك الاحتياطات.
II- تحديد نوع وطبيعة المخاطر:
يعمل المسئولون على تقدير حجم وطبيعة المخاطر المحيطة بالقرض، وهذه الخطوة تعد ضرورية للغاية، إذ قد يكون قرار إقراض العميل محفوفا بالمخاطر الأمر الذي يقتضي رفض الطلب من البداية توفيرا لوقت الطرفين، ويمكن تقييم المخاطر التي تتعرض لها القروض إلى مخاطر خاصة وأخرى عامة.
1- المخاطر الخاصة:
هذه المخاطر ترجع إلى ظروف تتعلق بنشاط العميل بالبضاعة التي ينتمي إليها مثل ضعف الإدارة أو عدم أمانتها، والمشكلات العمالية، والدورات التجارية التي تتعرض لها المنتجات وظهور السلع البديلة وما شابه ذلك.
وقد يترك هذا النوع من المخاطر أثرا غير مرغوبا على قدرة العميل، بل وعلى رغبته في سداد ما عليه من التزامات، وعليه فإن البنك يقوم بتحليل ما لديه من معلومات لتفادي مثل هذه المخاطر.
2- المخاطر العامة:
ويقصد بها المخاطر التي تتعرض لها كافة القروض بصرف النظر عن طبيعة وظروف المؤسسة، مثل مخاطر تغيير أسعار الفائدة، ومخاطر التضخم، ومخاطر الدورات التجارية التي تصيب الاقتصاد القومي ككل، ومخاطر السوق.
فبالنسبة لمخاطر أسعار الفائدة فيقصد بها احتمال تقلب أسعار الفائدة مستقبلا، حيث أن ارتفاع هذه الأسعار أو انخفاضها يؤثر على العائد المنتظر من استثمار أموال البنك على شكل قروض، أما مخاطر التضخم أو مخاطر القوة الشرائية فتتعرض لها القروض عند تعرض البلاد إلى موجة من التضخم، مما يترتب عنه انخفاض القوة لأصل القرض والفوائد، الأمر الذي يلحق أضرارا بالبنك.
وأما مخاطر الدورات التجارية التي تتعرض لها كافة المؤسسات فيقصد بها موجات الكساد التي تصيب الاقتصاد القومي، وتترك آثارا سلبية على نتائج نشاط المؤسسات وعلى مقدرتها على الوفاء بما عليها من قروض وفوائد أو غيرها من الالتزامات الثابتة وأخيرا يقصد بمخاطر السوق احتمال وقوع بعض أحداث هامة محليا أو عالميا، كإجراء تغييرات جوهرية في النظام الاقتصادي أو السياسي في الدولة نفسها، أو في دول أخرى تربطها بها علاقة وثيقة، وإذا ما كان لتلك التغييرات آثارا عكسية على نتائج نشاط المؤسسات فقد تتأثر مقدرتها على الوفاء بما عليها من التزامات.
III- التحكم في المخاطر:
بعد قيام البنك بتقدير نوع وطبيعة المخاطر التي قد تترتب على إقراض عميل ما، تأتي مرحلة اقتراح الإجراءات الوقائية لحماية البنك من تلك المخاطر.
1- بالنسبة للمخاطر الخاصة:
يمكن التحكم فيا بتحرير اتفاق شرطي يعطي البنك الحق في وضع قيود على التصرفات المستقبلية لإدارة المؤسسة إذا لزم الأمر.
كما يمكن للبنك كذلك إتباع أسلوب آخر يتمثل في طلب تقديم رهن في صورة أوراق مالية أو مخزون سلعي أو مباني أو ماشابه ذلك، فإذا فشل العميل في الوفاء بالتزاماته، يكون للبنك الحق في اتخاذ الإجراءات للتصرف في الأصل المرهون، وهناك إجراء ثالث يتمثل في توقيع طرف ثالث على الاتفاق بوصفه ضامنا للعميل، ويمكن للبنك الرجوع إليه إذا ما فشل العميل في سداد القرض والفوائد.
كما يمكن للبنك أن يعقد اتفاق مع بنك آخر للمشاركة في تمويل القرض يتقاسمان بمقتضاه الربح أو الخسارة وهذا في حالة ما إذا كانت قيمة القرض كبيرة.
وأخيرا يمكن للبنك أن يشترط سداد أصل القرض على دفعات شهرية أو سنوية، كما قد يشترط سداد الفوائد مقدما خصما من قيمة القرض.
2- بالنسبة للمخاطر العامة:
يختلف أسلوب الوقاية باختلاف نوع المخاطر، فبالنسبة لمخاطر أسعار الفائدة فيمكن التغلب عليها بالتأقلم مع أسعار الفائدة السائدة في السوق وذلك بالاتفاق مع العميل.
وبالنسبة لمخاطر التضخم فقد يمكن تجنبها جزئيا بالاتفاق مع العميل على سداد الفائدة مقدما، أو سداد قيمة القرض على دفعات، كما يمكن تجنب جزء من تلك المخاطر إذا وافق العميل على تعويم سعر الفائدة.
ويمكن التغلب على مخاطر الدورات التجارية ومخاطر السوق باستخدام بعض وسائل الوقاية المقترحة بشأن المخاطر الخاصة.
IV- العائد المطلوب:
لكي يقبل البنك تقديم قرض للعميل ينبغي أن يكون العائد المتوقع مساويا على الأقل للحد الأدنى للعائد الذي يطلبه البنك على الاستثمار في ذلك القرض.
المطلب الرابع: التفاوض مع العميل
بعد الدراسة يتم الاتفاق إيجابا أو سلبا، فإذا كانت الشروط لا تستوفي في تقديم القرض للعميل، فإن المصرف يرفض الطلب ويطوي الملف نهائيا، أما إذا كانت نتائج دراسة الملف إيجابية فإن البنك والعميل ينتقلان إلى مرحلة التفاوض المباشر بينهما حول مبلغ القرض وكيفية السداد وزمن الاستحقاق وسعر الفائدة، وفي الأخير معدل الفائدة ثم بعد ذلك التفاوض والاتفاق حول ما سبق، يتم صرف القرض منذ تاريخ بداية استعمال العميل للمقرض.
إما يستعمل مرة واحدة، وذلك في حالة العمليات قصيرة المدى، ويستعمل عدة مرات فيسدد لعدة دفعات وذلك إذا كان موجها للعمليات الاستثمارية كما أن الإمضاء النهائي لعقد القرض يعتبر مرجعا رسميا، كما يتضمن العقد بالإضافة إلى ما تم التفاوض بشأن الالتزامات نذكر من بينها:
I)- التزامات البنك:
وهي متمثلة في وضع النقود تحت تصرف العميل طوال المدة المتفق عليها، ويتأكد هذا الالتزام أكثر إذا كان العميل يدفع عمولة مقابل هذا الوعد، يجوز للبنك أن يفسخ عقد القرض عند وفاة أو إفلاس العميل أو حتى نقصان أهليته.
II)- التزامات العميل:
وهي متمثلة في التزام هذا الأخير بتسديد المبالغ التي طلبها في الميعاد المتفق عليه، بالإضافة للفوائد والعمولات إذا وردت في نص العقد، كما أن العميل غير ملزم باستعمال النقود الموضوعة تحت تصرفه حتى ولو كانت سائلة في خزانة البنك.
المطلب الخامس: اتخاذ القرار بشأن القرض
على ضوء تحليل البيانات المتاحة والمفاوضات مع العميل فإن القرار الذي يقترحه الموظف المختص قد يأخذ احد الصور الآتية:
قبول او رفض او الحصول على معلومات إضافية وفي الحالة الأخيرة ينبغي مقارنة تكلفة الحصول على معلومات إضافية مع مقدار التخفيض المحتمل في الخسائر نتيجة لتوافر تلك المعلومات.
وإذا ما أشارت التوقعات إلى أن تجميع معلومات إضافية يعتبر قرار غير اقتصادي فإنه ينبغي الاعتماد على الخبرة لوضع طلب العميل ضمن الطلبات المقترح قبولها أو ضمن الطلبات المقترح رفضها.
وفي كثير رفض أحد طلبات الاقتراض ينبغي أن يعطي العميل مبررا مقنعا لقرار الرفض وفي كثير من الحالات لا يعتبر القرار الذي اقترحه الموظف المختص نهائيا حتى يعرض على مدير إدارة الإقراض، بل وربما يحتاج إقراره إلى الرجوع إلى اللجنة التنفيذية للمقروض والهدف من ذلك هو التأكد من كافة التدابير قد اتخذت لحماية البنك ضد المخاطر غير المتوقعة، والتأكد من أن العائد الذي سيحصل عليه البنك يتعادل مع المخاطر التي بتعرض لها.
خلاصة:
عادة ما تضع البنوك سياسة مكتوبة لمنح القروض توضع فيها ما ينبغي إتباعه عندما يتقدم العملاء بطلبات اقتراض، ومن المتوقع أن تتصف تلك السياسة بالمرونة خاصة إذا ما كان مقدم الطلب من العملاء الرئيسيين.
وبما أن القروض التي تطلبها المؤسسات تكون في أغلب الأحيان موجهة نحو تمويل المشاريع الاستثمارية، فإن ذلك يحتم عليها متابعة ومراقبة مدى سير تلك المشاريع لبلوغ الأهداف المرجوة منها، ولا يتم ذلك إلا باستخدام تقنيات وأساليب مختلفة من بينها تقنية الموازنة الاستثمارية.

moh.2000
30-04-2009, 20:18
السلام عليكم
التضخم الدولي لا يوجد عندي بحث حول التضخم
باقي البحوث للاسف ماكانش....
تقبلو تحياتي....

lmdchems
01-05-2009, 08:45
السلام عليكم .....
أرجو ان تزودونا ببحث حول
" المشتقات المالية" في أقرب الآجال من فضلكم
بارك الله فيكم و جازاكم الله عنا كل خير

med86
01-05-2009, 16:04
اريد بحث حول التكتلات الاقتصادية من فضلكم

moh.2000
01-05-2009, 18:00
السلام عليكم
للاسف ماكانش التكتلات الاقتصادية ولا المشتقات المالية...

abdou.cesar
03-05-2009, 17:52
أريد بحثا حول السياسة الاقتصادية و إن أمكن كذلك السياسة الاقتصادية و علاقتها مع المحاسبة الوطنية

SMOH86
03-05-2009, 18:21
السلام عليكم اريد بحث حول التأمين على الحرائق

dahgal
03-05-2009, 22:35
من فضلكم اخواني أريد بحث البطالة والكساد الاقتصادي (سنة أولى علوم التسيير)
عاجل جدا من فضلكم ...............
وبارك الله فيكم

moh.2000
03-05-2009, 23:45
بحث السياسة الاقتصادية والعولمة ولا تنسو الدعاء لنا بكل خير
خطة البحث -
الفصل الأول : الدولة و السياسات الاقتصادية
المبحث الأول : السيلسة الاقتصادية
المطلب الأول : مفهوم السياسة الاقتصادية
المطلب الثاني : أنواع السياسة الاقتصادية
المطلب الثالث : أدوات السياسة الاقتصادية
المبحث الثاني : السلطات الاقتصادية
المطلب الأول : السلطة النقدية
المطلب الثاني : السلطة المالية
الفصل الثاني : العولمة والسياسات الاقتصادية
المبحث الأول : العولمة الاقتصادية و تداعياتها
المطلب الأول : مفهوم العولمة الاقتصادية
المطلب الثاني : العولمة و التنمية الاقتصادية
المبحث الثاني : مظاهر العولمة
المطلب الأول : ظهور المعلوماتية
المطلب الثاني : تزايد دور المنظمات الدولية
المطلب الثالث : تزايد التكتلات الاقتصادية
الفصل الثالث : تأثير العولمة على السياسات الاقتصادية
المبحث الأول : التأثير على السياسة النقدية
المبحث الثاني : التأثير على سياسة الميزانية
المبحث الثالث : التأثير على سعر الصرف
الخاتمة

.الفصل الأول : الدولة و السياسة الاقتصادية

المبحث الأول : السياسة الاقتصادية

المطلب الأول : مفهوم السياسة الاقتصادية
إن مفهوم السياسة الاقتصادية تعني المنهج المتبع لدى بلد معين في التعامل داخل مجال نشاط السلع و الخدمات, وفي هذا الصدد إما تعتمد الدولة سياسة أو نظام الأنشطة الحرة أي سياسة السوق المفتوح ،
وإما تعتمد نظام أو سياسة الاقتصاد الموجه0
أ – نظام النشاط الحر :( الاقتصاد المفتوح )
وهو النظام الذي ترفع فيه الدولة القيود على بعض السلع و الخدمات ضمن دائرة التعامل بين الأفراد أو المؤسسات داخل البلد الواحد و خارج الحدود0
ب – نظام النشاط الموجه :
وهو النظام الاقتصادي الذي تكون فيه سلطة الدولة هي المسيطرة و الموجهة لسياسة النشاط الاقتصادي في سوق السلع و الخدمات , بحيث تحدد الأسعار للسلع وتدعم الأسعار في حالة وجود فارق بين السعر الحقيقي للسلعة و السعر المعروض في الشوق مع وجود تدني لدخول الأفراد

المطلب الثاني : أنواع السياسات الاقتصادية
تتمثل أنواع السياسات الاقتصادية في سعر الصرف و السياسة النقدية , وهما نوعان أساسيان في التعامل 0
أ – سياسة سعر الصرف :
إن الدولة في سياستها الاقتصادية المتبعة تتحكم في نشاط معين للحد منه أو تشجيعه فتستخدم سياسة سعر الصرف حيث يمكنها أن تقوم بتخفيض في قيمة العملة للحد من تسرب العملة للخارج, و قد تلجأ إلى هذه الطريقة إذا أرادت أن تشجع الاستثمار بالأموال في مشاريع داخلية , و المحافظة على كمية النقود داخل الحدود0
ب – السياسة النقدية :
إن سياسة النقود عملية تلجأ إليها الدولة في عدة حالات منها :
- الحد من إصدار النقود 0
- التحكم في الكتلة النقدية بضمان ثبات معدل الدوران للمخزون النقدي0
ومن خلال ذلك يمكن للدولة أن تقلل من نسبة القروض و التسهيلات المصرفية الممنوحة للقطاعات, لأن من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ضعف الأسواق الأولية و غرق الشركات عن طرح أسهمها للاكتتاب العام هو محدودبة الوعي المالي لدى المستثمرين 0
المطلب الثالث : أدوات السياسة الاقتصادية
إن الهدف من دراسة أي سياسة اقتصادية هو تحقيق التوازن بين المداخيل و المنتجات لسوق السلع و الخدمات و الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة و الحد من الفقر 0
و من بين الأدوات الممكن استغلالها لتحقيق هذا الهدف , و تتخذها الدولة كإصلاحات هيكلية تتمثل فيما يلي:
- تحرير الرقابة على الأسعار و إلغاء بعض احتكارات القطاع العام0
- خوصصة العديد من المؤسسات الحكومية 0
- إلغاء الحواجز غير الجمركية و خفض رسوم الإستيراد0
و هناك من الدول من يلجأ إلى أبعد من ذلك و هو تحرير أسعار الصرف و إلغاء الرقابة المباشرة على الائتمان المصرفي 0

المبحث الثاني : السلطات الاقتصادية
إن السلطة الاقتصادية تشمل جانبين : جانب السلطة المالية ، و جانب السلطة النقدية 0

المطلب الأول : السلطة النقدية
إن الجانب النقدي له أهمية و أثر كبير في السياسة الاقتصادية داخل النشاط الاقتصادي 0
و لهذا فإنه قبل الشروع في أي سياسة اقتصادية يجب التفكير و التأكد من قدرات السلطات النقدية أو المؤسسات المصرفية و النقدية للبلد ومدى تحملها لمواكبة النظام الاقتصادي المزعوم انتهاجه من قبل الدولة مع مراعاة أسعار الصرف لأي نظام سعر. الصرف المتغير يتحدد من خلال القوة الشرائية لكمية النقود إضافة إلى عوامل أخرى منها العرض و الطلب و معدلات الفوائد , و التضخم و التطور الاقتصادي و القوة الاقتصادية 0

المطلب الثاني : السلطة المالية
إن عملية التمويل عنصر أساسي في تمرير السياسة الاقتصادية , و على هذا الأساس يجب توفر أدواته و المتمثلة في التمويل الذاتي , تمويل طويل الأجل الأقراض , تسهيل الإيداع 0
و هذه العناصر أساسها البنوك المحلية للبلد المعني و مدى قدرتها على توفير الأموال لإدارة المشاريع , و يساهم في ذلك أيضا إلى جانب البنوك المحلية البنوك الخارجية في ظل نظام الشراكة. حيث تساهم هذه البنوك أو المؤسسات المصرفية بإعطاء قروض لأجل أو قروض في شكل مساهمات في رأس المال 0



الفصل الثاني : العولمة و السياسات الاقتصادية الدولية

المبحث الأول : العولمة الاقتصادية و تداعياتها

المطلب الأول : مفهوم العولمة الاقتصادية
العولمة هي ظاهرة متعددة الأوجه , و تتضمن عدة جوانب منها جوانب سياسية , اقتصادية و ثقافية و بيئية 0 ولذا يمكن القول أن العولمة الاقتصادية هي نظام يشير إلى إزالة العوائق الوطنية الاقتصادية و نشر التكنولوجيا و التجارة و أنشطة الإنتاج و زيادة قوة الشركات عابرة الحدود الوطنية و المؤسسات المالية الدولية و تحرير الأسواق , و إلغاء القيود عليها و خصخصة الأصول و زيادة التعاملات في النقد الأجنبي , و تكامل أسواق رأس المال , و استحداث أدوات مالية جديدة , وينتج عن ذلك زيادة اعتماد الأسواق 0

المطلب الثاني : العولمة و التنمية الاقتصادية
إن من أبرز العناصر المساهمة في التنمية الاقتصادية في ظل العولمة هي منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية (OCDE) الشبكة الممثل دورها للدولة الغنية حيث أطلق عليها تسمية نادي الأقوياء إقتصاديا
ينمثل دورها في كونها تعتمد على البحث و الدراسات و متابعة التطورات الاقتصادية , في كل دولة عضو
في هذه المنظمة و مقابلة كل هذا بما يجري في بقية دول العالم لمدة 25 سنة القادمة , ومن ثم نقترح الحلول المناسبة إذ أنها لا تصدر قرارات و لا تتبنى إجراءات عملية0
و من أهم نشاطات المنظمة أنها أعد ت مشروع بحث سنة 1995 بعنوان INTERFUTURS قصد تصور نمو اقتصاديات أعضاؤها و علاقة هذا النمو بما يحدث في الدول النامية حتى نهاية القرن0
و في نفس السنة أجرت دراسة أخرى تمتد إلى سنة 2020 اسمها INTERDEPNCE أو الاعتماد المتبادل
ومن خلال هذه الدراسات خرجت بفرضية أولى تتمثل في أن نمو إقتصاد أعضاء المنظمة بمعدل ثابت
3 %سنويا طول هذه الفترة, و معدل نمو الدول غير الأعضاء يبلغ 6.7% على أساس نجاح الإصلاحات الاقتصادية و السياسية التي توفر الحرية الكاملة لحركة المبادلات و الاستثمار بين الدول0
أما الفرضية الثانية فتقوم على أساس أن معدل نمو 3 % في دول المنظمة و 4.8 % في الدول الأخرى على أساس تأخر عدد من الدول عن إجراء التحرير الكامل للتجارة الدولية و الاستثمار الدولي 0
و توصلت الدراسة إلى خمس دول كبرى جديدة ( روسيا , الصين , أندونيسيا , الهند و البرازيل ) التي ستأخذ نصيبا وفر من مجموع الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم و حجم التجارة الدولية 0



المبحث الثاني :مظاهر العولمة

المطلب الأول : التدويل
إن ظاهرة التدويل تعبر في حقيقة وقعنا المعاش عن تدويل القوى المنتجة على المستوى العالمي , ويقصد بالقوى المنتجة جميع الوسائل والقدرات التي هي في متناول المجتمع البشري لأجل الإنتاج0
وقوى الإنتاج تتضمن وسائل الإنتاج و قوى العمل التي تستخدمها هذه المجتمعات البشرية و بالتالي فهي تتضمن أساليب الإنتاج و تنظيم هذا الإنتاج وكذا مستوى العلوم و التكنولوجيا 0

المطلب الثاني : الثورة العلمية والتكنولوجية
لقد شاهد العالم ثورة في عدد من القطاعات المرتبطة أساسا بلإلكترونيك و الإعلام الآلي و الاتصال
و الكيمياء و البيولوجيا , الشيء الذي جعل البعض يتحدث عن رأسمالية إلكترونية .
هذه الثورة سوف تغير ترتيب القطاعات الاقتصادية أين تصبح قطاع الخدمات المرتبطة بهذه القطاعات تحتل نصيبا أكبر في النشاط الاقتصادي و الإنساني ككل, كما تغير هذه الثورة من أنماط الإنتاج و التشغيل و كذا طرق التسيير0
لقد عرف العالم في نهاية القرن الثامن عشر الثورة الصناعية التي نظمت التقسيم التقني و الاجتماعي للعمل حيث أصبحت الصناعة هي القطاع المحرك لكل النشاط الاقتصادي , هذا التقسيم كان قائما على أساس علاقة تبعية بين الإنسان و الآلة و كذا الفصل بين العمل اليدوي و الذهني , وبين التصميم و الإدارة و التنفيذ0
ولقد تميزت الثورة العلمية و التكنولوجيا بمجموعة من الخصائص يمكن أن نذكر منها النقاط التالية :
أ‌- أعطى مكانة للعلم والبحث العلمي لم يشهدها العالم من قبل0
ب‌- إلزامية قيام علاقة جديدة بين الإنسان و الآلة و فالعامل الإنساني يصبح أولى من العالم التقني , لهذا سوف تعطى الثورة التكنولوجية مكانة أكبر للإنسان الحامل للعلم , فهذا الأخير هو كائن اجتماعي و ليس عاملا من عوامل الإنتاج الأخرى مما يستلزم قيام أساليب عمل و تنظيم جديد0
ج- ظهور إنقلابا جذريا و نوعيا في الإنتاج أساسه الإلكترونيك و الإعلام الآلي و الإتصال وهذا مما يؤدي إلى نمو سريع في للقوى المنتجة0
د – التطور المذهل والسريع لقطاع المعلومات و الاتصال وانعكاسه على مختلف جوانب النشاط الإنساني , و هذا ما سيحدث انقلابا في عدة مجالات من النشاط الاقتصادي أولها مجال الإنتاج و أساسا أنماط العمل و التشغيل , حيث سينشر تشغيل اليد العاملة الماهرة و الرخيصة عن بعد و كذا إدارة الأعمال عبر الإعلام الآلي 0

التحولات على مستوى البنية الفوقية العالمية :
عندما لاحت بوادر فوز الحلفاء , و بعد تلك الحرب العالمية الثانية و بعد الفوضى السياسية و الاقتصادية التي عرفها العالم , سعت مجموعة من الدول لوضع مؤسسات دولية و جهوية لإعادة تنظيم شؤون العالم الاقتصادية و الاجتماعية و توفير شروط الإنطلاقة الاقتصادية و الاجتماعية و إزالة كل العقاب التي تعيق عملية تمركز الإنتاج و الرأسمال على المستوى العالمي و خلق شروط اقتصادية و سياسية جديدة لإعادة اقتسام مناطق النفوذ0
ومن خلال ما سبق يمكن أن نلاحظ الآن تغيرات هامة على مستوى الخريطة الاقتصادية و السياسية للعالم خاصة مع انهيار البلدان الإشتراكية سابقا و و تراجع حركات التحرر الوطني في البلدان النامية , حيث شاهد ميلاد قطبي اقتصادي وسياسي أحادي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية 0

الفصل الثالث : تأثير العولمة على السياسات الاقتصادية

المبحث الأول : التأثير على السياسة النقدية
بالنسبة لهذا الجانب نلاحظ أن البنك العالمي هو ثاني مؤسسة ذات اعتبار كوني بعد صندوق النقد الدولي , حيث يقوم بمنح قروض طويلة الأجل همها قروض التكيف الهيكلي بهدف دفع تيار العولمة و دوره يتكامل مع دور صندوق النقد الدولي الذي حد دته لهما اتفاقيات " بريتون وودز" , التي كلفت الصندوق بالسهر على ضمان قواعد الاستقرار النقدي الدولي , و تنمية العلاقات النقدية المتعددة الأطراف و البنك العالمي يقوم بتقديم العون المالي الضروري لتمويل التنمية طويلة الأجل , و إزداد هذا التكامل مع إستفحال المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية في البلدان النامية و إظطراب العلاقات النقدية و تدهور العلاقات التجارية و المالية بين مختلف الدول , بحيث كيف الصندوق و البنك شيئا فشيئا سياستهما و برامجهما لإعانة الدول النامية و سعيها للقضاء أو الحد من إشكاليتها النقدية و المالية و الهيكلية , و تتضح لنا الرؤية أكثر إذا علمنا أن العضوية في البنك العالمي مشروطة بالعضوية في الصندوق 0
و في ظل النظام الجديد يعتبر البنك العالمي هو أقوى وكالات التنمية و التمويل الدولية , حيث يستعمل أمواله لأغراض شتى أهمها :
- تمويل المشاريع للبنية الأساسية
- تشجيع رأس المال الدوالي الخاص 0
- تسريع وتيرة الخوصصة 0




المبحث الثاني : التأثير على سياسة الميزانية
إن تحقق المنافع المحتملة في ظل النظام العالمي بتوفير البنية الأساسية تحقيقا كاملا من عدمه مسألة تعتمد على الكيفية التي تقوم الحكومة بتوزيع المخاطر , فيمكن للحكومة أن تزيد المنافع بواسطة تحمل المخاطر التي تستطيع السيطرة عليها , و لكن ينبغي لها أن تتجنب تحمل المخاطر الأخرى 0
و بهذه الطريقة يواجه المستثمرون بخواطر قوية لإختيار المشاريع بعناية و إدارتها بكفاءة , فهي تستطيع أن تقلل المخاطر التي يتعرض لها المستثمرون بواسطة إتباع سياسات إقتصادية كلية وطيدة , و الإفصاح عن المعلومات , و تنفيذ قوانين و لوائح تنظيمية جيدة , و تدعيم سلطتها القضائية و و تستطيع أن تقيس بها الضمانات التي تقدمها وتوازنها و تحسبها , بحيث تكون التكاليف و المخاطر واضحة وقت إصدار الضمانات و ليس فبما بعد عندما يتعين على الحكومة أن تسدد ، لأن من المعلوم في إطار توازن الميزانية أن الدولة عليها تكافأ بين إلتزاماتها و إيراداتها لتقييم الضمانات و الإلتزامات المحتملة كما يمكنها إستخدام قيمة الضمانات لحساب خسارة متوقعة 0
و عندما تقيم الضمانات , يكون من الأكثر إحتمالا أن تتخذ القرارات على أساس التكاليف و المنافع الحقيقية و ليس الظاهرة 0
و من وجهة النظر الاقتصادية فإن التمييز بين الخسائر المحتملة وغير المحتملة ليس مفيدا على الدوام ,
إن وجود فرصة بنسبة 10 % بخسارة 10 ملايين من الدولارات أسوأ من وجود فرصة بنسبة 90 %
لخسارة مليون دولار , و الأفيد من ذلك هو تقدير القيمة الحالية للخسارة المتوقعة الناجمة عن إلتزام محتمل
و من شأن وجود نظام مثالي للمحاسبة و الموازنة أن يسجل القيمة الحالية المتوقعة لجميع العقود التي تبرمها الحكومة 0



المبحث الثالث : التأثير على سعر الصرف
نظرا لأن الكثير من استثمارات البنية الأساسية تمول بواسطة قروض مقومة بالنقد الأجنبي و تعقد بأسعار فائدة معومة , فإن الأرباح تكون حساسة بشكل مرتفع للتغيرات في أسعار الصرف و أسعار الفائدة .
و يتبين أنه للوهلة الأولى أنه ينبغي للحكومة أن تتحمل بتعبئة المخاطر المرتبطة بهذا الخطر , لأن لها بعض السيطرة على أسعار الصرف و الفائدة , و سيكون لديها إذا ما تحملت هذه المخاطر حافز لإتباع سياسات اقتصادية كلية مستقرة.
و في ظل نظام العولمة ثمة عدد من الأسباب تجعل من الضروري للمستثمرين أن يتحملوا بمخاطر سعر الصرف و الفائدة :
- فأولا يمكن أن تشجع الضمانات الحكومية للمستثمرين على التعرض لحدود كبيرة من مخاطر أسعار الصرف , و عندئذ يستطيعون إذا ما حدث إنخفاض قيمة العملة أن يلقوا باللوم على الحكومة لما تعرضوا عنه من خسائر بدلا من الإعتراف بخطر الإفراط في الإقتراض بعملات أجنبية 0
- ثانيا : يمكن أن يكون لضمانات سعر الصرف تأثير معاكس على سلوك الحكومة , وعلى سبيل المثال فقد تغري الحكومة بدم إجراء التخفيض الذي يكون مطلوبا في قيمة العملة المحلية في أعقاب صدمة في معدلات التبادل التجاري 0
- ثالثا : قد تكون الكثير من الحكومات قد إننكشفت بالفعل هي و دافعو الضرائب الذين يدعمونها للمخاطر المرتبطة بصدمات سعر الصرف والفائدة .
وقد تفضي صدمة معدل تبادل تجاري معاكس مثلا : تخفيض في قيمة العملة و إنخفاض في الدخول على حد سواء , مما يجبر الحكومة على تعيض المستثمرين في نفس الوقت التي تتقلص فيها قاعدتها الضريبية .
إى أنه قد يكون لدى القطاع الخاص في حالة عدم وجود ضمان حكومي , حوافز أكبر على إدارة مخاطر سعر الصرف .




المراجع :

1 – أحمد فريد مصطفى - سمير محمد السيد حسن السياسات النقدية و البعد الدولي للأورو
مؤسسة شهاب الجامعية - الإسكندرية –

2 – مروان عطوان الأسواق النقدية و المالية ديوان م – ج

3 – باشوندة رفيق - رسالة ماجيستر - عوامل التحكم في المردودية المالية 96 .1997/

4 – التمويل و التنمية - مجلة تصدر كل ثلاثة أشهر عن صندوق النقد الدولي و البنك الدولي للإنشاء-المجلد 39 , العدد 01 - مارس 1999 –

5 – العولمة و إدارة الاقتصادات الوطنية - وقائع الندوة المنعقدة في 18 و 19 نوفمبر 2000 .
-أبو ظبي -

moh.2000
03-05-2009, 23:54
بحث البطالة
المقدمة
تعتبر التنمية القضية الأولى لجميع الشعوب المختلفة التي تتطلع الى التحديث و التطوير و
النمو ، و معركة التنمية هي بحق معركة حياة أو موت بالنسبة للأمة العربية بالدات التي
يواجه و جودها أكبر تحد عرفته في تاريخها ، و هده التنمية حدث فيها أزمة و أزمة التنمية
العربية الراهنة تتلخص في حدوث نمو في الناتج القومي الاجمالي دون أن يصحب دلك تطور
في القاعدة الانتاجية المادية ، بحيث يصبح النمو في هده القاعدة دا طبيعة متجددة داتيا ، و
نشير الى أن المصادر التي اضطلغت بدور في حدوث استمرارية هده الأزمة : مفهوم التنمية
التقليدي و النمودج المرتبط به ، و كسار المتغير النفطي و العلاقة غير المتكافئة مع مراكز
النظام العالمي ، و ضعف خاصئص القاعدة البشرية العربية ، و تقوم هده المصادر فرادى و
مجتمعة بأدوار متداخلة في هده الأزمة و في استعصائها على الحل .
و نقوم في هدا البحث بتوضيح بعض جوانب هده الأزمة و مصادرها و ابراز اطار نظري
لتجاوز هده الأزمة يقوم على مفهوم شمولي للتنمية على أنها تشير الى مشروع حضاري
عربي يحقق نموا اقتصاديا متجددا في كل قطر عربي يؤدي الى تزايد فرص التضامن العربي
بما يضمن الوصول الى التعديل التدريجي في مكانة العلاب داخل النظام العالمي الجديد . و
يستهدف هدا المشروع الوفاء بالحاجات الأساسية للمواطنين العرب ماديا و معنويا ، بما يقود
الى تحسن مستمر في نوعية الحياة لهؤلاء المواطنين ، و تحقيق العدالة الاجتماعية في اطار
من الديموقراطية و المشاركة الشعبية الواسعة و التكامل الحقيقي بين الأقطار العربية و كيف
أن الفهم الخاطىء و التكيز على جوانب دون أخرى يؤدي الى حدوث انقسامات فكرية و
سياسية و اقتصادية و أهم مشكلة نجمت عن هده الازمة هي البطالة حيث نعرفها و نبين
أسبابها و أنواعها و أسباب عجز الدول عن امتصاصها و أهم الآراء المقترحة بما يكفل
القضاء على مشكلة البطالة ، كما سنبين طريقة التنمية الداتية و التي نقصر الحديث فيها على
أهم وسيلة و رغم أنها للآن غير متحققة ألا وهي بنوك شعبية بلا فوائد ثم نتطرق للحديث عن
الدخول و تنظيمها و تعبئة المدخرات الفردية و سوف نشير الى نمودج مقترح يتمثل ببنوك
محلية بلا فوائد و نقوم بعد دلك بعملية تقييم لهدا النمودج المقترح ، و أخيرا سوف نعود
للحديث عن أبرز عدو للدخل و هي ضريبة الدخل و الأفراد المشمولين بها ثم نأتي على
بعض الاعفاءات و التسهيلات .
هدا فيما يتعلق بموضوعات البحث و كنت قد ختمت هدا البحث بآراء لمجموعة من
الاقتصاديين الأردنيين يعرضون خلاصة خبراتهم النظرية و العملية في مجال اختصاصاتهم ،
اقتص
انها وثيقة كبيرة تضم نمادج من التفكير الاقتصادي في الاردن سواء ممن تولى مناصب من
مواقع المسؤولية أو غيرهم من الاقتصاديين و يتم دلك عن طريق اجاباتهم و عن تساؤلات
طرحت حول قضايا مستجدة و مشاكل و الحلول المناسبة لها .
البطالة :
تعتبر البطالة من المظاهر العالمية غير أن حجمها يتفاوت من بلد لآخر كما تتفاوت درجة
المعاملة الانسانية التي يتلقاها الفرد العاطل من مجتمعه و نسبة العاطلين في أي مجتمع تعتبر
مقياس هام لمستوى الصحة النفسية التي يعيشها السكان و قد عرفت البطالة بأنها " حالة خلو
العامل من العمل مع قدرته عليه بسبب خارج عن ارادته " ، أما منظمة العمل الدولية فقد
عرفت المتعطلين عن العمل بأنهم " الأشخاص الدين هم في سن العمل و الراغبون فيه و
الباحثون عنه لكنهم لا يجدونه في فترة الاسناد " .
أسباب البطالة :
١. ثقافة العيب .
٢. أزمة الخليج .
٣. العمالة الوافدة .
٤. ضعف الاستثمار .
٥. ندرة رأس المال .
٦. الركود الاقتصادي .
٧. ضعف المبادرة الفردية .
٨. سوء التخطيط التعليمي .
٩. ارتفاع تكاليف الجهاز الاداري .
١٠ . تزايد خريجي النظام التعليمي .
١١ . ازدياد النمو السكاني بتسارع .
١٢ . عدم تنظيم و تنسيق سوق العمل .
١٣ . التباطؤ التنموي في النشاط الاقتصادي .
البطالة في الدول التي تعتمد على نظام السوق
يقصد بالبطالة عادة في المفهوم الاقتصادي عدم استيعاب أو استخدام الطاقات أو الخدمات
البشرية المعروضة في سوق العمل ، و يقصد بسوق العمل المكان الدي ينعكس فيه آراء
الأفراد التي تتخد بحرية فيما يتعلق بوضع خدماتهم تحت تصرف آخرين بمقابل أي أجر ، و
في سوق العمل تتلاقى هده القرارات مع قرارات هؤلاء الدينفي حاجة الى خدمات الأفراد .
فالبطالة بهدا المفهوم تعني عدم استخدام القوى البشرية التي تعتمد في حياتها المعيشية اعتمادا
كليا على الأجر أي على تقييم الغير لها بالرغم من حريتها القانونية .
أنواع البطالة حسب مسبباتها
المجموعة الأولى
١. بطالة ترجع الى عدم القدرة على العمل نتيجة عجز جسماني أو عقلي مثلا .
٢. بطالة ترجع الى عدم الرغبة في العمل نتيجة أسباب نفسية أو اضطرابات .
المجموعة الثانية
١. بطالة بالرغم من وجود مجالات عمل و لكن ترجع الى ضعف أو سوء تنظيم سوق العمل
.
٢.بطالة ترجع الى عدم وجود مجالات عمل أي عدم قدرة رجال الأعمال على منح مجال
للعمل و قد يكون دلك لأسباب عديدة تتصل بأوضاع اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو
نفسية .
ان البطالة سمة من سمات نظام السوق و مرتبطة بهيكله و يتوقف حجمها على مدى فاعلية
الدول و سياستها في القضاء على مظاهرها و التقليل من آثارها في الوقت المناسب . و لدلك
فان معظم الاقتصاديون في هده الأنظمة يقرون أن البطالة هي الثمن الدي تدفعه هده النظم
للابقاء على العامل حرا . . . فالعطالة هي ثمن الحرية و التخلص من الرق و الاستعباد .
البطالة في الدول النامية
عند الحديث عن البطالة فاننا نشمل الأردن معها ، و نلاحظ أن وضع مشكلة العطالة في
الدول النامية عن الدول الصناعية فقد سبق أن أوضحنا أن مشكلة العطالة كمشكلة اقتصادية لم
تظهر أهميتها الا في خلال القرن الأحير و خاصة في الدول التي عاصرت الثورة الصناعية
و بداية النظام الرأسمالي أي في الدول التي استطاعت الاستفادة من تطور التكنولوجيا ، هدا
في حين كانت الدول النامية في مرحلة الثورة الصناعية و ما بعدها جاثمة تحت سيطرة
الاستعمار بحيث لم يتسن لها بالتالي الاستفادة من نتائج الثورة الصناعية و ما أعقبها من
تطور سريع متلاحق في التكنولوجيا .
الملامح الاقتصادية المميزة لاقتصاديات الدول النامية
١.ان أهم ما يميز الدول النامية عموما هو ازدواج الهيكل الاقتصادي أي وجود قطاعين
أساسيين كل منهما بجوار الآخر و لكنهما يختلفان تماما في التنظيم و في وسائل الانتاج .
٢. ثاني الملامح المميزة لاقتصاديات الدول النامية هو الاعتماد الكبير على التجارة الخارجية
. فكل أو معظم السلع الصناعية سواء الاستثمارية أو الاستهلاكية دات مرجع خارجي .
٣. آخر الملامح و أهمها هو انخفاض الدخل القومي للفرد ، حيث أن الدخل القومي يمثل
الناتج الناشىء من تفاعل و نشاط جميع القوى الاقتصادية في المجتمع مع ملاحظة الحرص
التام في استخدام هدا المؤثر عند عمل المقارنات الدولية .
أسباب عجز القطاع الحديث عن امتصاص البطالة في الدول النامية
١. ادا كان الانتاج للتصدير ، فان مقابلة احتياجات السوق العالمي من حيث نوع السلع
المنتجة و كميتها يفرض بالضرورة استخدام التكنولوجيا الحديثة التي تتصف بكثافة عالية
لرأس المال ، سواء كان دلك في قطاع الصناعات الانتاجية أو في قطاع السلع الاستهلاكية .
٢.ادا كان الانتاج للسوق الداخلي :
• فان معظم حكومات الدول النامية تفرض حدا أدنى للأجور ، فارتفاع الأجور سيؤدي
لتوسيع قاعدة العمل و استبدال رأس المال بالعمل حتى و لو كان دلك ممكنا .
• ان تشجيع انتاج السلع التي تحل محل السلع المستوردة يتطلب اللجوء الى كثافة رأسمال
في أسلوب الانتاج .
• انخفاض المستوى الفني و التعليمي للعمال يحول دون احلال الآلات بالعمال .
أهم الآراء الخاصة بالتنمية الاقتصادية بما يكفل القضاء على مشكلة البطالة
١. زيادة حجم الاستثمارات و رفع معدلاتها مع الاهتمام بامكانيات رفع نسب العمالة ( عمال
) و دلك بتعديل أساليب الانتاج و تغيير مكزنات الناتج بما يتناسب مع الأسعار النسبية لكل
من رأس المال و العمل . . أو بمعنى آخر مراعاة التكلفة الاجتماعية الخاصة باكتشاف وسائل
انتاج مناسبة لظروف المجتمع .
٢. وضع برامج محددة و واضحة على المستوى المحلي و القومي لتشغيل العاطلين و زيادة
الانتاج و تكوين رأس المال بتوجيه العاطلين الى العمل في مجالات انتاج لا تحتاج سوى
أدوات مساعدة يمكن أيضا ايجادها مثل حفر الترع و القنوات و المصارف .
٣. زيادة انتاجية الموارد التي تتصف بندرة نسبية في المجتمع حتى يتسنى زيادة المعروض
من السلع المنتجة سواء سلع استهلاكية أو انتاجية لتدعيم عمليات تشغيل العاطلين . و لدلك
يجب أن تهتم الحكومات و رجال الأعمال بوسائل تدريب المديرين و المشرفين و اشعارهم
بأهمية وسائل الكفاية و رفع الانتاجية .
٤. اتخاد الاجراءات المناسبة لتسهيل حركة انتقال الأيدي العاملة من مهنة الى أخرى ، و
ازالة ما يعترض هده الحركة من صعوبات تتعلق باعتبارات اجتماعية أو نفسية معينة أو
ادارية ، و تحقيق نمو متوازن في نسب العمالة في جميع المناطق باتباع سياسة مناسبة
لتوطين الصناعة وفق ظروف كل منطقة .
٥. اتخاد الاجراءات و الوسائل لزيادة عائد الصادرات و تجنب التقلبات العنيفة في هدا العائد
و تشجيع الاستعانة برأس المال الأجنبي حتى لا تتعرض سياسات العمالة الى صعوبات تؤدي
الى فشلها نتيجة اختلال في ميزان المدفوعات في الدولة .
٦. و أخيرا فان مستوى حجم الاستثمارات و بالتالي مدى سرعة التغلب على العطالة أو مدى
امتصاص العاطلين يتوقف على مدى كفاية رأس المال اللازم لحجم الاستثمارات المطلوبة و
اتخاد الوسائل الكفيلة بتقييد الاستهلاك و اعادة توزيعه بحيث تتجه كل زيادة ممكنة من الناتج
القومي الى الاستثمار ، و في مقدمة هده الوسائل اتباع سياسة مالية فعالة و سياسة هادفة
للأجور و سياسة ادارية حازمة .
طريقة التنمية الداتية في الدول النامية
بنوك شعبية بلا فوائد
لقد كثر الحديث عن مشاكل المناطق النامية و الصعوبات التي تعترضخطط التنمية ، لا سيما
مشاكل التمويل بصفة خاصة باعتبارها الأساس اللازم لمواجهة المتطلبات الاستثمارية
المتنوعة في كافة المجالات ، و تختلف وجهات النظر بشأن التوصيات و المقترحات التي
ينبغي على الدول النامية الأخد بها للتغلب على مشكلة التمويل و الطريق الدي ينبغي سلوكه
لتحقيق التنمية ، و لن يتسع المجال هنا لمناقشة مختلف الآراء و تباين فاعلية كل وسيلة
بالمقارنة بالوسائل الأخرى . و لكن نكتفي بملاحظتين :
• ان المدخرات الفردية الاختيارية كوسيلة تمويل لم تحظ حتى الآن بالاهتمام أو البحث الدي
حظيت به جميع وسائل التمويل الداخلية الأخرى و خاصة الاجبارية ، و لعل دلك يعود
أساسا لعاملين :
١. التأثر الكبير الدي أحدثته الآراء الاقتصادية ، و النظريات الاقتصادية الحديثة التي ظهرت
بالدول المتقدمة صناعيا ، و التي تربط الدخل بالادخار ، و اعتبار الميل الحدي للاستهلاك
مع كل زيادة في الدخل في الدول النامية مسلمة .
٢. الدور الدي قامت و لا تزال تقوم به أجهزة التمويل في هده الدول سواء الغربية منها أو
الشرقية ، فمن الثابت أن معظم الدول الغربية اعتمدت في مرحلة تكوين رأس المال مالها –
بالاضافة الى المدخرات المغتصبة من المستعمرات – على المنظمين و أصحاب الدخول
الكبيرة الدين يتميزون بارتفاع الوعي المصرفي بينهم و يكونون قاعدة كبيرة نسبيا مند بدء
النهضة الصناعية و تطورها ، و من الثابت أيضا أن دول المعسكرالشرقي كونت رأس مالها
عن طريق المدخرات الاجبارية .
• عدم التعرض لبحث و تبيان آثار نشاط أجهزة التمويل و المؤسسات التمويلية على النواحي
الخلقية و الاجتماعية في المجتمعات النامية و التي تمثل مشاكلها العقبة الكؤود في مواجهة
التنمية .
ان مناقشة هاتين الملاحظتين يتم بتحليل المدخرات الفردية الاختيارية كمصدر تمويل أولا ثم
معرفة آثار هدا المصدر على النواحي التربوية و الاجتماعية ، ثم نبحث في كيفية الاستفادة
من هدا المصدر و وسيلة تفجيره بأسلوب يتفق مع مثلنا و مبادئنا و معتقداتنا ( أي بدون سعر
فائدة و الدي يمثل السلاح الرئيسي الدي تعتمد عليه أجهزة الدول الأخرى في جدب المدخرات
الفردية ) ، و سنخص الحديث هنا عن الآثار على المجتمع و عن النمودج المقترح للاسفادة
من هدا المصدر .
متطلبات تعبئة المدخرات الفردية أو تنظيم الدخول الفردية
١. وجود وعي مصرفي بين الأفراد بمعنى احساسهم بوجود أجهزة التمويل و نشاطها و
اقتناعهم بالتعامل معها ، مما يتطلب استخدام وسائل كسب ثقة الأفراد و تدريب العاملين في
الجهاز على معاملة الجماهير و كسب صداقتهم و اتقان وسائل الجدب .
٢. وجود وعي ادخاري بمعنى احساس الأفراد بأهمية الادخار كأحد مستلزمات الحياة أي
وجود دوافع ادخاريةقوية و يتطلب دلك اثارة مستمرة للدوافع الادخارية مع جدب الأفراد عن
طريق أداء خدمات لازمة لهم في سهولة و يسر .
٣. وجود مزايا بالجهاز تدعم تحقيق الدوافع الادخارية و تنحصر في ثلاث دوافع رئيسية :
دوافع الطمأنينة و الأمن ، و دوافع الربحية ، و دوافع رفع مستوى المعيشة
٤. عدم وجود صعوبات تعترض استمرار السلوك الادخاري و هده الصعوبات قد تكون بعد
المسافة و مشقة الانتقال أو المعاملة و الخوف و للتغلب على هده الصعوبات يجب اتباع
الوسائل المناسبة و السريعة و التي يجب بالضرورة أن تتميز بركيزتين هامتين هما الأسلوب
و الطابع المحلي .
و سنعرض فيما يلي اقتراحات لنمودج يمثل شكل الأجهزة المحلية اللازمة و نظامها مع تحليل
لفلسفة نظامه و الاسس الاقتصادية التي تحكم نشاطه مع افتراض تحقيق الاعتبارات الخاصة
ب الأسلوب الواجب اتباعه سواء في خلق الوعي المصرفي الادخاري أو تدليل الصعوبات
التي تعترض استمرار السلوك مع العلم بأن النظم الخاصة بالنمودج المقترح تساهم بدورها
كما سترى في هده العمليات .
بنوك محلية بلا فوائد كنمودج مقترح
و يتضمن نمودج الجهاز المقتح ( و نسميه هنا بنكا
محليا أو بنكا للتمويل المحلي ) ثلاثة أنواع من
الحسابات نوجزها فيما يلي :
أولا - حساب الادخار و الاقراض
في هدا الحساب يقبل البنك المحلي مدخرات الأفراد كبيرها و صغيرها مهما قلت قيمتها ابتداء
من خمسة قروش بدون فوائد و يكفل البنك حرية الايداع و السحب في أي وقت لأي مبلغ و
للمودع في هدا الحساب الحق في الاقتراض لغرض انتاجي يعود عليه و على المنطقة المحلية
بالنفع على أن يكون تسديد هدا القرض بدون فائدة ادا كان القرض صغيرا و بمشاركة في
عائد استخدام القرض ادا كان القرض كبيرا على أن يراعى وجوب استثمار القرض داخل
المنطقة المحلية و أن تثبت الدراسة التي يقوم بها البنك ارادته و كدلك المدخرين الفقراء الدين
يتعرضون لصعوبات أو مصائب مفاجئة فان لهم الحق في الاستفادة من أموال الخدمة
الاجتماعية و الزكاة التي سيأتي الكلام عنها و من المزايا الواضحة في هدا الحساب عدم
التعامل بالفائدة و تقديم المشورة الفنية للعملاء دون مقابل و سرعة و سهولة السحب و الايداع
و استخدام وسائل تجميع المدخرات الصغيرة كالطوابع و الحصالات و دواليب الادخارات و
المندوبين و المحافظة على مدخرات و أداء الخدمات المتنوعة للعملاء كدفع
الالتزامات الدورية نيابة عنهم .
ثانيا – حساب الاستثمار أو المشاركة
يودع الأفراد أموالهم في هدا الحساب مساهمين
في المشروعات الانتاجية الانتاجية التي بقوم بها
البنك منفردا أو مشاركة مع أفراد أو مع السلطات المحلية في المنطقة و يعتبر المودعون
شركاء في عائد استثمارات البنك كل حسب قيمة ودائعه و مدة ايداعها و يعتبر استخدامات
الأموال المودعة في هدا الحساب أهم مصدر لتغطية المصاريف الادارية و تغدية حساب
الخدمة الاجتماعية و يتم توزيع الارباح على المودعين بغد اعلان الميزانية مباشرة ، و يجوز
للعميل سحب ما يستحق له في نهاية العام بعد اخطار البنك بمدة كافية ،
و يراعى عند قيام البنك بالمشروعات الانتاجية عدة اعتبارات أهمها :
١. أن تثبت الدراسة الاقتصادية حاجة المنطقة المحلية الى قيام المشروع
٢. أن تثبت الدراسة الفنية توافر عوامل نجاح المشروع و ربحيته .
٣. ألا يزيد المستثمر في كل مشروع عن نسبة معينة من مجموع الايداعات و لتكن مثلا ١٥
% مراعاةلتوزيع المخاطر .
٤. أن يراعى في المشروع اعتبارات الصالح العام و عدم منافاته للمبادىء الأخلاقية في
المجتمع .
ثالثا – حساب الزكاة و الخدمة الاجتماعية
تودع في هدا الحساب أموال الزكاة و الصدقات و التبرعات و الهبات التي تجمع من أهالي
المنطقة بالاضافة الى جزء من عائد استثمارات البنك ، و تستخدم أموال هدا الحساب في
مجموعها للوقوف بجانب المدخرين الدين يتعرضون لأزمات و الغارمين في عمليات
الاقراض و في تنفيد بعض مشاريع الخدمات المساعدة التي قد تكون لتدعيم النهوض بالمنطقة
و يتوقف دلك على طبيعة مصادر الأموال المتجمعة فأموال الزكاة تنفق في مصارفها وفق
الشروط التي حددتها الشريعة و الأموال الأخرى لتدعيم البنك في مجالات الاقراض و
الاستثمارات و المحافظة على سيولة البنك و تدعيم تحقيق أهدافه و خاصة كفالة الطمأنينة
للمدخرين باعتبارهم يمثلون الفئات المكافحة التي تعتمد على نفسها دون أن تكون عالة على
الغير أو المجتمع و معاونة المحتاجين بالمنطقة ليصبحوا قادرين على الكسب بمجهودهم و
غير دلك من معالجة المشاكل الاجتماعية .
تقييم النمودج المقترح
تتوقف أهمية أي جهاز تمويل على
مدى قدرته في تجميع الودائع أو
المدخرات من ناحية و على قدرته على توظيف الأموال مع المحافظة على القاعدة الدهبية (
السيولة ، الربحية ، الضمان ) من ناحية أخرى و الأهم على قدرته في المساهمة لعلاج
مشاكل المجتمع من ناحية ثالثة .
١. تجميع المدخرات و الودائع ، حيث انفرد النظام المقترح بقدرته على جدب مدخرات جميع
الفئات مهما اختلفت دوافعهم من خلال التفرقة الواضحة بين المدخرين الدين يدخرون أساسا
بغرض الطمأنينة و الأمن و المدخرين الدين يدخرون بدافع رفع مستوى معيشتهم باقتناع سلع
معمرة أو القيام بمشروعات انتاجية ، و المدخرين الدين يدخرون بدافع الربح ( المستثمرين )
، كما أن قيام البنك بتنفيد مشروعاته الاستثمارية تحت سمع و بصر المواطنين وفق مبدأ
المحلية كفيل ببث الطمأنينة لديهم و اثارة التعصب و الحماس المحلي مما يدفعهم بالتالي الى
ائتمان مدخراتهم لدى البنك ، و هناك عامل جدب آخر للمدخرين بدافع الربح أتاحه النمودج
المقترح بالسماح للمودعين في حساب الاستثمار بسحب ودائعهم بعد اعلان الميزانية ، اضافة
الى الحدمات التي يقدمها الجهاز لعملائه بدون مقابل ، و يضاف لدلك أن وجود حساب الزكاة
و الخدمة الاجتماعية يشكل خط دفاع رئيسي لمواجهة أي مخاطر جسيمة يتعرض لها ربحية
الاستثمارات . كما أن توزيع المخاطر و قدرة البنك على الاستعانة بدوي الخبرة و الكفاءة و
خبرته بظروف المجتمع المحلي و الظروف الاقتصادية السائدة يساهم الى حد كبير في تحقيق
معدلات ربحية للاستثمارات لمنطقتهم و المنفعة التي تعود على أهالي المنطقة يدفعهم الى
الاخلاص في العمل و السعي لانجاح المشروعات و تقليل التكاليف مما يشكل عاملا هاما
لتحقيق الربحية و جدب الايداعات لدى البنك ، أضف لدلك أن تعلق المواطنين بالدين و
تحرجهم من التعامل بسعر الفائدة يشكل قوة دفع هائلة لجدب المدخرات و الودائع في جميع
حسابات البنك .
٢. توظيف الأموال مع المحافظة على القاعدة الدهبية ، ان اعتماد الجهاز على المدخرات
الفردية الاختيارية تجعله قادرا على الجمع بين الاستثمارات القصيرة الأجل و المتوسطة و
الطويلة الأجل على السواء ، و يرجع دلك الى أن قدرة البنك على جدب كافة الفئات بدوافعهم
الادخارية تمكنه من الاستفادة من مدخرات الفئات الدين يدخرون بدافع الطمأنينة و طبيعة هده
المدخرات طويلة الأجل مما يمكن البنك من توظيف جزء كبير منها في استثمارات أو قروض
طويلة الأجل نسبيا ، و الاستفادة كدلك من مدخرات الفئات الدين يدخرون بدافع رفع مستوى
المعيشة و لو أن طبيعة هده المدخرات و خاصة بالنسبة للمدخرين بغرض اقتناء سلع و
خدمات آجلة تعتبر قصيرة الأجل ، الا أن الرغبات لرفع مستوى المعيشة ى تقف عند حد
معين فهي رغبات متجددة و متنوعة و مستمرة طالما أن الفرد يحصل على دخل مما يكفل
تدفقا مستمرا لها الأمر الدي يمكن البنوك من توظيف جزء كبير منها في استثمارات قصيرة و
متوسطة و طويلة الاجل .
٣. الآثار بالنسبة للمجتمع ، بنفرد النمودج المقترح بتشعب الآثار التي يحدثها نشاطه السابق
ايضاحه في المجتمع في مختلف المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و لا يتسع المجال في هدا
البحث لتفصيل هده الآثار و لكن يجدر الاشارة الى أن هده هي التي تميز النمودج المقترح
عن الأجهزة الأخرى التي تعتمد في نشاطها أساسا على سعر الفائدة الثابت سواء في عرض
رأس المال أو طلبه ، و لا شك أن أجهزة التمويل بقدر ما يعكس نشاطها الى حد كبير
أخلاقيات المجتمع و سنكتفي في ختام هدا الموضوع بتلخيص لبعض هده الآثار:
الناحية التربوية و الاجتماعية
• ان اعتماد البنك المحلي على المدخرات الفردية و خلق السلوك الادخاري و تنميته ، انما
يعتمد على فكرة التغيير الداخلي للفرد بما يسهم في تكوين المواطن الصالح الدي يقدر
المؤولية و بما يسهم في القضاء على كثير من العادات المردولة الشائعة في المجتمع .
• أن اقتصار الاقراض على الدخرين اشعار للمواطنين بأن الانتفاع من رأس المال الدي هو
حق المجتمع ، مقصور على من يعمل و يساهم في تكوين رأس المال ، و المواطن النتج الدي
يعمل لبناء نفسه و مجتمعه و هكدا يسهم الجزء في تكوين الكل و يدعمه الكل بمعاونة الجزء
و بدعمه .
• ان ربط حساب الزكاة و الخدمة الاجتماعية بنشاط البنك يعتبر انتصارا للقيم و العلاقات
الانسانية و خطوة في تحقيق التجانس الاجتماعي و تنمية الشعور بالمسؤولية المشتركة و
تدعيم للتكامل الاجتماعي بما يحقق التوازن بين المادة و العلاقات الانسانية و القضاء على
ظاهرة الاستجداء و التواكل .
• ان نشاط البنك ككل يعتبر قدوة لما يجب أن يكون عليه السلوك الفردي العام بالبعد عن أن
يكون السعي فقط وراء المادة و بأي وسيلة .
الناحية الاقتصادية
• ان البنك المحلي بتركيز نشاطه في المحليات يحقق نموا متوازنا و يعمل على التوزيع
السليم للموارد و الطاقات البشرية التي تتجه عادة ااتركز في العاصمة و البلدان الكبيرة سعيا
وراء العمل حيث يساهم في تنشيط الحرف و الصناعات الصغيرة منها و المتوسطة و يخلق
بدلك مجالات جديدة للعمل و موارد اضافية للرزق فيرتفع مستوى الدخول و تنتعش مما يدعم
المجهودات التي تبدل في المشاريع الكبيرة و بما يخفف العبء على موارد الدولة المركزية .
• ان ودائع البنك المحلي من المدخرات الفردية يمكن أن تتخد كعلامات للطريق أو المؤشر
بالنسبة للسياسة التخطيطية و الاقتصادية ( بشرط أن يكون السلوك شاملا و منتشرا بين
المواطنين ) حيث يتسنى الوقوف على تصرفات الأفراد في قوتهم الشرائية بالنسبة للسلع بما
يكفل المحافظة على جهاز الائتمان و تجنب حدوث اختناقات في سلع دون أخرى .
• ان القروض الصغيرة بدون مشاركة تساهم في النشاط الاقتصادي و زيادة الانتاجية ، و
بالنالي في توسيع السوق الدي يعتبر ضيقه من أهم عقبات الاستثمار الكبيرة من أجل التنمية
في الدول النامية ، و خاصة لأن عدم استخدام سعر الفائدة يمثل القضاء على عبء يثقل كاهل
الفئات الشعبية في اقتراضها لأغراض انتاجية ، و تلك الفئات تمثل أهم الطاقات الانتاجية
المامنة في الدول النامية .
الخلاصة
و هكدا يمكن أن يوجد نمودج لأجهزة تمويل تصلح سلاحا فعالا من أسلحة الهجوم على معاقل
مشاكل الدول النامية الاقتصادية و الاجتماعية . . أجهزة قادرة على تغيير الواقع الاجتماعي و
اعادة صياغة الحياة في مختلف جوانبها شكلا و مضمونا من جديد و احداث التغيير الجدري
للأفراد ، و هده الاجهزة تتميز بأربعة خصائص أساسية :
١. وضوح أهدافها و قوة جادبيتها للجماهير و قدرتها على استقطابهم .
٢. نشاطها و أهدافها ملائمة لاتجاهات العصر ، و مسايرة لمنطلق التطور و العلم .
٣. التعبير بصدق و عمق عن الحاجات للأفراد و مصالحهم .الحيوية .
٤. الاستعانة بالوسائل العلمية المتكافئة مع الأهداف المنشود تحقيقها .

SMOH86
04-05-2009, 17:43
[السلام عليكم اريد بحث حول التأمين على الحرائق]

sympa_dz
04-05-2009, 19:13
اذا أمكن أخي خطة لبحث حول البطالة
بارك الله فيك وليد بلادي لعزيز و الله يرحم لك والديك ان شاء الله

moh.2000
04-05-2009, 19:16
السلام عليكم
للاسف لا يوجد بحث حول التامين على الحرائق..
تقبلو تحياتي ....

salah5022
04-05-2009, 20:21
مرحبا أخي اريد بحثا حول البنك المركزي من فظلك و بحث حول القروض العقارية

MONSIF
04-05-2009, 22:34
السلا م عليكم
اريد بحث حول - ماهية الادارة واهميتها -
مستعجل من فضلكم

malakmanar60
04-05-2009, 23:44
السلام عليكم
من فضلك اريد مساعدة فيما يخص عرض القوائم المالية ias1

lightsoft
05-05-2009, 17:25
بحث

هيكل النظام النقدي في ظل قانون النقد الجزائري
من فظلكم

بارك الله فيكمأدامكم في خدمة العلم
:):)

moh.2000
05-05-2009, 18:38
السلام عليكم
للاسف جميع البحوث غير متوفرة ...
تقبلو تحياتي....

ميمي1990
06-05-2009, 16:59
السلام عليكم ورحمة الله ار يد بحث حول التحصيل الجبائـى عاجل شكرا

moh.2000
06-05-2009, 21:32
السلام عليكم
ماكانش للاسف .........

rida_alg
06-05-2009, 23:51
مدكرة تخرج في الازمة المالية

ايفانوف
07-05-2009, 09:47
السلام عليكم ارجو من الاخوة الكرام المساعدة الوقت يداهمني على تقديم المذكرة اريد مذكرة حول الاعلام الالي في البنوك

merouane_2009
07-05-2009, 15:38
السلام عليكم اريد بحث عن المشتقات المالية

lakhdarayachi
07-05-2009, 16:07
المشتقات المالية: أدوات للتحوط أم للمجازفة؟


د. سامي السويلم
(تم حذف الإيميل لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى)

‏08‏/06‏/1427هـ ، ‏04‏/07‏/2006م


المشتقات هي عقود معاوضة تهدف لتبادل المخاطر. ومن أشهر صورها المستقبليات (futures) والاختيارات (options). فالمستقبليات هي عقود معاوضة مع تأجيل البدلين، مثل التعاقد على مبادلة دولار مقابل يورو في تاريخ مؤجل، بعد ستة أشهر مثلاً. أما الاختيارات فهي عقود خيار يقوم فيها الطرف الراغب في الخيار بدفع رسوم معينة مقابل حق شراء أسهم أو سلع أو عملة محددة بسعر محدد في تاريخ محدد.
والهدف من هذه العقود هو نقل المخاطر الأصل من طرف لآخر. ففي حالة التعاقد المستقبلي على مبادلة الدولار باليورو، فإن هدف العقد هو تثبيت سعر الصرف السائد حين التعاقد لمدة العقد، بحيث إذا حل الأجل يحق للطرفين تبادل العملتين بغض النظر عن سعر الصرف السائد حينذاك، سواء ارتفع أم انخفض عن السعر السائد وقت التعاقد. وكذلك الحال في الاختيارات، حيث يحق للطرف المالك للخيار شراء العملة أو السهم بالسعر المحدد وقت التعاقد، بغض النظر عن السعر السائد حين حلول الأجل.
ونظراً لأن المقصود من هذه العقود هو نقل المخاطر من طرف لآخر، فإن الغالب الأعم (99% في المستقبليات) هو أن يتم تسوية العقد حين يحل الأجل (أو قبل ذلك) بدفع الفرق بين السعر السائد آنذاك والسعر المثبت في العقد. فالعقد ينتهي بالتسوية على فروق الأسعار دون نقل لملكية الأصول التي بني عليها التعاقد، ولهذا سميت هذه العقود بالمشتقات، أي أنها مشتقة من الأصول المرتبطة بها لكنها لا يراد منها نقل ملكيتها وإنما التسوية على فروق أسعارها.

الجدل حول المشتقات
منذ أن ظهرت المشتقات في الغرب قبل 150 عاماً تقريباً أثارت ولا تـزال الكثير من الجدل حول مشروعيتها، سواء من الناحية القانونية أو الاقتصادية. فبحسب القانون فإن العقود المؤجلة التي لا يراد منها التسليم وإنما التسوية على فروق الأسعار تعد من الرهان والقمار الذي لا يعترف به القانون العام. ومن ناحية اقتصادية فإن هذا التعامل لا يختلف عن القمار لأنه لا يولد قيمة مضافة بل مجرد مبادلة يربح منها طرف ويخسر الآخر، بل قد يكون أسوأ أثراً من القمار، لأنه يتعلق بسلع وأصول مهمة ومؤثرة في النشاط الاقتصادي ويتضرر من جراء تقلباتها الكثير من الناس. ولهذا لم يكن غريباً أن أكثر مجموعات الضغط نشاطاً في السابق ضد المشتقات كان المزارعين، إذ كانوا أكثر الفئات تضرراً من هذه التقلبات. وقد جرت في الماضي عدة محاولات في الكونجرس الأمريكي لمنع المستقبليات، خاصة على السلع الزراعية، أخفقت كلها عدا المستقبليات على منتجات البصل، التي لا تزال ممنوعة إلى اليوم.
المدافعون عن المشتقات يرون أنها أدوات لنقل المخاطر من الوحدات المنتجة كالشركات والمؤسسات التي لا ترغب في تحمل مخاطر الأسعار إلى الوحدات القادرة على تحمل هذه المخاطر، وهي المؤسسات المالية وبيوت السمسرة الكبيرة، وبذلك ترتفع إنتاجية الوحدات الاقتصادية ومن ثم مستوى الرخاء الاقتصادي. وهذه العملية هي ما يسمى بالتحوط، أي توقي الشركات والمؤسسات للمخاطر وتجنبها. لكن المعارضين يقولون إن المشتقات هي نفسها أدوات المجازفة والرهان على تقلبات الأسعار والاسترباح من ذلك. وواقع الأمر أن المجازفة هي الغالبة على المشتقات، حيث تبلغ نسبة العقود المستخدمة بغرض المجازفة وفق الإحصائيات الرسمية أكثر من 97% من إجمالي العقود، بينما تقتصر أغراض التحوط على أقل من 3%. فالمشتقات أدوات للمجازفة والرهان أكثر منها أدوات للتحوط.
كما أن تبادل المخاطر يعني أن العملية تصبح مبادلة صفرية، لأنه إذا تحقق الخطر كسب أحد الطرفين وخسر الآخر، وإن لم يتحقق انعكس الوضع. وهذا هو ما يجعل المشتقات هي أهم أدوات المجازفة والرهان على الأسعار، لأن المقصود ليس تبادل الملكية وإنما مجرد المخاطرة.
ولا خلاف بين أهل الفن أن المشتقات مبادلات صفرية، لكنهم يقولون إنها وإن كانت صفرية على مستوى العقد لكنها على المستوى الكلي إيجابية لأنها ترفع مستوى الإنتاجية للاقتصاد عموماً ومن ثم ينتفع جميع الأطراف.
وهذه الحجة يمكن أن تكون صحيحة لو كانت المشتقات تسير جنباً إلى جنب مع النشاط الحقيقي المنتج. لكن واقع الأمر أن أسواق المشتقات تسير في اتجاه بعيد عن النشاط الحقيقي. في السنوات الماضية تضاعف حجم المشتقات أكثر من ثلاث مرات، بحيث تجاوز حجمها الآن 330 تريليون دولار، وهو نمو غير مشهود في أي قطاع من قطاعات الاقتصاد الأخرى. والسبب هو أن المشتقات لا ترتبط تعاقدياً بالنشاط الحقيقي، بل تقتصر على تبادل المخاطر. وحيث أن تداول المخاطر لا يخضع لضوابط النشاطي الحقيقي المولد للثروة، فيصبح نمو المشتقات أسهل بكثير من نمو الاقتصاد الحقيقي، وهذا هو الحاصل بالضبط. ويترتب على ذلك تدفق رؤوس الأموال إلى المجازفات غير المنتجة على حساب الاقتصاد الحقيقي المنتج، مما يعرض الاقتصاد للخسارة مرتين: مرة بحجب رؤوس الأموال عن النشاط الحقيقي ابتداء، ومرة عند انهيار السوق وانفجار فقاعة المجازفات غير المسؤولة وضياع الثروة تبعاً لذلك.
ومع التضخم الهائل لحجم سوق المشتقات فإن أي انهيار سيكون تهديداً مباشراً للاقتصاد بأكمله، وهذا ما يجعل الحكومات والبنوك المركزية تتدخل لمنع وقوع هذه الانهيارات، كما حصل في صندوق لونج تيرم كابيتال (LTCM) وغيره من مؤسسات المجازفة المالية. والتدخل الحكومي مصدر أساسي لربحية المجازفين، كما أكد على ذلك جوزيف ستيجلتز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وإلا فإن سوق المشتقات إجمالاً سوق صفرية كما سبق. ولكن تدخل الجهات الرسمية يعني أن الذي يدفع الثمن الفعلي لهذه المجازفات هو جمهور الأفراد والشركات الذين هم عماد الاقتصاد. فالجمهور في النهاية صار يتحمل مخاطر المجازفين التي تفوق بأضعاف مخاطر النشاط الحقيقي. فبدلاً من أن تكون المشتقات وسيلة لحماية الجمهور من المخاطر صارت وسيلة لتحميله مخاطر تفوق بأضعاف ما كان يسعى لتجنبه من خلالها.

مشروعية التحوط
التحوط كما سبق يراد به تجنب المخاطر أو تحييدها قدر الإمكان. وهو بهذا المعنى لا يتنافى مع مقاصد التشريع الإسلامي التي اعتبرت حفظ المال من الضروريات. فالتحوط من حيث المبدأ لا غبار عليه، إنما الإشكال في الوسيلة المستخدمة لهذا الهدف، هل تؤدي لتحقيقه فعلاً أم إنها تؤدي إلى نقيض ذلك.

الموقف من المشتقات
من مقاصد التشريع الأساسية إقامة العدل ومنع أكل المال بالباطل. وهذا يقتضي أن تكون المعاوضات المالية محققة لمصالح الطرفين وليس لأحدهما على حساب الآخر. ولهذا لا تسمح الشريعة الإسلامية بالمعاوضات الصفرية لأنها بحسب طبيعتها تؤدي إلى ربح أحد الطرفين على حساب الآخر، فيكون أحد الطرفين قد انتفع بمال الآخر دون أن يحصل الآخر على شىء مقابل ذلك، وهذا هو أكل المال بالباطل الممنوع بالنص والإجماع. وإذا كانت المشتقات مبادلات صفرية باتفاق أهل الاختصاص، كما سبق، فإنها بذلك تناقض قواعد التشريع المتفق عليها.
والمشتقات تناقض كذلك مبدأ حفظ المال والوقاية من المخاطر الذي يفترض أن تكون وسيلة لتحقيقه. فالواقع أكبر شاهد على أن المشتقات لا تحقق التحوط والأمان المنشود، بل تؤدي إلى زيادة المخاطر وتقلبات الأسواق، كما سبق. ولو فرض جدلاً أن المشتقات تحقق الأمان لأحد الطرفين، فهذا إنما يحصل من خلال نقل المخاطر إلى الطرف المقابل. فإن كان الأول يتجنب المخاطر فالثاني يتعرض لها قصداً واختياراً، وهو أمر غير مقبول شرعاً.
ومما يبين موقف الشريعة في هذا الصدد إجماع العلماء على منع الدين بالدين أو الكالئ بالكالئ. فإن هذا الحكم الذي ربما خفيت حكمته على البعض يؤكد أن التبادل لا بد أن يكون مقصوده الانتفاع الحقيقي بالسلع محل التبادل. أما الدين بالدين فهو مبادلة دين بآخر، ولا يوجد حين التعاقد قبض يسمح بالانتفاع. فمقصود العقد هو مبادلة ضمان ذمة أحدهما بضمان ذمة الآخر، بحيث يتحمل الطرف الأول مخاطر أحد البدلين مقابل أن يتحمل الطرف الثاني مخاطر البدل الآخر. فهو عقد مقصوده مبادلة المخاطر، كما هو الحال في المستقبليات تماماً، وليس مقصوده تبادل السلع الحقيقية التي يراد الانتفاع بها. ولهذا جاز عقد الاستصناع مع أن فيه تأجيل البدلين لأن المقصود هو الانتفاع الفعلي بالسلع محل التعاقد وليس مجرد الضمان.
ومنع الدين بالدين شاهد على إعجاز التشريع الإسلامي، لأن المفاسد الحقيقية لهذا العقد ربما لم تظهر بصورتها الفعلية مثل ما ظهرت في هذا العصر من خلال المستقبليات، حتى إن الاقتصادي الفرنسي موريس آليه، الحائز على جائزة نوبل، دعا إلى رفع الهامش المطلوب في المستقبليات بدرجة كبيرة لمنع المجازفات الضارة بالاقتصاد. والشريعة الإسلامية اشترطت ما هو أكثر من ذلك وهو تسليم الثمن كاملاً، وهذا من شأنه تقليص المجازفات إلى أدنى حد، وهو ما يشير بوضوح إلى حكمة الشريعة من منع الدين بالدين.

أنواع المخاطر
والنشاط الاقتصادي بطبيعته لا ينفك عن المخاطر. لكن فرق بين أن يكون الخطر تابعاً غير مقصود، كما هو الحال في معظم المبادلات المالية، وبين أن هو المقصود بالتبادل، كما هو الحال في المشتقات. وقد أكد على هذا التفريق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله:
”والخطر خطران:
1. خطر التجارة، وهو أن يشتري السلعة يقصد أن يبيعها بربح، ويتوكل على الله في ذلك. فهذا لا بد منه للتجار، ...، وإن كان قد يخسر أحياناً، فالتجارة لا تكون إلا كذلك.
2. والخطر الثاني: الميسر، الذي يتضمن أكل مال الناس بالباطل، فهذا الذي حرمه الله ورسوله.“ (تفسير آيات، ص700-701).
فالنوع الأول هو المبادلات المنتجة للثروة، والتي لا تنفك غالباً عن المخاطر، لكن هذه المخاطر تابعة للنشاط الحقيقي وليست هي المقصودة أصالة بالتبادل. أما النوع الثاني فهو المبادلات التي تجعل الخطر هو مقصود التبادل. وهذه المبادلات بطبيعتها لا تولد الثروة، لأنها لا تسمح بانتفاع الطرفين، بل ما يكسبه أحد الطرفين هو ما يخسره الآخر، ومن ثم فإن صافي المبادلة صفر، فهي مبادلات صفرية لهذا السبب. فالنوع الأول مشروع لأنه قوام النشاط الاقتصادي، أما الثاني فهو ممنوع لأنه من الغرر والميسر المحرم شرعاً.

الغرر اليسير والغرر الفاحش
وهذا التقسيم الذي ذكره شيخ الإسلام يتفق مع أنواع الغرر. فحقيقة الغرر أنه مبادلة احتمالية تؤدي إلى انتفاع أحد الطرفين على حساب الآخر، وهو من أكل المال بالباطل كما أشار لذلك شيخ الإسلام. ولا خلاف بين الفقهاء في منع هذا النوع من المبادلات، كما في بيع الحصاة وبيع البعير الشارد ونحوها.
وإنما يقع الإشكال إذا كانت المعاملة تحتمل انتفاع الطرفين، وتحتمل أيضاً انتفاع أحدهما وتضرر الآخر، كما هو الحال في الجعالة والعربون وبيع المغيبات ونحوها مما وقع فيه الخلاف بين العلماء. فانتفاع الطرفين نتيجة إيجابية لا يمنعها الشرع بل هي مقصود كل المبادلات النافعة، وهي مصدر توليد الثروة، كما سبق. أما انتفاع أحد الطرفين على حساب الآخر فهو نتيجة صفرية ممنوعة شرعاً لأنها أكل للمال بالباطل. فإذا وجدت مبادلة تحتمل النتيجة الإيجابية وتحتمل النتيجة الصفرية، فالحكم مبني على الأغلب من هذين الاحتمالين.
فإذا كان احتمال النتيجة الصفرية التي تتضمن أكل المال بالباطل كبيراً كان ذلك من الغرر الكثير الفاحش الذي يفسد المعاملة. وإذا كان احتمال النتيجة الإيجابية التي ينتفع بها كلا الطرفين هو الأرجح وهو المقصود من المعاملة، كانت المعاملة جائزة شرعاً وإن تضمنت احتمال النتيجة الصفرية. لكن لما كانت النتيجة الصفرية في هذه الحالة قليلة الوقوع وغير مقصودة للطرفين، كانت من الغرر اليسير المغتفر شرعاً. ولهذا يختلف العلماء في هذه المسائل بحسب تغليبهم لأحد الجانبين على الآخر. فمن غلب النتيجة الإيجابية حكم بالجواز واعتبر النتيجة الصفرية من الغرر اليسير. ومن غلب النتيجة الصفرية حكم بالمنع لأنه يرى أن الغرر كثير لا يمكن اغتفاره. لكن المبدأ يكاد يكون محل اتفاق، وهو أن الحكم يتبع الأغلب من الاحتمالين.
وبهذا يتبين أن المشتقات تندرج ضمن الغرر الفاحش لأن المقصود منها أساساً هو تبادل المخاطر الذي يؤدي إلى النتيجة الصفرية، وليس المقصود هو الانتفاع بالمال الذي تتعلق به المخاطرة.
وهذا مما يبين الفرق بين العربون وبين الاختيارات المالية. فإن العربون يستخدم في شراء السلع الحقيقية التي يراد الانتفاع بها. فيصبح العقد متردداً بين انتفاع الطرفين إذا أمضى المشتري البيع، وبين انتفاع البائع وخسارة المشتري إذا ألغى الأخير البيع وخسر العربون. لكن مجرد احتمال النتيجة الصفرية لا يستلزم أن تكون المعاملة من الغرر الممنوع، لأن المقصود من بيع العربون هو البيع الذي يحقق مصلحة الطرفين. فإذا كان المقصود هو انتفاع الطرفين، كان احتمال خسارة المشتري من الغرر اليسير المغتفر.
أما الاختيارات المالية، فإن المقصود منها ليس الانتفاع وإنما المجازفة على السعر. والمجازفة لا تسمح بانتفاع الطرفين بطبيعة الحال، فإن ربح أحدهما كان الآخر خاسراً بالضرورة. فمقصود الاختيارات هو المراهنة على السعر. أما العربون الذي أجازه الإمام أحمد رحمه الله فمقصوده الانتفاع بالسلعة وجاء الخيار تبعاً لذلك، ولهذا يسمى الأخير الاختيار الحقيقي (real option)، تمييزاً له عن الاختيارات المالية (financial options) التي يراد بها المجازفة. ولهذا لم يكن غريباً صدور قرار مجمع الفقه الإسلامي بجواز العربون ومنع الاختيارات.



بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
من المهم التنبيه إلى أن حكم الغرر لا يتأثر بحصول التسليم للسلعة محل التعاقد. فبيع الحصاة مثلاً غرر ممنوع حتى لو ثبت إرادة تسليم السلعة وتحقق ذلك فعلاً. وبهذا يفترق الفقه الإسلامي عن القانون الوضعي الذي يقصر حكم الرهان والمقامرة على ما إذا انتفى قصد التسليم واقتصرت المبادلة على التسوية على فروق الأسعار. وربما لهذا السبب لم يتمكن القانون من الصمود أمام ضغط مناصري المشتقات، وكانت النتيجة هي السماح بها ضمن الأسواق المنظمة (organized exchange)، لكنها من الناحية النظرية لا تزال ممنوعة خارجها، وهو تناقض كما اعترف بذلك أهل الاختصاص.
أما الفقه الإسلامي فقد كان أكثر عمقاً وأسد نظراً حين ربط حكم الغرر بمقصود المبادلة أصلاً، سواء وقع التسليم أو لم يقع. فالتسليم نتيجة طبيعية لمقصود المبادلة، فإن كانت المبادلة تحقق مصلحة الطرفين تحقق التسليم، وإلا فلا معنى بالمطالبة بالتسليم والقبض إذا لم يكن ذلك يحقق مقاصد الطرفين، بل يصبح ذلك عبئاً وتكلفة دون مقابل، كما أشار لذلك شيخ الإسلام رحمه الله. ولهذا لما انتفت مصلحة الطرفين في المشتقات من تسلم السلع محل الاشتقاق، صار التعامل بها ينتهي إلى التسوية على فروق الأسعار، إذ ليس المقصود هو الانتفاع بالمبيع أو استغلاله وإنما تبادل المخاطر فحسب.
وإذا كانت التسوية على فروق الأسعار من الربا لأنها نقد بنقد مع التفاضل والتأخير، صار تحريم المشتقات ثابتاً من جهتين: كونها غرراً، وكونها تؤدي إلى الربا. وهذا مما يبين كمال الشريعة المطهرة حين حرمت الأمرين، وحين ربطت الأحكام بالمقاصد وليس مجرد الإجراءات الشكلية.

منهج تطوير الأدوات الإسلامية للتحوط
وبناء على ما سبق فإن الأدوات الإسلامية المناسبة للتحوط (خاصة الأدوات القائمة على المعاوضة) هي أدوات إيجابية مولدة للثروة وإن كانت تتضمن نقل المخاطر من طرف لآخر. لكن هذا التبادل للمخاطر ليس هو أساس المبادلة، وإنما أساس المبادلة هو النتيجة الإيجابية التي تسمح بانتفاع الطرفين، أما تبادل الخطر فهو تابع لتوليد الثروة. وبهذا يمكن للأدوات الإسلامية أن تحقق مصلحة تبادل المخاطر دون أن تؤدي إلى المفاسد التي تتضمنها المشتقات المالية.
ومن أمثلة ذلك استخدام المرابحة للتحوط من مخاطر تقلبات العملة. فبدلاً من إبرام المستقبليات على العملات مع البنك الضامن لمخاطر الصرف بعقد منفصل عن السلع المقصودة بالتبادل، يمكن ترتيب عملية مرابحة بحيث يتحمل البنك الضامن مخاطر سعر الصرف من خلال شراء السلعة المطلوبة بعملة ثم بيعها للمستفيد بالعملة الأخرى. وإذا كانت المرابحة تستخدم للتمويل فيمكن استخدامها كذلك للتحوط. وكما أن المرابحة بغرض التمويل مقبولة شرعاً لأنها تجعل التمويل جزءً لا ينفك عن التبادل الحقيقي ويصبح المقصود النهائي من المعاملة هو النشاط المولد للثروة، فكذلك إذا كانت بغرض التحوط، فهي مشروعة أيضاً للسبب نفسه. فالمنطق الإسلامي واحد في الأمرين، وهو ربط التعاملات المالية بالنشاط الحقيقي المنتج. وهذا الربط لا بد أن يكون على مستوى العقد وليس مجرد النية أو الهدف العام، فلا بد من تحقق شروط القبض والضمان والملكية لتكون المعاملة مقبولة شرعاً، ومن ثم محققة لأهدافها الاقتصادية.

خاتمة
يشكو الخبراء والمختصون اليوم من ازدياد حدة تقلبات الأسواق وارتفاع المخاطر الاقتصادية. ومع إدراك عقلائهم لأصل المشكلة ومنبع الخلل، إلا أنهم لا يملكون حلولاً لها. وقد اعترف أهل القانون أنهم عجزوا عن التفريق بين المخاطر الإيجابية التي لا ينفك عنها النشاط الاقتصادي المنتج، وبين مخاطر الرهان السلبية التي تزيد الوضع سوءً، ولم يكن الاقتصاديون بأحسن حالاً منهم. والشريعة الإسلامية تملك الحل وتقدم المنهج الموضوعي للتفريق بين أنواع المخاطر الإيجابية والسلبية. فالعالم اليوم أحوج ما يكون إلى مبادئ الاقتصاد الإسلامي وضوابطه التي تحقق الخير والرفاه للبشرية. فهل نحن على مستوى المسؤولية؟

lakhdarayachi
07-05-2009, 16:10
مخاطر المشتقات المالية
أ.بلحسن فيصل
أ. عبـو عمـــر (تم حذف الإيميل لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى)
جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف

ملخص:
لقد تزايدت أهمية صناعة المشتقات المالية في العقدين الأخيرين من القرن الماضي سواء من ناحية حجم التعامل بهذه الأدوات الجديدة، أو من ناحية اتساع عدد المشاركين في أسواق المشتقات.
ولقد تسارعت ثورة المشتقات بظهور ظاهرة عالمية الأسواق وهو ما يعرف بعصر " العولمة " التي نجمت إلى حد كبير عن التحرير المتسارع لأسواق المال العالمية وإزالة القيود التي تحد من نشاط المؤسسات المالية وانتقال رؤوس الأموال مستفيدة من ثورة المعلومـات والاتصالات العالمية المتطورة ، فضلاً عن التنافس المحموم بين المؤسسات المالية على اختلاف أنواعها وما ترتب عليه من تسابق بينها لابتكار أحدث المنتجات والأدوات المالية وطرحها في الأسواق وما صاحبها من عوامل الإغراء للمستثمرين والمتعاملين للإقبال عليها ، وكان من هذه الأدوات " المشتقات المالية " كأدوات صاحب ظهورها تعاظم ظاهرة تقلب أسعار الفائدة وأسعار صرف العملات الأجنبية كأدوات جديدة غير الأدوات التقليدية السائدة لغرض تسهيل عملية نقل وتوزيع المخاطر وكأدوات للمضاربة والتحوط ومن ثم أولتها الجهات الرسمية والمهنية عناية فائقة سواء من الناحية التشريعية والقانونية التي تنظم أحكام التعامل بهذه الأدوات أو من ناحية وضع المعايير المحاسبية التي تنظم الجوانب الخاصة بالاعتراف بها وبتقييمها والإفصاح عنها .

Abstract :
Have increased the importance of financial derivatives industry in the last two decades of the last century, both in terms of volume of these new tools, or the expansion of the number of participants in the derivatives markets
The revolution has accelerated the emergence of the phenomenon of global derivatives market known as the era of "globalization" that resulted largely from the rapid liberalization of international capital markets and remove restrictions which limit the activity of financial institutions and the movement of capital taking advantage of the information revolution and the evolving global communications, as well as the heated competition between Financial institutions of all kinds and by the race including the latest products and innovation of financial instruments and put on the market and the attendant factors, the temptation for investors and traders to rush it, and of these instruments "financial derivatives" as tools of the growing phenomenon of volatility arise interest rates and foreign exchange tools New non-traditional instruments prevailing for the purpose of facilitating the transfer of the al******** of risk and tools for speculation, hedging and therefore accorded official and professional careful both in terms of legislative and legal provisions governing the handling of these tools or the development of accounting standards governing the specific aspects of recognition and evaluation and disclosure
1- مفهوم المشتقات المالية وأنواعها
1-1:تعريف المشتقات
التعريف الأول: تعرف الأدوات المالية المشتقة على أنها نوع من العقود المالية التي تشتق قيمتها من قيمة أصل آخر يطلق عليه الأصل الأساسي، أو المرتبط كالأسهم أو السندات أو السلع، ومن أبرز أشكالها عقود المستقبليات، العقود الآجلة، عقود المقايضة وعقود الخيارات وغيرها من العقود المالية ذات الخصائص المماثلة .
التعرف الثاني: المشتقات المالية هي عبارة عن عقود مالية تشتق قيمتها من قيمة أصول حقيقية أو مالية أخري‏(‏ أسهم وسندات وعقارات وعملات أجنبية والذهب والسلع‏..)‏ وتكون لتلك العقود المالية مدة زمنية محددة بالإضافة إلى سعر وشروط معينة يتم تحديدها عند تحرير العقد بين طرفي البائع والمشتري‏.
‏التعرف الثالث: يمكن تعريفها بأنها أدوات استثمارية جديدة ومتنوعة ، ويطلق عليها هذا الاسم لأنها مشتقة من أدوات استثمارية تقليدية كالأسهم والسندات، وتعتمد في قيمتها على أسعار هذه الأدوات، ويمكن تحديد مفهوم الأدوات المشتقة بأنها عبارة عن عقود مالية تتعلق بعمليات خارج الميزانية خاصة بالنسبة للبنوك، وتتحد قيمتها بقيمة واحدة أو أكثر من الأصول أو الأدوات او المؤشرات الأساسية المرتبطة بها .
1-2:أنواع المشتقات
يمكن التمييز بين الأنواع الآتية من المشتقات:
الفرع الأول:العقود الآجلة: forward currency contracts
تعتبر العقود الآجلة أحد أنواع عقود المشتقات التي يتم من خلالها بيع أو شراء الأصول( مثال العملات، أسعار الفائدة، السلع( في تاريخ لاحق، حيث يلزم البائع بأن يسلم المشترى الأصل محل التعاقد في تاريخ لاحق، وبسعر يتم الاتفاق عليه في تاريخ التعاقد ( ويسمى هذا بسعر التنفيذ).
وتستخدم البنوك العقود الآجلة في عمليات بيع وشراء العملة من أجل توفير سيولة نقدية من عملة غير متوفرة لدى البنك ( أرصدة لحظية منها) كما تقوم البنوك-لتجنب مخاطر تقلبات سعر الصرف) باستخدام العمليات الآجلة عن طريق تغطية مراكز نقدية مفتوحة تتطلبها أغراض العميل والتي تهدد المحتفظين بمراكز نقدية غير مغطاة بخسائر فادحة، إلى جانب ما تجنه البنوك من أرباح ( غير متوقعة) نتيجة استخدام إستراتيجية العمليات الآجلة، وأيضا الاستفادة من ظاهرة تقلبات أسعار الفائدة التي تحدث في الأسواق المختلفة لتحقيق الأرباح
فضلا عن ذلك فإنه يمكن ( من الناحية التجارية) عن طريق العمليات الآجلة – التحديد المسبق لتكلفة السلعة المستوردة والمصدرة عن طريق الشراء أو البيع الآجل للمبالغ المتوقع سدادها خلال فترة مستقبلية (آجلة) وذلك مقابل اعتمادات الاستيراد المفتوحة أو المبالغ المزمع تحصيلها مقابل اعتمادات التصدير المفتوحة.


الفرع الثاني: عقود الخيار:
تعتبر عقود الخيار من أهم مشتقات الأصول المالية التي تتداول في أسواق الخيار، والتي قد تكون أسواق مستقلة، أو جزء من السوق الحاضرة، وانتشرت عقود الخيار بهدف حماية المستثمر ضد مخاطر تغير الأسعار.
أولا: تعريف عقود الخيار: يمكن تعريف عقود الخيار كما يلي:
- التعريف الأول :عقود الخيار تمثل ورقة مالية ذات سمة خاصة، يعطي هذا العقد لحامله الحق في شراء أو بيع ورقة مالية خلال فترة محددة، ويطلق عليه (الخيار الأمريكي، أو في تاريخ محدد ويسمى الخيار الأوروبي) بسعر متفق عليه مقدما
التعريف الثاني: اتفاق للمتاجرة على زمن مستقبل متفق عليه، وبسعر محدد يعرف بسعر التنفيذ، وهو يعطي الحق لأحد الطرفين في بيع وشراء عدد معين من الأوراق المالية من الطرف الآخر بسعر متفق عليه مقدما
ثانيا:أنواع عقود الخيار
وفيما يلي مختلف أنواع عقود الخيار:هناك نوعان من الخيارات
1- خيار النداء ( خيار الشراء): يعطي لصاحبه الحق في الشراء، وليس الالتزام بالشراء، إذ يكون لصاحب الخيار الحق في شراء الأصل بسعر محدد متفق عليه، وبالتالي إذا انخفض سعر الأصل عن السعر المحدد، إن صاحب الخيار غير ملزم بالشراء وفقا للسعر المحدد السابق الاتفاق عليه، إذ يمكنه الشراء من السوق بالسعر المنخفض في هذه الحالة، وعلى العكس إذا ارتفع سعر الأصل فانه يكون لصاحب الخيار الحق أن يشتري الأصل بالسعر المنخفض السابق الاتفاق عليه.





استعمالات اختيار الشراء :
على أساس من الآلية السابقة في اختيار الشراء فإنها تستخدم لتحقيق الأغراض التالية :
أ - أغراض المضاربة SPECULATION .
حيث يحقق المضارب ربحاً نتيجة شراء حق الشراء إذا ما تحققت توقعاته متمثلة في ارتفاع سعر الأصل في السوق بأكثر من سعر التنفيذ ، ومن ثم فهو - أي المضارب- يستفيد من تحركات الأسعار في السوق وتقلباتها بالزيادة نتيجة خبرته وتوقعاته .
ومن ناحية أخري فإن شراء حق الشراء يعتبر أداة مضاربة إذا كان الهدف من شراء الحق هو بيعه بسعر أعلى مستقبلاً
ب-أغراض التحّوط HEDING .
حيث يكون المتعامل DEALER في هذه الحالة أما أن مركزه مكشوفا من العملة مثلاً المنوي شراءها أو ملتزم بدفعات مستقبلية من هذه العملات وهو خائف من ارتفاع الأسعار ، وشراء حق الشراء هو وسيلة تحوط تحمي المتعامل من مخاطر ارتفاع السعار ومن ثم لضمان الشراء بسعر معين أي سعر التنفيذ لتجنب مخاطر الشراء بأسعار السوق والتي ربما ترتفع كثيراً
ج- أغراض استثمارية :
حيث يعتبر شراء حق اختيار شراء أداة استثمارية بديله عن حيازة الأصل لحين انتظار توقع ارتفاع الأسعار في وقت استحقاق عقد الخيار ، وإمكانية الشراء بالسعر الأقل وهو سعر التنفيذ المتفق عليه مقدماً في عقد الخيار
2- خيار الطرح( خيار البيع): ويعطي هذا الخيار الحق في بيع الأصل بسعر معين دون الالتزام بذلك، فإذا ارتفع سعر الأصل عن السعر المتفق عليه يكون من حق صاحب الخيار عدم الالتزام بالبيع وفقا لهذا السعر المتفق عليه، واللجوء إلى السوق للبيع بالسعر الأعلى.

الفرع الثالث:العقود المستقبلية: يتم التطرق هنا إلى مختلف تعاريف العقود المستقبلية، ومختلف أنواعها.
أولا: تعريف العقود المستقبلية: يمكن تعريف العقود المستقبلية كما يلي:
- التعريف الأول : "تعد العقود المستقبلية من الأدوات الحديثة في مجال الاستثمار المالي، فهي تشبه العقود الآجلة قديما، وتمثل هذه الأدوات تعاقدا بين طرفين، أحدهما بائع والآخر مشتري، بغرض تسليم السلعة أو الأصل في تاريخ لاحق متفق عليه "
التعريف الثاني :ويعرف العقد المستقبلي أيضا على أنه عقد يلزم الطرفين المتعاقدين على تسليم أو استلام سلعة أو عملة أجنبية أو ورقة مالية، بسعر متفق عليه في تاريخ محدد، وكما هو الحال في عقود الخيارات، يعد العقد المستقبلي بمثابة ورقة مالية قابلة للتداول، وتتمتع بسيولة عالية، ولذا يتم استخدامها في كل من أغراض المضاربة و التحوط، حيث يمكن للمستثمر بسهولة أن يبيع العقد في أي وقت بالسعر السائد في السوق، وفي هذه الحالة سيلزم المشتري الجديد بمضمون العقد بطبيعة الحال .
ثانيا:خصائص العقود المستقبلة :
1 - فيها يتم الشراء بسعر محدد متفق عليه مسبقاً في تاريخ التعاقد على أن يتم التسليم في تاريخ لاحق محدد وبذلك يتم تجنب أو تخفيض مخاطر تقلب الأسعار وتغيرها PRISE RISK إذ لا ينظر إلى السعر في السوق الحاضر عند التنفيذ والذي قد يكون مرتفعاً .
2 - يتم التعامل في أسواق العقود المستقبلة بطريقة المزاد العلني المفتوحOPEN OUTCRY عن طريق وسطاء أو بيوت مقاصة CLEARING HOUSES تـُوكل إليها عادة تنظيم التسويات التي تتم يومياً بين طرفي العقد .

3 - لضمان تنفيذ الالتزامات المتبادلة بين طرفي العقد المستقبلي ( المشتري والبائع ) يلزم كل منهما عادة بأن يسلم الوسيط في تاريخ نشؤ العقد هامشاً معيناً يسمى MARGIN تتراوح قيمته عادة بين 5 – 15 % من القيمة الإجمالية للعقد ولا يتم استرداده إلا عند تسوية أو تصفية العقد ، ويقوم الوسيط عادة بإجراء تسوية يومية بين طرفي العقد تعكس التغيرات السعرية التي تحدث على سعر العقد ، ومن ثم أثر ذلك على رصيد كل منهما في سجلاته ، ومما هو جدير بالذكر أنه لا سبيل للتعامل في سوق العقود المستقبلة إلا من خلال بيوت السمسرة .
4 - إذا كان من الممكن تحرير عقود مستقبلة على أي سلعة فإن قليلاً من السلع تتوافر فيها الشروط التي تناسب الأسواق المنظمة للعقود المستقبلة.
ثالثا:أنواع العقود المستقبلية: من بين العقود المستقبلية نذكر ما يلي:
1. عقود مستقبلية على أسعار الفائدة: هي العقود التي تتم بين مشتري العقد وبائع العقد، أغلب هذه العقود يتم إحلالها قبل تاريخ الاستحقاق بصفة عكسية عن التي تم عنها الاتفاق في البداية، ولا يتم التسليم الفعلي للأصول المقترضة .
2. العقود المستقبلية التي تنصب على مؤشرات السوق: هذه العقود عبارة عن تسليم المؤشر المفترض في تاريخ وسعر محددين مسبقا، وتكون قيمة النقود الملزم دفعها من طرف المشتري تساوي قيمة ثانية تحددها البورصة مضروبة في الفرق بين قيمة المؤشر على أساس سعر إقفال آخر يوم يتعامل في العقد وسعر شراء العقد .
3. عقود مستقبلية على سلع هو بمثابة عقد بين الطرفين يلتزم بمقتضاه أحدهما على تسليم الطرف الثاني مقدارا محددا من سلعة معينة بسعر محدد في تاريخ محدد
رابعا:الاستراتيجيات التي تستخدمها العقود المستقبلية:
هناك إستراتيجيتان تستخدمان بصفة رئيسية في سوق العقود المستقبلية هما إستراتيجية التغطية وإستراتيجية المضاربة:
أ.الإستراتيجية الأولي: إستراتيجية التغطية: Hedging Strategy :
يقصد بالتغطية – في سوق العقود المستقبلية – الصفقات التي يعقدها المستثمر بتواريخ تنفيذ مستقبلية بهدف التقليل من حجم الخسائر التي يمكن أن يتعرض لها بسبب تغيرات معاكسة قد تطرأ على ثمن الأصل محل التعاقد
وستخدم في سوق العقود المستقبلية عدة طرق للتغطية هي:
1. تغطية الشراء: وهي قيام المستثمر بشراء عقد على أصل في سوق العقود المستقبلية بتواريخ تسليم تتفق مع توقيت الحاجة إلى ذلك الأصل بما يمكن من مواجهة مخاطر تغير الأسعار.
2. تغطية البيع: وتعنى بيع عقود مستقبلية لتجنب مخاطر انخفاض أسعار أصل معين، إن هذا النوع من التغطية يلجأ إليه أولئك الذين تضطرهم الظروف إلى شراء أصل معين من السوق الحاضر ثم تخزينه لحين الحاجة إليه في الوقت الذي يخشون فيه انخفاض ثمن ذلك الأصل .
3. التغطية الكاملة: وهي امتلاك المستثمر لعقد بيع وعقد شرا بنفس السعر والكمية، وبنفس تاريخ التسليم ، وبالتالي لا يتعرض هذا المستثمر لأية خسائر في حالة حدوث تغيرات سعرية.
4. التغطية باستخدام أصل مختلف: وهي عملية شراء أو بيع لأصل " مختلف" يشابه الأصل "الأصلي" في عمل التغطية. أو بعبارة أخرى استخدام أصل بديل كأساس لتغطية عقد أبرم على أصل آخر، وهو ما يمكن أن يطلق عليه " التغطية عبر أصول مختلفة" أو التغطية المتقاطعة"
‌ب. الإستراتيجية الثانية: استراتيجية المضاربة
تستخدم في سوق العقود طريقتين للمضاربة:
• أولهما المضاربة على شراء عقد مستقبلي لأصل ما تشير التوقعات إلى تصاعد في أسعار عقوده، ثم يقوم المضارب بإصدار أمر إيقاف الخسائر للسمسار في حالة انخفاض السعر إلى مستوى معين، مما يعنى أن السمسار يقوم بإقفال مركز المضارب وذلك ببيع عقد مماثل إذا ما انخفض الثمن إلى ذلك المستوى.
• ثانيهما المضاربة على بيع عقد مستقبلي لأصل يتوقع اتجاه تنازلي في أسعاره
الفرع الرابع: المبادلات: swaps
أولا:تعريف عقد المبادلات :تعرف المبادلات بأنها التزام تعاقدي بين طرفين يتضمن مبادلة نوع معين من التدفق النقدي ( او أصل معين) يمتلكه أحد الطرفين مقابل تدفق أو اصل يمتلكه الطرف الآخر، بالسعر الحالي وبموجب شروط يتفق عليها عند التعاقد، على أن يتم تبادل الأصل محل التعاقد في تاريخ لاحق.
وتستخدم المبادلات في عدة أغراض منها:
1. الوقاية من المخاطر السعرية في فترات مختلفة؛
2. تخفيض تكلفة التمويل؛
3. الدخول إلى أسواق جديدة
4. استحداث أدوات مركبة.
ثانيا:أنواع المبادلات:
1- مبادلات الفائدة : Interest rate swaps
عبارة عن اتفاق بين طرفين على تبادل معدلات فائدة متغيرة بمعدلات فائدة ثابتة، على مبلغ محدد، بعملة معينة، دون ان يقترن دلك بالضرورة بتبادل هذا المبلغ.
2- مبادلة العملات: currency swaps
عبارة عن بيع ( أو شراء ) عملة معينة في استحقاق معين، ثم شراء (أو بيع ) نفس العملة ( أو عملة مقاربة لها) في استحقاق آخر حيث يقوم طرفان بعقد اتفاق بينهما يتضمن عمليتين:
• الأولي: عملية شراء ( أو بيع ) عملة معينة مقابل عملة أخرى على أساس التسليم الآني ( الفوري) بسعر الصرف الآني ( الحالي أو الفوري) بين العمليتين ؛
• الثانية: عملية بيع (أو شراء ) في تاريخ لاحق على أساس سعر صرف محدد مسبقا بين العملتين.
وتعتمد عمليات مبادلة العملات على التوقعات المستقبلية للفروق في معدلات فائدة وأسعار الصرف بين العملتين محل التعاقد.


3- المبادلة الخيارية: swap options ( swaption)
عبارة عن خيار للدخول في مبادلة معينة بتاريخ محدد في المستقبل، مثال ذلك المبادلة الخيارية للفائدة البسيطة هي أساسا خيار لمبادلة سند ذي فائدة ثابتة بسند ذي فائدة متغيرة في وقت معين.
4- مبادلة الأسهم : Equity Swap
عبارة عن اتفاق على مبادلة لمعدل العائد على سهم معين أو مجموعة من الأسهم بمعدل العائد على سهم أو أصل مالي آخر في تاريخ لاحق
5- مبادلة السلع : Commodity swap
عبارة عن مبادلة يقوم بموجبها أحد الطرفين بالشراء الآني من الطرف الآخر لكمية معينة من السلعة محل التعاقد بالسعر السائد ويتم سداد الثمن فورا، وبيعها لهفي نفس الوقت بيعا آجلا بسعر متفق عليه مسبقا، وبحيث يتم السداد على فترات متفق عليها أيضا.
2-مخاطر المشتقات المالية وإدارتها
يحاول المختصون أو العاملون في مجال الهندسة المالية أن يتعرفوا وبالتالي يقيسوا المخاطر التي يتعرض لها المتعاملون في أدوات وأسواق المشتقات. غير أن هذا العمل يعتبر من التحديات الكبيرة. ويعزو ذلك – بصفة جزئية- إلى صعوبة تجديد القيمة التصويرية لعقود المبادلات، حيث تتميز أدوات المشتقات بتغطية مراكز قائمة- إلا أنها تجذب المتعاملين لأخذ مراكز جديدة، مما يدفع البعض إلى الإفراط في التعامل في تلك الأدوات، وبالتالي عدم التنبيه إلى مخاطرها.
2-1 مخاطر المشتقات المالية
إن المخاطر التي تواجه المتعاملين في أسواق المشتقات يمكن تصنيفها على النحو التالي :
1.المخاطر الائتمانية للمشتقات: تعبر عن المخاطرة المتمثلة في الخسارة الناجمة عن تعثر * الطرف المقابل* في الوفاء بالتزاماته التي يتضمنها عقد المشتقات. وتتمثل هذه الخسارة في تكلفة إحلال عقد جديد محل العقد السابق.
وهناك عدد من السياسات والإجراءات التي تمكن المتعاملون في أسواق المشتقات – من إدارة هذه المخاطر الائتمانية- نذكر منها ما يلي:
أ- أدوات الرقابة الداخلية التي تضمن تقدير المخاطر الائتمانية قبل الدخول في تعاملات مع الطرف المقابل، مع رقابة هذه المخاطر خلال مدة كل تعامل معها.
ب- التوثيق الدقيق للتعاملات مما يلطف من حدة المخاطر الائتمانية، وبالتالي يوفر الالتزام القانوني لتنفيذ العقود.
جـ- تقدير الجدارة الائتمانية للأطراف المقابلة، والالتزام بحدود معينة لهذه المخاطر.
د- توفير الضمانات اللازمة التي تدعم الائتمان وتقلل أو تحد من التعرض لمخاطر تعثر أطراف عملية معينة.
2- مخاطر السوق: تنشأ مخاطر السوق المتعلقة بالمشتقات من السلوك السعري لأسعار الأصول محل التعاقد (أي التقلبات غير المتوقعة في أسعار عقود المشتقات) ويعزو السبب في هذا إلى تقلبات أسعار الأصول محل التعاقد، وأيضا نقص السيولة الذي يؤدي إلى تدهور أسعار الأصول وصعوبة إبرام عقود جديدة لمجابهة هذا التدهور، حيث قد يتعذر على حاملي عقود المشتقات تعديل مراكزهم لتحقيق التغطية الكافية أمام استمرار انخفاض أسعار الأصول.
الجدير بالذكر أن مخاطر السوق المتعلقة بالمشتقات قد تزداد ضراوة وذلك في حالة وجود محتكرين في تلك السوق، حيث يقوم هؤلاء المحتكرين بعمليات شراء وبيع على نطاق كبير مما يؤدي إلى تقلب أسعار الأصول بشكل حاد، ومما يؤثر بدرجة كبيرة على توقعات المتعاملين بشأن الاتجاهات المستقبلية لهذه الأسعار. بالإضافة إلى ذلك فإن مخاطر السوق المتعلقة بالمشتقات قد تزداد خطورة في ظل ترابط الأسواق المالية بدرجة أكبر، مما يؤدي إلى سهولة انتقال المخاطر التي قد تتعرض لها سوق مالية معينة إلى الأسواق المالية الأخرى. ومن ثم فإن المتعاملين في مجال عقود المشتقات يكونوا في حاجة ماسة إلى تحديد عناصر هذه المخاطر وفهم كيفية تفاعلها مع بعضها البعض، وبالتالي فإن تقدير مخاطر السوق المتعلقة بالمشتقات إنما يعتمد على التقييم المرتبط بالسوق، وأيضا على الأدوات التي تستخدم كوقاية من هذه المخاطر.
3- المخاطر التشغيلية: تتمثل هذه المخاطر في الخسائر التي تنتج عن عدم كفاءة النظم الإدارية والرقابية وإخفاق الإدارة في مجال التعامل بالمشتقات ، حيث أن تعقد المشتقات يقتضى توافر عناصر بشرية مدربة ونظم رقابية تكون قادرة على التيقن من سلامة التعاملات ومراكز المتعاملين
4-مخاطر التسوية في المشتقات: تتمثل مظاهر مخاطر التسوية في أن القليل من المعاملات المالية يتم تسويتها آنيا. فقد يتعرض أحد الأطراف للخسارة إذا كان السعر الذي باع به مرتفعا مع رفض الطرف الآخر بالسداد في التاريخ المحدد للتسوية. كما قد يكون قيمة الأصل محل التعاقد عرضة لتقلبات الأسعار، وبالتالي قد تنخفض هذه القيمة في حالة عدم توافق ميعاد تسليم الأصل مع ميعاد استلام ما يقابله نقدا يوم التسوية
5- المخاطر المنتظمة: تتمثل هذه المخاطر في حدوث خلل ( اهتزاز ) في المركز المالي لمؤسسة مصرفية أو مالية تتعامل في سوق المشتقات، مما قد يسبب بالتالي خللا (اهتزازا) ماليا في مؤسسات أخرى داخل الجهاز المصرفي أو المالي، وقد يسبب خللا ماليا في الجهاز ذاته، أو في أجزاء أخرى من أسواق مالية مرتبطة بسوق المشتقات.
وهناك العديد من العوامل والمخاطر الأخرى في أسواق المشتقات التي تؤثر في المخاطر المنتظمة منها: حجم أسواق المشتقات، درجة تركز المؤسسات العاملة في تلك الأسواق، توافر السيولة والارتباط بين الأسواق، والمخاطر الائتمانية ومخاطر السيولة
6-المخاطر القانونية: تنشأ هذه المخاطر عن سوء التوثيق في العقود، وعدم تمتع الطرف المقابل بالصلاحيات اللازمة للتعاقد، والوضع القانوني غير الواضح لبعض التعاملات، وعدم القدرة على التنفيذ القضائي في حالة التعثر أو الإفلاس

2-2-المشتقات وإدارة المخاطر
بجدر بنا أن ننوه إلى ضرورة التفرقة بين استخدام المشتقات كأداة لإدارة المخاطر وبين استخدام المشتقات كأداة للاحتياط من المخاطر، إن استخدام المشتقات كأداة لإدارة المخاطر ، إنما تعنى استبدال أحد المخاطر القائمة بمخاطر جديدة تكون أقل تكلفة وأكثر مرونة مما يمكن المؤسسات المصرفية والمالية من تحقيق الأرباح أو تجنب الخسائر، بينما نجد استخدام المشتقات كأدلة للاحتياط من المخاطر، إنما يعنى تقليل التعرض لنوع معين من أنواع المخاطر مقابل التخلي عن بعض الفرص لتحقيق الأرباح
وإن استخدام المشتقات كأداة لإدارة المخاطر يستوجب إتباع عدة خطوات نوجزها فيما يلي:
1. تحديد أنواع المخاطر التي يمكن أن تواجهها المؤسسة وبالتالي التعرف على مسبباتها ( مثل أسعار الفائدة ، أسعار الصرف ...الخ)؛
2. حصر المخاطر الناجمة عن أعمال المؤسسة؛
3. اختيار ما يناسب من أدوات المشتقات لمجابهة هذه المخاطر وإدارتها بما يحقق الربح للمؤسسة؛
4. وضع نظام فعال لمراقبة أداء استخدام المشتقات التي تم اختيارها ، مع العمل على وضع تنبؤات لنتائجها المستقبلية.










خاتمة :
منذ أن ظهرت المشتقات تـزال تثير الكثير من الجدل حول مشروعيتها، سواء من الناحية القانونية أو الاقتصادية. فبحسب القانون فإن العقود المؤجلة التي لا يراد منها التسليم وإنما التسوية على فروق الأسعار تعد من الرهان والقمار الذي لا يعترف به القانون العام. ومن ناحية اقتصادية فإن هذا التعامل لا يختلف عن القمار لأنه لا يولد قيمة مضافة بل مجرد مبادلة يربح منها طرف ويخسر الآخر، بل قد يكون أسوأ أثراً من القمار، لأنه يتعلق بسلع وأصول مهمة ومؤثرة في النشاط الاقتصادي ويتضرر من جراء تقلباتها الكثير من الناس
المدافعون عن المشتقات يرون أنها أدوات لنقل المخاطر من الوحدات المنتجة كالشركات والمؤسسات التي لا ترغب في تحمل مخاطر الأسعار إلى الوحدات القادرة على تحمل هذه المخاطر، وهي المؤسسات المالية وبيوت السمسرة الكبيرة، وبذلك ترتفع إنتاجية الوحدات الاقتصادية ومن ثم مستوى الرخاء الاقتصادي. وهذه العملية هي ما يسمى بالتحوط، أي توقي الشركات والمؤسسات للمخاطر وتجنبها. لكن المعارضين يقولون إن المشتقات هي نفسها أدوات المجازفة والرهان على تقلبات الأسعار والاسترباح من ذلك. وواقع الأمر أن المجازفة هي الغالبة على المشتقات

















الهوامش و المراجع:
1. أحمد صالح عطية، مشاكل المراجعة في أسواق المال، دار الجامعية، 2003، ص: 211
2. ****agh heffer nan, » Modern banking in theory and practice » new york,1998,p p 172-173.
3. منير إبراهيم هندي، أساسيات الاستثمار في الأوراق المالية، منشأة المعرف، الإسكندرية، مصر، 1999، ص: 65.
4. خالد وهيب الراوي، الاستثمار، مفاهيم تحليل إستراتيجية، عمان، دار المسيرة، 1998، ص: 309.
5. حسن عطا غنيم، المشتقات المالية، ملتقى حول تنظيم وإدارة بورصات الأوراق المالية العربية لخدمة التنمية ورشة عمل ( إدارة أسعار الصرف) بشرم الشيخ، مصر، 6-10 مارس 2005 المنظمة العربية لتنمية الإدارية ص: 55 56
6. محمد صالح الحناوي، ، تحليل وتقييم الأسهم والسندات، الدار الجامعية، مصر، 2001، ص: 413
7. أحمد صالح عطية، مرجع سبق ذكره، 2003، ص: 234.
8. زياد رمضان، مرجع سبق ذكره، ص: 100
9. عبد الباسط وفا حسن، بورصة الأوراق المالية، دار النهضة العربية لنشر، مصر 1996، ص: 40
10. أحمد صالح عطية، مرجع سبق ذكره، 2003 ص: 235.
11. فرج عبد العزيز عزت، اقتصاديات البنوك( الصناعة المصرفية والمالية الحديثة)، لبيان للطباعة والنشر، مصر ،2002، ص 31
12. نفس المرجع السابق، ص 32
13. مجلة الدراسات المالية والمصرفية، المشتقات هي الدواء الشافي المعاصر وجهة النظر الدولية، المجلد الثاني، العدد الأول، سنة 1994، ص 16.
14. البنك المركزي المصري، أدوات التعامل الحديثة في الأسواق المالية، المجلة الاقتصادية، العدد الرابع، سنة 1995، ص 102
15. Roger Miller, David Van Hoose ,( Money,Banking and Financial Markets) south Western, Publishing, Thomson Learning, United States Of America, 2001 P228
16. مجلة الدراسات المالية والمصرفية، المشتقات هي الدواء الشافي المعاصر وجهة النظر الدولية، مرجع سبق ذكره ص16
17. بنك مصر، مركز البحوث، أوراق بنك مصر البحثية مرجع سبق ذكره، ص 39
18. فرج عبد العزيز عزت، مرجع سبق ذكره ص 47
19. فرج عبد العزيز عزت، مرجع سبق ذكره، ص50

moh.2000
07-05-2009, 17:48
السلام عليكم المقدمة
الازمات المالية و لاتنسونا بخالص الدعاء


يعتبر نشاط بورصات الأوراق المالية مرآة تعكس حيوية الاقتصاديات الرأسمالية، ومؤشر للتغيرات الاقتصادية، والاضطرابات التي تعاني منها بلدان العالم، و يمثل اتجاه الأسعار في البورصة (سوق الأوراق المالية) مؤشر لبداية انتعاش أو ركود اقتصادي عالمي أو أزمات مالية عالمية، وهذه الأخيرة مرتبطة بكفاءة السوق المالية الدولية وسيولتها، ونقصد بالكفاءة مدى توافق تغيرات الأسعار مع المعلومات و الأوضاع الاقتصادية الخاصة بالشركات المتعاملة في البورصة.
فقد إجتاح العالم جملة من الأزمات المالية العنيفة، بداية بالكساد العظيم سنة 1929، ثم الاثنين الأسود سنة 1987، وتلتها أزمة أكتوبر 1989، وصولا إلى أزمات الأسواق الناشئة في التسعينات و أزمة جنوب شرق آسيا التي لم تسلم منها هاته البلدان التي تحقق مستويات عالية في النمو فقد تعرضت هي الأخرى لأزمات حادة في سعر الصرف و أسواق رأس المال، لذلك شكل تكرار هذه الأزمات المالية ظاهرة مثيرة للقلق و الاهتمام، وتهديدا حقيقيا على استقرار الاقتصادي و السياسي للدول النامية، نتيجة انتقال العدوى من بلد لآخر. هذا ما أثار اهتمام الكثير من الباحثين و الاقتصاديين للتعرض للازمات المالية، ومحاولة إيجاد تفسير لحدوثها، أملا في تفادي هزات اقتصادية عالمية مستقبلا.
لقد وقفت المنظمات المالية الدولية عاجزة عن إيجاد حلول جذرية هذه الأزمات في ظل ليبرالية جديدة حاضنة العولمة والتي أدت إلى التحرير الكامل لرؤوس الأموال، ما أثار شكوك حول قدرة العولمة على تحقيق تنمية اقتصادية شاملة، وحصر انعكاسات الأزمة في حدود ضيقة منعا لانتقالها إلى دول أخرى.
هذا ما يقودنا إلى طرح التساؤل التالي:
ما سبب حدوث الأزمات المالية العالمية ؟ وكيف تنتقل من دولة إلى أخرى ؟ و ما هو تأثير ذلك على اقتصاديات الدول النامية ؟.
وللإجابة عن هذه الإشكالية جاءت خطة البحث كمايلي :
في المبحث الأولى أعطينا إطار عام حول الأزمات: مفهومها، أنواعها، أسبابها و مؤشرات حدوثها
أما في المبحث الثاني فتعرضنا لأهم الأزمات المالية العالمية منذ 1929، و الأزمات المالية في الثمانينات، أزمات الأسواق الناشئة و خصينا بالذكر المكسيك و الأرجنتين كنموذج لهاته الأسواق و أخيرا أزمة جنوب شرق آسيا.
أما في المبحث الثالث حددنا انعكاسات هاته الأزمات على الدول النامية و اقتراح سياسات لتفادي الاضطرابات مستقبلا.

خطة البحث
المقدمة .
المبحث الأول : ماهية الأزمات المالية.
المطلب الأول : مفهوم الأزمات.
المطلب الثاني : أنواع الأزمات الاقتصادية و المالية.
المطلب الثالث : المؤثرات الاقتصادية للأزمات.
المطلب الرابع : أسباب الأزمات المالية.
المبحث الثاني : أهم الأزمات المالية العالمية.
المطلب الأول : الكساد العظيم سنة 1929 .
المطلب الثاني : الأزمات المالية في الثمانينات.
المطلب الثالث : أزمة الأسواق الناشئة.
المطلب الرابع : أزمة جنوب شرق آسيا.
المبحث الثالث : انعكاسات الأزمة المالية العالمية على الدول النامية.
المطلب الأول : عدوى الأزمات المالية العالمية للدول النامية.
المطلب الثاني : سياسات الوقاية من الأزمات المالية.
الخاتمة.








المبحث الثاني : أهم الأزمات المالية العالمية

شهدت الأسواق المالية الدولية أزمات و انتكاسات اتسمت بالدورية، ومن أشهر هذه الأزمات مايلي:
المطلب الأول : الكساد العظيم سنة 1929
بعد الأزمة التي اجتاحت معظم دول العالم خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، شهدت العلاقات النقدية و المالية الدولية استقرارا نسبيا، بفضل الإصلاحات و التعديلات التي أدخلت على الأنظمة النقدية السائدة، لكن هذا الاستقرار ما لبث أن اختفى مع انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية 1929، و التي شملت مجالات الإنتاج، التجارة و مختلف العلاقات النقدية و المالية، حيث بدأت أسعار الأوراق المالية ببورصة نيويورك بالازدهار منذ عام1924 واستمرت بالارتفاع على مدى خمس سنوات، إلى أن وصلت إلى أعلى مستوياتها في 28 أكتوبر1929، وارتفاع مؤشر داوجونز(*) ارتفاعات شديدة لم يسبق لها مثيل،حيث انتقل المؤشر من 110 نقطة إلى 300 نقطة، بنسبة مقدارها 273%، وأدى ذلك إلى فقدان وخسارة المستثمرين في عمليات السوق تقدر بحوالي 200 مليار دولار، و إفلاس حوالي 3500 بنك في يوم واحد . وتميزت هذه الأزمة بالخصائص التالية :
1. زعزعة الاستقرار النسبي في النظام الرأسمالي بكامله.
2. كانت لها صفة الدورية انطلاقا من ارتباطها الوثيق بالأزمات الاقتصادية الدورية في النظام الرأسمالي.
3. استمرارها لفترة طويلة نسبيا.
4. عمق وحدة هذه الأزمة، ففي الولايات المتحدة مثلا، انخفضت الودائع لدى البنوك بـ 33% كما انخفضت عمليات الخصم و الاقتراض بمقدار مرتين، ووصل عدد البنوك المفلسة من عام 1929 إلى 1933 أكثر من 10000 بنك، أي حوالي 40% من إجمالي عدد البنوك الأمريكية.
5. الانخفاض الكبير في مستويات أسعار الفائدة، حيث كان سعر الخصم في بنك انجلترا خلال الفترة 1930-1933 بحدود 3.1% مقابل 5.5% في عام 1929 حيث يرجع سبب ارتفاع أسعار الفائدة في بداية الأزمة إلى تزايد الطلب على النقود لسداد القروض السابقة، فالمستويات المتدنية لأسعار الفائدة تسببت في إطالة أمد الأزمة، كما أن المقرضين كانوا يغالون في طلب الضمانات على القروض، مما كان يؤدي إلى انخفاض الطلب عليها.
6. اختلاف مدة وحدة الأزمة من بلد لآخر بشكل كبير.
7. ترافق الأزمة بتقلبات حادة في أسعار صرف العملات، مما نتج عنه انهيار النظام الذهبي في معظم الدول، ففي انجلترا تم إيقاف قابلية إبدال النقود الورقية بالذهب بتاريخ 21 سبتمبر1931، و قد نتج عن ذلك تدهور قيمة الجنيه الإسترليني، وعموما سببت هذه الأزمة في تخفيض قيم العملات الرئيسية الدولية بحوالي(50%-84%) بالمقارنة مع المستوى قبل الأزمة.
8. توقف 25 دولة عن سداد قروضها الخارجية منها ألمانيا و النمسا.
المطلب الثاني : الأزمات المالية في الثمانينات
لقد حدثت أزمتين شهيرتين في الثمانينات هما على التوالي 1987 و 1989 و كان السبب الأساسي لنشوئهما هو تغيرات الأسعار في أسواق رأس المال الناتجة عن اختلال التوازن بين العرض و الطلب، لذا سنتطرق لهاتين الأزمتين و أسباب حدوثهما فيمايلي:
أولا : أزمة 19 أكتوبر 1987
أطلقت الصحافة العالمية اسم الاثنين الأسود على 19 أكتوبر 1987 ، عندما انهارت أسواق المال العالمية ببرصة نيورك، حيث اندفع المستثمرون مرة واحدة إلى بيع أسهمهم (*)، متسببين في هبوط مؤشر داوجونز بمقدار 508 نقطة في يوم واحد ، و سرعان ما انتشر هذا الذعر الذي بدأ في بورصة وول ستريت إلى باقي بورصات العالم، وسادت الفوضى أسواق المال العالمية، و كانت الخسائر كبيرة، ففي بورصة نيورك 800 بليون دولار، أي بنسبة 26 % و لندن 22 % ، و في طوكيو 17 %، وفي فرانكفورت 15 % ، في أمستردام 12 % .
و يعد الاثنين الأسود الانهيار الأكثر قوة في التاريخ بعد الانهيار الرهيب في 28 أكتوبر 1929 ، حيث فقد مؤشر داوجونز الذي يعبر عن تقلبات أسعار 30 نوعا من أسهم الشركات الصناعية الأعرق و الأكبر في الولايات المتحدة نسبة 21.6 % من مستواه السابق البالغ 2247.04 نقطة بينما كان أعلى مستوى له حتى بداية الأزمة 2722.41 نقطة، و هبطت أسعار الأسهم في بورصة نيويورك نتيجة الخلل في التوازن بين العرض و الطلب الناشئ من جراء سيل متدفق من أوامر البيع لم يسبق له مثيل، أصاب كافة الأسهم، فقد كان كبير لدرجة أن المتخصصين فشلوا في مواجهته من خلال السماسرة، أو من خلال تجار الصفقات الكبيرة، هذا عن السوق الحاضرة .
أما سوق العقود المستقبلية و الذي تتعامل فيه مؤسسات متخصصة في الاستثمار بهدف تغطية المخاطر التي قد يتعرض لها مخزونها من الأوراق المالية، و عليه فان تكلفة تأجيل تنفيذ صفقة في هذه السوق يكون أكبر بكثير من تكلفة تأجيل تنفيذ صفقة مماثلة في السوق الحاضرة، لذا فانه في الورق الحاضرة يعطى صانع السوق وقتا للبحث عن طرف آخر للصفقة.
أما في سوق العقود فإن الوقت مكلف و ثمين، و أن التغير في السعر هو الأداة الوحيدة لإعادة التوازن. وباختصار انتهى الأمر بهبوط الأسعار في سوقين وضعف سيولة كلاهما، حيث أصبح من المستحيل التنفيذ الفوري للصفقات التي ترد إلى السوق إلا تكلفة عالية، تمثلت في الانخفاض الشديد في سعر السهم الذي تتضمنه الصفقة، وبقدر لم يتعود عليه العملاء من قبل ، مما تسبب في تعرض أسهم 5000 شركة تتعامل في البورصات الأمريكية إلى خسارة قدرها 490 مليون دولار تقريبا، كما أعاقت هذه الأزمة الكثير من الشركات الصناعية حديثة التكوين، حيث كانت تعتمد هذه الأخيرة في تمويل مشاريعها على البورصة بإصدار الأسهم و السندات، لكن هذا التمويل أصبح أكثر صعوبة .
وترجع أهم العوامل المساهمة في حدوث الأزمة إلى :
1- التطور الهائل في نشاط السوق المالية الدولية الذي بلغ ذروته عام 1987.
2- اشتداد و توثيق الروابط و الصلات بين هذه الأسواق.
3- ضخامة الصفقات و العمليات في الأسواق المالية العالمية.
4- تنوع الأصول المتعامل بها.
5- التقنية العالية و المتطورة جدا المستخدمة في إدارة نشاطها و عملياتها.
6- استخدام أحدث الأساليب في الاتصال و أكثرها تطورا، مما زاد في سرعة أداء العمليات و ساعد على سرعة انتقال الأزمات من سوق لآخر.
7- طبيعة و خصائص العلاقات النقدية و المالية الدولية، حيث أصبح تداول العملات الرئيسية الدولية، من أهم قنوات انتقال الأزمات و خير برهان على ذلك الدور الهام الذي لعبه الدولار، حيث تسبب تدهور قيمته في تفاقم الأزمة المالية الدولية في أكتوبر 1987.
نلاحظ أن تحرير عمليات انتقال رؤوس الأموال بين الأسواق المالية الدولية من مختلف أنواع القيود ساعد على إضعاف صيغتها الوطنية، و اكتسابها صفة الدولية، على سبيل المثال استخدم أحدث الأجهزة الالكترونية في هذه الأسواق يسمح بإجراء عمليات عرض أو طلب لأصل، أو مجموعة من الأصول المالية في وقت واحد.
لقد تحول الكثير من المستثمرين من اقتناء الأصول المالية طويلة الأجل (الأسهم) إلى الأصول المالية قصيرة الأجل (السندات) بحثا عن ضمانات أكبر، و تجنبا لمخاطر تقلبات قيم الأسهم في ظل حالات عدم الاستقرار الاقتصادي، مما تسبب في فقدان بورصة نيويورك جزء هاما من نشاطها في الأسهم . وكان المخرج الوحيد للأزمة هو البحث عن أطراف أخرى من السوق للمساعدة في إزالة الخلل، وهذا ما حدث في اليوم الثاني فقد دخلت الشركات الكبيرة لاعادة شراء أسهمها، كما تدخل البنك المركزي بحث البنوك على منح المزيد من الائتمان لتجار الأوراق المالية . فبدأت أسعار الأسهم بالاتجاه صعودا شيئا فشيئا، مما انعكس ايجابيا على مستويات الأسعار في الأسواق الأمريكية في يوم 21 أكتوبر 1987.
ثانيا: أزمة أكتوبر 1989
إثر إعلان الحكومة الأمريكية عن ارتفاع أسعار الجملة و التجزئة في شهر سبتمبر 1989 بنسبة 9% و 5% على التوالي، مع امتناع البنك المركزي الأمريكي (البنك الاحتياطي الفدرالي) عن تخفيض أسعار الفائدة، تسببت هذه الأخبار في بداية الأزمة صبيحة يوم 13 أكتوبر 1989 عندما فقد مؤشر داوجونز حوالي 190 نقطة، و أقفل عند مستوى 2569 نقطة أي بانخفاض مقداره 7% عن اليوم السابق، وفي طوكيو فقد مؤشر نيكاي 647 نقطة، كما أضاع مؤشر فايننشال تايمز142 نقطة .
ما تجدر الإشارة إليه أن المؤشرات الاقتصادية لبلدان منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية لم تكن مبررا كافيا للذعر الذي سببته هذه الأزمة، كما أن مؤشرات أسعار الأوراق المالية قد وصلت إلى أعلى مستوياتها خلال 1989، ولقد جاءت هذه الأزمة بعد مرور أقل من سنتين على سابقتها، لذلك فإن القلق و التشاؤم الذي أشاعته في نفوس المستثمرين يعود بالدرجة الأولى إلى الخوف من تفاقم الأمور و اشتداد الأزمة كما حصل سابقا، رغم أن المعطيات الحقيقية لم تكن تشير إلى احتمال حصول أزمة اقتصادية حقيقية، لهذا يمكن القول أن أزمة أكتوبر 1989 ( التي يطلق عليها الجمعة اليتيمة) تختلف عن أزمة 1987 لأسباب كثيرة أهمها :
1- تحسن الظروف الاقتصادية و عدم توافر ما يدل على اقتراب حدوث أزمة اقتصادية.
2- نظرا لارتفاع عوائد الأسهم (بسبب ارتفاع مستوى نشاط معظم الشركات و تحسن أرباحها)، فان أصحاب الأسهم لم تكن دوافعهم قوية للتخلي عنها بطرحها للبيع، لهذا كانت زيادة عرض الأسهم للبيع ضعيفة نسبيا و بعيدة عن أحداث تدهور في الأسعار.
3- اقتصار بيع الأوراق المالية (الأسهم خاصة) على المستثمرين الصغار، دون تدخل الشركات الكبيرة، مما يعني ضعف حجم و نطاق العمليات و بالتالي عدم تسببها في التأثر بشكل كبير على الأسعار.
4- عدم ظهور و انتشار التوقعات حول إمكانية ارتفاع أسعار الفائدة بشكل ملحوظ .
5- إن إسراع المستثمرين (في 1987 ) لبيع أسهمهم تسبب فعلا في تسارع انخفاض الأسعار و إلحاق خسائر كبيرة بالبائعين، أما في 1989 فقد فضل المستثمرين التريث و عدم الاستعجال بالبيع، مما ساعد على تهدئة الأسواق و الحد من انخفاض الأسعار.
6- في أزمة أكتوبر 1987 اتسم موقف الحكومة باللامبالاة (خاصة في الو.م.أ) ، مما أثر سلبا وزاد في تفاقم الأزمة، لكن في أكتوبر 1989 سارعت الحكومات إلى التدخل لإيقاف الأزمة، عن طريق مواجهة عمليات البيع المتزايدة بحجم كبير جدا من السيولة، وهذا ما ساعد على احتواء الأزمة.
أما في ألمانيا الاتحادية فإن الأوساط المالية لم تكن تعتبر ما يحدث في البورصات أزمة حقيقية وإنما مجرد اضطراب طفيف في أسعار، لا يمتلك مقومات الأزمة، و فعلا اتجهت الأوضاع للاستقرار تدريجيا.
المطلب الثالث: أزمة الأسواق الناشئة
يقصد بالأسواق الناشئة، أسواق عدد من البلدان المختلفة التي تتلقى كميات ضخمة من تدفقات رأس المال الخارجي، فأصبحت أكثر اندماجا في السوق الدولية وأكثر استجابة و أشد حساسية لآليات السوق، الأزمة المالية في سوق ناشئة تعني أن اقتصادا صاعدا تعود على تلقي تدفقات ضخمة من رؤوس الأموال لفترة طويلة من الزمن، ثم توقفت هذه التدفقات، وبدأ الاقتصاد يواجه طلبا متزايدا و فجائيا لمدفوعات خدمة هذه التدفقات الوافدة في صورة تدفقات عكسية خارجة لرأس المال، و تؤدي هذه التدفقات العكسية إلى ارتباك مالي نظرا لأنها قد تؤدي إلى التوقف عن دفع ديونه، مما يستلزم الدخول في مفاوضات لإعادة جدولة الديون أو للحصول على قروض جديدة تمكنه من تمويل مدفوعات القروض القديمة . وقد اتسمت الأحداث و التطورات التي اصطبغت بها معظم الأسواق الناشئة بخصائص مشتركة أهمها :
- تحولات فجائية في التدفقات رأسمالية وافدة إلى تدفقات خارجة.
- أحدث و تطورات غير متوقعة.
- اتجاهات انكماشية عميقة في البلدان المدينة.
- بعض الخسائر بالنسبة للمستثمرين الأجانب.
فلقد شهدت الأسواق الناشئة عدد من الأزمات في كل من الأرجنتين، المكسيك و فنزويلا وغيرها، لذا سنقدم فيمايلي بعرض موجز لازمة كل من المكسيك و الأرجنتين.



أولا: الأزمة المكسيكية
لقد حدثت أزمة المكسيك سنة 1994 وكشفت عن ضعف اقتصاديات الدول النامية و الأسواق الناشئة في الصمود و التكيف مع الصدمات التي تحدثها العولمة المالية بسبب التحرير المالي و الاقتصادي و تحول هذه الدول إلى اقتصاد السوق.
نجمت هذه الأزمة عن تدفق مذهل لرؤوس الأموال إلى خارج، بشكل سريع مثير للانتباه، وممهد الانهيار النظام المالي العالمي، فحسب قول"Michel Camdessus" المدير التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي: إن الأزمة المكسيكية عام 1995 كانت الأزمة الكبيرة الأولى في عالمنا الجديد، عالم الأسواق المعولمة، التي جرت وراءها أزمات في عدد كبير من الدول العالم، ولا سيما في بلدان جنوب شرق آسيا و غيرها من بلدان أوربا الشرقية .
فلقد ازدادت أزمت سعر الصرف في المكسيك تفاقما و بلغت ذروتها عندما انخفضت قيمة (البيزو) بحوالي 40% في 31/01/2005 من قيمتها في منتصف ديسمبر 1994، مما دفع بالأسواق المكسيكية إلى الشعور بالخوف من استمرار العجز الكبير في حساب المعاملات الجارية لميزان المدفوعات، أما فيما يتعلق بالتدفقات المالية للمكسيك بعد هذا التاريخ كان لها أثر على الاستهلاك يفوق بكثير أثرها على الاستثمار .
1. أسباب الأزمة المالية في المكسيك : يمكننا ذكر أهم أسبـاب أزمـة سعـر الصـرف المكسيكـي :
- تقيم العملـة الوطنيـة بأعلـى من قيمتهـا الحقيقيـة، و اختفـاء التدهـور في المدخـرات الخاصة وإخفاء العجـز في حساب العمليات الجـارية، الناتـج عن تـدفـق رؤوس الأمـوال الأجنبيـة بسبـب تنفيذ المكسيـك لبرنامـج الإصـلاح الاقتصـادي، الاعتقـاد بأن تأجيـل الإصـلاح يؤدي إلى تكلفـة أعلـى للإصـلاح. - الارتفاع الكبير في الاستهلاك و في إستراد السلع التي يعتقد أن أسعارها سوف ترتفع فيما بعد، و هذا الارتفاع ناتج عن المغالاة في تقسيم البيزو.
- يعد ارتفاع سعر الفائدة و إدارة الدين الحكومي، قصير الأجل و التوسع في الائتمان الممنوح للجهاز المصرفي من أهم الأسباب المؤدية لحدوث أزمة المكسيك، و الذي دفع الحكومة إلى انتهاج سياسة نقدية متشددة و توسيع مجال التدخل في سعر الصرف للمحافظة على استقرار العملة.
- إن تقلبات سعر الصرف و الاضطرابات المالية المتتالية نتجت عنها آثار سلبية كراثية على الاقتصاد المكسيكي، حيث انخفضت قيمة العملة المكسيكية (البيزو) بـ 40 % من قيمتها في منتصف ديسمبر 1994 ، و يرجع ذلك إلى أسباب اقتصادية خارجية أدت إلى انخفاضات متتالية في الاستثمارات غير المباشرة، و أسباب سياسية داخلية تمثلت في إشاعة جو من الغموض الشديد على المستوى الاقتصادي، و التساهل في السياسة النقدية خلال 1994 ، حيث أدت إلى التوسع السريع الممنوح إلى البنوك من قبل البنك المركزي المكسيكي و الممنوح للقطاع الخاص من قبل البنوك التجارية و بنوك التنمية، كما لا ننسى قرار الحكومة بتعويم البيزو و تخليها عن إدارة نظام سعر الصرف.
2. النتائج المستخلصة من الأزمة المكسيكية :
 لقد بدأت الأزمة بعجز ضخم في ميزان العمليات الجارية في ميزان المدفوعات، أدى إلى توقف المكسيك عن سداد ديونها الخارجية، ثم انهارت العملة الوطنية، و لولا تدخل صندوق النقد الدولي و الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم قرض قدره 40 مليار دولار، استخدمته المكسيك لخدمة ديونها .
 إن فهم مشكلة أزمة سعر الصرف المكسيكية لم تكن صعبة بقدر صعوبة تنفيذ الإجراءات الاقتصادية السليمة لاحتوائها، حيث ظلت الأموال المتدفقة من الخارج تقوم بتمويل العجز في الحساب الجاري.
 إن إلغاء قيود تحويل العملة الوطنية و تطبيق التعويم الكامل، و فتح أسواق المال على مصراعيه الاستثمار الأجنبي يعتبر إجراءا متسرعا قامت به المكسيك .
 إن قرار الحكومة ببيع جزء من احتياطي العملات الأجنبية لديها بهدف الحفاظ على استقرار عملتها لم يكن قرارا صائبا حيث أدى إلى انخفاض هذا الاحتياطي .
 إن الاعتماد على التدفقات الرأسمالية المتقلبة تسبب مشاكل لاقتصاد الدولة المتلقية، بسبب فقدان الرقابة المحلية و المغالاة في سعر الصرف الحقيقي.
 في ظل التحرر المالي و ضعف الرقابة و الإشراف الجيد للبنك المركزي على البنوك و السياسة النقدية يعرضها لمخاطر الائتمان و السيولة.
نستنتج أن التدابير التصحيحية على المستوى المالي المتجسدة في تعويم سعر الصرف و تحرير الأسواق، بالإضافة إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، و على المستوى الداخلي تمثلت في دعم البنوك و توفير السيولة النقدية . كانت هاته الإجراءات فعالة و ذات فائدة رغم ضخامة تكلفتها البالغة 12 % من الناتج المحلي لسنة 1997 يستهلك على مدى 30 سنة .


ثانيا: أزمة الأرجنتين
كان لأزمة البيزو المكسيكي في أواخر 1994 و أوائل 1995 أثار ذات قيمة في أسواق الأرجنتين المالية، في ظل نظام مالي ضعيف و معدلات تبادل غير مرنة، واعتماد كلي على تدفقات رأس المال الأجنبي قصير الأجل، أظهرت الأرجنتين الكثير من مؤشرا التعرض لازمات مالية، ومن ثم كانت النتائج غير مبشرة بالخير.
فعلى الرغم من الأداء الاقتصادية القوي للأرجنتين في عام 1994 و بداية 1995، حيث بلغ معدل نمو الدخل القومي الإجمالي 7.7% وانخفض معدل التضخم من 20.6% إلى 3.9% في سنة 1994 ، إلا أن القلق كان يساور المستثمرين المحليين و الأجانب بشأن استقرار سعر الصرف، فبدؤوا بسحب أموالهم من البنوك على إثر الانهيار الذي حدث في المكسيك، فتحولت طلبات السحب إلى حالة من الذعر الشديد، وأصبحت البنوك بنقص السيولة و عدم القدرة على الوفاء بالالتزامات .
فعجزت الأرجنتين عن سداد ديونها الخارجية المقدرة بـ 145 مليار دولار، وبلغ معدل البطالة 20%، بالإضافة إلى تدهور قيمة العملة المحلية بحوالي 30% في أواخر 2001، مما استوجب على وزير الاقتصاد تخفيض الإنفاق الحكومي بنسبة 20%، و خفض المرتبات إلى النصف، كما أدى الوضع إلى السحب من مدخرات صندوق التأمينات و المعاشات لدفع الرواتب المستحقة، وانتشر الفقر و الفساد، فثار الشعب الأرجنتيني و استقال رئيس الدولة ، لكن استطاعت الأرجنتين الحصول على قرض دولي طارئ قدره 20 دولار من صندوق النقد الدولي من أجل تصحيح الأزمة .
1- أسباب الأزمة : ترجع أهم أسباب عجز الاقتصاد الأرجنتيني إلى :
1. نمو الصناعة في الأرجنتين خلق أسوار حماية مرتفعة منذ الستينات، و عدم عمل هذه الصناعات على رفع كفاءتها الإنتاجية، فعجزت عن المنافسة وتعرضت المنشآت للإفلاس.
2. ضعف ثقة المنشآت الصناعية في برنامج الإصلاح الأرجنتيني، مما قلل من رغبتها في إجراء التغيرات الهيكلية في أنماط الإنتاج.
3. عدم مرونة أسواق العمل في الأرجنتين، وتعرضها للاضطرابات و التشوهات مما أدى إلى ارتفاع التكلفة و انخفاض الكفاءة الإنتاجية في الصناعات المختلفة.
4. ارتفاع القيمة الحقيقية للبيزو الأرجنتيني و الذي يرجع سببها إلى سياسة سعر الصرف الثابت المتبعة لمحاربة التضخم، تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى الداخل، وضعف الجانب الحقيقي للاقتصاد الأرجنتيني.
2- الدروس المستفادة من الأزمة : نستطيع أن نركز على أهم الدروس المستفادة من الأزمة الاقتصادية في الأرجنتين :
1. خطورة التقيد بنظام سعر الصرف الثابت على الرغم من تغير الظروف الاقتصادية الداخلية و الخارجية، فيجب أن يتخذ القرار الخاص بتعديل نظام سعر الصرف في الوقت المناسب، شرط أنه لا يؤثر هذا على التغيير بشكل سلبي على مصداقية النظام.
2. ضرورة العمل على رفع معدلات الادخار المحلي، وذلك بإعادة النظر في سياسات سعر الصرف و سعر الفائدة.
3. يجب أن تسبق عملية التحرير التجاري القدرة على رفع مستوى الأداء الحقيقي للاقتصاد الوطني، وذلك يتطلب تنوع هيكل الإنتاج في إطار برامج الخوصصة لرفع كفاءة الإنتاج الوطني.
4. لا يجوز الاعتماد على تدفقات رأس المال الحافظة لسد عجز ميزان المدفوعات، حيث أن هذه التدفقات يمكن أن تهرب للخارج بشكل مفاجئ و سريع، ولا يكفي احتياطي النقد الأجنبي للدفع عن العملة الوطنية.
5. ضرورة مراعاة أن يكون حجم الديون الخارجية في مستوى مقبول.
6. ضرورة الاهتمام بالبعد الاجتماعي عند وضع و تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي.
المطلب الرابع: أزمة جنوب شرق آسيا
لقد انبهر كثير من الاقتصاديين بمعدلات النمو الاقتصادي التي حدثت في آسيا الشرقية، إذ شكل النموذج التنموي الأسيوي مثالا نال إعجاب كثير من الملاحظين في المجال الاقتصادي و المالي، و لعل هذا ما دفع برجال الأعمال للاستثمار فيها، حيث عرفت دول جنوب شرق آسيا أزمات مالية قبل عام 1997 مثل اندونيسيا في 1978، كوريا سنة1980 وغيرهما، إلا أن أخطرها من حيث العمق الداخلي و البعد العالمي كانت أزمة 1997، فكيف حدثت هذه الأزمة؟
على مدى العقود الثلاثة السابقة للازمة المالية الآسيوية، كانت اندونيسيا، تايلاند، كوريا و ماليزيا يتمتعون بسجل رائع في الأداء الاقتصادي، لكن تجاهل هذه البلدان للمشكلات التي طفت على السطح ظنا منها أنها محصنة، سبب لها تفاقم في أزمة سعر الصرف في سنة 1997 حيث انخفضت أسعار الصرف بفعل عمليات المضاربة على سعر العملة و تدني الأرباح في أسواق الأسهم مما اضطر السلطات النقدية إلى رفع الفائدة لهدف وقف التحويل من العملة الوطنية إلى العملات الأجنبية خاصة الدولار الأمريكي، فارتفعت أسعار الفائدة في أسواق بعض هذه الدول إلى 200% من السعر السابق ،وبدأ المستثمرين يتخلصون من الأوراق المالية التي لديهم لإيداع قيمتها في البنوك و الاستفادة من سعر الفائدة، وبلغت نسبة انخفاض أسعار الأسهم ما بين 25% و 50% من أسعار السائدة في السوق، وقد بدأت الأزمة في تايلاند لاعتبارها أضعف الحلقات في المنظومة الآسيوية و كان ذلك في 1997، حينما قام ستة من كبار تجار العملة في بانكوك بالمضاربة على خفض "البات" العملة الوطنية لتايلاند بعرض كمية كبيرة منه للبيع، ففشلت الحكومة في الحفاظ على عملتها بسبب تآكل احتياطي رهيب لأسعار الأسهم بعد قرار الأجانب بالانسحاب من السوق .
ثم انتقلت العدوى إلى ماليزيا فانهارت عملتها بنسبة 17.8% في 15/09/1997 مقارنة بسنة 1996، أما التايوان فقد حافظت على مستوى عملتها، لكن انخفض مؤشر سوق المال بها نحو 20% .
وبالنسبة لهونج كونج أقوى الحلقات في المنظومة الآسيوية، و التي تستحوذ على احتياطات ضخمة من العملات الأجنبية، امتدت العدوى إليها مما دفع بالحكومة إلى رفع سعر الفائدة إلى 200% فوقع تحول ضخم للأموال من سوق الأوراق المالية إلى الأسواق النقدية.
مما أدى إلى انهيار أسعار الأسهم و السندات و التأثير على أسواق الدول المتقدمة في العالم ( بورصة : نيويورك، لندن، باريس، فرانكفورت و طوكيو)، ولكن سرعان ما عادت هذه الأسواق للانتعاش، بينما استمرت الأزمة في الأسواق الآسيوية.
1- أسباب أزمة دول جنوب آسيا: نذكرها كما يلي :
 تدفق رؤوس الأموال نحو هذه البلدان بسبب معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة و الاستقرار السياسي المدعم لثقة المستثمرين في أسواقها المالية بالإضافة إلى إلغاء أوجه الرقابة على حركة رؤوس الأموال.
 تميل التنمية بالقروض القصيرة الأجل.
 منح القروض للقطاع الخاص بدون دراسة سليمة أو ضمانات كافية.
 ضعف و قصور الجهاز المصرفي و المالي وفساده و عدم القدرة على تطويره، وانسحاب الحكومة من القطاع المصرفي نتج عنه عدم كفاءة التخصيص المحلي للموارد الأجنبية.
 حرية البنوك في الاقتراض من الأسواق العالمية بأسعار فائدة منخفضة وبدون مخاطرة في صرف العملات الأجنبية، مما أدى إلى زيادة الإنفاق.
 الرفع في أسعار الفائدة بهدف الحد من التحويلات من العملة الوطنية إلى العملات الأجنبية مما حوّل الاستثمار في الأوراق المالية، إلى إيداعات بالبنوك.
 في تايلاند كانت المشكلة حقيقية، أما ماليزيا فمشكلتها هي التصريحات المناهضة للسوق والغرب لرئيس حكومتها.
 التوسيع في التعامل بالمشتقات المالية و الصرفية، وفتح المجال واسعا أمام المضاربات المحفوفة بالمخاطر.
 الاعتماد الكبير في تمويل العجز في الموازنة العامة لبعض دول جنوب شرق آسيا على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
2- النتائج المستخلصة من الأزمة :
 إن الاحتياط من النقد الأجنبي لا توفر الحماية و الحصانة للاقتصاد القومي إذا كانت هناك إختلالات هيكلية في ميزان المدفوعات.
 يؤدي التخفيض في العملة الوطنية إلى المخاطرة بالاحتياطات من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي.
 عدم الاعتماد على التدفقات المالية الأجنبية قصيرة الأجل بمختلف أنواعها، وعدم الاعتماد في تمويل التنمية على الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة لحساسيتها الشديدة اتجاه تقلبات سعر الصرف.
 تجنب البنوك المحلية التعامل في المشتقات المالية نظرا لتوافر الخبرة الطويلة و الاحتياطات الضخمة لدى الأسواق العالمية الدولية.
 العمل على التطوير الدائم للأنظمة و الضوابط و السياسات النقدية و التمويلية حتى تتماشى واقتصاد السوق و تطويراته المتسارعة.
 تعميق استقلالية البنك المركزي في الإشراف و الرقابة على أعمال البنوك.
 التنويع في المنتجات و الخدمات، والتنويع في التعامل مع عملاء عديدين و مناطق جغرافية مختلفة وقطاعات عديدة تجنبا للتركز.
مما سبق يتبين أن الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا، هي أزمة نشأت عن الاقتراض الخارجي المفرط و الذي خلافا للاستثمارات المباشرة يعتبر مثير للمتاعب، ومما يعزز هذا الرأي أنّ الدول التي كانت فيها مستويات التدفقات المالية قصيرة الأجل أدنى من حيث نسبتها إلى الاستثمار الأجنبي تأثرت بدرجة أقل.
نستخلص أن الاقتصاد على المستوى العالم عانى من مجموعة من الأزمات المالية الدولية مند 1929 أزمة الكساد العظيم إلى أزمة جنوب شرق آسيا1997، و ترجع أهم أسباب هاته السلسلة من الازمات إلى اضطرا بات في أسعار الصرف و تدفقات رؤوس الأموال و تشوهات النظام المصرفي. رغم الآثار السلبية التي خلفتها هاته الازمات، إلا إنها لفتت أنظار الدول و الحكومات لإجراء إصلاحات عميقة للهيكل المالي و البنكي، تفاديا لحدوثها مستقبلا ومحاولة منع انتشارها إلى الدول الأخرى، ففي المبحث الثالث والأخير سنتحدث عن انعكاسات الازمات المالية العالمية على الدول النامية نقصد بدلك كيفية انتقال الأزمة من بلد لآخر، ثم نحاول عرض سياسات لتجنب الازمات المالية.


المبحث الثالث : انعكاسات الأزمات المالية العالمية على الدول النامية

شكل تكرار الأزمات المالية في دول النامية، خلال حقبة التسعينات، ظاهرة مثيرة للقلق والاهتمام، وترجع أسباب ذلك إلى أن آثارها السلبية كانت حادة و خطيرة و هددت الاستقرار الاقتصادي و السياسي للدول المعنية، إضافة إلى انتشار هذه الآثار وعدوى الأزمات المالية لتشمل دول أخرى نامية و متقدمة كنتيجة للانفتاح الاقتصادي و المالي الذي تشهده هذه الدول واندماجها في منظومة التجارة العالمية.
المطلب الأول : عدوى الأزمات المالية العالمية للدول النامية
إذا كانت أهمية وخطورة نشاط الأسواق النقدية والمالية في العلاقات الاقتصادية الدولية قد أصبحت من الأمور المسلم بها، فإن مدى تأثر اقتصاديات البلدان النامية بأوضاع و أزمات هذه الأسواق من الأمور الهامة التي تستدعي وبإلحاح الدراسة و التمحيص بهدف توفير الحماية اللازمة للحد من انتقال هذه الأزمات إلى اقتصاديات البلدان النامية.
هذا ما يستلزم تفهم مختلف جوانب العلاقة بين نشاط الأسواق النقدية و المالية الدولية والبلدان النامية، والتي يمكن إيجازها فيما يلي :
1. إن معظم الفوائض والاحتياطات النقدية الرسمية للدول النامية موظفة في الأسواق النقدية والمالية الدولية وتشكل أهم مصادر الموارد فيها، كما تساهم الودائع الخاصة لأفراد و مؤسسات الدول النامية في تكوين موارد تلك الأسواق.
2. تقدم الأسواق النقدية و المالية الدولية القروض للبلدان النامية من أموال مواطنيها و مؤسساتها (الدول النامية)، ويترتب عن هذه الوساطة المالية تحويل جزء متزايد من دخول ثروات الدول النامية إلى البنوك والمؤسسات المالية الأخرى على شكل فوائد و أرباح و عمولات، تشكل اقتطاعات هامة من ثرواتها و دخولها القومية التي هي بأمس الحاجة لها.
3. يرتبط حجم القروض الخارجية التي تحصل عليها البلدان النامية لظروف وأوضاع الأسواق النقدية و المالية من جهة، ومدى توافر مجالات الاستثمار في الدول الصناعية من جهة أخرى، فعندما لا تجد البنوك والمؤسسات المالية في الدول الصناعية المجالات الاستثمارية المناسبة تضطر حينها إلى توجيه الفائض في مواردها نحو تقديم القروض للدول النامية.
4. أثبتت الوقائع والدراسات الاقتصادية في السنوات الأخيرة أن تفاعل العرض والطلب على الأصول المالية في الأسواق النقدية و المالية الدولية له تأثيرا هاما على أسعار صرف العملات لذلك فإن أزمات هذه الأسواق وما يترتب عنها من تقلبات حادة في أسعار صرف العملات الرئيسية الدولية تساهم في إحداث تقلبات هامة في عوائد صادرات البلدان النامية بسبب التغيرات في قيم العملات التي تسعر وتقييم بها هذه الصادرات في الأسواق الدولية لذلك فإن تغييرات أسعار صادرات الدول النامية ليست خاضعة لتغير تكلفتها، أو حجم العرض والطلب عليها، بل لتقلبات أسعار صرف العملات التي تسعر بها في الأسواق الدولية، وأيضا حركات رؤوس الأموال بفعل تغيرات أسعار الفائدة.
5. يتحدد سعر الفائدة في الأسواق الدولية (كأي سعر آخر) نتيجة تفاعل العرض والطلب، بالإضافة إلى عوامل أخرى لها علاقة وثيقة ومتبادلة مع سعر الفائدة وهي حركة رؤوس الأموال وتغيرات أسعار صرف العملات، تحدد تقلبات هذا السعر تغير مقدار الاقتطاعات من دخول الدول النامية للبنوك الدولية في شكل فوائد وغيرها أي يعتبر سعر الفائدة تكلفة الاقتراض بالنسبة للدول النامية.
6. تنعكس السياسات النقدية والمالية للدول الصناعية ذات العملات الرئيسية الدولية بشكل مباشر أو غير مباشر على نشاط الأسواق النقدية والمالية، ومنها تنتقل إلى الدول النامية، ومنه فإن الأزمات الداخلية في الدول الصناعية تتخذ بسهولة صفة الدولية من خلال عملاتها وقنوات علاقاتها النقدية و المالية الدولية.
7. أن الأزمات المالية العالمية ليست ذات طابع عارض وإنما هي ملازمة لنشاط الأسواق المالية ومستمدة من خصائص الأنظمة الإنتمائية الحديثة التي أدى تطويرها الهائل إلى زيادة حدة هذه الأزمات وسرعة انتشارها.
بعد تحديد العلاقة بين الدول النامية و الأسواق النقدية والمالية العالمية يمكننا التعرض إلى إمكانيات انتقال تأثر الأزمات المالية وعدواها من بلد إلى آخر، حيث يرجع هذا تأثير الأزمات المالية وعدواها من بلد إلى آخر، حيث يرجع هذا التأثر المعدي إلى ثلاث مجموعات من الأسباب، هي كالتالي :
‌أ- إن الأزمات يمكن أن تنتج عن سبب عام مشترك مثل تحويلات كبرى في بلدان الصناعية، تجلب معها الأزمة في أسواق الناشئة، فالارتفاع الحاد في أسعار الفائدة في الولايات المتحدة في الثمانيات كان أحد أسباب نشوب أزمة المديونية في بلدان أمريكا الجنوبية، كما أنّ إرتفاع سعر صرف الدولار مقابل الين الياباني في التسعينات ساهم في ضعف القطاع الخارجي في بلدان جنوب شرق آسيا، رغم مساهمة العوامل السابقة في إمكانية تعرض بعض الدول للأزمات، يبقى اندلاع الأزمة فعليا يتوقف على الظروف الاقتصادية المحلية في كل بلد مثل هشاشة القطاع المالي، تفاقم المديونية، تبني أنظمة غير مرنة لأسعار الصرف.
‌ب- قد تنتج الأزمة بسبب تأثر عوامل اقتصادية خارجية نتيجة للعلاقات التجارية و روابط أسواق رأس المال، فتخفيض قيمة العملة في بلد ما يؤثر سلبا على القدرة التنافسية الدولية للبلدان الأخرى، كما أنه نقص السيولة في أحد الأسواق يمكن إن يدفع الوسطاء الماليين في الأسواق الأخرى إلى تسييل أصولهم، ومن أمثلة ذلك أزمة آلية أسعار الصرف الأوربية 1992-1993، حينما أدى تخفيض قيمة بعض العملات الأوربية إلى ضعف بقية العملات، وكذلك أزمة بلدان جنوب شرق آسيا في منتصف عام 1998.
‌ج- تدفع الأزمة في أحد البلدان الدائنين إلى إعادة تقييم الأوضاع الاقتصادية الأساسية في البلدان الأخرى من اجل تخفيض مخاطر استثماراتهم حتى و إن لم تكن هناك أية تغيرات في هذه البلدان. وغالبا ما يكون هذا السلوك ناتج عن تأثير عوامل نفسية وعن نقص في المعلومات و الشفافية، فيميل الدائنون إلى محاكاة بعضهم البعض.
إن عدوى الأزمة تنتقل في هذه الحالة عبر الآلية المعروفة "بنداء الاستيقاظ"، بمعنى إن اندلاع الأزمة في بلد ما يؤدي تنبيه المقروض وإلى ضرورة إعادة تقييم جدارتهم الائتمانية،ومن هنا يبدؤوا في اتخاذ ما يلزم من الإجراءات و التدبير لحماية أموالهم مما يؤدي إلى انتشار الأزمة.
وبصفة عامة يمكن القول أن التجارب التاريخية تشير إلى إن انتقال عدوى الأزمات يكون أكثر انتشارا على النطاق الإقليمي منه على النطاق العالمي، و أكثر خطورة في فترات الاضطراب منه في فترات الاستقرار، وأن الأزمات تنتقل في الغالب من البلدان الكبيرة إلى البلدان الصغيرة . فإذا كان منشأ هذه الأزمات نابع من تعارض مصالح البلدان الصناعية، فإن البلدان النامية تعد متضررا رئيسيا منها، كما أنه إذا كان من السهل على الدول الصناعية تسوية خلافاتها بطريقة أو بأخرى، فهذه الأزمات بالنسبة للدول النامية تزداد تعقيدا و تبقى بدون حلول جذرية.
المطلب الثاني : سياسات تجنب الأزمات المصرفية
تطرح في الأدبيات الاقتصادية و التجارب العلمية جملة من السياسات الهادفة إلى تقليل احتمال حدوث الأزمات المالية منها :
1. العمل على تقليل الاضطرابات و المخاطر التي يتعرض لها الجهاز المصرفي خصوصا تلك التي تكون تحت التحكم الداخلي للدولة وذلك عن طريق استخدام أسلوب التنويع و شراء تأمين ضد تلك المخاطر و الاحتفاظ بجزء أكبر من الاحتياطات المالية لمواجهة مثل تلك التقلبات. واستخدام سياسات مالية ونقدية متأنية وأكثر التزاما بأهدافها.
2. الاستعداد و التحضير الكافي لحالات الانتكاس في الأسواق المالية و الرواج المتزايد في منح الائتمان المصرفي و توسع الدور المالي للقطاع الخاص. وذلك عن طريق استخدام السياسات المالية و النقدية التي تستطيع أن تتعامل مع تلك المشاكل من جهة وتصميم نظام رقابة مصرفية يقوم بتعديل وتقليل درجة التقلبات و تركيز المخاطرة في منح الائتمان من جهة أخرى.
3. التقليل من حالان عدم التلاؤم والمطابقة في السيولة مع التزامات المصرف الحاضرة. و المطلوب هو آلية لتنظيم العمليات المصرفية في هذا المجال خصوصا في الأسواق الناشئة، وقد يكون ذلك عن طريق فرض احتياطي قانوني عالي خلال الفترات العادية (استخدام أدوات السياسة النقدية غير المباشرة) ويمكن تقليله في حالات احتياج المصرف للسيولة في حالات الأزمات، والاستعداد أيضا لمواجهة الأزمات من خلال الاحتفاظ باحتياطات كافية من النقد الأجنبي.
4. الاستعداد الجيد و التهيئة الكاملة قبل تحرير السوق المالي،( استخدام أدوات غير المباشرة السياسة النقدية، تعميق السوق المالي، زيادة الرقابة المصرفية وإتباع المعايير الدولية كمعيار لجنة بازل لكفاية رأس المال). كما يفترض العمل على التطوير وتعديل الأطر القانونية و المؤسسية و التنظيمية للقطاع المصرفي.
5. تقلص دور الدولة في القطاع المصرفي و التقليل من القروض الموجهة من الحكومة مع إعادة هيكلة القطاع ، وقد يكون السبيل لذلك هو الحث و التحفيز على تقليص دور الدولة من خلال برنامج لخصخصة القطاع المصرفي.
6. تقوية وتدعيم النظام المحاسبي و القانوني و زيادة الشفافية والإفصاح عن نسبة الديون المعدومة من جملة أصول المصرف و القطاع المصرفي و المالي.
7. تحسين نظام الحوافز لملاك المصارف و إداراتها العليا بما يخدم ويعزز نشاطات المصارف بحيث يتحمل كل طرف نتائج قراراته على سلامة أصول وأعمال المصرف.
8. منع وعزل آثار سياسة سعر الصرف المعمول بها من التأثير السلبي على أعمال المصرف أو التهديد بإحداث أزمة في القطاع المصرفي.
9. إعطاء استقلالية أكبر للمصارف المركزية، بمعنى منع التدخل الحكومي عند قيام المصرف المركزي بأداء وظيفته الأساسية وهي تنفيذ السياسة النقدية بحيث تقوم تلك الأخيرة على أساس اقتصادي ولا تتدخل أغراض السياسة المالية فيها.
10. زيادة التنافس في السوق المالي و ذلك عن طريق فتح المجال لمصارف جديدة سواء محلية أو أجنبية.
11. رفع الحد الأقصى لرأس المال المدفوع و المصرح به حتى تستطيع المصارف تلبية التزاماتها الحاضرة و المستقبلية في عالم تتسم فيه عمليات انتقال رؤوس الأموال بسرعة فائقة.
12. الرقابة الوقائية واستخدام طرق أفضل من مراقبة و تتبع أعمال المصارف التجارية من منظور السلامة و الآمن للأصول المصرفية وزيادة المقدرة على التنبؤ بالكوارث و الأزمات المصرفية قبل حدوثها وبالتالي الحد من آثارها السلبية على الجهاز المصرفي حتى تستطيع السلطات النقدية الوقاية منها و منع انتقالها إلى بنوك أخرى وهذه الطرق تتضمن:


• الكفاية الرأسمالية : تطبيق نسب الكفاية الرأسمالية بما يتفق مع اتفاقية لجنة بازل.
• نسبة السيولة : تطبيق نسبة السيولة الإجبارية (مثال ذلك 20% في مصر و السعودية، 30% في الأردن، 60% في المغرب)
• التحفظ على القروض الرديئة: وذلك بتصنيف القروض حسب جودتها و فرض احتياطي أكبر على القروض العالية المخاطر.
• سياسة توزيع الأرباح: تدخل السلطات النقدية في هذه العملية مما يضمن سلامة أصول المصرف وأعماله وفي نفس الوقت يحفظ حقوق المساهمين.
• زيادة الشفافية و الإفصاح عن كافة المعلومات.
• تعيين مدققي حسابات خارجيين.
• منع حدوث ظاهرة التركيز الائتماني: وضع حد أعلى لمقدار القروض والتسهيلات الائتمانية التي يمنحها المصرف لمفترض واحد.
• إنشاء مكتب مركزي للمخاطر.
• استحداث نظام تأمين الودائع: على غرار النظام المتبع في الولايات المتحدة و كندا و بريطانيا و ذلك بتأمين حد أعلى على الودائع (مثلا في كندا 10 ألاف دولار كحد أعلى على الحسابات الوديعة).
لاحظنا من خلال العرض السابق أن أهم قناة لانتقال الأزمات المالية هو سعر صرف العملات و أسعار الفائدة.فبالنسبة لسعر صرف العملات فانه يسعر ويقيم صادرات الدول النامية وبالتالي أي تغير يحدث عليه يؤثر بالضرورة على عوائد هده الدول، أما سعر الفائدة فانه يمثل تكلفه إقراض الدول النامية وتغيرات هدا السعر تحدد تقلبات المقدار المقتطع من دخول الدول المقترضة، لدلك يجب على هده الأخيرة إدخال تعديلات عميقة وقوانين صارمة على منظومتها المصرفية باعتبارها عنصر مؤثر ومتدخل فعال في السوق المالي والنقدي، وإصلاحها يعود بالنمو والاستقرار لجميع الأسواق الدولية سواء النقدية أو المالية.

sking269
07-05-2009, 18:29
السلام عليكم ان امكن مساعدة من فضلكم ابحث عن بحث حول التخاف و سياسات التنمية . بارك الله فيكم و جزاكم الله خير

abdel kadir
07-05-2009, 19:00
السلام عليكم من فضلكم اريد بحث في الوساطة المالية

moh.2000
07-05-2009, 23:13
مفهوم التنمية
بقلم/ د.نصر عارف
كلية العلوم السياسية-جامعة القاهرة
________________________________________
يعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم العالمية في القرن العشرين، حيث أُطلق على عملية تأسيس نظم اقتصادية وسياسية متماسكة فيما يُسمى بـ "عملية التنمية"، ويشير المفهوم لهذا التحول بعد الاستقلال -في الستينيات من هذا القرن- في آسيا وإفريقيا بصورة جلية. وتبرز أهمية مفهوم التنمية في تعدد أبعاده ومستوياته، وتشابكه مع العديد من المفاهيم الأخرى مثل التخطيط والإنتاج والتقدم.
وقد برز مفهوم التنمية Development بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم يُستعمل هذا المفهوم منذ ظهوره في عصر الاقتصادي البريطاني البارز "آدم سميث" في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الثانية إلا على سبيل الاستثناء، فالمصطلحان اللذان استُخدما للدلالة على حدوث التطور المشار إليه في المجتمع كانا التقدم المادي Material Progress، أو التقدم الاقتصادي Economic Progress.
وحتى عندما ثارت مسألة تطوير بعض اقتصاديات أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر كانت الاصطلاحات المستخدمة هي التحديث Modernization، أو التصنيع Industrialization.
وقد برز مفهوم التنمية Development بداية في علم الاقتصاد حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه؛ بالصورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات؛ عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم انتقل مفهوم التنمية إلى حقل السياسة منذ ستينيات القرن العشرين؛ حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية تجاه الديمقراطية. وتعرف التنمية السياسية: "بأنها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية"، ويقصد بمستوى الدولة الصناعية إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الأوربية تحقق النمو الاقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة القومية.
ولاحقًا، تطور مفهوم التنمية ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية.
بالإضافة لذلك استحدث مفهوم التنمية البشرية الذي يهتم بدعم قدرات الفرد وقياس مستوى معيشته وتحسين أوضاعه في المجتمع.
ويلاحظ أن مجموعة المفاهيم الفرعية المنبثقة عن مفهوم التنمية ترتكز على عدة مسلمات:
أ - غلبة الطابع المادي على الحياة الإنسانية، حيث تقاس مستويات التنمية المختلفة بالمؤشرات المادية البحتة.
ب - نفي وجود مصدر للمعرفة مستقل عن المصدر البشري المبني على الواقع المشاهد والمحسوس؛ أي بعبارة أخرى إسقاط فكرة الخالق من دائرة الاعتبارات العلمية.
ج - إن تطور المجتمعات البشرية يسير في خط متصاعد يتكون من مراحل متتابعة، كل مرحلة أعلى من السابقة، وذلك انطلاقًا من اعتبار المجتمع الأوروبي نموذجًا للمجتمعات الأخرى ويجب عليها محاولة اللحاق به.
الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية:
يتضح الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية، حيث يشتق لفظ "التنمية" من "نمـّى" بمعنى الزيادة والانتشار. أما لفظ "النمو" من "نما" ينمو نماء فإنه يعني الزيادة ومنه ينمو نموًا. وإذا كان لفظ النموّ أقرب إلى الاشتقاق العربي الصحيح، فإن إطلاق هذا اللفظ على المفهوم الأوروبي يشوه اللفظ العربي. فالنماء يعني أن الشيء يزيد حالاً بعد حال من نفسه، لا بالإضافة إليه.
وطبقًا لهذه الدلالات لمفهوم التنمية فإنه لا يعدّ مطابقًا للمفهوم الإنجليزي Development الذي يعني التغيير الجذري للنظام القائم واستبداله بنظام آخر أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف وذلك وفق رؤية المخطط الاقتصادي (الخارجي غالباً) وليس وفق رؤية جماهير الشعب وثقافتها ومصالحها الوطنية بالضرورة.
ويلاحظ أن شبكة المفاهيم المحيطة بالمفهوم الإنجليزي تختلف عن نظيرتها المحيطة بالمفهوم العربي.
فعلى سبيل المثال تُعالج ظاهرة النمو (في المفهوم العربي الإسلامي) كظاهرة جزئية من عملية الاستخلاف التي تمثل إطار حركة المجتمع وتحدده، وكذلك نجد مفهوم "الزكاة" الذي يعني لغة واصطلاحًا الزيادة والنماء الممزوجة بالبركة والطهارة، وسمى الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه مادياً بمعايير الاقتصاد، في حين ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي من الله تعالي. وهو ما يقارن بالعكس بالربا الذي قال عنه الله (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [البقرة:276].
ويتضح من ذلك أن مفهوم النمو في الفكر الإسلامي يُعبر عن الزيادة المرتبطة بالطهارة والبركة وأجر الآخرة وإن لم يتجاهل مع هذا "الحياة الطيبة" في الدنيا، بينما يركز مفهوم Development على البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمرًا للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر/ الغريب.
وفي الواقع فإن "التنمية" تعد من المفاهيم القليلة التي تجمع بين البعد النظري والجانب التطبيقي، وتستدعي الرؤية الفلسفية والغيبية للمجتمعات ومقاصد تطورها
اقرأ أيضًا: العلمانية

التجـــديد




الفقر
مع التنمية الكل أصبح فقيراً...!!
سلمان خان
باحث اقتصادي- مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية-إنجلترا
________________________________________
الفقر مفهوم مراوغ، فربما كان هناك فقراء بقدر ما توجد دلالات متعددة للكلمة وبقدر عدد البشر وتوقعاتهم، فلغات العالم تتنافس مع بعضها البعض في عدد الكلمات التي تشير إلى ظروف الفرد المرتبطة بالمدركات المختلفة للفقر.. فمثلاً: في الفارسية ثمة ما يزيد على 30 كلمة تصف أولئك الذين يُعتبرون لسبب أو لآخر فقراء.. وفي معظم لغات إفريقيا ثمة -على الأقل- من 3 إلى 5 كلمات لتعريف الفقر وهكذا.
من الفقير؟!
واقعيًا، ليس ثمة تعريف موحد للفقر في كل الثقافات؛ بل قد لا تعتبر كل الثقافات الفقر عيبًا، فالفقر لم يكن ولفترة طويلة من الزمان وفي العديد من حضارات العالم نقيض الغنى، وكان ثمة دائمًا مجال "الفقر الاختياري" أي أولئك البشر الذين رفضوا الزخرف والمظهر وانطلقوا يسبحون في ملكوت الله، وكان احترام أولئك الفقراء باختيارهم (المتصوفة على سبيل المثال) من تقاليد الشرق المستقرة.
وحديثًا -مع اتساع الاقتصاد التجاري وعملية التمدين- اكتسب الفقر دلالته الاقتصادية، وأصبح الفقير هو من ينقصه المال والممتلكات التي يحوزها الغني، ويتحول الفقر إلى معنى مطلق وليس نسبيًا، فيصير الفقر عيبًا وبعدئذ يصير مرضًا يذل من يصاب به ويجب علاجه.
إن الفقير في المجتمعات البشرية قبل سيطرة الاقتصاد هو ذلك العضو الذي يكسب قوت يومه بصعوبة أو الذي اختار الكفاف، بيد أنه يظل عضوًا في الجماعة، لكنه لاحقًا أصبح ذلك الغريب المتشرد الذي يتم عزله وتهميشه في الواقع المعاش.
وطبقًا لأدبيات التنمية فإن الفقر صفة لمجتمع ما الفرد فيه لا يحقق مستوى معين من الرفاهية- والذي عادة ما يُشار إليه بخط الفقر أو حد الكفاف، ويجب لتعريف الفقر الإجابة على ثلاثة تساؤلات؛ تحديد ماهية الحد الأدنى من الرفاهية، وكيفية التيقن من صحة فقر الفرد، وتجميع مؤشرات الرفاهية وقياس الفقر على أساسها.
وتقترب فكرة الرفاهية Well-being من مفهوم مستوي المعيشة Standard of Living (SOL)، الذي يعد أحد المفاهيم الشائعة في أدبيات التنمية، ومحور أعمال البنك الدولي في تقاريره السنوية عن التنمية خلال فترة التسعينيات.
ويستهدف مفهوم مستوى المعيشة قياس كفاءة الحياة؛ معتمدًا على معايير الاستهلاك الفردي من السلع والخدمات المشتراة من دخل الفرد أو توفيره، ويفترض مفهوم الفقر وجود حد أدنى من الاستهلاك والدخل يقاس عليه مستوى معيشة الفرد، ويشار إليه بخط الفقر، حيث يصنف أي فرد يقع دخله أو استهلاكه أقل من هذا الحد باعتباره فقيرًا.
ويمكن تصنيف مناهج قياس الفقر إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: اتجاه الرفاهية ويستخدم أصحاب هذا الاتجاه معايير مالية في قياس الرفاهية مثل: دخل الفرد وإنفاقه الاستهلاكي، وهو الاتجاه السائد في أدبيات الفقر.
الاتجاه الثاني: اتجاه الـ "لا رفاهية" non-welfarist ويعني هذا الاتجاه بدراسة المؤشرات الاجتماعية للرفاهية، مثل: التغذية والصحة والتعليم، ويركز على قضايا مثل: سوء التغذية، أو غياب الرعاية الصحية، أو الأمية، باعتبارها نتائج مباشرة لانتشار الفقر.
ومن جانب آخر، انقسمت الاجتهادات حول تعريف الفقير إلى مدرستين:
-المدرسة المطلقة: وهي تضع حدًا أدنى لمستوى الدخل الضروري الذي يجب على كل فرد إحرازه لتحقيق مستوى معيشي معقول-حد الفقر، ويصنف مَن دونه باعتباره فقيرًا، وتحديد هذا المستوى هو حكم تقديري للباحث أو صانع السياسة.
-المدرسة النسبية: وهي تتعامل مع الفقر النسبي-أي ارتباط خط الفقر بمعدل توزيع الدخل بين السكان-وعادة يتم ذلك بتعريف الأفراد الذين يشكلون أفقر 20-25% من سكان مجتمع ما باعتبارهم الفقراء، وبعض الدراسات في الدول النامية ترفع هذه النسبة حتى 50% من السكان.
وعلى صعيد آخر، فإنه رغم بقاء الدخل الفردي المؤشر الأكثر انتشارًا لقياس الفقر، فقد تزايدت أهمية مؤشرات الرفاهية الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم، وقد تزايد هذا الاتجاه في دول العالم النامي منذ منتصف السبعينيات حيث لوحظ ارتفاع الدخل الفردي في بعض الدول، دون حدوث تقدم في بعض مجالات الرفاهية الاجتماعية مثل: التغذية والصحة، وهذا يعني بشكل عام إمكانية حدوث مفارقة بين حدوث زيادة في دخل الفرد وتحقيق إنجاز في مجالات الرفاهية الاجتماعية.. على سبيل المثال، لا يتفق معدل نمو الدخل الفردي المتزايد في باكستان مع مؤشرات الرفاهة الاجتماعية المتدنية بها، بينما يأتي النموذج السريلانكي في الاتجاه المضاد، حيث يتاح لمواطنيها رفاهة اجتماعية لا تتناسب مع معدلات الدخل الفردي المتواضعة بها.
الفقر...واقع أم أسطورة:
يحدد بعض الباحثين ثلاثة أبعاد لمفهوم الفقر:
-البعد الأول: هو الماديات فهي تلك الأشياء التي نعتبر نقصها فقرًا، وهذا النقص أو الحرمان أو الفقدان له طابعان إما وجودي غير مادي أو وجودي مادي.
تنتمي للفقر الوجودي غير المادي عناصر مثل: الإخفاق في العمل أو انعدام الثقة في النفس أو نقص الحب، بينما يشمل الفقر المادي: التفرقة، وعدم المساواة والتحيز والجهل وتعذر الحصول على الحد الأدنى من الضروريات المطلوبة للحياة-كما تحددها ثقافة المرء- والجوع وسوء التغذية والتشرد وضعف الصحة... إلخ.
-البعد الثاني: هو إدراك المرء لحالته، فالمرء يعد فقيرًا فقط عندما يحس بوجود النقص في إحدى تلك الماديات أو كلها، إن تلك الماديات لا تكتسب قيمها كبعد معرفي في المفهوم إلا مع إدراك الطابع النسبي والذاتي لمفهوم الفقر، عادة يدفع هذا البعد الذاتي الفقير إلى تخطي فقره، وتغيير موازين القوى التي أدت إليه، وقد ينزع إلى عقد روابط تبعية مع جماعات أو أفراد أو عقائد أقوى تعطيه إحساسًا زائفًا بالأمان، وأحيانًا يصل إلى وهم القوة.
-البعد الثالث: كيف يرى الآخرون الفقير، حيث قد يختلف إدراك الفقير لحاله مع رؤية الآخرين، ويترتب على هذا الإدراك رد فعل الآخر تجاه الفقير، وثمة نوعان من أنواع رد الفعل تجاه الفقير؛ التدخل المباشر أو غير المباشر من خلال الصدقة أو المساعدة أو التربية أو القهر، أو عدم التدخل-سواء كان عدم التدخل مبررًا لأن الفقراء يستحقون فقرهم أو لأن التدخل لن يفيد بل وربما أضر.
وتتأثر تلك الأبعاد الثلاثة بالمكان والزمان والبيئة الاجتماعية / الثقافية المتواجدة فيها.
الفقر ووهم عالمية التنمية:
لأول مرة في التاريخ، صار الفقر ظاهرة مطلقة، حيث اعتبرت بلاد وأمم بأسرها فقيرة على أساس أن دخلها الإجمالي أقل بالمقارنة مع الدخل السائد في تلك الدول التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، وهكذا أصبح الدخل القومي هو المعيار العالمي الجديد والرأسمالية الاقتصادية هي الحل المعلن للعلاج النهائي للفقر، وتوصلت جيوش من خبراء الفقر العالمي إلى العلاج بالتنمية من خلال زيادة الإنتاج والتطبيق المتزايد للعلم والمعرفة التقنية، فهي مفتاح الرخاء والسعادة.
وهكذا أُعيد تفسير وتقييم البعد المادي للفقر، حيث أدى تحطيم المجتمعات التقليدية، في سبيل ما يدعى بالاقتصاد القومي ثم الاقتصاد العالمي، إلى فصل الاقتصاد عن جذوره الاجتماعية والحضارية، وبالتالي خضع المجتمع لآليات وقواعد الاقتصاد وليس العكس. وقد خلق الاقتصاد العالمي منظومة من المرجعيات الكونية جعلت الفرد يدرك أنه فقير وفي حاجة إلى المساعدة لأن متوسط دخله أقل من المستوى العالمي المعياري، ولأنه لا يعيش في رفاهية مثل بشر آخرين.
وأدى هذا التغيير في نظرة المرء لذاته إلى تغير في ردود الفعل تجاه الفقر، حيث أصبح البرنامج الجديد حلاً كونيًا أحادي الاتجاه يعتمد على الدخل ولا علاقة له إطلاقًا بالثقافة ولا بالشخص، ولم يعد الفرد يلجأ إلى جذوره الثقافية وعلاقته الأسرية القديمة التي كانت تقدم الحلول البديلة الكلية للفقر، وبدلاً من ذلك سعى الأفراد إلى تجميع أنفسهم في مؤسسات متماثلة مثل النقابات والروابط، مما أدى إلى تنميط الأفراد في المجتمع وإلغاء أي تفكير بديل يسعى إلى البحث عن طريق جديد للحياة والتنظيم الاجتماعي يعتمد على البساطة، أو أشكال تطوعية وأخلاقية من الفقر الذي لا يمكن أحيانًا تجاوزه لظروف هيكلية ودولية قبل أن تكون محلية.
وقد افترض الخبراء أن الفقراء غير قادرين على تحديد مصلحتهم، والتي يحددها لهم من يمتلكون المعرفة والسلطة-الحكومات والمؤسسات والخبراء-عاملين على الارتقاء بهم، ومشاركة الجماهير تنحصر في تأييد البرامج التي وضعها "الخبراء"، ويقدم الخبراء الحل البسيط للفقر: التنمية الاقتصادية ورفع مستوى الدخل، زاعمين إمكانية حل كل المشكلات الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالفقر من خلال الاقتصاد وحده.
وقد عملت هذه الافتراضات والتوصيات على تقوية التدخل السلطوي حيث صار الفقر العالمي معضلة أكبر من أن تترك لتحل حلاً محليًا، وبذا سمحت بتدخل القوى الدولية-الحكومية و الأهلية-باسم نشر السعادة والقضاء على الفقر.
وما حدث بصورة عالمية مجردة هو أنه تمت رؤية الحاجات المطلوبة والإصلاحات الضرورية والمؤسسات المقترحة بشكل نمطي ثابت، بغض النظر عن الاختلافات الاجتماعية والثقافية، وتم فرض تلك الرؤية عن طريق شروط برامج المساعدات الأجنبية.
وقد اختلفت النتائج الفعلية لهذه السياسات والبرامج وآثارها على حياة الفقراء اختلافًا بينًا عما توقعه الخبراء والمتخصصون، حيث إن الحاجات التي تبغيها برامج التنمية هي حاجات نمط معين من الحياة، يلعب فيه الاقتصاد دورًا مركزيًا، حيث ثمة مفهوم خاص للفقر، وثمة فئة معينة من المستهلكين ودافعي الضرائب يجب حماية حقوقهم وامتيازاتهم، فشلت تلك السياسات على كل المستويات، ومن الواضح أن كل أنساق المساعدة ستخلق في النهاية مزيدًا من الفقر.
ويحذر بعض الباحثين من المفاهيم التي تبدو إيجابية من الخارج مثل: الاقتصاد العالمي أو العالم الواحد بينما هي تدعو في الواقع إلى إلغاء التعددية، وقبول أن الحل الوحيد الممكن هو اتخاذ الطريق الذي سار فيه الشمال الغني القوي السعيد.
إن النظرة الاقتصادية للحياة قد تؤدي لفترة معينة إلى زيادة ضخمة في إنتاج الأغراض والبضائع أي تنمية الأشياء، لكنه واقعيًا -بسبب الندرة الدائمة- يعاني الغني والفقير-على حد سواء-من عدم إمكانية الحصول على كل ما يريد؛ فقد اتضح لكثير من البشر أن الحاجات ليست مجرد وهم فقط بل مصطلح يخلق الشره والجشع، ومن المستحيل أن يفي الاقتصاد بكل الحاجات يومًا ما.
قد ينتج الاقتصاد الكثير من البضائع والخدمات للوفاء بمنظومة معينة من الحاجات، بيد أنه على نطاق آخر يدمر مجالات بأكملها من مجالات النشاط الإنساني، والحرف التقليدية، والقطاعات الأهلية، ويحطم منظومة قيمية كاملة من الجماعية والتراحم، من ثم فإن تأثيره الإجمالي سلبي، بل ومدمر أحيانًا خاصة عندما لا يفي بوعوده، وفي الوقت ذاته يهدم أبنية التراحم والتكافل، فلا يجدها الفرد إذا أراد التراجع والعودة له، وربما يكون النموذج البارز لذلك هو ما حدث مع مؤسسات الوقف الإسلامية في العالم الإسلامي من مصادرة وتأميم.
ولا شك أن الرؤية الإسلامية التي تحترم الحاجات الأساسية المادية للإنسان وتفرض عليه السعي للرزق وعمارة الأرض، لكنها في الوقت ذاته تربطه برؤية غيبية للرزق والقدر، لديها الكثير في هذا الباب لتقدمه خاصة مع تطوير وتفعيل فريضة الزكاة كأداة تنموية تتجاوز جمع وتوزيع الصدقات، وهذا مجال يحتاج تناولاً مستقلاً

السيادة.. جدلية الدولة والعولمة
08/05/2005 ليلى حـلاوة**



على الرغم من تعدد التعريفات التي يوردها الباحثون لمفهوم السيادة الوطنية، فإن بينها جميعا قاسما مشتركا يتمثل في النظر إلى السيادة باعتبارها السلطة العليا للدولة في إدارة شئونها، سواء كان ذلك داخل إقليمها أو في إطار علاقاتها الدولية، وبالتالي فإن السيادة تشير إلى معنيين أحدهما إيجابي ويشير إلى قدرة الدولة -كوحدة سياسية مستقلة- على التصرف بحرية كاملة ودون أي قيود تفرض عليها، فضلا عن تلك القيود التي ترتضيها هذه الدولة بالتقدير المنفرد أو بالاتفاق الدولي، والآخر سلبي يقوم على عدم إمكانية خضوع الدولة لأي سلطة غير سلطتها. وبذلك يكون لمبدأ السيادة وجه داخلي ينصرف إلى علاقة الدولة بمواطنيها داخل إقليمها بحدوده السياسية المعلومة، ووجه خارجي ينصرف نطاق تطبيقه على علاقة الدولة بغيرها من الدول والتي تقوم على وجوب احترام الاستقلال الوطني والسلامة الإقليمية لكل دولة وعدم جواز التدخل في شئونها الداخلية.
 دور الثورة الفرنسية
 مبدأ السيادة.. وتطور الدولة
 العصور الوسطى
 الدولة الإسلامية.. ومفهوم السيادة
 العصر الحديث.. مفهوم جديد
 خريطة المفهوم
 مفاهيم مشابهة
 السيادة وفلسفة الدولة
 خصائص السيادة
 مصدر السيادة ومنطلقها
 انقلاب في عصر العولمة والتدخل
 تدويل السيادة
 السيادة الوطنية.. رؤية مستقبلية
وقد اكتسبت فكرة السيادة منذ نموها ثم صعودها في ظل نموذج الدولة القومية مكانة مركزية في السياسة الحديثة -فكرا وممارسة- بما جعلها تصبح شعارا للكرامة الوطنية باعتبارها أفضل تجسيد لمعاني الحرية والاستقلال والسلطة العليا على الإقليم وسكانه.. فبينما كان الملوك في أوربا يرددون "الدولة هي أنا"، ويرون أن حق إصدار القوانين التي يخضع لها رعاياهم هو حق منفرد بدون قيد أو شريك، كانت موجة من الأفكار الثورية تغزو أوربا وتحاول أن تقتلع هذا المفهوم من أساسه.
وفي عام 1690 نشر "جون لوك " في إنجلترا كتابه "رسالتان في الحكم" ليؤكد فيه أن حرية الإنسان الطبيعية هي ألا يكون خاضعا لأي قوة عليا على الأرض، وألا يقع تحت إرادته أي إنسان أو سلطة تشريعية، وألا يكون لديه سوى قانون الطبيعة قاعدة يعمل بها، وأن المجتمع السياسي لا يمكن أن يقوم ويستمر إلا إذا كان لديه في ذاته سلطة المحافظة على الملكية، ولهذا الغرض تكون لديه سلطة عقاب على الجرائم التي يرتكبها أي فرد في المجتمع، فهنا وهنا فقط يوجد المجتمع السياسي حيث تنازل كل فرد فيه عن سلطته الطبيعية وسلمها للمجتمع (وليس لنظام الحكم كما ذهب هوبز).
دور الثورة الفرنسية
وفي فرنسا انطلقت أفكار "جان جاك روسو" في كتابه الأكثر شهرة "العقد الاجتماعي" (نشر عام 1762م) ثم جاءت الثورة الفرنسية فسعت لإنشاء تلك الدولة التي كانت تحلم بها أوربا.
ونعرف من التاريخ أن مبادئ الثورة الفرنسية قد حكمت حياة أوربا والغرب وشعوبا كثيرة في العالم رغم أزمات تلك الثورة وتعثرها، ورغم تغير الدساتير ونظم الحكم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا فإن مفهوم الدولة في العالم توحد على ضرورة أن تتوافر لها وفيها العناصر الأساسية التي أكدتها تلك الثورة وكرست بها بزوغ الدولة القومية مع صلح "وستفاليا". وتشمل هذه العناصر التي اتفق عليها فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية "الشعب" و"الأرض" و"سلطة شاملة للشعب والأرض" أي الكيان المعنوي للدولة، ثم يضاف لذلك فكرة نظام الدولة أو العقد الاجتماعي الذي يقوم على الحرية والإخاء والمساواة والحكم الديمقراطي.
ولم يعد هذا المفهوم للسيادة الذي حققته الثورة الفرنسية والذي ركز على أن تكون السيادة فيها للشعب في مجموعه وأن تتولى الممارسة الفعلية لتلك السيادة حكومة ملتزمة بحدود ترسمها قواعد عامة ومجردة، هو المتاح الآن بعد أن تم تدويل السيادة أي بعد أن تم توسيع أبعادها الخارجية وأصبح للعلاقات الدولية ظل واضح على مفهوم السيادة مع نمو عدد الفاعلين الدوليين وتكريس فكرة التنظيم والقانون الدولي.. فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي وهي الاعتراف المتبادل بين دول لها سيادة اتسعت بصورة أدت إلى وضع شروط لممارسة الدولة حقوق السيادة، أهمها ألا تؤدي ممارسة تلك الحقوق إلى إحداث اضطراب في النظام العالمي. ومع تنامي التفاعلات على المستوى العالمي صار للبعد الخارجي للسيادة دورا مهما تفاعل مع البعد الداخلي بقوة وبشكل مركب، بل ومعقد جدا.
وما زال مفهوم السيادة في الداخل والخارج يتعرض للتغيير والتطوير، ولم تتوقف نظريات العلاقات الدولية والقانون الدولي عن الاجتهاد في معنى ودلالات هذا المفهوم. ولعل ذلك يرجع إلى أن موضوع السيادة داخل الدولة في ظل المد الديمقراطي يثير عدة اعتبارات أيديولوجية ودستورية من شأنها أن تمس سلطات الدولة المطلقة على مواطنيها. كما أن تطور المجتمعات البشرية وازدياد علاقات الدول وما يترتب على ذلك من التزامات قانونية قد ساهم بدوره في تغيير وتطوير هذا المفهوم وتقييد خيارات الدولة في سياساتها العامة واليومية؛ لذا كان من الأهمية بمكان أن نبحث في نشأة مبدأ السيادة ونتتبع تطور مضمونه التاريخي السياسي حتى يومنا هذا، ثم نستشرف مستقبل المفهوم.
مبدأ السيادة.. وتطور الدولة
يشيع في أمهات كتب علم السياسة الحديث وكتب القانون الدستوري أن فكرة السيادة ظهرت منذ بروز الدولة الحديثة وذلك في التاريخ الحديث. وإذا كان البعض يرجع الفضل للعلامة جان بودان في تفصيل وتحديد مدلول استعمال هذا المفهوم وإعطائه هذه الشهرة، إلا أن فكرة السيادة بمستوياتها المتعددة ظهرت منذ ظهور المجتمعات البشرية وكياناتها السياسية الأولى. ويدلنا البحث في التطور التاريخي لمبدأ السيادة أنه وثيق الصلة بنشأة وتطور شكل ونظام الدولة؛ لذا فلا عجب أن يجد هذا الموضوع التفاتا من رجال الفقه الدستوري والدولي لارتباطه بدراسة النظم الاجتماعية والسياسية وعلم التاريخ السياسي والاجتماعي.
ويمكن بسرعة استعراض السيادة في مراحل تاريخية مختلفة؛ فالإغريق كانوا سباقين إلى إقامة مجتمع سياسي ضمن إطار تنظيمي ثابت، ولقد مهدت الفلسفة اليونانية إلى إقامة نوع من الديمقراطية التي تعد رائدة في التاريخ القديم. وشهدت مدن أثينا وإسبرطة وغيرهما من المدن اليونانية القديمة مظاهر لهذه الديمقراطية. كما قامت اليونان بتنظيم علاقاتها مع الدول المجاورة على أساس من الالتزام، وأنشأت قانونا لحسم الخلافات عن طريق التحكيم، ولهذه الأفكار -رغم ما عليها من مآخذ وما كان لها من حدود وسقف- يدين الفكر المعاصر، حيث أضحت الديمقراطية وتحديد صلاحيات الحاكم شعاراً ومنهاجاً حتى يومنا هذا.
وعلى الرغم من ريادة اليونان في هذا المضمار فإنه يلاحظ أن القانون كان وقفا على قادة من زعماء الكهنة أو الأشراف، وأدى ذلك إلى انفراد هذه القلة بالعلم بالقانون وتفسيره دائما لمصلحة طبقتهم؛ وهو ما دفع عامة الشعب إلى المطالبة بتدوين العرف حتى يقفوا على حقوقهم والتزاماتهم. ويرى هذا الجانب من الفقه أنه في ظل هذا التدوين لم يترتب على ذلك خضوع الحاكم للقانون بل ظلت سلطاته مطلقة. وقد أدرك فلاسفة اليونان السيادة بمفاهيم مختلفة، حيث ذكرها أرسطو في كتابه "السياسة" على أنها سلطة عليا في داخل الدولة رابطا إياها بالجماعة، أما أفلاطون فاعتبر السلطة لصيقة بشخص الحاكم، ورأى البعض الآخر أن السيادة للقانون وليست للحاكم. ونظرا لأن اليونان قد تكونت من عدد من الدول المستقلة، فإن مفهوم السيادة –آنذاك- كان يعني حق تقرير المصير بالمفهوم الحالي.
وعرَّف الرومان السيادة تحت مفهوم الحرية والاستقلال والسلطة، وعنوا بتحديد مركز إمبراطوريتهم والتزاماتهم، إلا أن سلطة الدولة ظلت مطلقة بحكم الظروف الحياتية للعلاقات التي أنشأتها، فالدولة كانت مالكة لجميع الأراضي بينما لم يكن للأفراد إلا امتيازات مؤقتة على تلك الأراضي وهي امتيازات كانت قابلة للإلغاء في كل وقت، وللإمبراطور حرية مطلقة في التصرف فيها.
وبالتالي لا يختلف الرومان عن اليونان في نظرتهم إلى الدولة باعتبارها كيانا مقدسا لا يجوز محاسبتها ومن ثم كانت السلطات لا حدود لها. ولا يمكن القول بأن اليونانيين والرومانيين عرفوا الدولة القانونية بمفهومها الحديث على الرغم من وجود كثير من مظاهر هذه الدولة، فقد اقتصرت الديمقراطية في بلاد الإغريق على المواطنين الأحرار، وحقهم في ممارسة الحكم دون أن تعترف بحقوق أو حريات فردية في مواجهة الجماعة. وقد كان بإمكان الحكام أن يسلبوا الأفراد أموالهم أو حرياتهم، دون أن يكون بإمكان هؤلاء الأفراد أن يحتجوا بحقوق مكتسبة، أو حريات مقدسة، حيث لم يكن للأفراد حرية شخصية أو حرية تملك، أو حرية العقيدة أو حرية المسكن، ولم يكن للعبيد والنساء أي حقوق، إلا أنه يرجع لليونانيين الفضل في نشأة بعض الأفكار والمبادئ القانونية الراسخة في عالم اليوم مثل الديمقراطية والحرية والمساواة وغير ذلك وإن لم تصل إلى المفهوم العصري لها ومدلوله الشامل.
العصور الوسطى
أما السيادة في فترة العصور الوسطى فإن أهم ما تتصف به هو سيطرة المفاهيم المسيحية باعتبارها نظاما مميزا عن الدولة والصراع القائم بين السلطة الدينية والزمنية وتفشي نظام الإقطاع. وقد ولدت فكرة السيادة الحديثة من رحم هذه الظروف وشهدت تحولا في مفهومها، فقد كان تقديس الحكام معروفا في العصور القديمة وامتد إلى بداية العصور الوسطى، حيث استمد الحكام مكانتهم من ترويجهم لفكرة أنهم ظل الله على الأرض وأنهم يستمدون سلطتهم من الله مباشرة وليس من الشعب، وكان لذلك أثر مباشر في جعل سلطان الحاكم مطلقا وبلا حدود أو ضوابط. وبدأ تغير مفهوم السلطة بعد أن شهد هذا العصر مواجهة كبيرة بين السلطة الزمنية ممثلة في الإمبراطورية وسلطة الكنيسة ممثلة في البابا، وعلى الرغم من ظهور القاعدة الكنسية الشهيرة (ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، إلا أن هذا المفهوم لم يمنع التصادم بين هاتين القوتين المتصارعتين نظرا لعدم وضوح الاختصاصات والحدود بينهما في ذلك الوقت، وهكذا فإن هذا العصر شهد بذور فكرة فصل السلطتين ثم لاحقا الفصل بين السلطات السيادية.. التنفيذية والتشريعية والقضائية.
وشهدت فكرة السيادة تحولا على يد القديس (توما الأكويني) الذي قاد الحركة الفقهية المسيحية أثناء التحولات التاريخية لفكرة السيادة في العصور الوسطى، وكانت لأفكاره أثر بالغ في تطور مفهوم السيادة من الوجهتين القانونية والفلسفية، حيث اصطبغت السلطة بصبغة مسيحية وحررتها من رواسب فكر العصر القديم، وذلك بإهدار فكرة السلطان المطلق والتزام الحاكم بالقواعد العليا للقانون الإلهي، وهي وإن بدت الآن فكرة مطلقة وغير ديمقراطية فإنها في حينه كانت تحديا للسلطة المطلقة للملوك وكانت فكرة انتقالية نحو تأسيس السيادة على الإرادة الشعبية.
الدولة الإسلامية.. ومفهوم السيادة
وبالمقابل وفي الوقت الذي كانت فيه أوربا ترزح تحت ظلم العصور الوسطى المشبعة بالسلطان الكلي للدولة والسلطة المطلقة للحاكم دون حدود أو قيود، ولدت في الجزيرة العربية أول دولة متعددة الأديان والعرقيات والثقافات تكفل المواطنة المتساوية للنساء والعبيد والمسلمين من غير العرب والعرب من غير المسلمين بعدل وفق دستور المدينة، وذلك بعد هجرة الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم– من مكة إلى المدينة عام 622م. وظلت هذه الدولة قوية فتية في عهد الخلفاء الراشدين والتابعين من بعدهم، حيث اكتملت منها جميع عناصر "الدولة القانونية" بالمفهوم العصري والتي تعتمد على وجود دستور وتدرج في القواعد.
وبدأت السيادة في ظل الدولة الإسلامية بصبغة دينية باسم الخلافة، ثم اتجهت اتجاها زمنيا في عهد بني أمية، وعادت لتصطبغ بصبغة الحق الإلهي في العهد العباسي ومفهوم السيادة في النظرية الإسلامية حيث قامت الدولة على أسس ثابتة في القرآن الكريم والسنة. وقد اعترفت دولة الإسلام مبكرا بوجود إرادة عامة غير إرادة الأفراد، لكن بعض حكام المسلمين خاصة في عهد بني أمية انحرفوا عن هذا المفهوم حيث تم تحويل الخلافة إلى ملك وراثي عضوض.
العصر الحديث.. مفهوم جديد
فإذا ما انتقلنا للسيادة في العصر الحديث أو ما يطلق عليه البعض عصر النهضة في القرن الخامس عشر نجد الدولة الحديثة قد قامت على أنقاض النظام الإقطاعي، حيث أدى ضعف السلطة البابوية إلى إبراز فكرة السيادة وإعطائها مفهوما جديدا.
فمع بداية القرن السادس عشر وصلت فكرة الدولة كفكرة قانونية إلى مستوى مقبول من النضج بعد أن ساهمت في ذلك عوامل سياسية واجتماعية مختلفة واستطاعت أن تتحرر من رواسب العهد الإقطاعي وأصبحت السيادة ميزة أساسية للدولة وجزءا من شخصيتها. وأخذت فكرة السيادة المطلقة في الزوال لتحل محلها السيادة المقيدة التي استعرضها الفقيه "جان بودان" 1576م منذ أن كانت فكرة قليلة الشيوع والاستعمال إلى أن أخذت نصيبها من الشهرة والتقدير. وعلى الرغم مما أصاب هذه الفكرة من تطور على يد "بودان" فإنها لم تسلم من النقد، فقد دافع عن سيادة الدولة ومجد سلطانها حتى تسمو على الأفراد وتعلو على القانون، وبالتالي فلم يصل بالسيادة إلى الحد الديمقراطي المطلوب حيث استمرت مظهرا من مظاهر السلطة المطلقة.
وبفضل "جروشيوس" الذي اعتبر بحق أبا القانون الدولي الغربي وصاحب مدرسة القانون الطبيعي، تطورت فكرة السيادة باتجاه مفهوم جديد يأخذ في اعتباره تطور المجتمع الدولي، حيث استطاع أن يخلص السيادة من التصاقها بالحاكم وأن يحررها من رواسب الإطلاقية وأخضعها لمبادئ جديدة هي مبادئ القانون الطبيعي إضافة إلى القانون الإلهي.
وفي القرن الثامن عشر نادي المفكر "جان جاك روسو" في كتابه الشهير "العقد الاجتماعي" بالإرادة العامة للشعب، وبالتالي شهدت السيادة قيدا جديدا يجد أصالته في منبع جديد أشد التصاقا بالشخصية الإنسانية وبالحرية. وانتقلت السيادة من مصادرها الإلهية إلى مصادر اجتماعية أساسها الإرادة العامة للشعب والأمة، وهذه الإرادة هي التي تراقب الحاكم تمهيدا لإعلان مسئوليته في حالة خرقه للعقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين.
مما سبق نستطيع أن نحدد مضمون السيادة آخذين في الاعتبار الظروف التاريخية التي نشأت فيها هذه الفكرة والغرض الذي نشأت لتحقيقه.
خريطة المفهوم
يعرف "جان بودان" السيادة في مؤلفه المعنون "ستة كتب عن الجمهورية" الذي نشره 1576م بأنها سلطة عليا على المواطنين والرعايا، وفي تحليله لهذه السلطة العليا يرى بودان أنها أولا: سلطة دائمة.. بمعنى أنها تدوم مدى الحياة وبذلك تتميز عن أي منحة للسلطة تكون مقصورة على فترة زمنية محدودة.. وتأسيسا على ذلك لا يمكن أن توصف السلطة المطلقة المؤقتة بالسيادة. ولهذا السبب يفرق بودان بين "السيد Souverain " والحاكم الذي تكون سلطته مؤقتة ولذلك فلا يمكن وصفه بأنه صاحب سيادة وإنما هو مجرد أمين عليها فقط. ثانيا: إن هذه السلطة لا يمكن تفويضها أو التصرف فيها، كما لا تخضع للتقادم. ثالثا: وهي سلطة مطلقة لا تخضع للقانون لأن صاحب هذه السلطة هو الذي يضع القانون ولا يمكن أن يقيد نفسه، كما لا يمكن أن يكون مسئولا مسئولية قانونية أمام أحد.
والخاصية الأساسية لهذه السيادة أو السلطة المطلقة في نظر بودان تكمن في وضع القوانين "سلطة التشريع". وبذلك نجد أن بودان وضع ثلاثة حدود للسيادة، وهي:
أولا القانون الطبيعي: فصاحب السيادة يتقيد بالقانون الطبيعي وبقواعده ويجب عليه أن يتقيد بالمعاهدات والاتفاقيات التي يعقدها، ولكن من الذي يلزم صاحب السيادة باحترام القانون الطبيعي. هنا نجد بودان في موقف محرج يجعل نظريته في موقف متناقض ومع ذلك لا يعترف بأي جهة تفرض احترام القانون الطبيعي علي صاحب السيادة، وإلا كانت هذه الجهة حسب النظرية صاحبة السيادة الحقيقية.
ثانيا القوانين الدستورية الأساسية: ويخص بودان بالذكر قوانين وراثة العرش التي كان يرى أن الملك لا يستطيع أن يغيرها لأنه كان يؤمن بالدستور، وبأن التغيير في قوانين وراثة العرش يؤدي لإحداث القلاقل والاضطرابات؛ وهو ما يترتب عليه حدوث انقسامات في الدولة.
ثالثا الملكية الخاصة: كان جان بودان يؤمن بأن الملكية الخاصة قاعدة أساسية من قواعد القانون الطبيعي ولكنه أفرد لها بحثا خاصا، وكان يقول بأن السيد (صاحب السيادة) لا يستطيع أن ينتزع الملكية الخاصة من أي فرد في الدولة كما اعتقد بوجود حدود تتعلق بسلطة فرض الضريبة.
وبذلك يظهر التناقض في نظرية بودان بوضوح فهو في الوقت الذي يؤكد أن السلطة العليا لا حد لها في الدولة نراه يذكر أن هناك عدة عوامل محددة لها. هذه العوامل في الواقع تصيب النظرية بالصدع لأنها توجد بجانب السلطة العليا سلطات أعلى منها، كما أنه لا يستطيع أن يجد من يقوم بفرض وتنفيذ هذه الاستثناءات. ونجده لهذا السبب يضطر إلى الإيمان بحق الثورة في حالة التعدي علي أي من القيود الثلاثة التي حددها.
وإذا كان بودان قد عالج السيادة من زاوية الشئون الداخلية وعلاقة الدولة بالمواطنين، فقد عالجها هوجو جروشيوس من زاوية الشئون الخارجية وعلاقة الدولة بغيرها من الدول. فسر جروشيوس السيادة بأنها السلطة السياسية العليا التي تتركز في الشخص الذي لا تتمكن أي إرادة إنسانية من نقض أعماله. وبالرغم من هذا التعريف فقد نقضه جروشيوس نفسه عندما أباح الحد من هذه السلطة وتقسيمها في بعض الدول الأوربية. ويرجع هذا التناقض إلى رغبته في إنهاء الحروب التي كان يشعلها الأمراء ضد بعضهم البعض، فقد حاول أن يحد من سلطات الهيئات التي لها حق إعلان الحرب وعارض مبدأ السيادة الشعبية؛ لأنه رأى أنها تتعارض مع المحافظة على الأمن والنظام، واعتبرها المسئولة عن الاضطرابات والخلافات التي سادت في العصر الذي عاش فيه. ومن ناحية أخرى رأى جروشيوس أن للشعب حق اختيار نوع الحكم الذي يعيش في ظله، ومتى تم هذا الاختيار فيجب على الشعب أن يخضع لهذا النظام ويطبع الأوامر التي تصدر عنه. وأنكر جروشيوس على الشعب حقه في معارضة ومقاومة حاكميه، وتتميز أفكار جروشيوس في الدفاع عن الملكية المطلقة والسيادة على أراضي الدولة والمساواة بين الدول.
واتبع "هوبز" طريق "بودان" في إطلاقه للسلطة صاحبة السيادة، إلا أنه كان منطقيا أكثر فلم يأت بمضمون السيادة من الخارج وإنما حاول استخلاصه من هدف الدولة ذاته. فقد كانت حالة الفطرة في نظره تقوم على الفوضى وسيطرة الأقوياء، ولهذا السبب وبدافع خوف الإنسان من غيره، وبغريزة حب البقاء، اضطر الإنسان إلى الاتفاق مع غيره من أبناء جنسه على أن يعيشوا معا تحت إمرة واحد منهم وكان ضروريا أن يحتاج هؤلاء الأفراد أساسا آخر بالإضافة إلى العقد لكي يجعل اتفاقهم دائما مستمرا هذا الأساس هو سلطة مشتركة تلزمهم وتوجه أعمالهم للصالح المشترك بينهم، والوسيلة الوحيدة لإقامة هذه السلطة هي أن ينزل هؤلاء الأفراد إلى واحد منهم عن كل سلطاتهم وحقوقهم الطبيعية، فإذا ما تم ذلك فإن الشخص الذي اتحد فيه المجموع يكون صاحب السيادة ويكون بقية الأفراد رعايا له.
وما دام الأفراد قد نزلوا عن كل حقوقهم دون أن يلزموا الحاكم بشيء فإن سلطانه عليهم يكون مطلقا لا حدود له، ومهما أتى من تصرفات أو أفعال فلن يحق للأفراد أن يثوروا عليه أو أن يخالفوا أمره، وإلا عُدوا خارجين عن العقد ناكثين للعهد. ويهاجم "هوبز" الرأي القائل بأن الأفراد لم ينزلوا بالعقد الذي أقاموا به السلطة إلا عن جزء من حقوقهم واحتفظوا لأنفسهم بالجزء الباقي فالتنازل الجزئي في رأيه غير ممكن وإلا أبقينا على الحياة البدائية التي تسودها الفوضى والحروب بين الأفراد.
ونتيجة لذلك فإن السلطة عند "هوبز" تكون دائما مطلقة ويذهب "هوبز" في فكرة السلطان المطلق إلى حد القول بأن الدولة مالكة لجميع الأموال بحجة أن الأفراد قد نزلوا للحاكم الذي اختاروه عن جميع حقوقهم، وبالتالي لا تكون لهم على الأموال حقوق وإنما مجرد امتيازات يقررها الحاكم ويسحبها كما يشاء. وأخيرا فإن "هوبز" يرى أن الحاكم غير مقيد بأي قانون لأنه هو الذي يضعه ويعد له ويلغيه حسب هواه، وهو الذي يحدد معنى العدالة. وهكذا يبدو رأي كل من "بودان" و"هوبز" واضحا، فما دام الشعب قد تخلى كلية عن سلطته لكي ينقلها إلى الملك فإن هذا الملك لم يعد جزءا ضمن الشعب وإنما انفصل عنه وأصبح مستقلا عنه بل وساميا عليه وأصبح هو صاحب السيادة الذي يحكم من فوق المجتمع السياسي كله، فعندما يقول بودان "إن الأمير صاحب السيادة هو صورة الله في الأرض" فإن هذا التعبير يجب أن يفهم بكل ما يعنيه، فهو يعني أن صاحب السيادة يسود الشعب كما يسود الله الكون.
لكن مضمون السيادة تغير مع كتابات "جان جاك روسو" الذي يقول: إن العقد الاجتماعي يعطي المجتمع السياسي سلطة مطلقة على كل أعضائه، وهذه السلطة المطلقة التي تتولاها إرادة عامة تحمل اسم السيادة "والسيادة التي ليست سوى ممارسة الإرادة العامة لا يمكن أبدا التصرف فيها، وصاحب السيادة الذي هو كائن جماعي لا يمكن لأحد أن يمثله أو ينوب عنه سوى نفسه"، ويضيف روسو إلى ذلك أن "السلطة العليا لا يمكن تقييدها؛ ذلك أن تقييد السلطة العليا معناه تحطيمها"، وأن "السلطة صاحبة السيادة ليست في حاجة إلى ضمانات بالنسبة لرعاياها".
ويفسر "روسو" فكرة العقد الاجتماعي بقوله: إن الالتزام الاجتماعي والخضوع للسلطة لا يمكن أن يكون أساسها القوة، ذلك أن تأسيس السلطة على القوة وحدها يعني إنكار فكرة الحق كلية وينتهي "روسو" إلى أن كل جماعة سياسية لا يمكن تصور وجودها إلا باتفاق الأفراد فيما بينهم على الحياة في جماعة، وهذا الاتفاق أو العقد الاجتماعي لن يكون سليما ومشروعا في نظر روسو إلا إذا صدر من إجماع الإرادات الحرة. فالسيادة إذن ليست شيئا آخر سوى الإرادة العامة للمجتمع الذي أنشأه العقد الاجتماعي، والقانون هو التعبير عن هذه الإرادة العامة ليست هي الإرادة الإجماعية لكل المواطنين ولكنها إرادة الأغلبية، وهذا الخضوع لرأي الأغلبية هو أيضا أحد الشروط الضرورية للعقد الاجتماعي؛ لأن اشتراط الإجماع لكي يصبح القانون ملزما للجميع سوف يكون معناه الحكم على المجتمع بالعجز. ومن المعروف أن روسو كان يؤمن بالديمقراطية المباشرة لذلك السبب، أي لكي يمارس الشعب سيادته بشكل مباشر.
مفاهيم مشابهة
اختلط مفهوم السيادة بغيره من المفاهيم المشابهة مثل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، ويرجع هذا الخلط إلى أن السيادة تحتوي على هذه المفاهيم، ولكن كلا منها لا يعبر عن السيادة بل يعد مظهرا من مظاهرها، وفي كثير من كتب القانون تتداول كلمتا السيادة والسلطة كما لو كانتا ذواتي مدلول واحد غير أنه من المهم أن نفرق بين السيادة والسلطة.
يعتبر مفهوم السيادة أشمل من السلطة؛ فالسلطة" هي ممارسة السيادة (يطلق البعض على السيادة صفة السلطة العليا) أو أن حق السيادة هو مصدر حق السلطة، وكلمة "سيادة" اصطلاح قانوني يترجم كلمة فرنسية مشتقة من أصل لاتيني تعبر عن صفة لمن له السلطة لا يستمدها من غير ذاته ولا يشاركه فيها غيره، ولم تدخل هذه الكلمة لغة القانون إلا في القرن السادس عشر.
أما السلطة فهي "القدرة على فرض إرادة أخرى"، وتمثل الدولة السلطة القهرية التي تعلو على سلطة أي جماعة أخرى في المجتمع، والفرض يتم بإحدى وسيلتين، فهو إما أن يتم بوسائل القهر والعسف، وإما أن يتم بوسائل الإقناع الحر وضرب المثل وتقديم النموذج، وتزداد قوة السلطة دائما ويزداد استقرارها كلما زاد قبولها اختياريا عن طواعية. وقد تعددت أنواع السلطات فهناك السلطة التشريعية والسلطة الشخصية والسلطة التفويضية والسلطة السياسية والسلطة العامة والسلطة التنفيذية، ولا تزال السلطة السياسية هي أهم أنواع السلطة الحديثة.
وهناك أمران آخران يجب التفرقة بينهما وهما من يملك السلطة العامة ومن يباشرها. وفي ظل نظام الحق الإلهي كان الملك هو الذي يملك السلطة وهو الذي يباشرها في نفس الوقت، بينما في ظل نظام سيادة الأمة الذي يملك السلطة العامة أي السيادة هي الأمة، ولكنها لا تستطيع بصفة عامة أن تباشرها بنفسها، ولذلك وجدت هيئات أخرى في ظل النظام النيابي تقوم نيابة عنها بمباشرتها وهذه الهيئات هي البرلمان لوضع القواعد العامة والسلطة التنفيذية لإدارة شئون البلاد والمحاكم للفصل في المنازعات، ولكن هذه الهيئات لا تعتبر في ظل نظام سيادة الأمة مالكة للسلطات التي تباشرها، كما الحال بالنسبة للملك وهو يباشر السلطة في ظل الحق الإلهي، وإنما هذه الهيئات تباشر هذه السلطات أي نتائج فكرة السيادة العامة المملوكة للأمة، في حدود ما نصت عليه الدساتير والقوانين. ولذلك فإن خضوع هذه الهيئات في مباشرتها للسلطة والاختصاصات الممنوحة لها للرقابة القضائية أمر لا يتنافى مع فكرة السيادة العامة بل يستلزمه مبدأ سيادة الأمة ما دامت هذه الهيئات التي تباشر السلطة نيابة عنها، فضلا عن التأكد من أنها لم تخرج عما منحه إياها صاحب السيادة من اختصاصات بالنص الصريح، ولكن هذه الحقيقة قد غابت عن البعض فظن أن هذه الهيئات تعتبر صاحبة سيادة بل وصفوها بأنها سيد Souverain ولذلك رأوا عدم خضوع أعمالها للرقابة القضائية بحجة السيادة العامة.
وقد ميز جانب من الفقه بين ممارسة السيادة وتملكها قانونا، واعتبر أن السيادة الفعلية لمن يمارسها حتى ولو لم يملكها كما هو الحال في وضع المحتل، أما السيادة القانونية فستظل لصاحب الإقليم، وقد حاول الفقه الدولي ورواد المفكرين وضع مواصفات لبيان ماهية السيادة نتيجة لهذا الخلط.
السيادة وفلسفة الدولة
فكرة السيادة ليست خالية تماما من أوجه الغموض والاضطراب، ويرجع هذا الغموض والاضطراب في الأغلب والأعم إلى عدم التفرقة بين السيادة والدولة ذاتها، الغموض الواقع بين ما هو قائم فعلا وبين ما يريد الناس أن يتحقق للدولة وبها. فهناك مثلا مدرسة ألمانية متطرفة في نظرتها إلى السيادة وضرورة أن توجد في صورتها الكاملة المثالية، وتهدف هذه المدرسة إلى تبرير السلطة المطلقة للدولة، كما كانت سياسة بروسيا التقليدية. ويعتبر هيجل الفيلسوف الألماني الكبير من رواد هذه المدرسة، وقد استمرت أصداء هذه المدرسة فيما بعد ووجدت لها أنصارا أقوياء في عهد النازية والفاشية.
وهناك صعوبات واضطراب في التفرقة بين النظرية القانونية في السيادة والتطبيق والواقع السياسي. فالنظرية القانونية للسيادة تضع السلطة القانونية النهائية في يد شخص محدد أو مجموعة من الأشخاص. وفي هذه الحالة فإن سلطة من يملك السيادة لا يعلي عليها وهو يمتلك السلطة والقوة لفرض الطاعة لإرادته ورغبته. ولكن المشكلة هنا هي أين يمكن أن توجد هذه السلطة النهائية؟.
وبالطبع فإنه لا توجد إجابة واحدة كافية للرد على هذا التساؤل؛ فهي تختلف في الواقع من بلد لآخر، بل إنها لا تظل ثابتة في البلد الواحد.
كما أنه يجب التفرقة بين السلطة الحقيقية ومصدر هذه السلطة؛ فهناك فرق واضح بين القول بأن الشعب هو مصدر كل السلطات، والقول بأن الشعب يحكم نفسه بنفسه فعلا.
ومما لا شك فيه أن هناك علاقة وثيقة بين السيادة السياسية والسيادة القانونية، وإلى جانب السيادة القانونية والسيادة السياسية فقد توجد بعض التغيرات والمفاهيم الأخرى للسيادة مثل السيادة الشعبية Sovereigaty popular والسيادة القانونية de jure والسيادة الواقعيةde facto.
وقد ظهرت فكرة ومبدأ السيادة الشعبية في القرن السادس عشر والسابع عشر بصفة خاصة، كتعبير عن استياء الشعب ورفضه للسلطات المطلقة والظالمة للملوك واعتمادهم على نظرية الحقوق ويعطي مبدأ السيادة الشعبية، للشعب السيادة النهائية ويعتبر روسو رائد الداعين لها وقد أصبحت فيما بعد شعارا للثورة الفرنسية.
أما تعبير السيادة القانونية de jure فهي في أساسها تنبني علي القانون وهي ترتبط بحق الحكم والاستحواذ على الطاعة في المجتمع، ويستحوذ الشخص (أو مجموعة الأشخاص) الذين يمارسون السلطة من الناحية الفعلية ولو مؤقتا، على طاعة جزء كبير من الشعب يكون هو صاحب السيادة الفعلية de facto والذي قد لا يكون هو نفسه صاحب السيادة القانونية de jure، وقد يعتمد صاحب السيادة الفعلية على السلطة والسلطان المادي أو المعنوي في فرض نفوذه وحكمه.
خصائص السيادة
الاتجاه العام لكثير من الكتاب هو أن السيادة لها خمس خصائص هي أنها:
1- مطلقة: بمعنى أنه ليس هناك سلطة أو هيئة أعلى منها في الدولة فهي بذلك أعلى صفات الدولة ويكون للدولة بذلك السلطة على جميع المواطنين، ومع ذلك فإنه مما لا شك فيه توجد عوامل تؤثر على ممارسة السيادة يمكن اعتبارها، حدودا قانونية، فحتى الحاكم المطلق لا بد أن يتأثر بالظروف التي تحيط به سواء كانت هذه الظروف اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية كما يتأثر أيضا بطبيعته الإنسانية، كما يجب أن يراعى تقبل المواطنين للقوانين وإمكان إطاعتهم لها.
2- شاملة: أي أنها تطبق على جميع المواطنين في الدولة ومن يقيم في إقليمها باستثناء ما يرد في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية مثل الدبلوماسيين وموظفي المنظمات الدولية ودور السفارات. وفي نفس الوقت فإنه ليس هناك من ينافسها في الداخل في ممارسة السيادة وفرض الطاعة على المواطنين.
3- لا يمكن التنازل عنها: بمعنى أن الدولة لا تستطيع أن تتنازل عنها وإلا فقدت ذاتها، يقول روسو: "لما لم تكن السيادة سوى ممارسة الإرادة العامة فإنها مما لا يمكن التنازل عنه، إن صاحب السيادة الذي ليس سوى كائن جماعي لا يمكن أن يمثله غيره؛ فالسلطة مما يمكن نقله ولكن الإرادة لا يمكن نقلها والواقع أنه إذا لم يكن من المتعذرات أن تلتقي إرادة خاصة في نقطة مع الإرادة العامة فإنه من المستحيل على الأقل أن يكون هذه الالتقاء ثابتا ومستمرا" الفصل الأول – الكتاب الثاني).
4- دائمة: بمعنى أنها تدوم بدوام قيام الدولة والعكس صحيح، والتغير في الحكومة لا يعني فقدان أو زوال السيادة؛ فالحكومات تتغير ولكن الدولة تبقى وكذلك السيادة.
5- لا تتجزأ: بمعنى أنه لا يوجد في الدولة الواحدة سوى سيادة واحدة لا يمكن تجزئتها. ويقول "روسو" إن السيادة لا تتجزأ؛ لأن الإرادة إما أن تكون عامة وإما ألا تكون كذلك، فهي إما إرادة الشعب في مجموعه وإما إرادة جزء منه فقط، وفي الحالة الأولى تكون الإرادة العامة المعلنة عملا من أعمال السيادة ولها أن تسن القوانين، وفي الحالة الثانية ليست سوى إرادة خاصة أو عمل من أعمال الإدارة ولا تكون إلا مرسوما على أكثر تقدير".
مصدر السيادة ومنطلقها
ولكي نكمل تصور مفهوم السيادة بشكلها التقليدي يجب أن نتحدث عن الأساس الذي قامت عليه السيادة؛ فالسيادة إرادة لها خاصية خاصة بها وهي أنها إرادة عليا مستقلة ولا يمكن تقييدها، إلا أنها إرادة إنسانية، فكيف يمكن تفسير أن هذه الإرادة الإنسانية تسمو على سائر الإرادات الإنسانية الأخرى، وهذا السؤال أجابت عليه النظريات المختلفة، وهي:
1- النظريات الثيوقراطية:
هي النظريات التي ترجع مصدر السيادة إلى الله، في القرن الخامس أبدعت الكنيسة تبريرا لحقها في السيطرة النظرية المعروفة باسم "نظرية الحق الإلهي" (ومذهب آباء الكنيسة) مؤادها أن الحكم لله وحده لله وأنه يختار لأدائه في الأرض من يشاء فيصبح حاكما بأمر الله. في المقابل أبدع أنصار الملوك في مواجهة الكنيسة نظرية أخرى في السيادة هي نظرية "العناية الإلهية" والتي تذهب إلى أن إرادة الله توجه شئون الناس وعقولهم وإرادتهم على وجه مباشر إلى أن تصبح السلطة في يد واحد منهم، فهو لا يكسبها بجهد ولا يستحقها لأمر خاص به ولا يتلقاها من أحد من الناس، ولا من الله أيضا، ولكن عناية الله هي التي وضعته في موضعه.
وهما نظريتان لم تكونا مقصورتين على تبرير الاستبداد بالسلطة في أوربا وحدهما، ولا هما مقصورتان على تبريره في القرون الأوربية الوسطى فقط، وإنما انتحل الخليفة المنصور العباسي (714هـ- 775) "مذهب آباء الكنيسة" حينما خطب في مكة المكرمة فقال: "أيها الناس أنا سلطان الله في أرضه" وانتحلها أباطرة الصين قديما، فكان الإمبراطور هو ابن السماء. كما انتحل معاوية بن أبي سفيان الأموي (602-680) نظرية العناية الإلهية لتبرير استبداده بالسلطة دون الخليفة المنتخب، حيث قال: "لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر (الولاية) ما تركني وإياه. ولو كره الله ما نحن عليه لغيره".
وفي العصر الحديث استخدم غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا "نظرية الحق الإلهي" حينما قال في عام 1910م إن الله هو الذي ولاه الملك، وفي عام 1926م حين قال إن تولية الملك حق إلهي، وسار هتلر ديكتاتور ألمانيا على النهج نفسه قبيل أن يبدأ الحرب الأوربية الثانية حين وجه الشكر إلى العناية الإلهية التي اختارته زعيما لألمانيا (28 إبريل 1939م)، وكذلك ديكتاتور أسبانيا فرانكو، حين أمر في عام 1947 بصك عملة تحمل عبارة "فرانكو القائد بعناية الله". وهناك اليوم من ينتحل سلطة الرب تحت عنوان معسكر الخير ومعسكر الشر والحرب الصليبية الجديدة.
وفي مواجهة هاتين النظريتين استمدت الثورة الفرنسية نظرية حركة التنوير في السيادة فأسندتها إلى الشعب، وصاغتها في المادة من دستور 1791 "السيادة واحدة، غير قابلة للتجزئة أو الانتقال أو الاكتساب بالتقادم وهي تخص الأمة وليس لأي جزء من الشعب أو أي فرد أن يدعي ممارستها".
2- النظــريات الديمقراطـية:
تقوم على أساس أن السيادة مصدرها الشعب وأهم النظريات الديمقراطية هي نظرية العقد الاجتماعي التي تقول بوجود حياة فطرية تسبق قيام الجماعة وأن الانتقال من حياة الفطرة إلى حياة الجماعة قد تم بناء على عقد اجتماعي بين الأفراد بقصد إقامة السلطة الجماعة.
3- النظرية الإسلامية:
وهي التي تجمع بين المصدر الشرعي للحق السيادي من ناحية، أي ضرورة وجود السلطة وانتظام الناس في نسق يقوم على الاختيار والبيعة وتحكيم دستور وقانون مصدرهما الكلي مبادئ الشريعة الإسلامية من ناحية، والرقابة الشعبية الصارمة وحق الناس في خلع الحاكم وتولية غيره إذا ثبت خروجه عن الشرعية.. فالنظام الإسلامي كما أسماه أبو الأعلى المودودي نظام "ثيو- ديمقراطي"، وهو ما فصل فيه بامتياز الفقيه الدستوري المعاصر البارز عبد الحميد متولي، وكتب فيه العلامة عبد الرزاق السنهوري، وأيضا فصله الأستاذ توفيق الشاوي في كتابه فقه الشورى والاستشارة، فمن أراد التفصيل فليرجع لهؤلاء.
انقلاب في عصر العولمة والتدخل
من خلال ما سبق نستنتج أنه خلال أكثر من ثلاثة قرون تطور النظام الدولي من أجل هدف محدد هو ضمان سيادة الدولة، والذي قام على أساس أن تكتسب الدولة أهليتها من خلال السيادة بجانبيها الداخلي والخارجي. وجاءت أحداث التسعينيات لتغير النظام الدولي، بعد اتساع مدى التدخل وأسبابه خلال هذا العقد الذي شهد في النصف الأول منه أحداث ومواقف وأزمات حادة في العراق والصومال وتاهيتي ويوجوسلافيا السابقة ورواندا وليبيريا، وأما الأحداث الأخرى التي حدثت في النصف الأول فقد ارتبطت بعدد من القرارات ضد أفغانستان 1996- 1999م والسودان 1996م، ثم كوسوفو وتيمور الشرقية في1999 والبوسنة والهرسك. وتعتبر قرارات الأمم المتحدة في تلك الفترة نقطة تحول أسياسية بالنسبة لمفهوم السيادة وكيفية إدارة الأمن والسلام الدوليين. وعكس الاستخدام الجديد لصلاحيات مجلس الأمن الموجودة في الباب السابع للميثاق بدء مرحلة جديدة من الجهود لحماية البدل والمجتمع الدولي.
وبإعادة تعريف مفهوم التهديد للسلام والأمن الدوليين، وباعتبار أن الدول هي التي تكون المجتمع الدولي، أعاد مجلس الأمن صياغة المبدأ الحاكم الذي يحمي الدول والنظام الدولي الذي يعتمدون عليه، فالمبدأ القديم والمؤسس على مفهوم السيادة كان حماية الدولة ضد التدخل في شئونها الداخلية والحفاظ على النظام والاستقرار باتخاذ إجراءات لوقف العدوان الخارجي المسلح ضد الدول.
الآن تغير الحال، وتغيرت الاحتياجات وأصبح التحدي الذي يواجه السلام والأمن هو حماية النظام الدولي الذي تعتمد عليه الدول من الفوضى وعدم الاستقرار نتيجة ما قد يحدث من أحداث وقلاقل داخل بعض الدول الأخرى، الأولوية الآن هي منع الاضطرابات الداخلية في الدول من أن تنتقل عدواها إلى الجسد الدولي فتؤثر على غالبية الدول التي تعتمد عليها.
وقد تحول المجتمع الدولي عما كان يعرف في الماضي "بمجتمع الدول" Community of nations ليصير مجتمعا دوليا بالمعنى الدقيق international Community، وهو ما ترتب عليه أن إرادة هذا المجتمع لم تعد تتمثل فقط في المجموع الحسابي (الإيرادات الوحدات السياسية المكونة له) وإنما أصبحت له فوق ذلك وفي حدود معينة إرادة ذاتية مستقلة. وقد سوغ هذا التصور لبعض الباحثين القول بأن إرادة المجتمع الدولي -بهذا المعني المشار إليه ومعبرا عنه بصور شتي- أصبحت مصدرا من مصادر الالتزام في نطاق العلاقات الدولية المعاصرة. كما سوغ هذا التطور أيضا لفريق ثان من الباحثين الحديث في أن "البشرية" برمتها قد أصبحت شخصا قانونيا دوليا أو على الأقل بسبيلها لأن تكون كذلك. كما أضحى لهذا المجتمع الدولي من جهة ثالثة نظامه العام الخاص به، والذي يرتكن إلى مجموعة من القواعد القانونية الآمرة التي يحتج بها في مواجهة الكافة ولا يجوز قانونا وكمبدأ عام الاتفاق على مخالفتها.
وقد سارت التطورات العديدة التي شهدها النظام الدولي في عقوده الأخيرة في اتجاه تقليص دور السيادة الوطنية وإيلاء أهمية خاصة للعمل الجماعي في نطاق العلاقات الدولية المتبادلة. وبرغم أن حق الدولة في العمل بقوانينها وحقها في أن تكون في مأمن من التدخل الخارجي لم يسلب تماما، فإن القداسة التي أحاطت بها كمظاهر أساسية لسيادة الدولة لم تعد كما كانت من قبل، وأصبح لممارسة الحقوق شروط من منظور المساءلة الدولية ليس كحقيقة واقعة ولكن من ناحية المبدأ على الأقل، لقد تم تدويل السيادة.
تدويل السيادة
واشتملت عملية تدويل السيادة على توسيع لأبعادها الخارجية فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي وهي الاعتراف المتبادل بين دول لها سيادة اتسعت بصورة معينة أدت إلى وضع شروط لممارسة الدولة حقوق السيادة، أهمها ألا يتسبب من جراء تلك الحقوق إحداث اضطراب في النظام العالمي. وفي كثير من الحالات التي حدث فيها ذلك، مارس مجلس الأمن السلطات المخولة له متجاوزا الحقوق التقليدية للسيادة. وأكد الإجراء العسكري الذي اتخذه حلف الناتو تجاه كوسوفو، الواقع الجديد بأنه قد أصبح ممكنا أن تقوم دولة ما بهذا العمل عندما لا تقوم الأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ الإجراءات الكافية.
ويعتبر وضع كوسوفو وتيمور الشرقية تحت السلطة الكاملة لإدارة دولية انتقالية بتكليف من الأمم المتحدة من أكبر العلامات وضوحا على وجود صورة للسيادة الدولية؛ لذلك فإن شرط الاعتراف بسلطة الدولة العليا لم يعد يرجع فقط إلى الشعب، ولكن إلى حقيقة أن الدولة ليست عنصرا للفوضى والاضطراب في المجتمع الدولي.
ويعني مفهوم تدويل السيادة وجود نظام لمساءلة الدول في حالة تعسفها الشديد في ممارسة حقوق السيادة. وقد تأكد هذا الشرط الجديد لسيادة الدولة عندما صرح السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي أنان أنه لم يعد هناك حصانة للسيادة.
ومن جهة أخرى نجد أن كوفي أنان في المشروع الذي طرحه على الجمعية العامة في دورتها (54) يعتبر أن السيادة لم تعد خاصة بالدولة القومية التي تعتبر أساس العلاقات الدولية المعاصرة ولكن تتعلق بالأفراد أنفسهم، وهي تعني الحريات الأساسية لكل فرد والمحفوظة من قبل ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي فهو يدعو إلى حماية الوجود الإنساني للأفراد وليس حماية الذين ينتهكونها. وبهذا الطريق يكون أنان قد أزال العقبات أمام المنظمات الدولية لكي تباشر أعمالها في مشروع التدخل لوقف انتهاكات حقوق الإنسان دون تفويض من الأمم المتحدة.
ومفهوم السيادة بهذا الشكل لا يمكن أن يستقر ويستقيم، فليس هناك ما يبرر لأي دولة، حتى لو كانت الدولة العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية (المتحدث الرسمي باسم حقوق الإنسان) أن تدعي الحق في تغيير أي نظام سياسي في أي دولة أخرى، بل ليس للأمم المتحدة نفسها مثل هذا الحق، ذلك أن القبول بهذا العمل لا يعني الحلول نفسها في تقرير مصيره والتحكم بمصالحه الخاصة، ولكنه يهدد أكثر من ذلك القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها النظام العالمي حتى الآن وهي سيادة الدولة وحريتها. ولا يغير من هذا كون النظام المستهدف نظاما استبداديا قائما على القوة المحضة وناكرا لجميع الحقوق المعرفية والسياسية لمواطنيه.
لكن رفض التسليم لأي دولة ولأي تكتل أو تحالف دولي مهما كان نوعه ومسوغات تشكيله بالتدخل باسم المجموعة الدولية أو باسم مصالحه الخاصة لتغيير نظام سياسي استبدادي وظالم في بلد ما لا يعني في الوقت نفسه وينبغي ألا يعني القبول باستمرار مثل هذا النظام ولا يقلل من المسئولية الدولية في عدم القضاء عليه، فمثل هذا السلوك لا يمكن أن يعني شيئا آخر سوى النذالة والجبن وانعدام المسئولية الجماعية على مستوى المجموعة الدولية بأكلمها.
وبالتالي فلا يوجد شيء يمكن أن يبرر اليوم استمرار نظم تجرد شعوبها من حقوقها وتسومها سوء العذاب بذريعة السيادة القومية تماما، كما أنه لا شيء يمكن أن يبرر ترك شعب يخضع للاحتلال ويجرد من حقوقه وموارده ومستقبله معا كما هو الحال في فلسطين وفي العديد من المناطق الأخرى، وأخيرا ما حدث بالعراق (في القرن الحادي والعشرين) بذريعة الأمن أو الحرب ضد الإرهاب، ففي الحالتين تقع المجموعة الدولية في ذنب الضلوع مع الظلم والتقاعس عن مد يد العون لبشر يتعرضون لأخطار محدقة.. إذن فلا يمكن لمبدأ السيادة أن يستقر إلا إذا رافقه مفهوم التضامن الإنساني الذي يحدد شروط استخدامه بحيث لا يتحول إلى أداة لإخضاع شعوب وجماعات وإذلالها وتسخيرها لخدمة أهداف خاصة، سواء أكان ذلك بالقوة المهنة أم بالتحالف والتآمر مع قوى خارجية، وهو حق يرتب على جميع الدول مشتركة واجب السعي لإنقاذ الشعوب التي اغتصبت حقوقها الأساسية المعروفة، سواء أكان ذلك من قوى داخلية أو خارجية لا فرق.
وللأسف بدلا من العمل على تطوير آليات في هذا الاتجاه على مستوى المجموعة الدولية، نجحت بعض الأطراف في بداية التسعينيات من القرن الماضي في الحصول على تصويت المنظمة الدولية على حق سمي "حق التدخل الإنساني" كان من نتيجته إجهاض مفهوم التضامن اللازم والواجب على المجموعة الدولية تجاه الشعوب المستضعفة، لصالح إضفاء المشروعية الدولية على تدخل دول المجموعة الأطلسية في المناطق والمواقع التي تجد أن لها مصلحة قومية أو إقليمية واضحة في التدخل فيها، وبحسب ما تتطلبه هذه المصالح لا ضمان حقوق الشعوب ولا حريتها وسيادتها.
والواقع أن تفاوت الدول من حيث الموارد والإمكانيات جعل بعض الباحثين يميزون بين السيادة كمفهوم قانوني بمعنى وحدة الخطاب القانوني وعمومية القاعدة القانونية الدولية بالنسبة لجميع المخاطبين بها وبدون أدنى تمييز، والسيادة كمفهوم سياسي بمعنى القدرة الفعلية أو الحقيقية للدولة على رفض الخضوع لأي سلطة أخرى غير سلطتها هي، بالضبط مثل مفهوم المواطنة في الداخل. فقد تكون الدولة مستقلة قانونا، ولكنها عاجزة عن إشباع احتياجات مواطنيها؛ وهو ما يعرضها لضغوط وتأثيرات بعض الدول الأخرى؛ الأمر الذي يجعل استقلالها منقوصا، وبالتالي تعجز عن مباشرة بعض مظاهر سيادتها. وفي ظل العولمة تخضع الحياة الاقتصادية والسياسية أكثر فأكثر لتأثير قوى السوق، وهذه بدورها تخضع لتأثير مصالح الشركات المحلية والدولية أكثر مما تخضع لأوامر الدولة.
ومن بين التطورات الدولية التي صاحبت العولمة تغير هيكل النظام الدولي من نظام ثنائي القطبية إلى نظام أحادي القطبية وذهب البعض إلى أن النظام أحادي القطبية يؤدي إلى انتهاك سيادات الدول. وعلى سبيل المثال لم يكن من الممكن أن يحدث لسيادة العراق ما يحدث لها الآن من اتتهاكات لو استمر النظام الدولي الثنائي القطبية. ومن التغيرات الأخرى المصاحبة للعولمة الثورة الهائلة في وسائل الاتصال، فقد ترتب عليها تقريب غير معهود للمسافات بين مختلف مناطق العالم، وأدى ذلك إلى أن أي حدث يقع في أي منطقة من العالم يكون له صداه في غيره من المناطق دونما اعتبار للحدود السياسية أو لمبدأ السيادة الإقليمية. وترتب على ذلك العديد من المظاهر السلبية تجاه سيادة الدولة، فلم تعد هناك خطوط فاصلة بين الشأنين الداخلي والخارجي وأصبحت الدولة مسئولة مسئولية دولية مباشرة ليس فقط عن أفعالها غير المشروعة التي يترتب عليها حدوث ضرر مادي للدول الأخرى أو لمواطني هذه الدول، وإنما تسأل أيضا عن أفعالها المشروعة التي تصدر عنها إعمالا لمبدأ السيادة وفي نطاقها الإقليمي التي يترتب عليها حدوث ضرر للغـير.
السيادة الوطنية.. رؤية مستقبلية
ماذا عن احتمالات المستقبل؟ وإلى أي مدى يمكن القول بأن فكرة السيادة الوطنية بسبيلها الآن إلى التلاشي أو الانهيار في ظل أوضاع التواصل المستمر والاعتماد المتبادل المتنامي بين مختلف مناطق العالم وليس فقط بين دولة؟.
يمكن الإجابة على هذا السؤال بشقيه في نقطتين: أولاهما أن الاتجاه نحو تقليص دور السيادة الوطنية في نطاق العلاقات الدولية المتبادلة سيأخذ في الاطراد والتزايد علي الأقل خلال المستقبل المنظور ويعزى ذلك إلى كون أن العديد من التطورات التي سلفت الإشارة إليها لا تزال فعالة ومؤثرة في تشكيل بنية النظام الدولي في وضعه الراهن.
أما النقطة الثانية التي نود الإشارة إليها هنا، وفي معرض الإجابة عن السؤال المطروح، فمؤداها أن التسليم بالاستنتاج السابق ينبغي ألا يفهم منه أن مبدأ السيادة الوطنية -وفكرة الدولة القومية من أساسها- بسبيله إلى الاختفاء، فالراجح حتى الآن هو أن التطورات الراهنة في النظام الدولي لن تأتي على المبدأ المذكور تماما فالسيادة الوطنية ستظل باقية ما بقيت الدولة القومية ذاتها وتقديرنا أنه لم يجرؤ أحد حتى الآن على القول بأن هذه الدولة القومية ستنهار، بل إن العكس يبدو أنه الصحيح وأن أقصى ما يمكن لهذه التطورات الجارية في النظام الدولي المعاصر أن تفعله هو أن تنال من طبيعة الوظائف أو الأدوار التي تضطلع بها الدولة بالمقارنة بما كان عليه الحال في ظل النظام الدولي التقليدي. وطالما بقيت الدولة فستبقى معها رموزها الأساسية ومنها مبدأ السيادة ولكن بعد تطويعه بما يتناسب والأوضاع والظروف الدولية المستحدثة.
وان كان هذا لا يمنع أن نتناول طرح المفكرين والباحثين لرؤى مستقبل السيادة الوطنية في ضوء المتغيرات الحادثة خاصة العولمة. وقد وضع الباحثون أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل السيادة الوطنية هي:
1- سيناريو اختفاء السيادة:
يرى أنصار السيناريو أنه كما حلت الدولة محل سلطة الإقطاع تدريجيا منذ نحو خمسة قرون، سوف تحل اليوم الشركة متعددة الجنسيات تدريجيا محل الدولة والسببان الشركات متعددة الجنسية تسعى خلال تلك المرحلة إلى إحداث تقليص تدريجي في سيادة الدول، بما يؤدي إلى اختفاء مفهوم السيادة، ثم الدولة القومية ذاتها في مرحلة لاحقة، وستكون الوظيفة الجديدة للدولة خدمة المصالح المسيطرة وهي في الأساس مصالح الشركات الدولية العملاقة.
والواقع أن فكرة تلاشي سيادة الدولة، ثم اختفاء الدولة القومية في مرحلة لاحقة من الأفكار الشائعة في تاريخ تطور الفكر السياسي، حيث قالها ماركس والفوضويون ومع ذلك لم تنته السيادة ولم تتلاش الدولة القومية.
2- سيناريو استمرارية السيادة:
يرى أنصار هذا السيناريو أن التطورات الراهنة في النظام الدولي لن تأتي على السيادة تماما؛ فالسيادة الوطنية ستظل باقية ما بقيت الدولة القومية ذاتها، وأقصى ما يمكن للتطورات الجارية في النظام الدولي المعاصر أن تفعله هو أن تنال من طبيعة الوظائف أو الأدوار التي تضطلع بها الدولة بالمقارنة بما كان عليه الحال في ظل النظام الدولي التقليدي.
3- سيناريو الحكومة العالمية:
يذهب هذا السيناريو إلى أن هناك تغييرا سيحدث في مفهوم السيادة الوطنية، حيث ستتنازل الدولة القومية عن سيادتها لصالح حكومة عالمية منبثقة من نظام عالمي ديمقراطي، حيث تغير العولمة طرح فكرة الحكومة العالمية ليس باعتبارها حلا بعيد المنال وإنما باعتبارها عملية في طور التكوين.
4- سيناريو التفكيكية:
يتوقع أنصار هذا السيناريو أن الدول القومية لن تكون قادرة على مباشرة مظاهر سيادتها على إقليمها بسبب تفككها إلى عشرات وربما إلى مئات من الدول القومية الصغيرة، تارة تحت دعوى التعبير عن هويات من حقها أن تعبر عن نفسها، وتارة أخرى تحت دعوة توطيد صلة المواطنين بالسلطة، وربما احتجاجا على تحيز النظام الدولي الجديد لجماعات دون أخرى، وعلى الرغم من تزايد الحروب الأهلية والنزعات الانفصالية؛ وهو ما يجعل حدوث هذا السيناريو محتملا، فإن ثمة تحفظات أخرى تلاحقه، فلا بد أن قوى مضادة ستعمل على مرحلة هذا السيناريو بسبب خطورته الشديدة.
خلاصــة:
نخلص إلى عدة حقائق قائمة على البحث التاريخي في تطور مفهوم السيادة، أهمها أن مبدأ السيادة دائم مستمر لا يتغير، إلا أن صورتها وحقيقتها والمسئوليات التي تنهض بها تتغير مع الزمن أو يعاد توزيعها. ولا تعني التطورات الحادثة الآن نهاية مفهوم السيادة، ولكن تعني أن السيادة قد تغير مفهومها وتم إعادة توزيعها.. فقبل الثورة الفرنسية كانت السيادة ملكا للأباطرة والملوك ثم انتزعها الثوار ومنحوها للشعب، وصاحب ذلك موجة عارمة من استغلال الشعوب اعتدادها بنفسها. أما التطورات العالمية الحالية فقد أدت إلى تدويل السيادة وتوسيع نطاقها بحيث لم تعد خاصة بالشعب والدولة وحدها ولكن يشارك فيها المجتمع الدولي ممثلا في القوى المتحكمة به.
أما ما يشار إليه في الفقه القانوني عادة بمبدأ المساواة في السيادة أو مبدأ المساواة بين الدول المستقلة ذوات السيادة، فإنما هو مبدأ نظري ويكاد يكون العمل في الغالب والواقع على غير ذلك.
ومؤدى ذلك أن السيادة ترتبط ارتباطا وثيقا من حيث طبيعتها ومدى اتساع أو ضيق نطاق تطبيقها بقدرات الدولة وإمكاناتها الذاتية، أي أن القوة -باختصار- شرط من شروط ممارسة السيادة والحفاظ عليها، وهو ما يثير في النهاية قضية العدالة الدولية على كافة الأصعدة، لكن هذا بداية جدل آخر يستحق بحث منفصل.
________________________________________
** باحثة في العلوم الاجتماعية والإعلام – مصر.

يصف المحللون اليبرالية بأنها أيدلوجية قابلة للتأويل لها مائة وجه، تجيد المراوغة والتحول وتوظف المفاهيم الإنسانية الكبرى والقيم النبيلة من أجل تحقيق منافع مباشرة اقتصادية بالأساس، حتى يحار المرء في فهمها وتحديد موقف محدد منها، ففي الفكر والنظرية تسمو قيم الحرية والفردية لكن في التطبيق تتلاشى الحريات ويسود السوق وتهيمن الرأسمالية المتوحشة. ورغم الالتباس والجرائم الكبرى تجد منظومة الليبرالية لديها من الكبرياء ما يدفعها للزعم بأنها الحل التاريخي والإجابة الأبدية لأسئلة المجتمع والدولة كما في أطروحة نهاية التاريخ لفوكوياما، في حين لا يرى فيها نقادها إلا نسقا مثاليا تأكله آليات الاقتصاد فيستعصي جوهره كرؤية للتحرر والتحقق الفردي على التطبيق.
وتذهب معظم الكتابات إلى أن استخدام مصطلح "ليبرالي" بدأ منذ القرن 14، ولكنه كان يحتمل معاني متعددة ودلالات شتى، فالكلمة اللاتينية liber تشير إلى طبقة الرجال الأحرار، أي أنهم ليسوا فلاحين مملوكين أو عبيدا. والكلمة كانت ترادف "الكريم" أي "ليبرالي" أو سخي في تقديمه لمعونات المعايش للآخرين. وفي المواقف الاجتماعية كانت الكلمة تعني "متفتحا" أو ذا عقل وأفق فكري رحب. وترتبط الكلمة كثيرا بدلالات الحرية والاختيار.


ويليام جلادستون
لكن الليبرالية بمفهومها السياسي لم تظهر إلا في أوائل القرن 19، وأول استخدام كان في أسبانيا في عام 1812، وبحلول الأربعينيات من ذلك القرن كان المصطلح قد صار واسع الانتشار في أوربا؛ ليشير إلى مجموعة من الأفكار السياسية المختلفة. ولكن في إنجلترا انتشر المصطلح ببطء برغم أن الأعضاء ذوي الشعر المستعار Whigs (أعضاء حزب بريطاني مؤيد للإصلاح) أطلقوا على أنفسهم "الليبراليون" أثناء الثلاثينيات من القرن 18، وكانت أول حكومة ليبرالية هي حكومة جلادستون Gladstone التي تولت الحكم عام 1868.
ولم تظهر الليبرالية كمذهب سياسي قبل القرن 19، ولكنها قامت كأيدلوجية على أفكار ونظريات تنامت قبل ذلك بـ300 عام، حيث نشأت الأفكار الليبرالية مع انهيار النظام الإقطاعي في أوربا والذي حل محله المجتمع الرأسمالي أو مجتمع السوق.
كانت الليبرالية تعكس آمال الطبقات المتوسطة الصاعدة التي تتضارب مصالحها مع السلطة الملكية المطلقة والأرستقراطية من ملاك الأراضي، وكانت الأفكار الليبرالية أفكارا جذرية تسعى إلى الإصلاح الجذري وفي بعض الأوقات إلى التغيير الثوري. فالثورة الإنجليزية في القرن 17 والثورات الأمريكية والفرنسية في أواخر القرن 18 كانت تحمل مقومات ليبرالية رغم أن المصطلح لم يستخدم حينذاك بالمفهوم السياسي. وقد عارض الليبراليون السلطة المطلقة للحكم الملكي والذي قام على مبدأ "الحق الإلهي للملوك"، ونادى الليبراليون بالحكم الدستوري ثم لاحقا بالحكومة التمثيلية أو البرلمانية. وانتقد الليبراليون الامتيازات السياسية والاقتصادية لدى ملاك الأراضي والنظام الإقطاعي الظالم، حيث كان الوضع الاجتماعي يحدد حسب "المولد". كما ساندوا الحركات السياسية التي تنادي بحرية الضمير في الدين وتتشككوا في السلطة المستقرة للكنيسة.
ويعتبر القرن 19 في كثير من الجوانب قرنا ليبراليا، حيث انتصرت الأفكار الليبرالية مع انتشار التصنيع في البلدان الغربية. ويؤيد الليبراليون النظام الاقتصادي الصناعي واقتصاد السوق الخالي من تدخل الحكومة، حيث يسمح فيه بمباشرة الأعمال للحصول على الربح وتسود فيه التجارة الحرة بين الدول بدون قيود. فهذا النظام -نظام الرأسمالية الصناعية- نشأ في البداية في إنجلترا في منصف القرن 18، وأصبح راسخا في أوائل القرن 19، ثم انتشر في أمريكا الشمالية ثم غرب أوربا وتدريجيا طبق في أوربا الشرقية.
وقد حاول النموذج الرأسمالي الصناعي أثناء القرن العشرين التغلغل في الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وخاصة أن التنمية الاجتماعية والسياسية تم تعريفها بالمنظور الاقتصادي الغربي المتمثل في نظرية التقدم المادي، ولكن العديد من البلدان النامية قاومت الليبرالية لارتباطها بالنظم الاستعمارية من جهة ولقوة الثقافة السياسية التقليدية في الدول حديثة الاستقلال التي تناصر الجماعية وليس الفردية؛ ولذلك كانت تربة خصبة لنمو الاشتراكية والقومية أكثر من الليبرالية الغربية.
ولقد نجحت اليابان في تطبيق الرأسمالية، ولكنها قامت على التعاونية وليست الفردية؛ فالصناعة اليابانية تتأسس على الأفكار التقليدية من وفاء للجماعة والشعور بالواجب الأخلاقي وليس السعي لتحقيق المصلحة الذاتية للفرد وحسب.
وقد اقترنت النظم السياسية الغربية بأفكار وقيم الليبرالية، وهي نظم دستورية حيث تحد الدساتير من سلطة الحكومة وتحافظ على الحريات المدنية، كما أنها تمثيلية أو برلمانية أي أن الصعود إلى المناصب السياسية يتم من خلال انتخابات تنافسية.
وقد شهد التحول للديمقراطية الغربية صعودا في بعض الدول النامية في الثمانينيات، ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت محاولات تحول ديمقراطي أيضا في أوربا الشرقية.
ونلاحظ أنه في بعض الحالات ورثت دول أفريقية وآسيوية الأسلوب الغربي للحكم الليبرالي من حقبة ما قبل الاستقلال، ولكن بدرجات نجاح متفاوتة، فعلى سبيل المثال تُعَد الهند أكبر النظم الديمقراطية الحرة في العالم الثالث، لكن في أماكن أخرى سقطت النظم الديمقراطية الليبرالية؛ بسبب غياب الرأسمالية الصناعية كأساس اقتصادي وغلبة التحالفات العشائرية، أو بسبب طبيعة الثقافة السياسية المحلية، ففي مقابل الثقافة السياسية في معظم الدول الغربية القائمة على أساس وطيد من القيم الليبرالية الرأسمالية مثل حرية التعبير المطلقة وحرية الممارسة الدينية (أو الروحية الانتقائية العلمانية) والحق المطلق في الملكية، كمبادئ مستمدة من الليبرالية وراسخة في أعماق المجتمعات الغربية نادرا ما تواجه أي تحدي أو مسائلة، نجد في دول العالم الثالث مكانة مركزية للدين واحترام للجماعة وقيمها يحدد مجالات الحرية الفردية، ومكانة للولاء الأسري والعشائري تحفظ القيم الجماعية.
ولقد ناقش بعض المفكرين السياسيين -الناقدين والمؤيدين على حد سواء- العلاقة الحتمية بين الليبرالية والرأسمالية. فيرى الماركسيون مثلا أن الأفكار الليبرالية تعكس المصالح الاقتصادية للطبقة الحاكمة من أصحاب رأس المال في المجتمع الرأسمالي؛ فهم يصورون الليبرالية على أنها النموذج الكلاسيكي للأيديولوجية البرجوازية. وعلى الجانب الآخر يرى مفكرون مثل فريدريك حايك Hayek أن الحرية الاقتصادية -الحق في الملكية وحرية التصرف في الملك الخاص- هي ضمانة هامة للحرية السياسية؛ لذلك في رأي حايك لا يتحقق النظام السياسي الديمقراطي الحر واحترام الحريات المدنية إلا في نطاق النظام الاقتصادي الرأسمالي.
ولا شك أن التطورات التاريخية في القرنين 19 و20 قد أثرت في مضمون الأيديولوجية الليبرالية، فتغيرت ملامح الليبرالية مع نجاح الهيمنة السياسية والاقتصادية لدى الطبقات المتوسطة الصاعدة، كما أن السمت الثوري لليبرالية في بواكيرها منذ القرن السادس عشر تجاه واقعها تلاشى مع كل نجاح ليبرالي، فأصبحت الليبرالية أكثر محافظة وأقل سعيا للتغير والإصلاح وتميل للحفاظ على المؤسسات القائمة الليبرالية. ومنذ أواخر القرن 19 ومع تقدم الصناعة والتصنيع بدأ الليبراليون في إعادة النظر ومراجعة الأفكار والمفاهيم الليبرالية الكلاسيكية لتنشأ ليبرالية.. جديدة.
فبينما كان الليبراليون الأوائل يؤمنون بتدخل الحكومة المحدود جدا في حياة المواطنين، يعتقد الليبراليون الجدد أن الحكومة مسئولة عن تقديم الخدمات الاجتماعية في مجالات الصحة والإسكان والمعاشات والتعليم، بجانب إدارة أو على الأقل تنظيم الاقتصاد. ومن ثَم أصبح هناك خطان من التفكير الليبرالي: الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الحديثة. ولذلك رأى بعض المحللين أن الليبرالية ليست أيديولوجية متماسكة، فهي تضم تناقضات بشأن دور الدولة، ولكن يمكن القول هنا إن الليبرالية في التحليل الأخير -مثل جميع الأيديولوجيات السياسية- قد تعرضت للتطور في مبادئها الرئيسية، وذلك مع التغيرات التاريخية المحيطة، فلا يوجد أيديولوجية سياسية جامدة أو متوحدة، فكلها تحتوي على مجموعة من الآراء والاجتهادات التي قد تتعارض أو تتناقض. وبالرغم من ذلك هناك تماسك ووحدة ضمنية في قلب الفكر الليبرالي، وذلك في الالتزام الأساسي بحرية الفرد والمبادئ التي تترتب على مذهب الفردية.
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الجوهر الليبرالي: فردانية القيم والتصورات
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



جون لوك
الليبرالية -بدرجة كبيرة- هي أيديلوجية الغرب الصناعي، والمفاهيم الليبرالية تبدو غير منفصلة عن الحضارة الغربية على الوجه العام.
وقد تم تصوير الليبرالية مؤخرا في كتابات أنصارها بأنها ليست فقط أيديولوجية بل ما وراء - أيديولوجية ****-Ideology، فهي مجموعة من القواعد تضع أرضية للنقاش السياسي والفكري، وذلك يبين أن الليبرالية تعطي الأولوية لما يوصف بـ"الحق الفردي" على ما هو "فاضل أو صالح"، أي أنها تسعى إلى توفير حياة "جيدة" للناس والجماعات حسب تعريفهم هم الفرداني لما هو جيد، وذلك دون أن تضع أو تفرض أي مفهوم للصلاح أو الفضيلة. وفي مواجهة الانتقاد القائل بأن الليبرالية محايدة من الناحية الأخلاقية يؤكد أنصارها أن أفكارها وقيمها لهذا السبب ذات جاذبية عالمية، فلا أحد يخاف قدوم الليبرالية؛ لأنها تتعامل مع مصالح أعضاء المجتمع بتساوٍ، ويؤكدون أن الليبرالية ليست أبدا فلسفة "افعل ما بدا لك!"، فبالرغم من أن الليبرالية تشجع الانفتاح والمناقشة وحرية الإرادة فهي تتسم كذلك باتجاه أخلاقي قوي، ويتجسد الموقف الأخلاقي لليبرالية في نظرهم في التزامها بمجموعة من القيم والمبادئ المتميزة، وأهم محاورها يدور حول ما يلي:
 الفرد
 الحرية
 العقل
 العدالة
 التسامح
مركزية الفرد


ايمانويل كانط
يعتبر مفهوم الفرد في العالم الحديث مفهوما مستقرا لدرجة أن أهميته السياسية تؤخذ أحيانا كإحدى المُسَلمات، فالليبرالية طورت ما كان عليه المفهوم في الحقبة الإقطاعية، حيث ساد إدراك للفرد باعتباره ليس لديه مصالح خاصة به أو هوية متفردة، فكان ينظر إلى الناس باعتبارهم أعضاء في مجموعات اجتماعية ينتمون إليها كالأسرة والقرية والمجتمع المحلي أو الطبقة الاجتماعية، فحياتهم وهويتهم كانت تتحدد بدرجة كبيرة بحسب صفات تلك المجموعات، وذلك في عملية تغير طفيف من جيل إلى آخر، وعندما انهار النظام الإقطاعي واجه الأفراد نطاقا أوسع من الخيارات والإمكانات الاجتماعية، وأتيح لهم لأول مرة التفكير الفردي المطلق وبشكل شخصي بحت، فمثلا الفلاح المملوك الذي عاشت وعملت أسرته في نفس قطعة الأرض أصبح الآن رجلا حرا لديه القدرة على اختيار عمله وصاحب العمل، وأن يترك الأرض ليبحث عن عمل آخر في المدن الكبيرة.
ومع سقوط معطيات الحياة الإقطاعية ظهر أسلوب جديد من التفكير، فالتفسير العقلاني والعلمي بدأ تدريجيا يحل مكان النظريات الدينية التقليدية وأصبح النظر والتعامل مع المجتمع من زاوية الفرد وتحرره وليس الحفاظ على تضامن الجماعات الاجتماعية.
وقد انتشرت نظريات الحقوق الطبيعية في القرنين 17 و18 التي وظفت الخطاب الديني بشكل إيجابي ولم تتحدث عن قطيعة معه البتة، وذهبت إلى أن الله وهب الأفراد حقوقا طبيعية، يعرفها جون لوك بأنها "الحرية والحياة والملكية"؛ فالفرد وحده يمتلك هذه الحقوق لذلك فهو أهم من أي جماعة اجتماعية. ويعتبر أصحاب نظريات "الحقوق الطبيعية" أن وظيفة المجتمع يجب أن تكون حماية مصالح واحتياجات الفرد، وقد عبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804) عن اعتقاد مشابه لذلك بشأن كرامة ومساواة الأفراد، فهي غايات في حد ذاتها وليست طرقا لتحقيق أهداف الآخرين.
ويعتبر مبدأ أولوية الفرد على الجماعة الخط الرئيسي للفكر الليبرالي، حيث دفع بعض الليبراليين إلى تعريف المجتمع باعتباره "مجموعة من الأفراد يسعى كل واحد منهم لتحقيق مصالحه واحتياجاته". ويطلق على هذا الرأي المذهب "الذري"، حيث ينظر للأفراد كـ"ذرات متنافرة" بداخل المجتمع، ويؤدي هذا التفكير إلى أن استنتاج أن المجتمع نفسه غير موجود، بل هو "متخيل" فهو مجموعة من الأفراد المكتفين ذاتيا. وتقوم هذه الفردية المتطرفة على الافتراض بأن الفرد يتمركز حول الـ"أنا" فهو أساسا أناني ومعتمد على نفسه بدرجة كبيرة. ويصف ماكفيرسون Macpherson الليبرالية الأولى بأنها "فردية مِلكية"، فالفرد هو المالك، ويمتلك نفسه وقدراته الخاصة به وهو لا يدين بها للمجتمع. وقد تطورت هذه الرؤية وصار لليبراليين فيما بعد رأي آخر أكثر تفاؤلا بشأن طبيعة الإنسان يؤمن بأن الأفراد لديهم مسئولية اجتماعية إزاء بعضهم البعض خاصة الأفراد غير القادرين على رعاية أنفسهم (كالمسنين والمستضعفين والمعوقين). وسواء اعتبرت الليبرالية الفرد أنانيا أو غير أناني؛ فقد اجتمع الليبراليون على الرغبة في خلق مجتمع يكون فيه كل فرد قادرا على تنمية وتطوير قدراته لأقصى درجة ممكنة.
إن أهمية الفرد في مذهب الفردية تفوق أي جماعة اجتماعية أو كيان جماعي؛ فمن الناحية المنهجية لمذهب الليبرالية يكون الفرد مركز النظرية السياسية والتفسير الاجتماعي؛ فكل حديث عن المجتمع لا بد أن يكون من منطلق الأفراد الذين يشكلونه. وفي المقابل تقول الفردية الأخلاقية بأن المجتمع يجب أن يخدم الفرد، وبذلك يعطون أولوية للأخلاق الجماعية على حقوق واحتياجات ومصالح الفرد. هذا الموقف السابق يُعَد بمثابة موقف متميز عما ينادي به الليبراليون الكلاسيكيون واليمين الجديد من الأنانية الفردية التي ترتكز على المصالح الشخصية والاعتماد على النفس، بينما بلور الليبراليون الجدد هذا المفهوم بتأكيدهم على أهمية المسئولية الاجتماعية والإيثار جنبا إلى جنب مع مسئوليات الدولة الاجتماعية تجاه الأفراد.
الحرية


ايزيا برلين
من الطبيعي أن يؤدي الاهتمام الشديد بالفرد إلى المسئولية تجاه حريته. ويعتبر الليبراليون حرية الفرد القيمة السياسية العليا، فهي المبدأ الموحِد الجامع في الفكر الليبرالي الحر. وكانت الحرية لدى الليبراليون الأوائل حقا طبيعيا لازما للوجود الإنساني، فهي تعطي الأفراد الفرصة لتحقيق مصالحهم وممارسة حق الاختيار مثل اختيار السكن والعمل... إلخ، ورأى الليبراليون فيما بعد أن الحرية هي الشرط الوحيد الذي يمكن للأفراد من خلاله تنمية قدراتهم.
وبالرغم من ذلك لا يقبل الكثير من الليبراليين بالحرية المطلقة، فإذا كانت الحرية غير محددة المعالم فهي تصبح "ترخيصا يسمح بالإساءة للآخرين. وفي كتابه "عن الحريةOn Liberty "، يقول جون ستيوارت ميل: "إن المبرر الوحيد لممارسة القوة بشكل صحيح تجاه أي عضو في المجتمع المتحضر والتي تكون ضد إرادته هو منع الضرر عن الآخرين".
وكان "ميل" مؤيدا لمذهب التحررية، وممارسة أدنى حد من القيود على حرية الفرد. كما أنه فرق بين "الاهتمام بالمصلحة الشخصية" و"الاهتمام بالآخر" وهو ما يمثل حدا على حرية الآخرين أو إلحاق الضرر بهم، ويذهب ميل من الدفاع عن الحرية درجة رفض أي قيود على الفرد قد يتم تقنينها لمنعه من تدمير نفسه جسمانيا أو أخلاقيا، فهذا الأسلوب من التفكير يرفض القوانين التي تجبر سائقي العربات على ربط حزام الأمان أو سائقي الدرجات البخارية ارتداء الخوذة، ويساويها تماما بالرقابة التي تمنع الأفراد من القراءة أو الاستماع إلى رأي ما. بل ويدافع أصحاب الفكر التحرري المتطرف عن حق الفرد في فعل ما يشاء بما في ذلك تناول المخدرات(!)
وفي حين نجد أن الليبراليين يتفقون على قيمة الحرية فإنهم يختلفون في دلالات هذه الحرية في وعي الفرد. ففي كتابه "مفهومان للحرية" فرق أيزيا برلين Isaiah Berlin بين النظرية السلبية والنظرية الإيجابية للحرية. وقد كان الليبراليون الكلاسيكيون يؤمنون أن الحرية هي قدرة الشخص على التصرف بالشكل الذي يختاره، وكان هذا المفهوم للحرية مفهوما سلبيا، حيث إنه قائم على غياب القيود الخارجية على الفرد. وفي المقابل يسعى الليبراليون الجدد إلى مفهوم أكثر إيجابية للحرية، وحسب تعريف برلين هي القدرة على أن يكون الفرد سيد نفسه ومستقل بذاته، وتتطلب السيادة على الذات أن يكون الفرد قادرا على تنمية مهاراته ومواهبه وعلى اتساع فهمه وتفهمه وعلى الوصول إلى الإنجاز والرضا. وتعني الحرية في فكر جون ستيورت ميلا أكثر من مجرد التحرر من القيود الخارجية؛ فهي قدرة الأفراد على التطور. وفي النهاية تحقيق الذات بما يتفق مع رغباتهم. وتلك المفاهيم المختلفة بل والمتعارضة للحرية أثارت الجدل الأكاديمي داخل المذهب الليبرالي فتبنى الليبراليون آراء مختلفة، بالتالي حول العلاقة المنشودة بين الفرد والدولة.
العقل


جيرمي بنثام
وترتبط الحرية في الفكر الليبرالي بالعقل؛ إذ يعتبر المذهب الليبرالي جزءا من مشروع التنوير، فالفكرة المركزية والرئيسية في رؤية التنوير هي تحرير البشرية من قيود "الخرافة والجهل" وإطلاق العنان لعصر العقل، وكان من أهم المفكرين في عصر التنوير جان جاك روسو بفرنسا وإيمانويل كانط بألمانيا وآدم سميث وجيرمي بانثام بإنجلترا. وقد أثرت عقلانية عصر التنوير في المذهب الليبرالي في كثير من الموضوعات، فهي في المقام الأول دعمت الاعتقاد في مركزية الفرد وحريته، فبقدر عقلانية الإنسان ككائن رشيد يكون قادرا على تحديد مصلحته والسعي وراء منفعته الشخصية. ولا يؤمن الليبراليون بأن الإنسان معصوم من الخطأ، ولكن الليبرالية دعمت الفرد بقوة في مواجهة "الأبوية". ورأت أنها لا تمنع الأفراد من اختيارهم الشخصي الحر وحسب، بل إنها لا تساعدهم على التعلم من الأخطاء، كما أنها تتيح لأصحاب السلطة الأبوية إساءة استخدام وضعهم لتحقيق أغراضهم الخاصة.
وقد ورث الليبراليون عن العقلانية التنويرية أيضا إيمانها الشديد بفكرة "التقدم" التي تعني لديهم التوسع في المعرفة فيمكن الناس من خلال الثورة العلمية ليس فقط فهم وتفسير العالم بل تشكيله أيضا للأفضل. وبإيجاز تعطي سلطة العقل الإنسان القدرة على تحمل مسئولية الإنسان عن نفسه وحياته وتقرير مصيره، وبذلك تحرر العقلانية الفرد من قبضة "الماضي" ومن ثقل "العادات والتقاليد"، ويتقدم كل جيل عن الجيل الذي سبقه فيزداد ميراث المعرفة والفهم تصاعديا. وهو ما يفسر التأكيد الليبرالي على التعليم، فيمكن للناس تحسين أوضاعهم من خلال الحصول على المعرفة وهجر "الخرافات" و"التعصب"، فالتعليم في حد ذاته خير، فهو وسيلة حيوية للارتقاء والتنمية الذاتية للفرد.
وإذا كان التعليم على واسع النطاق فهو يحقق إنجازات تاريخية واجتماعية.
ولعبت العقلانية دورا هاما في التركيز على أهمية المناقشة والمناظرة والجدل. وبينما يحمل الليبراليون عموما نظرة تفاؤلية بصدد الطبيعة الإنسانية ويرون الإنسان كائنا عاقلا؛ فإنهم لم يذهبوا إلى حد وصف الإنسان بالمثالية والكمال؛ لأنهم أدركوا جيدا تأثير المصالح الشخصية وصفات الأنانية، وأن النتيجة الحتمية لذلك هي التنافس والصراع؛ لذا يتعارك الأفراد من أجل الموارد النادرة، وتتنافس الأعمال لزيادة الأرباح، وتناضل الأمم من أجل الأمن أو الحصول على ميزة إستراتيجية وهكذا. ولكن يفضل الليبراليون تسوية هذه الصراعات من خلال المناقشة والتفاوض. ومن أهم ميزات العقل أنه يعطي أساسا جيدا لتقييم المطالب والدعاوى المتنافسة إذا كانت منطقية.
ويمكن القول بأن العقلانية هي الاعتقاد في أن العالم لديه تكوين منطقي يمكن كشفه من خلال الممارسة العقلية للفرد والبحث النقدي، ومن حيث النظر المعرفي فالعقلانية هي تدفق المعرفة من العقل باتجاه العالم وليس العكس، والتجربة مجرد أداة. وأبرز من كتب في العقل والمعرفة كانط؛ وهو ما يختلف عن المنحى التجريبي الذي ساد لدى الليبراليين وكان مؤسسا على فكر ديكارت.
ومن حيث المبدأ العام تؤكد العقلانية على قدرة الفرد على فهم وتفسير الظواهر وعلى حل المشكلات. لكن العقلانية لا تلقن الغايات لسلوك الإنسان، بل تقترح أساليب الوصول إلى تلك الغايات دون الاعتماد على العرف أو التقليد أو اتباع الأهواء والرغبات.
العدالة
ترمز العدالة إلى نوع خاص من الحكم الأخلاقي يتعلق بالثواب والعقاب؛ فالعدالة هي إعطاء كل فرد ما يستحقه. والعدالة الاجتماعية تعني توزيع المنافع المادية في المجتمع مثل الأجور والأرباح، وتوفير متساوٍ للاحتياجات الأساسية من إسكان ورعاية طبية... إلخ.
وتقوم النظرية الليبرالية للعدالة على الالتزام الصارم بالمساواة بشكل شكلي. وإذا كان التعامل مع الناس في المقام الأول يقوم على اعتبارهم أفرادا، فإن لهم الحق في نفس الحقوق ونفس الاحترام. ويؤمن الليبراليون بالعالمية Universalism، أي أن كل الناس في كل مكان لديهم معالم مشتركة أو عالمية فهم يتساوون في القيمة الأخلاقية، ويتمتع كل الأفراد والناس بحقوق متساوية بحكم إنسانيتهم، فلهم حقوق طبيعية وإنسانية. فيجب ألا تقتصر الحقوق على طبقة ما أو جنس محدد، وبالتالي يرفض الليبراليون بشدة أية امتيازات يتمتع بها جماعة دون الأخرى على أساس من النوع أو الجنس أو اللون أو المذهب أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. ويجب أن يكون الناس متساوين أمام القانون وأن يتمتعوا بحقوق سياسية ومدنية واحدة.
وينادي الليبراليون بالمساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي وتحسين وضعه بجهده ودأبه. وذلك لا يعني أن تكون المساواة مطلقة بتدخل من الدولة كما في الاشتراكية؛ لأن الناس لم يولدوا متساوين، بل تختلف مهاراتهم ومواهبهم وبعضهم أكثر استعدادا لبعض الأعمال من غيرهم، ولكن يجب أن تكون أوضاع المعيشة والظروف الاجتماعية الأساسية الدنيا واحدة للجميع.. فمن الضروري مكافأة من يستحق ويجتهد، فالحوافز تساعد الأفراد على العطاء وتحقيق الذات وتنمية المواهب؛ لذلك فالمساواة من المنظور الليبرالي هي أن يكون لدى كل الأفراد فرصة متساوية لتنمية قدراتهم ومهاراتهم غير المتكافئة.
وتحدث الليبراليون عن حكم من يستحق Meritocracy (أي حكم ذوي الإمكانيات والموهبة)؛ فالمجتمع الذي يحكمه هؤلاء -وليس الحكم القائم على عوامل خارج إرادة البشر مثل الحظ أو الفرصة- يعتبر مجتمعا عادلا لأن معاملة الناس فيه ليست بحكم الجنس أو لون البشرة أو الدين، بل تكون حسب قدراتهم واستعدادهم للعمل. والمكانة والثروة الموروثة لا تتفق مع مبادئ الحكم بالاستحقاق، لكن معظم الليبراليون يقبلون فكرة الميراث؛ لأنه على الجانب الآخر منع توارث الثروة يعني التدخل في حق الفرد صاحب المال في التصرف في ملكه حسب اختياره الشخصي، وذلك يمثل إساءة لمبادئ الحرية.
ويختلف المفكرون الليبراليون في كيفية تطبيق العدالة الاجتماعية؛ ففي كتابه "نظرية في العدالة" يرى جون رولز أن الناس في حاجة إلى مكافأة عن العمل الذي يقومون به؛ لذلك تكون بعض الأساليب الاقتصادية المتباينة ضرورية لتعطي حافزا للأفراد، ولكنه يرى أن يطبق ذلك فقط لمصلحة الطبقات الأكثر فقرا وأقل ميزة في المجتمع. وفي رأيه أن العدالة الاجتماعية تفهم كمرادف لمفهوم القسط Fairness وباتجاه المساواة. فالثروة في المجتمع العادل يجب أن يعاد توزيعها من خلال نظام للشئون الاجتماعية وذلك لمصلحة الأقل غنى. وعلى النقيض يأتي روبرت نوزيك في كتابه "اللاسلطوية والدولة واليوتوبيا"؛ ليكون صدى للأفكار التحررية التي تبناها جون لوك في القرن 17. ويذهب نوزيك إلى أن أي توزيع للثروة حتى لو كان غير عادل فإنه يعتبر -اجتماعيا- عدلا طالما طبقت قواعد معينة "للحفاظ على العدالة" والتي تتضمن شرط الحصول على الملك بطريقة عادلة في المقام الأول -بدون سرقة أو تعدي على حقوق الآخرين- وأن تكون قد انتقلت بشكل عادل من شخص عاقل إلى آخر عاقل أيضا. وبناء على هذا يؤكد نوزيك على أهمية ألا ينتهك حق الملكية باسم العدالة الاجتماعية، ورفض بشدة فكرة إعادة توزيع الثروة.
تلك الآراء المتباينة حول العدالة الاجتماعية تكشف عن تعارض ضمني داخل الفكر الليبرالي حول أفضل الأوضاع لتحقيق المجتمع العادل. ويعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أن استبدال النظام الإقطاعي بالسوق والمجتمع الرأسمالي يساعد على إيجاد مناخ اجتماعي يمكن أن يزدهر فيه الفرد وينمي قدراته، فكل الناس سواء في عين القانون يتمتعون بفرصة متساوية للصعود في المجتمع. وقد رأى الليبراليون الجدد أن الرأسمالية غير المقيدة أدت إلى ظهور أشكال جديدة من غياب العدالة الاجتماعية وذلك بتمييز البعض على حسب البعض الآخر؛ لذلك يفضلون تدخل الحكومة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية من أجل ضمان وحماية الفرصة المتساوية، وبالتالي تحقيق مجتمع عادل.
التسامح


فولتير
تتسم أخلاقيات الليبرالية الاجتماعي بقبول التنوع الأخلاقي والثقافي والسياسي. فقد ردد الليبراليون كثيرا المقولة الشهيرة لفولتير (1694 - 1778) "أنا أكره ما تقول ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله!". فالحريات الأساسية التي تدعم النظم السياسية الديمقراطية -حرية التعبير والعبادة الدينية والتجمع... إلخ- كلها ضمانات لانتشار التسامح كثقافة. ويتفق معظم المعلقين السياسيين على أن الليبرالية تمضي يدا بيد مع التعددية، فيعتبر تعدد القيم والآراء والمصالح في حد ذاته قيمة وفضيلة. ونقيضه هو القمع السياسي أو انتشار الطاعة العمياء. لذلك ومن حيث المبدأ فإن الليبراليين ضد الرقابة أو أي وسيلة لمنع حرية التعبير في المجتمع، وضد أي ثوابت أيا كانت.
وهذا يفسر الاستياء العميق الذي شعر به الليبراليون في الغرب من الفتوى التي أدلى بها الإمام آية الله خوميني عام 1989 بإعدام الكاتب الإنجليزي سلمان رشدي عندما نشر كتابه "آيات شيطانية" والذي رأى فيه المسلمون إهانة لعقيدتهم الدينية.
ويعني التسامح التقبل، أي الاستعداد لترك الناس يفكرون ويتكلمون ويتصرفون بأسلوب قد لا يتفق المرء معه. ويعتبر التسامح لدى الليبراليين خلقا مثاليا ومبدأ اجتماعيا. ومن جانب آخر تمثل هذه القيمة هدف الاستقلال الفردي، وتضع قاعدة تحكم سلوك الأفراد مع بعضهم البعض.
وتعتبر كتابات جون ميلتون وجون لوك في القرن الـ17 حول الدفاع عن الحرية الدينية للمذاهب المختلفة أولى إرهاصات دعم الليبراليين لقيمة التسامح تجاه الآراء المخالفة. وفي كتابه "رسالة حول التسامح" رأى لوك أنه ما دمنا قبلنا أن وظيفة الحكومة هي حماية أسلوب الحياة والحرية والملكية؛ فالحكومة ليس لها الحق في التدخل في رعاية أرواح العباد؛ فذلك يلقي الضوء على تمييز الليبراليين الواضح بين ما هو "خاص" وما هو "عام". فيجب أن يمتد التسامح ليشمل الأمور الخاصة التي رأوا أنها تشمل الدين ومسائل الأخلاق التي يجب أن تترك للفرد.
وبالرغم من ذلك لم يكن مفهوم البعض -ومنهم لوك على سبيل المثال- للتسامح مطلقا؛ فهو لم يكن على استعداد لتطبيق التسامح على الكاثوليك الرومان، وكانوا في نظره خطرا على الهيمنة القومية بسبب مبايعتهم للبابا الذي هو أجنبي، كما يؤيد الليبراليون المعاصرون القوانين التي تمنع وتصادر الآراء المؤيدة للعنصرية مثلا، والقوانين ضد تشكيل الأحزاب السياسية المعادية للديمقراطية، ويرون أن انتشار تلك الآراء أو نجاح تلك الأحزاب يهدد مناخ التسامح الليبرالي. وعمليا نجد أنه في حين يساند الليبراليون حق المسلمين في نقد مضمون كتاب سلمان رشدي "آيات شيطانية"، فقد كانوا يؤيدون مقاضاة من يدافع علنا عن إعدام سلمان رشدي.
ويتعلق مفهوم التسامح وقبول الاختلاف والتنوع -في رأي الليبراليين- بقواعد المجتمع السوي غير الممزق بالنزاعات والصراعات. وبرغم أن الأفراد والجماعات الاجتماعية تسعى إلى تحقيق مصالح مختلفة، إلا أن هناك توازنا كامنا بين المصالح المتنافسة كما ذهب آدم سميث في حديثه عن "اليد الخفية"؛ فمثلا تختلف مصالح العمال وأصحاب الأعمال: فالعمال يريدون أجورا أفضل وساعات أقل وتحسين ظروف العمل - وأصحاب العمل يرغبون في زيادة أرباحهم عن طريق المحافظة على تكلفة الإنتاج المنخفضة والتي تشمل الأجور، ولكن يحتاج العمال إلى العمل وأصحاب العمل يحتاجون للعمالة، فتلك المصالح المتنافسة تكمل بعضها البعض، أو بمعنى آخر تعتبر كل مجموعة هامة لتحقيق أهداف المجموعة الأخرى. وقد يسعى الأفراد والجماعات وراء مصالحهم الذاتية، ولكن الموازنة الطبيعية تفرض نفسها. وقد أثر مبدأ الموازنة في تطور الأفكار الليبرالية من عدة جهات؛ فجعل بعض الليبراليين يوقنون بأن التوازن الطبيعي سيظهر في الحياة الاقتصادية، ويؤمنون بتوازن المصالح بين الجماعات المتنافسة في النظام السياسي، ويدافعون عن تصور أن السلام والانسجام ممكن بين شعوب العالم.
وهذا التركيز على التنوع والتسامح تعرض للكثير من النقد؛ فتصوير أنصار الليبرالية لها بأنها محايدة أخلاقيا ولا تفرض أي قيم أو عقائد معينة، بل فقط تخلق الظروف التي يمكن أن يعيش فيها أناس ذوو الأولويات الأخلاقية والمادية المختلفة في سلام ونجاح يجعلها تتجنب القيم المطلقة غير القابلة للتفاوض وغير قادرة على مواجهة واقع النزاع؛ فيكون القيد الوحيد على التنوع هو أن يكون كل طرف مؤهلا لتقبل آراء وتصرفات الآخرين، وهكذا يكون التسامح هو القيمة الجوهرية الوحيدة لدى الليبراليين. ويتمثل خطر هذا الوضع في أنه يؤدي إلى مجتمع خالٍ من الأخلاق وغير قادر على كبح جماح الجشع والأنانية. لذلك عاب المحافظون على الليبرالية أنها تقوم بدعم نسبية الأخلاق والثقافة، وفي نظرهم يؤدي غياب القيم الأساسية التي يقوم عليها بنيان المجتمع لجعل التفاعل المنظم والمتحضر مستحيلا لغياب الإجماع الأساسي اللازم لأي مجتمع. والنتيجة هي أن الناس يعلمون جيدا حقوقهم، ولكن لا يعترفون بأي واجب أو مسئولية. وفي العقود الأخيرة من القرن 20 تعرضت الليبرالية الفردية إلى نقد من قبل حركة المجتمعية السريعة الانتشار
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الليبرالية في القرن 21
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



فرانسيس فوكوياما
اتسم القرن 20 بإعلان الليبرالية انتصارها على مستوى العالم في مقولة فوكوياما الشهيرة حول نهاية التاريخ التي أغفلت جرائم الليبرالية الاقتصادية في حق الطبقات الدنيا وفي حق الشعوب غير الغربية، وقد عبر عن ذلك فوكوياما (1989) في قوله: "إننا نشاهد نهاية التاريخ وذلك في نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وعالمية الديمقراطية الليبرالية الغربية كآخر شكل للحكومة الإنسانية".
ومن السهل تأسيس هذه الفرضية على بعض الشواهد التاريخية؛ فبعد سقوط الفاشية في عام 1945 كانت الشيوعية السوفيتية البديل الرئيسي لليبرالية الغربية، ولكن حتى هذا النظام انهار باندلاع الثورات في دول أوربا الشرقية في الفترة 1989 - 1991 رافضة لمبادئ التخطيط والتدخل الحكومي. وأما في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يتم عملية دمقرطة النظم السياسية بانتشار التنافس الحزبي وتنامي الاتجاه نحو الإصلاح الاقتصادي القائم على السوق. وإذا كانت تلك العمليات المستمرة تعكس التفوق الواضح لليبرالية على الأيديولوجيات المنافسة (كنهاية للتاريخ كما تزعم النظرية)، أو أنه نتيجة لظهور نظام رأسمالي كوني تسيطر عليه شركات متعددة الجنسية (كما يحذرنا النقاد)، فالمستقبل يبدو لنا ظاهرا: سوف تنكمش الاختلافات الاقتصادية والسياسية تدريجيا في معدلات مختلفة لتلتقي جميعا على النموذج الليبرالي.
لكن الانتصار الليبرالي يواجه تحديات داخلية وخارجية جديدة. فداخليا تتعرض الليبرالية في المجتمع الغربي لنقد من قبل المفكرين الذين أعادوا اكتشاف أهمية المجتمع التراحمي. وظهرت "النظرية المجتمعية" كرد فعل لمساوئ الليبرالية الفردية. وعلى سبيل المثال رفض المفكران أليسدير ماك إنتير ومايكل ساندل الفردية على أنها سطحية ومعادية للجماعة الاجتماعية، حيث إنها تعامل الذات على أنها غير مسئولة تستمد هويتها من داخلها بدلا من العوامل الاجتماعية والتاريخية والثقافية المحيطة بها. ففي نظرهم أن الذات جزء لا يتجزأ من الممارسات والعلاقات الاجتماعية، كما أن العيب الذي يكمن في الليبرالية هو أنها غير قادرة على إنشاء سياسة الصالح العام؛ بسبب تركها للفرد اختيار الحياة التي تروق له والتي يستحسنها من مفهومه الشخصي. ويساعد هذا الفراغ الأخلاقي على تفكك المجتمع. ونظرا لعدم تقيدهم بالواجبات الاجتماعية والمسئولية الأخلاقية. ولا يهتم الأفراد إلا بمصالحهم وحقوقهم الشخصية؛ فعلى المدى الطويل قد يفقد المجتمع الليبرالي المنابع الثقافية لمراجعة الأنانية غير المقيدة أو لتعزيز التعاون والجهد الجماعي.
ويأتي التحدي الخارجي لليبرالية من خارج الغرب. فمع نهاية النظام العالمي الثنائي القطب الذي تمثل في الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي أفسح المجال لقوى جديدة غير ليبرالية كالتي ظهرت مع الديمقراطية الليبرالية. ففي أوربا الشرقية أثبتت الصحوة القومية التي يستمد منها الشعب القوة والثبات والأمن أنها أقوى من الليبرالية الحاسمة. وترتبط هذه القومية بالنقاء العرقي والسلطوية عنها بالمبادئ الليبرالية مثل إقرار المصير والكبرياء الحضري. كذلك ظهرت نماذج متنوعة من الأصولية في الشرق الأوسط وفي بعض مناطق أفريقيا وآسيا. وينتشر الإسلام السياسي عن الليبرالية في كثير من الدول النامية؛ لأنه قادر على تقديم موقف غير غربي بدلا من اتخاذ موقف ضد الغرب. وذلك بالإضافة إلى أن المناطق التي نجح فيها اقتصاد السوق لم تكن دائما قائمة على قيم ومؤسسات ليبرالية، فمثلا قد ترجع صحوة شرق آسيا إلى قدرة الكنفوشسية للمحافظة على الاستقرار الاجتماعي عنها إلى تأثير المبادئ الليبرالية مثل المنافسة والبقاء الذاتي.
وبدلا من الاتجاه نحو عالم ليبرالي موحد تتصف التنمية السياسية في القرن 21 بتنامي التنوع الأيديولوجي، وقد يكون الإسلام والكنفوشسية وحتى القومية السلطوية المنافسين الجدد لليبرالية الغربية. ويقول جون جراي صاحب كتاب "ما بعد الليبرالية": إن هذا المنظور ينبع من طور أكبر؛ ألا وهو انهيار المشروع التنويري الذي تعتبر الليبرالية جزءا منه. ويفترض هذا المشروع أن هناك مجموعة من المبادئ العقلانية قابلة للتطبيق العالمي يمكن أن ترسي أوضاعا تسمح للأفراد بالسعي وراء غايات غير متساوية. وتقع مهمة الليبرالية في إيجاد مؤسسات لتحقيق هذا الهدف، وهي تتمثل في الحكومة التمثيلية والتنافس الحزبي واقتصاد السوق لتحقيق حياة طيبة للفرد بدون خلل وانهيار اجتماعي.
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الليبرالية بين الكلاسيكية والحداثة
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



ديفيد ريكاردو
أثار ظهور ما يسمى بالليبرالية الجديدة الاهتمام يإعادة قراءة الليبرالية الكلاسيكية؛ فالحق أن تلك الليبرالية الجديدة هي عودة سلفية لمبادئ الليبرالية قبل أن تتفاعل مع الحقبة الاشتراكية فتهذبها وتتبنى بعض السياسات والأفكار التي تحترم المساواة وحقوق الرفاهة للمواطن خارج منافسة السوق.
فالليبرالية الكلاسيكية هي الليبرالية الأولى التي ظهرت في الفترة الانتقالية بين الإقطاعية والرأسمالية، وقد وصلت إلى أوجهها في بداية الفترة الصناعية من القرن 19؛ ولذلك في بعض الأحيان يطلق على الليبرالية الكلاسيكية "ليبرالية القرن التاسع عشر"، وكانت المملكة المتحدة مهد الليبرالية الكلاسيكية؛ حيث تقدمت وتطورت الثورات الرأسمالية والصناعية. لذلك تأصلت الأفكار الليبرالية بعمق في الدول الأنجلوساكسونية مثل المملكة المتحدة وأمريكا أكثر من باقي دول العالم.
وقد أخذت الليبرالية الكلاسيكية أشكالا كثيرة، ولكن تعتبر الحرية السلبية هي الصفة المشتركة بين تلك النماذج المختلفة؛ فالفرد حر إذا ترك في حاله بدون تدخل الآخرين بأي صورة؛ فمعنى الحرية هنا هو غياب القيود الخارجية على الفرد. فهذا التصور للحرية يفرق بشكل ملحوظ بين الدولة والفرد؛ فالدولة كيان ظالم لديه السلطة لعقاب المواطنين ومصادرة أملاكهم بدفع الغرامات وسلب حرياتهم بالسجن، وفي بعض الأحيان تقضي على حياتهم بالإعدام. فبالتالي قيام الدولة حتى ولو كان ذلك عن طريق العقد الاجتماعي يقتضي حتميا التضحية بحرية الفرد الذي سيفقد المقدرة على عمل ما يريده.
ولاقت تلك المبادئ الأولى انتعاشا وإقبالا شديدا في النصف الثاني من القرن 20. وكان تأثيرها ملحوظا مرة أخرى في المملكة المتحدة والولايات المتحدة حيث توجد صحوة معاصرة لليبرالية الكلاسيكية تحت اسم الليبرالية الكلاسيكية الجديدة أو الليبرالية الجديدة التي ظهرت كرد فعل للتدخل المتزايد للحكومة في الشئون الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الفترة ما بعد الحرب والتي تجلت في اليمين الجديد.
وتأثرت الليبرالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر بنظريات كبرى حول الطبيعة الإنسانية قام بوضعها أصحاب الفكر النفعي أمثال جيرمي بنثام وجيمس ميل. اعتبر بنثام فكرة الحقوق "هراء"، وسمى الحقوق الطبيعة "هراء على ركائز" واستبدلها بما يؤمن بأنه أكثر عملية وموضوعية؛ ألا أن الفرد يتحرك بدافع مصالحه الذاتية التي تعرف بالرغبة في اللذة والسعادة وتجنب الألم. فيرى بنثام وكذلك ميل أن الناس يحسبون قدر اللذة والألم الصادر من كل فعل وموقف؛ فبالتالي يختارون ما يبشر بأكبر قدر من اللذة والسعادة. ويؤمن المفكرون النفعيون أن السعادة والألم يمكن قياسهم بالمنفعة آخذين في الاعتبار الكثافة والمدة وهكذا، فالإنسان في رأيهم يتحرى أكبر قدر ممكن من النفع بالسعي وراء أكبر قدر من اللذة والسعادة وأقل قدر ممكن من الألم.
ومن الناحية الأخلاقية يمكن النظر إلى المنفعة لمعرفة "صحة" اتجاه السياسات والمؤسسات في توفيرها للسعادة، تماما كالفرد في قدرته على حساب أكبر قدر من السعادة الصادرة من الفعل؛ حيث يمكن الاستعانة بمبدأ "أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد" في السياسات لصالح المجتمع ككل. وفي أوائل القرن 19 في بريطانيا اجتمع حول بنثام مجموعة من المفكرين المتشددين فلسفيا وعرضوا عليه مجموعة وكبيرة من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والقانونية، وكلها ترتكز على فكرة المنفعة العامة.
فقد كان للنفعية أثر بالغ في الليبرالية وخاصة أنها تطرح فلسفة أخلاقية تفسر كيف ولماذا يسلك الفرد على النحو الذي هو عليه. كذلك تبنت الأجيال اللاحقة من الليبراليين التصور النفعي للإنسان على أنه مخلوق عقلاني يسعى وراء مصالحه الشخصية، وهي فكرة محورية وراء فكر الييبرالية الجديدة أيضا.
فيستطيع كل فرد في نظرهم تحديد أفضل مصالحه الخاصة دون غيره؛ فلا يمكن لغيره -الدولة مثلا- أن تفعل ذلك له. وحسب بنثام الناس تتحرك في إطار اللذة أو السعادة التي يتمتعون بها وبالطريقة التي يختارونها؛ فلا لأحد سواهم يمكن أن يحكم على نوع أو درجة سعادتهم. فإذا كان كل فرد هو الحكم الوحيد لما سيسعده؛ فالفرد وحده هو القادر على تحديد ما هو صحيح أخلاقيا.
والنظرية الاقتصادية الكلاسيكية تبلورت بالأساس في أعمال اقتصاديين سياسيين أمثال آدم سميث وديفيد ريكاردو (1770 - 1823). ويعتبر كتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث أول كتاب يدرس في علم الاقتصاد؛ فقد اقتبس سميث أفكاره عن الطبيعة الإنسانية بشكل ملحوظ من الافتراضات الليبرالية والعقلانية، وكان له إسهامه المؤثر في الجدل حول الدور المرغوب فيه للحكومة بداخل المجتمع المدني. ومثل جوانب أخرى من الليبرالية الأولى كان أول ظهور علم الاقتصاد السياسي الكلاسيكي في بريطانيا، حيث كان التحمس الشديد لأفكار ومبادئ هذا العلم التي تبنتها أيضا الولايات المتحدة.
كتب آدم سميث كتابه في وقت فرضت فيه الحكومة قيودا صارمة على النشاط الاقتصادي؛ فكانت المركنتلية النظام الاقتصادي المسيطر في القرنين 16 و17 حيث تدخلت الحكومات في الحياة الاقتصادية من أجل تشجيع التصدير والحد من الاستيراد. وجاء سميث ليقول بأن الاقتصاد يكون في أوج نشاطه مع عدم تدخل الحكومة. ففي رأيه الاقتصاد هو السوق أو سلسلة من الأسواق المتعلقة بعضها ببعض. وتعمل السوق حسب رغبات وقرارات الأفراد الأحرار، وإن الحرية في السوق هي حرية الاختيار: مقدرة المنتج على اختيار السلعة التي يصنعها، ومقدرة العمال على اختيار أصحاب الأعمال، ومقدرة المستهلك على اختيار السلع والخدمات للشراء. فالعلاقات في هذه السوق بين صاحب العمل والموظفين، وبين البائعين والمستهلكين علاقات تطوعية أو عقدية.
ويفترض الاقتصاديون الكلاسيكيون أن الأفراد يسعون وراء تحقيق مصالحهم الشخصية ماديا بدافع الرغبة في التمتع باللذة أو السعادة، وذلك عن طريق تكوين واستهلاك الثروة. وتقوم النظرية الاقتصادية لحد كبير على فكرة "الرجل الاقتصادي"، وهي أن الإنسان يسعى إلى أكبر قدر من المنفعة وذلك بالكسب المادي.
وبالرغم من أن الفرد موجه نحو مصالحه الشخصية يعمل الاقتصاد ككل تحت ضغوط غير بشرية ألا وهي قوى السوق التي تتفاعل بذاتها نحو الرخاء والرفاهية الاقتصادية. على سبيل المثال لا يمكن لأي منتج لسلعة أن يحدد ثمنها؛ فالسوق هي التي تحدد الثمن حسب عدد السلع المعروضة للبيع وعدد المستهلكين الراغبين في شرائها؛ فتلك هي قوى العرض والطلب. إن السوق تدير نفسها بنفسها من خلال آلية التنظيم الذاتي؛ فهي لا تحتاج إلى التوجيه الخارجي. ومن ثَم يجب ألا تتدخل الحكومة في السوق؛ لأنها تدار -على حد قول آدم سميث- "بيد خفية". وتعكس فكرة الإدارة الذاتية للسوق المبدأ الليبرالي بأن هناك توافقا طبيعيا بين المصالح المتضاربة في المجتمع. ويعمل أصحاب الأعمال والعمال والمستهلكون نحو تحقيق مصالحهم الشخصية، ولكن قوى السوق تضمن توافق تلك المصالح؛ فمثلا يحقق العمل التجاري ربحا إلا من خلال ما يرغب المستهلك شراءه.
وقد استخدم الاقتصاديون في المراحل اللاحقة فكرة "اليد الخفية" لشرح كيف أن المشكلات الاقتصادية -مثل البطالة والتضخم والعجز في ميزان المدفوعات- يمكن القضاء عليها من خلال آليات السوق؛ فمثلا تأتي البطالة نتيجة زيادة عدد المؤهلين للعمل عن الوظائف المتاحة أي عرض العمال يزيد عن الطلب لها. فتخفض قوى السوق من سعر العمالة أي أجورهم ، فمع انخفاض الأجور يمكن لصاحب العمل تعيين عدد أكبر من العمال وبالتالي تقل البطالة. لذلك تكون قوى السوق قادرة على القضاء على البطالة بدون تدخل الحكومة شريطة أن مستوى الأجور يكون مرنا مثل الأسعار الأخرى. وتؤدي السوق الحرة إلى كفاية اقتصادية، فمن أجل الربح لا بد أن تكون التكلفة منخفضة فالإسراف وعدم الكفاءة لا سبيل لهم في العمل الإنتاجي. في نفس الوقت تمنع المنافسة إمكانية الحصول على أرباح مبالغ فيها. إذا كانت الأرباح عالية بشكل غير عادي في مجال معين فذلك سيشجع المنتجين على دخول ذلك المجال، فبالتالي سيزيد الناتج وينخفض مستوى الأسعار والأرباح. وتنجذب الموارد الاقتصادية نحو أكثر الاستخدامات ربحا أي نحو مجال الإنتاج المتنامي والمزدهر وليس غير ذلك. وتعمل السوق بشكل إيجابي؛ لأنها دائما تسعى لتحقيق رغبات المستهلك، فالمستهلك هو المسيطر على زمام الأمور، ولكي تحافظ المؤسسات على ربحها العالي لا بد أن تعرف جيدا وتوفي حاجات ورغبات المستهلك. وبذلك وبشكل طبيعي تتحرك قوى السوق نحو رفع كفاءة وقوة الاقتصاد الذي يستجيب ذاتيا لأي تغيير في طلب المستهلك.
وأصبحت أفكار السوق الحرة اعتقادا اقتصاديا في المملكة المتحدة وأمريكا أثناء القرن 19. ووصلت مبادئ السوق الحرة ذروتها مع مبدأ laissez faire، أي "دعه يعمل" وذلك يعني أن الحكومة يجب ألا يكون لها دورا اقتصاديا وترك الاقتصاد وحده والسماح لأصحاب الأعمال مباشرة أعمالهم كيفما يروق لهم. ويتضارب هذا المبدأ مع قوانين المصنع مثل منع توظيف الأطفال والحد من ساعات العمل وأي لائحة من لوائح أوضاع العمل. وتقوم تلك الفردية الاقتصادية على فكرة السعي غير المقيد وراء الربح والذي في النهاية يؤدي إلى المنفعة العامة. واستمر مبدأ "دعه يعمل" قويا في المملكة المتحدة على مدى القرن 19 وكذلك في الولايات المتحدة حتى عام 1930، حيث لاقى معارضة حادة. وفي أواخر القرن 20، تم أحياء فكرة السوق الحرة أثناء إدارة ريجن في الولايات المتحدة وحكومات تاتشير وماجور في المملكة المتحدة. فمن المتوقع أن تقوم الدولتان بزيادة كفاءة الاقتصاد وإنمائه ورفع "يد الحكومة الميتة" عنه، والسماح للقوة الطبيعية لآلية السوق أن تثبت نفسها مرة أخرى. ومن المظاهر الأخرى لليبرالية الاقتصادية هي التجارة الحرة.

الحركة النقابية بين المهنية والسياسة
19/04/2001 جمال البنا
قد لا نجد في الكتابات الإسلامية الأولى إشارة إلى "النقابة"، ولكننا نجد في القرآن الكريم إشارة إلى "النقيب"، قال الله تعالى: "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا" [المائدة:12] مما يعود باللفظ إلى ماض سحيق، وقد أحيا الرسول هذا التقليد عندما أمر الأنصار أن يعينوا له اثني عشر نقيبًا، يمثلون قبائلهم، وقيل في استخدام لفظة "النقيب": إنه هو الذي ينقب عن شئون الآخرين؛ لغرض خدمتهم".
وفي العصر العباسي الأول ظهرت هيئتان تحمل إحداهما اسم "نقابة"، وإن لم تكن نقابة في حكم الاصطلاح، بينما لا تحمل الأخرى اسم نقابة، وإن كانت بحكم طبيعتها نقابة.
أما الهيئة الأولى فهي "نقابة ذوي الأنساب" التي خصها الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية" ببضع صفحات، وهي وإن حملت اسم نقابة فإنها كما يتضح من اسمها بعيدة كل البعد عن طبيعة النقابات، وأما الهيئة الثانية فهي التي حملت اسم "الأصناف"، وهذه هي جذور النقابية في الحضارة الإسلامية، وتماثلها "الطوائف" التي ظهرت في أوروبا قبل النقابات الحديثة.
الأصناف.. نقابة ذات طبيعة ثلاثية
قد تحدث عن الأصناف ابن بطوطة، والخطيب البغدادي والطبري وياقوت، ووصلت هيئات الأصناف إلى أوجها أيام المهدي وهارون الرشيد، وازدهرت في بغداد وسامراء بعدها.
وكان كل أصحاب حرفة يكونون "صنفا" مستقلاً، وقال اليعقوبي: إن أسواق الكرخ كان فيها "لكل تجار وتجارة شوارع معلومة، وصفوف في تلك الشوارع وحوانيت، وليس يختلط قوم بقوم ولا تجارة بتجارة، ولا يباع صنف مع غير صنفه، ولا يختلف أصحاب المهن من سائر الصناعات مع غيرهم، وكل سوق مفردة، وكل أهل صنف منفردين بتجارتهم".
وكذلك روعي التخصص الحرفي في تنظيم أسواق بغداد الأخرى كسوق باب الشام وسوق باب البصرة، وسوق باب الطاق، ونستدل من أسماء أسواق مدينة بغداد الكثيرة التي توردها المصادر على وجود التخصص حيث نجد سوق النحاسين وباعة الدجاج والدباغين والباقلانيين والسماكين وأصحاب النعال والعطارين والصيادلة وأصحاب الدهون والخزازين والجوهرين، وفي بغداد سوق خاصة لبيع أنواع الفواكه سميت بدار البطيخ، وكانت هذه أسواق الجانب الغربي من بغداد.
أما أسواق الجانب الشرقي فنجد أنه لا ينبغي أن يتاجر التاجر في البز إلا إذا عرف أحكام البيع …، فقد قامت أسواق للدقاقين والخبازين والحلاويين وباعة الرياحين والصيارفة والصاغة وسوق السلاح والنحاسين وللصفارين وللحدادين وسوق للوراقين وسوق الرفائين وسوق للحم"(1).
وكان كل صنف يرتبط بالمحتسب، وهو الموظف المدني الذي يتولى التفتيش على شئون الحرفة، كما كانت ترتبط عادة بأحد شيوخ الصوفية، وهكذا كانت للأصناف علاقة وثيقة بمجتمعها ذات طبيعة ثلاثية: مهنية، وإدارية، وروحية..
وكان للأصناف تقاليد مرعية في ترتيب مستويات ممارسة المهنة، ونقل الصبي إلى صانع، والصانع إلى معلم، وكانت تنظم حفلات لذلك، وتلحظ اعتبارات معينة، ويظن أن هذه التقاليد انتقلت إلى الطوائف الأوروبية؛ لأنها تكاد تكون واحدة، ونحن لا نسمع عنها إلا بعد عودتهم من الحروب الصليبية التي تعرفوا منها على الحضارة الإسلامية"(2).
الميكنة.. قانون العرض والطلب
على أن الحركة النقابية الحديثة تدين بظهورها وتكوينها إلى الثورة الصناعية التي حدثت في بريطانيا وظلت من عام 1730م إلى 1830م على وجه التقريب، إذ كانت نتيجة هذه السلسلة من الاكتشافات والاختراعات أن ظهر المصنع الآلي الكبير الذي يضم الآلات الحديدية التي لا تكل ولا تمل وتعمل بقوة البخار، فطالما كان هناك فحم، وهناك نار، فإن الآلة تعمل.. ثم ظهرت وسائل الإضاءة الحديثة بدءًا من غاز المصباح حتى الكهرباء بحيث أمكن للمصنع أن يعمل طوال الليل والنهار..
وقضت الصناعة الآلية على الوسائل الحرفية التي كانت هي أسلوب العمل، وتشرد عمالها، وأصبح الملاذ الوحيد أمامهم هو المصنع...
وكان الذي تولى إقامة هذه المصانع هم أصلا من تجار الغزل والنسيج التي ظهرت "الميكنة" فيها أولا، ثم أضيف إليهم كبار الملاك الذين كانوا يملكون مناجم الفحم والحديد.. وكانوا جميعًا لا يستهدفون سوى الربح، وفي سبيل الربح قامت منافسة "لقطع الأعناق" كما يقول تعبير إنجليزي فيما بينهم، فكل واحد يريد أن يستأثر بالربح، وفي هذا السبيل فإنه يحاول أن يبيع منتجاته بأسعار أقل، وكان الهبوط بمستوى أجور العمال هو أسهل طريق أمامهم لضغط التكلفة..
من ناحية أخرى، فإن قانون العرض والطلب كان يسير ضد مصلحة العمال، فتدمير الطرق اليدوية في الحرف، وتشريد عمالها جعل أعدادًا غفيرة تقف على أبواب المصانع الحديثة.. لتعمل كعمال في الوقت الذي كانت الميكنة لا تتطلب إلا عددًا محدودًا منهم، وبقدر ما كانت وسائل الميكنة تتقدم وتتحسن بقدر ما كان الطلب على العمال يقل، وبالتالي يزداد العرض..
وهكذا وجد العمال في أوائل الثورة الصناعية أنفسهم بين قانون لا يرحم هو قانون العرض والطلب، يهبط بمستوى الأجور، وبين منافسة قاتلة ما بين أصحاب الأعمال تجعل الهبوط بالأجور هو السبيل الأول لضغط التكلفة، وكانت النتيجة أن هبطت الأجور حتى وصلت إلى حد الكفاف..
ميلاد الحركة النقابية
استنجد العمال بالحكومة لمواجهة ما يتعرضون له من ظلم، ولكن الحكومة أعطتهم أذانًا صماء؛ لأنها كانت حكومة أصحاب المال (الرأسمالية)، واستنجدوا بالكنيسة فأوصتهم بالرضا بقدرهم والاستسلام له.. وحاولوا الثورة، وتحطيم الآلات؛ فسلطت عليهم السلطة سيف القانون، وجعلت الإعدام عقوبة لتحطيم الآلات..
وسط تلك الظروف التمعت فكرة "ماذا لو اتحد العمال الذين يحترفون حرفه واحدة في "نقابة" تتولى هي عرض العمل، بدلاً من أن يتكوكبوا أمام بوابات المصانع، ويسمحوا
لأصحاب الأعمال بإجراء مناقصة في الأجور؟" إن هذه الوسيلة تقلب قانون العرض والطلب وتجعله كما لو لم يكن هناك سوى عامل واحد. هو النقابة التي "احتكرت" عرض العمل..
وكان الطريق أمامها حافلاً بالأشواك والمثبطات، ولكن العمال كافحوا – لمدة قرنين من الزمان- قبل أن تستطيع الحركة النقابية أن تكتسب القوة التي تمكنها من مجابهة أصحاب الأعمال مجابهة الند للند، وأن تنزلهم من عليائهم ليجلسوا على مائدة المفاوضات التي تنتهي باتفاقية جماعية. وبالطبع فإن الذي جعل أصحاب الأعمال يقبلون الجلوس مع العمال هو أنه إذا فشلت المفاوضات فسيلوذ العمال بالإضراب الذي يشل العمل في المصانع ويوقف سيل الأرباح لأصحاب الأعمال.
ولما كان الإضراب أشبه بحرب على المستوى الصناعي فقد كان على العمال أن يتعلموا بطريقة التجربة والخطأ، وأن يدفعوا ثمن ذلك غالبًا، ولكنهم في النهاية تعلموا الدرس.
وللحركة النقابية جوانب أخرى سياسية، واجتماعية لا يتسع الحال لشرحها. وفي كتاب "الحركة النقابية حركة إنسانية" قلنا بأنها تأتي بعد الأديان، وقبل الديمقراطية والاشتراكية في النهضة بالشعوب والجماهير.. وأنها أدخلت وسائل إنسانية في الكفاح مع أصحاب الأعمال تقوم على الشورى والتعاون وأنها خاضت غمار السياسة، بتكوينها الأحزاب ذات الاتجاهات الشعبية أو بمحاولاتها الخاصة كالتي قام بها عمال بريطانيا خلال المدة من 1838 – 1848 لإصلاح نظام الانتخابات وحملت اسم "الحركة الميثاقية"..
الثورة التكنولوجية والتكتيك النقابي الجديد
وتتعرض الحركة النقابية لتحديات جاء بها التقدم التكنولوجي وظهور الكومبيوتر والإنترنت مما أخل بنوعية العضوية النقابية وانحسار عمال الصناعات الثقيلة وزيادة عمال الخدمات واستخدام الكمبيوتر في المنازل، فضلاً عن حركات الاندماج ما بين المؤسسات العملاقة لتزداد عملقة، وليمكن توفير أعداد من العمال بعد أن قلص التقدم التكنولوجي أعدادهم من قبل.. بحيث ظهرت الحاجة إلى "تكتيك" نقابي جديد حتى لا يتشرد العمال اليوم كما تشردوا في أعقاب الثورة الصناعية الأولى.
ولما كان أسلوب عمل النقابات هو الضمانة الحقيقية للعمال في المجتمعات الحديثة، فإن الهيئات الدولية حمت حق تكوين النقابات والانضمام إليها، واعتبرت ذلك من الحقوق الأساسية للإنسان. فنصت الفقرة 4 من المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة سنة 1948م على حق كل إنسان في تكوين النقابات والانضمام إليها، كما عززت اتفاقيتا الأمم المتحدة الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هذا الحق.
وفي عهد سابق تكونت "منظمة العمل الدولية" سنة 1919 كجزء من تسوية السلام في آثار الحرب العالمية الأولى، وجعلت همها معالجة قضايا العمل وتسويتها ما بين الأطراف الثلاثة: (الحكومات – العمال – أصحاب الأعمال)، وتنضم اليوم كل دول العالم تقريبًا إلى منظمة العمل الدولية بمقرها في جنيف، ويكون تمثيل كل دولة على أساس ثلاثي. أي بمندوبين من الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال.
وتنفرد منظمة العمل الدولية بين المنظمات الدولية بهذه الصفة، وتعقد المنظمة مؤتمرًا سنويًا في يونيو من كل عام يحضره مندوبو الدول الأعضاء بصفتهم الثلاثية لمناقشة قضايا العمل، ولوضع "اتفاقيات" و"توصيات". والاتفاقية تعد معاهدة ملزمة للدول التي تصدق عليها.
وهناك عدد من الاتفاقيات التي أصدرتها المنظمة خاصة بحماية الحرية النقابية، أبرزها الاتفاقية 78 سنة 1948م عن حرية التكوين النقابي، والاتفاقية 98 لسنة 1949م عن حماية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، ومعظم الدول مصدقة على هذه الاتفاقيات التي تعد من أعرق الاتفاقيات ومن الاتفاقيات الخاصة بالحقوق الأساسية للإنسان.
وقد تكونت في السبعينيات منظمة عربية على غرار منظمة العمل الدولية هي منظمة العمل العربية التي أصدرت أيضًا اتفاقية عن الحرية النقابية.
الحركة النقابية في المجتمعات الإسلامية
وفي رأيي أن الفكر الإسلامي التقليدي قابل الحركة النقابية بشيء من التجهم عندما بدأت تظهر في الدول الإسلامية، فربما نظر إليها بعضهم باعتبارها منظمات شيوعية يكونها الشيوعيون، وأنها تؤدي إلى القلق والاضطراب والفتنة.
وكان لا بد لتبديد هذه الشبهات، وقد قام بهذه المهمة الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل الذي تكّون في جنيف عام 1981، وضم عددًا من النقابات في السودان والأردن والمغرب وباكستان وبنجلاديش.
وأهم عمل قام به الاتحاد هو أنه وضع تنظير إسلامي للحركة النقابية يختلف عن تنظيرها في المجتمع الرأسمالي وتنظيرها في المجتمع الاشتراكي، وبرهن على تقبل المجتمع الإسلامي للنقابات بوجود الأصناف في العهد العباسي، فضلاً عن أن هدف النقابات وهو العدل هو نفسه هدف الإسلام.
ووصل عمق دراسات الاتحاد في هذا المجال درجة أثبتت فيها أن الآية "282" من سورة "البقرة" التي تحدث فيها القرآن عن الدَّين بلورت عناصر الاتفاقيات الجماعية دون تطويع أو ابتسار، وشرح الاتحاد ذلك في الكتاب الذي أصدره عن "الإسلام والحركة النقابية"، والذي ظهرت طبعته الأولى سنة 1980م ليكون تحت يد أعضاء المؤتمر التأسيسي. وأعيد طبعه في الجزائر، ثم طبع طبعة ثانية بعد أن نفدت الطبعة الأولى.
وقام الاتحاد بنشاط كبير، ولكنه قوبل بمعارضة من كثير من الاتحادات العمالية التي ربطت مصيرها بالنظم الحاكمة، وما يفرضه ذلك عليها من اتباع لهذه النظم وعدم الخروج عليها، كما أن الاتحادات العمالية ذات الاتجاهات اليسارية ضاقت به أيضًا.. وحدثت آخر معاركه مع الاتحاد الدولي للنقابات الذي يسيطر عليه اتحاد عمال الولايات المتحدة عندما أعلن الاتحاد الإسلامي عن عزمه على عقد مؤتمر لنصرة القدس.
وتضمنت الكتب التي أصدرها الاتحاد مجلدًا عن الحرية النقابية من ثلاثة أجزاء، وسلسلة من الكتيبات، وكتابًا عن أزمة النقابية في المجتمع الرأسمالي والاشتراكي… إلخ.
ومعظم النقابات في الدول الإسلامية ترتبط بالنظم الحاكمة، ويعتمد بعضها في تمويل نشاطاته على الاتحادات العمالية الدولية، ففي فترة الأربعينيات وما تلاها كانت الحركة النقابية في الدول العربية ذات التوجه اليساري تعتمد على الاتحاد العالمي للنقابات (براج) الذي يموله الاتحاد السوفيتي، وكانت النقابات في المجتمعات العربية الرأسمالية تعتمد على الاتحاد الدولي للنقابات الحرة (بروكسل).
ولما تهاوى الاتحاد السوفيتي تهاوى معه الاتحاد العالمي، وانفرد الاتحاد الدولي للنقابات الحرة بالهيمنة على عالم النقابات العربية والإسلامية، ولما كان هذا الاتحاد يخضع للنفوذ الأمريكي فإن توجهاته كثيرًا ما تتعارض مع توجيهات هذه النقابات.
وقد كان للحركة النقابية في بعض الدول كتونس والسودان أثر كبير في السياسات القومية في فترة الأربعينيات والخمسينيات، ولكن هذا الأثر تقلص في الفترة المعاصرة.
ويظل الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل مشكلاً – في رأيي – لبادرة أمل بالنسبة للحركة النقابية؛ إذ يعتبر هو الوحيد الذي يضع تنظيرا نقابيًا فنيًا أصيلاً بعيدًا عن تلفيقات بعض الكتاب، أو استتباع بعض الأحزاب، ويتفق في الوقت نفسه مع وجدان هذه الشعوب وتاريخها وتقاليدها.

________________________________________
(1) استشهد بها في كتاب "الإسلام والحركة النقابية - جمال البنا، الطبعة الثالثة، ص 44- دار الفكر الإسلامي.
(2) وقد عالجنا موضوع الأصناف بتفصيل في كتاب "الإسلام والحركة النقابية"، والذي أصدره الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل.

فارس المعلومات
07-05-2009, 23:27
] الرجاء منك أخي الكريم تزويـــدي ببحث حول
" عصرنة الموازنة العامة و عناصرها في الجزائر "
اذا كان ممكن و شكرا

moh.2000
07-05-2009, 23:40
مفهوم التنمية
بقلم/ د.نصر عارف
كلية العلوم السياسية-جامعة القاهرة
________________________________________
يعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم العالمية في القرن العشرين، حيث أُطلق على عملية تأسيس نظم اقتصادية وسياسية متماسكة فيما يُسمى بـ "عملية التنمية"، ويشير المفهوم لهذا التحول بعد الاستقلال -في الستينيات من هذا القرن- في آسيا وإفريقيا بصورة جلية. وتبرز أهمية مفهوم التنمية في تعدد أبعاده ومستوياته، وتشابكه مع العديد من المفاهيم الأخرى مثل التخطيط والإنتاج والتقدم.
وقد برز مفهوم التنمية Development بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم يُستعمل هذا المفهوم منذ ظهوره في عصر الاقتصادي البريطاني البارز "آدم سميث" في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الثانية إلا على سبيل الاستثناء، فالمصطلحان اللذان استُخدما للدلالة على حدوث التطور المشار إليه في المجتمع كانا التقدم المادي Material Progress، أو التقدم الاقتصادي Economic Progress.
وحتى عندما ثارت مسألة تطوير بعض اقتصاديات أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر كانت الاصطلاحات المستخدمة هي التحديث Modernization، أو التصنيع Industrialization.
وقد برز مفهوم التنمية Development بداية في علم الاقتصاد حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه؛ بالصورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات؛ عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم انتقل مفهوم التنمية إلى حقل السياسة منذ ستينيات القرن العشرين؛ حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية تجاه الديمقراطية. وتعرف التنمية السياسية: "بأنها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية"، ويقصد بمستوى الدولة الصناعية إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الأوربية تحقق النمو الاقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة القومية.
ولاحقًا، تطور مفهوم التنمية ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية.
بالإضافة لذلك استحدث مفهوم التنمية البشرية الذي يهتم بدعم قدرات الفرد وقياس مستوى معيشته وتحسين أوضاعه في المجتمع.
ويلاحظ أن مجموعة المفاهيم الفرعية المنبثقة عن مفهوم التنمية ترتكز على عدة مسلمات:
أ - غلبة الطابع المادي على الحياة الإنسانية، حيث تقاس مستويات التنمية المختلفة بالمؤشرات المادية البحتة.
ب - نفي وجود مصدر للمعرفة مستقل عن المصدر البشري المبني على الواقع المشاهد والمحسوس؛ أي بعبارة أخرى إسقاط فكرة الخالق من دائرة الاعتبارات العلمية.
ج - إن تطور المجتمعات البشرية يسير في خط متصاعد يتكون من مراحل متتابعة، كل مرحلة أعلى من السابقة، وذلك انطلاقًا من اعتبار المجتمع الأوروبي نموذجًا للمجتمعات الأخرى ويجب عليها محاولة اللحاق به.
الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية:
يتضح الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية، حيث يشتق لفظ "التنمية" من "نمـّى" بمعنى الزيادة والانتشار. أما لفظ "النمو" من "نما" ينمو نماء فإنه يعني الزيادة ومنه ينمو نموًا. وإذا كان لفظ النموّ أقرب إلى الاشتقاق العربي الصحيح، فإن إطلاق هذا اللفظ على المفهوم الأوروبي يشوه اللفظ العربي. فالنماء يعني أن الشيء يزيد حالاً بعد حال من نفسه، لا بالإضافة إليه.
وطبقًا لهذه الدلالات لمفهوم التنمية فإنه لا يعدّ مطابقًا للمفهوم الإنجليزي Development الذي يعني التغيير الجذري للنظام القائم واستبداله بنظام آخر أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف وذلك وفق رؤية المخطط الاقتصادي (الخارجي غالباً) وليس وفق رؤية جماهير الشعب وثقافتها ومصالحها الوطنية بالضرورة.
ويلاحظ أن شبكة المفاهيم المحيطة بالمفهوم الإنجليزي تختلف عن نظيرتها المحيطة بالمفهوم العربي.
فعلى سبيل المثال تُعالج ظاهرة النمو (في المفهوم العربي الإسلامي) كظاهرة جزئية من عملية الاستخلاف التي تمثل إطار حركة المجتمع وتحدده، وكذلك نجد مفهوم "الزكاة" الذي يعني لغة واصطلاحًا الزيادة والنماء الممزوجة بالبركة والطهارة، وسمى الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه مادياً بمعايير الاقتصاد، في حين ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي من الله تعالي. وهو ما يقارن بالعكس بالربا الذي قال عنه الله (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [البقرة:276].
ويتضح من ذلك أن مفهوم النمو في الفكر الإسلامي يُعبر عن الزيادة المرتبطة بالطهارة والبركة وأجر الآخرة وإن لم يتجاهل مع هذا "الحياة الطيبة" في الدنيا، بينما يركز مفهوم Development على البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمرًا للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر/ الغريب.
وفي الواقع فإن "التنمية" تعد من المفاهيم القليلة التي تجمع بين البعد النظري والجانب التطبيقي، وتستدعي الرؤية الفلسفية والغيبية للمجتمعات ومقاصد تطورها
اقرأ أيضًا: العلمانية

التجـــديد




الفقر
مع التنمية الكل أصبح فقيراً...!!
سلمان خان
باحث اقتصادي- مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية-إنجلترا
________________________________________
الفقر مفهوم مراوغ، فربما كان هناك فقراء بقدر ما توجد دلالات متعددة للكلمة وبقدر عدد البشر وتوقعاتهم، فلغات العالم تتنافس مع بعضها البعض في عدد الكلمات التي تشير إلى ظروف الفرد المرتبطة بالمدركات المختلفة للفقر.. فمثلاً: في الفارسية ثمة ما يزيد على 30 كلمة تصف أولئك الذين يُعتبرون لسبب أو لآخر فقراء.. وفي معظم لغات إفريقيا ثمة -على الأقل- من 3 إلى 5 كلمات لتعريف الفقر وهكذا.
من الفقير؟!
واقعيًا، ليس ثمة تعريف موحد للفقر في كل الثقافات؛ بل قد لا تعتبر كل الثقافات الفقر عيبًا، فالفقر لم يكن ولفترة طويلة من الزمان وفي العديد من حضارات العالم نقيض الغنى، وكان ثمة دائمًا مجال "الفقر الاختياري" أي أولئك البشر الذين رفضوا الزخرف والمظهر وانطلقوا يسبحون في ملكوت الله، وكان احترام أولئك الفقراء باختيارهم (المتصوفة على سبيل المثال) من تقاليد الشرق المستقرة.
وحديثًا -مع اتساع الاقتصاد التجاري وعملية التمدين- اكتسب الفقر دلالته الاقتصادية، وأصبح الفقير هو من ينقصه المال والممتلكات التي يحوزها الغني، ويتحول الفقر إلى معنى مطلق وليس نسبيًا، فيصير الفقر عيبًا وبعدئذ يصير مرضًا يذل من يصاب به ويجب علاجه.
إن الفقير في المجتمعات البشرية قبل سيطرة الاقتصاد هو ذلك العضو الذي يكسب قوت يومه بصعوبة أو الذي اختار الكفاف، بيد أنه يظل عضوًا في الجماعة، لكنه لاحقًا أصبح ذلك الغريب المتشرد الذي يتم عزله وتهميشه في الواقع المعاش.
وطبقًا لأدبيات التنمية فإن الفقر صفة لمجتمع ما الفرد فيه لا يحقق مستوى معين من الرفاهية- والذي عادة ما يُشار إليه بخط الفقر أو حد الكفاف، ويجب لتعريف الفقر الإجابة على ثلاثة تساؤلات؛ تحديد ماهية الحد الأدنى من الرفاهية، وكيفية التيقن من صحة فقر الفرد، وتجميع مؤشرات الرفاهية وقياس الفقر على أساسها.
وتقترب فكرة الرفاهية Well-being من مفهوم مستوي المعيشة Standard of Living (SOL)، الذي يعد أحد المفاهيم الشائعة في أدبيات التنمية، ومحور أعمال البنك الدولي في تقاريره السنوية عن التنمية خلال فترة التسعينيات.
ويستهدف مفهوم مستوى المعيشة قياس كفاءة الحياة؛ معتمدًا على معايير الاستهلاك الفردي من السلع والخدمات المشتراة من دخل الفرد أو توفيره، ويفترض مفهوم الفقر وجود حد أدنى من الاستهلاك والدخل يقاس عليه مستوى معيشة الفرد، ويشار إليه بخط الفقر، حيث يصنف أي فرد يقع دخله أو استهلاكه أقل من هذا الحد باعتباره فقيرًا.
ويمكن تصنيف مناهج قياس الفقر إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: اتجاه الرفاهية ويستخدم أصحاب هذا الاتجاه معايير مالية في قياس الرفاهية مثل: دخل الفرد وإنفاقه الاستهلاكي، وهو الاتجاه السائد في أدبيات الفقر.
الاتجاه الثاني: اتجاه الـ "لا رفاهية" non-welfarist ويعني هذا الاتجاه بدراسة المؤشرات الاجتماعية للرفاهية، مثل: التغذية والصحة والتعليم، ويركز على قضايا مثل: سوء التغذية، أو غياب الرعاية الصحية، أو الأمية، باعتبارها نتائج مباشرة لانتشار الفقر.
ومن جانب آخر، انقسمت الاجتهادات حول تعريف الفقير إلى مدرستين:
-المدرسة المطلقة: وهي تضع حدًا أدنى لمستوى الدخل الضروري الذي يجب على كل فرد إحرازه لتحقيق مستوى معيشي معقول-حد الفقر، ويصنف مَن دونه باعتباره فقيرًا، وتحديد هذا المستوى هو حكم تقديري للباحث أو صانع السياسة.
-المدرسة النسبية: وهي تتعامل مع الفقر النسبي-أي ارتباط خط الفقر بمعدل توزيع الدخل بين السكان-وعادة يتم ذلك بتعريف الأفراد الذين يشكلون أفقر 20-25% من سكان مجتمع ما باعتبارهم الفقراء، وبعض الدراسات في الدول النامية ترفع هذه النسبة حتى 50% من السكان.
وعلى صعيد آخر، فإنه رغم بقاء الدخل الفردي المؤشر الأكثر انتشارًا لقياس الفقر، فقد تزايدت أهمية مؤشرات الرفاهية الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم، وقد تزايد هذا الاتجاه في دول العالم النامي منذ منتصف السبعينيات حيث لوحظ ارتفاع الدخل الفردي في بعض الدول، دون حدوث تقدم في بعض مجالات الرفاهية الاجتماعية مثل: التغذية والصحة، وهذا يعني بشكل عام إمكانية حدوث مفارقة بين حدوث زيادة في دخل الفرد وتحقيق إنجاز في مجالات الرفاهية الاجتماعية.. على سبيل المثال، لا يتفق معدل نمو الدخل الفردي المتزايد في باكستان مع مؤشرات الرفاهة الاجتماعية المتدنية بها، بينما يأتي النموذج السريلانكي في الاتجاه المضاد، حيث يتاح لمواطنيها رفاهة اجتماعية لا تتناسب مع معدلات الدخل الفردي المتواضعة بها.
الفقر...واقع أم أسطورة:
يحدد بعض الباحثين ثلاثة أبعاد لمفهوم الفقر:
-البعد الأول: هو الماديات فهي تلك الأشياء التي نعتبر نقصها فقرًا، وهذا النقص أو الحرمان أو الفقدان له طابعان إما وجودي غير مادي أو وجودي مادي.
تنتمي للفقر الوجودي غير المادي عناصر مثل: الإخفاق في العمل أو انعدام الثقة في النفس أو نقص الحب، بينما يشمل الفقر المادي: التفرقة، وعدم المساواة والتحيز والجهل وتعذر الحصول على الحد الأدنى من الضروريات المطلوبة للحياة-كما تحددها ثقافة المرء- والجوع وسوء التغذية والتشرد وضعف الصحة... إلخ.
-البعد الثاني: هو إدراك المرء لحالته، فالمرء يعد فقيرًا فقط عندما يحس بوجود النقص في إحدى تلك الماديات أو كلها، إن تلك الماديات لا تكتسب قيمها كبعد معرفي في المفهوم إلا مع إدراك الطابع النسبي والذاتي لمفهوم الفقر، عادة يدفع هذا البعد الذاتي الفقير إلى تخطي فقره، وتغيير موازين القوى التي أدت إليه، وقد ينزع إلى عقد روابط تبعية مع جماعات أو أفراد أو عقائد أقوى تعطيه إحساسًا زائفًا بالأمان، وأحيانًا يصل إلى وهم القوة.
-البعد الثالث: كيف يرى الآخرون الفقير، حيث قد يختلف إدراك الفقير لحاله مع رؤية الآخرين، ويترتب على هذا الإدراك رد فعل الآخر تجاه الفقير، وثمة نوعان من أنواع رد الفعل تجاه الفقير؛ التدخل المباشر أو غير المباشر من خلال الصدقة أو المساعدة أو التربية أو القهر، أو عدم التدخل-سواء كان عدم التدخل مبررًا لأن الفقراء يستحقون فقرهم أو لأن التدخل لن يفيد بل وربما أضر.
وتتأثر تلك الأبعاد الثلاثة بالمكان والزمان والبيئة الاجتماعية / الثقافية المتواجدة فيها.
الفقر ووهم عالمية التنمية:
لأول مرة في التاريخ، صار الفقر ظاهرة مطلقة، حيث اعتبرت بلاد وأمم بأسرها فقيرة على أساس أن دخلها الإجمالي أقل بالمقارنة مع الدخل السائد في تلك الدول التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، وهكذا أصبح الدخل القومي هو المعيار العالمي الجديد والرأسمالية الاقتصادية هي الحل المعلن للعلاج النهائي للفقر، وتوصلت جيوش من خبراء الفقر العالمي إلى العلاج بالتنمية من خلال زيادة الإنتاج والتطبيق المتزايد للعلم والمعرفة التقنية، فهي مفتاح الرخاء والسعادة.
وهكذا أُعيد تفسير وتقييم البعد المادي للفقر، حيث أدى تحطيم المجتمعات التقليدية، في سبيل ما يدعى بالاقتصاد القومي ثم الاقتصاد العالمي، إلى فصل الاقتصاد عن جذوره الاجتماعية والحضارية، وبالتالي خضع المجتمع لآليات وقواعد الاقتصاد وليس العكس. وقد خلق الاقتصاد العالمي منظومة من المرجعيات الكونية جعلت الفرد يدرك أنه فقير وفي حاجة إلى المساعدة لأن متوسط دخله أقل من المستوى العالمي المعياري، ولأنه لا يعيش في رفاهية مثل بشر آخرين.
وأدى هذا التغيير في نظرة المرء لذاته إلى تغير في ردود الفعل تجاه الفقر، حيث أصبح البرنامج الجديد حلاً كونيًا أحادي الاتجاه يعتمد على الدخل ولا علاقة له إطلاقًا بالثقافة ولا بالشخص، ولم يعد الفرد يلجأ إلى جذوره الثقافية وعلاقته الأسرية القديمة التي كانت تقدم الحلول البديلة الكلية للفقر، وبدلاً من ذلك سعى الأفراد إلى تجميع أنفسهم في مؤسسات متماثلة مثل النقابات والروابط، مما أدى إلى تنميط الأفراد في المجتمع وإلغاء أي تفكير بديل يسعى إلى البحث عن طريق جديد للحياة والتنظيم الاجتماعي يعتمد على البساطة، أو أشكال تطوعية وأخلاقية من الفقر الذي لا يمكن أحيانًا تجاوزه لظروف هيكلية ودولية قبل أن تكون محلية.
وقد افترض الخبراء أن الفقراء غير قادرين على تحديد مصلحتهم، والتي يحددها لهم من يمتلكون المعرفة والسلطة-الحكومات والمؤسسات والخبراء-عاملين على الارتقاء بهم، ومشاركة الجماهير تنحصر في تأييد البرامج التي وضعها "الخبراء"، ويقدم الخبراء الحل البسيط للفقر: التنمية الاقتصادية ورفع مستوى الدخل، زاعمين إمكانية حل كل المشكلات الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالفقر من خلال الاقتصاد وحده.
وقد عملت هذه الافتراضات والتوصيات على تقوية التدخل السلطوي حيث صار الفقر العالمي معضلة أكبر من أن تترك لتحل حلاً محليًا، وبذا سمحت بتدخل القوى الدولية-الحكومية و الأهلية-باسم نشر السعادة والقضاء على الفقر.
وما حدث بصورة عالمية مجردة هو أنه تمت رؤية الحاجات المطلوبة والإصلاحات الضرورية والمؤسسات المقترحة بشكل نمطي ثابت، بغض النظر عن الاختلافات الاجتماعية والثقافية، وتم فرض تلك الرؤية عن طريق شروط برامج المساعدات الأجنبية.
وقد اختلفت النتائج الفعلية لهذه السياسات والبرامج وآثارها على حياة الفقراء اختلافًا بينًا عما توقعه الخبراء والمتخصصون، حيث إن الحاجات التي تبغيها برامج التنمية هي حاجات نمط معين من الحياة، يلعب فيه الاقتصاد دورًا مركزيًا، حيث ثمة مفهوم خاص للفقر، وثمة فئة معينة من المستهلكين ودافعي الضرائب يجب حماية حقوقهم وامتيازاتهم، فشلت تلك السياسات على كل المستويات، ومن الواضح أن كل أنساق المساعدة ستخلق في النهاية مزيدًا من الفقر.
ويحذر بعض الباحثين من المفاهيم التي تبدو إيجابية من الخارج مثل: الاقتصاد العالمي أو العالم الواحد بينما هي تدعو في الواقع إلى إلغاء التعددية، وقبول أن الحل الوحيد الممكن هو اتخاذ الطريق الذي سار فيه الشمال الغني القوي السعيد.
إن النظرة الاقتصادية للحياة قد تؤدي لفترة معينة إلى زيادة ضخمة في إنتاج الأغراض والبضائع أي تنمية الأشياء، لكنه واقعيًا -بسبب الندرة الدائمة- يعاني الغني والفقير-على حد سواء-من عدم إمكانية الحصول على كل ما يريد؛ فقد اتضح لكثير من البشر أن الحاجات ليست مجرد وهم فقط بل مصطلح يخلق الشره والجشع، ومن المستحيل أن يفي الاقتصاد بكل الحاجات يومًا ما.
قد ينتج الاقتصاد الكثير من البضائع والخدمات للوفاء بمنظومة معينة من الحاجات، بيد أنه على نطاق آخر يدمر مجالات بأكملها من مجالات النشاط الإنساني، والحرف التقليدية، والقطاعات الأهلية، ويحطم منظومة قيمية كاملة من الجماعية والتراحم، من ثم فإن تأثيره الإجمالي سلبي، بل ومدمر أحيانًا خاصة عندما لا يفي بوعوده، وفي الوقت ذاته يهدم أبنية التراحم والتكافل، فلا يجدها الفرد إذا أراد التراجع والعودة له، وربما يكون النموذج البارز لذلك هو ما حدث مع مؤسسات الوقف الإسلامية في العالم الإسلامي من مصادرة وتأميم.
ولا شك أن الرؤية الإسلامية التي تحترم الحاجات الأساسية المادية للإنسان وتفرض عليه السعي للرزق وعمارة الأرض، لكنها في الوقت ذاته تربطه برؤية غيبية للرزق والقدر، لديها الكثير في هذا الباب لتقدمه خاصة مع تطوير وتفعيل فريضة الزكاة كأداة تنموية تتجاوز جمع وتوزيع الصدقات، وهذا مجال يحتاج تناولاً مستقلاً

السيادة.. جدلية الدولة والعولمة
08/05/2005 ليلى حـلاوة**



على الرغم من تعدد التعريفات التي يوردها الباحثون لمفهوم السيادة الوطنية، فإن بينها جميعا قاسما مشتركا يتمثل في النظر إلى السيادة باعتبارها السلطة العليا للدولة في إدارة شئونها، سواء كان ذلك داخل إقليمها أو في إطار علاقاتها الدولية، وبالتالي فإن السيادة تشير إلى معنيين أحدهما إيجابي ويشير إلى قدرة الدولة -كوحدة سياسية مستقلة- على التصرف بحرية كاملة ودون أي قيود تفرض عليها، فضلا عن تلك القيود التي ترتضيها هذه الدولة بالتقدير المنفرد أو بالاتفاق الدولي، والآخر سلبي يقوم على عدم إمكانية خضوع الدولة لأي سلطة غير سلطتها. وبذلك يكون لمبدأ السيادة وجه داخلي ينصرف إلى علاقة الدولة بمواطنيها داخل إقليمها بحدوده السياسية المعلومة، ووجه خارجي ينصرف نطاق تطبيقه على علاقة الدولة بغيرها من الدول والتي تقوم على وجوب احترام الاستقلال الوطني والسلامة الإقليمية لكل دولة وعدم جواز التدخل في شئونها الداخلية.
 دور الثورة الفرنسية
 مبدأ السيادة.. وتطور الدولة
 العصور الوسطى
 الدولة الإسلامية.. ومفهوم السيادة
 العصر الحديث.. مفهوم جديد
 خريطة المفهوم
 مفاهيم مشابهة
 السيادة وفلسفة الدولة
 خصائص السيادة
 مصدر السيادة ومنطلقها
 انقلاب في عصر العولمة والتدخل
 تدويل السيادة
 السيادة الوطنية.. رؤية مستقبلية
وقد اكتسبت فكرة السيادة منذ نموها ثم صعودها في ظل نموذج الدولة القومية مكانة مركزية في السياسة الحديثة -فكرا وممارسة- بما جعلها تصبح شعارا للكرامة الوطنية باعتبارها أفضل تجسيد لمعاني الحرية والاستقلال والسلطة العليا على الإقليم وسكانه.. فبينما كان الملوك في أوربا يرددون "الدولة هي أنا"، ويرون أن حق إصدار القوانين التي يخضع لها رعاياهم هو حق منفرد بدون قيد أو شريك، كانت موجة من الأفكار الثورية تغزو أوربا وتحاول أن تقتلع هذا المفهوم من أساسه.
وفي عام 1690 نشر "جون لوك " في إنجلترا كتابه "رسالتان في الحكم" ليؤكد فيه أن حرية الإنسان الطبيعية هي ألا يكون خاضعا لأي قوة عليا على الأرض، وألا يقع تحت إرادته أي إنسان أو سلطة تشريعية، وألا يكون لديه سوى قانون الطبيعة قاعدة يعمل بها، وأن المجتمع السياسي لا يمكن أن يقوم ويستمر إلا إذا كان لديه في ذاته سلطة المحافظة على الملكية، ولهذا الغرض تكون لديه سلطة عقاب على الجرائم التي يرتكبها أي فرد في المجتمع، فهنا وهنا فقط يوجد المجتمع السياسي حيث تنازل كل فرد فيه عن سلطته الطبيعية وسلمها للمجتمع (وليس لنظام الحكم كما ذهب هوبز).
دور الثورة الفرنسية
وفي فرنسا انطلقت أفكار "جان جاك روسو" في كتابه الأكثر شهرة "العقد الاجتماعي" (نشر عام 1762م) ثم جاءت الثورة الفرنسية فسعت لإنشاء تلك الدولة التي كانت تحلم بها أوربا.
ونعرف من التاريخ أن مبادئ الثورة الفرنسية قد حكمت حياة أوربا والغرب وشعوبا كثيرة في العالم رغم أزمات تلك الثورة وتعثرها، ورغم تغير الدساتير ونظم الحكم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا فإن مفهوم الدولة في العالم توحد على ضرورة أن تتوافر لها وفيها العناصر الأساسية التي أكدتها تلك الثورة وكرست بها بزوغ الدولة القومية مع صلح "وستفاليا". وتشمل هذه العناصر التي اتفق عليها فقهاء القانون وعلماء النظم السياسية "الشعب" و"الأرض" و"سلطة شاملة للشعب والأرض" أي الكيان المعنوي للدولة، ثم يضاف لذلك فكرة نظام الدولة أو العقد الاجتماعي الذي يقوم على الحرية والإخاء والمساواة والحكم الديمقراطي.
ولم يعد هذا المفهوم للسيادة الذي حققته الثورة الفرنسية والذي ركز على أن تكون السيادة فيها للشعب في مجموعه وأن تتولى الممارسة الفعلية لتلك السيادة حكومة ملتزمة بحدود ترسمها قواعد عامة ومجردة، هو المتاح الآن بعد أن تم تدويل السيادة أي بعد أن تم توسيع أبعادها الخارجية وأصبح للعلاقات الدولية ظل واضح على مفهوم السيادة مع نمو عدد الفاعلين الدوليين وتكريس فكرة التنظيم والقانون الدولي.. فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي وهي الاعتراف المتبادل بين دول لها سيادة اتسعت بصورة أدت إلى وضع شروط لممارسة الدولة حقوق السيادة، أهمها ألا تؤدي ممارسة تلك الحقوق إلى إحداث اضطراب في النظام العالمي. ومع تنامي التفاعلات على المستوى العالمي صار للبعد الخارجي للسيادة دورا مهما تفاعل مع البعد الداخلي بقوة وبشكل مركب، بل ومعقد جدا.
وما زال مفهوم السيادة في الداخل والخارج يتعرض للتغيير والتطوير، ولم تتوقف نظريات العلاقات الدولية والقانون الدولي عن الاجتهاد في معنى ودلالات هذا المفهوم. ولعل ذلك يرجع إلى أن موضوع السيادة داخل الدولة في ظل المد الديمقراطي يثير عدة اعتبارات أيديولوجية ودستورية من شأنها أن تمس سلطات الدولة المطلقة على مواطنيها. كما أن تطور المجتمعات البشرية وازدياد علاقات الدول وما يترتب على ذلك من التزامات قانونية قد ساهم بدوره في تغيير وتطوير هذا المفهوم وتقييد خيارات الدولة في سياساتها العامة واليومية؛ لذا كان من الأهمية بمكان أن نبحث في نشأة مبدأ السيادة ونتتبع تطور مضمونه التاريخي السياسي حتى يومنا هذا، ثم نستشرف مستقبل المفهوم.
مبدأ السيادة.. وتطور الدولة
يشيع في أمهات كتب علم السياسة الحديث وكتب القانون الدستوري أن فكرة السيادة ظهرت منذ بروز الدولة الحديثة وذلك في التاريخ الحديث. وإذا كان البعض يرجع الفضل للعلامة جان بودان في تفصيل وتحديد مدلول استعمال هذا المفهوم وإعطائه هذه الشهرة، إلا أن فكرة السيادة بمستوياتها المتعددة ظهرت منذ ظهور المجتمعات البشرية وكياناتها السياسية الأولى. ويدلنا البحث في التطور التاريخي لمبدأ السيادة أنه وثيق الصلة بنشأة وتطور شكل ونظام الدولة؛ لذا فلا عجب أن يجد هذا الموضوع التفاتا من رجال الفقه الدستوري والدولي لارتباطه بدراسة النظم الاجتماعية والسياسية وعلم التاريخ السياسي والاجتماعي.
ويمكن بسرعة استعراض السيادة في مراحل تاريخية مختلفة؛ فالإغريق كانوا سباقين إلى إقامة مجتمع سياسي ضمن إطار تنظيمي ثابت، ولقد مهدت الفلسفة اليونانية إلى إقامة نوع من الديمقراطية التي تعد رائدة في التاريخ القديم. وشهدت مدن أثينا وإسبرطة وغيرهما من المدن اليونانية القديمة مظاهر لهذه الديمقراطية. كما قامت اليونان بتنظيم علاقاتها مع الدول المجاورة على أساس من الالتزام، وأنشأت قانونا لحسم الخلافات عن طريق التحكيم، ولهذه الأفكار -رغم ما عليها من مآخذ وما كان لها من حدود وسقف- يدين الفكر المعاصر، حيث أضحت الديمقراطية وتحديد صلاحيات الحاكم شعاراً ومنهاجاً حتى يومنا هذا.
وعلى الرغم من ريادة اليونان في هذا المضمار فإنه يلاحظ أن القانون كان وقفا على قادة من زعماء الكهنة أو الأشراف، وأدى ذلك إلى انفراد هذه القلة بالعلم بالقانون وتفسيره دائما لمصلحة طبقتهم؛ وهو ما دفع عامة الشعب إلى المطالبة بتدوين العرف حتى يقفوا على حقوقهم والتزاماتهم. ويرى هذا الجانب من الفقه أنه في ظل هذا التدوين لم يترتب على ذلك خضوع الحاكم للقانون بل ظلت سلطاته مطلقة. وقد أدرك فلاسفة اليونان السيادة بمفاهيم مختلفة، حيث ذكرها أرسطو في كتابه "السياسة" على أنها سلطة عليا في داخل الدولة رابطا إياها بالجماعة، أما أفلاطون فاعتبر السلطة لصيقة بشخص الحاكم، ورأى البعض الآخر أن السيادة للقانون وليست للحاكم. ونظرا لأن اليونان قد تكونت من عدد من الدول المستقلة، فإن مفهوم السيادة –آنذاك- كان يعني حق تقرير المصير بالمفهوم الحالي.
وعرَّف الرومان السيادة تحت مفهوم الحرية والاستقلال والسلطة، وعنوا بتحديد مركز إمبراطوريتهم والتزاماتهم، إلا أن سلطة الدولة ظلت مطلقة بحكم الظروف الحياتية للعلاقات التي أنشأتها، فالدولة كانت مالكة لجميع الأراضي بينما لم يكن للأفراد إلا امتيازات مؤقتة على تلك الأراضي وهي امتيازات كانت قابلة للإلغاء في كل وقت، وللإمبراطور حرية مطلقة في التصرف فيها.
وبالتالي لا يختلف الرومان عن اليونان في نظرتهم إلى الدولة باعتبارها كيانا مقدسا لا يجوز محاسبتها ومن ثم كانت السلطات لا حدود لها. ولا يمكن القول بأن اليونانيين والرومانيين عرفوا الدولة القانونية بمفهومها الحديث على الرغم من وجود كثير من مظاهر هذه الدولة، فقد اقتصرت الديمقراطية في بلاد الإغريق على المواطنين الأحرار، وحقهم في ممارسة الحكم دون أن تعترف بحقوق أو حريات فردية في مواجهة الجماعة. وقد كان بإمكان الحكام أن يسلبوا الأفراد أموالهم أو حرياتهم، دون أن يكون بإمكان هؤلاء الأفراد أن يحتجوا بحقوق مكتسبة، أو حريات مقدسة، حيث لم يكن للأفراد حرية شخصية أو حرية تملك، أو حرية العقيدة أو حرية المسكن، ولم يكن للعبيد والنساء أي حقوق، إلا أنه يرجع لليونانيين الفضل في نشأة بعض الأفكار والمبادئ القانونية الراسخة في عالم اليوم مثل الديمقراطية والحرية والمساواة وغير ذلك وإن لم تصل إلى المفهوم العصري لها ومدلوله الشامل.
العصور الوسطى
أما السيادة في فترة العصور الوسطى فإن أهم ما تتصف به هو سيطرة المفاهيم المسيحية باعتبارها نظاما مميزا عن الدولة والصراع القائم بين السلطة الدينية والزمنية وتفشي نظام الإقطاع. وقد ولدت فكرة السيادة الحديثة من رحم هذه الظروف وشهدت تحولا في مفهومها، فقد كان تقديس الحكام معروفا في العصور القديمة وامتد إلى بداية العصور الوسطى، حيث استمد الحكام مكانتهم من ترويجهم لفكرة أنهم ظل الله على الأرض وأنهم يستمدون سلطتهم من الله مباشرة وليس من الشعب، وكان لذلك أثر مباشر في جعل سلطان الحاكم مطلقا وبلا حدود أو ضوابط. وبدأ تغير مفهوم السلطة بعد أن شهد هذا العصر مواجهة كبيرة بين السلطة الزمنية ممثلة في الإمبراطورية وسلطة الكنيسة ممثلة في البابا، وعلى الرغم من ظهور القاعدة الكنسية الشهيرة (ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، إلا أن هذا المفهوم لم يمنع التصادم بين هاتين القوتين المتصارعتين نظرا لعدم وضوح الاختصاصات والحدود بينهما في ذلك الوقت، وهكذا فإن هذا العصر شهد بذور فكرة فصل السلطتين ثم لاحقا الفصل بين السلطات السيادية.. التنفيذية والتشريعية والقضائية.
وشهدت فكرة السيادة تحولا على يد القديس (توما الأكويني) الذي قاد الحركة الفقهية المسيحية أثناء التحولات التاريخية لفكرة السيادة في العصور الوسطى، وكانت لأفكاره أثر بالغ في تطور مفهوم السيادة من الوجهتين القانونية والفلسفية، حيث اصطبغت السلطة بصبغة مسيحية وحررتها من رواسب فكر العصر القديم، وذلك بإهدار فكرة السلطان المطلق والتزام الحاكم بالقواعد العليا للقانون الإلهي، وهي وإن بدت الآن فكرة مطلقة وغير ديمقراطية فإنها في حينه كانت تحديا للسلطة المطلقة للملوك وكانت فكرة انتقالية نحو تأسيس السيادة على الإرادة الشعبية.
الدولة الإسلامية.. ومفهوم السيادة
وبالمقابل وفي الوقت الذي كانت فيه أوربا ترزح تحت ظلم العصور الوسطى المشبعة بالسلطان الكلي للدولة والسلطة المطلقة للحاكم دون حدود أو قيود، ولدت في الجزيرة العربية أول دولة متعددة الأديان والعرقيات والثقافات تكفل المواطنة المتساوية للنساء والعبيد والمسلمين من غير العرب والعرب من غير المسلمين بعدل وفق دستور المدينة، وذلك بعد هجرة الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم– من مكة إلى المدينة عام 622م. وظلت هذه الدولة قوية فتية في عهد الخلفاء الراشدين والتابعين من بعدهم، حيث اكتملت منها جميع عناصر "الدولة القانونية" بالمفهوم العصري والتي تعتمد على وجود دستور وتدرج في القواعد.
وبدأت السيادة في ظل الدولة الإسلامية بصبغة دينية باسم الخلافة، ثم اتجهت اتجاها زمنيا في عهد بني أمية، وعادت لتصطبغ بصبغة الحق الإلهي في العهد العباسي ومفهوم السيادة في النظرية الإسلامية حيث قامت الدولة على أسس ثابتة في القرآن الكريم والسنة. وقد اعترفت دولة الإسلام مبكرا بوجود إرادة عامة غير إرادة الأفراد، لكن بعض حكام المسلمين خاصة في عهد بني أمية انحرفوا عن هذا المفهوم حيث تم تحويل الخلافة إلى ملك وراثي عضوض.
العصر الحديث.. مفهوم جديد
فإذا ما انتقلنا للسيادة في العصر الحديث أو ما يطلق عليه البعض عصر النهضة في القرن الخامس عشر نجد الدولة الحديثة قد قامت على أنقاض النظام الإقطاعي، حيث أدى ضعف السلطة البابوية إلى إبراز فكرة السيادة وإعطائها مفهوما جديدا.
فمع بداية القرن السادس عشر وصلت فكرة الدولة كفكرة قانونية إلى مستوى مقبول من النضج بعد أن ساهمت في ذلك عوامل سياسية واجتماعية مختلفة واستطاعت أن تتحرر من رواسب العهد الإقطاعي وأصبحت السيادة ميزة أساسية للدولة وجزءا من شخصيتها. وأخذت فكرة السيادة المطلقة في الزوال لتحل محلها السيادة المقيدة التي استعرضها الفقيه "جان بودان" 1576م منذ أن كانت فكرة قليلة الشيوع والاستعمال إلى أن أخذت نصيبها من الشهرة والتقدير. وعلى الرغم مما أصاب هذه الفكرة من تطور على يد "بودان" فإنها لم تسلم من النقد، فقد دافع عن سيادة الدولة ومجد سلطانها حتى تسمو على الأفراد وتعلو على القانون، وبالتالي فلم يصل بالسيادة إلى الحد الديمقراطي المطلوب حيث استمرت مظهرا من مظاهر السلطة المطلقة.
وبفضل "جروشيوس" الذي اعتبر بحق أبا القانون الدولي الغربي وصاحب مدرسة القانون الطبيعي، تطورت فكرة السيادة باتجاه مفهوم جديد يأخذ في اعتباره تطور المجتمع الدولي، حيث استطاع أن يخلص السيادة من التصاقها بالحاكم وأن يحررها من رواسب الإطلاقية وأخضعها لمبادئ جديدة هي مبادئ القانون الطبيعي إضافة إلى القانون الإلهي.
وفي القرن الثامن عشر نادي المفكر "جان جاك روسو" في كتابه الشهير "العقد الاجتماعي" بالإرادة العامة للشعب، وبالتالي شهدت السيادة قيدا جديدا يجد أصالته في منبع جديد أشد التصاقا بالشخصية الإنسانية وبالحرية. وانتقلت السيادة من مصادرها الإلهية إلى مصادر اجتماعية أساسها الإرادة العامة للشعب والأمة، وهذه الإرادة هي التي تراقب الحاكم تمهيدا لإعلان مسئوليته في حالة خرقه للعقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين.
مما سبق نستطيع أن نحدد مضمون السيادة آخذين في الاعتبار الظروف التاريخية التي نشأت فيها هذه الفكرة والغرض الذي نشأت لتحقيقه.
خريطة المفهوم
يعرف "جان بودان" السيادة في مؤلفه المعنون "ستة كتب عن الجمهورية" الذي نشره 1576م بأنها سلطة عليا على المواطنين والرعايا، وفي تحليله لهذه السلطة العليا يرى بودان أنها أولا: سلطة دائمة.. بمعنى أنها تدوم مدى الحياة وبذلك تتميز عن أي منحة للسلطة تكون مقصورة على فترة زمنية محدودة.. وتأسيسا على ذلك لا يمكن أن توصف السلطة المطلقة المؤقتة بالسيادة. ولهذا السبب يفرق بودان بين "السيد Souverain " والحاكم الذي تكون سلطته مؤقتة ولذلك فلا يمكن وصفه بأنه صاحب سيادة وإنما هو مجرد أمين عليها فقط. ثانيا: إن هذه السلطة لا يمكن تفويضها أو التصرف فيها، كما لا تخضع للتقادم. ثالثا: وهي سلطة مطلقة لا تخضع للقانون لأن صاحب هذه السلطة هو الذي يضع القانون ولا يمكن أن يقيد نفسه، كما لا يمكن أن يكون مسئولا مسئولية قانونية أمام أحد.
والخاصية الأساسية لهذه السيادة أو السلطة المطلقة في نظر بودان تكمن في وضع القوانين "سلطة التشريع". وبذلك نجد أن بودان وضع ثلاثة حدود للسيادة، وهي:
أولا القانون الطبيعي: فصاحب السيادة يتقيد بالقانون الطبيعي وبقواعده ويجب عليه أن يتقيد بالمعاهدات والاتفاقيات التي يعقدها، ولكن من الذي يلزم صاحب السيادة باحترام القانون الطبيعي. هنا نجد بودان في موقف محرج يجعل نظريته في موقف متناقض ومع ذلك لا يعترف بأي جهة تفرض احترام القانون الطبيعي علي صاحب السيادة، وإلا كانت هذه الجهة حسب النظرية صاحبة السيادة الحقيقية.
ثانيا القوانين الدستورية الأساسية: ويخص بودان بالذكر قوانين وراثة العرش التي كان يرى أن الملك لا يستطيع أن يغيرها لأنه كان يؤمن بالدستور، وبأن التغيير في قوانين وراثة العرش يؤدي لإحداث القلاقل والاضطرابات؛ وهو ما يترتب عليه حدوث انقسامات في الدولة.
ثالثا الملكية الخاصة: كان جان بودان يؤمن بأن الملكية الخاصة قاعدة أساسية من قواعد القانون الطبيعي ولكنه أفرد لها بحثا خاصا، وكان يقول بأن السيد (صاحب السيادة) لا يستطيع أن ينتزع الملكية الخاصة من أي فرد في الدولة كما اعتقد بوجود حدود تتعلق بسلطة فرض الضريبة.
وبذلك يظهر التناقض في نظرية بودان بوضوح فهو في الوقت الذي يؤكد أن السلطة العليا لا حد لها في الدولة نراه يذكر أن هناك عدة عوامل محددة لها. هذه العوامل في الواقع تصيب النظرية بالصدع لأنها توجد بجانب السلطة العليا سلطات أعلى منها، كما أنه لا يستطيع أن يجد من يقوم بفرض وتنفيذ هذه الاستثناءات. ونجده لهذا السبب يضطر إلى الإيمان بحق الثورة في حالة التعدي علي أي من القيود الثلاثة التي حددها.
وإذا كان بودان قد عالج السيادة من زاوية الشئون الداخلية وعلاقة الدولة بالمواطنين، فقد عالجها هوجو جروشيوس من زاوية الشئون الخارجية وعلاقة الدولة بغيرها من الدول. فسر جروشيوس السيادة بأنها السلطة السياسية العليا التي تتركز في الشخص الذي لا تتمكن أي إرادة إنسانية من نقض أعماله. وبالرغم من هذا التعريف فقد نقضه جروشيوس نفسه عندما أباح الحد من هذه السلطة وتقسيمها في بعض الدول الأوربية. ويرجع هذا التناقض إلى رغبته في إنهاء الحروب التي كان يشعلها الأمراء ضد بعضهم البعض، فقد حاول أن يحد من سلطات الهيئات التي لها حق إعلان الحرب وعارض مبدأ السيادة الشعبية؛ لأنه رأى أنها تتعارض مع المحافظة على الأمن والنظام، واعتبرها المسئولة عن الاضطرابات والخلافات التي سادت في العصر الذي عاش فيه. ومن ناحية أخرى رأى جروشيوس أن للشعب حق اختيار نوع الحكم الذي يعيش في ظله، ومتى تم هذا الاختيار فيجب على الشعب أن يخضع لهذا النظام ويطبع الأوامر التي تصدر عنه. وأنكر جروشيوس على الشعب حقه في معارضة ومقاومة حاكميه، وتتميز أفكار جروشيوس في الدفاع عن الملكية المطلقة والسيادة على أراضي الدولة والمساواة بين الدول.
واتبع "هوبز" طريق "بودان" في إطلاقه للسلطة صاحبة السيادة، إلا أنه كان منطقيا أكثر فلم يأت بمضمون السيادة من الخارج وإنما حاول استخلاصه من هدف الدولة ذاته. فقد كانت حالة الفطرة في نظره تقوم على الفوضى وسيطرة الأقوياء، ولهذا السبب وبدافع خوف الإنسان من غيره، وبغريزة حب البقاء، اضطر الإنسان إلى الاتفاق مع غيره من أبناء جنسه على أن يعيشوا معا تحت إمرة واحد منهم وكان ضروريا أن يحتاج هؤلاء الأفراد أساسا آخر بالإضافة إلى العقد لكي يجعل اتفاقهم دائما مستمرا هذا الأساس هو سلطة مشتركة تلزمهم وتوجه أعمالهم للصالح المشترك بينهم، والوسيلة الوحيدة لإقامة هذه السلطة هي أن ينزل هؤلاء الأفراد إلى واحد منهم عن كل سلطاتهم وحقوقهم الطبيعية، فإذا ما تم ذلك فإن الشخص الذي اتحد فيه المجموع يكون صاحب السيادة ويكون بقية الأفراد رعايا له.
وما دام الأفراد قد نزلوا عن كل حقوقهم دون أن يلزموا الحاكم بشيء فإن سلطانه عليهم يكون مطلقا لا حدود له، ومهما أتى من تصرفات أو أفعال فلن يحق للأفراد أن يثوروا عليه أو أن يخالفوا أمره، وإلا عُدوا خارجين عن العقد ناكثين للعهد. ويهاجم "هوبز" الرأي القائل بأن الأفراد لم ينزلوا بالعقد الذي أقاموا به السلطة إلا عن جزء من حقوقهم واحتفظوا لأنفسهم بالجزء الباقي فالتنازل الجزئي في رأيه غير ممكن وإلا أبقينا على الحياة البدائية التي تسودها الفوضى والحروب بين الأفراد.
ونتيجة لذلك فإن السلطة عند "هوبز" تكون دائما مطلقة ويذهب "هوبز" في فكرة السلطان المطلق إلى حد القول بأن الدولة مالكة لجميع الأموال بحجة أن الأفراد قد نزلوا للحاكم الذي اختاروه عن جميع حقوقهم، وبالتالي لا تكون لهم على الأموال حقوق وإنما مجرد امتيازات يقررها الحاكم ويسحبها كما يشاء. وأخيرا فإن "هوبز" يرى أن الحاكم غير مقيد بأي قانون لأنه هو الذي يضعه ويعد له ويلغيه حسب هواه، وهو الذي يحدد معنى العدالة. وهكذا يبدو رأي كل من "بودان" و"هوبز" واضحا، فما دام الشعب قد تخلى كلية عن سلطته لكي ينقلها إلى الملك فإن هذا الملك لم يعد جزءا ضمن الشعب وإنما انفصل عنه وأصبح مستقلا عنه بل وساميا عليه وأصبح هو صاحب السيادة الذي يحكم من فوق المجتمع السياسي كله، فعندما يقول بودان "إن الأمير صاحب السيادة هو صورة الله في الأرض" فإن هذا التعبير يجب أن يفهم بكل ما يعنيه، فهو يعني أن صاحب السيادة يسود الشعب كما يسود الله الكون.
لكن مضمون السيادة تغير مع كتابات "جان جاك روسو" الذي يقول: إن العقد الاجتماعي يعطي المجتمع السياسي سلطة مطلقة على كل أعضائه، وهذه السلطة المطلقة التي تتولاها إرادة عامة تحمل اسم السيادة "والسيادة التي ليست سوى ممارسة الإرادة العامة لا يمكن أبدا التصرف فيها، وصاحب السيادة الذي هو كائن جماعي لا يمكن لأحد أن يمثله أو ينوب عنه سوى نفسه"، ويضيف روسو إلى ذلك أن "السلطة العليا لا يمكن تقييدها؛ ذلك أن تقييد السلطة العليا معناه تحطيمها"، وأن "السلطة صاحبة السيادة ليست في حاجة إلى ضمانات بالنسبة لرعاياها".
ويفسر "روسو" فكرة العقد الاجتماعي بقوله: إن الالتزام الاجتماعي والخضوع للسلطة لا يمكن أن يكون أساسها القوة، ذلك أن تأسيس السلطة على القوة وحدها يعني إنكار فكرة الحق كلية وينتهي "روسو" إلى أن كل جماعة سياسية لا يمكن تصور وجودها إلا باتفاق الأفراد فيما بينهم على الحياة في جماعة، وهذا الاتفاق أو العقد الاجتماعي لن يكون سليما ومشروعا في نظر روسو إلا إذا صدر من إجماع الإرادات الحرة. فالسيادة إذن ليست شيئا آخر سوى الإرادة العامة للمجتمع الذي أنشأه العقد الاجتماعي، والقانون هو التعبير عن هذه الإرادة العامة ليست هي الإرادة الإجماعية لكل المواطنين ولكنها إرادة الأغلبية، وهذا الخضوع لرأي الأغلبية هو أيضا أحد الشروط الضرورية للعقد الاجتماعي؛ لأن اشتراط الإجماع لكي يصبح القانون ملزما للجميع سوف يكون معناه الحكم على المجتمع بالعجز. ومن المعروف أن روسو كان يؤمن بالديمقراطية المباشرة لذلك السبب، أي لكي يمارس الشعب سيادته بشكل مباشر.
مفاهيم مشابهة
اختلط مفهوم السيادة بغيره من المفاهيم المشابهة مثل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، ويرجع هذا الخلط إلى أن السيادة تحتوي على هذه المفاهيم، ولكن كلا منها لا يعبر عن السيادة بل يعد مظهرا من مظاهرها، وفي كثير من كتب القانون تتداول كلمتا السيادة والسلطة كما لو كانتا ذواتي مدلول واحد غير أنه من المهم أن نفرق بين السيادة والسلطة.
يعتبر مفهوم السيادة أشمل من السلطة؛ فالسلطة" هي ممارسة السيادة (يطلق البعض على السيادة صفة السلطة العليا) أو أن حق السيادة هو مصدر حق السلطة، وكلمة "سيادة" اصطلاح قانوني يترجم كلمة فرنسية مشتقة من أصل لاتيني تعبر عن صفة لمن له السلطة لا يستمدها من غير ذاته ولا يشاركه فيها غيره، ولم تدخل هذه الكلمة لغة القانون إلا في القرن السادس عشر.
أما السلطة فهي "القدرة على فرض إرادة أخرى"، وتمثل الدولة السلطة القهرية التي تعلو على سلطة أي جماعة أخرى في المجتمع، والفرض يتم بإحدى وسيلتين، فهو إما أن يتم بوسائل القهر والعسف، وإما أن يتم بوسائل الإقناع الحر وضرب المثل وتقديم النموذج، وتزداد قوة السلطة دائما ويزداد استقرارها كلما زاد قبولها اختياريا عن طواعية. وقد تعددت أنواع السلطات فهناك السلطة التشريعية والسلطة الشخصية والسلطة التفويضية والسلطة السياسية والسلطة العامة والسلطة التنفيذية، ولا تزال السلطة السياسية هي أهم أنواع السلطة الحديثة.
وهناك أمران آخران يجب التفرقة بينهما وهما من يملك السلطة العامة ومن يباشرها. وفي ظل نظام الحق الإلهي كان الملك هو الذي يملك السلطة وهو الذي يباشرها في نفس الوقت، بينما في ظل نظام سيادة الأمة الذي يملك السلطة العامة أي السيادة هي الأمة، ولكنها لا تستطيع بصفة عامة أن تباشرها بنفسها، ولذلك وجدت هيئات أخرى في ظل النظام النيابي تقوم نيابة عنها بمباشرتها وهذه الهيئات هي البرلمان لوضع القواعد العامة والسلطة التنفيذية لإدارة شئون البلاد والمحاكم للفصل في المنازعات، ولكن هذه الهيئات لا تعتبر في ظل نظام سيادة الأمة مالكة للسلطات التي تباشرها، كما الحال بالنسبة للملك وهو يباشر السلطة في ظل الحق الإلهي، وإنما هذه الهيئات تباشر هذه السلطات أي نتائج فكرة السيادة العامة المملوكة للأمة، في حدود ما نصت عليه الدساتير والقوانين. ولذلك فإن خضوع هذه الهيئات في مباشرتها للسلطة والاختصاصات الممنوحة لها للرقابة القضائية أمر لا يتنافى مع فكرة السيادة العامة بل يستلزمه مبدأ سيادة الأمة ما دامت هذه الهيئات التي تباشر السلطة نيابة عنها، فضلا عن التأكد من أنها لم تخرج عما منحه إياها صاحب السيادة من اختصاصات بالنص الصريح، ولكن هذه الحقيقة قد غابت عن البعض فظن أن هذه الهيئات تعتبر صاحبة سيادة بل وصفوها بأنها سيد Souverain ولذلك رأوا عدم خضوع أعمالها للرقابة القضائية بحجة السيادة العامة.
وقد ميز جانب من الفقه بين ممارسة السيادة وتملكها قانونا، واعتبر أن السيادة الفعلية لمن يمارسها حتى ولو لم يملكها كما هو الحال في وضع المحتل، أما السيادة القانونية فستظل لصاحب الإقليم، وقد حاول الفقه الدولي ورواد المفكرين وضع مواصفات لبيان ماهية السيادة نتيجة لهذا الخلط.
السيادة وفلسفة الدولة
فكرة السيادة ليست خالية تماما من أوجه الغموض والاضطراب، ويرجع هذا الغموض والاضطراب في الأغلب والأعم إلى عدم التفرقة بين السيادة والدولة ذاتها، الغموض الواقع بين ما هو قائم فعلا وبين ما يريد الناس أن يتحقق للدولة وبها. فهناك مثلا مدرسة ألمانية متطرفة في نظرتها إلى السيادة وضرورة أن توجد في صورتها الكاملة المثالية، وتهدف هذه المدرسة إلى تبرير السلطة المطلقة للدولة، كما كانت سياسة بروسيا التقليدية. ويعتبر هيجل الفيلسوف الألماني الكبير من رواد هذه المدرسة، وقد استمرت أصداء هذه المدرسة فيما بعد ووجدت لها أنصارا أقوياء في عهد النازية والفاشية.
وهناك صعوبات واضطراب في التفرقة بين النظرية القانونية في السيادة والتطبيق والواقع السياسي. فالنظرية القانونية للسيادة تضع السلطة القانونية النهائية في يد شخص محدد أو مجموعة من الأشخاص. وفي هذه الحالة فإن سلطة من يملك السيادة لا يعلي عليها وهو يمتلك السلطة والقوة لفرض الطاعة لإرادته ورغبته. ولكن المشكلة هنا هي أين يمكن أن توجد هذه السلطة النهائية؟.
وبالطبع فإنه لا توجد إجابة واحدة كافية للرد على هذا التساؤل؛ فهي تختلف في الواقع من بلد لآخر، بل إنها لا تظل ثابتة في البلد الواحد.
كما أنه يجب التفرقة بين السلطة الحقيقية ومصدر هذه السلطة؛ فهناك فرق واضح بين القول بأن الشعب هو مصدر كل السلطات، والقول بأن الشعب يحكم نفسه بنفسه فعلا.
ومما لا شك فيه أن هناك علاقة وثيقة بين السيادة السياسية والسيادة القانونية، وإلى جانب السيادة القانونية والسيادة السياسية فقد توجد بعض التغيرات والمفاهيم الأخرى للسيادة مثل السيادة الشعبية Sovereigaty popular والسيادة القانونية de jure والسيادة الواقعيةde facto.
وقد ظهرت فكرة ومبدأ السيادة الشعبية في القرن السادس عشر والسابع عشر بصفة خاصة، كتعبير عن استياء الشعب ورفضه للسلطات المطلقة والظالمة للملوك واعتمادهم على نظرية الحقوق ويعطي مبدأ السيادة الشعبية، للشعب السيادة النهائية ويعتبر روسو رائد الداعين لها وقد أصبحت فيما بعد شعارا للثورة الفرنسية.
أما تعبير السيادة القانونية de jure فهي في أساسها تنبني علي القانون وهي ترتبط بحق الحكم والاستحواذ على الطاعة في المجتمع، ويستحوذ الشخص (أو مجموعة الأشخاص) الذين يمارسون السلطة من الناحية الفعلية ولو مؤقتا، على طاعة جزء كبير من الشعب يكون هو صاحب السيادة الفعلية de facto والذي قد لا يكون هو نفسه صاحب السيادة القانونية de jure، وقد يعتمد صاحب السيادة الفعلية على السلطة والسلطان المادي أو المعنوي في فرض نفوذه وحكمه.
خصائص السيادة
الاتجاه العام لكثير من الكتاب هو أن السيادة لها خمس خصائص هي أنها:
1- مطلقة: بمعنى أنه ليس هناك سلطة أو هيئة أعلى منها في الدولة فهي بذلك أعلى صفات الدولة ويكون للدولة بذلك السلطة على جميع المواطنين، ومع ذلك فإنه مما لا شك فيه توجد عوامل تؤثر على ممارسة السيادة يمكن اعتبارها، حدودا قانونية، فحتى الحاكم المطلق لا بد أن يتأثر بالظروف التي تحيط به سواء كانت هذه الظروف اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية كما يتأثر أيضا بطبيعته الإنسانية، كما يجب أن يراعى تقبل المواطنين للقوانين وإمكان إطاعتهم لها.
2- شاملة: أي أنها تطبق على جميع المواطنين في الدولة ومن يقيم في إقليمها باستثناء ما يرد في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية مثل الدبلوماسيين وموظفي المنظمات الدولية ودور السفارات. وفي نفس الوقت فإنه ليس هناك من ينافسها في الداخل في ممارسة السيادة وفرض الطاعة على المواطنين.
3- لا يمكن التنازل عنها: بمعنى أن الدولة لا تستطيع أن تتنازل عنها وإلا فقدت ذاتها، يقول روسو: "لما لم تكن السيادة سوى ممارسة الإرادة العامة فإنها مما لا يمكن التنازل عنه، إن صاحب السيادة الذي ليس سوى كائن جماعي لا يمكن أن يمثله غيره؛ فالسلطة مما يمكن نقله ولكن الإرادة لا يمكن نقلها والواقع أنه إذا لم يكن من المتعذرات أن تلتقي إرادة خاصة في نقطة مع الإرادة العامة فإنه من المستحيل على الأقل أن يكون هذه الالتقاء ثابتا ومستمرا" الفصل الأول – الكتاب الثاني).
4- دائمة: بمعنى أنها تدوم بدوام قيام الدولة والعكس صحيح، والتغير في الحكومة لا يعني فقدان أو زوال السيادة؛ فالحكومات تتغير ولكن الدولة تبقى وكذلك السيادة.
5- لا تتجزأ: بمعنى أنه لا يوجد في الدولة الواحدة سوى سيادة واحدة لا يمكن تجزئتها. ويقول "روسو" إن السيادة لا تتجزأ؛ لأن الإرادة إما أن تكون عامة وإما ألا تكون كذلك، فهي إما إرادة الشعب في مجموعه وإما إرادة جزء منه فقط، وفي الحالة الأولى تكون الإرادة العامة المعلنة عملا من أعمال السيادة ولها أن تسن القوانين، وفي الحالة الثانية ليست سوى إرادة خاصة أو عمل من أعمال الإدارة ولا تكون إلا مرسوما على أكثر تقدير".
مصدر السيادة ومنطلقها
ولكي نكمل تصور مفهوم السيادة بشكلها التقليدي يجب أن نتحدث عن الأساس الذي قامت عليه السيادة؛ فالسيادة إرادة لها خاصية خاصة بها وهي أنها إرادة عليا مستقلة ولا يمكن تقييدها، إلا أنها إرادة إنسانية، فكيف يمكن تفسير أن هذه الإرادة الإنسانية تسمو على سائر الإرادات الإنسانية الأخرى، وهذا السؤال أجابت عليه النظريات المختلفة، وهي:
1- النظريات الثيوقراطية:
هي النظريات التي ترجع مصدر السيادة إلى الله، في القرن الخامس أبدعت الكنيسة تبريرا لحقها في السيطرة النظرية المعروفة باسم "نظرية الحق الإلهي" (ومذهب آباء الكنيسة) مؤادها أن الحكم لله وحده لله وأنه يختار لأدائه في الأرض من يشاء فيصبح حاكما بأمر الله. في المقابل أبدع أنصار الملوك في مواجهة الكنيسة نظرية أخرى في السيادة هي نظرية "العناية الإلهية" والتي تذهب إلى أن إرادة الله توجه شئون الناس وعقولهم وإرادتهم على وجه مباشر إلى أن تصبح السلطة في يد واحد منهم، فهو لا يكسبها بجهد ولا يستحقها لأمر خاص به ولا يتلقاها من أحد من الناس، ولا من الله أيضا، ولكن عناية الله هي التي وضعته في موضعه.
وهما نظريتان لم تكونا مقصورتين على تبرير الاستبداد بالسلطة في أوربا وحدهما، ولا هما مقصورتان على تبريره في القرون الأوربية الوسطى فقط، وإنما انتحل الخليفة المنصور العباسي (714هـ- 775) "مذهب آباء الكنيسة" حينما خطب في مكة المكرمة فقال: "أيها الناس أنا سلطان الله في أرضه" وانتحلها أباطرة الصين قديما، فكان الإمبراطور هو ابن السماء. كما انتحل معاوية بن أبي سفيان الأموي (602-680) نظرية العناية الإلهية لتبرير استبداده بالسلطة دون الخليفة المنتخب، حيث قال: "لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر (الولاية) ما تركني وإياه. ولو كره الله ما نحن عليه لغيره".
وفي العصر الحديث استخدم غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا "نظرية الحق الإلهي" حينما قال في عام 1910م إن الله هو الذي ولاه الملك، وفي عام 1926م حين قال إن تولية الملك حق إلهي، وسار هتلر ديكتاتور ألمانيا على النهج نفسه قبيل أن يبدأ الحرب الأوربية الثانية حين وجه الشكر إلى العناية الإلهية التي اختارته زعيما لألمانيا (28 إبريل 1939م)، وكذلك ديكتاتور أسبانيا فرانكو، حين أمر في عام 1947 بصك عملة تحمل عبارة "فرانكو القائد بعناية الله". وهناك اليوم من ينتحل سلطة الرب تحت عنوان معسكر الخير ومعسكر الشر والحرب الصليبية الجديدة.
وفي مواجهة هاتين النظريتين استمدت الثورة الفرنسية نظرية حركة التنوير في السيادة فأسندتها إلى الشعب، وصاغتها في المادة من دستور 1791 "السيادة واحدة، غير قابلة للتجزئة أو الانتقال أو الاكتساب بالتقادم وهي تخص الأمة وليس لأي جزء من الشعب أو أي فرد أن يدعي ممارستها".
2- النظــريات الديمقراطـية:
تقوم على أساس أن السيادة مصدرها الشعب وأهم النظريات الديمقراطية هي نظرية العقد الاجتماعي التي تقول بوجود حياة فطرية تسبق قيام الجماعة وأن الانتقال من حياة الفطرة إلى حياة الجماعة قد تم بناء على عقد اجتماعي بين الأفراد بقصد إقامة السلطة الجماعة.
3- النظرية الإسلامية:
وهي التي تجمع بين المصدر الشرعي للحق السيادي من ناحية، أي ضرورة وجود السلطة وانتظام الناس في نسق يقوم على الاختيار والبيعة وتحكيم دستور وقانون مصدرهما الكلي مبادئ الشريعة الإسلامية من ناحية، والرقابة الشعبية الصارمة وحق الناس في خلع الحاكم وتولية غيره إذا ثبت خروجه عن الشرعية.. فالنظام الإسلامي كما أسماه أبو الأعلى المودودي نظام "ثيو- ديمقراطي"، وهو ما فصل فيه بامتياز الفقيه الدستوري المعاصر البارز عبد الحميد متولي، وكتب فيه العلامة عبد الرزاق السنهوري، وأيضا فصله الأستاذ توفيق الشاوي في كتابه فقه الشورى والاستشارة، فمن أراد التفصيل فليرجع لهؤلاء.
انقلاب في عصر العولمة والتدخل
من خلال ما سبق نستنتج أنه خلال أكثر من ثلاثة قرون تطور النظام الدولي من أجل هدف محدد هو ضمان سيادة الدولة، والذي قام على أساس أن تكتسب الدولة أهليتها من خلال السيادة بجانبيها الداخلي والخارجي. وجاءت أحداث التسعينيات لتغير النظام الدولي، بعد اتساع مدى التدخل وأسبابه خلال هذا العقد الذي شهد في النصف الأول منه أحداث ومواقف وأزمات حادة في العراق والصومال وتاهيتي ويوجوسلافيا السابقة ورواندا وليبيريا، وأما الأحداث الأخرى التي حدثت في النصف الأول فقد ارتبطت بعدد من القرارات ضد أفغانستان 1996- 1999م والسودان 1996م، ثم كوسوفو وتيمور الشرقية في1999 والبوسنة والهرسك. وتعتبر قرارات الأمم المتحدة في تلك الفترة نقطة تحول أسياسية بالنسبة لمفهوم السيادة وكيفية إدارة الأمن والسلام الدوليين. وعكس الاستخدام الجديد لصلاحيات مجلس الأمن الموجودة في الباب السابع للميثاق بدء مرحلة جديدة من الجهود لحماية البدل والمجتمع الدولي.
وبإعادة تعريف مفهوم التهديد للسلام والأمن الدوليين، وباعتبار أن الدول هي التي تكون المجتمع الدولي، أعاد مجلس الأمن صياغة المبدأ الحاكم الذي يحمي الدول والنظام الدولي الذي يعتمدون عليه، فالمبدأ القديم والمؤسس على مفهوم السيادة كان حماية الدولة ضد التدخل في شئونها الداخلية والحفاظ على النظام والاستقرار باتخاذ إجراءات لوقف العدوان الخارجي المسلح ضد الدول.
الآن تغير الحال، وتغيرت الاحتياجات وأصبح التحدي الذي يواجه السلام والأمن هو حماية النظام الدولي الذي تعتمد عليه الدول من الفوضى وعدم الاستقرار نتيجة ما قد يحدث من أحداث وقلاقل داخل بعض الدول الأخرى، الأولوية الآن هي منع الاضطرابات الداخلية في الدول من أن تنتقل عدواها إلى الجسد الدولي فتؤثر على غالبية الدول التي تعتمد عليها.
وقد تحول المجتمع الدولي عما كان يعرف في الماضي "بمجتمع الدول" Community of nations ليصير مجتمعا دوليا بالمعنى الدقيق international Community، وهو ما ترتب عليه أن إرادة هذا المجتمع لم تعد تتمثل فقط في المجموع الحسابي (الإيرادات الوحدات السياسية المكونة له) وإنما أصبحت له فوق ذلك وفي حدود معينة إرادة ذاتية مستقلة. وقد سوغ هذا التصور لبعض الباحثين القول بأن إرادة المجتمع الدولي -بهذا المعني المشار إليه ومعبرا عنه بصور شتي- أصبحت مصدرا من مصادر الالتزام في نطاق العلاقات الدولية المعاصرة. كما سوغ هذا التطور أيضا لفريق ثان من الباحثين الحديث في أن "البشرية" برمتها قد أصبحت شخصا قانونيا دوليا أو على الأقل بسبيلها لأن تكون كذلك. كما أضحى لهذا المجتمع الدولي من جهة ثالثة نظامه العام الخاص به، والذي يرتكن إلى مجموعة من القواعد القانونية الآمرة التي يحتج بها في مواجهة الكافة ولا يجوز قانونا وكمبدأ عام الاتفاق على مخالفتها.
وقد سارت التطورات العديدة التي شهدها النظام الدولي في عقوده الأخيرة في اتجاه تقليص دور السيادة الوطنية وإيلاء أهمية خاصة للعمل الجماعي في نطاق العلاقات الدولية المتبادلة. وبرغم أن حق الدولة في العمل بقوانينها وحقها في أن تكون في مأمن من التدخل الخارجي لم يسلب تماما، فإن القداسة التي أحاطت بها كمظاهر أساسية لسيادة الدولة لم تعد كما كانت من قبل، وأصبح لممارسة الحقوق شروط من منظور المساءلة الدولية ليس كحقيقة واقعة ولكن من ناحية المبدأ على الأقل، لقد تم تدويل السيادة.
تدويل السيادة
واشتملت عملية تدويل السيادة على توسيع لأبعادها الخارجية فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي وهي الاعتراف المتبادل بين دول لها سيادة اتسعت بصورة معينة أدت إلى وضع شروط لممارسة الدولة حقوق السيادة، أهمها ألا يتسبب من جراء تلك الحقوق إحداث اضطراب في النظام العالمي. وفي كثير من الحالات التي حدث فيها ذلك، مارس مجلس الأمن السلطات المخولة له متجاوزا الحقوق التقليدية للسيادة. وأكد الإجراء العسكري الذي اتخذه حلف الناتو تجاه كوسوفو، الواقع الجديد بأنه قد أصبح ممكنا أن تقوم دولة ما بهذا العمل عندما لا تقوم الأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ الإجراءات الكافية.
ويعتبر وضع كوسوفو وتيمور الشرقية تحت السلطة الكاملة لإدارة دولية انتقالية بتكليف من الأمم المتحدة من أكبر العلامات وضوحا على وجود صورة للسيادة الدولية؛ لذلك فإن شرط الاعتراف بسلطة الدولة العليا لم يعد يرجع فقط إلى الشعب، ولكن إلى حقيقة أن الدولة ليست عنصرا للفوضى والاضطراب في المجتمع الدولي.
ويعني مفهوم تدويل السيادة وجود نظام لمساءلة الدول في حالة تعسفها الشديد في ممارسة حقوق السيادة. وقد تأكد هذا الشرط الجديد لسيادة الدولة عندما صرح السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي أنان أنه لم يعد هناك حصانة للسيادة.
ومن جهة أخرى نجد أن كوفي أنان في المشروع الذي طرحه على الجمعية العامة في دورتها (54) يعتبر أن السيادة لم تعد خاصة بالدولة القومية التي تعتبر أساس العلاقات الدولية المعاصرة ولكن تتعلق بالأفراد أنفسهم، وهي تعني الحريات الأساسية لكل فرد والمحفوظة من قبل ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي فهو يدعو إلى حماية الوجود الإنساني للأفراد وليس حماية الذين ينتهكونها. وبهذا الطريق يكون أنان قد أزال العقبات أمام المنظمات الدولية لكي تباشر أعمالها في مشروع التدخل لوقف انتهاكات حقوق الإنسان دون تفويض من الأمم المتحدة.
ومفهوم السيادة بهذا الشكل لا يمكن أن يستقر ويستقيم، فليس هناك ما يبرر لأي دولة، حتى لو كانت الدولة العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية (المتحدث الرسمي باسم حقوق الإنسان) أن تدعي الحق في تغيير أي نظام سياسي في أي دولة أخرى، بل ليس للأمم المتحدة نفسها مثل هذا الحق، ذلك أن القبول بهذا العمل لا يعني الحلول نفسها في تقرير مصيره والتحكم بمصالحه الخاصة، ولكنه يهدد أكثر من ذلك القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها النظام العالمي حتى الآن وهي سيادة الدولة وحريتها. ولا يغير من هذا كون النظام المستهدف نظاما استبداديا قائما على القوة المحضة وناكرا لجميع الحقوق المعرفية والسياسية لمواطنيه.
لكن رفض التسليم لأي دولة ولأي تكتل أو تحالف دولي مهما كان نوعه ومسوغات تشكيله بالتدخل باسم المجموعة الدولية أو باسم مصالحه الخاصة لتغيير نظام سياسي استبدادي وظالم في بلد ما لا يعني في الوقت نفسه وينبغي ألا يعني القبول باستمرار مثل هذا النظام ولا يقلل من المسئولية الدولية في عدم القضاء عليه، فمثل هذا السلوك لا يمكن أن يعني شيئا آخر سوى النذالة والجبن وانعدام المسئولية الجماعية على مستوى المجموعة الدولية بأكلمها.
وبالتالي فلا يوجد شيء يمكن أن يبرر اليوم استمرار نظم تجرد شعوبها من حقوقها وتسومها سوء العذاب بذريعة السيادة القومية تماما، كما أنه لا شيء يمكن أن يبرر ترك شعب يخضع للاحتلال ويجرد من حقوقه وموارده ومستقبله معا كما هو الحال في فلسطين وفي العديد من المناطق الأخرى، وأخيرا ما حدث بالعراق (في القرن الحادي والعشرين) بذريعة الأمن أو الحرب ضد الإرهاب، ففي الحالتين تقع المجموعة الدولية في ذنب الضلوع مع الظلم والتقاعس عن مد يد العون لبشر يتعرضون لأخطار محدقة.. إذن فلا يمكن لمبدأ السيادة أن يستقر إلا إذا رافقه مفهوم التضامن الإنساني الذي يحدد شروط استخدامه بحيث لا يتحول إلى أداة لإخضاع شعوب وجماعات وإذلالها وتسخيرها لخدمة أهداف خاصة، سواء أكان ذلك بالقوة المهنة أم بالتحالف والتآمر مع قوى خارجية، وهو حق يرتب على جميع الدول مشتركة واجب السعي لإنقاذ الشعوب التي اغتصبت حقوقها الأساسية المعروفة، سواء أكان ذلك من قوى داخلية أو خارجية لا فرق.
وللأسف بدلا من العمل على تطوير آليات في هذا الاتجاه على مستوى المجموعة الدولية، نجحت بعض الأطراف في بداية التسعينيات من القرن الماضي في الحصول على تصويت المنظمة الدولية على حق سمي "حق التدخل الإنساني" كان من نتيجته إجهاض مفهوم التضامن اللازم والواجب على المجموعة الدولية تجاه الشعوب المستضعفة، لصالح إضفاء المشروعية الدولية على تدخل دول المجموعة الأطلسية في المناطق والمواقع التي تجد أن لها مصلحة قومية أو إقليمية واضحة في التدخل فيها، وبحسب ما تتطلبه هذه المصالح لا ضمان حقوق الشعوب ولا حريتها وسيادتها.
والواقع أن تفاوت الدول من حيث الموارد والإمكانيات جعل بعض الباحثين يميزون بين السيادة كمفهوم قانوني بمعنى وحدة الخطاب القانوني وعمومية القاعدة القانونية الدولية بالنسبة لجميع المخاطبين بها وبدون أدنى تمييز، والسيادة كمفهوم سياسي بمعنى القدرة الفعلية أو الحقيقية للدولة على رفض الخضوع لأي سلطة أخرى غير سلطتها هي، بالضبط مثل مفهوم المواطنة في الداخل. فقد تكون الدولة مستقلة قانونا، ولكنها عاجزة عن إشباع احتياجات مواطنيها؛ وهو ما يعرضها لضغوط وتأثيرات بعض الدول الأخرى؛ الأمر الذي يجعل استقلالها منقوصا، وبالتالي تعجز عن مباشرة بعض مظاهر سيادتها. وفي ظل العولمة تخضع الحياة الاقتصادية والسياسية أكثر فأكثر لتأثير قوى السوق، وهذه بدورها تخضع لتأثير مصالح الشركات المحلية والدولية أكثر مما تخضع لأوامر الدولة.
ومن بين التطورات الدولية التي صاحبت العولمة تغير هيكل النظام الدولي من نظام ثنائي القطبية إلى نظام أحادي القطبية وذهب البعض إلى أن النظام أحادي القطبية يؤدي إلى انتهاك سيادات الدول. وعلى سبيل المثال لم يكن من الممكن أن يحدث لسيادة العراق ما يحدث لها الآن من اتتهاكات لو استمر النظام الدولي الثنائي القطبية. ومن التغيرات الأخرى المصاحبة للعولمة الثورة الهائلة في وسائل الاتصال، فقد ترتب عليها تقريب غير معهود للمسافات بين مختلف مناطق العالم، وأدى ذلك إلى أن أي حدث يقع في أي منطقة من العالم يكون له صداه في غيره من المناطق دونما اعتبار للحدود السياسية أو لمبدأ السيادة الإقليمية. وترتب على ذلك العديد من المظاهر السلبية تجاه سيادة الدولة، فلم تعد هناك خطوط فاصلة بين الشأنين الداخلي والخارجي وأصبحت الدولة مسئولة مسئولية دولية مباشرة ليس فقط عن أفعالها غير المشروعة التي يترتب عليها حدوث ضرر مادي للدول الأخرى أو لمواطني هذه الدول، وإنما تسأل أيضا عن أفعالها المشروعة التي تصدر عنها إعمالا لمبدأ السيادة وفي نطاقها الإقليمي التي يترتب عليها حدوث ضرر للغـير.
السيادة الوطنية.. رؤية مستقبلية
ماذا عن احتمالات المستقبل؟ وإلى أي مدى يمكن القول بأن فكرة السيادة الوطنية بسبيلها الآن إلى التلاشي أو الانهيار في ظل أوضاع التواصل المستمر والاعتماد المتبادل المتنامي بين مختلف مناطق العالم وليس فقط بين دولة؟.
يمكن الإجابة على هذا السؤال بشقيه في نقطتين: أولاهما أن الاتجاه نحو تقليص دور السيادة الوطنية في نطاق العلاقات الدولية المتبادلة سيأخذ في الاطراد والتزايد علي الأقل خلال المستقبل المنظور ويعزى ذلك إلى كون أن العديد من التطورات التي سلفت الإشارة إليها لا تزال فعالة ومؤثرة في تشكيل بنية النظام الدولي في وضعه الراهن.
أما النقطة الثانية التي نود الإشارة إليها هنا، وفي معرض الإجابة عن السؤال المطروح، فمؤداها أن التسليم بالاستنتاج السابق ينبغي ألا يفهم منه أن مبدأ السيادة الوطنية -وفكرة الدولة القومية من أساسها- بسبيله إلى الاختفاء، فالراجح حتى الآن هو أن التطورات الراهنة في النظام الدولي لن تأتي على المبدأ المذكور تماما فالسيادة الوطنية ستظل باقية ما بقيت الدولة القومية ذاتها وتقديرنا أنه لم يجرؤ أحد حتى الآن على القول بأن هذه الدولة القومية ستنهار، بل إن العكس يبدو أنه الصحيح وأن أقصى ما يمكن لهذه التطورات الجارية في النظام الدولي المعاصر أن تفعله هو أن تنال من طبيعة الوظائف أو الأدوار التي تضطلع بها الدولة بالمقارنة بما كان عليه الحال في ظل النظام الدولي التقليدي. وطالما بقيت الدولة فستبقى معها رموزها الأساسية ومنها مبدأ السيادة ولكن بعد تطويعه بما يتناسب والأوضاع والظروف الدولية المستحدثة.
وان كان هذا لا يمنع أن نتناول طرح المفكرين والباحثين لرؤى مستقبل السيادة الوطنية في ضوء المتغيرات الحادثة خاصة العولمة. وقد وضع الباحثون أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل السيادة الوطنية هي:
1- سيناريو اختفاء السيادة:
يرى أنصار السيناريو أنه كما حلت الدولة محل سلطة الإقطاع تدريجيا منذ نحو خمسة قرون، سوف تحل اليوم الشركة متعددة الجنسيات تدريجيا محل الدولة والسببان الشركات متعددة الجنسية تسعى خلال تلك المرحلة إلى إحداث تقليص تدريجي في سيادة الدول، بما يؤدي إلى اختفاء مفهوم السيادة، ثم الدولة القومية ذاتها في مرحلة لاحقة، وستكون الوظيفة الجديدة للدولة خدمة المصالح المسيطرة وهي في الأساس مصالح الشركات الدولية العملاقة.
والواقع أن فكرة تلاشي سيادة الدولة، ثم اختفاء الدولة القومية في مرحلة لاحقة من الأفكار الشائعة في تاريخ تطور الفكر السياسي، حيث قالها ماركس والفوضويون ومع ذلك لم تنته السيادة ولم تتلاش الدولة القومية.
2- سيناريو استمرارية السيادة:
يرى أنصار هذا السيناريو أن التطورات الراهنة في النظام الدولي لن تأتي على السيادة تماما؛ فالسيادة الوطنية ستظل باقية ما بقيت الدولة القومية ذاتها، وأقصى ما يمكن للتطورات الجارية في النظام الدولي المعاصر أن تفعله هو أن تنال من طبيعة الوظائف أو الأدوار التي تضطلع بها الدولة بالمقارنة بما كان عليه الحال في ظل النظام الدولي التقليدي.
3- سيناريو الحكومة العالمية:
يذهب هذا السيناريو إلى أن هناك تغييرا سيحدث في مفهوم السيادة الوطنية، حيث ستتنازل الدولة القومية عن سيادتها لصالح حكومة عالمية منبثقة من نظام عالمي ديمقراطي، حيث تغير العولمة طرح فكرة الحكومة العالمية ليس باعتبارها حلا بعيد المنال وإنما باعتبارها عملية في طور التكوين.
4- سيناريو التفكيكية:
يتوقع أنصار هذا السيناريو أن الدول القومية لن تكون قادرة على مباشرة مظاهر سيادتها على إقليمها بسبب تفككها إلى عشرات وربما إلى مئات من الدول القومية الصغيرة، تارة تحت دعوى التعبير عن هويات من حقها أن تعبر عن نفسها، وتارة أخرى تحت دعوة توطيد صلة المواطنين بالسلطة، وربما احتجاجا على تحيز النظام الدولي الجديد لجماعات دون أخرى، وعلى الرغم من تزايد الحروب الأهلية والنزعات الانفصالية؛ وهو ما يجعل حدوث هذا السيناريو محتملا، فإن ثمة تحفظات أخرى تلاحقه، فلا بد أن قوى مضادة ستعمل على مرحلة هذا السيناريو بسبب خطورته الشديدة.
خلاصــة:
نخلص إلى عدة حقائق قائمة على البحث التاريخي في تطور مفهوم السيادة، أهمها أن مبدأ السيادة دائم مستمر لا يتغير، إلا أن صورتها وحقيقتها والمسئوليات التي تنهض بها تتغير مع الزمن أو يعاد توزيعها. ولا تعني التطورات الحادثة الآن نهاية مفهوم السيادة، ولكن تعني أن السيادة قد تغير مفهومها وتم إعادة توزيعها.. فقبل الثورة الفرنسية كانت السيادة ملكا للأباطرة والملوك ثم انتزعها الثوار ومنحوها للشعب، وصاحب ذلك موجة عارمة من استغلال الشعوب اعتدادها بنفسها. أما التطورات العالمية الحالية فقد أدت إلى تدويل السيادة وتوسيع نطاقها بحيث لم تعد خاصة بالشعب والدولة وحدها ولكن يشارك فيها المجتمع الدولي ممثلا في القوى المتحكمة به.
أما ما يشار إليه في الفقه القانوني عادة بمبدأ المساواة في السيادة أو مبدأ المساواة بين الدول المستقلة ذوات السيادة، فإنما هو مبدأ نظري ويكاد يكون العمل في الغالب والواقع على غير ذلك.
ومؤدى ذلك أن السيادة ترتبط ارتباطا وثيقا من حيث طبيعتها ومدى اتساع أو ضيق نطاق تطبيقها بقدرات الدولة وإمكاناتها الذاتية، أي أن القوة -باختصار- شرط من شروط ممارسة السيادة والحفاظ عليها، وهو ما يثير في النهاية قضية العدالة الدولية على كافة الأصعدة، لكن هذا بداية جدل آخر يستحق بحث منفصل.
________________________________________
** باحثة في العلوم الاجتماعية والإعلام – مصر.

يصف المحللون اليبرالية بأنها أيدلوجية قابلة للتأويل لها مائة وجه، تجيد المراوغة والتحول وتوظف المفاهيم الإنسانية الكبرى والقيم النبيلة من أجل تحقيق منافع مباشرة اقتصادية بالأساس، حتى يحار المرء في فهمها وتحديد موقف محدد منها، ففي الفكر والنظرية تسمو قيم الحرية والفردية لكن في التطبيق تتلاشى الحريات ويسود السوق وتهيمن الرأسمالية المتوحشة. ورغم الالتباس والجرائم الكبرى تجد منظومة الليبرالية لديها من الكبرياء ما يدفعها للزعم بأنها الحل التاريخي والإجابة الأبدية لأسئلة المجتمع والدولة كما في أطروحة نهاية التاريخ لفوكوياما، في حين لا يرى فيها نقادها إلا نسقا مثاليا تأكله آليات الاقتصاد فيستعصي جوهره كرؤية للتحرر والتحقق الفردي على التطبيق.
وتذهب معظم الكتابات إلى أن استخدام مصطلح "ليبرالي" بدأ منذ القرن 14، ولكنه كان يحتمل معاني متعددة ودلالات شتى، فالكلمة اللاتينية liber تشير إلى طبقة الرجال الأحرار، أي أنهم ليسوا فلاحين مملوكين أو عبيدا. والكلمة كانت ترادف "الكريم" أي "ليبرالي" أو سخي في تقديمه لمعونات المعايش للآخرين. وفي المواقف الاجتماعية كانت الكلمة تعني "متفتحا" أو ذا عقل وأفق فكري رحب. وترتبط الكلمة كثيرا بدلالات الحرية والاختيار.


ويليام جلادستون
لكن الليبرالية بمفهومها السياسي لم تظهر إلا في أوائل القرن 19، وأول استخدام كان في أسبانيا في عام 1812، وبحلول الأربعينيات من ذلك القرن كان المصطلح قد صار واسع الانتشار في أوربا؛ ليشير إلى مجموعة من الأفكار السياسية المختلفة. ولكن في إنجلترا انتشر المصطلح ببطء برغم أن الأعضاء ذوي الشعر المستعار Whigs (أعضاء حزب بريطاني مؤيد للإصلاح) أطلقوا على أنفسهم "الليبراليون" أثناء الثلاثينيات من القرن 18، وكانت أول حكومة ليبرالية هي حكومة جلادستون Gladstone التي تولت الحكم عام 1868.
ولم تظهر الليبرالية كمذهب سياسي قبل القرن 19، ولكنها قامت كأيدلوجية على أفكار ونظريات تنامت قبل ذلك بـ300 عام، حيث نشأت الأفكار الليبرالية مع انهيار النظام الإقطاعي في أوربا والذي حل محله المجتمع الرأسمالي أو مجتمع السوق.
كانت الليبرالية تعكس آمال الطبقات المتوسطة الصاعدة التي تتضارب مصالحها مع السلطة الملكية المطلقة والأرستقراطية من ملاك الأراضي، وكانت الأفكار الليبرالية أفكارا جذرية تسعى إلى الإصلاح الجذري وفي بعض الأوقات إلى التغيير الثوري. فالثورة الإنجليزية في القرن 17 والثورات الأمريكية والفرنسية في أواخر القرن 18 كانت تحمل مقومات ليبرالية رغم أن المصطلح لم يستخدم حينذاك بالمفهوم السياسي. وقد عارض الليبراليون السلطة المطلقة للحكم الملكي والذي قام على مبدأ "الحق الإلهي للملوك"، ونادى الليبراليون بالحكم الدستوري ثم لاحقا بالحكومة التمثيلية أو البرلمانية. وانتقد الليبراليون الامتيازات السياسية والاقتصادية لدى ملاك الأراضي والنظام الإقطاعي الظالم، حيث كان الوضع الاجتماعي يحدد حسب "المولد". كما ساندوا الحركات السياسية التي تنادي بحرية الضمير في الدين وتتشككوا في السلطة المستقرة للكنيسة.
ويعتبر القرن 19 في كثير من الجوانب قرنا ليبراليا، حيث انتصرت الأفكار الليبرالية مع انتشار التصنيع في البلدان الغربية. ويؤيد الليبراليون النظام الاقتصادي الصناعي واقتصاد السوق الخالي من تدخل الحكومة، حيث يسمح فيه بمباشرة الأعمال للحصول على الربح وتسود فيه التجارة الحرة بين الدول بدون قيود. فهذا النظام -نظام الرأسمالية الصناعية- نشأ في البداية في إنجلترا في منصف القرن 18، وأصبح راسخا في أوائل القرن 19، ثم انتشر في أمريكا الشمالية ثم غرب أوربا وتدريجيا طبق في أوربا الشرقية.
وقد حاول النموذج الرأسمالي الصناعي أثناء القرن العشرين التغلغل في الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وخاصة أن التنمية الاجتماعية والسياسية تم تعريفها بالمنظور الاقتصادي الغربي المتمثل في نظرية التقدم المادي، ولكن العديد من البلدان النامية قاومت الليبرالية لارتباطها بالنظم الاستعمارية من جهة ولقوة الثقافة السياسية التقليدية في الدول حديثة الاستقلال التي تناصر الجماعية وليس الفردية؛ ولذلك كانت تربة خصبة لنمو الاشتراكية والقومية أكثر من الليبرالية الغربية.
ولقد نجحت اليابان في تطبيق الرأسمالية، ولكنها قامت على التعاونية وليست الفردية؛ فالصناعة اليابانية تتأسس على الأفكار التقليدية من وفاء للجماعة والشعور بالواجب الأخلاقي وليس السعي لتحقيق المصلحة الذاتية للفرد وحسب.
وقد اقترنت النظم السياسية الغربية بأفكار وقيم الليبرالية، وهي نظم دستورية حيث تحد الدساتير من سلطة الحكومة وتحافظ على الحريات المدنية، كما أنها تمثيلية أو برلمانية أي أن الصعود إلى المناصب السياسية يتم من خلال انتخابات تنافسية.
وقد شهد التحول للديمقراطية الغربية صعودا في بعض الدول النامية في الثمانينيات، ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت محاولات تحول ديمقراطي أيضا في أوربا الشرقية.
ونلاحظ أنه في بعض الحالات ورثت دول أفريقية وآسيوية الأسلوب الغربي للحكم الليبرالي من حقبة ما قبل الاستقلال، ولكن بدرجات نجاح متفاوتة، فعلى سبيل المثال تُعَد الهند أكبر النظم الديمقراطية الحرة في العالم الثالث، لكن في أماكن أخرى سقطت النظم الديمقراطية الليبرالية؛ بسبب غياب الرأسمالية الصناعية كأساس اقتصادي وغلبة التحالفات العشائرية، أو بسبب طبيعة الثقافة السياسية المحلية، ففي مقابل الثقافة السياسية في معظم الدول الغربية القائمة على أساس وطيد من القيم الليبرالية الرأسمالية مثل حرية التعبير المطلقة وحرية الممارسة الدينية (أو الروحية الانتقائية العلمانية) والحق المطلق في الملكية، كمبادئ مستمدة من الليبرالية وراسخة في أعماق المجتمعات الغربية نادرا ما تواجه أي تحدي أو مسائلة، نجد في دول العالم الثالث مكانة مركزية للدين واحترام للجماعة وقيمها يحدد مجالات الحرية الفردية، ومكانة للولاء الأسري والعشائري تحفظ القيم الجماعية.
ولقد ناقش بعض المفكرين السياسيين -الناقدين والمؤيدين على حد سواء- العلاقة الحتمية بين الليبرالية والرأسمالية. فيرى الماركسيون مثلا أن الأفكار الليبرالية تعكس المصالح الاقتصادية للطبقة الحاكمة من أصحاب رأس المال في المجتمع الرأسمالي؛ فهم يصورون الليبرالية على أنها النموذج الكلاسيكي للأيديولوجية البرجوازية. وعلى الجانب الآخر يرى مفكرون مثل فريدريك حايك Hayek أن الحرية الاقتصادية -الحق في الملكية وحرية التصرف في الملك الخاص- هي ضمانة هامة للحرية السياسية؛ لذلك في رأي حايك لا يتحقق النظام السياسي الديمقراطي الحر واحترام الحريات المدنية إلا في نطاق النظام الاقتصادي الرأسمالي.
ولا شك أن التطورات التاريخية في القرنين 19 و20 قد أثرت في مضمون الأيديولوجية الليبرالية، فتغيرت ملامح الليبرالية مع نجاح الهيمنة السياسية والاقتصادية لدى الطبقات المتوسطة الصاعدة، كما أن السمت الثوري لليبرالية في بواكيرها منذ القرن السادس عشر تجاه واقعها تلاشى مع كل نجاح ليبرالي، فأصبحت الليبرالية أكثر محافظة وأقل سعيا للتغير والإصلاح وتميل للحفاظ على المؤسسات القائمة الليبرالية. ومنذ أواخر القرن 19 ومع تقدم الصناعة والتصنيع بدأ الليبراليون في إعادة النظر ومراجعة الأفكار والمفاهيم الليبرالية الكلاسيكية لتنشأ ليبرالية.. جديدة.
فبينما كان الليبراليون الأوائل يؤمنون بتدخل الحكومة المحدود جدا في حياة المواطنين، يعتقد الليبراليون الجدد أن الحكومة مسئولة عن تقديم الخدمات الاجتماعية في مجالات الصحة والإسكان والمعاشات والتعليم، بجانب إدارة أو على الأقل تنظيم الاقتصاد. ومن ثَم أصبح هناك خطان من التفكير الليبرالي: الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الحديثة. ولذلك رأى بعض المحللين أن الليبرالية ليست أيديولوجية متماسكة، فهي تضم تناقضات بشأن دور الدولة، ولكن يمكن القول هنا إن الليبرالية في التحليل الأخير -مثل جميع الأيديولوجيات السياسية- قد تعرضت للتطور في مبادئها الرئيسية، وذلك مع التغيرات التاريخية المحيطة، فلا يوجد أيديولوجية سياسية جامدة أو متوحدة، فكلها تحتوي على مجموعة من الآراء والاجتهادات التي قد تتعارض أو تتناقض. وبالرغم من ذلك هناك تماسك ووحدة ضمنية في قلب الفكر الليبرالي، وذلك في الالتزام الأساسي بحرية الفرد والمبادئ التي تترتب على مذهب الفردية.
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الجوهر الليبرالي: فردانية القيم والتصورات
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



جون لوك
الليبرالية -بدرجة كبيرة- هي أيديلوجية الغرب الصناعي، والمفاهيم الليبرالية تبدو غير منفصلة عن الحضارة الغربية على الوجه العام.
وقد تم تصوير الليبرالية مؤخرا في كتابات أنصارها بأنها ليست فقط أيديولوجية بل ما وراء - أيديولوجية ****-Ideology، فهي مجموعة من القواعد تضع أرضية للنقاش السياسي والفكري، وذلك يبين أن الليبرالية تعطي الأولوية لما يوصف بـ"الحق الفردي" على ما هو "فاضل أو صالح"، أي أنها تسعى إلى توفير حياة "جيدة" للناس والجماعات حسب تعريفهم هم الفرداني لما هو جيد، وذلك دون أن تضع أو تفرض أي مفهوم للصلاح أو الفضيلة. وفي مواجهة الانتقاد القائل بأن الليبرالية محايدة من الناحية الأخلاقية يؤكد أنصارها أن أفكارها وقيمها لهذا السبب ذات جاذبية عالمية، فلا أحد يخاف قدوم الليبرالية؛ لأنها تتعامل مع مصالح أعضاء المجتمع بتساوٍ، ويؤكدون أن الليبرالية ليست أبدا فلسفة "افعل ما بدا لك!"، فبالرغم من أن الليبرالية تشجع الانفتاح والمناقشة وحرية الإرادة فهي تتسم كذلك باتجاه أخلاقي قوي، ويتجسد الموقف الأخلاقي لليبرالية في نظرهم في التزامها بمجموعة من القيم والمبادئ المتميزة، وأهم محاورها يدور حول ما يلي:
 الفرد
 الحرية
 العقل
 العدالة
 التسامح
مركزية الفرد


ايمانويل كانط
يعتبر مفهوم الفرد في العالم الحديث مفهوما مستقرا لدرجة أن أهميته السياسية تؤخذ أحيانا كإحدى المُسَلمات، فالليبرالية طورت ما كان عليه المفهوم في الحقبة الإقطاعية، حيث ساد إدراك للفرد باعتباره ليس لديه مصالح خاصة به أو هوية متفردة، فكان ينظر إلى الناس باعتبارهم أعضاء في مجموعات اجتماعية ينتمون إليها كالأسرة والقرية والمجتمع المحلي أو الطبقة الاجتماعية، فحياتهم وهويتهم كانت تتحدد بدرجة كبيرة بحسب صفات تلك المجموعات، وذلك في عملية تغير طفيف من جيل إلى آخر، وعندما انهار النظام الإقطاعي واجه الأفراد نطاقا أوسع من الخيارات والإمكانات الاجتماعية، وأتيح لهم لأول مرة التفكير الفردي المطلق وبشكل شخصي بحت، فمثلا الفلاح المملوك الذي عاشت وعملت أسرته في نفس قطعة الأرض أصبح الآن رجلا حرا لديه القدرة على اختيار عمله وصاحب العمل، وأن يترك الأرض ليبحث عن عمل آخر في المدن الكبيرة.
ومع سقوط معطيات الحياة الإقطاعية ظهر أسلوب جديد من التفكير، فالتفسير العقلاني والعلمي بدأ تدريجيا يحل مكان النظريات الدينية التقليدية وأصبح النظر والتعامل مع المجتمع من زاوية الفرد وتحرره وليس الحفاظ على تضامن الجماعات الاجتماعية.
وقد انتشرت نظريات الحقوق الطبيعية في القرنين 17 و18 التي وظفت الخطاب الديني بشكل إيجابي ولم تتحدث عن قطيعة معه البتة، وذهبت إلى أن الله وهب الأفراد حقوقا طبيعية، يعرفها جون لوك بأنها "الحرية والحياة والملكية"؛ فالفرد وحده يمتلك هذه الحقوق لذلك فهو أهم من أي جماعة اجتماعية. ويعتبر أصحاب نظريات "الحقوق الطبيعية" أن وظيفة المجتمع يجب أن تكون حماية مصالح واحتياجات الفرد، وقد عبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804) عن اعتقاد مشابه لذلك بشأن كرامة ومساواة الأفراد، فهي غايات في حد ذاتها وليست طرقا لتحقيق أهداف الآخرين.
ويعتبر مبدأ أولوية الفرد على الجماعة الخط الرئيسي للفكر الليبرالي، حيث دفع بعض الليبراليين إلى تعريف المجتمع باعتباره "مجموعة من الأفراد يسعى كل واحد منهم لتحقيق مصالحه واحتياجاته". ويطلق على هذا الرأي المذهب "الذري"، حيث ينظر للأفراد كـ"ذرات متنافرة" بداخل المجتمع، ويؤدي هذا التفكير إلى أن استنتاج أن المجتمع نفسه غير موجود، بل هو "متخيل" فهو مجموعة من الأفراد المكتفين ذاتيا. وتقوم هذه الفردية المتطرفة على الافتراض بأن الفرد يتمركز حول الـ"أنا" فهو أساسا أناني ومعتمد على نفسه بدرجة كبيرة. ويصف ماكفيرسون Macpherson الليبرالية الأولى بأنها "فردية مِلكية"، فالفرد هو المالك، ويمتلك نفسه وقدراته الخاصة به وهو لا يدين بها للمجتمع. وقد تطورت هذه الرؤية وصار لليبراليين فيما بعد رأي آخر أكثر تفاؤلا بشأن طبيعة الإنسان يؤمن بأن الأفراد لديهم مسئولية اجتماعية إزاء بعضهم البعض خاصة الأفراد غير القادرين على رعاية أنفسهم (كالمسنين والمستضعفين والمعوقين). وسواء اعتبرت الليبرالية الفرد أنانيا أو غير أناني؛ فقد اجتمع الليبراليون على الرغبة في خلق مجتمع يكون فيه كل فرد قادرا على تنمية وتطوير قدراته لأقصى درجة ممكنة.
إن أهمية الفرد في مذهب الفردية تفوق أي جماعة اجتماعية أو كيان جماعي؛ فمن الناحية المنهجية لمذهب الليبرالية يكون الفرد مركز النظرية السياسية والتفسير الاجتماعي؛ فكل حديث عن المجتمع لا بد أن يكون من منطلق الأفراد الذين يشكلونه. وفي المقابل تقول الفردية الأخلاقية بأن المجتمع يجب أن يخدم الفرد، وبذلك يعطون أولوية للأخلاق الجماعية على حقوق واحتياجات ومصالح الفرد. هذا الموقف السابق يُعَد بمثابة موقف متميز عما ينادي به الليبراليون الكلاسيكيون واليمين الجديد من الأنانية الفردية التي ترتكز على المصالح الشخصية والاعتماد على النفس، بينما بلور الليبراليون الجدد هذا المفهوم بتأكيدهم على أهمية المسئولية الاجتماعية والإيثار جنبا إلى جنب مع مسئوليات الدولة الاجتماعية تجاه الأفراد.
الحرية


ايزيا برلين
من الطبيعي أن يؤدي الاهتمام الشديد بالفرد إلى المسئولية تجاه حريته. ويعتبر الليبراليون حرية الفرد القيمة السياسية العليا، فهي المبدأ الموحِد الجامع في الفكر الليبرالي الحر. وكانت الحرية لدى الليبراليون الأوائل حقا طبيعيا لازما للوجود الإنساني، فهي تعطي الأفراد الفرصة لتحقيق مصالحهم وممارسة حق الاختيار مثل اختيار السكن والعمل... إلخ، ورأى الليبراليون فيما بعد أن الحرية هي الشرط الوحيد الذي يمكن للأفراد من خلاله تنمية قدراتهم.
وبالرغم من ذلك لا يقبل الكثير من الليبراليين بالحرية المطلقة، فإذا كانت الحرية غير محددة المعالم فهي تصبح "ترخيصا يسمح بالإساءة للآخرين. وفي كتابه "عن الحريةOn Liberty "، يقول جون ستيوارت ميل: "إن المبرر الوحيد لممارسة القوة بشكل صحيح تجاه أي عضو في المجتمع المتحضر والتي تكون ضد إرادته هو منع الضرر عن الآخرين".
وكان "ميل" مؤيدا لمذهب التحررية، وممارسة أدنى حد من القيود على حرية الفرد. كما أنه فرق بين "الاهتمام بالمصلحة الشخصية" و"الاهتمام بالآخر" وهو ما يمثل حدا على حرية الآخرين أو إلحاق الضرر بهم، ويذهب ميل من الدفاع عن الحرية درجة رفض أي قيود على الفرد قد يتم تقنينها لمنعه من تدمير نفسه جسمانيا أو أخلاقيا، فهذا الأسلوب من التفكير يرفض القوانين التي تجبر سائقي العربات على ربط حزام الأمان أو سائقي الدرجات البخارية ارتداء الخوذة، ويساويها تماما بالرقابة التي تمنع الأفراد من القراءة أو الاستماع إلى رأي ما. بل ويدافع أصحاب الفكر التحرري المتطرف عن حق الفرد في فعل ما يشاء بما في ذلك تناول المخدرات(!)
وفي حين نجد أن الليبراليين يتفقون على قيمة الحرية فإنهم يختلفون في دلالات هذه الحرية في وعي الفرد. ففي كتابه "مفهومان للحرية" فرق أيزيا برلين Isaiah Berlin بين النظرية السلبية والنظرية الإيجابية للحرية. وقد كان الليبراليون الكلاسيكيون يؤمنون أن الحرية هي قدرة الشخص على التصرف بالشكل الذي يختاره، وكان هذا المفهوم للحرية مفهوما سلبيا، حيث إنه قائم على غياب القيود الخارجية على الفرد. وفي المقابل يسعى الليبراليون الجدد إلى مفهوم أكثر إيجابية للحرية، وحسب تعريف برلين هي القدرة على أن يكون الفرد سيد نفسه ومستقل بذاته، وتتطلب السيادة على الذات أن يكون الفرد قادرا على تنمية مهاراته ومواهبه وعلى اتساع فهمه وتفهمه وعلى الوصول إلى الإنجاز والرضا. وتعني الحرية في فكر جون ستيورت ميلا أكثر من مجرد التحرر من القيود الخارجية؛ فهي قدرة الأفراد على التطور. وفي النهاية تحقيق الذات بما يتفق مع رغباتهم. وتلك المفاهيم المختلفة بل والمتعارضة للحرية أثارت الجدل الأكاديمي داخل المذهب الليبرالي فتبنى الليبراليون آراء مختلفة، بالتالي حول العلاقة المنشودة بين الفرد والدولة.
العقل


جيرمي بنثام
وترتبط الحرية في الفكر الليبرالي بالعقل؛ إذ يعتبر المذهب الليبرالي جزءا من مشروع التنوير، فالفكرة المركزية والرئيسية في رؤية التنوير هي تحرير البشرية من قيود "الخرافة والجهل" وإطلاق العنان لعصر العقل، وكان من أهم المفكرين في عصر التنوير جان جاك روسو بفرنسا وإيمانويل كانط بألمانيا وآدم سميث وجيرمي بانثام بإنجلترا. وقد أثرت عقلانية عصر التنوير في المذهب الليبرالي في كثير من الموضوعات، فهي في المقام الأول دعمت الاعتقاد في مركزية الفرد وحريته، فبقدر عقلانية الإنسان ككائن رشيد يكون قادرا على تحديد مصلحته والسعي وراء منفعته الشخصية. ولا يؤمن الليبراليون بأن الإنسان معصوم من الخطأ، ولكن الليبرالية دعمت الفرد بقوة في مواجهة "الأبوية". ورأت أنها لا تمنع الأفراد من اختيارهم الشخصي الحر وحسب، بل إنها لا تساعدهم على التعلم من الأخطاء، كما أنها تتيح لأصحاب السلطة الأبوية إساءة استخدام وضعهم لتحقيق أغراضهم الخاصة.
وقد ورث الليبراليون عن العقلانية التنويرية أيضا إيمانها الشديد بفكرة "التقدم" التي تعني لديهم التوسع في المعرفة فيمكن الناس من خلال الثورة العلمية ليس فقط فهم وتفسير العالم بل تشكيله أيضا للأفضل. وبإيجاز تعطي سلطة العقل الإنسان القدرة على تحمل مسئولية الإنسان عن نفسه وحياته وتقرير مصيره، وبذلك تحرر العقلانية الفرد من قبضة "الماضي" ومن ثقل "العادات والتقاليد"، ويتقدم كل جيل عن الجيل الذي سبقه فيزداد ميراث المعرفة والفهم تصاعديا. وهو ما يفسر التأكيد الليبرالي على التعليم، فيمكن للناس تحسين أوضاعهم من خلال الحصول على المعرفة وهجر "الخرافات" و"التعصب"، فالتعليم في حد ذاته خير، فهو وسيلة حيوية للارتقاء والتنمية الذاتية للفرد.
وإذا كان التعليم على واسع النطاق فهو يحقق إنجازات تاريخية واجتماعية.
ولعبت العقلانية دورا هاما في التركيز على أهمية المناقشة والمناظرة والجدل. وبينما يحمل الليبراليون عموما نظرة تفاؤلية بصدد الطبيعة الإنسانية ويرون الإنسان كائنا عاقلا؛ فإنهم لم يذهبوا إلى حد وصف الإنسان بالمثالية والكمال؛ لأنهم أدركوا جيدا تأثير المصالح الشخصية وصفات الأنانية، وأن النتيجة الحتمية لذلك هي التنافس والصراع؛ لذا يتعارك الأفراد من أجل الموارد النادرة، وتتنافس الأعمال لزيادة الأرباح، وتناضل الأمم من أجل الأمن أو الحصول على ميزة إستراتيجية وهكذا. ولكن يفضل الليبراليون تسوية هذه الصراعات من خلال المناقشة والتفاوض. ومن أهم ميزات العقل أنه يعطي أساسا جيدا لتقييم المطالب والدعاوى المتنافسة إذا كانت منطقية.
ويمكن القول بأن العقلانية هي الاعتقاد في أن العالم لديه تكوين منطقي يمكن كشفه من خلال الممارسة العقلية للفرد والبحث النقدي، ومن حيث النظر المعرفي فالعقلانية هي تدفق المعرفة من العقل باتجاه العالم وليس العكس، والتجربة مجرد أداة. وأبرز من كتب في العقل والمعرفة كانط؛ وهو ما يختلف عن المنحى التجريبي الذي ساد لدى الليبراليين وكان مؤسسا على فكر ديكارت.
ومن حيث المبدأ العام تؤكد العقلانية على قدرة الفرد على فهم وتفسير الظواهر وعلى حل المشكلات. لكن العقلانية لا تلقن الغايات لسلوك الإنسان، بل تقترح أساليب الوصول إلى تلك الغايات دون الاعتماد على العرف أو التقليد أو اتباع الأهواء والرغبات.
العدالة
ترمز العدالة إلى نوع خاص من الحكم الأخلاقي يتعلق بالثواب والعقاب؛ فالعدالة هي إعطاء كل فرد ما يستحقه. والعدالة الاجتماعية تعني توزيع المنافع المادية في المجتمع مثل الأجور والأرباح، وتوفير متساوٍ للاحتياجات الأساسية من إسكان ورعاية طبية... إلخ.
وتقوم النظرية الليبرالية للعدالة على الالتزام الصارم بالمساواة بشكل شكلي. وإذا كان التعامل مع الناس في المقام الأول يقوم على اعتبارهم أفرادا، فإن لهم الحق في نفس الحقوق ونفس الاحترام. ويؤمن الليبراليون بالعالمية Universalism، أي أن كل الناس في كل مكان لديهم معالم مشتركة أو عالمية فهم يتساوون في القيمة الأخلاقية، ويتمتع كل الأفراد والناس بحقوق متساوية بحكم إنسانيتهم، فلهم حقوق طبيعية وإنسانية. فيجب ألا تقتصر الحقوق على طبقة ما أو جنس محدد، وبالتالي يرفض الليبراليون بشدة أية امتيازات يتمتع بها جماعة دون الأخرى على أساس من النوع أو الجنس أو اللون أو المذهب أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. ويجب أن يكون الناس متساوين أمام القانون وأن يتمتعوا بحقوق سياسية ومدنية واحدة.
وينادي الليبراليون بالمساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي وتحسين وضعه بجهده ودأبه. وذلك لا يعني أن تكون المساواة مطلقة بتدخل من الدولة كما في الاشتراكية؛ لأن الناس لم يولدوا متساوين، بل تختلف مهاراتهم ومواهبهم وبعضهم أكثر استعدادا لبعض الأعمال من غيرهم، ولكن يجب أن تكون أوضاع المعيشة والظروف الاجتماعية الأساسية الدنيا واحدة للجميع.. فمن الضروري مكافأة من يستحق ويجتهد، فالحوافز تساعد الأفراد على العطاء وتحقيق الذات وتنمية المواهب؛ لذلك فالمساواة من المنظور الليبرالي هي أن يكون لدى كل الأفراد فرصة متساوية لتنمية قدراتهم ومهاراتهم غير المتكافئة.
وتحدث الليبراليون عن حكم من يستحق Meritocracy (أي حكم ذوي الإمكانيات والموهبة)؛ فالمجتمع الذي يحكمه هؤلاء -وليس الحكم القائم على عوامل خارج إرادة البشر مثل الحظ أو الفرصة- يعتبر مجتمعا عادلا لأن معاملة الناس فيه ليست بحكم الجنس أو لون البشرة أو الدين، بل تكون حسب قدراتهم واستعدادهم للعمل. والمكانة والثروة الموروثة لا تتفق مع مبادئ الحكم بالاستحقاق، لكن معظم الليبراليون يقبلون فكرة الميراث؛ لأنه على الجانب الآخر منع توارث الثروة يعني التدخل في حق الفرد صاحب المال في التصرف في ملكه حسب اختياره الشخصي، وذلك يمثل إساءة لمبادئ الحرية.
ويختلف المفكرون الليبراليون في كيفية تطبيق العدالة الاجتماعية؛ ففي كتابه "نظرية في العدالة" يرى جون رولز أن الناس في حاجة إلى مكافأة عن العمل الذي يقومون به؛ لذلك تكون بعض الأساليب الاقتصادية المتباينة ضرورية لتعطي حافزا للأفراد، ولكنه يرى أن يطبق ذلك فقط لمصلحة الطبقات الأكثر فقرا وأقل ميزة في المجتمع. وفي رأيه أن العدالة الاجتماعية تفهم كمرادف لمفهوم القسط Fairness وباتجاه المساواة. فالثروة في المجتمع العادل يجب أن يعاد توزيعها من خلال نظام للشئون الاجتماعية وذلك لمصلحة الأقل غنى. وعلى النقيض يأتي روبرت نوزيك في كتابه "اللاسلطوية والدولة واليوتوبيا"؛ ليكون صدى للأفكار التحررية التي تبناها جون لوك في القرن 17. ويذهب نوزيك إلى أن أي توزيع للثروة حتى لو كان غير عادل فإنه يعتبر -اجتماعيا- عدلا طالما طبقت قواعد معينة "للحفاظ على العدالة" والتي تتضمن شرط الحصول على الملك بطريقة عادلة في المقام الأول -بدون سرقة أو تعدي على حقوق الآخرين- وأن تكون قد انتقلت بشكل عادل من شخص عاقل إلى آخر عاقل أيضا. وبناء على هذا يؤكد نوزيك على أهمية ألا ينتهك حق الملكية باسم العدالة الاجتماعية، ورفض بشدة فكرة إعادة توزيع الثروة.
تلك الآراء المتباينة حول العدالة الاجتماعية تكشف عن تعارض ضمني داخل الفكر الليبرالي حول أفضل الأوضاع لتحقيق المجتمع العادل. ويعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أن استبدال النظام الإقطاعي بالسوق والمجتمع الرأسمالي يساعد على إيجاد مناخ اجتماعي يمكن أن يزدهر فيه الفرد وينمي قدراته، فكل الناس سواء في عين القانون يتمتعون بفرصة متساوية للصعود في المجتمع. وقد رأى الليبراليون الجدد أن الرأسمالية غير المقيدة أدت إلى ظهور أشكال جديدة من غياب العدالة الاجتماعية وذلك بتمييز البعض على حسب البعض الآخر؛ لذلك يفضلون تدخل الحكومة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية من أجل ضمان وحماية الفرصة المتساوية، وبالتالي تحقيق مجتمع عادل.
التسامح


فولتير
تتسم أخلاقيات الليبرالية الاجتماعي بقبول التنوع الأخلاقي والثقافي والسياسي. فقد ردد الليبراليون كثيرا المقولة الشهيرة لفولتير (1694 - 1778) "أنا أكره ما تقول ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله!". فالحريات الأساسية التي تدعم النظم السياسية الديمقراطية -حرية التعبير والعبادة الدينية والتجمع... إلخ- كلها ضمانات لانتشار التسامح كثقافة. ويتفق معظم المعلقين السياسيين على أن الليبرالية تمضي يدا بيد مع التعددية، فيعتبر تعدد القيم والآراء والمصالح في حد ذاته قيمة وفضيلة. ونقيضه هو القمع السياسي أو انتشار الطاعة العمياء. لذلك ومن حيث المبدأ فإن الليبراليين ضد الرقابة أو أي وسيلة لمنع حرية التعبير في المجتمع، وضد أي ثوابت أيا كانت.
وهذا يفسر الاستياء العميق الذي شعر به الليبراليون في الغرب من الفتوى التي أدلى بها الإمام آية الله خوميني عام 1989 بإعدام الكاتب الإنجليزي سلمان رشدي عندما نشر كتابه "آيات شيطانية" والذي رأى فيه المسلمون إهانة لعقيدتهم الدينية.
ويعني التسامح التقبل، أي الاستعداد لترك الناس يفكرون ويتكلمون ويتصرفون بأسلوب قد لا يتفق المرء معه. ويعتبر التسامح لدى الليبراليين خلقا مثاليا ومبدأ اجتماعيا. ومن جانب آخر تمثل هذه القيمة هدف الاستقلال الفردي، وتضع قاعدة تحكم سلوك الأفراد مع بعضهم البعض.
وتعتبر كتابات جون ميلتون وجون لوك في القرن الـ17 حول الدفاع عن الحرية الدينية للمذاهب المختلفة أولى إرهاصات دعم الليبراليين لقيمة التسامح تجاه الآراء المخالفة. وفي كتابه "رسالة حول التسامح" رأى لوك أنه ما دمنا قبلنا أن وظيفة الحكومة هي حماية أسلوب الحياة والحرية والملكية؛ فالحكومة ليس لها الحق في التدخل في رعاية أرواح العباد؛ فذلك يلقي الضوء على تمييز الليبراليين الواضح بين ما هو "خاص" وما هو "عام". فيجب أن يمتد التسامح ليشمل الأمور الخاصة التي رأوا أنها تشمل الدين ومسائل الأخلاق التي يجب أن تترك للفرد.
وبالرغم من ذلك لم يكن مفهوم البعض -ومنهم لوك على سبيل المثال- للتسامح مطلقا؛ فهو لم يكن على استعداد لتطبيق التسامح على الكاثوليك الرومان، وكانوا في نظره خطرا على الهيمنة القومية بسبب مبايعتهم للبابا الذي هو أجنبي، كما يؤيد الليبراليون المعاصرون القوانين التي تمنع وتصادر الآراء المؤيدة للعنصرية مثلا، والقوانين ضد تشكيل الأحزاب السياسية المعادية للديمقراطية، ويرون أن انتشار تلك الآراء أو نجاح تلك الأحزاب يهدد مناخ التسامح الليبرالي. وعمليا نجد أنه في حين يساند الليبراليون حق المسلمين في نقد مضمون كتاب سلمان رشدي "آيات شيطانية"، فقد كانوا يؤيدون مقاضاة من يدافع علنا عن إعدام سلمان رشدي.
ويتعلق مفهوم التسامح وقبول الاختلاف والتنوع -في رأي الليبراليين- بقواعد المجتمع السوي غير الممزق بالنزاعات والصراعات. وبرغم أن الأفراد والجماعات الاجتماعية تسعى إلى تحقيق مصالح مختلفة، إلا أن هناك توازنا كامنا بين المصالح المتنافسة كما ذهب آدم سميث في حديثه عن "اليد الخفية"؛ فمثلا تختلف مصالح العمال وأصحاب الأعمال: فالعمال يريدون أجورا أفضل وساعات أقل وتحسين ظروف العمل - وأصحاب العمل يرغبون في زيادة أرباحهم عن طريق المحافظة على تكلفة الإنتاج المنخفضة والتي تشمل الأجور، ولكن يحتاج العمال إلى العمل وأصحاب العمل يحتاجون للعمالة، فتلك المصالح المتنافسة تكمل بعضها البعض، أو بمعنى آخر تعتبر كل مجموعة هامة لتحقيق أهداف المجموعة الأخرى. وقد يسعى الأفراد والجماعات وراء مصالحهم الذاتية، ولكن الموازنة الطبيعية تفرض نفسها. وقد أثر مبدأ الموازنة في تطور الأفكار الليبرالية من عدة جهات؛ فجعل بعض الليبراليين يوقنون بأن التوازن الطبيعي سيظهر في الحياة الاقتصادية، ويؤمنون بتوازن المصالح بين الجماعات المتنافسة في النظام السياسي، ويدافعون عن تصور أن السلام والانسجام ممكن بين شعوب العالم.
وهذا التركيز على التنوع والتسامح تعرض للكثير من النقد؛ فتصوير أنصار الليبرالية لها بأنها محايدة أخلاقيا ولا تفرض أي قيم أو عقائد معينة، بل فقط تخلق الظروف التي يمكن أن يعيش فيها أناس ذوو الأولويات الأخلاقية والمادية المختلفة في سلام ونجاح يجعلها تتجنب القيم المطلقة غير القابلة للتفاوض وغير قادرة على مواجهة واقع النزاع؛ فيكون القيد الوحيد على التنوع هو أن يكون كل طرف مؤهلا لتقبل آراء وتصرفات الآخرين، وهكذا يكون التسامح هو القيمة الجوهرية الوحيدة لدى الليبراليين. ويتمثل خطر هذا الوضع في أنه يؤدي إلى مجتمع خالٍ من الأخلاق وغير قادر على كبح جماح الجشع والأنانية. لذلك عاب المحافظون على الليبرالية أنها تقوم بدعم نسبية الأخلاق والثقافة، وفي نظرهم يؤدي غياب القيم الأساسية التي يقوم عليها بنيان المجتمع لجعل التفاعل المنظم والمتحضر مستحيلا لغياب الإجماع الأساسي اللازم لأي مجتمع. والنتيجة هي أن الناس يعلمون جيدا حقوقهم، ولكن لا يعترفون بأي واجب أو مسئولية. وفي العقود الأخيرة من القرن 20 تعرضت الليبرالية الفردية إلى نقد من قبل حركة المجتمعية السريعة الانتشار
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الليبرالية في القرن 21
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



فرانسيس فوكوياما
اتسم القرن 20 بإعلان الليبرالية انتصارها على مستوى العالم في مقولة فوكوياما الشهيرة حول نهاية التاريخ التي أغفلت جرائم الليبرالية الاقتصادية في حق الطبقات الدنيا وفي حق الشعوب غير الغربية، وقد عبر عن ذلك فوكوياما (1989) في قوله: "إننا نشاهد نهاية التاريخ وذلك في نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وعالمية الديمقراطية الليبرالية الغربية كآخر شكل للحكومة الإنسانية".
ومن السهل تأسيس هذه الفرضية على بعض الشواهد التاريخية؛ فبعد سقوط الفاشية في عام 1945 كانت الشيوعية السوفيتية البديل الرئيسي لليبرالية الغربية، ولكن حتى هذا النظام انهار باندلاع الثورات في دول أوربا الشرقية في الفترة 1989 - 1991 رافضة لمبادئ التخطيط والتدخل الحكومي. وأما في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يتم عملية دمقرطة النظم السياسية بانتشار التنافس الحزبي وتنامي الاتجاه نحو الإصلاح الاقتصادي القائم على السوق. وإذا كانت تلك العمليات المستمرة تعكس التفوق الواضح لليبرالية على الأيديولوجيات المنافسة (كنهاية للتاريخ كما تزعم النظرية)، أو أنه نتيجة لظهور نظام رأسمالي كوني تسيطر عليه شركات متعددة الجنسية (كما يحذرنا النقاد)، فالمستقبل يبدو لنا ظاهرا: سوف تنكمش الاختلافات الاقتصادية والسياسية تدريجيا في معدلات مختلفة لتلتقي جميعا على النموذج الليبرالي.
لكن الانتصار الليبرالي يواجه تحديات داخلية وخارجية جديدة. فداخليا تتعرض الليبرالية في المجتمع الغربي لنقد من قبل المفكرين الذين أعادوا اكتشاف أهمية المجتمع التراحمي. وظهرت "النظرية المجتمعية" كرد فعل لمساوئ الليبرالية الفردية. وعلى سبيل المثال رفض المفكران أليسدير ماك إنتير ومايكل ساندل الفردية على أنها سطحية ومعادية للجماعة الاجتماعية، حيث إنها تعامل الذات على أنها غير مسئولة تستمد هويتها من داخلها بدلا من العوامل الاجتماعية والتاريخية والثقافية المحيطة بها. ففي نظرهم أن الذات جزء لا يتجزأ من الممارسات والعلاقات الاجتماعية، كما أن العيب الذي يكمن في الليبرالية هو أنها غير قادرة على إنشاء سياسة الصالح العام؛ بسبب تركها للفرد اختيار الحياة التي تروق له والتي يستحسنها من مفهومه الشخصي. ويساعد هذا الفراغ الأخلاقي على تفكك المجتمع. ونظرا لعدم تقيدهم بالواجبات الاجتماعية والمسئولية الأخلاقية. ولا يهتم الأفراد إلا بمصالحهم وحقوقهم الشخصية؛ فعلى المدى الطويل قد يفقد المجتمع الليبرالي المنابع الثقافية لمراجعة الأنانية غير المقيدة أو لتعزيز التعاون والجهد الجماعي.
ويأتي التحدي الخارجي لليبرالية من خارج الغرب. فمع نهاية النظام العالمي الثنائي القطب الذي تمثل في الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي أفسح المجال لقوى جديدة غير ليبرالية كالتي ظهرت مع الديمقراطية الليبرالية. ففي أوربا الشرقية أثبتت الصحوة القومية التي يستمد منها الشعب القوة والثبات والأمن أنها أقوى من الليبرالية الحاسمة. وترتبط هذه القومية بالنقاء العرقي والسلطوية عنها بالمبادئ الليبرالية مثل إقرار المصير والكبرياء الحضري. كذلك ظهرت نماذج متنوعة من الأصولية في الشرق الأوسط وفي بعض مناطق أفريقيا وآسيا. وينتشر الإسلام السياسي عن الليبرالية في كثير من الدول النامية؛ لأنه قادر على تقديم موقف غير غربي بدلا من اتخاذ موقف ضد الغرب. وذلك بالإضافة إلى أن المناطق التي نجح فيها اقتصاد السوق لم تكن دائما قائمة على قيم ومؤسسات ليبرالية، فمثلا قد ترجع صحوة شرق آسيا إلى قدرة الكنفوشسية للمحافظة على الاستقرار الاجتماعي عنها إلى تأثير المبادئ الليبرالية مثل المنافسة والبقاء الذاتي.
وبدلا من الاتجاه نحو عالم ليبرالي موحد تتصف التنمية السياسية في القرن 21 بتنامي التنوع الأيديولوجي، وقد يكون الإسلام والكنفوشسية وحتى القومية السلطوية المنافسين الجدد لليبرالية الغربية. ويقول جون جراي صاحب كتاب "ما بعد الليبرالية": إن هذا المنظور ينبع من طور أكبر؛ ألا وهو انهيار المشروع التنويري الذي تعتبر الليبرالية جزءا منه. ويفترض هذا المشروع أن هناك مجموعة من المبادئ العقلانية قابلة للتطبيق العالمي يمكن أن ترسي أوضاعا تسمح للأفراد بالسعي وراء غايات غير متساوية. وتقع مهمة الليبرالية في إيجاد مؤسسات لتحقيق هذا الهدف، وهي تتمثل في الحكومة التمثيلية والتنافس الحزبي واقتصاد السوق لتحقيق حياة طيبة للفرد بدون خلل وانهيار اجتماعي.
الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال
الليبرالية بين الكلاسيكية والحداثة
08/08/2004 هبة رءوف عزت**



ديفيد ريكاردو
أثار ظهور ما يسمى بالليبرالية الجديدة الاهتمام يإعادة قراءة الليبرالية الكلاسيكية؛ فالحق أن تلك الليبرالية الجديدة هي عودة سلفية لمبادئ الليبرالية قبل أن تتفاعل مع الحقبة الاشتراكية فتهذبها وتتبنى بعض السياسات والأفكار التي تحترم المساواة وحقوق الرفاهة للمواطن خارج منافسة السوق.
فالليبرالية الكلاسيكية هي الليبرالية الأولى التي ظهرت في الفترة الانتقالية بين الإقطاعية والرأسمالية، وقد وصلت إلى أوجهها في بداية الفترة الصناعية من القرن 19؛ ولذلك في بعض الأحيان يطلق على الليبرالية الكلاسيكية "ليبرالية القرن التاسع عشر"، وكانت المملكة المتحدة مهد الليبرالية الكلاسيكية؛ حيث تقدمت وتطورت الثورات الرأسمالية والصناعية. لذلك تأصلت الأفكار الليبرالية بعمق في الدول الأنجلوساكسونية مثل المملكة المتحدة وأمريكا أكثر من باقي دول العالم.
وقد أخذت الليبرالية الكلاسيكية أشكالا كثيرة، ولكن تعتبر الحرية السلبية هي الصفة المشتركة بين تلك النماذج المختلفة؛ فالفرد حر إذا ترك في حاله بدون تدخل الآخرين بأي صورة؛ فمعنى الحرية هنا هو غياب القيود الخارجية على الفرد. فهذا التصور للحرية يفرق بشكل ملحوظ بين الدولة والفرد؛ فالدولة كيان ظالم لديه السلطة لعقاب المواطنين ومصادرة أملاكهم بدفع الغرامات وسلب حرياتهم بالسجن، وفي بعض الأحيان تقضي على حياتهم بالإعدام. فبالتالي قيام الدولة حتى ولو كان ذلك عن طريق العقد الاجتماعي يقتضي حتميا التضحية بحرية الفرد الذي سيفقد المقدرة على عمل ما يريده.
ولاقت تلك المبادئ الأولى انتعاشا وإقبالا شديدا في النصف الثاني من القرن 20. وكان تأثيرها ملحوظا مرة أخرى في المملكة المتحدة والولايات المتحدة حيث توجد صحوة معاصرة لليبرالية الكلاسيكية تحت اسم الليبرالية الكلاسيكية الجديدة أو الليبرالية الجديدة التي ظهرت كرد فعل للتدخل المتزايد للحكومة في الشئون الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الفترة ما بعد الحرب والتي تجلت في اليمين الجديد.
وتأثرت الليبرالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر بنظريات كبرى حول الطبيعة الإنسانية قام بوضعها أصحاب الفكر النفعي أمثال جيرمي بنثام وجيمس ميل. اعتبر بنثام فكرة الحقوق "هراء"، وسمى الحقوق الطبيعة "هراء على ركائز" واستبدلها بما يؤمن بأنه أكثر عملية وموضوعية؛ ألا أن الفرد يتحرك بدافع مصالحه الذاتية التي تعرف بالرغبة في اللذة والسعادة وتجنب الألم. فيرى بنثام وكذلك ميل أن الناس يحسبون قدر اللذة والألم الصادر من كل فعل وموقف؛ فبالتالي يختارون ما يبشر بأكبر قدر من اللذة والسعادة. ويؤمن المفكرون النفعيون أن السعادة والألم يمكن قياسهم بالمنفعة آخذين في الاعتبار الكثافة والمدة وهكذا، فالإنسان في رأيهم يتحرى أكبر قدر ممكن من النفع بالسعي وراء أكبر قدر من اللذة والسعادة وأقل قدر ممكن من الألم.
ومن الناحية الأخلاقية يمكن النظر إلى المنفعة لمعرفة "صحة" اتجاه السياسات والمؤسسات في توفيرها للسعادة، تماما كالفرد في قدرته على حساب أكبر قدر من السعادة الصادرة من الفعل؛ حيث يمكن الاستعانة بمبدأ "أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد" في السياسات لصالح المجتمع ككل. وفي أوائل القرن 19 في بريطانيا اجتمع حول بنثام مجموعة من المفكرين المتشددين فلسفيا وعرضوا عليه مجموعة وكبيرة من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والقانونية، وكلها ترتكز على فكرة المنفعة العامة.
فقد كان للنفعية أثر بالغ في الليبرالية وخاصة أنها تطرح فلسفة أخلاقية تفسر كيف ولماذا يسلك الفرد على النحو الذي هو عليه. كذلك تبنت الأجيال اللاحقة من الليبراليين التصور النفعي للإنسان على أنه مخلوق عقلاني يسعى وراء مصالحه الشخصية، وهي فكرة محورية وراء فكر الييبرالية الجديدة أيضا.
فيستطيع كل فرد في نظرهم تحديد أفضل مصالحه الخاصة دون غيره؛ فلا يمكن لغيره -الدولة مثلا- أن تفعل ذلك له. وحسب بنثام الناس تتحرك في إطار اللذة أو السعادة التي يتمتعون بها وبالطريقة التي يختارونها؛ فلا لأحد سواهم يمكن أن يحكم على نوع أو درجة سعادتهم. فإذا كان كل فرد هو الحكم الوحيد لما سيسعده؛ فالفرد وحده هو القادر على تحديد ما هو صحيح أخلاقيا.
والنظرية الاقتصادية الكلاسيكية تبلورت بالأساس في أعمال اقتصاديين سياسيين أمثال آدم سميث وديفيد ريكاردو (1770 - 1823). ويعتبر كتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث أول كتاب يدرس في علم الاقتصاد؛ فقد اقتبس سميث أفكاره عن الطبيعة الإنسانية بشكل ملحوظ من الافتراضات الليبرالية والعقلانية، وكان له إسهامه المؤثر في الجدل حول الدور المرغوب فيه للحكومة بداخل المجتمع المدني. ومثل جوانب أخرى من الليبرالية الأولى كان أول ظهور علم الاقتصاد السياسي الكلاسيكي في بريطانيا، حيث كان التحمس الشديد لأفكار ومبادئ هذا العلم التي تبنتها أيضا الولايات المتحدة.
كتب آدم سميث كتابه في وقت فرضت فيه الحكومة قيودا صارمة على النشاط الاقتصادي؛ فكانت المركنتلية النظام الاقتصادي المسيطر في القرنين 16 و17 حيث تدخلت الحكومات في الحياة الاقتصادية من أجل تشجيع التصدير والحد من الاستيراد. وجاء سميث ليقول بأن الاقتصاد يكون في أوج نشاطه مع عدم تدخل الحكومة. ففي رأيه الاقتصاد هو السوق أو سلسلة من الأسواق المتعلقة بعضها ببعض. وتعمل السوق حسب رغبات وقرارات الأفراد الأحرار، وإن الحرية في السوق هي حرية الاختيار: مقدرة المنتج على اختيار السلعة التي يصنعها، ومقدرة العمال على اختيار أصحاب الأعمال، ومقدرة المستهلك على اختيار السلع والخدمات للشراء. فالعلاقات في هذه السوق بين صاحب العمل والموظفين، وبين البائعين والمستهلكين علاقات تطوعية أو عقدية.
ويفترض الاقتصاديون الكلاسيكيون أن الأفراد يسعون وراء تحقيق مصالحهم الشخصية ماديا بدافع الرغبة في التمتع باللذة أو السعادة، وذلك عن طريق تكوين واستهلاك الثروة. وتقوم النظرية الاقتصادية لحد كبير على فكرة "الرجل الاقتصادي"، وهي أن الإنسان يسعى إلى أكبر قدر من المنفعة وذلك بالكسب المادي.
وبالرغم من أن الفرد موجه نحو مصالحه الشخصية يعمل الاقتصاد ككل تحت ضغوط غير بشرية ألا وهي قوى السوق التي تتفاعل بذاتها نحو الرخاء والرفاهية الاقتصادية. على سبيل المثال لا يمكن لأي منتج لسلعة أن يحدد ثمنها؛ فالسوق هي التي تحدد الثمن حسب عدد السلع المعروضة للبيع وعدد المستهلكين الراغبين في شرائها؛ فتلك هي قوى العرض والطلب. إن السوق تدير نفسها بنفسها من خلال آلية التنظيم الذاتي؛ فهي لا تحتاج إلى التوجيه الخارجي. ومن ثَم يجب ألا تتدخل الحكومة في السوق؛ لأنها تدار -على حد قول آدم سميث- "بيد خفية". وتعكس فكرة الإدارة الذاتية للسوق المبدأ الليبرالي بأن هناك توافقا طبيعيا بين المصالح المتضاربة في المجتمع. ويعمل أصحاب الأعمال والعمال والمستهلكون نحو تحقيق مصالحهم الشخصية، ولكن قوى السوق تضمن توافق تلك المصالح؛ فمثلا يحقق العمل التجاري ربحا إلا من خلال ما يرغب المستهلك شراءه.
وقد استخدم الاقتصاديون في المراحل اللاحقة فكرة "اليد الخفية" لشرح كيف أن المشكلات الاقتصادية -مثل البطالة والتضخم والعجز في ميزان المدفوعات- يمكن القضاء عليها من خلال آليات السوق؛ فمثلا تأتي البطالة نتيجة زيادة عدد المؤهلين للعمل عن الوظائف المتاحة أي عرض العمال يزيد عن الطلب لها. فتخفض قوى السوق من سعر العمالة أي أجورهم ، فمع انخفاض الأجور يمكن لصاحب العمل تعيين عدد أكبر من العمال وبالتالي تقل البطالة. لذلك تكون قوى السوق قادرة على القضاء على البطالة بدون تدخل الحكومة شريطة أن مستوى الأجور يكون مرنا مثل الأسعار الأخرى. وتؤدي السوق الحرة إلى كفاية اقتصادية، فمن أجل الربح لا بد أن تكون التكلفة منخفضة فالإسراف وعدم الكفاءة لا سبيل لهم في العمل الإنتاجي. في نفس الوقت تمنع المنافسة إمكانية الحصول على أرباح مبالغ فيها. إذا كانت الأرباح عالية بشكل غير عادي في مجال معين فذلك سيشجع المنتجين على دخول ذلك المجال، فبالتالي سيزيد الناتج وينخفض مستوى الأسعار والأرباح. وتنجذب الموارد الاقتصادية نحو أكثر الاستخدامات ربحا أي نحو مجال الإنتاج المتنامي والمزدهر وليس غير ذلك. وتعمل السوق بشكل إيجابي؛ لأنها دائما تسعى لتحقيق رغبات المستهلك، فالمستهلك هو المسيطر على زمام الأمور، ولكي تحافظ المؤسسات على ربحها العالي لا بد أن تعرف جيدا وتوفي حاجات ورغبات المستهلك. وبذلك وبشكل طبيعي تتحرك قوى السوق نحو رفع كفاءة وقوة الاقتصاد الذي يستجيب ذاتيا لأي تغيير في طلب المستهلك.
وأصبحت أفكار السوق الحرة اعتقادا اقتصاديا في المملكة المتحدة وأمريكا أثناء القرن 19. ووصلت مبادئ السوق الحرة ذروتها مع مبدأ laissez faire، أي "دعه يعمل" وذلك يعني أن الحكومة يجب ألا يكون لها دورا اقتصاديا وترك الاقتصاد وحده والسماح لأصحاب الأعمال مباشرة أعمالهم كيفما يروق لهم. ويتضارب هذا المبدأ مع قوانين المصنع مثل منع توظيف الأطفال والحد من ساعات العمل وأي لائحة من لوائح أوضاع العمل. وتقوم تلك الفردية الاقتصادية على فكرة السعي غير المقيد وراء الربح والذي في النهاية يؤدي إلى المنفعة العامة. واستمر مبدأ "دعه يعمل" قويا في المملكة المتحدة على مدى القرن 19 وكذلك في الولايات المتحدة حتى عام 1930، حيث لاقى معارضة حادة. وفي أواخر القرن 20، تم أحياء فكرة السوق الحرة أثناء إدارة ريجن في الولايات المتحدة وحكومات تاتشير وماجور في المملكة المتحدة. فمن المتوقع أن تقوم الدولتان بزيادة كفاءة الاقتصاد وإنمائه ورفع "يد الحكومة الميتة" عنه، والسماح للقوة الطبيعية لآلية السوق أن تثبت نفسها مرة أخرى. ومن المظاهر الأخرى لليبرالية الاقتصادية هي التجارة الحرة.

الحركة النقابية بين المهنية والسياسة
19/04/2001 جمال البنا
قد لا نجد في الكتابات الإسلامية الأولى إشارة إلى "النقابة"، ولكننا نجد في القرآن الكريم إشارة إلى "النقيب"، قال الله تعالى: "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا" [المائدة:12] مما يعود باللفظ إلى ماض سحيق، وقد أحيا الرسول هذا التقليد عندما أمر الأنصار أن يعينوا له اثني عشر نقيبًا، يمثلون قبائلهم، وقيل في استخدام لفظة "النقيب": إنه هو الذي ينقب عن شئون الآخرين؛ لغرض خدمتهم".
وفي العصر العباسي الأول ظهرت هيئتان تحمل إحداهما اسم "نقابة"، وإن لم تكن نقابة في حكم الاصطلاح، بينما لا تحمل الأخرى اسم نقابة، وإن كانت بحكم طبيعتها نقابة.
أما الهيئة الأولى فهي "نقابة ذوي الأنساب" التي خصها الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية" ببضع صفحات، وهي وإن حملت اسم نقابة فإنها كما يتضح من اسمها بعيدة كل البعد عن طبيعة النقابات، وأما الهيئة الثانية فهي التي حملت اسم "الأصناف"، وهذه هي جذور النقابية في الحضارة الإسلامية، وتماثلها "الطوائف" التي ظهرت في أوروبا قبل النقابات الحديثة.
الأصناف.. نقابة ذات طبيعة ثلاثية
قد تحدث عن الأصناف ابن بطوطة، والخطيب البغدادي والطبري وياقوت، ووصلت هيئات الأصناف إلى أوجها أيام المهدي وهارون الرشيد، وازدهرت في بغداد وسامراء بعدها.
وكان كل أصحاب حرفة يكونون "صنفا" مستقلاً، وقال اليعقوبي: إن أسواق الكرخ كان فيها "لكل تجار وتجارة شوارع معلومة، وصفوف في تلك الشوارع وحوانيت، وليس يختلط قوم بقوم ولا تجارة بتجارة، ولا يباع صنف مع غير صنفه، ولا يختلف أصحاب المهن من سائر الصناعات مع غيرهم، وكل سوق مفردة، وكل أهل صنف منفردين بتجارتهم".
وكذلك روعي التخصص الحرفي في تنظيم أسواق بغداد الأخرى كسوق باب الشام وسوق باب البصرة، وسوق باب الطاق، ونستدل من أسماء أسواق مدينة بغداد الكثيرة التي توردها المصادر على وجود التخصص حيث نجد سوق النحاسين وباعة الدجاج والدباغين والباقلانيين والسماكين وأصحاب النعال والعطارين والصيادلة وأصحاب الدهون والخزازين والجوهرين، وفي بغداد سوق خاصة لبيع أنواع الفواكه سميت بدار البطيخ، وكانت هذه أسواق الجانب الغربي من بغداد.
أما أسواق الجانب الشرقي فنجد أنه لا ينبغي أن يتاجر التاجر في البز إلا إذا عرف أحكام البيع …، فقد قامت أسواق للدقاقين والخبازين والحلاويين وباعة الرياحين والصيارفة والصاغة وسوق السلاح والنحاسين وللصفارين وللحدادين وسوق للوراقين وسوق الرفائين وسوق للحم"(1).
وكان كل صنف يرتبط بالمحتسب، وهو الموظف المدني الذي يتولى التفتيش على شئون الحرفة، كما كانت ترتبط عادة بأحد شيوخ الصوفية، وهكذا كانت للأصناف علاقة وثيقة بمجتمعها ذات طبيعة ثلاثية: مهنية، وإدارية، وروحية..
وكان للأصناف تقاليد مرعية في ترتيب مستويات ممارسة المهنة، ونقل الصبي إلى صانع، والصانع إلى معلم، وكانت تنظم حفلات لذلك، وتلحظ اعتبارات معينة، ويظن أن هذه التقاليد انتقلت إلى الطوائف الأوروبية؛ لأنها تكاد تكون واحدة، ونحن لا نسمع عنها إلا بعد عودتهم من الحروب الصليبية التي تعرفوا منها على الحضارة الإسلامية"(2).
الميكنة.. قانون العرض والطلب
على أن الحركة النقابية الحديثة تدين بظهورها وتكوينها إلى الثورة الصناعية التي حدثت في بريطانيا وظلت من عام 1730م إلى 1830م على وجه التقريب، إذ كانت نتيجة هذه السلسلة من الاكتشافات والاختراعات أن ظهر المصنع الآلي الكبير الذي يضم الآلات الحديدية التي لا تكل ولا تمل وتعمل بقوة البخار، فطالما كان هناك فحم، وهناك نار، فإن الآلة تعمل.. ثم ظهرت وسائل الإضاءة الحديثة بدءًا من غاز المصباح حتى الكهرباء بحيث أمكن للمصنع أن يعمل طوال الليل والنهار..
وقضت الصناعة الآلية على الوسائل الحرفية التي كانت هي أسلوب العمل، وتشرد عمالها، وأصبح الملاذ الوحيد أمامهم هو المصنع...
وكان الذي تولى إقامة هذه المصانع هم أصلا من تجار الغزل والنسيج التي ظهرت "الميكنة" فيها أولا، ثم أضيف إليهم كبار الملاك الذين كانوا يملكون مناجم الفحم والحديد.. وكانوا جميعًا لا يستهدفون سوى الربح، وفي سبيل الربح قامت منافسة "لقطع الأعناق" كما يقول تعبير إنجليزي فيما بينهم، فكل واحد يريد أن يستأثر بالربح، وفي هذا السبيل فإنه يحاول أن يبيع منتجاته بأسعار أقل، وكان الهبوط بمستوى أجور العمال هو أسهل طريق أمامهم لضغط التكلفة..
من ناحية أخرى، فإن قانون العرض والطلب كان يسير ضد مصلحة العمال، فتدمير الطرق اليدوية في الحرف، وتشريد عمالها جعل أعدادًا غفيرة تقف على أبواب المصانع الحديثة.. لتعمل كعمال في الوقت الذي كانت الميكنة لا تتطلب إلا عددًا محدودًا منهم، وبقدر ما كانت وسائل الميكنة تتقدم وتتحسن بقدر ما كان الطلب على العمال يقل، وبالتالي يزداد العرض..
وهكذا وجد العمال في أوائل الثورة الصناعية أنفسهم بين قانون لا يرحم هو قانون العرض والطلب، يهبط بمستوى الأجور، وبين منافسة قاتلة ما بين أصحاب الأعمال تجعل الهبوط بالأجور هو السبيل الأول لضغط التكلفة، وكانت النتيجة أن هبطت الأجور حتى وصلت إلى حد الكفاف..
ميلاد الحركة النقابية
استنجد العمال بالحكومة لمواجهة ما يتعرضون له من ظلم، ولكن الحكومة أعطتهم أذانًا صماء؛ لأنها كانت حكومة أصحاب المال (الرأسمالية)، واستنجدوا بالكنيسة فأوصتهم بالرضا بقدرهم والاستسلام له.. وحاولوا الثورة، وتحطيم الآلات؛ فسلطت عليهم السلطة سيف القانون، وجعلت الإعدام عقوبة لتحطيم الآلات..
وسط تلك الظروف التمعت فكرة "ماذا لو اتحد العمال الذين يحترفون حرفه واحدة في "نقابة" تتولى هي عرض العمل، بدلاً من أن يتكوكبوا أمام بوابات المصانع، ويسمحوا
لأصحاب الأعمال بإجراء مناقصة في الأجور؟" إن هذه الوسيلة تقلب قانون العرض والطلب وتجعله كما لو لم يكن هناك سوى عامل واحد. هو النقابة التي "احتكرت" عرض العمل..
وكان الطريق أمامها حافلاً بالأشواك والمثبطات، ولكن العمال كافحوا – لمدة قرنين من الزمان- قبل أن تستطيع الحركة النقابية أن تكتسب القوة التي تمكنها من مجابهة أصحاب الأعمال مجابهة الند للند، وأن تنزلهم من عليائهم ليجلسوا على مائدة المفاوضات التي تنتهي باتفاقية جماعية. وبالطبع فإن الذي جعل أصحاب الأعمال يقبلون الجلوس مع العمال هو أنه إذا فشلت المفاوضات فسيلوذ العمال بالإضراب الذي يشل العمل في المصانع ويوقف سيل الأرباح لأصحاب الأعمال.
ولما كان الإضراب أشبه بحرب على المستوى الصناعي فقد كان على العمال أن يتعلموا بطريقة التجربة والخطأ، وأن يدفعوا ثمن ذلك غالبًا، ولكنهم في النهاية تعلموا الدرس.
وللحركة النقابية جوانب أخرى سياسية، واجتماعية لا يتسع الحال لشرحها. وفي كتاب "الحركة النقابية حركة إنسانية" قلنا بأنها تأتي بعد الأديان، وقبل الديمقراطية والاشتراكية في النهضة بالشعوب والجماهير.. وأنها أدخلت وسائل إنسانية في الكفاح مع أصحاب الأعمال تقوم على الشورى والتعاون وأنها خاضت غمار السياسة، بتكوينها الأحزاب ذات الاتجاهات الشعبية أو بمحاولاتها الخاصة كالتي قام بها عمال بريطانيا خلال المدة من 1838 – 1848 لإصلاح نظام الانتخابات وحملت اسم "الحركة الميثاقية"..
الثورة التكنولوجية والتكتيك النقابي الجديد
وتتعرض الحركة النقابية لتحديات جاء بها التقدم التكنولوجي وظهور الكومبيوتر والإنترنت مما أخل بنوعية العضوية النقابية وانحسار عمال الصناعات الثقيلة وزيادة عمال الخدمات واستخدام الكمبيوتر في المنازل، فضلاً عن حركات الاندماج ما بين المؤسسات العملاقة لتزداد عملقة، وليمكن توفير أعداد من العمال بعد أن قلص التقدم التكنولوجي أعدادهم من قبل.. بحيث ظهرت الحاجة إلى "تكتيك" نقابي جديد حتى لا يتشرد العمال اليوم كما تشردوا في أعقاب الثورة الصناعية الأولى.
ولما كان أسلوب عمل النقابات هو الضمانة الحقيقية للعمال في المجتمعات الحديثة، فإن الهيئات الدولية حمت حق تكوين النقابات والانضمام إليها، واعتبرت ذلك من الحقوق الأساسية للإنسان. فنصت الفقرة 4 من المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة سنة 1948م على حق كل إنسان في تكوين النقابات والانضمام إليها، كما عززت اتفاقيتا الأمم المتحدة الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هذا الحق.
وفي عهد سابق تكونت "منظمة العمل الدولية" سنة 1919 كجزء من تسوية السلام في آثار الحرب العالمية الأولى، وجعلت همها معالجة قضايا العمل وتسويتها ما بين الأطراف الثلاثة: (الحكومات – العمال – أصحاب الأعمال)، وتنضم اليوم كل دول العالم تقريبًا إلى منظمة العمل الدولية بمقرها في جنيف، ويكون تمثيل كل دولة على أساس ثلاثي. أي بمندوبين من الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال.
وتنفرد منظمة العمل الدولية بين المنظمات الدولية بهذه الصفة، وتعقد المنظمة مؤتمرًا سنويًا في يونيو من كل عام يحضره مندوبو الدول الأعضاء بصفتهم الثلاثية لمناقشة قضايا العمل، ولوضع "اتفاقيات" و"توصيات". والاتفاقية تعد معاهدة ملزمة للدول التي تصدق عليها.
وهناك عدد من الاتفاقيات التي أصدرتها المنظمة خاصة بحماية الحرية النقابية، أبرزها الاتفاقية 78 سنة 1948م عن حرية التكوين النقابي، والاتفاقية 98 لسنة 1949م عن حماية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، ومعظم الدول مصدقة على هذه الاتفاقيات التي تعد من أعرق الاتفاقيات ومن الاتفاقيات الخاصة بالحقوق الأساسية للإنسان.
وقد تكونت في السبعينيات منظمة عربية على غرار منظمة العمل الدولية هي منظمة العمل العربية التي أصدرت أيضًا اتفاقية عن الحرية النقابية.
الحركة النقابية في المجتمعات الإسلامية
وفي رأيي أن الفكر الإسلامي التقليدي قابل الحركة النقابية بشيء من التجهم عندما بدأت تظهر في الدول الإسلامية، فربما نظر إليها بعضهم باعتبارها منظمات شيوعية يكونها الشيوعيون، وأنها تؤدي إلى القلق والاضطراب والفتنة.
وكان لا بد لتبديد هذه الشبهات، وقد قام بهذه المهمة الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل الذي تكّون في جنيف عام 1981، وضم عددًا من النقابات في السودان والأردن والمغرب وباكستان وبنجلاديش.
وأهم عمل قام به الاتحاد هو أنه وضع تنظير إسلامي للحركة النقابية يختلف عن تنظيرها في المجتمع الرأسمالي وتنظيرها في المجتمع الاشتراكي، وبرهن على تقبل المجتمع الإسلامي للنقابات بوجود الأصناف في العهد العباسي، فضلاً عن أن هدف النقابات وهو العدل هو نفسه هدف الإسلام.
ووصل عمق دراسات الاتحاد في هذا المجال درجة أثبتت فيها أن الآية "282" من سورة "البقرة" التي تحدث فيها القرآن عن الدَّين بلورت عناصر الاتفاقيات الجماعية دون تطويع أو ابتسار، وشرح الاتحاد ذلك في الكتاب الذي أصدره عن "الإسلام والحركة النقابية"، والذي ظهرت طبعته الأولى سنة 1980م ليكون تحت يد أعضاء المؤتمر التأسيسي. وأعيد طبعه في الجزائر، ثم طبع طبعة ثانية بعد أن نفدت الطبعة الأولى.
وقام الاتحاد بنشاط كبير، ولكنه قوبل بمعارضة من كثير من الاتحادات العمالية التي ربطت مصيرها بالنظم الحاكمة، وما يفرضه ذلك عليها من اتباع لهذه النظم وعدم الخروج عليها، كما أن الاتحادات العمالية ذات الاتجاهات اليسارية ضاقت به أيضًا.. وحدثت آخر معاركه مع الاتحاد الدولي للنقابات الذي يسيطر عليه اتحاد عمال الولايات المتحدة عندما أعلن الاتحاد الإسلامي عن عزمه على عقد مؤتمر لنصرة القدس.
وتضمنت الكتب التي أصدرها الاتحاد مجلدًا عن الحرية النقابية من ثلاثة أجزاء، وسلسلة من الكتيبات، وكتابًا عن أزمة النقابية في المجتمع الرأسمالي والاشتراكي… إلخ.
ومعظم النقابات في الدول الإسلامية ترتبط بالنظم الحاكمة، ويعتمد بعضها في تمويل نشاطاته على الاتحادات العمالية الدولية، ففي فترة الأربعينيات وما تلاها كانت الحركة النقابية في الدول العربية ذات التوجه اليساري تعتمد على الاتحاد العالمي للنقابات (براج) الذي يموله الاتحاد السوفيتي، وكانت النقابات في المجتمعات العربية الرأسمالية تعتمد على الاتحاد الدولي للنقابات الحرة (بروكسل).
ولما تهاوى الاتحاد السوفيتي تهاوى معه الاتحاد العالمي، وانفرد الاتحاد الدولي للنقابات الحرة بالهيمنة على عالم النقابات العربية والإسلامية، ولما كان هذا الاتحاد يخضع للنفوذ الأمريكي فإن توجهاته كثيرًا ما تتعارض مع توجيهات هذه النقابات.
وقد كان للحركة النقابية في بعض الدول كتونس والسودان أثر كبير في السياسات القومية في فترة الأربعينيات والخمسينيات، ولكن هذا الأثر تقلص في الفترة المعاصرة.
ويظل الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل مشكلاً – في رأيي – لبادرة أمل بالنسبة للحركة النقابية؛ إذ يعتبر هو الوحيد الذي يضع تنظيرا نقابيًا فنيًا أصيلاً بعيدًا عن تلفيقات بعض الكتاب، أو استتباع بعض الأحزاب، ويتفق في الوقت نفسه مع وجدان هذه الشعوب وتاريخها وتقاليدها.

________________________________________
(1) استشهد بها في كتاب "الإسلام والحركة النقابية - جمال البنا، الطبعة الثالثة، ص 44- دار الفكر الإسلامي.
(2) وقد عالجنا موضوع الأصناف بتفصيل في كتاب "الإسلام والحركة النقابية"، والذي أصدره الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل.

sofyunited
08-05-2009, 00:04
مستعجل جدا في بحت بعنوان #الجداول الاقتصادية#من فضلكم.

moh.2000
08-05-2009, 11:53
السلام عليكم
للاسف لا يوجد لدي بحث الجداول الاقتصادية...
تقبل تحياتي ...........

حليم1000
08-05-2009, 15:37
السلام عليكم من فضلكم اريد بحث بعنوان الادخار (العالم الثالث)

moh.2000
09-05-2009, 21:47
السلام عليكم
للاسف لا يتوفر البحث.......تقبل تحياتي

wisam
09-05-2009, 22:25
اخي موح شكرا على المساعدة

wisam
09-05-2009, 22:27
السلام عليكم مشكور موح

Brouks
11-05-2009, 06:21
السلام عليكم
من فظلكم أريد بحثا أو مذكرة حول
-إجراءات التدقيق في بنك تجاري
-تنظيم عملية التدقيق

moh.2000
11-05-2009, 18:28
السلام عليكم
للاسف البحث غير متوفر..........

shanemore
12-05-2009, 21:45
السلام عليكم
انا طالب جامعي سنة اولى ماستر نقود و مالية و في امس الحاجة لبحث و الله جد مهم و مع اني بحثت كثيرا و لكني لم اجد اي شيء يتعلق به و عنوان ه\ا البحث هو





******النظرية الكنزية بعد كينز*******




يعني بعد موت كينز هناك من قام بإدخال تعديلات على نظريته الشهيرة المتعلقة بكمية النقود و الطلب الكلي الفعال
بارك الله فيكم على المجهود و السلام عليكم آدم

moh.2000
12-05-2009, 23:16
السلام عليكم
اخي الكريم كان بودي المساعدة و لكن للاسف لا يتوفر البحث...تقبل تحياتي ......

merymaria
14-05-2009, 15:34
السلام عليكم
ارجو من كل طالب او طالبة بحوزته معلومات او مذكرة بخصوص التسويق التاميني او مزيج التسويق التاميني ان يساعدني وسيجازيه الله .

moh.2000
14-05-2009, 16:42
السلام عليكم
كاين عندي مذكرات حول التسويق ولكن التسويق التاميني لا يوجد للاسف.......

chemssou11
17-05-2009, 18:02
اريد بحث حول التدفقات المالية الدولية

moh.2000
17-05-2009, 23:15
السلام عليكم
اهلا للاسف البحث غير متوفر....

داودي بوعلام
18-05-2009, 22:01
:D مرحبا أنا العضو المميز داودي بوعلام لدي مجموعة مذكرات في العلوم التجارية لهذا أرجو منكم كتابة طلب إلى البريد الالكترونيالتالي: (تم حذف الإيميل لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى)

boudjelbana
18-05-2009, 22:13
اريد بحثا حول الازدواج الضريبي

سارة م
18-05-2009, 22:32
ميزانية الجماعات المحلية

hadjer09
19-05-2009, 19:31
أريد بحث عن قوة البيع

moh.2000
20-05-2009, 23:03
السلام عليكم...
للاسف جميع البحوث غير متوفرة ....تحياتي لجميع الاعضاء...

shanemore
21-05-2009, 10:58
السلام عليكم
ممكن تتفضلوا يا احباب الله و تعطوني معلومات عن الصناديق السيادية تعريفها انوعها اسباب انشاؤها مخاطرها مصادر اموالها ....................اي شيء يتعلق بهذا البحث
و مشكورين على المجهود
سلاااااااااااااااااام
آدم

sima
22-05-2009, 12:09
salem من فضلك أريد بحث حول توازن السوق في المنافسة الاحتكارية و شكرا

pink
22-05-2009, 12:19
اريد مساعدة حول بحث السوق الاقتصادية urgent

pink
22-05-2009, 12:28
ساعدوني اريد بحث حول السوق الاقتصادية :(

miristar
30-05-2009, 16:17
افاق عصرنة الميزانية العامة فى الجزائر

moh.2000
30-05-2009, 19:10
السلام عليكم
اخواني الطلبة و الطالبات اسمحولي على عدم الرد على طلباتكم كما يعلم الجميع فنحن في فترة امتحانات لذا لا استطيع الرد على طلباتكم ...

maam
31-05-2009, 09:22
السلام عليكم إخواني الأعزاء إني بأمس الحاجة الى مساعدة فيما يتعلق بمذكرة حول تمويل البنوك الإسلامية للأفراد صيغة المرابحة

الحاج كونان
31-05-2009, 14:05
بارك الله فيك أخي

racha01
03-06-2009, 11:26
السلام عليكم ابحث عن عناوين رسائل تخرج تخص البنوك الاسلامية

chainez
04-06-2009, 11:09
أرجوكم أريد بحث في أهمية نقطة التعادل في التحليل المالي هذا عاجل

zahrachaimaa
07-06-2009, 17:55
السلام عليكم و رحمة الله اريد المساعدة في مدكرة التخرج بعنوان واقع بحوث العمليات في المؤسسات .

sima
07-06-2009, 19:53
البورصة في الجزائر من فضلكم عاجل

alibest100
08-06-2009, 20:43
اخي من فضلك ممكن تزودني بعاوين مذكرات تخرج في تخصص بنوك ملبية ونقود

alibest100
11-06-2009, 20:23
ممكن
ترد
علي

lakhdarayachi
11-06-2009, 23:30
اتصل اخي وساحاول المساعدة بالمستطاع

hasna-biologie
13-06-2009, 20:37
السلام عليكم دلوني على كتاب مقياس قانون الأعمال مشكورين

moh.2000
13-06-2009, 21:04
السلام عليكم
اهلا بكم جميعا للاسف لم اكن ارد على طلباتكم لانشغالي بالامتحانات عذرا .......
العضو الذي يبحث عن كتاب حول قانون الاعمال يوجد لدي كتاب تحت عنوان قانون الاعمال و القانون التجاري يرجى الاتصال بي للحصول عليه ......تقبلوا تحياتييييييييييييييييييييييييي....

zinnoo walido
19-06-2009, 23:01
سلام عليكم
خاوتي لي عندو مذركرات 2009 تخصص مالية ميبخلش بيهم علينا
ربي يوفقكم وينجحكم

ASTERIX
20-06-2009, 00:02
الاخ moh بارك الله فيك و أكثر من أمثالك هل ممكن ان أجد عندك بحث حول مؤسسات النقل في الجزائر *شكراا مسبقا *

abouhmid
20-06-2009, 18:51
مممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممم ممممممشكولررررررررررررررررررررررر

moh.2000
20-06-2009, 20:58
السلام عليكم
بحث حول مؤسسات النقل في الجزائر للاسف غير متوفر ....بالنسبة للمذكرات لدي بعض المذكرات لسنوات سابقة ........تقبلو تحياتي ....

ASTERIX
21-06-2009, 19:34
أي مذكرات تقصد أخي الفاضل؟

moh.2000
22-06-2009, 18:20
السلام عليكم
اخي الكريم يرجى الاتصال بالسكايب او الياهو و ساقدم لك بعض المذكرات ............تقبل تحياتي.

moh.2000
22-06-2009, 18:31
السلام عليكم
اخي الكريم يرجى الاتصال بالسكايب او الياهو و ساقدم لك بعض المذكرات ............تقبل تحياتي.

ASTERIX
22-06-2009, 20:05
أخي الفاضل أحتاج لأي معلومات عن مؤسسات النقل في الجزائر و شكراا جزيلااا

عبدالكريم1
25-06-2009, 10:20
السلام عليكم أرجو المساعدة للحصول على مذكرة تحت عنوان اشكلية تمويل السكن في الجزائر أو الطلب على السكن أو اي مذكرة تتعلق بالسكن

moh.2000
26-06-2009, 08:45
السلام عليكم
للاسف كلا البحثين غير متوفرين ....تقبلو تحياتي .

messo nasr
27-06-2009, 11:41
السلام عليكم هذة هي المرة الاولى للمشاركة معكم فقد قمت بالتسجيل في هذا المنتدى الرائع لمى بة من خدمات ومساعدات للباحثين فانا طالبة ماجستير ولدي بحث بعنوان شرح كيفية الترويج لسلعة او خدمة الكترونيا , وجزاكم اللة عنا خير الجزاء

moh.2000
27-06-2009, 19:51
السلام عليكم
اهلا بك اختي الفاضلة يوجد لدي بحث تحت عنوان :الترويج في مقياس التسويق المعمق سنة اولى ماجستير وبحث حول الابتكار في مجال الترويج و اخر تحت عنوان التسويق و التجارة الاكترونية لكان تسحقيهم يرجى الاتصال بالياهو او السكايب .....تقبلي تحياتي.

hanane19
27-06-2009, 21:38
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
أريد موضوع للماجستير تخصص مالية و محاسبة
أرجو المساعدة في أقرب الآجال
و شكرا

لمياءalg
28-06-2009, 13:55
السلام عليكم
اطلب مساعدة في موضوع اشكالية التمويل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة
حيث سيكون موضوع المذكرة للعام القادم
وشكرا

يوسف02
29-06-2009, 10:14
السلام عليكم ........اريد منكم عناوين مذكراتليسانس في الاقتصاد نقود مالية وبنوك

moh.2000
29-06-2009, 18:13
السلام عليكم
للاسف كل المواضيع غير متوفرة ....تقبلو تحياتي .

mamoucha555
02-07-2009, 23:45
أرجو منكم مساعدتي مذكرة تخرج بعنوان تبيض الأموال أو غسيل الأموال

samira 66
03-07-2009, 00:50
السلام عليكم اريد بحث عن المعاييرالدولية للابلاغ المالي وآليات تطبيقها وكدا مقارنتها بمعاييرالاتحاد الاوروبي
في اسرع وقت ممكن رجاءا
وشكرا

mamoucha555
03-07-2009, 12:28
السلام عليكم من فضلكم أريد بحت حول تبيض الأموال أو غسيل الاموال

mamoucha555
03-07-2009, 12:36
أريد بحت حول غسيل الأموال

mamoucha555
03-07-2009, 12:37
طلب مذكرات تخرج بعنوان غسيل الأموال

mamoucha555
03-07-2009, 13:46
ـأريد المساعدتي في إتمام مذكرة تخرجي بعنوان تبيض الأموال أو غسيل الاموال

moh.2000
03-07-2009, 15:31
السلام عليكم
للاسف جميع المواضيع غير متوفرة ......

mamoucha555
03-07-2009, 15:55
طلب مذكرات تخرج بعنوان تبيض الاموال أو غسيل الاموال من فضلكم

rochouda
04-07-2009, 11:51
السلام عليكم :أنا بحاجة ماسة لدروس الإحصاء الوصفي أو مذكرات في الاحصاء الوصفي وأتمنى أن تكون من ةلاية بسكرة
ولكم الشكر الجزيل

èspoire imi
07-07-2009, 13:33
السلام عليكم
من فضلكم ابحث عن محاضرات غي اقتصاد التنمية

ارجو المساعدة

moh.2000
07-07-2009, 19:17
السلام عليكم
للاسف كل المواضيع غير متوفرة ................

mamoucha555
08-07-2009, 10:59
أريدمذكرة تبيض الأموال

moh.2000
08-07-2009, 12:55
السلام عليكم الاخت mamoucha 555 لا يتوفر لدي اي موضوع عن تبييض الاموال فعذرا على عدم تلبية الطلب .........تقيلي تحياتي

zoubida09
09-07-2009, 19:29
السلام عليكم :اريد عناوين حول تخصص مالية و بنوك من اجل مذكرة الليسانس و ذلك قبل الاثنين,

و انا في انتظار ردكم,

تقبلوا شكري و اسمى عبارات التقدير.

alibest100
15-07-2009, 11:33
ممكن مذكرة حول مخاطر السيولة لو ممكن

كلتومي
25-09-2009, 20:42
انا اريد عنواين لمواضيع التخرج في الاقتصاد القياسي

كلتومي
25-09-2009, 20:43
وانا متشكرة على تعاونكم

moh.2000
25-09-2009, 21:17
سلام
للاسف غير متوفر...............

moh.2000
25-09-2009, 21:18
سلام
للاسف غير متوفر...............

nabila.b
04-10-2009, 18:15
السلام عليكم من فضلكم ساعدوني على اختيار موضوع التخرج ليسانس ل. م.د تخصص بنوك ومالية
جزاكم الله خيرا على كل ما قدمتموه لنا وما سوف تقدموه ه\ا العام انشاء الله ووفقنا الله على النجاح

oussama4749
05-10-2009, 14:55
السلام عليكم. اريد مدكرة تخرج بعنوان تسير التخزين فى المؤسسة تقبل منى فائق الشكر ولأحترام

moh.2000
05-10-2009, 17:50
السلام عليكم
اخي الكريم لقيتلك مذكرة تحت عنوان تسيير المخزونات دراسة حالة الشركة الجزائرية للالمنيوم
و اخرى تحت عنوان المؤسسة وتسير المخزون يرجى الاتصال للحصول عليها لا تتردد نحن في الخدمة ما قدرتش نحطهم هنا لانهم مقسمين كل مبحث وحدو كا واحد في فيشي ...تقبل تحياتي *

kristale
06-10-2009, 18:40
من فضلك اخي اريد كتب
اقتصاد البنوك
ادارة البنوك
ادارة المصارف
البنوك الشاملة
البنوك التجاريةالمصرف و الاعمال المصرفية

zinnoo walido
09-10-2009, 17:08
صحا حبيبنا خصني مذكرات تاع فينونس والله ماعندي حتا فكرة المهم المواضيع تاوعها يكون جدد كيم الازمة العاليمة ولا النضام المحاسبي الجديد




وراني نستنا فيك

zahrachaimaa
09-10-2009, 21:23
سلام, اريد المساعدة في مدكرة التخرج تكون فيها نمادج بحوث العمليات
وشكرا

moh.2000
09-10-2009, 22:31
سلام للاسف كل البحوث غير متوفرة.......

brahimkoumad
18-10-2009, 10:02
السلام عليكم و حياكم الله و جزاكم عنا كل خير من فضلكم اريد عناوين مدكرات التخرج لسنة 2008/2009 تخصص مالية و بنوك

ms_rim
18-10-2009, 16:42
salem alikom
je veux une thèse de gestion "gestion des ressources humaine" j'aimerai bien vous m'aider
merci bien salem

brahimkoumad
19-10-2009, 14:18
اريد مدكرات تخرج تخصص نقود مالية

moh.2000
19-10-2009, 14:38
سلام
للاسف كل البحوث غير متوفرة......

سارة م
19-10-2009, 18:24
اهلا و سهلا من فضلكم اريد مذكرة تخرج حول قروض الاستغلال

moh.2000
19-10-2009, 21:34
سلام
للاسف غير متوفرة....

خ جوهر
21-10-2009, 21:43
من فضلك اريد موتضيع مذكرات تخصص تسويق.

brahimkoumad
22-10-2009, 11:18
السلام عليكم ستجدين موضوعك في مركز البحوث العلمية ببامعة طلاب الجزائر

خ جوهر
23-10-2009, 18:00
السلام عليكم احتاج الى مواضيع مذكرات حول الخزينة العمومية و ان امكن اريد النصح حول ما يمكنني ان اقدم كموضوع لمذكرتي حيث انني وجدت تربص تطبيقي في الخزينة العمومية في الجزائر و ليس عندي فكرة عما يمكنني ان اضعه كموضوع لمذكرتي

حنو
23-10-2009, 18:46
السلام عليكم اخواني اخواتي ارجوك منكم مساعدتي ابحث عن مدكرة تخرج فرع مالية

خ جوهر
23-10-2009, 23:06
من فضلكم اريد مذكرات او كتب عن الخزينة العمومية .

biba8
25-10-2009, 19:37
السلام عليكم
انا طالبة سنة رابعة تخصص نقود مالية و بنوك من فضلكم اريد مساعدة في ايجاد عنوان لمذكرتي اريد عناوين حول البنوك فقط

m.hadjra
26-10-2009, 12:24
انا مقبلة على السنة 3 ، تخصص مالية lmd يعني في هذا العام مقبلة على شهادة الليسانس ان شاء الله ارجوا لمن يفيدني ببعض مواضيع المقترحة لمذكرة التخرج و لكم مني جزيل الشكر و فائق الاحترام و التقدير .